← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

١٥٣ / ما يَقُولُ إِذا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ الحديثُ هنا عمَّا يُشرَعُ للمسلم أن يقوله عندما يُصاب بمصيبة في نفسه أو وَلَده أو ماله أو نحو ذلك، وليعلم أوَّلاً أنَّ سُنَّة الله ماضيةٌ في عباده بأن يَبتليَهم في هذه الحياة الدنيا بأنواعٍ من البلايا وألوانٍٍ من المحن والرَّزايا، فيبتليهم بالفقر تارةً وبالغني تارة أخرى، وبالصِّحة تارة وبالمرض تارة أخرى، وبالسَّرَّاء حيناً وبالضَّرَّاء حيناً آخر، وليس في النَّاس إلاَّ مَن هو مُبتَلى، إمَّا بفوات محبوب أو حصول مكروه أو زوال مرغوب، فسرور الدنيا أحلامُ نوم أو كظِلٍّ زائل، إن أَضحَكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سَرَّت يوماً أحزَنت دهراً، وإن مَتَّعت قليلاً مَنَعت طويلاً، وما مَلأت داراً حبرة إلاَّ مَلأتها عبرة، كما قال ابن مسعود ﵁: "لكلِّ فَرحة تَرحة، وما مُلئَ بيتٌ فَرَحاً إلاَّ مُلئَ تَرَحاً"، إلاَّ أنَّ عبدَ الله المسلم صائرٌ إلى خير في كلِّ أحواله، كما قال ﷺ : "عَجَباً لأمر المؤمن إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلاَّ للمؤمن، إن أصابَته سَرَّاءُ شَكَرَ فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيراً له" رواه مسلم١. وقد أرشد الله عبادَه إلى الحال التي ينبغي أن يكونوا عليها عند المصيبة، وإلى الذِّكر الذي ينبغي أن يقولَه المُصابُ، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢.

стр. 772

فأخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة أنَّه يبتلي عبادَه بالمحن؛ ليَتَبَيَّنَ الصادقُ من الكاذب، والجازع من الصابر، والموقنُ من المرتاب، وذَكَرَ أنواعاً مِمَّا يبتليهم به، فهو يبتليهم بشيء من الخوف، أي: من الأعداء، والجوع، أي: بنقص الطعام والغذاء، ونقصٍ من الأموال، وهو يشمَلُ جميعَ أنواع النقص المعتري للأموال، سواء بالجوائح السماوية أو الغرق أو الضَّيَاع أو السَّلب أو غير ذلك، ويبتليهم كذلك بنقص الأنفسِ بذهاب الأحباب من الأولاد والأقارب والأصحاب، ويَدخُلُ تحت هذا ما يُصيب البدن من أنواع الأمراض والأسقام، ويبتليهم كذلك بنقص الثَّمَرات من الحبوب وثمار النخيل والأشجار، وهي أمورٌ لا بدَّ وأن تقع؛ لأنَّ العليمَ الخبيرَ أخبَرَ بوقوعها، وحظُّ الإنسان من المصيبة هو ما تُحدث له من أثر، فمَن رضيَ فله الرِّضا، ومن سَخط فله السخط، ولهذا لا بدَّ أن يعلمَ المصابُ أنَّ الذي ابتلاه بمصيبته هو أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، وأنَّه سبحانه لَم يُرسل بلاءَه عليه ليهلكَه ولا ليعذِّبَه، وإنَّما ابتلاه ليمتحنَ صبرَه ورضاه وإيمانَه، وليسمع تَضرُّعَه وابتهالَه ودعاءَه، وليَرَهُ طريحاً ببابه، لائذاً بجَنَابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعاً يدي الضَّرَاعة إليه، يشكو بَثَّه وحُزنَه إليه؛ فينالَ بذلك عظيمَ موعود الله وجزيلَ عطائه ووافرَ آلائه ونعمائه، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ١، فما أوسَعَه من فضل وما أكرمَه من عطاء، يقول عمر بنُ الخطاب ﵁: "نعم العدلان ونعمت العلاوة".

стр. 773

لقد جعل اللهُ هذه الكلمةَ كلمةَ الاسترجاع وهي قول المُصاب: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون" ملجأً وملاذاً لذوي المصائب، وعِِصمةً للممتَحَنين، فإذا لَجأَ المُصابُ إلى هذه الكلمة الجامعة لمعاني الخير والبركة سكن قلبُه، واطمأنت نفسُه، وهدأ بالُه، وعوَّضَه اللهُ في مصيبته خيراً. روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂ أنَّها قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْهَا، إِلاَّ آجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِيَّ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْراً مِنْهُ؛ رَسُولَ اللهِ ﷺ "١. أي: أنَّ اللهَ أكرَمَها فتزوَّجت رسولَ الله ﷺ . ومَن يتأمَّل هذه الكلمةَ العظيمةَ كلمةَ الاسترجاع، يجدُ أنَّها مشتملةٌ على علاج عظيم لذوي المصائب، بل فيها لهم أبلغ علاج وأنفعه في الحال والمآل، وكم لهذه الكلمة من الآثارِ الحميدة والعواقبِ الرشيدة والنتائج العظيمة في الدنيا والآخرة، ويكفي في هذا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢، لكن مع قولها لا بدَّ من فهم مدلولها وتحقيق مقصودها؛ ليَحظَى العبدُ بهذا الموعود الكريم والثواب العظيم، وقد تضمَّنت هذه الكلمة أصلين عظيمين، إذا حقَّقَهما العبدُ علماً وعملاً تَسَلَّى عن مصيبته، ونال عظيمَ الثواب وجميل المآب. أمَّا الأصل الأول: فهو أن يتحقَّق العبدُ أنَّ نفسَه وأهلَه ومالَه وولَده

стр. 774

مِلكٌ لله ، فهو الذي أوْجَدَهم من العدَم، ويتصرَّف فيهم بما شاء، ويحكم فيهم بما يريد، لا مُعقِّب لحُكمه، ولا رادَّ لقضائه، وهذا مستفادٌ من قوله "إنَّا لله" أي: نحن مماليك له، وتحت تصرفه وتدبيره، هو ربُّنا ونحن عبيدُه، وكلُّ شيء واقعٌ علينا فبقضائه وقدره، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١. والأصل الثاني: أن يعلمَ العبدُ أنَّ مصيرَه ومرجعَه إلى الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ٣، فلا بدَّ للعبد أن يخلفَ الدنيا وراءَ ظهره، ويأتي ربَّه يوم القيامة فرداً كما خلقَه أوَّلَ مرَّة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، وإنَّما يأتيه بالحسنات والسيِّئات، وهذا مستفادٌ من قوله: "وإنَّا إليه راجعون"، وهو إقرارٌ من العبد بأنَّه راجعٌ إلى الله، وأنَّه سبحانه سيُجازيه على ما قدَّم في هذه الحياة، وعندئذ يتَّجه إلى شَغْلِ نفسه بما ينفعه عند لقاء الله، فإذا قالَها المصابُ على هذا الوصف مستحضِراً لمعناها محقِّقاً لمدلوها ومقتضاها هُدي إلى صراط مستقيم. روى أبو نعيم في الحلية عن الحسن بن علي العابد قال: "قال الفضيل ابن عياض لرجل: كم أتَت عليك قال ستُّون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك توشك أن تبلغ، فقال الرَّجل: يا أبا علي، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلمُ ما تقول فقال الرجل: قلت: إنَّا لله وإنَّا إليه

стр. 775

راجعون، قال الفضيل: تعلَمُ ما تفسيرُه؟ قال الرَّجل: فسِّره لنا يا أبا علي، قال: قولُك إنَّا لله، تقول: أنا لله عبدٌ وأنا إلى الله راجعٌ، فمَن عَلِمَ أنَّه عبد الله وأنَّه إليه راجع، فليعلَم بأنَّه موقوفٌ، ومَن عَلم بأنَّه موقوفٌ فليعلم بأنَّه مسئولٌ، ومَن علم أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة قال: يسيرة، قال: ما هي قال: تُحسنُ فيما بقيَ، يُغفَر لك ما مضى، فإنَّك إن أسأتَ فيما بقي أُخِذتَ بما مضى وما بقي"١. وفي هذا دلالةٌ على عظم اهتمام السَّلف ﵏ بمعاني الأذكار ومعرفة دلالاتها وتحقيق مقاصدها وغاياتها، وتأكيدهم على هذا الأمر العظيم؛ لتتحقق للعبد ثمارُها، وتظهر فيه آثارُها، وتتوافر له خيراتُها وبركاتها.

