فصل: أقل ما يتناوله تخصيص لفظ العموم
...
فصل.
ذهب أبو بكر القفال إلى أن تخصيص لفظ العموم يجوز إلى الثلاثة ولا يجوز تخصيص اللفظ فيما دون الثلاثة إلا بما يجوز به النسخ.
وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يجوز تخصيص اللفظ العام إلى أن يبقى واحد.
وذهب القفال إلى أن لفظ العموم دليل على الجمع بلفظه وأقل الجمع ثلاثة فلا يجوز تخصيصه فيما دونه لأنه يخرج عن كونه لفظا للجمع فينزل منزلة النسخ١.
стр. 177
وحرفه أن لفظ المشركين لا يحصل للواحد بحال ولا يجوز رد اللفظ إلى ما لا يصلح له وكذا أن المنع من ذلك أما أن يكون لأن الخطاب بهذا التخصيص يصير مجازا أو لأنه إذا استعمل فى الواحد لم يكن مستعملا فى الجمع واللفظ للجمع فيكون قد استعمل الخطاب فى غير موضوعه ولا يجوز أن نمنع الأول لأنه لو كان كذلك لم يجر التخصيص بكل حال لأنه أن صار مجازا بالتخصيص إلى أن يبقى واحدا يصير مجازا بالتخصيص أيضا وأن بقيت ثلاثة ولا يجوز أن يمنع بالثانى لأن اللفظ العام موضوع للاستغراق لا غير وأما الجمع تبع له فإن لم يجز استعماله فى غير الجمع وجب أن لا يجوز استعماله فى غير الاستغراق بل لا يكون المنع هاهنا لأنا بينا أن اللفظ للاستغراق والجمع تبع له وهذه حجة فى نهاية الجودة وقد ظهر فيها الجواب عما قالوه.
وقد قال الأصحاب أن التخصيص من العام كالاستثناء من المستثنى منه والقرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة لأن كلام الشرع وأن تفرق فى المورد وجب ضم بعضه إلى بعض وبناء بعضه على بعض ثم صح الاستثناء ما بقى من اللفظ شىء فكذلك التخصيص.
وتحريره أن ما جاز تخصيص العام به إلى الثلاث جاز إلى ما دونه كالاستثناء ولأنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه فيما دون الثلاث كمن وما فإن من عام فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ثم جاز أن يلحقها الخصوص إلى أن يبقى الواحد كذلك هاهنا وقد سلم القفال ولم يسلمه من وافقه من المتكلمين وهذا وأن قيل ولكن الاعتماد على الأول وأما النسخ فهو رفع الحكم أصلا وأما التخصيص فليس رفع الحكم لكنه نوع بيان اتصل بالآية على ما سبق تقديره ولأن النسخ بمنزلة استثناء العشرة من العشرة والتخصيص بمنزلة استثناء البعض.
стр. 178
فصل: فيما يخص به لفظ العموم
...
فصل والكلام يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول.
الذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع.
فأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا: هو مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فدليل العقل قد خص هذه الآية لأنه تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٤] فعلم بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية.
ومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص١ وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى.
والثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وكذلك فى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٤] وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وأن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه ويقال لمن منع منه أتحمل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٤] على الاستيعاب فى كل ما يتناوله اسم الشىء.
فإن قالوا: هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه بالاستثناء وأن قالوا: هو مخصوص فقد قيل ما قلناه.
وأما تخصيص العموم بالشرع فضربان.
أحدهما يتصل به.
والثانى ينفصل عنه.
وأما المتصل به فسنفرد له بابا.
وأما تخصيصه بالمنفصل منه٢ فنقول هو على أربعة أضرب.
стр. 179
أحدها: تخصيصه بالكتاب.
والثانى: بالسنة.
والثالث: بالإجماع.
والرابع: بالقياس.
فأما تخصيصه بالكتاب.
فلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة فإن كان بالكتاب فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] خص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤] خص بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق ٤ ومثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خص بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١ [الأحزاب: ٤٩] .
وإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب٢ وأما النسخ فيستبين فى باب النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل الخطاب من الكتاب أما فحوى النص٣ فهو جار مجرى النص وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من مذهب الشافعى٤ لأنه مستفاد من النص فصار بمنزلة النص ومثاله من الكتاب قوله تعالى.
стр. 180
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فكان عاما فى كل مطلقة ثم قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها فى أظهر قوليه عموم المطلقات وامتنع من التخصيص فى القول الآخر وأما تخصيص عموم الكتاب والسنة بالسنة.
فإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى الكتاب أو فى السنة وسواء كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو بالآحاد لأن السنة المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز بالسنة المتواترة١.
وأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد.
فأخبار الآحاد ضربان.
أحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله ﵇: "لا ميراث لقاتل" ٢ "ولا وصية لوارث" ٣ وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وابنة أخيها فيجوز تخصيص العموم به ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على حكمتها وأن لم ينعقد الإجماع على روايتها.
وأما الضرب الثانى: من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو المسألة التى اختلف العلماء فيها.
مسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد عندنا وعند الكثير من المتكلمين.
وقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء.
وقال عيسى بن أبان أن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وأن كان لم يخص.
стр. 181
لا يجوز١ وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن يخص بما يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز بخبر الواحد دليله النسخ.
وأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل.
وأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد الظن.
وأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو الدليل على جواز التخصيص به وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك دليل إذا أمكن العمل به وإذا قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين وإذا قلنا لا يجوز التخصيص تركنا دليل السنة.
وبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم وأما إذا خصصنا العموم فلم نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص.
فإن قالوا: تركتم القول بالاستيعاب فى العموم.
قلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا حينئذ نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما يقتضيه العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ورد مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة على تخصيص قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإن عمومه يقتضى إباحتها قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله ﵇: " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٢ وكذلك خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله.
стр. 182
عليه السلام: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ١ الخبر وكذلك قوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" ٢ وخصوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بنهيه ﵇ عن قتل النساء.
وأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين وعلى أن خبر الواحد معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنهم أجمعوا على قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم أصله كما أن جهة القبلة معلومة وأن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى عليه حكم أصلها وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز بدليل مظنون إذا كان ثبوت المرفوع بدليل مقطوع به وأما التخصيص فليس برفع للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان بالعموم فصار بمنزلة اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم.
стр. 183
فصل: تخصيص السنة بالسنة
...
فصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز.
وعن داود أنه لا يجوز٣ لأن الله تعالى جعل رسوله ﷺ مبينا فلا تحتاج سنته إلى بيان وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة.
стр. 184
وقوله أن السنة بيان.
قلنا والكتاب تبيان قال الله تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وأن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة موجود كما وجد تخصيص الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين.
وبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله ﵇: "لا تنتفعوا من الميتة بشىء" ١ قد خص بما روى أنه ﵇ قال فى شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه" ٢ وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله ﷺ وتخصيصه بها.
ومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال رسول الله ﷺ بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة وقد خصت الصحابة قوله ﵇ فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى رجم ماعز والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب.
وعندى أن هذا بالنسخ أشبه وأيضا فإن النبي ﷺ نهى عن الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله فى حقه دون غيره.
وأما تخصيص العموم بالإجماع.
فهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة٣ وقد خص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بأن العبد لا يرث وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب جاز أن يخص به عموم السنة أيضا.
وأما تخصيص العموم به على ما قدمناه.
وأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به.
стр. 185
وإن لم يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى ﵀ يجعله فى القديم حجة كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن يكون حجة فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص العموم به.
وأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج بالعموم فلا يخص بقوله العموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم فى خبر النبي ﷺ قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بخبره١ ومثل هذا يوجد كثيرا.
وأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه.
فإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات٢ وقد روى غسله سبعا عن النبي صلى الله عليه وسلم٣ وخص روايته بمذهبه ببينة أن الرواى لا يترك ما رواه عن النبي ﷺ إلا وقد عرف من النبي ﷺ تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة٤ ولأنه محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه بقوله كغيره.
ويبينه: أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول ﷺ ومراده من العموم لم يخالف وهذا وأن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون وعلى أن خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول ﷺ كان ينبغى أن يتبين ذلك لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول ﷺ والكلام.
стр. 186
الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول الرسول ﷺ ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن نتفحص عن قول من يخالفه أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى باطل وخلاف من ليس بمعصوم عن الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن المرتد لا يقتل أن ثبت عنه لا يخص به عموم قوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" ١ وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر كالذى رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ﷺ ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله والفرق بين تفسيره وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له فأخذ به وأما مذهبه مخالف فلا يخص به على ما سبق.
وأما التخصيص بالقياس.
فقد اختلف فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم يجز أن يخص القياس والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ولا شك أن العلمى أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز التخصيص به ولأن العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص.
وقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص وذهب أبو بكر محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم والقياس إذا تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث أن كل واحد منهما صار حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما وأما الشافعى ومالك وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل.
ببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من.
