الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ. فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي"١.
وليتأمَّل المسلم هذا وما فيه من دلالة على كمال فضل الله وسعة مغفرته وتَمام برِّه وإحسانه، مع غناه الكامل عن توبة عباده واستغفارهم.
وكان من هديه ﷺ إذا ركب دابَّته مسافراً أن يسأل الله أن يكتب له البرَّ والتقوى في سفره، وأن يُيَسِّر له العمل الصالح الذي يرضيه، وأن يهوِّن عليه السفر، وأن يعيذه فيه من العواقب السيِّئة في نفسه أو ماله أو أهله.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ "٢.
وقوله: "اللَّهمَّ إنَّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى" البرُّ فعل
стр. 842
الطاعات والتقوى ترك المعاصي والذنوب، هذا عند اجتماعهما في الذِّكر كما في هذا النصِّ، وأمَّا إذا ذكر كلُّ واحد منهما منفرداً فإنَّه يتناول معنى الآخر.
وقوله: "اللَّهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطْو عنا بُعده" أي: يسِّره لنا وقصِّر لنا مسافته.
وقوله: "اللهمَّ أنت الصاحب في السفر" المراد بالصحبة المعيةُ الخاصة التي تقتضي الحفظ والعون والتأييد، ومن كان الله معه فمِمَّن يخاف.
وقوله: "والخليفة في الأهل" الخليفة من يخلف من استخلفه فيما استخلف فيه، والمعنى أنِّي أعتمد عليك وحدك يا الله في حفظ أهلي.
وقوله: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر" أي: من مشقته وتعبه.
وقوله: "وكآبة المنظر" أي: سوء الحال والانكسار بسبب الحزن والألم.
وقوله: "وسوء المنقلب" أي: الانقلاب والقفول من السفر بما يُحزن ويسوء، سواء في نفسه أو في ماله وأهله.
وقوله: "وإذا رجع قالهنَّ وزاد فيهنَّ: آيبون تائبون عابدون لربِّنا حامدون" من السُّنَّة أن يُقال هذا عند القفول، وأن يُقال كذلك عند الإشراف على بلده والقرب منه؛ لِما روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁: "أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ "١.
وقوله: "آيبون" أي: نحن آيبون، من آب إذا رجع، والمراد راجعون بالسلامة والخير.
وقوله: "تائبون" أي: إلى الله من ذنوبنا وتفريطنا.
стр. 843
وقوله: "لربِّنا حامدون" أي: لنعمه العظيمة وعطاياه الجسيمة وتسهيله وتيسيره.
ومن السُّنَّة التكبيرُ عند صعود الأشراف والأماكن المرتفعة والتسبيح عند نزول الأودية والأمكنة المنخفضة، ففي البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كُنَّا إِذا صَعَدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا"١.
وفي التكبير في الصعود شغلٌ للقلب واللسان بتعظيم الربِّ وإعلان كبريائه وعظمته، وفيه طرد للكبر والعجب والغرور، وفي التسبيح في الهبوط تَنْزيهٌ لله عن النقائص والعيوب وعن كلِّ ما يُنافي ويُضاد كماله وجلاله.
وكان من هديه ﷺ الدعاء لِمَن أراد السَّفر بالحفظ وحسن العاقبة وتيسير الأمر، مع الوصيَّة بتقوى الله .
ففي الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: " كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذا أَرَادَ سَفَراً: ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعُكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَدِّعُنَا، فَيَقُولُ: أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ"٢. أي: أسأل الله أن يحفظها عليك.
وفي الترمذي أيضاً عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَجُلاً قال: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ"٣.
стр. 844
وفي الترمذي أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُرِيدُ سَفَراً فَزَوِّدْنِي، قَالَ: زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ. قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ"١.
وكان ﷺ يوصي من أراد السفر أن يدعو لِمَن يُخلِّف بأن يكون في وداع الله وحفظه، ففي عمل اليوم والليلة لابن السني عن موسى بن وردان قال: "أتيتُ أبا هريرة أُودِّعه لسفر أردته، فقال أبو هريرة ﵁: ألاَ أعلِّمُك يا ابن أخي شيئاً علَّمنيه رسول الله ﷺ أقوله عند الوداع؟ قال: قلت: بلَى، قال: قل: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ"، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: ودَّعني رسول الله ﷺ فقال، وذكره٢، أي: أنَّه سبحانه يحفظ ما استُودع.
وفي المسند عن النَبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ لقمان الحكيم كان يقول: إنَّ الله إذا اسْتُودِع شيئاً حَفِظَه"٣.
فنسأل الله أن يحفظَ علينا ديننا، وأن يوفِّقَنا جميعاً لكلِّ خير.
стр. 845
١٦٨ / مَا يَقُولُهُ إِذا نَزَلَ مَنْزِلاً أو رَأَى قَرْيَةً أَوْ بَلْدَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا
لقد كان الحديث عن الأذكار التي يُستحبُّ للمسلم أن يقولَها عند ركوب الدابَّة وعند السَّفر، وهي أذكارٌ مباركةٌ لها آثارها الحميدة على الرَّاكب والمسافر في سداد أمرِه وسلامته وحفظِه من الآفات والشرور.
ثمَّ إنَّ المسلمَ يُستحبُّ له إذا نزل مَنْزلاً أن يقول: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فإنَّه إنْ قال ذلك حُفظَ ووُقِي بإذن الله، ولم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحلَ من ذلك المكان الذي نزل فيه.
ففي صحيح مسلم من حديث خَوْلة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ "١.
وهو دعاءٌ عظيمٌ فيه التجاءٌ إلى الله واعتصامٌ به وتعوُّذٌ بكلماته، خلافَ ما كان عليه أهل الجاهلية من التعوُّذ بالجنِّ والأحجار وغير ذلك مما لا يزيدهم إلاَّ رهقاً وضعفاً وذلَّةً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ٢، فنعى ﵎ عليهم هذه الاستعاذة وبيَّن عواقبها الوخيمة ومغبَّتَها الأليمة في الدنيا والآخرة، وشرع سبحانه لعباده المؤمنين الاستعاذة به وحده والالتجاءَ إليه دون سواه، إذ هو الذي بيده مقاليد الأمور ونواصي العباد، وأمَّا ما سواه
стр. 846
فإنَّه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا فضلاً عن أن يملك شيئاً من ذلك لغيره.
وقوله: "أعوذ بكلمات الله التامَّات" أي: ألْتجئُ وأعتصمُ، وكلماتُ الله قيل: هي القرآن، وقيل هي الكلمات الكونية القدرية، ومعنى "التامَّات" أي التي لا يلحقُها نقصٌ، ولا عيْبٌ كما يلحقُ كلامَ البشر.