стр. 776

١٥٤ / مَا يَقُولُهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ الكلام هنا سيكون بإذن الله عن الدُّعاءِ الذي يستحب للمسلمِ أن يدعوَ به إذا كان عليه دَيْنٌ، روى الترمذي في سننه عن علي بن أبي طالب ﵁: " أَنَّ مُكَاتَباً جَاءَهُ فَقَالَ: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي، فَأَعِنِّي قَالَ: ألاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ ثَبِيرٍ دَيْناً أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ قَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ" ١. فهذا دعاءٌ عظيم يقولُه مَن عليه دينٌ وهو عاجزٌ عن أدائه، فإذا قالَه واعتنى به أدَّاه اللهُ عنه مهما كان حجمُ الدَّين، ولو كان مثلَ الجبل، كما مَرَّ في الحديث؛ لأنَّ التيسيرَ بيد الله، وخزائنه سبحانه ملأَى لا يَغيظها نفقة، فمَن التَجَأ إليه كفاه، ومَن طلب العونَ منه أعانه وهداه. وهذا المكاتَب جاء إلى علي ﵁ يشكو عجزَه وعدم قُدرته على أداء ما تَحمَّلَه من مال لسيِّده ليعتقه، فأرشدَه ﵁ إلى هذا الدعاء العظيم الذي سمعَه من رسول الله ﷺ ، وبيَّن له عظمَ فائدته وكبر عائدته على قائله، وأنَّ الله يقضي عنه دينَه مهما كثُر، قال: "ألاَ أعلِّمُك كلمات عَلَّمَنِيهنَّ رسولُ الله ﷺ ، لو كان عليك مثل جبل ثبير دَيْناً أدَّاه الله عنك"، وهذا فيه تشويقٌ عظيمٌ وترغيبٌ للسَّامع، وحثٌّ على المواظبة على هذا الدعاء المبارك؛ ليتخَلَّص العبد من الدَّين الذي تَحمَّله، ومن هَمِّه الذي كدَّر بالَه وأشغله.

стр. 777

وقوله: "اللَّهمَّ اكفني بحلالك عن حرامك" يقال: كفاه الشيء كفاية، أي: استغنى به عن غيره، فهو يسأل اللهَ أن يجعلَه مكتفياً بالحلال مستغنياً به عن الحرام. وقوله: "وأغنِنِي بفضلك عمَّن سواك" أي: واجعل فضلَك وهو ما تَمُنُّ به عليَّ من نعمة وخير ورزق مغنياً لي عمَّن سواك، فلا أفتقر إلى غيرك، ولا ألتجئُ إلى أحد سواك. وهذا فيه أنَّ العبدَ ينبغي أن يكون مفوِّضاً أمرَه إلى الله، معتمداً عليه وحده، مستعيناً به سبحانه، متوكِّلاً في جميع أموره عليه، وكفى به سبحانه وكيلاً. ولا بدَّ مع الدعاء من بذل السَّبب، والسَّعي الجادِّ لسداد الدَّين، والعزمِ الصادق على الوفاء به، والمبادرةِ إلى ذلك في أقرب وقتٍ يَتَهَيَّأُ السَّدادُ، والحذر الشَّديد من المُماطلة والتَّسويف، فإنَّ مَن كان كذلك فحَرِيٌّ به ألاَّ يُعان، أمَّا مَن حَمَلَ في قلبه هَمَّ الدَّين وكانت له نيَّةٌ صادقةٌ في أدائِه أعانه اللهُ، وأدَّى عنه دَينَه. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أخذ أموالَ النَّاس يريد أداءها أدَّى اللهُ عنه، ومن أخذها يريد إتلافَها أتلفه الله"١. وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِن عبدٍ كانت له نيَّةٌ في أداء دَيْنِه إلاَّ كان له مِن الله عَوْن"٢.

стр. 778

وروى النسائي عن ميمونة ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما من أحَدٍ يُدانُ دَيْناً فعلمَ اللهُ منه أنَّه يريدُ قضاءَه إلاَّ أدَّاه اللهُ عنه في الدنيا"١. فإن صَدَقَ العبدُ في عَزمِه وصَلحُت نيَّتُه تيَسَّرت أمورُه، وأتاه الله باليُسر والفَرَج من حيث لا يَحتَسب، ومَن صَحَّ توكُّلُه على الله تكَفَّلَ الله بعونه وسدَّدَ أمرَه وقَضَى دَينَه. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : "أنَّه ذَكَرَ رجلاً من بني إسرائيل سألَ بعضَ بني إسرائيل أن يُسلفَه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أُشهدُهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، فقال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقتَ، فدفعها إليه على أَجَل مسمًّى، فخرج في البحر فقضى حاجتَه، ثمَّ التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجَّلَه، فلم يَجد مركباً، فأخذ خشبَةً فنَقَرَها فأدخلَ فيها ألفَ دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه، ثم زَجَّجَ موضعَها [أي: سوَّى موضعَ النقر وأصلحَه] ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلَمُ أنِّي كنت تسلَّفتُ فلاناً ألفَ دينار، فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً، فرَضِيَ بك، وسألني شهيداً، فقلت كفى بالله شهيداً، فرَضِيَ بك، وإنِّي جَهَدتُ أن أجد مركباً أبعثُ إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستوْدِعُكَها، فرمَى بها في البحر حتى وَلَجَت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمسُ مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرَّجلُ الذي كان أسلَفَه ينظرُ لعلَّ مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشَرَها [أي: قطعها بالمنشار] وجد المالَ

стр. 779

والصحيفةَ، ثم قدمَ الذي كان أسلَفَه فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلتُ جاهداً في طَلَب مركبٍ لآتيكَ بمالك فما وجدتُ مركباً قبل الذي أتيتُ فيه، قال: هل كنتَ بعثتَ إليَّ بشيء قال: أُخبرُك أنِّي لَم أجد مركباً قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإنَّ الله قد أدَّى عنكَ الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرفْ بالألف الدينار راشداً"١. فهذه قصَّةٌ عجيبة ذكرَها رسولُ الله ﷺ عن هذا الرَّجل من بني إسرائيل؛ لنَتَّعظَ بها ونعتَبِرَ، ولنعلمَ كمالَ قدرة الله، وتمامَ عونه، وحسنَ كفايته لعبده، إذا أحسن الالتجاءَ إليه، وصَدَقَ في الاعتماد عليه، وتأمَّل كمالَ التوفيق حيث لَم تقع هذه الخشبةُ المشتملةُ على المال إلاَّ في يد صاحبه، فتبارك الله العليمُ القدير. ولا ينبغي للمسلم أن يستهينَ بأمر الدَّين أو يُقلِّلَ من شأنه أو يتهاونَ في سداده، فقد ورد في السُّنَّة أحاديثُ عديدة تفيد خطورة ذلك، وتدلُّ على أنَّ نفسَ المؤمن معلقةٌ بالدَّين، وأنَّ الميتَ محبوسٌ بدَيْنِه حتى يُقْضَى عنه. روى الإمام أحمد عن سَعد بن الأطول ﵁ قال: مات أخي وترك ثلاثَ مائة دينار، وترك فيه ولداً صغاراً، فأردتُ أن أنفقَ عليه، فقال لي رسول الله ﷺ : "إنَّ أخاك محبوسٌ بدَيْنه فاذهب فاقضِ عنه" قال: فذهبتُ فقضيتُ عنه ثم جئتُ فقلت: يا رسول الله ﷺ قد قضيتُ عنه، ولم يبقَ إلاَّ امرأة تَدَّعِي دينارين، وليست لها بيِّنة، قال: "أَعطِهَا، فإنَّها صادقة"٢.