стр. 187
طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا التقتا كان القضاء للمعانى على الأسامى.
والجواب عما ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه وقولهم أنه يفيد العلم قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده فأما فى محتملاته فلا نسلم ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم والقياس يجوز أن يدل على ذلك تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر الواحد على ما قدمناه فلا يجوز نسخه به وأما قولهم أن العموم نص قلنا صيغة العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم يدخل فيه.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل وإذا ثبت جواز تخصيص العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين قال بعض أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص العموم١.
стр. 188
وأما التخصيص بدليل الخطاب.
فيجوز تخصيص العموم به.
قال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل والكلام معهم يجىء أن شاء الله.
وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما كان يجوز التخصيص به.
وأما فحوى الخطاب.
فيجوز التخصيص به وقد بيناه.
ثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ..﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم خص منها بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على جزاء الصيد فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع.
فهذا بيان ما قدمناه.
стр. 189
وأما التخصيص بالعادة والعرف١.
فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به٢ لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم.
مسألة إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ولا يستقل بنفسه.
وليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه.
стр. 190
رسول الله صلى الله عليه وسلم١ أو سها النبي ﷺ فسجد٢ وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى أن النبي ﷺ سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ٣ فاقتضى الجواب أن يكون الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي ﷺ سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال: "الخراج بالضمان" ٤ فكان قوله الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره وكذلك الرخصة فى العرية إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به الرطب فأجاب رسول الله ﷺ بالرخصة فى العرية فكان الجواب عاما فى الفقراء والأغنياء واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن يحمل على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب فأما إذا لم يفد ما لم يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه وهذا كما روى أنه ﵇ قال فى جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا٥ [ ... ] ٦لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل بنفسه فى الإفادة [ ... ] ٧ على سببه.
وقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق وقد.
стр. 191
أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر المروى فى بئر بضاعة وقال قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شىء" ١ مقصور على سبببه وقال فى قوله: "لا قطع فى ثمر وكثر" ٢ أنه خرج على عادة أهل المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة وسائر الأصحاب قالوا: إنما قال الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم يكن هناك دليل يدل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه.
واحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى بيانه على السؤال وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا فى الجواب فيخصص الحكم به.
ببينة: أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول بالعلة.
قالوا: ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا.
يدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام وإذا جرينا على ما قلتم كان ابتداء الكلام ولم يكن جوابا ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله لا أتغدى يكون اليمين مقصورا على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث وإنما كان كذلك لما بيناه قالوا: ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب فلا بد له من فائدة وليس فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم فى المسألة.
وأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال خاص وجب إجراؤه على العموم وأن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ الشارع وخصوصه وهذا كلام.
стр. 192
لا بأس به إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل التخصيص فى الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق وقال عنيت بعض نسائى لم يصدق بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا عليه على الخصوص وصح ذلك والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة للسبب وغيره حتى يوجد الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم لاستيعاب كل ما يصلح له فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب إجراؤه على عمومه إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا ببينة أنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ولا من حيث الشريعة ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى ﵇ عما فى يمينه فقال ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ طه ١٧ فأجاب موسى ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ طه ١٨ فأجاب وزاد فثبت أن السؤال عن شىء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه.
يدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى شىء ما ولم يجريه التخصيص وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على الأول.
وأما الجواب عن كلماتهم قولهم أن السؤال والجواب كالشىء الواحد.
قلنا أن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال وأما فيما يزيد عليه فلا ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع إلا على هذه المرأة على الخصوص.
وأما قولهم أن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة.
قلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به.
وأما قولهم أن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب.
قلنا أن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط الجواب وقد بيناه وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة من.
стр. 193
غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى ﵇ عن عصاه وسؤال النبي ﷺ عن التوضؤ بماء البحر.
وأما قولهم أن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام.
قلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل عنه.
فأما أن يمنع الزيادة عليه فلا وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى وأما إذا قال تغد معى فقال والله لا أتغدى قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب الشافعى فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا على حقائق الألفاظ.
وأما قولهم أن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة.
قلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم.
وقد قال بعضهم فى أصوله أن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من مذهبه١.
стр. 194
فصل: تعارض اللفظان من صاحب الشرع
...
فصل: إذا تعارض اللفظان من صاحب الشرع فلا يخلو أما أن يكونا خاصين أو عامين أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه.