وفي الحديث دلالةٌ على مشروعية الاستعاذة بصفات الله، وأنَّ الاستعاذة عبادةٌ لا يجوز صرفُها لغير الله، وأنَّ كلامَ الله ومنه القرآن ليس بمخلوق، إذ لو كان مخلوقاً لَم يستعذ به؛ لأنَّ الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز بل هي شركٌ بالله العظيم.
وقولُه: "من شرِّ ما خلق" أي: من كلِّ شرٍّ في أيِّ مخلوقٍ قام به الشرُّ من حيوانٍ أو غيرِه، إنسياًّ كان أو جنياًّ، أو هامَّةً أو دابَّةً، أو ريحاً أو صاعقةً، أيَّ نوعٍ من أنواع البلاء.
وقولُه: "لَم يضره شيٌ حتَّى يرتحل من مَنْزله ذلك" أيَّ شيءٍ كان؛ لأنَّه محفوظٌ بحفظ الله. لكن يُشترط في هذا الدعاء وغيره قابليَّةُ المحلِّ، وصحَّةُ النيَّة، وحسنُ الثقة بالله ، والحرصُ على المواظبة عليه في كلِّ منزلٍ ينزلُه الإنسانُ.
يقول القرطبي ﵀: "هذا خبرٌ صحيحٌ وقولٌ صادقٌ، علِمنا صدقَه دليلاً وتجربةً، فإنِّي منذ سمعتُ هذا الخبر عملتُ عليه فلم يضرَّني شيءٌ إلى أن تركتُه فلدغتْني عقربٌ بالمهدية ليلاً، فتفكَّرتُ في نفسي فإذا بي قد نسيتُ أن أتعوَّذ بتلك الكلمات"١.
стр. 847
ويُستحبُّ للمسلم إذا أراد دخولَ قريةٍ أو بلدةٍ أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذْهِ القَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا"؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول ذلك كلَّما رأى قريةً يريد دخولَها.
روى النسائي وغيرُه عَنْ صُهَيْبٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلاَّ قَالَ حِينَ يَرَاهَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذْهِ القَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا" ١.
والقريةُ اسمٌ للموضع الذي يجتمع فيه الناسُ من المساكن والأبنية والضياع، وقد تُطلق على المدن كما في قوله تعالى ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢ فقد قيل إنَّها أنطاكية، ويقال لمكَّةَ أمُّ القرى. وعليه فإنَّ هذا الدعاءُ يقال عند دخول القرية أو المدينة.
وقولُه: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ" فيه توسُّلٌ إلى الله بربوبيته للسموات السبع وما أظلَّت تحتها من النُّجوم والشمس والقمر والأرض وما عليها، فقولُه "وما أظللن" من الإظلال: أي ما ارتفعت عليه وعلت وكانت له كالظلَّة.
стр. 848
وقوله: "وَرَبَّ الأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ" من الإقلال والمرادُ: ما حملته على ظهرها من الناس والدّوابِّ والأشجار وغير ذلك.
وقوله: "وَرَبَّ الشَيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ" من الإضلال وهو الإغواءُ والصَّدُّ عن سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ١.
وإذا علم العبدُ أنَّ اللهَ ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنَّه سبحانه بكلِّ شيءٍ محيطٌ، وأنَّ قدرتَه سبحانه شاملةٌ لكلِّ شيءٍ، ومشيئتَه سبحانه نافذةٌ في كلِّ شيءٍ، لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء لجأ إليه وحده واستعاذ به وحده، ولم يخف أحداً سواه.
وقوله: "وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ" يقال ذرتْه الرِّياح وأذرَته وتَذروه، أي: أطارَته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ ٢.
وقوله: "فإنَّا نسألك خيرَ هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها" فيه سؤال الله أن يجعلَ هذه القريةَ مباركةً عليه، وأن يَمنحَه من خيرها، وأن يُيَسِّرَ له السُكنى فيها بالسلامة والعافية، "وخير أهلها" أي: ما عندهم
стр. 849
من الإيمان والصلاح والاستقامة والتعاون على الخير ونحو ذلك، "وخير ما فيها" أي: من الناس والمساكن والمطاعم وغير ذلك.
وقوله: "ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها" فيه تعوُّذٌ بالله من جميع الشرور والمؤذيات، سواء في القرية نفسِها أو في الساكنين لها، أو فيما احتوت عليه.
فهذه دعوةٌ جامعةٌ لسؤال الله الخيرَ والتعوُّذ به من الشرِّ بعد التوسُّل إليه سبحانه بربوبيَّته لكلِّ شيء.
ثمَّ إنَّ المسافرَ يُستحبُّ له في سفره الإكثارُ من الدعاء لنفسه ووالديه وأهله وولده وجميع المسلمين، ويتخيَّر من الدعاء أجمَعَه، مع الإلحاح على الله ؛ لأنَّ دعوةَ المسافر مستجابةٌ.
ففي السنن الكبرى للبيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعاً: "ثلاثُ دعوات لا تُردُّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ الصائم، ودعوةُ المسافر"١.
وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثُ دعوات مستجابات لا شكَّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده "٢.
هذا وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لطاعته، وأن يعيننا على ذِكره وشكره وحسن عبادته في سفرنا وإقامتنا وفي كلِّ شؤوننا، إنَّه سميع مجيب.
стр. 850
١٦٩ / أَذْكَارُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
إنَّ من السُّنَّة للمسلم أن يقول عند بدء طعامه وشرابه "بسم الله" ليُحفَظَ ويُوقى، وليُبارَك له في طعامه وشرابه.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمر بن أبي سلمة رضي الله ﵄ قال: "كُنْتُ غُلاَماً فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ"١.
وفي التسمية على الطعام فوائدُ كثيرةٌ، منها أنَّه يُبارَك له في طعامه، ففي سنن أبي داود وابن ماجه وغيرهما عن وَحشي بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: " أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلاَ نَشْبَعُ قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ"٢.
ومن فوائد التسمية على الطعام طردُ الشيطان وإبعادُه، فلا يتمكَّن من مشاركة الإنسان في طعامه، ففي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: "كُنَّا إِذا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَاماً لَمْ نَضَعْ أَيْدِينَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لاَ
стр. 851
يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهِ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا"١.
وثبت في حديث آخر أنَّ الشيطانَ يقول عندما يترك المسلمُ التسمية عند دخول بيته وعند طعامه: "أدركتم المبيت والعَشاء"، وفي هذا أنَّ التسميةَ طاردةٌ للشيطان، مانعةٌ له من دخول المنْزل، ومن المشاركةِ في الطعام والشراب، ويكفي المسلمَ أن يقول في هذا الموضع "بسم الله" أمَّا زيادة "الرحمن الرحيم" فلَم يثبت بها حديثٌ عن النَبِيِّ ﷺ .