стр. 780

وروى أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نفسُ المؤمن معلَّقَةٌ ما كان عليه دَين"١. ولهذا فإنَّ الواجبَ على المسلم إذا كان عليه دَينٌ أن يُبادرَ إلى سداده قبل أن يبْغَتَه الموتُ، فتُحبس نفسُه بدَيْنِه، ويكون مرتهناً به، وإذا لَم يكن عليه دَينٌ فليحمَد الله على العافية، وليتحاشَ الاستدانةَ ما لَم يكن لها حاجة داعيةً أو ضرورة مُلحَّةً؛ ليسلم مِن هَمِّ الدَّيْن، وليرح نفسه من عواقبه، وليكن في أَمَنَة من مغبَّته. ففي المسند من حديث عُقبة بن عامر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُخيفوا أنفسَكم بعد أمْنِهَا" قالوا: وما ذلك يا رسول الله قال: "الدَّين"٢. أي: لا تسارعوا إلى الدَّيْن فتُخيفوا أنفسَكم من توابعه وعواقِبه، ونسأل الله لنا ولكم العافيةَ والسلامةَ والهدايةَ إلى كل خير.

стр. 781

١٥٥ / الأَذْكَارُ الَّتِي تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ لقد وردَ في نصوص الكتاب والسُّنَّة أذكارٌ مباركةٌ وأدعيةٌ نافعةٌ تطرُدُ الشيطانَ وتباعدُه عن العبد المؤمن، ويكون بمواظبَته ومحافظته عليها في حصنٍ حَصين وحرزٍ مَكين يقيه ـ بإذن الله ـ من الشيطان الرجيم، فلا يَخلُصُ إليه ولا يَجد سبيلاً إلى إيذائه أو إغوائه؛ إذ لا سبيل للشيطان على المواظِب على ذِكر الله، المقبلِ على طاعة الله، وإنَّما سبيله على الذين يتَوَلَّونه، وسلطانه على الذين يُصغون إلى إغوائه ووساوسه ويطيعونه، ولهذا فإنَّ الحريَّ بالمؤمن أن يواظبَ على ما جاءت به الشريعةُ من أذكار وأدعية تَحمِي العبد من الشيطان وتقيه من كيده وشرِّه. يقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وََإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. والاستعاذةُ هي طلب العوذ، يقال عُذت به واستعذت به أي: لَجأتُ إليه واستجرت به واعتصمتُ به، والاستعاذةُ بالله من الشيطان سؤالٌ لله وطلب منه سبحانه أن يعيذَ العبدَ من الشيطان، ويحميه منه ويقيه من شرِّه، ومَن استعاذ بالله أعاذه، ومَن اعتَصمَ به هُديَ إلى صراط مستقيم، وعليه فإنَّ الاستعاذةَ بالله تَطردُ الشيطانَ وتُحصنُ العبدَ. روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁ قال: "قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 782

فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَعُوذ بِاللهِ مِنْكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ ثَلاَثاً، وَبَسَطَ يَدَهَ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاَةِ شَيْئاً لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذ بِاللهِ مِنْكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللهِ لَوْلاَ دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقاً يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ المَدِينَةِ "١. وروى أيضاً عن عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁: "أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاَتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثاً. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي "٢. وقوله: "يلبسُها عليَّ" أي: يَخلطها علي ويُشَكِّكُنِي فيها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ"٣. فهذه النصوصُ ظاهرةُ الدلالة على عِظم شأن الاستعاذة، وأنها تطرُدُ الشيطانَ وتقي العبدَ منه، ويسلمُ بها من كيده ووساوسه وشرِّه. ومِمَّا يطردُ الشيطانَ الأذانُ، فإنَّ الشيطانَ إذا سمعَه ولَّى وأدْبَر، ففي

стр. 783

الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إِذا نُودِيَ لِلْصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ" ١. وفي صحيح مسلم عن سُهيل بن أبي صالح قال: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ، قَالَ: وَمَعِي غُلاَمٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِي، فَقَالَ: لَوْ شَعُرْتُ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذا سَمِعْتَ صَوْتاً فَنَادِ بِالصَّلاَةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ "٢. والحُصاص أي: الضُّرَاط، وقيل شدة العدو. ومِمَّا يقي العبدَ من الشيطان ويطرُدُه عنه مواظبتُه على ذكر الله في كلِّ أحواله؛ عند الدخول وعند الخروج وعند الركوب وعند النوم وغير ذلك. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٣، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٤. وفي سنن الترمذي والمسند بإسناد صحيح عن الحارث الأشعري، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله سبحانه أمَرَ يحيى بنَ زكريا بخمس كلمات أن

стр. 784

يعملَ بها ويأمرَ بني إسرائيل أن يَعملوا بها، وإنَّه كاد أن يُبْطئَ بها فقال له عيسى ﵇: إنَّ الله أمرَكَ بخمس كلمات لتعملَ بها وتأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمَّا أن تأمرَهم وإمَّا أن آمرَهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني أن يُخسفَ بي أو أُعذَّب، فجمعَ الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إنَّ الله أمرني بخمس كلمات أن أعملَ بهنَّ وآمرَكم أن تعملوا بهن ..." فذكر أمرهم بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والصدقة ثم ذكر الكلمة الخامسة، فقال: "وآمرُكم أن تذكروا الله، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوُّ في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسَه منهم، كذلك العبد لا يحرزُ نفسَه من الشيطان إلاَّ بذكر الله ..."١. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا استجنَح الليلُ أو كان جُنح اللَّيل، فكُفُّوا صبيانكم، فإنَّ الشياطينَ تنتَشر حينئذ، فإذا ذهبَ ساعةٌ من العشاء فخَلُّوهم، وأغلقْ بابَك واذكر اسمَ الله، وأطفئْ مصباحَك واذكر اسمَ الله، وأَوْك سقاءَك واذكر اسم الله، وخَمِّر إناءَك واذكر اسمَ الله، ولو تَعْرُضُ عليه شيئاً" ٢. فالمسلمُ إذا كان ذاكراً ربه في كلِّ أحايينه فإنَّه يَسلم من أذى الشيطان ومن أن يَحضرَه، فلا يخلصُ إليه لا وسوسةً ولا حضوراً للمكان الذي هو فيه، كما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ

стр. 785

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ١. وقد سبق أن مَرَّ معنا أنواعٌ من الأذكار مَن قالَها حُفظ من الشيطان، كالتسمية عند دخول المنْزل، وعند تناول الطَّعام، وكقراءة آية الكرسي عندما يَأوي المسلمُ إلى فراشه، فإذا قرأها لَم يزل عليه من الله حافظٌ ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح، ومَن قال إذا أصبح: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمد وهو على كل شيء قدير" عشر مرَّات كان في حرز من الشيطان حتى يُمسي، ومَن قالها إذا أمسى كان في حرز من الشيطان حتى يُصبح، ومَن قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، أي: من كلِّ شَرٍّ، ومن ذلك شَرّ الشيطان، وإذا قال المسلمُ عند خروجه من منْزله: "بسم الله توكَّلتُ على الله لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، تَنَحَّى عنه الشيطانُ" إلى غير ذلك من الأذكار المباركة المأثورة في سُنَّة النَّبِيِّ الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 786

١٥٦ / مَا يُرْقَى بِهِ المَرِيضُ لقد جاء في السُّنَّة المطهرة أنواعٌ من الأذكار والأدعية يُشرعُ أن يرقى بها المريضُ، وقد جعلها اللهُ سبباً للشِّفاء والعافية، وسأتناول طائفةً مباركةً من هذه الأذكار والأدعية، وإنَّ أعظمَ ما يُرقى به المريضُ فاتحةُ الكتاب أمُّ القرآن، فإنَّها كافيةٌ شافيةٌ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أَنَّ رَهْطاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللهِ، إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، حَتَّى لَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ [أي: ألَمٌ وعلَّة] ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُم الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَذْكُرُ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرُ مَا يَأَمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ "١. فدلَّ هذا الحديثُ على عِظم شأن هذه السورة، وأنَّ لها تأثيراً عظيماً في شفاء المريض وزوال علَّته بإذن الله.