فأما إذا كانا خاصين مثل أن يقول: اقتلوا المرتدة ولا تقتلوا المرتدة أو صلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا فى وقتين فيكون أحدهما ناسخا للآخر فإن عرف التاريخ يكون الثانى ناسخا للأول وأن لم يعرف التاريخ وجب التوقف٢ وأن كانا عامين مثل أن يقول: من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف كالقسم الذى.
стр. 195
قدمنا وإن أمكن استعمالهما فى حالتين استعملا١ ومثال هذا ما قال ﷺ فى خبر الشهود: "من شهد قبل أن يستشهد" ٢ وقال: "شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد" ٣ وقالوا: الأول محمول على ما إذا شهد ولم يعلم صاحب الحق أن له شاهدا فإن الأول أن شهد وأن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثانى محمول على ما إذا علم له الحق بشهادة فلا يجوز للشاهد أن يبدأ بالشهادة قبل أن يستشهد.
وأما إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] مع قوله ﷺ : "حلت لكم ميتتان ودمان" ٤ ومع قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ٥ ومثل قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" ٦ مع قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ٧ قالوا: يجب فى هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص على العام ولا فرق عندنا بين أن يتآخر العام ويتقدم الخاص ويتآخر الخاص ويتقدم العام أو يرد ولا نعرف التاريخ بينهما٨.
стр. 196
وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام بكل وجه وهو قول القاضى أبى بكر الباقلانى.
وقال كثير من المعتزلة إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فإنه ينسخ العام١ وإليه ذهب عامة أصحاب أبى حنيفة وقالوا: فيما إذا كان الخاص متأخرا والعام متقدما فإن كان ورد الخاص قبل أن يحضر وقت العمل بالعام فإنه يكون الخاص مقضيا به على العام وأن ورد الخاص بعدما حضر وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتآخر عن وقت الحاجة هذا مذهب المعتزلة ويجوز أن يكون مذهب أصحاب أبى حنيفة على خلاف هذا ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الشافعى ﵀.
ورأيت عن أبى الحسن الكرخى أن المتآخر ينسخ المتقدم وسواء فى ذلك كان المتآخر خاصا أو عاما.
وقد ذكر عيسى بن أبان فى الخبرين إذا تعارضا وأن كان أحدهما عاما والآخر خاصا ولم يعرف تاريخ ما بينهما وجوها من الترجيح.
منها أن يكون أحدهما متفقا على استعماله كخبر العشر فإنهم قالوا: أن قوله فيما سقت السماء العشر متفق على استعماله وخبر الأوساق متفق على استعماله.
ومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ونعيب على ترك العمل به مثل الخبر فى ربا الفضل والخبر الآخر وهو قوله ﵇: "لا ربا إلا فى النسيئة"٢ فإن الصحابة عابوا على ابن عباس فى ترك العمل بخبر أبى سعيد وهو الخبر الذى روى فى تحريم ربا الفضل.
ومنها أن يكون الرواة لأحدهما أشهر.
واعلم أنا إذا بينا أن الخاص يقضى به على العام بكل حال سقطت هذه الوجوه التى ذهب إليها فى الترجيح ويقال أن قوله فى خبر الأوساق أن الأمة لم يتفقوا على استعماله فليس ذلك أكثر من أنا تركنا العمل به وهذا لا يضعف الخبر وعلى.
стр. 197
أن قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" ١ متفق على استعماله فى الأوساق الخمسة فما زاد فأما فيما دون الأوساق الخمسة فلا واستعمال الأمة الخبر فيما وراء الأوسق الخمسة لا يوجب ترجيحا وأيضا يقال لهم لم قلتم أن استعمال الخبر من الأمة على الجملة يوجب ترجيحا للخبر وكلا الخبرين ورد مورد الصحة ولا عذر لأحد فى ترك العمل بواحد منهما لأن الدليل الذى دل على وجوب العمل بأحد الخبرين هو الدليل الذى دل على وجوب العمل بالخبر الآخر ومتى طولبوا بمثل هذه لم يمكنهم القيام بحجة فيما زعموه ويخص الفصل الذى ذكرناه وهو إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ونبين أن القول بالنسخ للخاص المتقدم بالعام المتآخر باطل ونقيم الدليل على مذهبنا فى بناء العام على الخاص والقول بقضاء الخاص على العام.
مسألة العام المتقدم لا ينسخ الخاص المتقدم بل الخاص يقضى عليه ويكون الحكم له فيما تناوله المتآخر ٢.