ثمَّ إنَّ المسلمَ إن نسيَ التسميةَ في أوَّل طعامه يُشرَعُ له أن يقول في أثنائه إذا ذكر "بسم الله أوَّلَه وآخرَه"، فقد روى أبو داود وابن ماجه وغيرُهما عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ"٢.
وقد أفاد هذا الحديثُ أنَّ محلَّ التسمية قبل البدء بالطعام، فإنَّ نسيها المسلمُ في هذا الموضع أجزأه أن يأتي بالتسمية في أثنائه بهذه الصيغة المذكورة في الحديث.
وقد جاء في حديث في إسناده ضعفٌ أنَّ الشيطان يستقيء ما في بطنه إذا أتى المسلمُ بهذه التسمية، وذلك فيما رواه أبو داود والنسائي عن أميَّة بن
стр. 852
مخْشيٍّ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ جالساً ورجلٌ يأكل، فلَم يُسمِّ حتى لَم يبقَ من طعامه إلاَّ لُقمةً، فلمَّا رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوَّلَه وآخرَه، فضحك النَبِيّ، ثمَّ قال: ما زال الشيطانُ يأكلُ معه، فلمَّا ذكر اسمَ الله استقاءَ ما في بطنه"١، لكنَّ الحديثَ ضعيفٌ، ضعَّفه الحافظ ابن حجر وغيرُه، وأمَّا التسمية في أثناء الطعام في حقِّ مَن نسيَ بقول "بسم الله أوَّلَه وآخرَه" فهي ثابتةٌ كما في الحديث الذي قبله.
ثمَّ على المسلم أن يَحمدَ الله إذا فرغ من طعامه وشربه، فإنَّ الله يرضى عن عبده إذا فعل ذلك، روى مسلمٌ في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا"٢.
وقد جاء في السُّنَّة صيَغٌ عديدة للحمد بعد الطعام، فإن تمكَّن المسلمُ من حفظها والإتيان بها هذا مرَّة وهذا مرَّة، فهو لا شكَّ أكملُ في حقِّه وأبلغُ في متابعته لنبيِّه ﷺ ، وإن لَم يتمكَّن من ذلك فلا يَدَع أن يقول عقِب طعامه: "الحمد لله"، فهي كلمةٌ عظيمةٌ مبارَكةٌ حبيبةٌ إلى الله .
ومن الصِيَغ الثابتة في الحمد بعد الطعام ما رواه أبو داود والترمذي عن معاذ بن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ طَعَاماً ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"٣.
стр. 853
ومنها ما رواه البخاري عن أبي أمامة ﵁: "أَنَّ النَبِيَّ ﷺ كَانَ إِذا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا"١.
ومعنى قوله: "غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ" أي: الحمد، فكأنَّه قال: حمداً كثيراً غير مَكفيٍّ ولا مُودَّع، ولا مُستغنًى عن هذا الحمد.
ومن الصِّيَغ الواردة في هذا ما رواه أحمد وغيرُه عن عبد الرحمن بن جُبير أنَّه حدَّثه رجلٌ خدم رسول الله ﷺ ثمان سنين، أنَّه كان سمع رسول الله ﷺ إذا قُرِّب إليه الطعامُ يقول: "بسم الله"، وإذا فرغ قال: "اللَّهمَّ أطعمتَ وأسقيتَ، وأغنيتَ وأقنيتَ، وهَديتَ وأحييتَ، فلكَ الحمد على ما أعطيتَ"٢.
ويُستحبُّ للمسلم إذا تناول طعامَ الإفطار من صيامه أن يقول: "ذهب الظمأُ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله"؛ لِما رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ"٣.
وقد جاءت السُّنَّة بأنواع من الأدعية يُدعى بها لأهل الطعام، فيُستحبُّ للمسلم أن يحفظَ ما تيسَّر له من ذلك، وأن يقوله لِمَن ضيَّفه أو قدَّم له طعاماً.
ومن هذه الأدعية ما رواه مسلم في صحيحه عن المقداد ﵁ قال:
стр. 854
"أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مَنَ الجَهْدِ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ... "، فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفيه: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي"١.
ومنها ما رواه مسلم أيضاً عن عبد الله بن بُسر ﵁ قال: "نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي، قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً وَوَطْبَةً [أي حيساً، وهو مكوَّن من التمر والأَقِط والسَّمن] ، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبِعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَابَةَ وَالوُسْطَى، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللهَ لَنَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ"٢.
ومنها ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك ﵁: أَنَّ النَبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ"٣.
وكم هو جميلٌ بالمسلم أن يراعي في الطعام آدابه وأذكاره؛ ليكون ذلك أبرَكَ له في طعامه وأهنأ وأمرأَ.
стр. 855
١٧٠ / مَا وَرَدَ فِي السَّلاَمِ
إنَّ من آداب الإسلام الحميدة وخصالِه الرشيدة إفشاءَ السلام، فإنَّ السلامَ تحيَّةُ المؤمنين، وشعارُ الموحِّدين، وداعيةُ الإخاء والأُلفة والمحبَّة بين المسلمين، وهو تحيَّةٌ مبارَكةٌ طيِّبةٌ، كما وصفه بذلك ربُّ العالمين، وذلك في قوله سبحانه ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ١، وهو تحيَّة أهل الجنَّة يحيِّيهم بها الملائكة الكرام، وذلك عندما يُساق أهل الجنَّة إلى الجنَّة زُمَراً، وتفتح لهم أبوابها الثمانية، فيتلقَّاهم خزنتُها بهذه التحيَّة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ٢، وهو تحيَّة أهل الجنَّة بينهم، كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ ٣، وهو تحيَّة الملائكة، وتحيَّة آدم وذريته.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ؛ طُولُهُ سِتًّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذرِيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ"٤.
стр. 856
رومن فضائل السلام أنَّه من خير الإسلام، ففي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر ﵄: "أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ "١.
وهو حقٌّ للمسلم على أخيه المسلم؛ لقوله ﷺ : "حقُّ المسلم على المسلم ست"، وذكر منها: "وإذا لقيتَه فسلِّم عليه"٢.
وهو سببٌ عظيمٌ للأُلفة بين المسلمين والمحبَّة بين المؤمنين، كما قال ﷺ : " لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ" رواه مسلم٣.
والمَحبَّة الحاصلةُ هنا سببُها أنَّ كلَّ واحد من المتلاقيَين يدعو للآخَر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة الجالبة لكلِّ خير، ولهذا ثبت في المسند وغيره عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: " أفشوا السلام تسلموا "٤ أي: تسلموا من كلِّ موجِب للفُرقة والقطيعة، وكيف إذا انضمَّ إلى هذا بشاشةُ الوجه وحُسنُ الترحيب وجمالُ الأخلاق.