стр. 787

قال ابن القيم ﵀ في التعليق على هذا الحديث: "فقد أثَّرَ هذا الدواءُ في هذا الداء وأزالَه، حتى كأنَّه لَم يكن، وهو أسهلُ دواء وأيسرُه، ولو أحسنَ العبدُ التداوي بالفاتحة لرأى لَها تأثيراً عجيباً في الشِّفاء، ومكثتُ بمكَّةَ مدة يعترينِي أدواءٌ ولا أجدُ طبيباً ولا دواءً، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة، فأَرَى لها تأثيراً عجيباً، فكنتُ أصفُ ذلكَ لِمَن يشتكي ألَماً، فكان كثيرٌ منهم يبْرأُ سريعاً"١ اهـ. ومِمَّا يُرقَى به المريض المعوِّذات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا" ٢. وفي صحيح مسلم عنها ﵂ قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا مَرِض أحدٌ مِن أهله نفث عليه بالمعَوِّذات"٣. وقولها: "بالمعَوِّذات" أي: الإخلاص والفلق والناس، ودخلتْ سورةُ الإخلاص معهما تغليباً لِمَا اشتملتْ عليه مِِن صفةِ الرَّبِّ وإن لَم يُصرّح فيها بلفظ التعويذ٤. وقد دلَّ الحديثُ على عِظَم شأن هذه السُوَر الثلاثة وأنَّها رُقيةٌ وشفاءٌ للوجع بإذن الله، وقد ورد في شأن هذه السُوَر أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على عِظم

стр. 788

شأنها، وسُورَتَا المعوذتين لهما تأثيرٌ عظيمٌ لا سِيَما إن كان المرضُ ناشئاً عن سحرٍ أو عَيْنٍ أو نحو ذلك. قال ابنُ القيم ﵀ في مقدمة تفسيره للمعوذتين: "والمقصودُ الكلامُ على هاتين السورتين وبيانُ عظيم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنَّه لا يستغني عنهما أحدٌ قطُّ، وأنَّ لهما تأثيرًا خاصاًّ في دفع السِّحر والعيْن وسائرِ الشّرور وأنَّ حاجةَ العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظمُ مِن حاجته إلى النَّفَس والطّعام والشّراب واللِّباس"١، ثمَّ بسط الكلامَ عليهما بسطاً عظيمَ النفع والفائدة. وِممَّا يرقى به المريضُ ما ثبت في صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنَّه شكا إلى رسول الله ﷺ وَجَعاً في جسده منذ أسلَم، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ ثَلاَثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ"٢. وقوله: "مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" أي: مِن شرِّ ما أجدُ مِن وجَعٍ وألمَ، ٍ ومِن شرِّ ما أحاذرُ مِن ذلك، أي: ما أخافُ وأَحْذر. وهذا فيه التعوُّذ مِن الوجع الذي هو فيه، والتعوُّذ مِن الوجع الذي يَخاف حصولَه أو يتوقَّعُ حصولَه في المستقبل، ومِن ذلك تفاقمُ المرض الذي هو فيه وتزايُدُه، وهذا يحصل للإنسان كثيراً عند ما يصاب بمرضٍ فإنَّه قد ينتابُه شيءٌ مِن القلق تخوُّفاً مِن تزايُد المرضِ وتفاقمِه، وفي هذا الدعاء العظيم تعوُّذٌ بالله من ذلك.

стр. 789

وثبت في صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁: "أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا مُحَمَّد، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ. اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ"١. وثبت في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِه اليُمْنَى وَيَقُول: اللَّهمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، وَاشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَماً"٢، وفي رواية عنها قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتكى منَّا إنسانٌ مسحه بيمينه ثم قال: وذكرتِ الدعاءَ٣، وفي روايةٍ قالت: "إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَرقي بهذه الرُّقية وذكرته"٤. وفي صحيح البخاري عن عبد العزيز بن صُهيب قال: "دخلتُ أنا وثابتٌ على أنس بن مالك فقال ثابتٌ: يا أبا حمزة اشتكيتُ، فقال أنس: ألا أَرقيك برُقية رسول الله ﷺ قال: بلى، قال: اللَّهمَّ ربَّ النَّاس، مُذهبَ الباسَ، اشف أنتَ الشافي، لا شافِيَ إلاَّ أنتَ، شفاءً لا يُغادرُ سَقَماً"٥. قوله: "اللَّهمَّ ربَّ النَّاس" فيه التوسُّلُ إلى الله بربوبيَّته للنَّاس أجمعين، بخلقِهم وتدبيرِ شؤونهم وتصريفِ أمورهم، فبيده سبحانه الحياةُ والموتُ، والصحة والسَّقم، والغنى والفقر، والقوَّة والضعف.

стр. 790

وقوله: "أَذْهِب الباسَ" والبأسُ هو التَّعبُ والشدَّةُ والمرضُ، وهو هنا بغير هَمزة مراعاة للازدواج والمؤاخاة. وجاء في حديث أنس: "اللَّهمَّ ربَّ الناسِ، مُذهب الباس" وفي هذا التوسُّلُ إلى الله سبحانه بأنَّه وحده المذهبُ للبأس، فلا ذهابَ للبأس عن العبد إلاَّ بإذنه ومشيئته سبحانه. وقوله: "واشفه وأنت الشافي" فيه سؤالُ الله الشفاء وهو العافيةُ والسلامةُ من المرض، وقوله: "وأنت الشافي" توسُّلٌ إلى الله سبحانه بأنَّه الشافي الذي بيده الشفاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ١. وقوله: "لا شفاء إلاَّ شفاؤك" فيه تأكيدٌ لِمَا سبق، وإقرارٌ بأنَّ العلاجَ والتداوي إن لَم يوافق إذناً من الله بالعافية والشِّفاء، فإنَّه لا ينفع ولا يُجدي. وقوله: "شفاءً لا يغادر سَقَماً" أي: لا يتركُ مرَضاً ولا يخلف علَّةً، والفائدةُ من هذا أنَّ الشفاءَ من المرض قد يَحصل، ولكن قد يَخلُفُه مرضٌ آخرُ يَتَوَلَّد منه وينشأُ بسببه، فسأل اللهَ أن يكون شفاؤُه من المرض شفاءً تامًّا لا يبقى معه أثرٌ، ولا يخلف في المريض أيَّ علَّة، وهذا من تَمام الدعوات النبوية وكمالها ووفائها.

стр. 791

١٥٧ / التعوُّذ من السِّحر والعين والحسد إنَّ من الأدواء الفتَّاكة والشرِّ العظيم ما يكون في الإنسان من مرَضٍ بسبب السِّحر أو العين أو الحسَد، والسِّحرُ له تأثيرٌ بالغٌ في المسحور، فقد يُمرضُ وقد يَقتل، وهكذا الشأنُ في عين الحاسد إذا تكيَّفت نفسُه بالخبث، واستجمع في قلبه الشَّرُّ، فإنَّه يَضُرُّ بالمحسود، فربَّما أمرضَه وربَّما قتله، فالسِّحرُ له حقيقةٌ وتأثير، والحَسَدُ له حقيقةٌ وتأثير. وإنَّ من نعمة الله على عبده المؤمن أن هَيَّأَ له أسباباً مباركةً وأموراً نافعةً، يندفع بها عنه شَرُّ هؤلاء، ويزول بها عنه ضُرُّهم والبلاءُ النازلُ به بسببهم، وقد أجْمَلَ العلاَّمة ابنُ القيم ﵀ ذلك في عشرة أسباب عظيمة إذا قام بها العبد وطبَّقَها زال عنه شَرُّ الحاسد والعائن والسَّاحر. السَّبب الأول: التعوُّذ بالله من شَرِّه والتَّحصُّنُ به واللَّجأ إليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ والله تعالى سميعٌ لِمَن استعاذ به، عليمٌ بما يستعيذ منه، قادرٌ على كلِّ شيء، وهو وحده المستعاذ به، لا يُستعاذ بأحد من خلقه، ولا يُلجأُ إلى أحد سواه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويَعصمُهم ويَحميهم مِن شَرِّ ما استعاذوا من شَرِّه. وحقيقةُ الاستعاذة الهروبُ من شيء تَخافُه إلى من يَعصمُك ويَحميك منه، ولا حافظَ للعبد ولا معيذَ له إلاَّ الله، وهو سبحانه حَسْبُ من توكَّلَ عليه، وكافي من لَجأَ إليه، وهو الذي يؤمِّنُ خوفَ الخائف ويُجيرُ المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 792