وعندهم الخاص المتقدم يصير منسوخا بالعام المتآخر وتعلقوا فى هذا بأشياء منها:
أن اللفظ العام فى تناوله لآحاد ما دخل تحته يجرى مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يجرى مجرى قوله اقتلوا زيد المشرك أو اقتلوا عمرا واقتلوا خالدا ولو قال ذلك ثم قال لا تقتلوا زيدا لكان ذلك ناسخا فكذلك ما ذكرنا ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخه والعام يمكن أن يكون ناسخا له فكان ناسخا والدليل على أنه يمكن أن يكون ناسخا لأنه يتناول ما تناوله الخاص مع الثانى وهو متآخر فينسخه.
واستدل من قال بوقوع التعارض بين الخاص والعام أن العام قد تناول ما تناوله الخاص وزيادة فتناوله لتلك الزيادة لا يؤثر فى تناوله لما تناوله الخاص وإذا كان كل واحد منهما متناولا لما تناوله صاحبه وجب أن يكونا متعارضين كالخاص والخاص والعام والعام وهذا لأن تناول العام لزيادة تجرى مجرى خبر آخر تناول تلك الزيادة ولو كان كذلك لم يؤثر فى تعارض هذين فى هذا الشىء الواحد فثبت أنهما متعارضان كالخبرين جميعا وفى ترك بناء العام على الخاص استعملا للخبر العام وتركا للخاص.
стр. 198
لأن فى القول ببناء العام على الخاص ترك العام لأن العام لاستيعاب كل ما يتناوله فإذا بنى على الخاص ومعنى بناء الخاص على العام أنه يجعل كأنه لم يتناول ما ورد به الخاص فقد تركتم العام لأن فى ترك القول بالاستيعاب ترك القول بالعموم فاستوى الجانبان من هذا الوجه
وأما حجتنا فتقدم الدليل فى أن القول ببناء العام على الخاص واجب على الجملة.
فنقول كل واحد من العام والخاص دليل يجب العمل به فلا يجوز إطراحهما إذا أمكن استعمالهما والقول ببناء العام على الخاص استعمال لهما جميعا وهو استعمال الخاص فيما يتناوله بصريحه واستعمال له فيما وراء ما تناوله الخاص وعلى هذا بطل القول بالتعارض لأن فى القول بالتعارض إنما ترك العمل بهما أو ترك العمل بالخاص فثبت أن القول ببناء العام على الخاص متعين.
فإن قالوا: لم لا تقولون بأن أحدهما ينسخ الآخر.
قلنا لا يمكن القول بالنسخ إلا بعد معرفة التاريخ وهذا الدليل فى بناء العام على الخاص فى الجملة وهو إذا لم نعرف تاريخ ما بين الخطابين أو كان العام متقدما والخاص متأخرا فأما إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فسنبين القول فيه ببينة أنه لو كان بدل الخاص قياس لبنى العموم عليه والخبر الخاص آكد من القياس وأقوى فلأن بنى عليه العام أولى وأيضا فإن العام والخاص لو وردا معا يبنى العام على الخاص فكذلك إذا وردا ولم يعلم تاريخ ما بينهما لأن الأصل أن كان شيئين وجدا معا ولم نعلم تاريخ ما بينهما يجعل كأنهما وجدا معا كمسألة الغرقى والهدمى إذا لم يعلم وقت موت واحد منهم يجعل كأنهم ماتوا معا حتى لا يحكم بالميراث لواحد منهم من صاحبه وأن كان بينهما سبب يوجب الإرث وهم ربما يعترضون على هذا فيقولون لما اشتبه حال الميتين لم يورث أحدهما من الآخر فكذلك إذا اشتبه حال الخبرين وجب أن لا يعترض بأحدهما على الآخر وأن يرجع إلى أمر آخر والاستدلال فيما قصد بالاستدلال به قائم وهذا لا يوجب مغمزا فيه وأما الدليل فى أن العام المتآخر لا ينسخ الخاص المتقدم هو أن الخاص معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت اللفظ العام مشكوك فيه والعلم لا يترك بالشك وهم يقولون على قولكم هذا أن دخوله تحت اللفظ العام مشكوك فيه ليس بذلك بل تناوله إياه ولما سواه حتى يتم الاستيعاب معلوم أيضا لأنه صيغة موضوعة للاستيعاب لغة وشرعا فكيف يقع.
стр. 199
الشك فى تناوله لما ينسحب عليه الاستيعاب.
ونحن نقول المعنى بما ذكرناه من الشك هو أنه يحتمل أنه لا يتناوله والخاص لا يحتمل أن لا يتناوله وهذا مسلم ونقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو المعتمد فنقول الخبر العام يتناول ما تناوله الخاص على ما زعموا ولكن لا تعارض فى هذا التناول لأن الخاص يتناوله بصريح لفظه من غير أن يكون فيه احتمال أن لا يتناوله وأما العام فيتناوله لا بصريح لفظه بل بظاهر عمومه ويحتمل إلا يتناوله وإذا لم يستويا فى التناول لم يقع التعارض فوجب القضاء بما له الترجيح.
