وينبغي أن يوصيهم بأن يُجهَّزَ ويُدفنَ على السُّنَّة، وأن يحذِّرَهم من البدع لا سيما إن خشي وقوعَ شيء من ذلك، أو كان للبدع رواجٌ في مجتمعه، وقد أوصَى أبو موسى ﵁ حين حَضَرَه الموتُ فقال: "إذا انطلقتُم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تُتْبعونِي بمِجْمَر، ولا تَجعلنَّ على لَحدي شيئاً يحولُ بيني وبين التراب، ولا تجعلن على قبري بناءً، وأشهدُكم أنِّي بريءٌ مِن كلِّ حَالقَةٍ أو سالِقةٍ أو خارقة، قالوا سمعتَ فيه شيئاً قال: نَعم، مِن رسول الله ﷺ " رواه أحمد١.
نسأل الله لنا جميعاً حسن الختام والوفاة على الإيمان بمَنِّه وكرمه.
стр. 807
١٦٠ / ما يُقال في الصلاة على الجنازة
لقد ورد في السنَّة أحاديثُ عديدةٌ تتعلَّق بما يُقال في الصلاة على الجنازة، وفيما يلي بيانُها:
ثبت في صحيح مسلم عن عوف بن مالك ﵁ قال: " صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ المَيِّتُ"١.
وهو دعاء عظيمٌ جامع، مُحضَ فيه الدعاء للميت بالعفو والغفران، والسلامة والنجاة، والإكرام والإحسان، يُؤتى به في هذا الموضع العظيم عند الصلاة عليه، وهو موضع يُستحبُّ فيه المبالغة في الترحُّم على الميت والدعاء له؛ لأنَّه قد أُتي به إلى إخوانه المسلمين ليدعوا له، وليسألوا الله مغفرةَ ذنوبه وستر عيوبه وإقالة عثراته، وهو دعاء ينفع الميت بإذن الله، وهو من جملة الأمور الدالة على التراحم والتعاطف بين أهل الإيمان، والسُّنَّة في هذا الدعاء أن يُؤتى به بعد التكبيرة الثالثة، أما التكبيرة الأولى فيقرأ بعدها الفاتحة، والتكبيرة الثانية يُصلِّي بعدها على النبيِّ ﷺ ، وبعد التكبيرة الثالثة يُؤتى بهذا الدعاء أو غيره من الدعوات المأثورة.
стр. 808
قوله: "اللهمَّ اغفر له وارحمه" المغفرة ستر الذنوب مع التجاوز عنها، والرحمة أبلغ؛ لأنَّ فيها حصول المرغوب بعد زوال المكروه.
وقوله: "وعافه واعف عنه" أي: عافه من العذاب وسلِّمه منه، واعف عنه ما وقع فيه من زلل وتقصير.
وقوله: "وأكرم نزله" النُزُل: ما يُقدَّم للضيف، أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة.
وقوله: "وأوسع مُدخلَه" أي: وسِّع له في قبره وافسح له فيه، ووسِّع له كذلك منازله عندك في الجنَّة؛ لأنَّ المدخلَ هنا مفردٌ مضاف فيَعُمُّ.
وقوله: "واغسله بالماء والثلج والبرد" وهذه الأمور الثلاثة تُقابل حرارة الذنوب فتبردها وتُطفئُ لهيبَها.
وقوله: "ونقِّه من الذنوب كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس" من التنقية وهي بمعنِى التطهير، أي: طهِّره من ذنوبه وخطاياه كما يُطهَّر ويُنظَّف الثوب الأبيض من الدَّنَس الذي علق به، وخصَّ الأبيض بالذِّكر؛ لأنَّ إزالةَ الأوساخ فيه أظهر من غيره من الألوان.
وقوله: "وأبدله داراً خيراً من داره" أي: أدخله الجنَّة دار كرامتك بدلاً عن دار الدنيا التي رحل عنها.
وقوله: "وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه" أي: وأبدله خيراً منهم، وهذا شاملٌ للتبديل في الأعيان والأوصاف، أمَّا في الأعيان بأن يُعوِّضه الله عنهم خيراً منهم في دار كرامته، وأمَّا في الأوصاف بأن تعودَ العجوزُ شابةً وسيِّئةُ الخلق حسنةَ الخلق، وغيرُ الجميلة جميلةً.
ثمَّ سأل الله له دخول الجنَّة والنجاة من النار، والسلامةَ من فتنة القبر بأن يُوقى شرُّها وأثرها.
стр. 809
ومِمَّا يُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه أحمد وابن ماجه وغيرُهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تُضِلَّنَا بَعْدَهُ"١.
وهو دعاءٌ عظيمٌ شمل الميِّت المصلَّى عليه وغيرَه من المسلمين الأحياء منهم والأموات، والصغار والكبار، والذكور والإناث، والشاهد منهم والغائب؛ لأنَّ الجميعَ مشتركون في الحاجة بل الضرورة إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، ومن دعا بهذه الدعوة فله بكلِّ واحد من المسلمين والمسلمات المتقدِّمين منهم والمتأخرين حسنة، لِما ثبت في المعجم الكبير للطبراني بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن استَغْفَرَ للمؤمنين والمؤمنات كَتَبَ اللهُ له بكلِّ مُؤمنٍ ومُؤمنةٍ حَسَنَةً"٢.
وقوله: "اللَّهمَّ مَن أحييته منَّا فأحيه على الإسلام ومن توفَّيته فتوفَّه على الإيمان" فذكر الإسلام في الحياة والإيمان عند الممات، وذلك أنَّ الإسلام إذا قُرن بالإيمان يُراد به الشرائع العملية الظاهرة، ويُراد بالإيمان الاعتقاداتُ الباطنة، ولهذا ناسب في الحياة أن يذكر الإسلام؛ لأنَّ الإنسان ما دام حيًّا فلديه مجال وفسحة للعمل والتعبُّد، وأمَّا عند الممات فلا مجال لذلك، بل لا مجال إلاَّ للموت على الاعتقاد الصحيح والإيمان السليم بتوفيق من الله، ولهذا قال: "ومن توفيته فتوفه على الإيمان".
стр. 810
وقوله: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره" أي: الأجر الذي نحصله من تجهيزه والصلاة عليه وتشييعه ودفنه، وكذلك الأجر الذي نحصله من صبرنا على مصيبتنا فيه، وأمَّا أجر عمله فهو له، وليس لنا منه شيء.
وقوله: "ولا تُضلَّنا بعده" أي: أعذنا من الضلال وجنِّبنا الفتنة والزَّلل بعد فقدنا له.
ومن الدعوات التي تُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم عن يزيد بن رُكانة بن المطلب ﵁ قال: " كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قَامَ إلى جَنازَةٍ ليُصَلِّيَ عليها قال: اللَّهمَّ عَبْدُكَ وابنُ أَمَتِكَ احتَاجَ إلى رَحْمَتِكَ، وأنتَ غَنِيٌّ عَن عَذابِه، إن كانَ مُحْسناً فَزِدْ في حَسَناتِه، وإن كان مُسيئاً فتَجَاوَزْ عنه"، وهو حديث ثابت١.
وروى مالك في الموطأ عن سعيد المقبري أنَّه سأل أبا هريرة: كيف تُصَلِّي على الجنازة فقال أبو هريرة: "أنَا لَعَمْرُ الله أُخْبِرُك، أتَّبِعُهَا مِن أَهْلِهَا، فإذا وُضعَت كَبَّرْتُ وحَمِدتُ اللهَ وصلَّيت على نبيِّه، ثمَّ أقول: اللَّهمَّ إنَّه عَبْدُكَ وابنُ عَبْدكَ وابنُ أمَتِكَ، كان يَشهَدُ أن لاَ إلَه إلاَّ أنتَ، وأنَّ مُحمَّداً عبدُكَ ورَسولُك، وأنتَ أعلَمُ بِه، اللَّهمَّ إن كَانَ مُحسناً فَزِدْ في إِحْسانِه، وإن كانَ مُسيئاً فتَجَاوَزْ عَن سيِّئاته، اللَّهمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَه، ولا تَفْتِنَّا بَعدَه"٢.
نسأل الله أن يغفر لنا ولجميع موتى المسلمين، إنَّه هو الغفور الرحيم.
стр. 811
١٦١ / ما يُقال عند دفن الميت وبعده، وعند التعزية، وزيارة المقابر
لقد مرَّ معنا الكلامُ على الأذكار التي تُقال في الصلاة على الجنازة، وسنتناول هنا بيانَ ما يُقال عند دفن الميت، وما يُقال بعد دفنه، وما يُقال لذويه عند تعزيتهم، وما يُقال عند زيارة المقابر.
من السُّنَّة أن يقول الذي يضع الميتَ في لحدِه "بسم الله وعلى سنَّة رسول الله"، أو "وعلى ملِّة رسول الله ﷺ "؛ لِمَا رواه أبو داود والترمذي وابنُ ماجه وغيرهم عن عبد الله بن عمر ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذَا وَضَعَ الميِّتَ في القبر قال: "بسْمِ الله وعلى سُنَّة رسول الله"، وفي رواية "وعلى ملَّة رَسولِ الله ﷺ "، وجاء في رواية أنَّه قال: "إَذَا وَضَعْتُمْ مَوتَاكُم في القبور فَقُولُوا ... "، وذكره١.
ثمَّ من السنَّة بعد الفراغ من دفنه الدعاءُ له بالمغفرة والتثبيت عند السؤال؛ لِما رواه أبو داود وغيرُه عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ "٢.
ولا يُشرع قراءةُ شيءٍ من القرآن في هذا الموضع، ولا أن يُلقَّن الميتُ حجَّته كما يفعله بعضُ الناس؛ إذ لم يثبت بذلك حديث، وإنَّما المشروع في
стр. 812
هذا المقام كما تقدَّم الاستغفارُ له وسؤال الله تثيبتَه.
وأمَّا ما يُقال لذويه عند تعزيتِهم، فإنَّ المشروعَ للمسلم أن يعزيَ أخاه بما يظنُّ أنَّه يسليه ويُذهب حزنه ويعينه على الرِّضا بالقضاء والصبر على المصيبة مِمَّا ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه يقوله في هذا المقام إن كان يستحضر شيئاً من ذلك، وإلاَّ يقول ما تيسَّر له من الكلام الحسن والقول الطيِّب الذي يُحقِّق المقصودَ ولا يُخالف الشرعَ.
والمسلم مأجورٌ على تعزيته لإخوانه ووقوفه معهم في محنتهم ومصابهم، ففي الحديث عن النَبِيّ ﷺ أنَّه قال: " مَا مِنْ مُؤْمن يُعَزِّي أخاه بمصيبة إلاَّ كَسَاهُ اللهُ من حُلَلِ الكَرَامَة يومَ القيامَة" رواه ابن ماجه وغيرُه١.
ومِمَّا ورد في السنة في التعزية ما رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵄ قال: " أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْناً لِي قُبِضَ فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِيءُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: إِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"٢، قال النووي ﵀: "هذا الحديث أحد ما يُعزَّى به".
وفي حديث أبي سلمة: لَمَّا مات شق بصره فأغمضه النَبِيُّ ﷺ ثم قال: " إنَّ الروحَ إذا قُبض تَبعَهُ البَصَرُ" فصاح ناسٌ من أهله فقال: "لا تَدْعُوا على أَنفُسِكُم إلاَّ بِخَيرٍ، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنونَ على ما تَقولُون"، ثم قال: "اللَّهمَّ اغْفرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وارْفَعْ دَرَجَتَه في المَهْديِّين، واخْلُفْه في عَقِبِهِ في
стр. 813
الغَابِرِينَ، واغفرْ لَنَا وَلَهُ يا رَبَّ العَالَمِينَ، وافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ " رواه مسلم١.
أمَّا ما يُقال عند زيارة القبور، فإنَّ السُّنَّة قد جاءت بمشروعية زيارة القبور للاتِّعاظ وتذكُّر الآخرة، وللدعاء لأهلها بالرَّحمة والمغفرة، وقد مُنع الناسُ في بدء الأمر من زيارة القبور؛ لقُرب عهدهم من الجاهلية وخشية أن يتكلَّموا بشيء من كلام أهل الجاهلية عندها، فلمَّا استقرَّت قواعدُ الإسلام وتَمهَّدت أحكامُه واشتهرت معالِمُه أُبيحت لهم الزيارة مع البيان لمقاصدها والتحذير من قول الباطل عند زيارتها.
فعن بُريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي كُنتُ نَهيتُكُم عن زيَارَةِ القُبُور فزُرُوهَا" رواه مسلم وأحمد والنسائي وغيرهم، وزاد أحمد: "فَإنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخرَةَ "، وزاد النسائي: "فمَن أَرَادَ أن يَزُورَ فَلْيَزُرْ، ولاَ تَقُولُوا هُجراً"٢.
والهُجْرُ الباطل من القول، كدعاء المقبورين والاستغاثة بهم من دون الله، أو التوسُّل بهم أو طلب البركة منهم ونحو ذلك من الباطل والضلال، ولقد جاء في سنة النَبِيِّ ﷺ بيانُ ما يُشرَع للمسلم أن يقولَه عند زيارة القبور، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: قُولِي: السَّلاَمُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا
стр. 814
وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ"١.
وروى مسلم أيضاً عن بُريدة ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ، فَكَانَ قائلهم يَقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلاَحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ"٢.
قال ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد في كلامه عن هدي النَبِيِّ ﷺ في زيارة القبور: "كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنَّها لأمَّته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) ، وكان هديُه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميِّت من الدعاء والترحُّم والاستغفار، فأبَى المشركون إلاَّ دعاءَ الميت والإشراك به، والإقسامَ على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجُّهَ إليه، بعكس هديه ﷺ ، فإنَّه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهديُ هؤلاء شركٌ وإساءةٌ إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إمَّا أن يدعوا الميت، أو يدعوا به أو عنده، ويرون الدعاءَ عنده أوجبَ وأولى من الدعاء في المساجد، ومَن تأمَّل هديَ رسول الله ﷺ وأصحابه، تبيَّن له الفرقُ بين الأمرين، وبالله التوفيق"٣. اهـ كلامه.
وبما تقدَّم يتَّضح أنَّ أحوالَ الناس في زيارة القبور لا تخرج عن أربع حالات:
стр. 815
الأولى: أن يزور القبور ليدعو للأموات، فيسأل الله لهم المغفرة والرحمة، وليعتبر بحال الموتى وما آلوا إليه، فيحدث له ذلك عبرةً وذكرى، وهذه هي الزيارة الشرعية.
الثانية: أن يزورها ليدعو لنفسه ولِمَن أحبَّ عندها معتقداً أنَّ الدعاء في المقابر أو عند قبور الصالحين أفضلُ وأحرى بالقبول والإجابة، وهذا بدعةٌ منكرة.
الثالثة: أن يزورها ليدعو الله متوسِّلاً بجاه الموتى أو حقِّهم، فيقول: أسألك يا ربِّي بجاه فلان أو بحقِّ فلان، فهذا بدعة محرَّمة ووسيلة إلى الشرك.
الرابعة: أن يزورها ليدعو المقبورين ويستغيث بهم ويطلب منهم المَدَدَ والعونَ والشِّفاءَ وغيرَ ذلك، فهذا شركٌ أكبر ناقلٌ عن ملِّة الإسلام.
نسأل الله أن يحفظنا وإيَّاكم، وأن يوفِّقنا لكلِّ خير، إنَّه سميع مجيب.
стр. 816
١٦٢ / دعاء الاستسقاء
لقد شَرَعَ اللهُ لعباده إذا أجدَبت فيهم الدِّيارُ، وقلَّت الأمطارُ، وحصل القَحْطُ أن يفزَعوا إلى الصلاة والدعاء والاستغفار، وأخبَرَ أنَّه لا يخيب عبداً دعاه، ولا يردُّ مؤمناً ناداه، فمَن دعاه بصدق وأقبل عليه بإلحاح حقَّق رجاءَه، وأجاب دعاءه، وأعطاه سؤله، فهو القائل سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١، وأرشد عباده سبحانه عند احتباس المطر عنهم أن يستغفروه من ذنوبهم التي بسببها حبس المطر ومنع القطر.
وأخبر سبحانه عن أنبيائه ورسله ﵈ أنَّهم كانوا يرغِّبون أمَمَهم ويحثُّونهم على التوبة والاستغفار، ويبيِّنون لهم أنَّ ذلك سببٌ من أسباب إجابة الدعاء ونزولِ الأمطار وكثرة الخيرات وانتشار البركة في الأموال والأولاد، فذكر تعالى عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ ٢، وذكر عن هود ﵇ أنَّه قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ
стр. 817
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً﴾ ٢.
وفي هذه النصوص دلالةٌ على أنَّ التوبةَ والاستغفار سببٌ لنُزول الخيرات وتوالي البركات وإجابة الدعوات.
وليحذر المسلم في هذا المقام من أن يستولي على قلبه اليأس والقنوط، أو أن يتفوَّه بكلام يدلُّ على التَّضَجر والتسخُّط، فإنَّ المؤمنَ لا يزال يسأل ربَّه، ويطمع في فضله ويرجو رحمته، ولا يزال مفتقراً إليه في جلب المنافع ودفع المضار من جميع الوجوه، يعلم أنَّه لا ربَّ له غيره يقصده ويدعوه، ولا إله له سواه يؤمله ويرجوه، ليس له عن باب مولاه تحوُّل ولا انصراف، ولا لقلبه إلى غيره تعلق ولا التفات.
وقد جاء في سُنَّة النَبِيِّ ﷺ وهديِه الكريم دعواتٌ مباركة يُشرع للمسلم أن يدعو بها في الاستسقاء، فيها تذلُّل لله وخضوعٌ بين يديه، واعتراف بعظمته وكماله وافتقار العباد إليه، وأنَّه سبحانه الغنيُّ الحميد.
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وُجَاهَ المِنْبَرِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِماً فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلاَ وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ وَلاَ شَيْئاً، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ
стр. 818
سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ: وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ ورَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكَهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ"١.
وسَلْع المذكور في الحديث جبلٌ معروف بالمدينة.
وقوله: "سحابة مثل الترس" أي: في الاستدارة والكثافة.
وقوله: "اللهمَّ على الآكام والظراب" الآكام: التلال، والظراب: الجبال الصغيرة.
وقول الرجل: "فادع الله أن يمسكها"، ودعاء النَبِيِّ ﷺ بقوله: "حوالينا ولا علينا ... " إلى آخر الدعاء فيه دلالة على مشروعية الاستصحاء حينما تطول الأمطار وتكثر، ويحصل بها الضَّرر.
وروى أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: "شَكَى النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي المُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللهَ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
стр. 819
الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ الغَنِيُّ، وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنُا قُوَّةً وَبَلاَغاً إِلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلَّبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الكِنِّ ضَحِكَ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ"١.
قحوط المطر، أي: انحباسه وانقطاعه.
وقوله: "حين بدا حاجب الشمس" أي: حين ظهر ولاح طرف الشمس.
وقوله: "عن إبان زمانه" أي: وقت نزوله.
وقوله: "وبلاغاً إلى حين" أراد به المطر الكافي إلى وقت انقطاع الحاجة.
وقوله: "فلمَّا رأى سرعتهم إلى الكنِّ" الكنُّ: ما يردُّ الحرَّ والبرد من الأبنية والمساكن.
وروى أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَوَاكِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً نَافِعاً، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ. قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ" ٢.
стр. 820
قوله: "أتت النَبِيَّ ﷺ بواكي" جمع باكية، وفي بعض النسخ: "رأيت النَبِيَّ ﷺ يواكي" ومعناه: التحامل على يديه إذا رفعهما ومدَّهما في الدعاء.
وعلى المسلم إذا دعا الله في الاستسقاء أو غيره أن يَحْسُن ظنُّه بالله وأن يعظمَ رجاؤه فيه، وأن يلحَّ عليه في الدعاء، وأن لا يقنط من رحمته سبحانه، فخزائنه ملأى، وجوده عظيم، ورحمته وسعت كلَّ شيء.
стр. 821
١٦٣ / ما يُقال عند نزول الغيث
لقد مرَّ معنا الأدعيةُ المتعلقةُ بالاستسقاء، والتي يُشرع للمسلم أن يقولها عند قحوط المطر واستئخاره عن إبان نزوله، وما يترتَّب على ذلك من جفاف في الزروع وهلاك في الماشية، وغير ذلك من الأضرار، وهي دعوات مباركة واستغاثات نافعة بربِّ العالمين وخالق الخلق أجمعين، الذي بيده أزمة الأمور ومقاليد السموات والأرض، الذي أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون، والدعاء ينبئ عن قوة الافتقار وتحقيق العبودية، ويوجب للعبد خضوعه وخشوعه وشدَّة انكساره لربِّ البريَّة، فكم من دعوة رفع الله بها المكاره وأنواع المضار، ونال بها العبدُ الخيرات العديدة والبركاتِ المتنوِّعة وأنواعَ المسار.
والعبد يدعو الله في كلِّ أحيانه ويدعو الله في كلِّ شؤونه إذا تأخر المطر دعا الله، وإذا نزل المطر دعا الله، وإذا سمع الرَّعدَ ذكر الله، ففقره إلى الله ذاتِيٌّ، لا غنى له عن ربِّه وسيِّده ومولاه طرفة عين، والله غنِيٌّ حميد.
وقد تقدَّم فيما مضى ما يُقال في الاستسقاء والاستصحاء، وأمَّا إذا نزل الغيث فإنَّ من السنَّة أن يقول المسلم عند نزوله "اللهمَّ صيِّباً نافعاً" لِما رواه البخاري عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللَّهمَّ صيِّباً نافِعاً"١.
وقوله: "صيِّباً" منصوب بفعل مقدَّر، أي: اجعله، والصيِّب: المطر.
وقوله: "نافعاً" وصفٌ للصيِّب، احترز به عن الصيِّب الضار، وفي هذا
стр. 822
دلالة على أنَّ المطر قد يكون نزولُه رحمةً ونعمةً، وهو النافع، وقد يكون نزوله عقوبةً ونقمةً وهو الضار.
والمسلمُ يسأل الله عند نزول المطر أن يكون نافعاً غير ضار، وهذا الدعاء المذكور يُستحبُّ بعد نزول المطر للازدياد من الخير والبركة، مقيَّداً بدفع ما يُخشى ويُحْذَرُ من ضَرر.
ومن الواجب على العبد في هذا المقام الكريم أن يعرف نعمة الله عليه، وينسبَ الفضلَ إليه، فهو سبحانه مولي النِّعم ومُسديها، بيده العطاءُ والمنع، والخفض والرفع، لا ربَّّ سواه ولا إله غيره.
وقد ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد ﵁ قال: "صَلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبح بالحُدَيْبِيَة على إثر سَماء كانت مِنَ اللَّيل [أي على إثر مطر] فلمَّا انصرفَ أَقْبَلَ على النَّاس، فقال: هَل تَدرُون ماذا قال رَبُّكم؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: أَصْبَحَ من عبَادِي مؤمنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورَحْمَتِه، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطرنا بنَوْءِ كذا وكذا، فذَلكَ كافرٌ بِي مُؤْمنُ بالكَوْكَب "١.
فالقائل عند نزول المطر: مُطرنا بفضل الله ورحمته، قد نسب النعمةَ لمُعطيها، وأضاف المنَّة لموليها، واعتقد أنَّ نزول هذا الفضل والخير والرحمة إنَّما هو محضُ نعمة الله وآثارُ رحمته سبحانه.
وأمَّا القائل عند نزول المطر: مُطرنا بنوء كذا وكذا فلا يخلو من أمرين:
إمَّا أن يعتقد أنَّ المُنْزِلَ للمطر هو النجمُ، وهذا كفرٌ ظاهرٌ ناقلٌ من ملَّة
стр. 823
الإسلام، أو يعتقد أنَّ المُنْزِلَ للمطر هو الله، والنوءَ سبب، فيضيف النعمةَ إلى ما يراه سبباً في نزولها وهذا من كفر النّعمة وهو من الشرك الخفيِّ.
والأنواء ليست من الأسباب لنُزول المطر، وإنَّما سبب نزول المطر حاجة العباد وافتقارهم إلى ربِّهم وسؤالهم إيَّاه، واستغفارهم وتوبتهم إليه، ودعاؤهم إيَّاه بلسان الحال ولسان المقال، فينزل عليهم الغيث بحكمته ورحمته بالوقت المناسب لحاجتهم وضرورتهم، ولا يتمُّ توحيد العبد حتى يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة عليه وعلى جميع الخلق، ويُضيفها إليه ويستعين بها على عبادته وذِكْره وشكره١.
ومن السنَّة أن يقول المسلم عند اشتداد هبوب الرِّيح: "اللهمَّ إنِّي أسألك خيرها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلت به" لِمَا رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذا عَصَفَتِ الرِّيحُ [أي اشتدَّ هبوبها] قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"٢.
ولا يجوز للمسلم أن يسبَّ الريحَ؛ فإنَّها مسخَّرةٌ بأمر الله مدبَّرَةٌ مأمورةٌ، روى البخاري في الأدب المفرد وأبو داود في السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا"٣.
стр. 824
وقوله: "من روح الله" أي من الأرواح التي خلقها الله، فالإضافة هنا إضافة خلق وإيجاد.
وكان من هديه ﷺ أن يقول إذا اشتدَّت الرِّيح: "اللهمَّ لاقحاً لا عقيماً"، لِما رواه البخاري في الأدب المفرد عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كان النَبِيُّ ﷺ إذا اشتدَّت الرِّيحُ يقول: "اللَّهمَّ لاقحاً لا عَقيماً" ١، ومعنى لاقحاً؛ أي: ملقحة للسحاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٢ أي: وسخَّرنا الرِّياح رياح الرحمة تلقح السحاب كما يلقح الذَّكر الأنثى فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد والمواشي والزروع، ويبقى في الأرض مدَّخراً لحاجتهم وضروراتهم، فله الحمد والنعمة لا شريك له.
وللمسلم أن يُسبِّح عند سماعه الرَّعد، ففي الأدب المفرد للبخاري عن عبد الله بن الزبير ﵄: "أنَّهُ كَانَ إِذا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ"٣.
وروى عن عبد الله بن عباس ﵄ أنَّه كان إذا سمع صوت الرعد قال: "سبحان الذي سبَّحت له"٤.
وفي التسبيح في هذا المقام تعظيم للربِّ سبحانه الذي الرَّعدُ أثرٌ من آثار كمال قوَّته وقدرته، وفيه تجاوب مع الرَّعد الذي يسبح بحمد الله، ولكن لا نفقه تسبيحه.
стр. 825
١٦٤ / مَا يُقَالُ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَوْ خُسُوفِ القَمَرِ
الحديث هنا عن كسوف الشمس وخسوف القمر، وما يُستحبُّ للمسلم أن يقوله عند حصول ذلك.
إنَّ الله سخَّر لابن آدم أنواعاً من المخلوقات إكراماً له وتفضُّلاً عليه؛ ليقوم بطاعة الله وليُحقِّق توحيد الله وليكون شاكراً لأنعم الله، فقد سخَّر جلَّ وعلاَ للإنسان السموات والأرض والليل والنهار، والشمس والقمر، ونعمُه سبحانه على الإنسان لا تُحصَى ولا تُعدُّ.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٣.
стр. 826
فالشمسُ والقمرُ هما من جملة النِّعم التي تفضَّل الله بها على عباده ومَنَّ بها عليهم، وجعلهما سبحانه دائِبَيْن أي: مُستمِرَّيْن لا يفتران يسعيان لمصالح الإنسان من حساب الأزمنة ومصلحة الأبدان والحيوان والزروع والثمار، وجعلهما سبحانه يجريان بحساب متقن وتقدير مقدَّر لا يتخلَّفان عنه علواً ولا نزولاً، ولا ينحرفان يميناً ولا شمالاً، ولا يتغيَّران تقدُّماً ولا تأخُّراً، كما قال سبحانه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢.
ثمَّ إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله، ومخلوقان من مخلوقاته ينجليان بأمره وينكسفان بأمره، فإذا أراد الله تعالى أن يخوِّف عباده من عاقبة معاصيهم وذنوبِهم كسفهما باختفاء ضوئهما كلِّه أو بعضِه؛ إنذاراً للعباد وتذكيراً لهم لعلَّهم يرجعون ويتوبون ويُنيبون، فيقومون بما أمرهم به ربُّهم، ويتركون ما حرَّمه عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ ٣، وفي هذا دلالة على كمال قدرة الله سبحانه، حيث إنَّه سبحانه قادرٌ على تحويل الأشياء وتبديل الأمور وتصريف الخلائق كيف شاء، ومن ذلك تغيير حال الشمس والقمر من النور والوضاءة إلى السواد والظلمة، والله على كلِّ شيء قدير.
стр. 827
ولذا شُرع عند حصول الكسوف الفزعُ إلى الصلاة والدعاء والذِّكر والاستغفار والصدقة.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا "١.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعاً يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ"٢.
لقد خسفت الشمس في عهد النَبِيِّ ﷺ مرَّة واحدة، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، حيث مات ابنُه إبراهيم ﵁، وقد كان الناسُ في الجاهلية يظنُّون أنَّ كسوفَ الشمس أو القمر إنَّما يكون لموتِ عظيم أو حياته، فبيَّن ﷺ فسادَ هذا الظنِّ وخطأه، وقال كما في حديث عائشة المتقدِّم: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ".
وقد فزع ﷺ عند كسوفها إلى المسجد، وأمر منادياً ينادي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد رجالاً ونساءاً، فقام فيهم النَبِيُّ ﷺ وصفُّوا خلفه، فكبَّر وقرأ الفاتحة وسورة
стр. 828
طويلة يجهر بقراءته، ثم ركع ركوعاً طويلاًَ جدًّا، ثم رفع وقال: سمع الله لِمَن حمده ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قرأ الفاتحة وسورة طويلة لكنَّها أقصر من الأولى ثم ركع ركوعاً طويلاً دون الأول، ثم رفع وقال: سمع الله لِمَن حمده ربَّنا ولك الحمد، وقام قياماً طويلاً نحو ركوعه ثم سجد سجوداً طويلاً جدًّا نحواً من ركوعه، ثمَّ رفع وجلس جلوساً طويلاً، ثمَّ سجد سجوداً طويلاً، ثمَّ قام إلى الركعة الثانية فصنع مثل ما صنع في الأولى، لكنَّها دونها في القراءة والركوع والسجود والقيام، ثمَّ تشهد وسلَّم، وقد تجلَّت الشمس، ثم خطب ﷺ خطبة عظيمة بليغة بيَّن فيها أنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وحثَّهم عند حصول ذلك إلى الفزع إلى الصلاة وذِكر الله ودعائه واستغفاره حتى يفرِّج الله وتنجلي، ومِمَّا قال في خطبته "يا أمَّة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمَته، يا أمَّة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"، ومِمَّا قال في خطبته "ما من شيء كنت لَم أره إلاَّ رأيته في مقامي هذا حتى الجنَّة والنار، وأوحي إلَيَّ أنَّكم تفتنون في قبوركم مثل فتنة المسيح الدجَّال يقال: ما علمك بهذا الرَّجل فأمَّا المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد وهو رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجبنا واتَّبعنا، فيُقال: نَمْ صالحاً إن كنت لموقناً به، وأمَّا المنافق أو المرتاب، فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئاً فقلته".
وقال له الصحابة: يا رسول الله، رأيناك تناولتَ شيئاً في مَقامك، ثمَّ رأيناك تَكَعٍْكَعْتَ [أي رَجعْتَ إلى الوراء] قال: إنِّي رَأيتُ الجنَّةَ، فتناولتُ عنقوداً ولو أصَبْتُه لأكَلْتُم منه ما بقيت الدنيا، ورأيتُ النَّارَ فلَمَ أَرَ مَنظراً كاليوم قطُّ أفْظَع، ورأيتُ أكثرَ أهلها النِّساء، قالوا: بِمَ يا رسول الله قال: بكُفْرهنَّ، قيل: يَكْفُرْنَ بالله قال: يَكْفُرْنَ العشير، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ، لَو
стр. 829
أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدَّهرَ كلَّه، ثمَّ رَأَتْ منكَ شيئاً قالت: ما رَأيتُ منك خيراً قطُّ"١.
إنَّ فزعَ النَبِيِّ ﷺ للكسوف وصلاتَه هذه الصلاة وعرضَ الجنَّة والنار عليه أثناء هذه الصلاة، ورؤيتَه لكلِّ ما نحن لاقوه من أمر الدنيا والآخرة، ورؤيتَه الأمَّةَ تُفتن في قبورها، وخطبتَه هذه الخطبة البليغة المؤثِّرة، وأمرَه أمَّته عند الكسوف أن يفزعوا إلى الصلاة والذِّكر والدعاء والاستغفار والتكبير والصَّدقة، ليدلُّ على عِظَم شأن الكسوف وأهميَّة الفزع فيه إلى الصلاة والدعاء والاستغفار.
والحالُ أنَّ كثيراً من الناس في هذا الزمان تهاونوا بأمر الكسوف ولم يُقيموا له وزناً ولم يُحرِّك لهم ساكناً، وما ذاك إلاَّ لضعف الإيمان والجهل بالسُّنَّة والاعتماد على مَن يحيل أمر الكسوف إلى الأسباب الطبيعية، مع الغفلة عن أسبابه الشرعية والحكمة البالغة التي من أجلها يُحدث الله الكسوف، وفَّقنا الله لتعظيم آياته والخوف منه، ورزقنا الاعتبار بآياته والانتفاع بها، إنَّه جوادٌ كريم.
стр. 830
١٦٥ / مَا يُقَالُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الهِلاَلِ
لقد ورد في السُّنَّة دعاءٌ يُستحبُّ للمسلم أن يقوله عند رؤية الهلال من كلِّ شهر، فيه سؤال الرَّبِّ سبحانه أن يجعل هذا الشهر الذي هلَّ هلالُه شهرَ يُمن وإيمان وسلامة وإسلام، وهي دعوةٌ مباركةٌ يحسن بالمسلم أن يدعو بها كلَّما رأى الهلال.
روى الترمذي عن طلحة ﵁: "أَنَّ النَبِيَّ ﷺ كَانَ إِذا رَأَى الهِلاَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ، رَبِيَ وَرَبُّكَ اللهُ"١.
وقبل الدخول في معاني هذه الدعوة المباركة، لنقف قليلاً نتأمَّل في هذه الآية الباهرة الدَّالَّة على عظمة الرَّبِّ سبحانه وكمال قُدرته، يقول ابن القيم ﵀: "وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يُبديه الله كالخيط الدَّقيق، ثم يتزايد نورُه ويتكامل شيئاً فشيئاً كلَّ ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثمَّ يأخذ في النقصان حتى يعود على حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهر والسنون، وقام به حسابُ العالم مع ما في ذلك من الحكَم والآيات والعبر التي لا يُحصيها إلاَّ الله"٢. اهـ.
وقد عدَّ الله في القرآن الكريم هذا ضمن آياته العظام وبراهينه الجسام، يقول الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ
стр. 831
مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ أي: يَنْزِلُها، كلَّ ليلة ينْزل منها واحدة، إلى أن يصغر جدًّا فيكون كالعرجون القديم، أي: كعذقة النخل إذا قدم وجفَّ وصغر حجمه وانحنى، ثمَّ يُهلُّ في أول الشهر ويبدأ يزيد شيئاً فشيئاً حتَّى يتمَّ نورُه ويتسق ضياؤه، فما أعظمها من آية، وما أوضحها من دلالة على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه سبحانه، ولا ريب أنَّ التَّأملَ في هذه الآية وغيرها مِمَّا دعا الله عباده في كتابه إلى التفكر فيها وتأمُّلها يهدي العبدَ إلى العلم بالربِّ سبحانه بوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وسعة علمه وكمال حكمته، وتعدد برِّه وإحسانه، ومن ثمَّ يُخلص الدِّينَ له ويُفردُه وحده بالذُّلِّ والخضوعِ والحبِّ والإنابة والخوف والرجاء، فهي دلائلُ ظاهرة وبراهينُ واضحة على تفرُّد الله بالربوبية والألوهية والعظمة والكبرياء.
ولِهذا كان ﷺ إذا رأى الهلالَ كبَّر؛ لأنَّه آيةٌ عظيمة على عظمة الرَّبِّ وكبريائه، والتكبير تعظيم الله واعتقاد أنَّه أكبرُ من كلِّ شيء وأنَّه لا شيء أكبر منه، كما قال ﷺ في حديث عديٍّ ﵁: "فهَل من شيءٍ أكبَرُ من الله" ٢.
بل إنَّ التكبيرَ مشروعٌ عند رؤية كلِّ كبير وعظيم ليبقى القلبُ ليس فيه اشتغال إلاَّ بتكبير الله وتعظيمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "التكبيرُ
стр. 832
مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو لعظمة الفعل، أو لقوة الحال أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة؛ ليُبيِّن أنَّ الله أكبرُ، وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار، فيكون الدِّين كلُّه لله، ويكون العبادُ له مكبرون، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه"١.
أمَّا تكبير النَبِيِّ ﷺ عند رؤية الهلال فقد رواه الدارمي من حديث عبد الله ابن عمر ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلالَ قال: اللهُ أكبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ، والتَّوْفِيقِ لِمَا تُحبُّ وتَرْضَى، رَبِيَ وَرَبُّكَ اللهُ"٢.
ولنبدأ هنا في الكلام على معنى الحديث، قوله: "إذا رأى الهلال" الهلال هو غرَّة القمر لليلتين أو لثلاث، وفي غير ذلك يُقال له قمر.
وقوله: "أهلَّه علينا" أي أطلعه علينا، وأرنا إيَّاه.
وقوله: "بالأمن والإيمان" الأمنُ هو الطمأنينة والراحة والسكون والسلامة من الآفات والشرور، وفي حديث طلحة "باليُمن" واليُمن هو السعادة، والإيمان هو الإقرار والتصديق والخضوع لله.
وقوله: "والسلامة والإسلام" السلامة هي الوقاية والنجاة من الآفات والمصائب، والإسلام هو الاستسلام لله والانقياد لشرعه.
وقوله: "ربِّي وربُّك الله" فيه إثبات أنَّ الناس والقمر وجميع المخلوقات
стр. 833
كلّها مربوبةٌ لله مسخَّرة بأمره خاضعة لحكمه، وفي هذا ردٌّ على من عبدها من دون الله ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١.
ثمَّ إنَّ الحديثَ فيه فوائد كثيرة أشير إلى شيء منها.
فمن فوائد الحديث أنَّ فيه بياناً للفرق بين الإيمان والإسلام وأنَّهما ليسا شيئاً واحداً عندما يجتمعان في الذِّكر، بل لكلِّ واحد منهما معنى خاص، فالإيمان يُراد به الاعتقادات الباطنة، والإسلام يُراد به الأعمال الظاهرة، أمَّا عند إفراد كلِّ واحد منهما بالذِّكر فإنَّه يكون متناولاً لمعنى الآخر.
ومن فوائد الحديث أنَّ الأمنَ مرتبطٌ بالإيمان، والسلامةَ مرتبطةٌ بالإسلام، فالإيمان طريق الأمان، والإسلام طريق السلامة، ومن رام الأمن والسلامة بغيرهما ضلَّ، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
ومن فوائد الحديث أنَّ فيه لفتةً كريمةً إلى أنَّ أهمَّ ما تُشغل به الشهور وتُمضى فيه الأوقات هو الإيمانُ بالله وبما أمر عباده بالإيمان به، والاستسلامُ له سبحانه في كلِّ أحكامه وجميع أوامره.
ومرور الشهور على العبد مع الانشغال عن هذا المقصد الجليل ضياعٌ للشهور وحرمان من الخير، فالشهور لَم تُخلق ولم توجد إلاَّ لتكون مستودعاً للإيمان والأعمال، وهذا إنَّما ينجلي أمره للناس عندما يقفون يوم القيامة بين
стр. 834
يدي الله ليروا نتائج أعمالهم وحصاد حياتهم وثمرة أوقاتهم.
قال ابن القيم ﵀: "السَّنَةُ شجرة، والشهورُ فروعها، والأيامُ أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنَّما يكون الجَذَاذ يوم المعاد، فعند الجَذاذ يتبيَّن حلوُ الثمار من مُرِّها"١. اهـ.
ونسأل الله أن يُصلح أوقاتنا جميعاً، ويعمرها بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحبه ويرضاه، هو ربُّنا لا ربَّ لنا سواه.
стр. 835
١٦٦ / الدُّعَاءُ لَيْلَةَ القَدْرِ
إنَّ في السَّنَة أياماً فاضلة وأوقاتاً شريفةً، الدعاءُ فيها أفضل، والإجابةُ فيها أحرى، والقبول فيها أرجى، وله سبحانه الحكمة البالغة ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١ فلكمال حكمته وقدرته وتمام علمه وإحاطته يختار من خلقه ما يشاء من الأوقات والأمكنة والأشخاص، فيخصُهم سبحانه بمزيد فضله وجزيل عنايته ووافر منَّته، وهذا من أكبر آيات ربوبيته وأعظم شواهد وحدانيته وتفرّده بصفات الكمال، وأنَّ الأمرَ له سبحانه من قبل ومن بعد، يقضي في خلقه بما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وإنَّ مِمَّا خصَّه الله من الأوقات بمزيد تفضيله ووافر تكريمه شهرَ رمضان، حيث فضَّله على سائر الشهور، والعشرَ الأواخر من لياليه حيث فضَّلها على سائر الليالي، وليلةَ القدر حيث جعلهَا لمزيد فضلها عنده وعظيم مكانتها خيراً من ألف شهر، وفخم سبحانه أمرها، وأعلا شأنها، ورفع مكانتها عنده، أنزل فيها وحيَه المبين وكلامَه الكريم وتنزيله الحكيم، هدى للمتَّقين وفرقاناً للمؤمنين، وضياء ونوراً ورحمة.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ
стр. 836
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢.
فلله ما أعظمها من ليلة، وما أجلَّ خيرَها، وما أوفر بركتها، ليلة واحدة خير من ألف شهر، أي ما يزيد على ثلاثة وثمانين عاماً عُمر رجل معمَّر، وهو عمرٌ طويل لو قضاه المسلم كلَّه في طاعة الله ، فليلة القدر وهي ليلة واحدة خير منه، هذا لمَن حصَّل فضلها ونال بركتها.
قال مجاهد ﵀: "ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر ليس في تلك الشهور ليلة القدر"، وكذا قال قتادة والشافعي وغيرُ واحد.
وفي هذه الليلة المباركة يكثر تنَزّل الملائكة لكثرة بركتها؛ إذ الملائكة يتنَزَّلون مع تنَزُّل البركة، وهي سلامٌ حتى مَطلع الفجر، أي أنَّها خير كلّها ليس فيها شرٌّ إلى مطلع الفجر، وفي هذه الليلة يُفرق كلُّ أمر حكيم، أي: يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة يإذن الله العزيز الحكيم، والمراد بالتقدير هنا التقدير السنوي، أما التقدير العام في اللوح المحفوظ فهو متقدِّمٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صحَّ بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ .
إنَّ ليلةً هذا شأنها ينبغي على المسلم أن يحرصَ على طلبها تمامَ الحرص
стр. 837
ليفوز بثوابها، وليغنم خيرها، وليحصِّل أجرها، ولينال بركتها، والمحروم من حُرم الثواب ومَن تَمرُّ عليه مواسمُ الخير وأيامُ البركة والفضل وهو مستمرٌّ في ذنوبه متماد في غيِّه، منهمكٌ في عصيانه، أتلفته الغفلةُ، وأهلكه الإعراضُ، وصدَّته الغواية، فما أعظم حسرته وما أشدَّ ندامته، ومن لَم يحرص على الرِّبح في هذه الليلة المباركة فمتى يكون الحرص، ومَن لم ينب إلى الله في هذا الوقت الشريف فمتى تكون الإنابة، ومن لَم يزل متقاعساً فيها عن الخيرات ففي أيِّ وقت يكون العمل.
إنَّ الحرصَ على طلب هذه الليلة وتحرِّي الطاعة فيها والاجتهادَ في الدعاء من سِمات الأخيار وعلامات الأبرار، بل إنَّهم يُلحُّون على الله فيها أن يكتب لهم العفوَ والمعافاة؛ لأنَّها الليلةُ التي يُكتب فيها ما يكون من الإنسان في عامه كلِّه، ففي هذه الليلة يدعون ويُلحُّون، وفي عامهم كلِّه يَجدُّون ويجتهدون، ومن الله يطلبون العون ويسألون التوفيق.
روى الترمذي وابن ماجه وغيرُهما عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "قلت: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي"١.
وهذا الدعاءُ المبارك عظيمُ المعنى عميقُ الدلالة كبيرُ النفع والأثر، وهو مناسب لهذه الليلة غاية المناسبة، فهي كما تقدَّم الليلة التي يُفرق فيها كلُّ أمر حكيم، ويُقدَّر فيها أعمالُ العباد لسنة كاملة حتى ليلةَ القدر الأخرى، فمن رُزق في تلك الليلة العافية وعفا عنه ربُّه فقد أفلح وفاز وربح أعظم الرِّبح
стр. 838
ومن أوتي العافيةَ في الدنيا والآخرة فقد أوتي الخير بحذافيره، والعافيةُ لا يعدلها شيء.
روى البخاري في الأدب المفرد والترمذي في السنن عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: "قلتُ يا رسول الله، علِّمنِي شيئاً أسألُه اللهَ ، قال: سَلِ اللهَ العافيةَ، فمَكثْتُ أياماً، ثمَّ جِئتُ فقلت: يا رسول الله علِّمْنِي شيئاً أسأله اللهَ، فقال لي: يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرَة"١.
وروى البخاري في الأدب والترمذي في السنن عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى النَبِيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الدعاء أَفضَلُ قال: "سَلِ اللهَ العَفْوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةَ"، ثم أتاه الغد فقال: يا نَبِيَّ الله، أيُّ الدعاء أَفْضَل قال: "سَلِ الله العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةَ، فإذا أُعطيتَ العافية في الدنيا والآخرة فقد أَفْلَحْت"٢.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن أوسط بن إسماعيل قال: سمعتُ أبا بكر الصديق ﵁ بعد وفاة رسول الله قال: "قام النَبِيُّ ﷺ عامَ أوَّل مقامي هذا ثم بكى أبو بكر، ثم قال: عليكم بالصِّدق، فإنَّه مع البِرِّ وهما في الجنة، وإيَّاكم والكذب، فإنَّه مع الفجور وهما في النَّار، وسلُوا الله المعافاة، فإنَّه لَم يؤت بعد اليقين خيرٌ من المعافاة، ولا تَقاطَعوا، ولا تدابَروا، ولا
стр. 839
تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً" ١.
ولهذا فإنَّ من الخير للمسلم أن يكثر من هذه الدعوة المباركة في كلِّ وقت وحين، ولا سيما في ليلة القدر التي فيها يُفرق كلُّ أمر حكيم، وليعلم المسلم أنَّ الله عفوٌّ كريم يحب العفو ﴿وََهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٢، ولم يزل سبحانه ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالصَّفح والغفران موصوفاً، وكلُّ أحد مضطرٌّ إلى عفوه محتاجٌ إلى مغفرته، لا غنى لأحدٍ عن عفوه ومغفرته، كما أنَّه لا غنى لأحد عن رحمته وكرمه، فنسأله سبحانه أن يشملنا بعفوه، وأن يدخلنا في رحمته، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً.
стр. 840
١٦٧ / أَذْكَارُ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَالسَّفَرِ
يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ١.
لقد أرشد سبحانه إلى أنَّ وسائل النقل من السُّفُن والأنعام وكذلك ما سخَّره للناس في هذا الزمان من وسائل حديثة للنقل منها ما يسير على الأرض، ومنها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي في البحار، واستقرارَ الناس على ظهورها واستواءَهم على متونها وتنقلَهم عليها من مكان إلى مكان براحة واطمئنان كلُّ ذلك من لطف الله وتسخيره وإكرامه وإنعامه، فكيف يليق بمَن ركبها أن يغفل عن ذكر المنعمِ والمتفضِّل بها والثناء عليه بما هو أهله.
وقد كان هديُ النَبِيِّ ﷺ عند ركوب الدابَّة وفي السفر أكملَ الهدي وأتَمَّه، كيف لا وهو أكمل الناس طاعة، وأحسنهم عبادة، وأجملهم وأزكاهم سيرة، وفيما يلي عرضٌ لشيء من هديه صلوات الله وسلامه عليه في ذلك.
ففي الترمذي وأبي داود وغيرهما عن علي بن ربيعة قال: " شَهِدْتُ عَلِيًّا ﵁ وَأُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الحَمْدُ للهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ
стр. 841
الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ. فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي"١.
وليتأمَّل المسلم هذا وما فيه من دلالة على كمال فضل الله وسعة مغفرته وتَمام برِّه وإحسانه، مع غناه الكامل عن توبة عباده واستغفارهم.
وكان من هديه ﷺ إذا ركب دابَّته مسافراً أن يسأل الله أن يكتب له البرَّ والتقوى في سفره، وأن يُيَسِّر له العمل الصالح الذي يرضيه، وأن يهوِّن عليه السفر، وأن يعيذه فيه من العواقب السيِّئة في نفسه أو ماله أو أهله.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ "٢.
وقوله: "اللَّهمَّ إنَّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى" البرُّ فعل
стр. 842
الطاعات والتقوى ترك المعاصي والذنوب، هذا عند اجتماعهما في الذِّكر كما في هذا النصِّ، وأمَّا إذا ذكر كلُّ واحد منهما منفرداً فإنَّه يتناول معنى الآخر.
وقوله: "اللَّهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطْو عنا بُعده" أي: يسِّره لنا وقصِّر لنا مسافته.
وقوله: "اللهمَّ أنت الصاحب في السفر" المراد بالصحبة المعيةُ الخاصة التي تقتضي الحفظ والعون والتأييد، ومن كان الله معه فمِمَّن يخاف.
وقوله: "والخليفة في الأهل" الخليفة من يخلف من استخلفه فيما استخلف فيه، والمعنى أنِّي أعتمد عليك وحدك يا الله في حفظ أهلي.
وقوله: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر" أي: من مشقته وتعبه.
وقوله: "وكآبة المنظر" أي: سوء الحال والانكسار بسبب الحزن والألم.
وقوله: "وسوء المنقلب" أي: الانقلاب والقفول من السفر بما يُحزن ويسوء، سواء في نفسه أو في ماله وأهله.
وقوله: "وإذا رجع قالهنَّ وزاد فيهنَّ: آيبون تائبون عابدون لربِّنا حامدون" من السُّنَّة أن يُقال هذا عند القفول، وأن يُقال كذلك عند الإشراف على بلده والقرب منه؛ لِما روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁: "أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ "١.
وقوله: "آيبون" أي: نحن آيبون، من آب إذا رجع، والمراد راجعون بالسلامة والخير.
وقوله: "تائبون" أي: إلى الله من ذنوبنا وتفريطنا.
стр. 843
وقوله: "لربِّنا حامدون" أي: لنعمه العظيمة وعطاياه الجسيمة وتسهيله وتيسيره.
ومن السُّنَّة التكبيرُ عند صعود الأشراف والأماكن المرتفعة والتسبيح عند نزول الأودية والأمكنة المنخفضة، ففي البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كُنَّا إِذا صَعَدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا"١.
وفي التكبير في الصعود شغلٌ للقلب واللسان بتعظيم الربِّ وإعلان كبريائه وعظمته، وفيه طرد للكبر والعجب والغرور، وفي التسبيح في الهبوط تَنْزيهٌ لله عن النقائص والعيوب وعن كلِّ ما يُنافي ويُضاد كماله وجلاله.
وكان من هديه ﷺ الدعاء لِمَن أراد السَّفر بالحفظ وحسن العاقبة وتيسير الأمر، مع الوصيَّة بتقوى الله .
ففي الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: " كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذا أَرَادَ سَفَراً: ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعُكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَدِّعُنَا، فَيَقُولُ: أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ"٢. أي: أسأل الله أن يحفظها عليك.
وفي الترمذي أيضاً عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَجُلاً قال: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ"٣.
стр. 844
وفي الترمذي أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُرِيدُ سَفَراً فَزَوِّدْنِي، قَالَ: زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ. قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ"١.
وكان ﷺ يوصي من أراد السفر أن يدعو لِمَن يُخلِّف بأن يكون في وداع الله وحفظه، ففي عمل اليوم والليلة لابن السني عن موسى بن وردان قال: "أتيتُ أبا هريرة أُودِّعه لسفر أردته، فقال أبو هريرة ﵁: ألاَ أعلِّمُك يا ابن أخي شيئاً علَّمنيه رسول الله ﷺ أقوله عند الوداع؟ قال: قلت: بلَى، قال: قل: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ"، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: ودَّعني رسول الله ﷺ فقال، وذكره٢، أي: أنَّه سبحانه يحفظ ما استُودع.
وفي المسند عن النَبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ لقمان الحكيم كان يقول: إنَّ الله إذا اسْتُودِع شيئاً حَفِظَه"٣.
فنسأل الله أن يحفظَ علينا ديننا، وأن يوفِّقَنا جميعاً لكلِّ خير.
стр. 845
١٦٨ / مَا يَقُولُهُ إِذا نَزَلَ مَنْزِلاً أو رَأَى قَرْيَةً أَوْ بَلْدَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا
لقد كان الحديث عن الأذكار التي يُستحبُّ للمسلم أن يقولَها عند ركوب الدابَّة وعند السَّفر، وهي أذكارٌ مباركةٌ لها آثارها الحميدة على الرَّاكب والمسافر في سداد أمرِه وسلامته وحفظِه من الآفات والشرور.
ثمَّ إنَّ المسلمَ يُستحبُّ له إذا نزل مَنْزلاً أن يقول: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فإنَّه إنْ قال ذلك حُفظَ ووُقِي بإذن الله، ولم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحلَ من ذلك المكان الذي نزل فيه.
ففي صحيح مسلم من حديث خَوْلة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ "١.
وهو دعاءٌ عظيمٌ فيه التجاءٌ إلى الله واعتصامٌ به وتعوُّذٌ بكلماته، خلافَ ما كان عليه أهل الجاهلية من التعوُّذ بالجنِّ والأحجار وغير ذلك مما لا يزيدهم إلاَّ رهقاً وضعفاً وذلَّةً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ٢، فنعى ﵎ عليهم هذه الاستعاذة وبيَّن عواقبها الوخيمة ومغبَّتَها الأليمة في الدنيا والآخرة، وشرع سبحانه لعباده المؤمنين الاستعاذة به وحده والالتجاءَ إليه دون سواه، إذ هو الذي بيده مقاليد الأمور ونواصي العباد، وأمَّا ما سواه