السبب الثاني: تقوى الله وحفظُه عند أمره ونَهيه، فمَن اتَّقى اللهَ توَلَّى حفظَه ولَم يَكلْه إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ١ وقال النَّبِيُّ ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: "احفظِ اللهَ يَحفظْكَ، احفظ الله تَجده تجاهَك" فمَن حفظ اللهَ حفظه الله، ووجدَه أمامَه أينما توجَّه، ومَن كان اللهُ حافظَه وأمامَه فمِمَّن يخاف ومِمَّن يحذر السبب الثالث: الصَّبرُ على عدوِّه وأن لا يقاتلَه ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصرَ على حاسده وعدوِّه بمثل الصَّبر عليه، وكلَّما زاد بغيُ الحاسد كان بغيُه جنداً وقوةً للمبغي عليه، يقاتل بها الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيُه سهمٌ يرميها من نفسه إلى نفسه ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ٢ فإذا صبَرَ المحسودُ ولم يستطل الأمرَ نال حُسنَ العاقبة بإذن الله. السبب الرابع: التوكُّل على الله، فمَن يتَوكَّل على الله فهو حَسبه، والتوكُّلُ من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبدُ ما لا يطيقُ من أذى الخَلْق وظُلمهم وعدوانهم، ومَن كان الله كافيه فلا مطمَعَ فيه لعدوٍّ، ولو توكَّل العبدُ على الله حقَّ توكُّله، وكادته السموات والأرضُ ومَن فيهنَّ لَجعلَ له مخرجاً من ذلك وكفاه ونَصرَه. السبب الخامس: فراغُ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصدَ أن يَمحوه من باله كلَّما خَطر له، فلا يلتفتُ إليه، ولا يخافُه، ولا يملأ قلبَه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعِينة على اندفاع شرِّه، فإنَّ هذا

стр. 793

بمنْزلة من يَطلبه عدوُّه ليمسكَه ويؤذيه، فإذا لَم يتعرَّض له ولا تَماسَك هو وإياه، بل انعزل عنه لَم يقدر عليه، فإذا تَماسكَا وتعلَّق كلٌّ منهما بصاحبه حصل الشَّرُّ، وهكذا الأرواحُ سواء، فإذا تعلَّقت كلُّ روح منهما بالأخرى عُدِمَ القرارُ ودام الشَّرُّ حتى يهلك أحدُهما، فإذا جبذ روحَه عنه وصانَها عن الفكر فيه والتعلُّق به، وأخذ يشغل بالَه بما هو أنفعُ له بقي الحاسدُ الباغي يأكلُ بعضُه بعضاً، فإنَّ الحسدَ كالنار، إذا لَم تَجد ما تأكله أكلَ بعضُها بعضاً. السبب السادس: الإقبالُ على الله والإخلاصُ له وجعلُ محبته ونيلِ رضاه والإنابةِ إليه في كلِّ خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرَها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطرُه وهواجسه وأمانيه كلُّها في محابِّ الرَّب والتقرُّب إليه وذكره والثناء عليه، قال تعالى عن عدوه إبليس أنَّه قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١، فالمخلص بمثابة مَن آوى إلى حصن حصين، لا خوفَ على مَن تَحصَّن به، ولا ضَيعَة على مَن آوى إليه، ولا مَطمَعَ للعدوِّ في الدُّنُوِّ منه. السبب السابع: تَجريدُ التوبة إلى الله من الذنوب التِي سلطت عليه أعداءه، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٢) فما سُلِّطَ على العبد مَن يؤذيه إلاَّ بذنب، يَعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مِمَّا عَلِمَه وعَمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن

стр. 794

أُشركَ بكَ وأنا أعْلَمُ وأستغفرِكُ لِمَا لا أعْلَم"١، فما يحتاج العبدُ إلى الاستغفار منه مِمَّا لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يَعلمه، فما سُلِّطَ عليه مُؤْذ إلاَّ بذنب، وليس في الوجود شَرٌّ إلاَّ الذنوب وموجباتها، فإذا عُوفِي من الذنوب عُوفِي من موجباتها، فليس للعبد إذا بُغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومُه شيءٌ أنفعَ له من التوبة النصوح من الذنوب التي كانت سبباً لتسلُّط عدوِّه عليه. السبب الثامن: الصَّدقة والإحسان ما أمكنه؛ فإنَّ لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشَرِّ الحاسد، فما يكاد العينُ والحسدُ والأذى يتسلَّط على محسن مُتصدِّق، وإن أصابه شيءٌ من ذلك كان معامَلاً فيه باللُّطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبةُ الحميدة، والصدقة والإحسانُ من شكر النعمة، والشُّكرُ حارسُ النعمة من كلِّ ما يكون سبباً لزوالها. السبب التاسع: أن يطفئَ نارَ الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلَّما ازداد أذى وشرًّا وبغياً وحسداً ازددتَ إليه إحساناً وله نصيحةً وعليه شفقةً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٢، وتأمَّل في ذلك حالَ النَّبِيِّ ﵇ الذي حكى عنه نبينا ﷺ أنَّه ضربه قومُه حتى أدموه فجعل يسلت الدَّم عنه ويقول: " اللَّهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعملون "٣.

стр. 795

السبب العاشر: تجريدُ التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبِّب العزيز الحكيم، والعلم بأنَّ كلَّ شيء لا يَضُرُّ ولا ينفع إلاَّ بإذن الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ١، وقال النَّبِيّ ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: " واعْلم أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعوا على أن ينفعوك لَم ينفعوك إلاَّ بشيء كتبه الله لَكَ، ولو اجتمعوا على أن يَضُرُّوك لَم يَضُرُّوك إلاَّ بشيء كتبه الله عليك" ٢، فإذا جرَّد العبدُ التوحيدَ فقد خَرَجَ من قلبه خوفُ ما سواه، وكان عدوُّه أهونَ عليه من أن يَخافه مع الله، بل يُفرِدُ اللهَ بالمخافة، ويَرى أنَّ إعمالَه فكره في أمر عدوِّه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جَرَّد توحيدَه لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولَّى حفظَه والدفعَ عنه، فإنَّ الله يدافعُ عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمناً فالله يدافع عنه ولا بدَّ، وبحسب إيمانه يكون دفاعُ الله عنه، فإن كمُلَ إيمانُه كان دفاعُ الله عنه أتَمَّ دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرَّة ومرة فالله له مرَّة ومرَّة، كما قال بعض السلف: "مَن أقبلَ على الله بكليَّتِه أقبلَ الله عليه جُملة، ومَن أعرَضَ عن الله بكليَّته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرَّة ومرَّة فالله له مرَّة مرة". فالتوحيدُ حصنُ الله الأعظم الذي مَن دخلَه كان من الآمنين، قال بعض السلف: "مَن خاف اللهَ خافه كلُّ شيء، ومن لَم يَخَفِ الله أخافه اللهُ من كلِّ شيء". فهذه عشرةُ أسباب عظيمة يندفعُ بها شَرُّ الحاسد والعائن والسَّاحر٣، ونسأل الله الكريم أن يقيَنا والمسلمين من الشُّرور كلِّها إنَّه سميع مجيب.