وإذا رجحنا سقط النسخ وتصور صورة ليكون الكلام أوضح فنقول قول القائل لا تقتلوا اليهود يمنع من قتلهم أبدا وقوله من بعد اقتلوا الكفار يوجب قتلهم فى حالة من الحالات.
والقول الأول يمنع من قتلهم فى تلك الحالة وإذا تمانعا على هذا الوجه والخاص أخص باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به والكلام الوجيز فى هذا الدليل أن القول بالنسخ من غير دليل على النسخ باطل والقول بترجيح الخاص على العام فيما تناولاه مانع من قيام دليل النسخ.
وأما الجواب عن كلامهم.
وأما الأول قلنا لو جعلنا الجملة كالآحاد المذكورة واحدا واحدا لا متنع تخصيص كل عموم فى العالم كما ذكروا واحدا واحدا لم يجز تخصيص واحد منهم من الأعداد المذكورة ثم نقول اللفظ العام يجرى مجرى الآحاد المذكورة واحدا واحدا فى أصل التناول ولا يجرى مجراها فى امتناع دخول التخصيص عليه ألا ترى أن اللفظ الذى يذكر فيه الأعداد واحدا واحدا لا يجوز أن يخرج شىء منه بالتخصيص بخلاف اللفظ العام.
وأما دليلهم الثانى قلنا مجرد احتمال النسخ لا يدل على النسخ وكذلك المتآخر وعلى أنه كما أن الخاص المتقدم يحتمل أن ينسخ فالعام المتآخر يحتمل أن يخص فلم يكن أحدهما أولى من الآخر وعلى أنا بينا الدليل المانع من النسخ.
وقولهم أن المتآخر دليل النسخ قلنا وهل نوزعتم فى هذا الموضع إلا فى هذا.
وأما اعتراضهم على دليلنا بقولهم أن فى بناء العام على الخاص بترك القول بالعموم.
стр. 200
قلنا لا فإنا عملنا بالعموم وراء المخصوص.
وقولهم أن الصيغة للاستيعاب.
قلنا إذا لم يقم دليل على التخصيص وها هنا قد قام وهذا لأن التخصيص بيان يتصل بالخطاب فيظهر أن الخطاب بالعموم صدر متناولا لما وراء المحل المخصوص فإن قالوا: كيف ثبت اتصال البيان بشىء متقدم على الخطاب ولو جاز هذا لجاز الاستثناء متقدما على المستثنى منه.
قلنا وأى شىء يمنع من أن يكو بيان الخطاب وتخصيصه بسبب متقدم ألا ترى أن دليل العقل يجوز به تخصيص العموم وأن كان متقدما على العموم وقد سبق ذكر ذلك وبيان مثاله أما الاستثناء فكلام تكلم به أهل اللغة وهم لم يتكلموا بالاستثناء المتقدم على المستثنى منه وعلى أن عندنا يجوز ذلك وقد ذهب إليه كثير من الأصحاب وسنبين وروده.
أما الكلام الأخير الذى ذكره ففيما قلنا جواب عنه وقد بينا ترجيح التناول فى هذا الجانب والمرجوح لا يعارض الراجح ولم يستعمل فى هذه المسألة بإيراد الأمثلة فى المواضع التى أجمع الفقهاء فيها ببناء العام على الخاص لأنهم يقولون قد ورد أيضا بناء الخاص على العام وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فهذا خاص فى الوالدين والأقربين ومع ذلك بنى على عموم قوله لا وصية لوارث"١ والجواب عن هذا سهل والاعتماد على ما سبق والله أعلم.
وأما إذا تعارض خطابان أحدهما خاص من وجه عام من وجه والآخر عام من وجه خاص من وجه وتنافيا فى الحكم الذى ابتنى عليهما فلا بد من التوقف حتى يظهر المرجح٢.
وأمثال هذا كثيرة وتوجد فى قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٣ وقد ورد فى.
стр. 201
معارضة نهيه ﵇ عن قتل النساء وأحدهما خاص فى النساء عام فى الحربيات والمرتدين والآخر خاص فى المرتدين عام فى النساء والرجال فينبغى أن يطلب فى هذا الموضع الترجيح لأحدهما على الآخر وقد ذكر الأصحاب وجوها من الترجيح سترد من بعد بمشيئة الله تعالى.
стр. 202
فصل: إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا [يتأتى إلا فى] ١ بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط.
وذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد٢.
ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يتناول الكبيرة العاقلة وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة.
ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١] تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام فى الرجعية والبائنة.
