← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ـ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ ـ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لاَ. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ"١. فهذا الحديثُ فيه فضلُ هذه الآية الكريمة، وعظمُ نفعها، وشدَّةُ تأثيرها في التحرُّز من الشيطان والوقاية من شَرِّه، وأنَّ مَن قرأها عند نومه حُفظ وكُفِيَ ولَم يَقْرَبه شيطان حتى يصبح؛ ذلك أنَّ هذه الآية الكريمة فيها من توحيد الله وتمجيده وتعظيمه وبيان تفرده بالكمال والجلال ما يحقق لِمَن قرأها الحفظَ والكفايةَ، ففيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة، وقد بُدئت بذكر تفرد الله بالألوهية وبطلان ألوهية كلِّ من سواه، ثم ذِكْرِ حياة الله الكاملة التي لا يلحقها فناء، وذِكْرِ قيوميَّته سبحانه أي: قيامه بنفسه وقيامه بتدبير أمور خلقه، وذكر تَنَزُّهَه سبحانه عن صفات النقص كالسِّنَة والنوم، وبيان سعة ملكه سبحانه وأنَّ جميع من في السماوات والأرض عبيدٌ له داخلون تحت قهره وسلطانه، وذَكَرَ من أدلَّة عظمته أنَّه لا يمكن لأحد من الخلق أن يشفع عنده سبحانه إلاَّ من بعد إذنه، وفيها إثباتُ صفة العلم لله سبحانه، وأنَّ علمَه سبحانه محيطٌ بكلِّ معلوم، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لَم يكن لو كان كيف يكون، وفيها بيانُ

стр. 632

عظمة الله سبحانه بذكر عظمة مخلوقاته، فإذا كان الكرسي وهو مخلوقٌ من مخلوقاته وسع السماوات والأرض فكيف بالخالق الجليل والرب العظيم، وفيها بيانُ عظمة اقتداره سبحانه، وأنَّه سبحانه من كمال قدرته لا يؤوده أي: لا يثقله حفظ السماوات والأرض، ثم ختمت الآية بذكر اسمين عظيمين لله وهما "العلي العظيم"، وفيهما إثباتُ علوِّ الله سبحانه ذاتاً وقدراً وقهراً، وإثباتُ عظمته سبحانه بالإيمان بأنَّ له جميع معاني العظمة والجلال، وأنَّه لا يستحق أحدٌ التعظيمَ والتكبير والإجلال سواه. فهي آيةٌ عظيمةٌ فيها من المعاني الجليلة والدلالات العميقة والمعارف الإيمانية ما يدلُّ على عظمها وجلالة شأنها، وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنَّها أعظمُ آية في القرآن الكريم كما في الصحيح "أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال لأُبَيِّ بن كعب: يا أبا المنذر أَتَدْرِي أيَّ آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فردَّدَها مراراً ثم قال أُبَيٌّ: هي آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فقال: لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذر"١، أي: ليكن العلم هنيئاً لك. ومِمَّا يُستحب للمسلم أن يحافظَ عليه عند ما يأوي إلى فراشه أن يقرأ سورةَ الكافرون، ويجعلها آخر ما يقرأ فإنها براءةٌ من الشرك. روى الإمام أحمد في مسنده عن فَروة بن نوفل الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: "دفع إليَّ النَّبِيّ ﷺ ابنة أم سلمة، وقال: إنَّما أنت ظئْري، قال: فمكثت ما شاء الله ثم أتيته، فقال: ما فعلت الجاريةُ أو الجويرية قال: قلت: عند أمِّها، قال: فمجيءُ ما جئتَ قال: قلت: تُعلِّمنِي ما أقول عند منامي،

стр. 633

فقال: اقرأ عند منامك ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (ثم نَمْ على خاتِمَتِها فإنها براءةٌ من الشرك"١. وقد دلَّ هذا الحديثُ على فضل هذه السورة، وفضل قراءتها عند النوم، والترغيب في أن ينامَ المسلمُ على خاتمتها، ليكون آخرَ ما نام عليه هو إعلانُ التوحيد والبراءةُ من الشرك، ولا ريب أنَّ مَن قرأها وفهم ما دلَّت عليه وعمل بما تقتضيه، فقد برئ من الشرك ظاهراً وباطناً، وقد كان بعض السَّلف يُسميها: المُقَشْقِشَة، يقال: قَشْقَشَ فلان، إذا برئ من مَرضه، فهي تبرئ صاحبها من الشرك. وتُسَمَّى هي وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بسورَتي الإخلاص؛ لأنَّ فيهما إخلاصُ التوحيد بنوعيه العلمي والعملي لله ﵎. وقد كان النَّبيُّ ﷺ يُواظب على قراءتهما في ركعتَي الفجر، فيفتَتِحُ بهما عملَ النهار، وكان يقرؤهما في سُنَّة المغرب فيختتمُ بهما عملَ النهار، وكان يوتر بهما فيكونان خاتمةَ عمل الليل، وسبق أن مرَّ معنا أنَّه ﷺ كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذا آوى إلى فراشه، وفي حديث نوفل هذا الترغيبُ في قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند النوم، فيكونان بذلك الخاتمةَ التي ينام عليها المسلم.

стр. 634

١٢٣ / فضل قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة كلَّ ليلة لقد ثبت في السنة عن النَّبِيّ ﷺ الترغيب في قراءة الآيتين اللَّتين خُتمت بهما سورة البقرة في كلِّ ليلة، وذكر في ذلك ﷺ فضلاً عظيماً، ففي الصحيحين عن أبي مسعود ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" ١. وقد دلَّ هذا الحديثُ على فضل قراءة هاتين الآيتين كلَّ ليلة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٢. وهما آيتان عظيمتان دلَّت الأولى منهما على إيمان الرسول والمؤمنين معه بالله وبكلِّ ما أمرهم سبحانه بالإيمان به، وانقيادهم وطاعتهم له سبحانه في جميع أوامره، حيث أخبَر فيها سبحانه أنَّهم آمنوا بالله وملائكته وكُتُبه ورسله، وهذا يتضمَّن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه وأَخبَرت به عنه رسُلُه

стр. 635

من صفات كماله ونعوت جلاله، وتَنْزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النَّقص، ويتضمَّن الإيمان بالملائكة الكرام، وبجميع ما ذكر عنهم في الوحي؛ من أسمائهم وأوصافهم وأعدادهم ووظائفهم، والإيمانُ بجميع الرُّسل ﵈ والكتب المنَزَّلة عليهم، وما تضمَّنته الكتبُ من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنَّهم لا يفرِّقون بين أحد من رسل الله، بل يؤمنون بالجميع، ويقولون سمعنا ما أمرتنا به ونَهيتنا عنه، وأطعنا لك في ذلك، ويسألونه المغفرةَ على ما صدر منهم من تقصير أو إخلال، ويؤمنون بأنَّ مرجعَهم ومصيرَهم إليه سبحانه فيجازيهم بما عملوا من خير وشر، هذا خلاصةُ ما دلَّت عليه الآيةُ الأولى. والآيةُ الثانية فيها الإخبار بأنَّ الله لا يكلِّف الناسَ ما لا يطيقون أو يشق عليهم فعله، بل كلَّفهم بما فيه غذاءُ أرواحهم، ودواءُ أبدانهم، وصلاحُ قلوبهم، وزكاءُ نفوسهم، وفيها الإخبارُ بأنَّ لكلِّ نفس ما كسبت من الخير وعليها ما اكتسبت من الشَّرِّ، ولَمَّا أخبر تعالى عن إيمان الرَّسول والمؤمنين معه وأنَّهم قابلوا أمرَ الله بالسمع والطاعة، وأنَّ كلَّ عامل سيُجَازَى بعمله، وكان الإنسانُ عرضةً للتقصير والخطأ والنسيان أخبر أنَّه لا يكلِّف العبادَ إلاَّ ما يطيقون، وأخبر عن دعاء المؤمنين بذلك ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر ما جاء في الآيات من دعوات مباركة، وقد أخبر النَّبِيّ ﷺ أنَّ الله قال: "قد فَعَلتُ" أي: أجبتُ لِمَن دعا بهذه الدعوات. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: نعم"١.

стр. 636

فتضمَّنت الآيتان إيمان المؤمنين بالله، ودخولهم تحت طاعته وعبوديته واعترافهم بربوبيته، واضطرارهم إلى مغفرته، واعترافهم بالتقصير في حقِّه، وإقرارهم برجوعهم إليه، واستشعارهم لمجازاته إياهم على أعمالهم، ودعائهم إيَّاه سبحانه، وسؤالهم العفو والمغفرة والرحمة والنصر على الأعداء، وهي بلا ريب معان عظيمة تدلُّ على كمال إيمانهم وتمام قبولهم وصدق انقيادهم لله رب العالمين. ولهذا أخبر النَّبِيّ ﷺ في الحديث المتقدم أنَّ من قرأهما في ليلة كفتاه، قال الشوكاني ﵀: "أي: أغنتاه عن قيام تلك الليلة بالقرآن، أو أجزأتاه عن قراءته القرآن، أو أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملت عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً، أو وَقَتاه من كلِّ سوء ومكروه، أو كفتاه شر الشياطين، أو شر الثقلين أو شر الآفات كلِّها، أو كفتاه بما حصل له من ثواب غيرها، ولا مانع من إرادة هذه الأمور جميعها، ويؤيد ذلك ما تقرر في علم المعاني والبيان من أنَّ حذف المتعلق مشعرٌ بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كل شر أو من كل ما يخاف، وفضل الله واسعٌ"١ اهـ كلامه ﵀. وقد اختار ابن القيم ﵀ أنَّ معنى كفتاه أي: من شر ما يؤذيه فقال في كتابه الوابل الصيب: "الصحيح أنَّ معناها: كفتاه من شر ما يؤذيه، وقيل: كفتاه من قيام الليل، وليس بشيء"٢ اهـ. فحريٌ بالمسلم أن يحافظَ على قراءة هاتين الآيتين كلَّ ليلة؛ لينال هذا الموعود الكريم بأن يُكْفَى من كلِّ شَرٍّ يؤذيه، وقد ورد عن علي بن أبي

стр. 637

طالب ﵁ أنَّه قال: " ما أرى أحداً يعقل بلغه الإسلامُ ينامُ حتَّى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنَّها من كنْز تحت العرش"١. وقوله ﷺ "فإنَّها من كنْز تحت العرش " ثبت مرفوعاً إلى النَّبِيّ ﷺ في غير ما حديث، منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطِيتُ خواتيم سورة البقرة مِن كَنْز تحت العرش"٢. وفي المسند أيضاً عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإنِّي أُعْطِيتُهما من تحت العرش"٣. ومِمَّا ورد في فضل هاتين الآيتين ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "بينما جبريل قاعدٌ عند النَّبِيّ ﷺ إذ سَمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: "هذا بابٌ فُتح اليوم لَم يُفتَح قَطُّ إلاَّ اليوم، فنَزَل منه مَلَكٌ فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرض لَم يَنْزِل قَطُّ إلاَّ اليوم فسَلَّمَ، وقال: أَبْشِر بنُورَيْن أُوتِيتَهُما لَم يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تَقرَأَ بِحرف منها إلاَّ أُعْطِيتَه"٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اعلم أنَّ الله سبحانه أعطى نبيَّه محمداً ﷺ وبارك ـ خواتيم سورة البقرة من كَنْز تحت العرش، لَم يُؤْتَ منه نَبِيٌّ قبله، ومن تدَبَّر هذه الآيات وفهم ما تضمَّنته من

стр. 638

حقائق الدِّين، وقواعد الإيمان الخمس، والرد على كلِّ مُبْطِل، وما تضمنته من كمال نِعَم الله تعالى على هذا النَّبِيِّ ﷺ وأمَّته، ومحبة الله سبحانه لهم وتفضيله إيَّاهم على من سواهم فلْيَهْنِه العلم"١، ثم ذكر ﵀ كلاماً نفيساً في بيان معناها. وفي كلامه ﵀ حثٌ على العناية بهاتين الآيتين حفظاً وقراءة وتَدَبُّراً وتحقيقاً، والله المرغوبُ أن يوفِّقَنا وإيَّاكم لذلك ولكلِّ خير.

стр. 639

١٢٤ / من أذكار النّوم لقد أرشد النَّبِيُّ الكريم ﷺ المسلمَ عندما يَأوي إلى فراشه لينام إلى جُملةٍ من الآداب العظيمة والخصال الكريمة، والتي يترَتَّب على محافظته عليها وعنايتِه بها آثارٌ حميدةٌ عديدة، منها هدوؤُه في نومه وسكونُه وراحتُه، وسلامتُه من الشرور والآفات، وليصبح من ذلك النوم على نفس طيِّبة، وهِمَّة عالية، وخير ونشاط. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجِعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَن ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلاَمِكَ، قال: فَرَدَدْتُهُنَّ لأَسْتَذْكِرَهُنَّ فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ: لاَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"١. فهذا الحديثُ العظيمُ يشتمل على بعضِ الآداب التي يَحسُنُ بالمسلم أن يُحافظَ عليها عند نومه، وقد أرشدَ ﷺ أوَّلَ ما أرشد في هذا الحديث مَن أوَى إلى فراشه أن يتوضأ وضوءَه للصلاة، وذلك ليكون عند النوم على أكمل أحوالِه، وهي الطهارة، وليكون ذكرُه لله عند نومه على حال الطهارة، وهي الحالُ الأكملُ للمسلم في ذكره لله ، ثم وجَّه ﷺ إلى

стр. 640

أن ينامَ المسلمُ على شِقِّه الأيمن، وهي أكملُ أحوال المسلم في نومه، ثمَّ أرشده ﷺ وهو على هذه الحال الكاملة أن يبدأ في مناجاة ربِّه بذلك الدعاء العظيم الذي أرشد إليه صلوات الله وسلامه عليه. وإنَّ مِمَّا ينبغي أن يعتَنِيَ به المسلمُ في مثلِ هذا المقام أن يتأمَّلَ معانِيَ الأدعية والأذكار المأثورة؛ ليكون ذلك أكملَ له في مناجاته لربِّه ودعائه إياه. وعندما نتأمَّل هذا الدعاء العظيم الوارد في هذا الحديث نجدُ أنَّه اشتمل من المعاني الجليلة والمقاصد العظيمة على جانبٍ عظيم، يحسن بالمسلم أن يكون مستحضراً لها عند نومه. وقوله: "اللَّهمَّ إنِّي أسلمت نفسي إليك" أي: إنني - يا الله - قد رضيتُ تَمام الرِّضا أن تكون نفسي تحت مشيئتك، تَتَصرَّف فيها بما شئتَ وتقضي فيها بما أردتَ من إمساكها أو إرسالها، فأنت الذي بيده مقاليد السموات والأرض، ونواصي العباد جميعهم معقودةٌ بقضائك وقدرك تقضي فيهم بما أردتَ، وتحكم فيهم بما تشاء، لا رادَّ لقضائك ولا معقِّب لحكمك. وقوله: "وفوَّضتُ أمري إليك" أي: جعلتُ شأنِي كلَّه إليك، وفي هذا الاعتمادُ على الله والتوكل التام عليه، إذ لا حول للعبد ولا قوَّة إلاَّ به . وقوله: "وألجأتُ ظهري إليك" أي: أسندتُه إلى حفظك ورعايتك لما علمتُ أنَّه لا سند يُتقوى به سواك، ولا ينفع أحداً إلاَّ حماك، وفي هذا إشارةٌ إلى افتقار العبد إلى الله جل وعلا في شأنه كلِّه في نومه ويقظته وحركته وسكونه وسائر أحواله.

стр. 641

وقوله: "رغبةً ورهبة إليك" أي: إنَّني أقول ما سبق كلَّه وأنا راغبٌ راهب، أي: راغبٌ تمام الرغبة في فضلك الواسع وإنعامك العظيم، وراهبٌ منك ومن كلِّ أمر يوقع في سخطك، وهذا هو شأن الأنبياء والصالحين من عباد الله يجمعون في دعائهم بين الرَّغَب والرَّهَب، كما قال الله تعالى: ﴿إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ١. ثم قال ﷺ في هذا الدعاء: "لا ملجأ ولا منجى منك إلاَّ إليك" أي: لا ملاذ ولا مهرَبَ ولا مَخْلَصَ من عقوبتك إلاَّ بالفزع إليك والاعتماد عليك، كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، وكما قال تعالى: ﴿كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ٣. ثم قال: "آمنتُ بكتابك الذي أنزلت وبنبيِّك الذي أرسلت" أي: آمنتُ بكتابك العظيم القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تَنْزيلٌ من حكيم حميد، آمنت وأقررتٌ أنَّه وحيك وتَنْزيلك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمد ﷺ ، وأنَّه مشتملٌ على الحق والهدى والنور، وآمنت كذلك بنبيِّك الذي أرسلتَ وهو محمد ﷺ عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه، المبعوث رحمةً للعالمين، آمنت به وبكلِّ ما جاء به، فهو ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيٌ يوحى، فكلُّ ما جاء به فهو صدقٌ وحقٌّ.

стр. 642

وقوله: "الذي أرسلت" أي: إلى كافة الخلق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين. ثم قال ﷺ مبيِّناً فضيلة هذا الدعاء وعظم الخير والفضل المترتب عليه "فإن مُتَّ مُتَّ على الفطرة" أي: على الإسلام، فالإسلام هو دين الفطرة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ١ وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أنَّه قال "وإن أصبحت أصبتَ خيراً" أي: إن لَم تَمُت من ليلتك تلك أصبت في الصباح خيراً، ثواباً لك على اهتمامك بهذا الأمر. وقد أرشد صلوات الله وسلامه عليه إلى أن يجعل المسلمُ هذا الدعاءَ في آخر الدعوات والأذكار التي يقولها المسلم عند نومه، لتكون هذه الكلمات آخر كلام المسلم عند نومه، ولهذا قال: "واجلعهنَّ آخرَ ما تقول". وفي قول النَّبِيِّ ﷺ للبراء لَمَّا ردَّد الدعاءَ أمامه من أجل استذكاره: "لا، وبنبيِّك الذي أرسلت" دليلٌ على أهميَّة التقيُّد بهذه الأذكار حسب ألفاظها الواردة؛ لكمالها في مبناها ومعناها. فهذا دعاءٌ عظيم ينبغي على المسلم أن يحافظَ عليه عند نومه، ويتأمَّلَ في دلالاته العظيمة ومعانيه الجليلة؛ ليظفر بعظيم موعود الله لِمَن حافظ عليه واعتنى به، واللهَ الكريم نسأل أن يوفِّقنا وإياكم للمحافظة عليه والعناية به، وأن يوفِّقنا لكلِّ خير يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة.

стр. 643

١٢٥ / ومن أَذْكَار النَّوم إنَّ من الأذكار العظيمة التي كان يُواظبُ عليها النَّبِيُّ الكريمُ ﷺ عند النَّوم وعند الانتباه منه ما رواه البخاري في صحيحه مِن حديثِ حُذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان النَّبِيُّ ﷺ إذا أَرَادَ أن يَنامَ قال: باسْمك اللَّهمَّ أموتُ وأحيَا، وإذا استَيْقَظَ من مَنَامِه قال: الحمدُ لله الذي أحيانَا بعد ما أمَاتَنَا وإليه النُّشُور "١. وفي لفظ: "كان إذا أوى إلى فراشه"٢ أي: دخل فيه، وفي لفظٍ آخر: "كان إذا أخذ مَضْجِعَه"٣، وكلُّها بمعنى واحد. وقولُه: باسمك اللَّهمَّ، أي: باسمك يا الله، والباء للاستعانة، والمعنى: أنام مستعيناً بك، طالباً حفظَك، راجياً الوقايةَ والسلامةَ والعافيةَ منك، وقوله: "أموتُ وأحيا" أي: أنا على هذه الحال ذاكراً لاسمك، فبذكر اسمكَ أحيا ما حييتُ وعليه أموتُ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ المسلمَ لا غنى له عن ذكر ربِّه طرْفةَ عينٍ عند نومِه وفي يقظَته وفي جميع شؤونه، فها هو عند النَّوم يختمُ أعمالَه بذكر الله، وعند الانتباه يكون أوَّلُ أعماله ذكرَ الله، ثم هو في جميع أحايينه محافظاً على ذكر الله، فعلى ذكره سبحانه يحيى، وعليه يموت، وعليه يُبعثُ يومَ القيامة. وفي قوله: "باسمك اللَّهمَّ أموتُ" عند إرادة النَّوم دلالةٌ على أنَّ النَّومَ يُسمَّى موتاً ويُسمَّى وفاةً، وإن كانت الحياةُ موجودةً فيه، ومن ذلك قولُه

стр. 644

تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ١، ولهذا قال في تمام هذا الحديث عند الاستيقاظ: "الحمدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا" يشيرُ إلى النَّوم الذي كان عليه الإنسان. والنَّائم يُشبهُ الميِّتَ؛ لأنَّ الحركةَ فيه تتوقَّفُ، والتَّمييزَ يذهبُ، ولهذا كان التكليفُ عنه مرفوعاً حتى يستيقظَ من نومه. والنَّومُ آيةٌ من آيات الله العظيمة الدَّالَّة على كمال الخالق سبحانه وعظمته واستحقاقه وحده للعبادة، فهو سبحانه الحيُّ الذي لا يموتُ، الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ، قال الله : ﴿وََمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٢، وهو أيضاً من رحمة الله تعالى بعباده حيثُ جعل لهم وقتاً يستريحون فيه ويستجمُّون كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣. ومن فوائدِ النَّومِ العظيمة أنَّه يذكِّرُ الإنسانَ بالموت الذي هو نهايةُ كلِّ إنسانٍ ومآلُ كلِّ حيٍّ إلاَّ الحيَّ الذي لا يموت، وفي الاستيقاظ منه دلالةٌ على قدرة الله سبحانه على بعث الأجساد بعد موتها وإحيائها بعد وفاتها ولهذا قال عند الاستيقاظ: "الحمدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النُّشور" والنُّشورُ هو البعثُ يوم القيامة والإحياءُ بعد الإماتة، فنبَّهَ بإعادة اليقظَة بعد

стр. 645

النَّوم ـ الذي هو موتٌ كما تقدَّم ـ على إثبات البعث بعد الموت يوم القيامة يوم يقوم الناسُ لربِّ العالمين. ولهذا ثبت في الأدب المفرد من حديث البراء ابن عازب قال: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام وضع يدَه تحت خدِّه الأيمن ويقول: "اللَّهمَّ قِنِي عذَابَكَ يومَ تبعثُ عبادَكَ"١. وقولُه: "الحمدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا" فيه حمدُ الله على هذه النِّعمة العظيمة والمِنَّةِ الجسيمة وهي الإحياءُ بعد الإماتة أي: الاستيقاظُ بعد النَّوم، ومن المعلوم أنَّ الإنسانَ حالَ نومِه يتعطَّلُ عن الانتفاع بهذه الحياة والتمكُّنِ من أداء العبادات، فإذا استيقظ زال عنه ذلك المانعُ، فهو يحمدُ اللهَ جلَّ وعلا على هذا الإنعام ويشكرُه سبحانه على هذا العطاء والإكرام. ومن جميل ما يرتبطُ بهذا المعنى تمام الارتباط ويتَّفقُ معه تمامَ الاتِّفاق ما خرَّجه الشيخان البخاريُّ ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "إذا أوى أحدُكُم إلى فراشِه فلْينفُضْ فراشَه بداخلة إزارِه، فإنَّه لا يدري ما خلَفَهُ عليه، ثمَّ يقول: باسمك ربِّي وضعتُ جنبي وبك أرْفعُه، إنْ أمْسكْتَ نفسي فارْحمْها، وإنْ أرْسلْتَها فاحفظها بما تَحفظُ به عبادَك الصالحين"٢. ومثلُه كذلك ما رواه مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنَّه أمر رجلاً إنْ أخذ مضجِعَه قال: "اللَّهمَّ خلقتَ نفسي، وأنت توفَّاها، لك مماتُها ومحياها، إنْ أحييْتها فاحفظْها، وإنْ أمتَّها فاغفر لها، اللَّهمَّ

стр. 646

أسألُك العافيةَ" فقال له الرجلُ: أسمعتَ هذا من عمر فقال: من خيرٍ من عمر، من رسول الله ﷺ "١. وفي هذه الأحاديث دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ روحَ الإنسان بيد الله سبحانه، فهو الذي أوجدها من العدم وخلقها بعد أن لَم تكن، وهو سبحانه الذي إن شاء أمسكها حالَ نوم الإنسان فيُصبحُ في عداد الأموات، وإن شاء أرسلها فيبقى الإنسانُ بذلك على قيد الحياة، ولهذا قال: "لك مماتُها ومحياها" أي: أنَّ ذلك بيدك وتحت تصرُّفك وتدبيرك، ولا يقدرُ عليه أحدٌ سواك، فأنت المحيي وأنت المميتُ، وأنت على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ولهذا شُرع للمسلم في هذا المقام أن يسأل ربَّه الحفظَ إنْ كَتَبَ له البقاءَ والحياةَ، ويسأله الرحمةَ والمغفرةَ إنْ كَتب له الموتَ، ففي حديث أبي هريرة قال: "إنْ أمسكتَ نفسي فارحمها، وإنْ أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وفي حديث ابن عمر قال: "إنْ أحييْتها فاحفظْها، وإنْ أمتَّها فاغفر لها". وكما ينبغي على المسلم أن يكون عندما يأوي إلى فراشِه متذكِّراً مآلَه ومصيرَه، فإنَّه كذلك ينبغي عليه أن يتذكَّر نعمةَ الله عليه فيما مضى من أيّامه بالطعام والشراب والمسكن والصحة والعافية، فيحمدُ اللهَ ويشكرُه على ذلك. ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمدُ لله الَّذي أَطْعَمَنَا وسَقَانَا، وكفَانَا وآوَانَا،

стр. 647

فكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ ولا مُؤْوِي"١. وعلى هذا فإنَّ المسلمَ عندما يأوي إلى فراشه ينبغي أن يكون متذكِّراً أمرين: ما مضى من أيّامه فيحمدُ اللهَ على ما أمدَّه فيها من الصحة والعافية والمطعم والمشرب والمسكن وغير ذلك، وأن يتذكّر ما يستقبل من أوقاته؛ وهو فيها بين أمرين: إمَّا أن تُقبضَ روحُه فهو يسألُ اللهَ إن كان ذلك المغفرةَ والرحمةَ أو أن يُفسح له في أجله فهو يسأل الله في هذه الحال أن يحفظه بما يحفظ به عبادَه الصالحين.

стр. 648

١٢٦ / ومن أذكار النوم إنَّ من الدعوات العظيمة التي كان النَّبِيُّ ﷺ يحثُّ مَن أوى إلى فراشه على المحافظة عليها والعناية بها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا أَخَذْنَا مَضْجِعَنَا أَنْ نَقُولَ: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ، وَرَبَّ الأَرْضِ، وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرِاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ"١. وهو دعاءٌ عظيم، يحسنُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ ليلةٍ عندما يأوي إلى فراشه، وهو مشتملٌ على توسُّلاتٍ عظيمة إلى الله ﵎ بربوبيِّته لكلِّ شيء، للسموات السبع والأرضين السبع والعرش العظيم، وبإنزاله لكلامه العظيم ووحيه المبين بأن يحيط الإنسانَ برعايتِه ويكلأه بعنايته، ويحفظَه من جميع الشرور، ومشتملٌ على توسُّل إلى الله جلَّ وعلا ببعض أسمائه العظيمة الدَّالَّة على كماله وجلاله وعظمته وإحاطته بكلِّ شيء، بأن يقضي عن الإنسان ديْنَه ويُغنيه من فقره. وقوله: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ، وَرَبَّ الأَرْضِ، وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ" أي: يا خالقَ هذه الكائنات العظيمة ومبدعها وموجدها من العدم، وقد خصَّ هذه المخلوقات بالذِّكر لعظمها وكبرها ولكثرة ما فيها من الآيات

стр. 649

البيِّنات والدلالات الباهرات على كمال خالقها وعظمةِ مُبدِعها، وإلاَّ فإنَّ جميعَ المخلوقات صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها فيها آيةٌ بيّنةٌ على كمال الخالق سبحانه. وفي كلِّ شيء له آية تدل على أنَّه الواحد ولهذا عقَّب هذا الدعاء بقوله: "رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ" وهذا تعميمٌ بعد تخصيص؛ لئلاَّ يُظنَّ أنَّ الأمر مختصٌّ بما ذُكر. وقوله: "رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ" فيه دلالة على عظمة العرش، وأنَّه أعظمُ المخلوقات، وقد جاء في الحديث عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما الكرسيُّ في العرش إلاَّ كحلقة من حديدٍ أُلقيت بين ظهري فلاةٍ من الأرض"١، وإذا كان هذا المخلوق بهذه العظمة والمجد والسَّعَة، فكيف بخالقه ومُبدِعه سبحانه. وقوله: "فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى" من الفلْق وهو الشَّقُّ، أي: الذي يشقُّ حبَّة الطعام ونوى التمر وغيره لتخرج الأشجار والزروع، فإنَّ النباتات إمَّا أشجارٌ أصلها النّوى، أو زروعٌ أصلها الحَبُّ، والله سبحانه لكمال قُدرته وبديع خلقه هو الذي يفتح هذا الحبَّ والنَّوى اليابس الذي كالحجر لا ينمو ولا يزيد، فينفرج وتخرج منه الزروعُ العظيمةُ والأشجارُ الكبيرة، وفي هذا آيةٌ باهرةٌ على كمال المًبدِع وعظمةِ الخالقِ سبحانه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢) .

стр. 650

وقوله في هذا الدعاء: "وَمُنْزِلَ التَّوْرِاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالفُرْقَانِ" فيه توسُّلٌ إلى الله بإنزاله لهذه الكتب العظيمة المشتملة على هداية الناسِ وفلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وقد خصَّ هذه الكتبَ الثلاثة؛ لأنَّها أعظمُ كتب أنزلها الله، وذكرها مرتّبةً ترتيباً زمنياًّ، فذكر أوَّلاً التوراةَ التي أُنزلت على موسى ﵇، ثمَّ الإنجيل الذي أُنزل على عيسى ﵇، ثمَّ الفرقان ـ وهو القرآن الكريم ـ الذي أُنزل على محمَّد ﷺ . وفي هذا دلالةٌ على أنَّ هذه الكتب من كلام الله، وأنَّها منزَّلةٌ من عنده سبحانه، وأنَّها غيرُ مخلوقة، ولهذا فرَّق في هذا الدعاء بينها؛ ففي المخلوقاتِ قال: "ربَّ" و "فالقَ"، وفي كلامه ووحيِه قال: "منْزل"، وفي هذا ردٌّ على أهل البدع والأهواء الذين يقولون إنَّ كلامَ الله مخلوق، تعالى اللهُ عمَّا يقولون، وسبحان الله عمَّا يصفون. ثمَّ قال بعد ذكره لهذه الوسائل العظيمة: "أعوذ بك مِن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها" وهذا شروعٌ في ذكر رغبة الإنسان وحاجته ومطلوبه من ربِّه سبحانه، وقوله: "أعوذ بك" أي: ألتجئُ وأعتصمُ بك وأحتمي بجنابك "من شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها" والدابَّة هي كلُّ ما يدبُّ على الأرض، وهو يشمل الذي يمشي على بطنه، أو على رجلين أو على أربع، قال الله تعالى: ﴿وََاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.

стр. 651

وقوله: "أنت آخذٌ بناصيتها" فيه دلالةٌ على أنَّ المخلوقات كلَّها داخلةٌ تحت قهره وسلطانه، فهو سبحانه آخذٌ بنواصيها، قادرٌ عليها، يتصرَّف فيها كيف يشاء ويحكم فيها بما يريد. قال اللهُ تعالى فيما ذكره عن هود ﵇: ﴿إِِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. والنَّاصيةُ مقدَّم الرأس. ثمَّ قال متوسِّلاً إلى الله سبحانه ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة "اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ"، وفي هذا دلالةٌ على أوَّليَّةِ الله سبحانه وأنَّه قبل كلِّ شيء، وأبديَّتِه سبحانه وبقائِه بعد كلّ شيء، وعلوِّه على خلقه واستوائِه على عرشه وفوقيَّتِه وأنَّه الظاهرُ الذي لا شيء فوقَه، وقُربِه سبحانه من خلقه وإحاطتِه بهم وأنَّه جلَّ وعلاَ الباطنُ الذي لا شيءَ دونه. ومدارُ هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الربِّ سبحانه، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية؛ أمَّا الزمانية فقد دلَّ عليها اسمُه الأوّل والآخر، وأمَّا المكانيّة فقد دلَّ عليها اسمُه الظّاهر والباطن. هذا مقتضى تفسير النَّبِيِّ صلى اله عليه وسلم، ولا تفسير أكمل من تفسيره. وقوله: "اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ" هو سؤال الله ﵎ وطلب منه سبحانه بعد تلك التوسُّلات. وقوله: "اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ"، أي: أَدِّ عنَّا حقوق الله وحقوق العباد من

стр. 652

جميع الأنواع، وفي هذا تبري الإنسان من الحَول والقوَّة، وأنَّه لا حول ولا قوة له إلاَّ بالله العظيم. وقوله: "وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ" والغنى هو عدم الحاجة، والفقر: خلو ذات اليد، والفقير هو مَن وجد بعضَ كفايته، أو لَم يجد شيئاً أصلاً. ومن المعلوم أنَّ الدَّينَ والفقرَ كلاهما هَمٌّ عظيمٌ، قد يؤرق الإنسانَ ويمنعه من النوم، فإذا لَجأ العبدُ إلى الله وطلب منه سبحانه مدّه وعونه متوسِّلاً إليه بتلك التوسُّلات العظيمة، فإنَّ نفسَه عندئذٍ تسكن وتطمئن، وقلبَه يرتاح ويهدأ؛ لأنَّه وكل أمرَه إلى مَن بيده أزمَّة الأمور ومقاليد السموات والأرض، ولَجأ إلى مَن أمرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وكيف لا يطمئنُّ القلبُ وقد تعلَّق بِمَن هذا شأنه.

стр. 653

ومن أذكار الصباح (٤) ... ١٢٧ / ومن أذكار النوم إنَّ من الدعوات المباركة التي كان يحافظ عليها رسول الله ﷺ عندما يأوي إلى فراشِه لينام ما روى مسلمٌ في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لاَ كَافِيَ لَهُ وَلاَ مُؤْوِي "١. وهذا الدعاء فيه تذكُّرٌ من المسلم عندما يريد أن ينام لِمَاضي أيّامه وسالف أوقاته وما أمدَّه اللهُ فيها من المطعم والمشرب والكفاية والإيواء، في حالِ وجود عددٍ من الناس منهم مَن لا يجد طعاماً يُشبعه ويغذّيه، أو شراباً يسدُّ ظمأه ويُرويه، أو لباساً يسترُه ويواريه، أو مسكناً يستكنُّ فيه ويؤويه، بل منهم من أدركه حتفُه في مجاعاتٍ مهلكة وقحطٍ مفجع، فمن أكرمَه اللهُ بالطعام والشراب ومنَّ عليه بالكفاية والإيواء يجبُ أن يستشعرَ عِظم نعمة الله عليه وكبَرَ منَّته سبحانه بأن يسَّرَ له الغذاء والشراب وأكرمه بالكفاية والإيواء، وشكرُ النِّعمة مؤذنٌ بدوامها والمزيد، فاللهُ جلَّ وعلا يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٢، فالشُّكرُ معه المزيدُ دائماً وأبداً؛ ولذا قيل: "فمتى لَم ترَ حالَكَ في مزيدٍ فاستقبل الشكرَ"، أي: فإنَّك إذا استقبلته كان المزيدُ حليفك. وقولُه: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا ... " إلى آخره فيه الثناءُ على الله وحمدُه سبحانه على سوابغ نعمائه وتوالي فضله وعطائه، وجزيل

стр. 654

مواهبه، وسعة إحسانه، وكريم أياديه، وهو سبحانه أهلُ الحمد والثناء. وقوله: "وَكَفَانَا" من الكفاية أي: دفع عنّا شرَّ المؤذيات ووقانا أذى الغوائل والعاديات، وقيل: معناه كفانا مُهِمَّاتنا وقضى لنا حاجاتِنا، ولا مانع من أن يكون كلا المعنيين مراداً، إذ كلٌّ منهما داخلٌ في معنى الكفاية مندرجٌ تحت مدلولها. وقوله: "وآوَانَا" أي: هيَّأ لنا مأوى نأوي إليه، ورزقنا مسكناً نسكن فيه، وردَّنا إلى المنْزل لنستريح فيه، ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم بلا مسكنٍ ولا مأوى، قال الله تعالى مُمْتَنًّا على عباده بهذه النِّعمة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ ١ أي: تسكنون فيها، وتُكنُّكم من الحرِّ والبرد، وتستركم من الأعين، وتجتمعون فيها أنتم ومن تعولون، وفيها من المصالح والمنافع ما لا يمكن الإحاطةُ به، فالحمدُ لله الذي منَّ فأفضل وأعطى فأجزل، له الحمد حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحب سبحانه ويرضى. ومن الأوراد المأثورة عند النوم ما ثبت في الصحيحين عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ أنَّ فاطمةَ ﵂ أتت النَّبِيَّ ﷺ تسأله خادماً فقال: "ألا أخبركِ ما هو خيرٌ لك منه: تُسبِّحين اللهَ عند منامِك ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين اللهَ ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّرين اللهَ أربعاً وثلاثين" قال عليٌّ ﵁: "فما تركتُها بعدُ" قيل: ولا ليلةَ صفِّين؟ قال: "ولا ليلةَ صفِّين"٢. فهذه فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ ورضي عنها تشتكي إلى رسول الله ﷺ ما تقاسيه من الطحن والسقي والخدمة، وتسألُه أن يعطيها خادماً (والخادم

стр. 655

يطلق على الذكر والأنثى) ليخفَّ عنها ما تجده من تعبٍ ومشقَّةٍ في تلك الأعمال وقد روي في سنن أبي داود عن عليّ ﵁ في وصف ما كانت تجده ﵂ من مشقَّة في أعمالها المنزليّة أنَّه قال: "إنَّها جرَّت بالرَّحى حتَّى أثَّرتْ في يدها، واستقت بالقربة حتَّى أثَّرت في نحرها، وكنست البيت حتّى اغبرّت ثيابُها"١. فأرشدها صلواتُ الله وسلامُه عليه إلى ما هو خيرٌ لها من خادم فقال: "ألا أخبركِ ما هو خيرٌ لك منه" أي: الخادم، وفي هذا من حسن النصح وتمام التشويق ما لا يخفى، فلمَّا تهيَّأتْ نفسُها وتحفَّزتْ لمعرفة هذا الأمر الذي هو خيرٌ لها من الشيء الذي جاءت تسألُه قال لها رسولُ الله ﷺ : "تُسبِّحين اللهَ عند منامِك ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين اللهَ ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّرين اللهَ أربعاً وثلاثين" أي: تقولين إذا أخذتِ مضجعكِ سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرَّة، والحمدُ لله ثلاثاً وثلاثين مرَّة، واللهُ أكبر أربعاً وثلاثين مرَّة، فيكون مجموعُ ذلك مائة. ففرحت ﵂ بهذا الخير العظيم الذي دلَّها عليه الناصحُ الأمينُ صلواتُ الله وسلامُه عليه، وفرح به زوجُها عليٌّ ﵁، حتّى إنَّه قال: "فما تركتُه بعدُ" أي: بعد سماعه له، وفي روايةٍ قال: "فما تركتُهنَّ منذ سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ " فقيل له: ولا ليلةَ صفِّين أي: ما تركت تلك الكلمات ولا في تلك الليلة. وليلة صفين هي ليلة الحرب المعروفة بصفين قريباً من الفرات، التي دارت بينه وبين أهل الشام، فقال ﵁: "ولا ليلةَ صفِّين" أي: لَم يترك هذه الكلمات ولا في تلك الليلة، ومن المعلوم أنَّ الإنسان عند بعض الشدائد

стр. 656

قد يذهلُ عن أمور اعتنى بها وألف المحافظة عليها، ومع ذلك لَم يدع ﵁ هؤلاء الكلمات ولا في تلك الليلة، وفي هذا دلالةٌ على شدَّة المحافظة وحسن الاهتمام وتمام الحرص. ثمَّ إنَّ أهلَ العلم قد استدلُّوا بهذا الحديث على أنَّ من فضائل الذِّكر وفوائدِه العظيمة أنَّه يعطي الذَّاكرَ قوَّةً في بدنه وصحَّته ونشاطه وهمَّته، وفي هذا يقول ابنُ القيم ﵀: "الذِّكرُ يعطي الذَّاكرَ قوَّةً حتَّى إنَّه ليفعل مع الذِّكر ما لَم يطق فعلَه بدونه، وقد شاهدتُ من قوَّة شيخ الإسلام ابن تيمية في مشيتِه وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيباً " ثمَّ أورد حديثَ عليٍّ المتقدِّم وقال عقِبَه: "فقيل إنَّ من داوم على ذلك وجد قوَّةً في بدنِه مغنيةً عن خادم"١. ونقل ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّه قال: "بَلَغنا أنَّه مَن حافظ على هؤلاء الكلمات لَم يأخذه إعياءٌ فيما يعانيه من شغلٍ وغيره"٢ اهـ. والله المسؤول أن يوفِّقنا جميعاً لهذا ولكلِّ خيرٍ إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

стр. 657

١٢٨ / أَذْكَارُ الانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لقد ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ أذكارٌ متنوِّعة يُشرع للمسلم أن يقولها عند الاستيقاظ من النوم، وهي في الجملة مشتملةٌ على إعلان التوحيد لله ، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، وحمد الله سبحانه على حفظه للعبد وإعانته له على طاعته وذِكرِه. ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ للهِ، وسُبْحَانَ اللهِ، ولاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا استُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلاَتُهُ" ١. وفي هذا الحديث فضلُ المبادرة إلى ذِكر الله والثّناء عليه سبحانه عند الاستيقاظ من النَّوم، وأن يكون ذلك أوَّلَ شيءٍ يفعلُه المؤمنُ عند استيقاظه، وهذا إنَّما يتحقَّق لِمَن أَلِفَ الذِّكر وتعوَّد عليه واستأنسَ به، وغَلَبَ عليه حتى صار حديثَ نفسِه في نومِه ويَقظتِه، فإنَّه إذا كان شأنُه كذلك فإنّ أوَّلَ شيءٍ يفعله عند قيامه من نومه هو المبادرةُ إلى ذِكر ربِّه سبحانه وتمجيده وحَمده والثناء عليه بما هو أهله، ومَن كان على هذه الحال فهو حريٌّ بإذن الله أن يُعطى إذا سألَ وأن يُستجاب له إذا دعا. قال ابنُ بطَّال ﵀: "وعد اللهُ على لسان نبيِّه ﷺ أنَّ مَن استيقظ من نومه لَهجاً لسانه بتوحيد ربِّه والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمه

стр. 658

يحمده عليها، وينزِّهه عمَّا لايليق به بتسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعَجز عن القدرة إلاَّ بعونه، أنَّه إذا دعاه أجابه، وإذا صلَّى قُبلت صلاتُه، ينبغي لِمَن بلغه هذا الحديث أن يغتنِم العملَ به ويُخلِصَ نيَّتَه لربِّه سبحانه"١. اهـ. وقوله في الحديث: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ" أي: استيقظ من نومه ليلاً. وقد بدأ ﷺ هؤلاء الكلمات بكلمة التوحيد "لا إله إلاَّ الله" مؤكِّداً معناها وما دلَّت عليه بقوله: "وحده لا شريك له"؛ لأنَّ لا إله إلاَّ الله فيها ركنان عظيمان هما النَّفيُ والإثبات، النَّفيُ في قوله: "لا إله" وهو نفي للعبودية عن كلِّ مَن سوى الله، والإثبات في قوله: "إلاَّ الله"، وهو إثبات للعبودية بكلِّ معانيها لله . وقد أكَّد هذين الأمرين بقوله: "وحده لا شريك له"، فقوله "وحده" فيه تأكيدٌ للإثبات، وقوله: "لا شريك له" فيه تأكيد للنَّفي. وفي هذا دلالةٌ على أهميَّة التوحيد والبدء به وتقديمه على ما سواه، والتأكيد على العناية بفهم معناه والقيام بمدلوله وتطبيق مقتضاه. ثم قال: "لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وهذه براهين التوحيد ودلائله، فالذي له التوحيد الخالص هو المالكُ للملك، المستحقُّ للحمدِ، القديرُ على كلِّ شيء، ومَن سواه لا يستحقُّ من العبادة شيئاً ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢.

стр. 659

ثم قال: "الحَمْدُ للهِ، وسُبْحَانَ اللهِ، ولاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ"، فذكر الكلمات الأربع التي هي أحبُّ الكلام إلى الله ، كما في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الكلامِ إِلَى الله تعالى أَرْبَعٌ، لا يَضُرُّك بأيِّهن بدأتَ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إِلَه إِلاَّ الله، والله أكبر"١، وفي الحديث يقول ﷺ : "لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"٢. والتسبيحُ فيه تنْزيه الله عمَّا لا يليق بجلاله وكماله، والحمدُ فيه إثبات أنواع الكمال له سبحانه، والتهليل فيه توحيده وإخلاص الدِّين له، والتكبير فيه تعظيمه سبحانه وأنَّه لا شيء أكبر منه. ثم قال: "ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله" وهي كلمة استعانة، الإتيانُ بها في مثل هذا الوقت مناسبٌ غاية المناسبة؛ لأنَّ الإنسانَ عندما يقوم من النَّوم بحاجة إلى هِمَّة عالية ونشاط وجد واجتهاد، والمُعينُ على ذلك كلِّه هو الله وحده، وكلمة "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" فيها تفويض الأمر لله وتبرؤ من الحول والقوَّة إلاَّ به، وأنَّ العبدَ لا يملك من أمرِه شيئاً، ولا حيلة له في دفع شرٍّ، ولا قوّة له في جلب خيرٍ إلاَّ بإرادته سبحانه. ثم قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا استُجِيبَ" هكذا جاءت الرواية بالشكِّ، ويحتمل أن تكون للتَّنويع، أي: إن استغفَرَ غفر اللهُ له، وإن دعا أجاب اللهُ دعاءَه.

стр. 660

ثم قال: "فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلاَتُهُ" أي: إن صلَّى، وقد جاء اللفظ في بعض الروايات لصحيح البخاري هكذا: "فَإِنْ تَوَضَّأَ وصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ"، وفي هذا حثٌّ على الجدِّ في الطاعة والنشاط لأداء العبادة، وترك الخمول والتواني والكسل، وقد أخرج الإمام البخاري ﵀ هذا الحديث في كتاب التهجد من صحيحه، باب: فضل مَن تعارَّ من الليل فصلَّى. أي أنَّ مَن صلَّى في ذلك الوقت، وبادر إلى الصلاة في تلك الحال فصلاتُه حريَّةٌ بالقبول، والقبول في هذا الموطن أرجى منه في غيره. وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث فائدةً لطيفةً حول العناية بهذا الذكر، عن أبي عبد الله الفِربري الراوي عن البخاري، قال: "أجريت هذا الذِّكر على لساني عند انتباهي، ثم نِمتُ فأتاني آتٍ [أي: في المنام] فقرأ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ "١. وما من شك أنَّ المحافظة على هذا الذكر من الهداية إلى الطيِّب من القول ومن الهداية إلى الصراط الحميد، نسأل اللهَ الكريمَ من فضله.

стр. 661

١٢٩ / أذكار الاستيقاظ من النوم إنَّ من الأذكار التي يُشرع للمسلم قولُها إذا استيقظ من نومه ما ثبت في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ"١. وفي هذا حمدُ الله على المعافاة في الجسد والسلامة من الأمراض والأسقام، وحمده سبحانه على ردِّ الروح على العبد ليتمكّن من الزيادة في الطاعة والإكثار من العبادة والعناية بالذكر، ولهذا قال "وأذِن لي بذكره" أي: وفَّقني لذلك وأعانني عليه، والمرادُ بالإذن هنا أي: الإذن الكوني القدري؛ لأنَّ الإذنَ إذا ورد في النصوص تارةً يُرادُ به الإذنُ الكونيُّ القدريُّ، وتارةً يراد به الإذنُ الشرعيُّ الدينيُّ، ومن المعلوم أنَّ اللهَ أذن للعباد جميعِهم شرعاً وديناً بذكره ولزومِ طاعتِه، لكنَّه سبحانه لَم يأذن بذلك كوناً وقدراً إلاَّ لمن أنعم عليهم بالإيمان وهداهم للإسلام ووفّقهم للخير، وعليه فإنَّ مَن أذِن الله له بذكره كوناً وقدراً فقد أكرمه بأعظم كرامةٍ، وهداه بتوفيقه ومنِّه سبحانه إلى الخير، وهذا من أعظم ما يستوجب الحمدَ، ولهذا شُرع للمسلم أن يحمد اللهَ على هذه النعمة العظيمة ويشكرَه سبحانه على هذا العطاء والفضل. وتأمّل أخي: الآذن بالذِّكر هو الله، والمستفيد من الذِّكر هو العبد، والمثيب على الذِّكر هو الله، فهو سبحانه من عظيم فضله وواسع إنعامه

стр. 662

يبتدئُ عبادَه بالنعم ويثيبُهم عليها أعظمَ الثواب فله الحمدُ شكراً، وله المنُّ فضلاً، وله سبحانه الحمدُ في الآخرة والأولى. وعموماً الذي ينبغي على المسلم عند قيامه من نومه هو المبادرة إلى ذكر الله والوضوء والصلاة ليبارك له في يومه، وليكون فيه نشيطاً ذا همَّةٍ عاليةٍ وحرصٍ على الخير، وليسلم بذلك من الكسل وخبث النفس، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يعقدُ الشيطانُ على قَافية رأسِ أحدِِكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد، يضرِبُ على كلِّ عُقدةٍ مكانَها: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن اسْتَيقَظَ فذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإن تَوَضَّأَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عُقدُه كلُّها، فأصبَحَ نشيطاً طيِّبَ النَّفس، وإلاَّ أصبحَ خبيثَ النفس كَسلان"١. وفي المسند للإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما مِن ذَكَر ولا أنثى إلاَّ وعلى رأسه جرير معقودٌ ثلاث عقد [أي: حبل معقود ثلاث عُقد] حين يرقد، فإن استيقظ فذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عُقدة، فإذا قام فتوضّأ انحلَّتْ عقدة، فإذا قام إلى الصلاة انحلَّتْ عُقَدُه كلُّها"٢. وقد دلَّ هذان الحديثان على أنَّ الشيطانَ يعقد على مؤخر رأس الإنسان عندما ينام ثلاث عقد، ويضرب على كلِّ عقدةٍ مكانها: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُد تخذيلاً للإنسان وتثبيطاً له ونقضاً لهمَّته وعزيمته، فإذا ذكر العبدُ ربَّه انحلَّتْ عقدةٌ من هذه العقد، فإذا قام وتوضّأ انحلَّتْ عقدة ثانية، فإذا صلّى انحلَّتْ عنهُ جميع العقد وذهب عنه الكسل، وارتفعت همَّتُه، وطابت نفسُه،

стр. 663

وأصبح نشيطاً حريصاً على الخير، مقبلاً عليه، وذلك لأنَّه تخلص من عقد الشيطان، وتخفف عنه أعباءُ الغفلة والنسيان، وحصل له الفوز برضا الرحمن. وجاء في نصٍّ آخر أنَّ الشيطانَ قد يعقد على مواضع الوضوء من المسلم فإذا قام وتوضأ انحلَّت عنه تلك العقد. فقد أخرج أحمد وابن حبان في صحيحه واللفظ له من حديث عُقبة ابن عامر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "رجلٌ من أمَّتِي يقوم الليل يُعالج نفسَه إلى الطَّهور وعليه عُقدٌ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عُقدة، فإذا وضَّأ وجهه انحلَّت عُقدة، وإذا مسح رأسَه انحلَّت عُقدة، وإذا وضَّأ رِجلَيه انحلَّت عُقدة، فيقول الله جلَّ وعلا للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسَه ليسألَنِي، ما سألَنِي عبدي هذا فهو له، ما سألَنِي عبدي هذا فهو له"١. فهذه عُقدٌ أربع تنحلُّ عن المسلم بالوضوء، فبغسل اليدين تنحلُّ عُقدة، وبغسل الوجه تنحلُّ عُقدة، وبمسح الرأس تنحلُّ عُقدة، وبغسل الرِّجلَين تنحلُّ عُقدة. وهي عُقدٌ حقيقيَّة يعقدها الشيطان على الإنسان ليثبطه عن الخير، وليثنيه عن القيام إلى طاعة الله. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدُكم من منامه فليتوضَّأ وليستنثر ثلاث مرَّات، فإنَّ الشيطانَ يبيتُ على خياشيمه"٢.

стр. 664

وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ مَن ذَكَرَ اللهَ تعالى عند النَّومِ وأتى بالأذكار المشروعة والتعوُّذات المأثورة لا يدخل في هذه الأحاديث ويسلم من هذه العُقد؛ لأنَّه قد نُصَّ في بعض أذكار النوم أنَّ مَن أتى بها لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطانٌ حتى يُصبح١. ثم إنَّ مَن استمرَّ في نومِه وتمادى في كسله إلى أن يُفوِّتَ على نفسه صلاةَ الصبح فإنَّ الشيطانَ يبول في أُذُنِه، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: ذُكِر رجلٌ عند النَّبِيِّ ﷺ نام حتى أصبح فقال: "ذاك رجلٌ بال الشيطان في أُذُنَيه أو قال في أُذنِه "، فيُصبح والعُقَدُ كلُّها كهيئتِها، وإضافة إلى ذلك يبول الشيطان في أذنه، وحسب مَن كان كذلك خيبةً وخسارة وشراًّ، وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: "حسب الرَّجل من الخَيْبة والشرِّ أن ينام حتى يُصبح وقد بال الشيطان في أذنه، فلم يذكر الله ليله حتى يصبح"٢، نسأل اللهَ العافيةَ والسلامة.

стр. 665

ما يقال عند الفزع من النوم ... ١٣٠ / مَا يُقالُ عِنْدَ الفَزَعِ فِي النَّوْمِ إنَّ من الأذكار العظيمة النافعة لِمَن يُروَّع في منامه أو يجد وحشة وقلقاً، أو يُصيبه الفزع في نومه أن يقول عند حصول شيء من ذلك له: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ". فقد روى أبو داود والترمذي وغيرُهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ"١. وروى الإمام أحمد في مسنده عن الوليد بن الوليد ﵁ أنَّه قال: يا رسول الله ﷺ إنِّي أجدُ وحشةً، قال: "إِذَا أَخَذْتَ مَضْجِعَكَ فَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأن يَحْضُرُونِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ وبالحَرِيِّ أَنْ لاَ يَقْرَبك"٢. وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: بلغنِي أنَّ خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إنِّي أُروَّعُ في منامي، فقال له رسول الله ﷺ : "قل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ"٣.

стр. 666

وروى ابن السني في عمل اليوم والليلة عن محمد بن المنكدر قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فشكا إليه أهاويلَ يراها في المنام، فقال: "إذا أَوَيتَ إلى فراشك فقل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَمِن شَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ"١. فهذا دعاءٌ عظيمٌ أرشَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَن يُصاب في نومه بشيء من الفزع والخوفِ، بسبب ما قد يرى في منامه من الأشياء المخوفة أن يقوله ليذهب عنه فزعُه، ولتطمئنَّ نفسُه، وليسكنَ ويهدأَ في نومه، ولينصرفَ عنه خوفُه وروعُه، وهو دعاءٌ عظيم مبارَك، يعلن فيه العبدُ التجاءَه إلى الله واحتماءَه به وفرارَه إليه من غضبه وعقابه سبحانه، ومن شرِّ عبادِه، ومن همزات الشياطين ومن أن يحضروا العبد، سواء في نومه أو في كلِّ أحواله. وقد أخبر ﷺ أنَّ مَن قاله لا تضرُّه الشياطين، بل يكون في عافية وسلامة منها. وقوله: "أعوذ بكلمات الله التَّامَّة": أي: ألتجئُ، فالاستعاذةُ التجاءٌ إلى الله واعتصامٌ به، والعائذُ بالله فارٌّ من كلِّ ما يؤذيه إلى ربِّه سبحانه الذي بيده أزِمةُ الأمور وتدبيرُ الخلائق، وكلماتُ الله التَّامَّة أي: التي لا يلحقُها نقصٌ ولا عيبٌ كما يلحقُ كلامَ البشر. وقوله: "من غضبه وعقابه" الغضب صفةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ لله ﵎، وَصَفَ بها نفسَه في كتابه، ووصَفَه بها رسولُه ﷺ في سنَّته، وهو جلَّ وعلا يغضب ويرضى ويحبّ ويبغض، وله صفاتٌ فعليّةٌ كثيرةٌ وردت في الكتاب

стр. 667

والسُّنَّة، ومنهج أهل السنَّة وهو المنهجُ الحقُّ الذي ينبغي أن يكون عليه كلُّ مسلم تجاه هذه الصفات أنَّهم يُثبتونها لله كما أثبتها سبحانه لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ دون أن يخوضوا في شيء منها بتحريفٍ أو تعطيلٍ أو تكييف أو تمثيل، فهم يُؤمنون بأنَّ الرَّبَّ العظيم يغضبُ، ويتعوَّذون به سبحانه من غضبه ومن كلِّ شيءٍ يُغضِبه، ويُجاهدون أنفسَهم على البُعدِ عن كلِّ ما يُغضِبه سبحانه ويوجبُ عقابه. وإنَّ مِمَّا يُغضبُ الرَّبَّ ويوجبُ عقابه أن يلجأ العبدُ في مُلمَّاته وعند خوفه وفزعه إلى غيرِه سبحانه، وكيف يليقُ بالعبد الضَّعيف أن يلجأ إلى عبدٍ ضعيف مثلِه، وكيف يلجأ المخلوقُ إلى مخلوقٍ مثلِه ويَدَعُ ربَّ العالَمين وخالقَ الخلق أجمعين، وهنا ندرك ضَحالة عقولِ وتفاهةَ أفكارِ مَن يذهبون في مُلمَّاتِهم وعند فزَعهم إلى الكهنة والعرَّافين والدجاجلة والمشعوذين والسَّحرة والمنجِّمين وغيرِهم من إخوان الشياطين، يشكون إليهم حالَهم، ويُنزلون بأبوابهم حاجتَهم، ويطلبون منهم تخليصَهم من كربتِهم وإنجاءهم من فزعهم، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تُطلبُ إلاَّ من الله ولا يُلجأ فيها إلاَّ إليه وحده ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١، فهل يجيب المضطَرَّ الذي أقلقته الكروبُ وتعسَّر عليه المطلوب، واضطر للخَلاص مِمَّا هو فيه إلاَّ الله وحده وهل يكشف السوءَ الذي يُصيب الإنسانَ ويَحِلُّ به إلاَّ الله وحده ولكنْ تذَكُّرُ الناسِ لهذا الأمر قليلٌ، وتدبُّرُهم له ضعيف، وإلاَّ لَمَا أقبلوا على غير الله، ولَمَا لجاءوا إلى أحدٍ سواه.

стр. 668

وقوله: "من غضبه وعقابه" فيه جمعٌ بين الصفةِ وأثرها، فالصفةُ هي الغضب، وأثرُها هو حلولُ العقاب، نعوذ بالله من ذلك. وقوله: "وشرِّ عباده" أي: مِن كلِّ شرٍّ في أيِّ عبدٍ من عبادِك قام به الشرُّ، والعبوديةُ هنا المراد بها العبودية العامة؛ إذ المخلوقات كلُّها معبَّدةٌ مُذلَّلةٌ لله خاضعةٌ له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١. وقوله: "ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" الهمزات جمع همزة، والهمزة النخس، والمراد نزغاتُ الشياطين ووساوسُهم وجميعُ إصاباتهم وأذاهم لبَنِي آدم. وقوله: "وأن يحضرون" أي: أن يحضرَ الشياطين عندي في جميع أحوالي، وعلى هذا فالعبدُ يستعيذ بالله من همزات الشياطين وأن يحضروه أصلاً ويَحوموا حولَه، فتضمَّنت الاستعاذةُ ألاَّ يَمسُّوه ولا يقربوه. فما أعظَمه من دعاء، وما أعظَم أثره، وما أجمعه للتعوُّذ من كلِّ ما قد يكون سبباً لفزع الإنسان وقلقه، والله وحده وليُّ التوفيق.

стр. 669

١٣١ / مَا يَقُولُهُ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يُحِبُّ أَوْ يَكْرَهُ ثبت في السُّنَّة أحاديثُ عديدةٌ عن النَّبيِّ ﷺ في بيان ما ينبغي أن يقولَه المسلمُ ويفعلَه عندما يرى في منامه ما يُحبُّ أو عندما يرى فيه ما يكره. ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ"١. وفي الصحيحين عن أبي سلمة قال: "لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمْعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمْعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلاَثاً، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ "٢. وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثلاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ"٣. وقد دلَّت هذه الأحاديث على جملة من الفوائد تتعلَّق بالرؤيا وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن تجاه ما يراه في منامه من أمور يفرح برؤيتها ويسُرُّ، أو

стр. 670

أمور يحزن لرؤيتها ويضجر، ومن فوائد هذه الأحاديث ما يلي: أوَّلاً: تعظيمُ شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم، وأنَّها من الله ، ساقها إلى عبده المؤمن في حياته بشارةً له بالخير، وتأنيساً لقلبه وطَمْأنةً لفؤاده، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ١، قال غيرُ واحد من السلف: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرّجلُ الصالح أو تُرى له". ثانياً: بيان أنَّ ما يراه المؤمن في منامه مِمَّا يكرهه إنَّما هو من الشيطان ليَحزُن الذين آمنوا، وليس بضارِّهم شيئاً إلاَّ بإذن الله، وما يراه الإنسانُ في منامه ينقسمُ إلى ثلاثة أقسام: الرؤيا الصالحة التي هي بُشرى من الله لِمَن رآها أو رؤيت له، والرؤيا التي هي من الشيطان وهي أهاويل يأتي بها الشيطان للإنسان في منامه وأمثالٌ مكروهة يضربُها بقصد التشويش على الإنسان وإدخال الحزن عليه والضَّجَر في قلبه، والقسم الثالث: هي الأحلام التي تجري على الإنسان في منامه مِمَّا يُحدِّث به الرَّجلُ نفسَه في اليقظة تجري عليه في المنام جريانها في اليقظة. ثالثاً: بيان ما ينبغي أن يفعلَه المسلمُ عندما يرى في منامه ما يُحبُّ ويتلخّصُ ذلك في عدَّة أمور. الأوّل: أنَّ المسلمَ ينبغي له أن يفرحَ ويستبشرَ بالرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له، وأن لا يغترّ، فالرؤيا كما قال بعض السلف: "تسرّ المؤمن ولا تغرُّه". الثاني: أن يحمدَ اللهَ على هذا الخير الذي ساقه إليه والفضلِ الذي منحه إيَّاه حيث أكرمَه بهذه الرؤيا المبشِّرة.
следующие страницы →