стр. 796

مايقال عند المريض ... ١٥٨ / ما يُقال للمريض لقد جاء الإسلامُ بالحثِّ على مراعاة حقِّ المريض وتعاهدِه بالزيارة، والدعاء له بالشِّفاء والعافية، وبيان أنواع من الأدعية يَحسُن أن تُقال عند زيارةِ المريض، وكلُّ هذه الرعاية والتعاهد والدعاء ينطلقُ من كون المؤمنين حالُهم كالنفس الواحدة، فما يُفرِحُ الواحد منهم يُفرحُ الجميعَ، وما يُؤلِمُ الواحد يُؤلِمُ الجميعَ، ففي الصحيحين عن النُّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتعاطفِهم مَثَل الجسد، إذا اشتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحُمَّى"١، وفي رواية لمسلم: "المسلمون كرجل واحدٍ، إن اشتَكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتَكى رأسُه اشتكى كلُّه "٢. ولهذا شُرعت عيادةُ المرضى لمواساتِهم وتَهوين الأمر عليهم، وجُعِلَ ذلك حقًّا من حقوقهم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لَقيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عَطِسَ فحَمدَ اللهَ فشَمِّته، وإذا مَرضَ فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْه "٣، وجاء في نصوص كثيرة بيانُ فضل مَن يَزور المرضَى وعِظم ثوابه عند الله. روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "عائِدُ المريض في مَخْرفَة الجنة حتى يَرجع"، وفي رواية قال: "مَن

стр. 797

عاد مريضاً لَم يَزل في خُرْفَة الجنة. قيل يا رسول الله! وما خُرْفة الجنة قال: جناها "١، أي: أنَّه في بساتين الجنة يَختَرفُ منها ما يشاء ويَجْتَنِي منها ما يريد. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن عادَ مريضاً أو زارَ أخاً له في الله ناداه مُنادٍ: أن طِبْتَ وطابَ مَمشَاك، وتَبَوَّأتَ من الجنة مَنْزلاً"٢، والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة. ويُستحَب للمسلم إذا عاد مريضاً أن يُطَمْئنَه ويُهوِّنَ الأمرَ عليه ويُذكِّرَه بثواب الله، وأنَّ في المرض تكفيراً له وتطهيراً. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: " أَنَّ النَبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ! كَلاَّ، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبيرِ تُزِيرُهُ القُبُورَ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذًا "٣. وقوله: "طَهور إن شاء الله" هو خبَر مبتدأ محذوف أي: هو طهور لك من ذنوبك أي مُطَهِّر لك منها. وفي السنن للإمام أبي داود عن أمِّ العلاء ﵂ قالت: عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريضةٌ، فقال: "أَبْشري يا أمَّ العلاء، فإنَّ مرضَ المسلم يُذهبُ اللهُ به خطاياه كما تُذهبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهب والفضة"٤.

стр. 798

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ دخل على أمِّ السائب أو أمِّ المسيّب ﵂، فقال: "مالك يا أمَّ السَّائب أو أمَّ المسيب تُزَفْزِفِين (أي: تَرعدين) قالت: الحمَّى لا باركَ اللهُ فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذهبُ خطايَا بَنِي آدم كما يُذهبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد"١. وروى البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن وهب قال: "كنتُ مع سَلمان وعاد مريضاً في كِنْدَة فلمَّا دخل عليه قال: أَبشِر، فإنَّ مرضَ المؤمن يَجعلُه الله له كفارةً ومستعتبًا، وإنَّ مرضَ الفاجر كالبعير عَقله أهلُه ثمَّ أرسلوه، فلا يدري لَم عُقل ولِم أُرسِل"٢. فبَشَّرَه، وذكَّره بأنَّ المصائبَ التي تُصيبُ المؤمنَ في بدنه كلَّها كفارات لخطاياه، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "ما يصيبُ المسلمَ من نَصب ولا وَصَب ولا هَمٍّ ولا حزن ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوكة يُشاكُها إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه "٣. وقوله: "ومستعتباً" أي: أنَّه في مرضه يَتَهيَّأ له من استذكار ذنوبه ومعرفة خَطئه وتقصيره ما لا يتهيَّأ له حالَ صحَّته وعافيته، وحينئذ يكون مرضُه سبباً لمعاتبة نفسه على التقصير، ودافعاً للرجوع عن الإساءة وطلب الرضا، هذا بالنسبة للمؤمن، أمَّا الفاجر فشأنُه عند ما يَمرض كشأن البعير الذي قيَّده أهلُه بالعقال ثم أطلقوه، فهو لا يدري لِمَ قُيِّد ولِمَ أُطلِق، فهو

стр. 799

مستَمرٌّ في غيِّه متَمَادٍ في فُجوره، لا يكونُ له في مرضه عِبرةٌ، ولا يحصل له بسببه عظةٌ. وينبغي على مَن أراد عيادةَ مريض أن يَتخيَّر الوقتَ المناسبَ لعيادته؛ لأنَّ مقصودَ العيادة إراحةُ المريض وتطييبُ قلبه، لا إدخالُ المشقَّة عليه، ولهذا أيضاً عليه أن لا يُطيلَ المُكثَ والجلوسَ عنده، إلاَّ إن أحَبَّ المريضُ ذلك وكان في الجلوس فائدةٌ ومصلحة. ومن السُّنَّة للعائد أن يَجلسَ عند رأس المريض، ففي الأدب المفرد للبخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: " كان رسولُ الله ﷺ إذا عادَ المريضَ جَلَسَ عند رأسه، ثمَّ قال سَبعَ مرار: أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك، فإن كان في أجله تأخيرٌ عُوفي من وَجَعه"١. ومن السُّنَّة أن يَضَعَ العائدُ يدَه على جسد المريض عند ما يريد الدعاء له، ففي الصحيحين لَمَّا عاد النَّبِيُّ ﷺ سعد بنَ أبي وقاص ﵁ وَضَعَ يدَه على جَبهتِه، ثمَّ مَسَحَ يدَه على وجهه وبَطنه، ثم قال: "اللهمَّ اشْفِ سَعْداً" ٢، وفي وَضْع اليد على المريض تأنيسٌ له، وتعرف على مرضه شدَّة وضعفاً، وتلطف به. ثمَّ ينبغي للعائد أن يَنصَحَ للمريض بالدعاء، وأن لا يقولَ عنده إلاَّ خيراً ففي صحيح مسلم عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حَضرتُم المريضَ أو الميِّتَ فقولوا خيراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون"٣.

стр. 800

وعليه أن يتخيَّرَ من الدعاء أجمعَه، وأن يَحرصَ على الدعوات المأثورة عن النَّبِيّ ﷺ ، فإنَّها دعواتٌ مباركةٌ جامعةٌ للخير، معصومةٌ من الخطأ والزَّلَل كأن يقول: "اللَّهمَّ اشف فلاناً"، أو يقول: "طَهورٌ، إن شاء الله"، أو يقول: "أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك"، أو يقول: "اللَّهمَّ رَبَّ الناس أذهب الباسَ، واشفه وأنت الشافي، لا شفاءَ إلاَّ شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سَقَماً" وقد مَضت معنا الأحاديثُ في ذلك، أو أن يرقِيَهُ بفاتحة الكتاب والمعوِّذات، وقد مضى حديثُ أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث عائشة ﵂ في ذلك، أو أن يرقيه بقوله: "باسم الله أَرْقيك مِن كلِّ شيء يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كلِّ نفس أو عَين حاسد اللهُ يشفيكَ، باسم الله أَرْقيك"، وهي الرُّقيةُ التي رَقَى بها جبريلُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا اشتكى، أو أن يَقولَ ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂: "أَنَّ النَبيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: بِسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا" ١. وعلى المعافَى عند رؤية المرضَى أن يَتَّعظَ ويعتَبِرَ، وأن يحمدَ اللهَ على نعمة الصِّحة والعافية، وأن يسأله سبحانه المعافاة. ونسأل الله الكريم أن يَشفيَ مرضَانا ومرضَى المسلمين, وأن يَكتبَ للجميع الصِّحةَ والسلامة والعافية، إنَّه سَميعٌ مجيب.