ومثال التقييد بحكم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا لا يكون إلا فى الرجعية أيضا وأول الآية عام فى البائنة والرجعية.
ومثال الشرط قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ خاص وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ عام والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وأن ارتبتم فالأول على عمومه وأن عقبه بشرط يخص البعض دون البعض.
стр. 203
ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى المخالف لهذا ضرورة وقال أن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن الله تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى يصح منهن العفو.
ألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى بين ظاهر العموم وبين الدليل المخصص ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء أو صفة تخص تعيين من أريد بالاستيعاب وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه وقد قال من يقول: بالوقف أن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر الكناية يقتضى الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم وإذا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا يمكن التوقف فى الظاهر الأول.
مسألة المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف عليه بل إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به.
وعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره ومثال هذا الاستدلال بقوله ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده" ١ فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم يضمر ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر٢ فعلى هذا قالوا: أن الكافر الذى لا يقتل به ذو العهد هو الحربى فيكون قوله.
стр. 204
لا يقتل مؤمن بكافر المراد به الحربى.
واستدل من ذهب إلى هذا فقال أن النبي ﷺ قال لا يقتل مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه جميع ما سبق.
ألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط وإن كان يستقل به.
وكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان معناه ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا وفى المثال الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم الصحاح لا المنع من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على الإطلاق غير مذكور فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء غير مذكور فلا يتصور المشاركة فيه.
ودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده وهذا لأن فقد استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا قدر ما يستقل به ويفيده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى الإضمار يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى يكون معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا فى الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى.
ألا ترى أن النبي ﷺ لو صرح وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده بكافر" ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب أن يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى الأول لا يقتل مؤمن بكافر.
стр. 205
بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ظهر وقام الدليل.
قالوا: أن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو الذى عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه فلو كان الكافر المذكور فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم يجعل العطف مفيدا اشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص.
قالوا: وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه واعترضوا على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم.
والجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو أظهر قوله ولا يقتل ذو عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وأن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه وقوله أن ذلك مبتدأ قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا أضمرنا مما سبق قوله لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة.
فإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون العطف قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما فى اللفظ المذكور دون حكم المقصود.
فإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن فائدته.
ويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال أن الكلام كان يكون صحيحا على ما ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن.
стр. 206
يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ابتداء لعهده ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم أصلا ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد.
ببينة: أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا.
واعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ممكنة والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية وقد ذكرنا فى الخلافيات أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على رضى الله عنه من غير هذه الزيادة واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا نحتاج إلى الخوض فيما قلنا والله أعلم.
стр. 207
فصل: إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١, ٢] إلى قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥, ٦] فعموم هذا يقتضى مدح كل من حفظ فرجه إلا على زوجته أو ما ملكت يمينه ويدل أن من وطىء زوجته أو ما ملكت يمينه لم يكن مذموما فهل يصح دعوى العموم فى هذا.
أولا اعلم أنه لا خلاف على المذهب أنه إذا عارض هذا اللفظ خطاب عام لم يقصد به المدح أو الذم فإنه يخصه ويقصره على المدح والذم ولا يحمل على عمومه بل يقضى بعموم ذلك الخطاب عليه ومثل هذا ما قلناه فى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فهذه الآية قصد بها بيان الأعيان المحرمات ذوى العدد وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قصد بها بيان العدد وظاهرها يقتضى إباحة العدد المذكور سواء كان من الأعيان المحرمات أو من غيرهن إلا أنا قضينا بتلك الآية التى قصد بها بيان الأعيان المحرمات على الآية الأخرى التى لم يقصد بها بيان الأعيان المحرمات وإنما قصد بها بيان العدد كذلك هذا مثله.
وأما إذا تجرد اللفظ الواحد على سبيل المدح أو الذم ولم يعارضه لفظ الخبر فهل.
стр. 208
يصح ادعاء العموم فيه أم لا اختلف أصحابنا فى ذلك فمنهم من قال لا يصح ادعاء العموم بل يقتصر على بيان المدح والذم فحسب لأنه إنما قصد به مدح من حفظ فرجه وذمه إذا لم يحفظه لا أنه قصد به بيان الحكم حتى يدعى عمومه١ والمذهب الصحيح أنه يصح ادعاء العموم فى ذلك٢ فعلى هذا يصح ادعاء العموم فى هذه الآية التى ذكرناها ويصح أيضا ادعاء العموم فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وأن كان قصد بالآية الذم لمن كنز المال.
والدليل على دعوى صحة العموم فى ذلك ما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه قال فى الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وعنى بآية التحليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] فقد حمل الآية على العموم مع أن القصد كان هو المدح لمن حفظ فرجه عن الحرام لأن اللفظ إذا ورد عاما فإنه يحمل على عمومه ولا يخص إلا بما يعارضه وينافيه فأما الذى يماثله ولا ينافيه فلا يخصص.
стр. 209
الآية به وليس بين الخطاب العام وبين قصد المدح أو الذم بذلك منافاة فبطل تخصيصه به ووجب حمل اللفظ على عمومه.
ببينة أن المدح إنما كان مقصودا بالآية أو الذم لا مذكور فيها وهذه العلة قائمة فى العموم لأن اللفظ عام والعموم مذكور فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما.
стр. 210
فصل: تخصيص العموم بالدليل المتصل
...
فصل: هذا الذى ذكرناه هو بيان تخصيص العموم بالدليل المنفصل. فأما تخصيص العموم بالدليل المتصل فنقول.
الدليل المتصل أربعة: استثناء وغاية وشرط وتقييد.
فأما تخصيص العموم بالاستثناء.
فاعلم أن الاستثناء هو لفظ على صيغة إذا اتصل بالكلام أخرج منه بعض ما كان داخلا فيه وقد حده بعض المتكلمين بأنه إخراج جزء من كل١ والأول أحسن وهو مأخوذ من قولهم ثنيت زيدا عن رأيه إذا أرددته عنه وتقول اثنيت عما كنت عليه إذا رددت نفسك عن شىء كنت عليه وثنيت العود إذا رددته عن عوجه وثنى الثوب ما عطف وكف من أطرافه.
ولا يصلح الاستثناء إلا إذا كان بالمستثنى منه فإذا انفصل منه بطل حكمه.
وهو قول كافة أهل اللغة وجمهور أهل العلم وليس يعرف فيه خلاف إلا ما حكى على جهة الشذوذ عن ابن عباس أنه جوزه منفصلا وأجراه مجرى بيان المجمل وتخصيص العموم وقيد زمان الجواز ببينة فإن استثنى بعدها بطل.
وعن بعض التابعين أنه جوز فى المجلس ولم يجوز إذا فارق المجلس٢.
стр. 211
وقيل أنه قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن المنفصل لا يكون استثناء.
وأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء.
وهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ويستقبح مع انفصاله.
ولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة.
وأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من الراوى والخطأ من الناقل.
стр. 212
فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله .
فنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول: إذا تآخر رأيت بنى تميم إلا زيدا.
ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه:
الناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر١
فقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا.
ونظير هذا قول الكميت:
وما لى إلا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مشعب الحق مشعب٢
وتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق.
فصل ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر الجملة وأقلها.
وقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل أنه قول أحمد بن حنبل٣.
стр. 213
وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول الرجل لفلان على ألف إلا تسع مائة وتسعة وتسعين.
والاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك.
ببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب واللسان والمعنى.
أما الكتاب قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢, ٤] وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل ولأن الله تعالى قال فى موضع: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] وقال فى موضع: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فمرة استثنى المخلصين ومرة استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر.
وأما اللسان فقول الشاعر.
أدوا التى نقصت تسعين عن مائة ... ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما
وأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء.
وأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح.
وأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف استثناء.
стр. 214
الأكثر فافترقا.
والذى قالوا: من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم أن عنوا بالفرع أنه لا صحة له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات والأمثال تكثر.
فصل وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم تليها ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء سواء.
مسألة اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس.
فمنعت منهم طائفة من طريق اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب الشافعى.
وهؤلاء جعلوه لغوا.
وقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى.
وقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ١ إذا كان معنى الجنس يتفقان من وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة الدينار.
وهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى ﵀ وهو قول المحققين من الأصحاب.
واحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠, ٣١] قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وتعلق أيضا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] وبقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة: ٢٥, ٢٦] وبقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] .
وتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة:
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالريع من أحد٢
إلا أوارى لأياما أثبتها ... والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد
стр. 215
وقال غيره:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
فاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس.
وحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا.
وأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا: الدليل عليه أن الاستثناء إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا يصح استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء مع المستثنى منه يكون صحتها وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال أن الاستثناء من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون إلا من الجنس.
وأما الذى تعلقوا به أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ولهذا تناوله الأمر بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود.
وأما قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فقد قيل كان من قبيلة من الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى الحقيقة.
وأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه أن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن اللفظ مختلف.
ولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار إلا ثوبا.