وعلى المُسلَّمِ عليه ردُّ التحيَّة بأحسن منها أو مثلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ٥.
وخيرُ الرَّجلَين مَن يبدأُ صاحبَه بالسَّلام، ففي سنن أبي داود عن أبي
стр. 857
أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ" ١.
وإذا لَم يُسلِّم مَن يُطلبُ منه ابتداءُ السلام فليُسلِّم الآخر ولا يتركوا السنَّة.
ومن السُّنَّة أن يُسلِّم الصغيرُ على الكبير، والقليلُ على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشِي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير"، وفي رواية للبخاري: "يُسلِّمُ الصغير على الكبير، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير"٢.
وكان ﷺ يُسلِّم على الصبيان ويبدأهم بالسَّلام، وهذا من كمال تواضعه، وهو دأبُ السَّلف الصالح ﵏، روى مسلمٌ في صحيحه عن يسار قال: "كنتُ أمشِِي مع ثابت البُناني، فمرَّ بصبيان فسلَّم عليهم، وحدَّث ثابتٌ أنَّه كان يَمشي مع أنس ﵁، فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم، وحدَّث أنسٌ أنَّه كان يَمشي مع رسول الله ﷺ فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم"٣.
ثمَّ إنَّ ابتداءَ السلام سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ فإن كان المسلِّمُ جماعةً كفى عنهم واحد، ولو سلَّموا جميعاً كان أفضلَ، ورفعُ الصوت بابتداء السَّلام سُنَّةٌ ليَسمعه المسلَّمُ عليهم كلُّهم سماعاً محقَّقاً لحديث "أفشوا السَّلام بينكم".
стр. 858
وإن سلَّمَ على أيقاظ ونيام خفضَ صوتَه بحيث يُسمع الأيقاظَ ولا يوقظ النيامَ، وهذا أدبٌ إسلاميٌّ رفيعٌ، وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يجئُ من اللَّيل فيُسلِّم تسليماً لا يُوقظ نائماً، ويسمع اليقظان. رواه مسلم في صحيحه ضمن حديث طويل١.
ويُسَنُّ أن يَبدأ بالسَّلام قبل الكلام لحديث "مَن بدَأَ بالكَلام قَبل السَّلام فلا تُجيبوه" رواه ابن السنٍِي في عمل اليوم والليلة٢.
وكلما زاد المسلم من صيغ السلام المأثورة زاد أجرُه؛ بكلِّ واحدة عشرُ حسنات، روى أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين ﵁: " أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: عَشْرٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: عِشُرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: ثَلاَثُونَ "٣.
ولا يزيد المسلمُ على هذا كأن يقول: "ومغفرته ومرضاته"؛ لأنَّ السَّلامَ المسنون انتهى إلى "وبركاته"، ولو كان في الزيادة خيرٌ لدلَّنا إليه رسول الله ﷺ ، روى مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنَّه قال: "كنتُ جالساً عند عبد الله بن عباس ﵄، فدخل عليه رجلٌ من أهل اليمن، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئاً مع ذلك أيضاً،
стр. 859
قال ابن عباس، وهو يومئذ قد ذهب بصرُه: من هذا قالوا: هذا اليمانيُّ الذي يغشاك، فعرَّفوه إيَّاه، فقال ابن عباس: إنَّ السَّلامَ انتهى إلى البَرَكَة"١.
ومن أحكام السلام أن لا يُقْصَر على المعرفة، بل يُسلِّمُ المسلمُ على مَن عرف ومن لَم يعرف، وقد مرَّ معنا حديثُ عبد الله بن عمرو ﵄ في هذا، وجاء في السُّنَّة أنَّ من أشراط الساعة قصْرَ السلام على المعرفة، ففي المسند بسند جيِّد عن الأسود بن يزيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من أشراطِ السَّاعة إذا كانت التَّحيَّةُ على المعرفة"٢، وفي رواية: "أن يُسلِّمَ الرَّجل على الرَّجل لا يُسلِّمُ عليه إلاَّ للمعرفة".
ومن أحكام السلام ألاَّ يُبدَأ اليهودُ والنصارى بالسلام؛ لقوله ﷺ : "لا تبدَؤُوا اليهود ولا النصارى بالسَّلام" ٣، وإذا بدؤوا هم بالسلام فإنَّه يُكتفى بالردِّ عليهم بأن يُقال "وعليكم" لِمَا في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا سَلَّمَ عَليكم أهلُ الكتاب فإنَّما يقولُ أحدُهم السَّامُ عليكم، فقل: وعَلَيكم"٤.
وأمَّا أهلُ البدع والأهواء ففي حُكم السلام عليهم تفصيلٌ يُعلم بمطالعة الأدلة ومعرفة هدي سلف الأمَّة ﵏، فإذا كان المبتدعُ كافراً ببدعته وحكم المحقِّقون من أهل العلم بخروجه من الملَّة، فإنَّه لا يُسلَّمُ عليه؛ إذ حكمُ السلام عليه كحكم السلام على الكفار سواء.
стр. 860
أمَّا إذا لَم يبلغ ببدعته حدَّ الكفر، فالسلامُ عليه جائزٌ ابتداءً وردًّا ما دام أنَّ الإسلامَ وهو موجبُ استحقاقه للسلام موجودٌ فيه، وهكذا الشأن في العُصاة من أهل الإسلام.
وإنَّما يُشرع تركُ السلام على هؤلاء في بعض الأحوال إذا كان في تركه تحصيلُ مصلحة راجحة أو دفع مفسدةٍ متحقَّقة، كأن يَترك السلام عليهم تأديباً لهم أو زَجراً لغيرهم، أو صيانة لنفسه من التأثُّر بهم أو غير ذلك من المقاصد الشرعية.
وأمَّا التهاجرُ والتقاطعُ وتركُ السلام بلا سبب شرعيٍّ فهو أمر لا يُحبُّه الله من عباده، ونسأل الله أن يجمع المسلمين على الحقِّ والهدى، وأن يُؤلِّفَ بين قلوبهم على البِرِّ والتقوى، وأن يهدينا جميعاً سواءَ السبيل.
стр. 861
١٧١ / مَا يُقَالُ عِنْدَ العُطَاسِ، وما يُفعل عند التثاؤب
الحديث هنا عِمَّا يُقال عند العُطاس وما يُفعل عند التثاؤب، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذا قَالَ: هَاء، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ"١.
والحكمةُ في الحمد عند العُطاس أنَّ العاطس ـ كما يقول ابن القيِّم ـ: قد حصل له بالعطاس نعمةٌ ومنفعةٌ بخروج الأبخرة المحتقنة في دِماغه، التي لو بقيتْ فيه أحدثت له أدواءً عسيرةً، ولهذا شُرع له حمدُ الله على هذه النِّعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي حصلت للبدن، فلله الحمدُ كما ينبغي لكريم وجهه وعزّ جلالُه٢.