стр. 801

ما يقال عند حضرة الموت ... ١٥٩ / مَا يُقالُ عند مَنْ حَضَرَهُ المَوْتُ سبق الكلامُ على جملة من الآداب المتعلِّقة بعيادة المريض، والأدعية التي يَحسنُ أن تُقال عند عيادته، والحديثُ هنا سيكونُ عمَّا يُفعلُ ويُقال عند مَن حَضَرَته الوفاةُ، وكذلك ما يَقوله مَن حَضَرته الوفاةُ. وأهمُّ شيءٍ في ذلك الدعاءُ له وأن لا يَقولَ في حضوره إلاَّ خيراً، ففي صحيح مسلم عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حَضَرتُم المريضَ أو الميِّتَ فقولُوا خيراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنونَ على ما تَقولُون"١. وأن يَحرصَ على تلقِينِه كلمةَ التوحيد لا إله إلاَّ الله؛ لتكونَ آخرَ كلامه من الدُّنيا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " لَقِّنُوا موتاكم لاَ إله إلاَّ الله " رواه مسلم٢، والمرادُ بقوله: "موتاكم" أي: مَن حَضَرَه الموتُ منكم، لا مَن مات فعلاً. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ" رواه أبو داود٣. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يَعلمُ أنَّه لا إله إلاَّ الله دخل الجنة" رواه مسلم٤.

стр. 802

وثبت في المسند للإمام أحمد من حديث أنس ﵁: " أنَّ رسول الله ﷺ عاد رجلاً من الأنصار فقال: يا خال قل: لا إله إلاَّ لله، فقال: أَخَالٌ أم عَم فقال: بل خال، فقال: فخَيْرٌ لي أن أقولَ: لا إله إلاَّ الله؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : نعم"١. ومن لطيف ما روي في هذا الباب قصَّةُ الإمام المحدث أبي زرعة الرازي ﵀ عندما حضرته الوفاةُ، وهي قصَّةٌ ثابتةٌ رواها غير واحد من أهل العلم عن أبي عبد الله محمد بن مسلم البادي قال: حضرت مع أبي حاتم محمد بن إدريس عند أبي زرعة عُبيد الله بن عبد الكريم الرازي وهو في النَّزْع، فقلت لأبي حاتم: تعال حتى نُلَقِّنَه الشهادةَ، فقال أبو حاتم: إنِّي لأستحيي من أبي زرعة أن أُلَقِّنَه الشهادةَ، ولكن تعال حتى نتذاكرَ الحديثَ، فلعلَّه إذا سمعَه يقول، قال محمد بن مسلم: فبدأتُ فقلتُ: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، فارْتَجَّ عليَّ الحديثُ، حتى كأنِّي ما سمعتُه ولا قرأتُه، فبدأ أبو حاتم وقال: حدثنا محمد بنُ بشار، قال: حدَّثنا أبو عاصم النبيل، عن عبد الحميد بن جعفر، فارتَجَّ عليه حتى كأنَّه ما قرأه ولا سمعه، فبدأ أبو زُرعة: (أي: وهو في النَّزْع) وقال: حدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح ابن أبي عَريب، عن كثير بن مُرَّة، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن كانَ آخرَ كلامه مِن الدُّنيا لا إله إلاَّ الله" وخرجتْ روحُه مع الهاء، من قبل أن يَقولَ دخل الجنَّة"٢.

стр. 803

ومن الدعوات العظيمة التي يَحسن بالمحتضَر أن يدعوَ الله بها سؤالُه سبحانه المغفرةَ والرحمةَ، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: أَنَّهَا سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى "١. ومِمَّا يَحسنُ أن يُذكَّر به المحتضَر إحسانُ الظَّنِّ بربِّه، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النَّبِيَّ ﷺ قبل وفاته بثلاث، يقول: " لا يَموتَنَّ أحدُكم إلاَّ وهو يُحسنُ بالله الظَّنَّ" رواه مسلم٢. وروى ابنُ أبي الدنيا في كتابه حسن الظن بالله، عن إبراهيم النخعي أنَّه قال: "كانوا يَستَحِبُّون أن يُلَقِّنوا العبدَ مَحاسنَ عَمله عند موتِه؛ لكي يُحسنَ ظَنَّه بربِّه "٣. ولَم يثبت حديثٌ صحيحٌ عن النَّبِيِّ ﷺ يَدلُّ على مشروعية قراءة شيءٍ من القرآن الكريم على المحتضَر، وحديث: " اقرؤوا ياسين على موتاكم " حديثٌ ضعيف لَم يثبت عن النَّبِيّ ﷺ ، كما نبَّه على ذلك غيرُ واحد من أهل العلم٤. ثم إنَّ هناك أموراً ينبغي على المحتضَر مراعاتُها وملاحظتها: مِن ذلك أنَّ عليه أن يَرضَى بقضاء الله ويصبر على قدَرِه؛ لينالَ أجرَ الصابرين وثوابَ المحتسبين، ففي صحيح مسلم عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال:

стр. 804

"عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ"١. وعليه أن يَحذرَ من تَمَنِّي الموت، حتَّى وإن اشتدَّ به المرضُ وزاد عليه الألَمُ، لِمَا في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَتَمَنَّيَنَ أحدُكُم الموتَ لضُرٍّ أصابَه، فإن كان لا بدَّ فاعلاً فليقل: اللَّهمَّ أحْيِنِي ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتوفَّنِي ما كانتُ الوفاةُ خيراً لي"٢. وفي المسند للإمام أحمد عن أمِّ الفضل ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ دخلَ عليهم وعبَّاسُ عمُّ رسول الله ﷺ يشتكي، فتَمَنَّى عبَّاس الموتَ، فقال له رسول الله ﷺ : " يا عمّ لا تَتَمَنَّ الموتَ، فإنَّك إن كنتَ مُحسناً فأن تُؤَخَّر تَزْدَدْ إحساناً إلى إحسانك خيرٌ لك، وإن كنتَ مُسيئاً فأن تُؤَخَّرَ تَستعتِب من إساءَتِك خيرٌ لك، فلا تَتَمَنَّ الموتَ"٣. وينبغي عليه أن يَجمع لنفسه بين الرَّجاء والخوف، رجاءِ رحمة الله والخوف من عقابه على ذنوبه، فقد روى الترمذي وابنُ ماجه عن أنس ﵁: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ على شاب وهو بالموتِ، فقال: كيف تَجدُك قال: والله يا رسولَ الله إنِّي أرجو اللهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي، فقال رسولُ الله ﷺ : لا يَجتَمعان في قَلب عَبدٍ في مثل هذا المَوطِن إلاَّ أعطاهُ الله ما يرجو وأمَّنَه مِمَّا يَخاف"٤.

стр. 805

ويُستَحبُّ له أن يَكتب وَصيَّتَه، وإن كان عليه حقوقٌ فلْيَرُدَّها إلى أصحابها إن أمكنه ذلك، وإلاَّ أوصى بذلك، والوصيَّةُ واجبةٌ بماله وما عليه من الحقوق؛ لئلاَّ تضيعَ لِمَا في الصحيحين عن النَّبِيّ ﷺ قال: "مَا حَقُّ امرئ مُسلم يَبيتُ لَيْلَتَيْن، وله شيء يريد أن يوصي فيه إلاَّ وَصِيَّتُه مكتوبةٌ عند رأسه"١. وأمَّا الوصيَّةُ بشيء من ماله بأن تُصرف في سُبُل البِرِّ والإحسان؛ ليَصِلَ إليه ثوابُها بعد موته فهي مستحبةٌ، وقد أَذن له الشَّارعُ بالتصرف عند الموت بثُلُث المال فأقلّ. ويُستحَبُّ له كذلك أن يوصي أهلَه بتقوى الله والمحافظة على أوامره والتَّمسُّك بسُنَّة نبيِّه ﷺ ، وأن يُحذِّرَهم من الأهواء والبدع، وقد روى سعيد بن منصور في سننه وغيرُه عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانوا يَكتُبُونَ في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلانُ بن فلان، أوصى أنَّه يشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ مَن في القبور، وأوصَى مَن ترك من أهله أن يتَّقوا الله، ويُصلحوا ذاتَ بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢ ") ٣.

стр. 806

وينبغي أن يوصيهم بأن يُجهَّزَ ويُدفنَ على السُّنَّة، وأن يحذِّرَهم من البدع لا سيما إن خشي وقوعَ شيء من ذلك، أو كان للبدع رواجٌ في مجتمعه، وقد أوصَى أبو موسى ﵁ حين حَضَرَه الموتُ فقال: "إذا انطلقتُم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تُتْبعونِي بمِجْمَر، ولا تَجعلنَّ على لَحدي شيئاً يحولُ بيني وبين التراب، ولا تجعلن على قبري بناءً، وأشهدُكم أنِّي بريءٌ مِن كلِّ حَالقَةٍ أو سالِقةٍ أو خارقة، قالوا سمعتَ فيه شيئاً قال: نَعم، مِن رسول الله ﷺ " رواه أحمد١. نسأل الله لنا جميعاً حسن الختام والوفاة على الإيمان بمَنِّه وكرمه.

стр. 807

١٦٠ / ما يُقال في الصلاة على الجنازة لقد ورد في السنَّة أحاديثُ عديدةٌ تتعلَّق بما يُقال في الصلاة على الجنازة، وفيما يلي بيانُها: ثبت في صحيح مسلم عن عوف بن مالك ﵁ قال: " صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ المَيِّتُ"١. وهو دعاء عظيمٌ جامع، مُحضَ فيه الدعاء للميت بالعفو والغفران، والسلامة والنجاة، والإكرام والإحسان، يُؤتى به في هذا الموضع العظيم عند الصلاة عليه، وهو موضع يُستحبُّ فيه المبالغة في الترحُّم على الميت والدعاء له؛ لأنَّه قد أُتي به إلى إخوانه المسلمين ليدعوا له، وليسألوا الله مغفرةَ ذنوبه وستر عيوبه وإقالة عثراته، وهو دعاء ينفع الميت بإذن الله، وهو من جملة الأمور الدالة على التراحم والتعاطف بين أهل الإيمان، والسُّنَّة في هذا الدعاء أن يُؤتى به بعد التكبيرة الثالثة، أما التكبيرة الأولى فيقرأ بعدها الفاتحة، والتكبيرة الثانية يُصلِّي بعدها على النبيِّ ﷺ ، وبعد التكبيرة الثالثة يُؤتى بهذا الدعاء أو غيره من الدعوات المأثورة.

стр. 808

قوله: "اللهمَّ اغفر له وارحمه" المغفرة ستر الذنوب مع التجاوز عنها، والرحمة أبلغ؛ لأنَّ فيها حصول المرغوب بعد زوال المكروه. وقوله: "وعافه واعف عنه" أي: عافه من العذاب وسلِّمه منه، واعف عنه ما وقع فيه من زلل وتقصير. وقوله: "وأكرم نزله" النُزُل: ما يُقدَّم للضيف، أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة. وقوله: "وأوسع مُدخلَه" أي: وسِّع له في قبره وافسح له فيه، ووسِّع له كذلك منازله عندك في الجنَّة؛ لأنَّ المدخلَ هنا مفردٌ مضاف فيَعُمُّ. وقوله: "واغسله بالماء والثلج والبرد" وهذه الأمور الثلاثة تُقابل حرارة الذنوب فتبردها وتُطفئُ لهيبَها. وقوله: "ونقِّه من الذنوب كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس" من التنقية وهي بمعنِى التطهير، أي: طهِّره من ذنوبه وخطاياه كما يُطهَّر ويُنظَّف الثوب الأبيض من الدَّنَس الذي علق به، وخصَّ الأبيض بالذِّكر؛ لأنَّ إزالةَ الأوساخ فيه أظهر من غيره من الألوان. وقوله: "وأبدله داراً خيراً من داره" أي: أدخله الجنَّة دار كرامتك بدلاً عن دار الدنيا التي رحل عنها. وقوله: "وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه" أي: وأبدله خيراً منهم، وهذا شاملٌ للتبديل في الأعيان والأوصاف، أمَّا في الأعيان بأن يُعوِّضه الله عنهم خيراً منهم في دار كرامته، وأمَّا في الأوصاف بأن تعودَ العجوزُ شابةً وسيِّئةُ الخلق حسنةَ الخلق، وغيرُ الجميلة جميلةً. ثمَّ سأل الله له دخول الجنَّة والنجاة من النار، والسلامةَ من فتنة القبر بأن يُوقى شرُّها وأثرها.

стр. 809

ومِمَّا يُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه أحمد وابن ماجه وغيرُهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تُضِلَّنَا بَعْدَهُ"١. وهو دعاءٌ عظيمٌ شمل الميِّت المصلَّى عليه وغيرَه من المسلمين الأحياء منهم والأموات، والصغار والكبار، والذكور والإناث، والشاهد منهم والغائب؛ لأنَّ الجميعَ مشتركون في الحاجة بل الضرورة إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، ومن دعا بهذه الدعوة فله بكلِّ واحد من المسلمين والمسلمات المتقدِّمين منهم والمتأخرين حسنة، لِما ثبت في المعجم الكبير للطبراني بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن استَغْفَرَ للمؤمنين والمؤمنات كَتَبَ اللهُ له بكلِّ مُؤمنٍ ومُؤمنةٍ حَسَنَةً"٢. وقوله: "اللَّهمَّ مَن أحييته منَّا فأحيه على الإسلام ومن توفَّيته فتوفَّه على الإيمان" فذكر الإسلام في الحياة والإيمان عند الممات، وذلك أنَّ الإسلام إذا قُرن بالإيمان يُراد به الشرائع العملية الظاهرة، ويُراد بالإيمان الاعتقاداتُ الباطنة، ولهذا ناسب في الحياة أن يذكر الإسلام؛ لأنَّ الإنسان ما دام حيًّا فلديه مجال وفسحة للعمل والتعبُّد، وأمَّا عند الممات فلا مجال لذلك، بل لا مجال إلاَّ للموت على الاعتقاد الصحيح والإيمان السليم بتوفيق من الله، ولهذا قال: "ومن توفيته فتوفه على الإيمان".

стр. 810

وقوله: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره" أي: الأجر الذي نحصله من تجهيزه والصلاة عليه وتشييعه ودفنه، وكذلك الأجر الذي نحصله من صبرنا على مصيبتنا فيه، وأمَّا أجر عمله فهو له، وليس لنا منه شيء. وقوله: "ولا تُضلَّنا بعده" أي: أعذنا من الضلال وجنِّبنا الفتنة والزَّلل بعد فقدنا له. ومن الدعوات التي تُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم عن يزيد بن رُكانة بن المطلب ﵁ قال: " كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قَامَ إلى جَنازَةٍ ليُصَلِّيَ عليها قال: اللَّهمَّ عَبْدُكَ وابنُ أَمَتِكَ احتَاجَ إلى رَحْمَتِكَ، وأنتَ غَنِيٌّ عَن عَذابِه، إن كانَ مُحْسناً فَزِدْ في حَسَناتِه، وإن كان مُسيئاً فتَجَاوَزْ عنه"، وهو حديث ثابت١. وروى مالك في الموطأ عن سعيد المقبري أنَّه سأل أبا هريرة: كيف تُصَلِّي على الجنازة فقال أبو هريرة: "أنَا لَعَمْرُ الله أُخْبِرُك، أتَّبِعُهَا مِن أَهْلِهَا، فإذا وُضعَت كَبَّرْتُ وحَمِدتُ اللهَ وصلَّيت على نبيِّه، ثمَّ أقول: اللَّهمَّ إنَّه عَبْدُكَ وابنُ عَبْدكَ وابنُ أمَتِكَ، كان يَشهَدُ أن لاَ إلَه إلاَّ أنتَ، وأنَّ مُحمَّداً عبدُكَ ورَسولُك، وأنتَ أعلَمُ بِه، اللَّهمَّ إن كَانَ مُحسناً فَزِدْ في إِحْسانِه، وإن كانَ مُسيئاً فتَجَاوَزْ عَن سيِّئاته، اللَّهمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَه، ولا تَفْتِنَّا بَعدَه"٢. نسأل الله أن يغفر لنا ولجميع موتى المسلمين، إنَّه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →