← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 876–885 · переход к 881.

стр. 876

١٧٤ / أدعية مأثورة في أبواب متفرِّقة سنتناول فيما يلي أنواعاً من الأدعية المأثورة في أبواب متفرِّقة، مع الإشارة إلى شيء من معانيها، وهي تدلُّ على كمال هدي النَّبِِيِّ ﷺ وعِظم شأن أدعيته، وتناولها لجميع أبواب الخير في جميع شؤون الحياة. فمن السُّنَّة أن يقول مَن لبس ثوباً جديداً: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ، لِما رواه أبو داود والترمذي وغيرُهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْباً سَمَّاهُ بِاسْمِه، عِمَامَةً أَوْ قَمِيصاً أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ"١. وقوله: "اسْتَجَدَّ ثَوْباً"، أَي: لبسَ ثَوْباً جَديداً. وقوله: "أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ" من أعظم خيره أنَّه يستُر عورةَ الإنسان، ويواري سوءَته، ويجمِّلُ هيأته، ويُحسِّنُ مظهرَه ومنظرَه. وقوله: "وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" من أعظم شرِّه أن يُلبس على وجه الأَشَر والكِبْر والتعالي على الخلق، ومن لَم يزن باطنُهُ لَم تغن عنه زينتُه الظاهرة شيئاً ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٢.

стр. 877

ويُستحبُّ للمسلم إذا رأى على صاحبه ثوباً جديداً أن يقول: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللهُ تَعَالَى، فقد روى أبو داود عن أبي نضرة قال: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْباً جَدِيداً، قِيلَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللهُ تَعَالَى"١. وقد جاء نحوُه مرفوعاً من حديث أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ﵂، رواه البخاري في صحيحه٢. وقولهم: "تبلي ويُخلف الله" فيه دعاءٌ له بأن يُبقيه الله ويبلَى الثوبُ ويُخلفه الله خيراً منه. ومن السُّنَّة أن يقول المسلم لِمَن صنع إليه معروفاً: جزاك اللهُ خيراً، فإنَّها دعوةٌ عظيمةٌ وثناءٌ بالغ، روى الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ"٣. وكان من هدي النَّبِيِّ ﷺ الدعاءُ بالبركة عند رؤية باكورة الثَّمَر، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "كَانَ النَّاسُ إِذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا،

стр. 878

اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيَهُ ذَلِكَ الثَّمَرِ"١. ومن السُّنَّة إذا كان عند الإنسان شيءٌ وخاف عليه من العَيْن ذِكرُ الله، والدعاءُ، والاستعاذة. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ٢. وعن سَهل بن حُنيف، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُعْجِبُهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيُبَرِّكْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ العَيْنَ حَقٌّ" رواه أحمد٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذ مِن الجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَت المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا" رواه الترمذي وابن ماجه٤. وفي الحديث دلالةٌ على عظم شأن هاتين السورَتين، وعظم منفعتهما وشدَّة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنَّه لا يستغني عنهما أحد، وأنَّ لهما تأثيراً خاصًّا في دفع الجانِّ والسِّحر والعَين وسائر الشرور، وقد تضمَّنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلِّها بأوجَز لفظ وأجمعه وأدلِّه على

стр. 879

المراد وأعمِّه استعاذة، بحيث لَم يبق من الشرور شيءٌ إلاَّ دخل تحت الشرِّ المستعاذ منه فيهما. ومن السُّنَّة أن يقول المسلم إذا رأى أحداً من أهلِ البلاء: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، وهي دعوةٌ عظيمةٌ نافعةٌ مَن قالَها حين يرى البلاءَ، لَم يُصبه ذلك البلاءًُ بإذن الله ، ففي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلاَءُ"١. وليَحذر المسلمُ من الشماتة بأهل البلاء؛ فإنَّه لا يأمن أن يبتليه الله بما ابتلاهم فيه، يقول إبراهيم النَّخعي ﵀: "إنِّي لأرى الشيءَ أكرهه، فما يَمنعُنِي أن أتكلَّم فيه إلاَّ مخافة أن أُبتَلَى بمثله". ومن السُّنَّة أن يدعوَ المسلمُ لأخيه إذا قال له: إنِّي أحبُّك في الله، بأن يقول: أَحبَك الله الذي أحببتنِي فيه، ففي سنن أبي داود عنه أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْلَمْتَهُ قَالَ: لاَ. قَالَ: أَعْلِمْهُ. قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ"٢. ومن السُّنَّة أن يسألَ المسلمُ ربَّه من فضله عند سماع صياح الدِّيَكة، وأن يتعوَّذ بالله من الشيطان عند سماع نُباحَ الكلاب ونهيقَ الحُمُر، روى

стр. 880

البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَاناً"١. وروى أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الكِلاَبِ وَنَهِيقَ الحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ"٢. ومن السُّنَّة أن يقولَ المسلمُ إذا دخل السُّوقَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ففي الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلَفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ"٣. والله المسؤول أن يُعيننا جميعاً على كلِّ خير، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

стр. 881

١٧٥ / كَفَّارَةُ المَجْلِسِ إنَّ الواجبَ على كلِّ مسلم أن يَحفظَ مجالسَه من أن تضيع في اللَّغَط والباطل وفيما يضرُّ الإنسانَ في الآخرة، وأن يحرصَ على ملئها بالنافع المفيد من أمر الدِّين والدنيا، وليعلم أنَّ ألفاظَه معدودةٌ عليه، مكتوبةٌ في صحائفه، مسطَّرةٌ في أعماله، وسوف يُحاسَب عليها عندما يلقى الله ، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشرٌّ، والله تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١. فمن الخير للمسلم أن يحفظَ مجالسَه ويجتهدَ في عمارتها بذكر الله تعالى ونحو ذلك مِمَّا يسرُّه أن يلقى اللهَ به، وما جلس أحدٌ مجلساً ضيَّعه في غير ذكر الله إلاَّ ندم أشدَّ النَّدم. روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ، إِلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً" ٢؛ لأنَّ الذين يقومون عن مجلس فيه جيفةُ حمار لا يحصل لهم في مجلسهم ذلك إلاَّ الروائح المنتنة، والمنظر الكريه، ولا يقومون إلاَّ وهم بندامة وحسرة، فكذلك مَن يقومون عن مجلس ليس فيه ذكر الله، لا يحصل لهم إلاَّ الخوضُ في الآثام والتنقُّل في أباطيل الكلام، إلى غير ذلك من الأمور التي تضرُّ في الآخرة، وتورثُ الحسرةَ والندامة.

стр. 882

ثم إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد أرشد إلى أن يُختم المجلس بذكر الله وطلب مغفرته؛ ليكون ذلك كفَّارةً لِمَا كان من الإنسان في مجلسه، ففي الترمذي وأبي داود عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفر لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ"١. وروى أبو داود عن أبي بَرزَة الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ"٢. وروى النسائي عن عائشة ﵂: " أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا جلس مجلساً أو صلَّى تكلَّم بكلمات، فسألته عائشة عن الكلمات فقال: إن تكلَّم بخير كان طابعاً عليهنَّ إلى يوم القيامة، وإن تكلَّم بغير ذلك كان كفَّارةً له: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ"٣. ورغم أهميَّة هذا الدعاء وعظم فضله، إلاَّ أنَّ كثيراً من الناس تضيعُ مجالسُهم في اللَّغَط واللَّهو وما لا فائدة فيه، وفي الوقت نفسه يَحرمون أنفسَهم من هذا الخير العظيم.

стр. 883

وقد ذهب عددٌ من أهل العلم إلى أنَّ هذا الذِّكرَ هو المعنِيُّ بقول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ١. قال ابن عبد البر ﵀: "وروي عن جماعة من أهل العلم بتأويل القرآن في قول الله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ منهم مجاهد وأبو الأحوص ويحيى بن جعدة، قالوا: حين تقوم من كلِّ مجلس تقول: سبحانك اللهمَّ وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، قالوا: ومن قالَها غُفر له ما كان منه في المجلس، وقال عطاء: إن كنتَ أحسنتَ ازددتَ إحساناً، وإن كان غير ذلك كان كفَّارةً"٢. ومن الدعوات العظيمة التي كان يختم بها رسول الله ﷺ كثيراً من مجالسه، ما رواه الترمذي وغيرُه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُو بِهَؤَلاَءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا"٣.

стр. 884

وهي دعوةٌ جامعةٌ لأبواب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وقوله: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ" أي: اجعل لنا حظًّا ونصيباً من خشيتك ـ وهي الخوف المقرون بالتعظيم لله ومعرفته سبحانه ـ ما يكون حاجزاً لنا ومانعاً من الوقوع في المعاصي والذنوب والآثام، وهذا فيه دلالةٌ على أنَّ خشيةَ الله أعظمُ رادع وحاجز للإنسان عن الوقوع في الذنوب، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، فكلَّما ازدادت معرفة العبد بالله ازداد خشيةً لله وإقبالاً على طاعته وبُعداً عن معاصيه. وقوله: "وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ" أي: ويسِّر لي من طاعتك ما يكون سبباً لنيل رضاك وبلوغ جنَّتك التي أعدَدتَها لعبادك المتَّقين. وقوله: "وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا" أي: اقسم لنا من اليقين وهو تمام العلم وكماله بأنَّ الأمرَ لله من قبل ومن بعد، وأنَّه سبحانه يُدبِّر أمورَ الخلائق كيف يشاء ويقضي فيهم ما يريد ما يكون سبباً لتهوين المصائب والنوازل التي قد تحلُّ بالإنسان في هذه الحياة، واليقين كلَّما قوي في الإنسان كان ذلك فيه أدعى إلى الصبر على البلاء؛ لعلم الموقن أنَّ كلَّ ما أصابه إنَّما هو من عند الله، فيرضى ويسلِّم. وقوله: "وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا" فيه سؤال الله أن يبقي له السمع والبصر وسائر القوى؛ ليَتمتَّع بها مدَّة حياته. وقوله: "واجعَلْه الوارثَ منَّا" أي: اجعل هذا التمتُّعَ بالحواس والقوى باقياً مستمرًّا بأن تبقى صحيحةً سليمةً إلى أن أموت.

стр. 885

وقوله: "واجعل ثأرنا على من ظلمنا" أي: وفِّقنا للأخذ بثأرنا مِمَّن ظلمنا، دون أن نتعدَّى فنأخذ بالثأر من غير الظالم. وقوله: "وانصرنا على من عادانا" أي: اكتب لنا النصر على الأعداء. وقوله: "ولا تجعل مصيبتنا في ديننا" أي: لا تُصبنا بما ينقص ديننا ويُذهبه من اعتقاد سيِّء أو تقصير في الطاعة أو فعل للحرام، وذلك لأنَّ المصيبةَ في الدِّين أعظمُ المصائب وليس عنها عِوَض، خلاف المصيبة في الدنيا. وقوله: "ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا" أي: لا تجعل أكبر قصدنا وحزننا لأجل الدنيا؛ لأنَّ مَن كان أكبرَ قصده الدنيا فهو بمعزل عن الآخرة، وفي هذا دلالة على أنَّ القليلَ من الهمِّ مِمَّا لا بدَّ منه في أمر المعاش مُرخَّصٌ فيه. وقوله: "ولا مبلغ علمنا" أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نفكِّر إلاَّ في أحوال الدنيا. وقوله: "ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا" أي: من الكفار والفجَّار والظلمة. وبهذا ينتهي الكلام على هذا الدعاء العظيم، وهو من جوامع كلم النَّبِيِّ ﷺ ، وبه مسكُ الختام، وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا وعلى آله وصحبه أجمعين. تمَّ الكتاب بحمد الله ويليه القسم الرابع إن شاء الله وهو في شرح جملة من الأدعية الجوامع المأثورة عن النَّبِيِّ الكريم ﷺ .