وقد تقدَّم في الحديث أنَّ اللهَ يُحبُّ العطاسَ وذلك لما فيه من النَّفع والخيرِ للإنسان ولِما يترتَّبُ عليه من حمدٍ وثناءٍ ودعاءٍ.
وأمَّا التثاؤُبُ فإنَّ اللهَ لا يحبُّه لأنَّه من الشيطان ولأنَّه في الغالب لا يكون إلاَّ مع ثِقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل، والمسلمُ مأمورٌ بكظمه ما استطاع، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "التَّثاؤُب من الشَّيْطان، فإذا تَثَاءَبَ أحدُكم فلْيَرُدَّه ما استطَاعَ، فإنَّ أحدَكم إذا قال: ها، ضَحِكَ منه الشيطان" وفي لفظ لمسلم: "فإذا تَثاءَبَ
стр. 862
أحدُكم فَلْيَكْظِِمْ ما اسْتَطَاع"١.
وقولُه: "فليكظِم ما استطاع" هذا يكون بمحاولة منع حصولُ التثاؤب، فإن لَم يتمكَّن من ذلك يحاول إغلاقَ فمه عند حصوله، فإن لَم يتمكَّن من ذلك وضع يده أو طرف لباسه على فمه.
ولا يليقُ بالمسلم أن يتثاءب مفتوحَ الفم دون وضع يدِه أو شيءٍ من لباسِه على فيه، فإنَّ هذا إضافةٌ إلى ما فيه من قبحٍ في الهيئة والمنظر فإنَّه ذريعةٌ وسبيلٌ لدخول الشيطان. فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تَثَاءَبَ أحدُكم فليُمْسِك بيَده على فِيهِ، فإنَّ الشيطانَ يَدْخُلُ"٢، والتعوُّذ بالله من الشيطان عند التثاؤُب لَم يثبت فيه دليلٌ، لكن إن تذكَّر المسلم عند التثاؤُب أنَّ ذلك من الشيطان وتعوَّذ بالله منه فلا حرج في ذلك ما لَم يتَّخذْه سنَّةً.
وأمَّا فيما يتعلَّقُ بالعُطاس فقد جاءت السنَّةُ بجملةٍ من الآداب والأحكام العظيمة التي يحسُن بالمسلم مراعاتُها والعنايةُ بها وهي من جمال هذه الشريعة وكمالها، ووفائها بكلِّ شؤون الإنسان وجميع أحواله.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ"٣، أَيْ: شَأْنُكُمْ.
стр. 863
فانظر أخي المسلم رعاك الله إلى هذا الجمال والكمال الذي دعت إليه الشريعةُ عند العُطاس؛ حمدٌ وثناءٌ وتراحمٌ ودعاءٌ، العاطسُ يحمَد اللهَ، ومَن يسمعه يدعو له بالرحمة، ثم هو يُبادل الدعاءَ بالدعاء، فيدعو لِمَن شَمَّته بالهداية وصلاح الحال، فما أقواها من لُحمة، وما أجمله من ترابط ووصال.
بل جعل الإسلامُ تشميتَ العاطس حقًّا من الحقوق المتبادلة بين المسلمين، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لقيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس وحمد اللهَ فشَمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتَّبعه"١.
والتشميتُ هو الدعاءُ بالخير، قيل: هو مشتقٌّ من الشوامت وهي القوائم، كأنَّه دعا له بالثبات والقيام بالطاعة، وقيل: معناه أبعدَك الله عن الشماتة، وجنَّبك ما يشمت عليك به.
ثمَّ إنَّ هذا التشميت إنَّما يستحقُّه مَن يحمَد اللهَ عند العُطاس، وأمَّا من لَم يحمد فإنَّه لا يُشَمَّت، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: "عَطَسَ عند النَّبِيِّ ﷺ رجلان، فشمَّت أحدَهما ولَم يُشمِّت الآخَر، فقال الذي لَم يُشمِّته: عَطسَ فلانٌ فشَمَّتَه، وعطستُ أنا فلَم تُشَمِّتْنِِي، فقال: إنَّ هذا حَمِِدَ اللهَ، وإنَّكَ لَم تَحْمَد الله"٢.
وروى مسلم عن أبي بُردة قال: دخلتُ على أبي موسى الأشعريِّ، وهو في بيت بنت الفضل بن عباس، فعطستُ فلم يُشَمِّتنِي، وعطستْ فشمتَّها، فرجعتُ
стр. 864
إلى أمِّي فأخبرتُها، فلمَّا جاءها قالت: عطس عندك ابنِي فلم تشمِّته، وعطستْ فشمَّتها، فقال: إنَّ ابنَك عطس، فلَم يحمد الله فلم أشمِّته، وعطستْ فحمدَت الله فشمَّتُها، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ فَلاَ تُشَمِّتُوهُ"١.
والتشميتُ ثلاثُ مرَّات، وما زاد فهو زُكامٌ يُدعى لصاحبه بالشِّفاء والعافية، روى مسلمٌ في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ وعَطس رجلٌ عنده، فقال له: "يَرحَمُك الله"، ثمَّ عطس أخرى فقال له رسول الله ﷺ : "الرَّجلُ مزكومٌ"٢، ورواه الترمذي وفيه: ثمَّ عطس الثانية والثالثةَ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا رَجلٌ مزكومٌ"٣.
وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً وموقوفاً: "شَمٍِّت أخاك ثلاثاً ثلاثاً، فما زاد فهو زُكام" ٤.
قال ابن القيم ﵀: "وقوله في هذا الحديث: "الرَّجل مزكوم" تنبيهٌ على الدعاء له بالعافية؛ لأنَّ الزَّكْمَةَ علةٌ، وفيه اعتذارٌ من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيهٌ له على هذه العلَّة ليتداركها ولا يُهملها فيصعب أمرُها، فكلامه ﷺ كلُّه حكمةٌ ورحمةٌ وعلمٌ وهُدى"٥.
ومن السُّنَّة خَفْضُ الصوتِ بالعطاس حتى لا يزعج الناسَ، روى أبو
стр. 865
داود عن أبي هريرة ﵁ قال: " كانَ رسولُ الله ﷺ إذا عطس وَضَعَ يدَه أو ثوبَه على فيه، وخَفَضَ أو غَضَّ بِهَا صَوتَه"١.
ثمَّ إنَّ العاطسَ والمشمِّتَ عليهم أن يلتزمَا في ذلك بما جاء في السنَّة، والسُّنَّة أن يقول العاطس "الحمد لله"، وله أن يقول: "الحمد لله على كلِّ حال"؛ لثبوت هذه الزيادة في سنن أبي داود، وأن يقول المشمِّت: "يرحمك الله"، وأن يقول له العاطسُ بعد تشميته: "يهديكم الله ويصلحُ بالَكم"، وقد تقدَّم حديثُ أبي هريرة ﵁ في هذا.
وللعاطس أن يقول بدل هذا: "يرحمنا الله وإيَّاك ويغفر لنا ولكم"؛ لِمَا رواه مالك في موطئه عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "كانَ إذا عطس فقيل: يَرحَمُك الله، قال: يَرْحَمُنا الله وإيَّاكم، ويغفرُ لنا ولكم"٢.
وقد أنكر السَّلفُ ﵏ مَن يزيد على هذا المأثور، فقد روى الترمذي في سننه أنَّ رجلاً عطس عند ابن عمر ﵄، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول: "الحمد لله، والسلام على رسول الله ﷺ ، وليس هكذا علَّمنا رسول الله ﷺ ، ولكن علَّمنا أن نقول: الحمد لله على كلِّ حال"٣.
وفي هذا حرصُ السلف ﵏ على لزوم السُّنَّة واقتفاء هدي وآثار خير الأمَّة، ألحقنا الله بهم ووفَّقنا لاتِّباعهم.
стр. 866
أذكار النكاح والتهنئه به والدخول بالزوجة , والذكر المتعلق با لأبناء
...
١٧٢ / ذِكْرُ النِّكَاحِ وَالتَّهْنِئَةِ بِهِ وَالدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ، والذِّكر المتعلِّق بالأبناء
النكاحُ مِنَّةٌ من الله عظيمةٌ على عباده، يتحقَّق به من المنافع والمصالح والفوائد ما لا يُعدُّ ولا يُحصَى، وهو من سُنن الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ ١.
وقد ذكره الله تعالى في معرض التفضُّل والامتنان في آيات عديدة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
والقرآن الكريمُ فيه آياتٌ عديدةٌ فيها الأمرُ بالنكاح، والترغيبُ فيه، وبيانُ آثاره وثماره، وبيانُ الحقوق المتعلِّقة به، كحُسن العشرة، والصُّحبةِ بالمعروف، وكفِّ الأذى، ونحوِ ذلك من الضوابط والحقوق، مِمَّا يُحقِّقُ للزوجَين حياةً طيِّبةً وعِشرةً صالِحة.
وقد جاء في السُّنَّة النَّبوية أذكارٌ نافعةٌ تتعلَّق بعقد النكاح، وبالتهنئة به للزوجين، وعند الدخول بالزوجة، وعند الجماع؛ يترتَّبُ على المحافظة عليها والعناية بها فوائدُ عديدةٌ، وآثارٌ مباركةٌ تعود على الزوجين في حياتهما الزوجية بالخير والنَّفع والبركة.
стр. 867
فأمَّا الذِّكرُ عند عقد النكاح، فقد روى أبو داود والترمذي وغيرُهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةَ الحَاجَةِ؛ الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يََا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
﴿َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣") ٤.
وهي خطبةٌ عظيمةٌ وذكرٌ مبارَكٌ يُستحبُّ الإتيانُ به عند عقد النكاح، وهو مشتملٌ على معان عظيمةٍ ودلالاتٍ جليلة، ففيه حمدُ الله والاستعانةُ به وحده، وطلبُ مغفرته، والتعوُّذ به من شرور النفس وسيِّئات الأعمال، والإيمانُ بقضائه وقدَره، والشهادةُ له سبحانه بالوحدانية ولنبيِّه بالرسالة، مع الوصيَّة بتقوى الله وتذكُّر فضله ونعمته ولزوم طاعته سبحانه، فهي من جوامع الكلم.
قال شيخ الإٌسلام ابن تيمية ﵀: "فهذه الخطبةُ عقدُ نظام الإسلام والإيمان"٥.
стр. 868
أي: أنَّها جمعت مع وَجازتِها ما ينتظمُ به أمرُ الإسلام والإيمان من الاعتقادات الصحيحة القويمة، والأعمال الصالحة المستقيمة.
ومِمَّا يُنبَّه عليه في هذا المقام أنَّه لَم يرد دليلٌ على مشروعيَّة قراءة الفاتحة عند العقد، خلافاً لِمَا يفعله كثيرٌ من عوام المسلمين.
وأمَّا التهنئةُ للزوجين بالنكاح، فقد جاءت السٌُّنَّة بأن يُدعى لهما بالبركة، وأن يجمع الله بينهما في خير.
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا قال: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ "١.
وروى الترمذي وأبو داود وغيرُهما عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ النَبِيَّ ﷺ كَانَ إِذا رَفَّأَ الإِنْسَانَ إِذا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ"٢.
وقوله: "إذا رفَّأ الإنسان إذا تزوَّج" أي: إذا هنَّأه ودعا له بمناسبة زواجه، وكان الناسُ في الجاهليَّة يقولون للمتزوِّج: "بالرَّفاء والبنين"، فنهى ﷺ عن ذلك، وقولهم: "بالبنين" يتوافق مع ما جرت عليه عادتُهم من الكراهية للإناث والتنفير منهنَّ، وعدم الرَّغبة في مجيئهنَّ، وفي قولهم هذا تأكيدٌ لهذه الكراهة والبغضاء، فنهى ﷺ عن ذلك، وأرشدَ إلى هذه الدعوة المباركة المشتملة على الدعاء لهما بالبركة، وأن يجمع الله بينهما في خير.
стр. 869
وأمَّا ما يقوله الزوجُ إذا دخل على زوجته ليلة الزَّفاف، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِماً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيراً فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ"١.
وقوله: "اللَّهمَّ إنِّي أسألك خيرَها" أي: خيرَ هذه المرأة كحسن المعاشرة وحفظ الفراش والأمانة في المال ورعاية حقِّ الزوج، ونحو ذلك.
وقوله: "وخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عليه" أي: خيرَ ما خلقتها عليه من الأخلاق الحسنة والطِّباع المرضيَّة والسجايا الكريمة.
وقوله: "وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جبلتها عليه" فيه التعوُّذ بالله والالتجاء إليه، بأن يَقيَه ويسلمه مِمَّا فيها من شرِّ في خُلُقها وتعاملها ومعاشرتها وسجاياها.
وهذا فيه دلالةٌ على أنَّ صلاحَ أمر الزوجين والتئامَ شملهما لا يتحقَّق إلاَّ بالالتجاء إلى الله، والاعتماد عليه، وسؤاله وحده العونَ والتوفيقَ والصلاحَ.
وأمَّا ما يقوله إذا أراد أن يأتي أهلَه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهَ قَالَ: بِاسِمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذلِكَ لَمْ
стр. 870
يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَداً"١.
والحكمةُ في ذلك أنَّ الشيطانَ له مشارَكةٌ في الأموال والأولاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٢، فإذا دعا المسلمُ بهذه الدعوة سلمَ من هذه المشاركة ووُقي من شرِّه.
وقد جاء في السُّنَّة كذلك تعويذ الأبناء للحفظ من الشيطان، ففي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ؛ أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ"٣.
وكان من هديه ﷺ فيما يتعلَّق بالأبناء الدعاءُ لهم بالبركة، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أسماء ﵂: " أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنِهَا عَبْد اللهِ ابنِ الزُّبَيْرِ ﵄ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّك عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ "٤. أي: أَوَّل مَولُودٍ وُلِد بالمدينَة مِن المُهَاجِرِينَ.
стр. 871
١٧٣ / مَا يُقَالُ عِنْدَ الغَضَبِ
الغضبُ من الخصال الذَّميمة والخلال المشينة التي نهى عنها الإسلامُ وحذَّر منها أشدَّ التحذير، وهو غَلَيانُ دم القلب وازدياد خفقانه، طلباً لدفع المؤذي عند خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام مِمَّن يحصل منه الأذى بعد وقوعه، وينشأ عن ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرَّمة كالقتل والضَّرب وأنواع الظلم والعُدوان، وكثيرٌ من الأقوال المحرَّمة كالقذف والسبِّ والفُحش والبذاء، وكالأَيْمان التي لا يجوز التزامها شرعاً، وكتطليق الزوجة، ونحو ذلك من الأمور التي لا تُعقِبُ إلاَّ النَّدم، مِمَّا يدلُّ أوضح دلالة على أنَّ الغضبَ جماعُ الشرِّ ومفتاحُ أبوابه.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: " أنَّ رجلاً قال للنَّبِيِّ ﷺ أوصِنِي، قال: لا تَغْضَبْ، فردَّد مراراً قال: لا تَغْضَبْ"١.
فهذا الرَّجل قد طلب من النَّبِيِّ ﷺ أن يوصيَه بوصيَّة وَجيزة جامعة لخصال الخير ليَحفظها ويعملَ بها، فوصَّاه النَّبِيُّ ﷺ أن لا يغضب، وردَّد السؤالَ مراراً والنَّبِيُّ ﷺ يجيبُه بقوله: "لا تغضب"، وفي هذا دلالة على أنَّ الغضبَ جماعُ الشرِّ ومفتاحُه، وأنَّ التحرُّزَ منه جماعُ الخير.
وفي المسند للإمام أحمد من حديث الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ قال: قلت: يا رسول الله أوصِنِي. قال: "لا تَغْضَبْ"، قال الرَّجلُ: "ففكَّرتُ حين قال النَّبِيُّ ﷺ ما قال، فإذا
стр. 872
الغضبُ يَجمعُ الشرَّ كلَّه"١.
وقد جاء عن السلف ﵏ نقولٌ عديدةٌ في التحذير من الغضب وبيان نتائجه وعواقبه الوخيمة، يقول جعفر بن محمد ﵀: "الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ".
وقيل لعبد الله بن المبارك ﵀: اجمع لنا حسن الخُلق في كلمة، فقال: "تركُ الغضب".
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "قد أفلح من عُصِم من الهوى والغضب والطَّمَع".
وكان يُقال: "أوَّلُ الغضب جُنونٌ وآخرُه ندمٌ"، ويُقال: "عدوُّ العقل الغضب"، ويُقال أيضاً: "كلُّ العَطَب في الغضب".
ولَمَّا كان الغضبُ بهذا القدر من الخطورة كان متعيَّناً على كلِّ مسلم أن يَحذَرَ منه، وأن يُجاهدَ نفسَه على البُعد عنه؛ ليَسلَم من عواقبه ونتائجه.
وقول النَّبِيِّ ﷺ في الحديث المتقدِّم: "لا تغضب" يتضمَّنُ أمرَين عظيمَين للسلامة من الغضب ونتائجه.
أحدهما: الأمرُ بفعل الأسباب وتمرين النفس على حُسن الخلق والحِلْم والصَّبر واحتمال أذى الناس القولي والفعلي، فإذا وُفِّق العبدُ لذلك فإنَّه إذا ورد عليه واردُ الغضب احتمله بحسن خُلُقه، وتلقَّاه بحِلْمه وصبره.
ومن القواعد المتقرَّرة أنَّ الأمرَ بالشيء أمرٌ به وبما لا يتمُّ إلاَّ به، والنَّهي عن الشيء أمرٌ بضدِّه، فنهيُ النَّبِيِّ ﷺ عن الغضب يتضمَّن الأمرَ بالصَّبر والحِلم وحسن الخُلُق.
стр. 873
ثانياً: أنَّ أمرَه ﷺ بعدم الغضب فيه أمرٌ بعدم تنفيذ الغضب؛ لأنَّ الغضبَ غالباً لا يتمكَّن الإنسانُ من دفعه وردِّه، ولكنَّه يتمكَّن من عدم تنفيذه، فعليه أن يَمنعَ نفسَه من الأقوال والأفعال المحرَّمة التي يجرُّ الغضبُ إليها، فمتى منع نفسَه من آثار الغضب الضارَّة، فكأنَّه في الحقيقة لَم يغضب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ١، وفي الحديث: " ليس الشَّديد بالصرعة، إنَّما الشَّديد من يملك نفسه عند الغضب"٢.
ولهذا كان الرسول ﷺ يوَجَّه ويأمرُ مَن غضب بفعل الأسباب التي تدفعُ الغضبَ وتسكنه، ويأمرُ بالتعوُّذ بالله من الشيطان الذي يُحرِّك الغضبَ في القلوب، ويُثير الفتنَ ويدعو إلى الشرِّ والفساد.
روى البخاري ومسلم عن سُليمان بن صُرَد ﵁ قال: "اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: ألاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ"٣.
وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الغضبَ من نزغ الشيطان، وأنَّ مَن حصل له الغضبُ ينبغي له أن يستعيذ بالله منه، كما يدلُّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤.
стр. 874
ثمَّ إنَّ الشيطانَ أعاذنا الله منه يتمكَّنُ من الإنسان حالَ غضبه، فيدفعه إلى ارتكاب الآثام، ويأزُّه إلى السبِّ والأذى والإجرام، فإذا استعاذ المسلمُ بالله حُفظ منه ووُقي من شرِّه.
ومِمَّا أرشد النَّبِيُّ ﷺ الغضبانَ إلى فعله التباعدَ عن كلِّ ما يستثيرُه ويُقربه من الانتقام، سواءً بالقول أم الفعل.
فأمَّا القولُ فقد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عباس ﵄، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا غَضِبَ أحدُكم فليَسْكُت"، قالها ثلاثاً١.
وذلك أنَّ الغضبانَ إن تكلَّم حالَ غضبه فإنَّ الغالبَ على كلامه التعدِّي والإساءة، فمن الخير له أن يَكفَّ عن الكلام حال الغضب حتى يسكن، فإذا سكن اتَّزن كلامُه وحسن حديثُه، وكان كلامُه في حال الغضب قريباً أو مساوياً لكلامه حال الرِّضا ليس فيه ظلم ولا عدوان.
ومن الدعوات النبوية المباركة قول النَّبِيِّ ﷺ في دعائه: "وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضَا"٢، وهذا عزيز أن لا يقول الإنسانُ إلاَّ الحقَّ سواء غضبَ أو رضيَ.
وأمَّا الفعل فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرُهما من حديث أبي ذرٍّ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: " إذا غضب أحدُكم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاَّ فليضطجع"٣.
стр. 875
وذلك أنَّ الغضبانَ إن بقي قائماً حال غضبه فإنَّه سيكون قريباً مِِمَّن أغضبه، متهيِّئاً للانتقام منه، فربَّما ضربه أو لطمه أو اعتدى عليه، فإذا جلس تباعد منه، وإذا اضطجع كان أبعدَ وأبعد.
وهذا فيه دلالةٌ على أنَّ الغضبانَ ينبغي عليه أن يحرصَ على أن يملكَ نفسَه حال الغضب في الأقوال والأفعال، فلا يُباشر شيئاً منها حتى يسكن ويطمئنَّ؛ ليكون قولُه حقًّا وفعلُه عدلاً، لا زلل فيه ولا شطَط.
والله وحده المسؤول أن يُوفِّقنا وإيَّاكم إلى سديد القول وصالح العمل، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل.
стр. 876
١٧٤ / أدعية مأثورة في أبواب متفرِّقة
سنتناول فيما يلي أنواعاً من الأدعية المأثورة في أبواب متفرِّقة، مع الإشارة إلى شيء من معانيها، وهي تدلُّ على كمال هدي النَّبِِيِّ ﷺ وعِظم شأن أدعيته، وتناولها لجميع أبواب الخير في جميع شؤون الحياة.
فمن السُّنَّة أن يقول مَن لبس ثوباً جديداً: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ، لِما رواه أبو داود والترمذي وغيرُهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْباً سَمَّاهُ بِاسْمِه، عِمَامَةً أَوْ قَمِيصاً أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ"١.
وقوله: "اسْتَجَدَّ ثَوْباً"، أَي: لبسَ ثَوْباً جَديداً.
وقوله: "أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ" من أعظم خيره أنَّه يستُر عورةَ الإنسان، ويواري سوءَته، ويجمِّلُ هيأته، ويُحسِّنُ مظهرَه ومنظرَه.
وقوله: "وَأَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" من أعظم شرِّه أن يُلبس على وجه الأَشَر والكِبْر والتعالي على الخلق، ومن لَم يزن باطنُهُ لَم تغن عنه زينتُه الظاهرة شيئاً ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٢.
стр. 877
ويُستحبُّ للمسلم إذا رأى على صاحبه ثوباً جديداً أن يقول: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللهُ تَعَالَى، فقد روى أبو داود عن أبي نضرة قال: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْباً جَدِيداً، قِيلَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللهُ تَعَالَى"١.
وقد جاء نحوُه مرفوعاً من حديث أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ﵂، رواه البخاري في صحيحه٢.
وقولهم: "تبلي ويُخلف الله" فيه دعاءٌ له بأن يُبقيه الله ويبلَى الثوبُ ويُخلفه الله خيراً منه.
ومن السُّنَّة أن يقول المسلم لِمَن صنع إليه معروفاً: جزاك اللهُ خيراً، فإنَّها دعوةٌ عظيمةٌ وثناءٌ بالغ، روى الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ"٣.
وكان من هدي النَّبِيِّ ﷺ الدعاءُ بالبركة عند رؤية باكورة الثَّمَر، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "كَانَ النَّاسُ إِذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا،
стр. 878
اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيَهُ ذَلِكَ الثَّمَرِ"١.
ومن السُّنَّة إذا كان عند الإنسان شيءٌ وخاف عليه من العَيْن ذِكرُ الله، والدعاءُ، والاستعاذة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ٢.
وعن سَهل بن حُنيف، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُعْجِبُهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيُبَرِّكْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ العَيْنَ حَقٌّ" رواه أحمد٣.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذ مِن الجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَت المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا" رواه الترمذي وابن ماجه٤.
وفي الحديث دلالةٌ على عظم شأن هاتين السورَتين، وعظم منفعتهما وشدَّة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنَّه لا يستغني عنهما أحد، وأنَّ لهما تأثيراً خاصًّا في دفع الجانِّ والسِّحر والعَين وسائر الشرور، وقد تضمَّنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلِّها بأوجَز لفظ وأجمعه وأدلِّه على
стр. 879
المراد وأعمِّه استعاذة، بحيث لَم يبق من الشرور شيءٌ إلاَّ دخل تحت الشرِّ المستعاذ منه فيهما.
ومن السُّنَّة أن يقول المسلم إذا رأى أحداً من أهلِ البلاء: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، وهي دعوةٌ عظيمةٌ نافعةٌ مَن قالَها حين يرى البلاءَ، لَم يُصبه ذلك البلاءًُ بإذن الله ، ففي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلاَءُ"١.
وليَحذر المسلمُ من الشماتة بأهل البلاء؛ فإنَّه لا يأمن أن يبتليه الله بما ابتلاهم فيه، يقول إبراهيم النَّخعي ﵀: "إنِّي لأرى الشيءَ أكرهه، فما يَمنعُنِي أن أتكلَّم فيه إلاَّ مخافة أن أُبتَلَى بمثله".
ومن السُّنَّة أن يدعوَ المسلمُ لأخيه إذا قال له: إنِّي أحبُّك في الله، بأن يقول: أَحبَك الله الذي أحببتنِي فيه، ففي سنن أبي داود عنه أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْلَمْتَهُ قَالَ: لاَ. قَالَ: أَعْلِمْهُ. قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ"٢.
ومن السُّنَّة أن يسألَ المسلمُ ربَّه من فضله عند سماع صياح الدِّيَكة، وأن يتعوَّذ بالله من الشيطان عند سماع نُباحَ الكلاب ونهيقَ الحُمُر، روى
стр. 880
البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَاناً"١.
وروى أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الكِلاَبِ وَنَهِيقَ الحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ"٢.
ومن السُّنَّة أن يقولَ المسلمُ إذا دخل السُّوقَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ففي الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلَفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ"٣.
والله المسؤول أن يُعيننا جميعاً على كلِّ خير، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل.