← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقيل أنه قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن المنفصل لا يكون استثناء. وأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء. وهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ويستقبح مع انفصاله. ولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة. وأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من الراوى والخطأ من الناقل.

стр. 212

فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله . فنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول: إذا تآخر رأيت بنى تميم إلا زيدا. ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه: الناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر١ فقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا. ونظير هذا قول الكميت: وما لى إلا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مشعب الحق مشعب٢ وتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق. فصل ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر الجملة وأقلها. وقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل أنه قول أحمد بن حنبل٣.

стр. 213

وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول الرجل لفلان على ألف إلا تسع مائة وتسعة وتسعين. والاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك. ببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب واللسان والمعنى. أما الكتاب قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢, ٤] وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل ولأن الله تعالى قال فى موضع: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] وقال فى موضع: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فمرة استثنى المخلصين ومرة استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر. وأما اللسان فقول الشاعر. أدوا التى نقصت تسعين عن مائة ... ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما وأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء. وأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح. وأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف استثناء.

стр. 214

الأكثر فافترقا. والذى قالوا: من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم أن عنوا بالفرع أنه لا صحة له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات والأمثال تكثر. فصل وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم تليها ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء سواء. مسألة اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس. فمنعت منهم طائفة من طريق اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب الشافعى. وهؤلاء جعلوه لغوا. وقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى. وقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ١ إذا كان معنى الجنس يتفقان من وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة الدينار. وهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى ﵀ وهو قول المحققين من الأصحاب. واحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠, ٣١] قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وتعلق أيضا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] وبقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة: ٢٥, ٢٦] وبقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] . وتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة: وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالريع من أحد٢ إلا أوارى لأياما أثبتها ... والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد

стр. 215

وقال غيره: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس. وحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا. وأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا: الدليل عليه أن الاستثناء إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا يصح استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء مع المستثنى منه يكون صحتها وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال أن الاستثناء من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون إلا من الجنس. وأما الذى تعلقوا به أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ولهذا تناوله الأمر بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود. وأما قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فقد قيل كان من قبيلة من الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى الحقيقة. وأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه أن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن اللفظ مختلف. ولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار إلا ثوبا.

стр. 216

فيكون مستثنى بقيمة الدينار أو الثوب١ ولا يصح هذا المذهب إلا إذا صححنا الاستثناء على الوجه الذى قلناه وأما أبو حنيفة فقد ناقض وقال إذا قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا يجوز وكذلك إذا استثنى الحنطة أو الشعير قال ولو استثنى الثوب لا يجوز٢ وهذا تفريق لا يعرف. وقد ذكروا فرقا ذكرناه فى مسائل الخلاف وأبطلناه عليهم. وأما إذا استثنى من زيد وجهه ومن الدار بابها فاختلف الأصحاب أنه استثناء الشىء من جنسه أو من غير جنسه والصحيح أنه من جنسه لأن وجه زيد جزء من زيد مثل الواحد جزء من العشرة وكذلك وجه الدار جزء منها فصار كما ذكرنا والله أعلم. مسألة إذا تعقب الاستثناء جملا قد عطف بعضها على بعض يرجع إلى الجميع. وقال أصحاب أبى حنيفة يرجع إلى ما يليه من الجمل. وقالت الأشعرية هو موقوف على الدليل وقد خبط بعض أصحابنا فى هذه المسألة حتى أداه خبطه إلى العدول عن مذهب الشافعى إلى مذهب الخصم وقال إنما ينعطف الاستثناء على كلام يجتمع فى غرض واحد فأما إذا [اختلفت] ٣ المقاصد فى الجمل وكل جملة منها مستقلة بمعناها لا تعلق لها بما بعد فالاستثناء يرجع إلى ما يليه من الجمل٤ وزعم أن الواو فى مثل هذا الموضع لاسترسال الكلام وحسن بظنه ولا يكون.

стр. 217

للعطف١ ثم زعم إذا قال وقفت على بنى فلان دارى وحبست على بنى فلان ضيعتى وجعلت على خدمى وموالى بهيمتى إلا أن يفسق منهم فاسق ولا يظهر اختصاص الاستثناء فى هذه الصورة بالجملة الأخيرة ولا يظهر أيضا انعطافه على الجمل أيضا فيكون الأمر موقوفا على المراجعة والبيان منه قال والسبب فى هذا أن ميثاق الخطاب فى الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة فى الذكر على معنى أن كل جملة مستقلة بنفسها فيجوز أن يعود الاستثناء إلى ما يليه ويجوز أن يرجع إلى جميع الجمل فوجب التوقف إلى أن يأتى البيان ويقوم الدليل على واحد من الأمرين. وعندى أن الأولى أن يقال أنه إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض ولم يكن فى المذكور إجراما يوجب إضرابا عن الأول وصلح رجوع الاستثناء إلى الكل فإنه يرجع إلى الكل. وممكن أن يعبر عن هذا فيقال إذا لم يكن الثانى خروجا من قصة إلى قصة أخرى لا يليق بالأول ونظير هذا أن نقول اضرب بنى تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلانى وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قصة والآخر قصة أخرى هل أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شىء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب والاستثناء ينصرف إلى ما يليه وعلى هذا قيل أيضا إذا قال أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال منهم ينصرف إلى ما يليه أيضا. وقد ورد القرآن بانصراف الاستثناء إلى جميع المذكور وورد بانصرافه إلى ما يليه.

стр. 218

وورد فيه الخلاف فالأول قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فهذا الاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع. وقال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فهذا يرجع إلى أقرب ما يليه وهو الدية ولا ينصرف إلى التحرير وإنما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ , ٥] فهذا موضع الخلاف وعندنا ينصرف إلى جميع ما تقدم وعندهم ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فأما من قال أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه من الجمل المذكورة فاحتج بوجوه من الكلام. أحدها أن أول الكلام مطلق فله حكم إطلاقه وآخر الكلام مقيدا بالاستثناء فله حكم تقييده وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فقد انصرف هذا التقييد إلى الربائب وبقى الأول على إطلاقه وهذا معنى ما روى عن الصحابة فى هذا أبهموا ما أبهم الله. ببنية: أن أول الكلام لما كان عاما والاستثناء المذكور فى آخر الكلام يحتمل أن ينصرف إلى جميع ما تقدم ويحتمل أن ينصرف إلى ما يليه فلم يجز إبطال صفة العموم عن أول الكلام بالشك وربما يقول: أن أول الكلام عام فمن ادعى تخصيصه فعليه الدليل كسائر العمومات. وحجة أخرى بأن الاستثناء إنما يرد إلى ما تقدم إذا كان لا يستقل بنفسه لأنه إذا لم يستقل بنفسه لم يقدر فوجب تعليقه بما تقدم ليستقل ويفيد. ألا ترى أنه إذا استقل بنفسه لم يعلق بما تقدم. قالوا: وإذا علقناه بالذى يليه فقد استقل وأفاد فلا يعلق بما زاد عليه لأن تعليقه بما زاد على ذلك يجرى مجرى تعليق المستقل بنفسه بغيره لا من ضرورة. دليل آخر لهم قالوا: الاستثناء من الجمل كالاستثناء من الاستثناء وإذا كان الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر فى إثبات استقلاله إلى أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل يكون كذلك. قالوا: وليس هذا كما لو عقب الجمل بشرط حيث يرجع إلى جميع ما تقدم لأن.

стр. 219

الشرط وأن تقدم فهو فى معنى التقدم لوجوب تقدم الشرط على الجزاء والإنسان إذا قال اضرب ربيعة وبنى تميم أن قاموا معناه أن قام بنو تميم وربيعة فاضربهم وليس كذلك الاستثناء الذى اختلفنا فيه لأنه ليس من حقه وجوب تقديمه فلهذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم. قالوا: وكذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى لأن لفظه لفظ الشرط ولأن من حق الاستثناء بمشيئة أن يوقف جميع الجملة. وأما الاستثناء بإلا فيدخل على بعض دون البعض. ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أن شاء الله لم يقع شىء١ ولو قال لامرأته أنت طالق إلا ثلاثا لم يصح٢ وإنما يصح إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو اثنين٣ وقد استدلوا بمسألة وهى أنه لو قال لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه وأن كان يجوز الاستثناء للجنس من غير الجنس على قول بعض. وقد قلتم أن الأصح جواز استثناء الجنس من غير الجنس من حيث المعنى ومع ذلك فى هذه الصورة لم ترد فالاستثناء إلى جميع ما تقدم. وذكروا كلاما يختص بآية الرمى وقالوا: أن الاستثناء لم ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع إلا أنه لم ينصرف إلى الجلد ولو كان من حقه أن ينصرف إلى جميع ما تقدم لانصراف إلى الجلد أيضا. ببينة: أنه إذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم فمن حقه أن ينصرف إلى ما يليه لأنه لا قائل يقول: أنه لا ينصرف إلى ما يليه ولا ينصرف إلى جميع ما تقدم. وأما أبو زيد فقد سلك فى آية القذف مسلكا آخر وزعم أن رد الشهادة حد وقال هو عقوبة مؤلمة مثل الجلد عقوبة مؤلمة وهو معطوف على الجلد ومفوض ذلك إلى الإمام الذى يلى إقامة العقوبات فيكون فى حكمه وإذا كان عقوبة لم يسقط بالتوبة وزعم أن الواو هاهنا للنظم وليس للعطف والتشريك.

стр. 220

وأما دليلنا قال الأصحاب وربما نسبوا إلى الشافعى أن الجملة التى عطف بعضها على بعض بواو العطف تجرى مجرى الجملة الواحدة لأن واو العطف فى الأسماء المختلفة يقوم مقام واو الجمع فى الأسماء المتماثلة ولا فرق عند أهل اللغة بين قولهم أكرم العرب إلا الطوال منهم وبين قولهم أكرم مضر وربيعة وقحطان إلا الطوال منهم وكذلك لا فرق عندهم بين قوله اضرب بنى ربيعة وتميما إلا الطوال وبين قولهم بنو تميم وربيعة اضربوهم إلا الطوال منهم وإذا صار الجميع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكل. قالوا: على هذا أن واو العطف تجرى مجرى واو الجمع فى اشتراك الاسمين فى الحكم مثل قول القائل اضرب فلانا وفلانا أو أكرم فلانا وفلانا. أما من أين قلتم أنه يجرى مجرى واو الجمع فى انصراف الاستثناء إليها هذا مجرد الدعوى ثم نقضوا ذلك بالجملتين المتباينتين وهو قوله أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال وإنما ينصرف الاستثناء إلى بنى تميم خاصة ثم قالوا: فى قوله ربيعة وبنو تميم اضربوهم إلا الطوال منهم إنما انصرف الاستثناء إليها لأن الاستثناء ينفصل بقوله اضربوهم وفيه اسم الفريقين فينصرف الاستثناء إليهما. وأما إذا قال اضرب بنى تميم وربيعة إلا الطوال فلم يتصل الاستثناء باسم فيشمل الفريقين وقالوا: أيضا أن الواو قد تكون للعطف وقد تكون للنظم على ما بينا. ومعلوم أنه إذا قال الرجل أكرموا من يزورنا وقد حبست على أقاربى دارى هذه واشتريت عقارى الذى تعرفونه من بيت فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدى إلا الفاسق منهم فإن الواو فى هذه المواضع يفيد أن يكون للعطف وجعل الجملة بمنزلة الجملة الواحدة فدل أنها للنظم. وقوله إلا الفاسق ينصرف إلى ما يليه. الجواب أنا نقول أن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير بمنزلة الجملة الواحدة إذا لم تكن فى الآخر ما يدل على الإضراب عن الأول لأنه إذا لم يكن إضرابا عن الأول فالإتيان بحرف العطف بين الجملتين والتعقيب بالاستثناء الذى أصل رده إلى الكل يدل على أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول. والدليل على أنه لم يضرب عن الأول بالثانى أنه فى الخطاب أضاف إلى الحكم الأول حكما آخر مبتنيا على السبب الأول وهذا فى آية القذف ظاهر.

стр. 221

ونظيره من الكلام قول القائل ادخل البلد الفلانى وسلم على بنى هاشم واستأمرهم وكذلك يقول: سلم على بنى تميم وربيعة. وبيان أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول إضافته إلى الاسم الأول لمعنى آخر فصار الكلامان من هذا الوجه مع حرف العطف كالجملة الواحدة فينصرف الاستثناء إليها كما ينصرف إلى الجملة. وقولهم أن الواو للنظم قلنا الأصل أن الواو للعطف والتشريك فإذا أمكن استعماله فى هذا لم يستعمل فى غيره. يدل عليه أن صرف الاستثناء إلى بعض المذكور ليس بأولى من البعض بحق الصيغة ألا ترى أن كل واحد من الجملة المتقدمة يصح ذكرها موصولا بالاستثناء فإذا جمع بين الكل فى الذكر وأتبعها بالاستثناء كان ابتدار الاستثناء إلى الكل ابتدارا واحدا يوجب أن ينصرف إلى جميعها انصرافا واحدا وهذا كاللفظ العام إذا ورد وجب إجراؤه على عمومه وسحبه على كل ما يصلح له نظمه لأن بعض المسميات ليس بأولى من البعض إذ الكل يبتدر إلى اللفظ ابتدارا واحدا وهو الذى قلناه هو المعتمد. ومعنى دليل آخر أن الاستثناء فى مسألتنا كالشرط والاستثناء بمشيئة الله فى أنه لا يستقل بنفسه فلما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى جميع ما تقدم فكذلك لفظ الاستثناء فى مسألتنا وهذا إلزام عظيم على الخصم والعذر الذى قالوه فى نهاية الضعف لأنه يقال قولكم أن حق الشرط هو التقدم هلا خصصتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم عليه على الخصوص حتى يكون التقدير فى قوله اضرب بنى تميم وربيعة أن دخلوا الدار اضرب بنى تميم وأن دخل الدار ربيعة فاضربهم. والحرف أنه ينبغى أن يتقدم الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى على الجملة الأخيرة فثبت ما ذكروه من حق التقدم ولا ينصرف إلى جميع الجملة المتقدمة. وأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم أن المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده قلنا ومن يسلم أن الجملة الأولى مطلقة والثانية مقيدة وهذا لأنه ليس واحدة منهما تخالف صاحبتها فى الإطلاق والتقييد بل الجمل كلها فى الصورة مطلقة وفى المعنى مخصوصة بدليل قام عليه. وقوله أن الاستثناء يحتمل أن ينصرف إلى الجميع ويحتمل أن ينصرف إلى الواحد الذى يليه فلا يثبت تخصيص ما يستيقن من الألفاظ المطلقة العامة بالشك قلنا لا عام.

стр. 222

هاهنا لأنا قد بينا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة فلأنه أن كان فى انصرافه إلى الجملة الأولى شك فكذلك فى انصرافه إلى الجملة التى تليه شك أيضا لأنه يحتمل أن ينصرف الاستثناء إلى ما تقدم ذكره ولا ينصرف إلى ما يليه ألا ترى إلى ما روى فى بعض الأخبار أن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" ١ وقوله إلا صدقة الفطر ينصرف إلى الأول. وقال عامة أهل التفسير فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣] أنه استثناء من قوله : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فهذا موضع الاستثناء بقوله إلا قليلا. والجواب المعنوى أنه لاشك فى واحد من الردين سواء رد إلى ما يليه أو إلى ما تقدم بل الموجود فى الكل احتمال الرد إليه وصلاحية الرجوع عليه وهذا القدر كاف فى رد الاستثناء إلى المذكور. فإن قيل كيف تستوى الجملة الأولى والجملة الثانية وفى الجملة الثانية لم يقع فصل بينهما وبين الاستثناء وأما فى الجملة الأولى قد وقع الفصل بينهما وبين الاستثناء بالجملة الثانية ووقوع الفصل مانع من رد الاستثناء إليها. قلنا قد أجبنا عن هذا بقولنا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة ثم نقول بجواز أن يقع فصل بين الكلامين بواو النسق ثم يرد الآخر منهما على الأول دون ما يليه ويعطف عليه بإعرابه ما عداه كقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فمن قرأ بفتح اللام تسبق الأرجل على الوجه وقد قطع بينهما ذكر مسح الرأس وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] فقد فتح النون ورده بعد واو النسق على أول الكلام ثم ينتقض هذا الذى ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله. وأما قولهم أنه إنما يرد الاستثناء إلى ما سبق ليفيد. قلنا ينتقض هذا بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه غير مقيد ولا مستقل بنفسه.

стр. 223

وإنما يفيد إذا علق بما تقدم وقد أفاد بتعليقه بما يليه دفع ذلك رجع إلى جميع ما سبق. وعلى أنا نقول أن هذا الذى قلتم يمنع أن يكون الرجوع إلى الجملة الأولى بحق الإفادة ولا يمنع أن يرجع بدليل آخر يقوم عليه ونحن لا نرده إلى الجملة الأولى للإفادة بل إنما رجع لدليل آخر قام عليه وأما تعلقهم بالاستثناء من الاستثناء قلنا إنما يرجع إليهما لأن العشرة إثبات والاستثناء منها يكون نفيا والاستثناء من النفى يكون إثباتا ولو رجع الاستثناء إليها لكان نفيا وإثباتا وهذا متضاد. فإن قيل قلتم رجع إلى الثانى دون الأول قلنا لما رجع إلى ما يليه وأمكن ذلك وتعذر رجوعه إلى ما سبق للتضاد الواقع فصرناه على ما يليه لأجل القرب اللفظى وأما هاهنا قد أمكن رجوعه إلى كل ما سبق بما بيناه ولا تضاد ولا تنافى فرددناه إلى الجميع. وأما المسألة التى أوردوا من قولهم لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا قلنا يحتمل أن يقال ينصرف إليهما جميعا ويحتمل أن ينصرف إلى الدنانير على الخصوص لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مجاز على ما سبق فإن كان حقيقة معنى فهو مجاز لفظا لكان رده إلى ما يكون اللفظ فيه حقيقة أولى. وأما قولهم فى آية القذف فى أن التوبة لا تنصرف إلى الجلد قد أجبنا عنه فى مسائل الخلاف وكذلك عن طريقة أبى زيد والكلام فى ذلك بالفقه أقرب منه بأصول الفقه فتركنا ذكره والله أعلم.

стр. 224

فصل: تخصيص العموم بالشرط ... فصل: قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء. وأما تخصيص العموم بالشرط١. فهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] وليس.

стр. 225

الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وليس كونهن فى حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب الأحوال١. وإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى صحة الصلاة بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ

стр. 226

يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز الصيام وجعل العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] أوجب إطلاق العموم استغراق ما انطلق عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين أن كانوا حربيين وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية أن كانوا كتابيين صار هذا١ الشرط مخصصا لعموم الأسماء. واعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه أن أكرم زيدا بالأمس فهو قبل وجود الشرط وأن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من إكرام زيد بالأمس فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط. وأما أن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله أن كان زيد قدم فأكرم عمرا فهذا على ضربين. أحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم يتقدمه أمر يختص بالشرط. والضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد الأمر لأنه معقود على ماض وليس معقود على مستقبل. وأما تخصيص العموم بالغاية. فالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [لتوبة: ٢٩] فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف عنهم بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا. وقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى إباحة الإصابة.

стр. 227

والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما. وأما التخصيص بالتقييد. مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وكقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] فلما قيد الرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا المؤمنة ومن الصيام إلا المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة وكل صيام متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا لكل عموم ورد به السمع. ويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر١ وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال إذا قدم زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية.

стр. 228

فصل: ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال . فعند الشافعى ﵀ أن ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال يجرى مجرى العموم فى المقال٢. ومثال ذلك ما روى أن غيلان بن سلمة الثقفى رضى الله عنه أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي ﷺ : "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ٣ ولم يسأله عن كيفية العقد عليهن هل.

стр. 229

عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال واستبراد حال دليلا دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو يوجد العقود متفرقة عليهن فإن قال قائل يجوز أن النبي ﷺ علم كيفية الحال فلهذا لم يسأل وأطلق الجواب وأيضا فإن كان الرسول ﵇ لم يقف على الكيفية فى هذه الحادثة ولا يعرف استبهام الكيفية فى كل حادثة تنقل على هذا الوجه. والجواب المطلق إنما يمكن حمله على العموم إذا كان مبتنيا على استبهام الحادثة. والجواب أن دعوى معرفة النبي ﷺ لكيفية العقود من غيلان بن سلمة وهو رجل من ثفيف ورد عليه ليسلم والتعرف لأمثال هذه المواقعات يبعد من الآحاد من الناس فكيف يلائم حال الرسول ﷺ وهذا غاية البعد. والذى ذكر ثانيا فنحن إنما ندعى العموم فى كل ما يظهر فيه استفهام الحال ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلا على الأحوال كلها وعلى أن وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة فى الأحوال كلها فإن النبي ﷺ قال أمسك أربعا فأجملهن ولم يخصص فى الإمساك أوائل عن أوآخر أو أوآخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم ولذلك قال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختان: " اختر أيهما شئت وفارق الأخرى" ١ فقد علق على اختياره على الإطلاق من غير تعرض لأولى وأخرى.

стр. 230

فصل: ورود صيغة متخصة في وضع اللسان بالنبي ﷺ ... فصل وإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله ﷺ فالذى صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى ﷺ فى موجبه وقد أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا٢ وقال من ذهب إلى هذا إن.

стр. 231

الأصل أن النبي ﷺ وأمته فى الشرائع على التسوية والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع البعض فى الشرع سواء فإن جرى تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل خاص دل عليه وقد روى أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال له فى بعض الأمور إنك لست مثلنا أنه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر فغضب وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره وقال فى آخره: "فمن رغب عن سنتى فليس منى" ١ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فدل أنه ﷺ قدوة الأمة فى كل شىء. وقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين٢ وكذلك قال للبراء بن عازب فى الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك٣ ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة به٤ ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن نقول أن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ارتياب أنه مختص بالرسول ﷺ ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه خصائص الرسول ﵇ كالنكاح والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به ﷺ فهو مخصوص به وعلى هذا ينبغى أن نص بأصحاب النبي ﷺ أنهم اعتقدوه وإنما صرنا إلى هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول ﷺ فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن يكون الأمر على ما قاله.

стр. 232

وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به وقد أمر الله ﷺ تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن وربما يؤدى قطع المشاركة فى الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه فالأولى ما ذكرنا والله أعلم بالصواب. وأما إذا خصص الرسول ﷺ واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير. وأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وأن كنا إذا نظرنا إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا. مسألة: ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد. اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وأن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وأن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى معنى١. وإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى.

стр. 233

كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى المطلق عليه ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف بيانه فى الموضع الآخر١. وأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل المطلق على المقيد. واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود ومنهم من قال من جهة القياس٢. وأما إذا اتفق السبب فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده مثل ما اختلف بالسبب ومنهم من قال يحمل المطلق على المقيد فى هذه الصورة أما دليلهم قالوا: أن المطلق خطاب على حاله والمقيد خطاب على حاله وربما يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد منهما موجب للعمل بنفسه وبصيغته قالوا: وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد فى سببين مختلفين أو سبب واحد يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما يعقل بعضنا من كلام البعض لأن الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم مع البعض ثم الواحد منا لو أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا نحمل المطلق على المقيد بل يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته ألا ترى من قال لامرأته أن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال أن دخلت الدار راكبة فأنت طالق فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير راكبة. وكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء والثانى لا يملك إلا.

стр. 234

إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد فكذلك ما جاء من الشرع يكون كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد المقيد فيكون فى حمل المطلق على المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد وحكمه. وبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى. قالوا: ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولم يحمل على صوم اليمين ولا على صوم الظهار وكذلك عندكم لا يحمل الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة القتل والظهار. قالوا: وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا بالعدالة بدليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والأمر بالتثبت يمنع القبول وكذلك فى زكاة الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله ﵇ لا زكاة فى المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر سورة النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين والوصية بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المطلق عام وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص لأن دعوى العموم باطلة فى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من وجوه منها أن قوله: ﴿رَقَبَةٍ﴾ اسم لرقبة واحدة لأنها نكرة فى الإثبات فتخص ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى يشتمل على مسمى فرد ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك أنه اسما مفردا. ألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا تشتمل عليها اسم الرقبة فإن الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من إقرار بوجه ما وإنما هو.

стр. 235

معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه لم يتصور أن يشتمل عليه اسم الرقبة. قالوا: ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة فلا يجوز دعوى العموم فيها وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة وتخصيص المسمى الواحد محال. قالوا: وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص. وأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد وكذلك قياس التيمم على الوضوء باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة الظهار باطلة فى إثبات الإطعام والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام. ببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد به. ببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر التقييد وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن يكون المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما الإطلاق بينما الآخر.

стр. 236

التقييد يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد أن الآخر مطلق من غير أن يكون بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن يقيد الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص. قالوا: وقول بعضكم أن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به البعض الآخر مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] لا يصح لأن قولهم أن القرآن كالكلمة الواحدة أن أرادوا بذلك أن كله حق ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح. وإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه وهو أما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه. فأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة أن التقييد زيادة فى أحد الخطابين ورد من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف التقييد. فإن قالوا: وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق قلنا لا يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا لصفة التقييد أصلا فإن قوله ﵇: "فى سائمة الغنم زكاة" ١ إذا لم يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب واجب وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من بعد. ونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا اعتبرنا.

стр. 237

المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على المطلق ولا بد من واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف التقييد أعنى السوم أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف. وأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر هذا هو الكلام فى المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من المثالين فى مسألة الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على مذهبهم. وأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة ومثال ذلك فى كفارة القتل وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن يدل على أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] لفظ عام يشتمل على جميع الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن تخصيص العموم بالقياس جائز والدليل على أنه لفظ عام أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] صالح لكل رقبة لأن الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث العرف فهو إذا صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة وإذا صلح لكل الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من حيث البدل على معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ما من رقبة توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو قصدها فيحررها تخرج عن عهدة الأمر فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل الرقاب لا من حيث يدخل جميع الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال الأمر على الرقاب بوصف التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث المعنى أن لم يكن عاما من حيث صورة اللفظ ويمكن أن يقال أنه عام فى الأوصاف لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة. وقولهم أن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه قلنا الأوصاف لا تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم فيها.

стр. 238

ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن يقول: أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول: أعط هذا الدرهم فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه عام لم يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ والذى يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه الجواب عن قولهم أنه اسم فرد فهو وأن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف أو نقول هو وأن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا من قبل بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا الوجه ونزيد ما قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض المسميات من اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ من المسميات. والوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وأن شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت: رأيت زيدا العالم فقد أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم. وإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط قول أن تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون نقصانا ولا يكون زيادة. وقولهم أن اسم الرقبة للبنية بأجزائها قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة وقد قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ولا كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة وعلى أنه يدعى أن الإيمان والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا البنية وادعينا العموم من حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء.

стр. 239

وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف. واعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم رد وكلام عليه والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان لكن يدعى أن الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى قلتم وقد بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة فى النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ وأما المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل لأن الإجماع منع منه. وأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين فإنما لم نحمل المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان أعنى صوم المتعة حيث نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله. والكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا الموضع فقد انتهت المسألة والذى قالوا: أن قياس كفارة الظهار على كفارة القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه فى بعض فصوله والله الموفق للصواب.

стр. 240

القول فى دليل الخطاب القول فى دليل الخطاب ... القول فى دليل الخطاب. وبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ما يتصل به وما قيل فى بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق منهم فى ذلك. اعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب. فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة١ وطريق الأولى مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك آل عمران ٧٥ الآية ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] وعلى هذا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى مما أفاء الله عليك الأحزاب ٥ مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى خردلة ولا يترك من حقه حبة ويقول: لا تقر عين أخيك وأمثال هذا. وقد سمى الشافعى ﵀ هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قال هذا تنبيه على وجوب الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه قالوا: ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر والاستدلال فى العلم بالمدركات وما نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا فإنه يشترك فى هذا العلم العامة والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من الناس وإذا علمه من ليس من أهل النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق النظر والاستدلال ولأنه لو كان معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط فيه غالط أو يشك فيه شاك أو يجوز أن.

стр. 241

يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته وموجبه أو يعدل عن هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل. وحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير مذكور فى خطاب قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] وإنما استدرك علمه وأن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا بالفرع من ناحية أصله. وأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم. ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ولكن اقتله ويقول: لا تضربه ولكن اقتله. وأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ولا يقصد فعل ما دونه. فأما إذا كان قصد المخاطب دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى بأجلى من هذا فى باب القياس. وأما لحن الخطاب١ فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه. وأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ بالنظر فى معناه ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا يتجه له فرق صحيح. والجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام. واعلم أن حقيقة دليل الخطاب أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم بإحدى الصفتين وأن شئت قلت: فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله ﵇: "فى الغنم

стр. 242

السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة" ١ فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ٢ فنصه طهارته إذا بلغ الماء قلتين ودليله نجاسته إذا نقص عن القلتين وكقوله: "فى أربعين شاة شاة" ٣ فنصه وجوبها فى الأربعين ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فنصه مقتضى التثبت فى قول الفاسق ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه. وإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة الاستدلال به فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام ويحتج به وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين. وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية٤ واختلف هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم بالصفة إذا علق الحكم بغاية أو شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن التقييد بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى المنطوق به أصلا. وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية وأن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة٥ وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط٦ وأثبته.

стр. 243

فى المقيد بالغاية. وأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت١. وأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا: فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفى ما عداه لدل عليه أما بصريحه ولفظه وأما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا الصفة إلا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه قالوا: وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى نفى الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر السوم سوى انتفاء الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها أنه قد يكون اللفظ لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه فتذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد عند خشية الإملاق قول الله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ليرفع هذا الإيهام وهذا غرض صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم يثبته على.

стр. 244

الناس فقيد الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى بها وهذا أيضا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] ومنها أن يكون غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف حكم ما عداه بالقياس أو بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم الأجناس الستة فى الربا بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها. وفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل. فأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة عنها لأن العقل يدل على ذلك من حيث أنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل شرعى يدل على استحقاقه. فإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم وذكروا دليلا آخر وقالوا: لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك. دليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال طويل أو قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات فى وصفها للتمييز شأن فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه إذا قيل فى الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها على نفى الحكم المذكور فى الخطاب عما عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها. دليل آخر لهم قالوا: قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض وقالوا: قول.

стр. 245

القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا. دليل آخر قالوا: موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه وقد قلتم فى دليل الخطاب أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى فيكون جمعا بين المتضادين وهذا لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا يجمع بين المتضادين هناك فى المراد فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به أحدهما انتفى الآخر وفى مسألتنا القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى والإثبات وهذا محال. دليل آخر قالوا: الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله: "فى سائمة الغنم زكاة" ١ ويقال للمخاطب فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل الخطاب ثابتا من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب الفهم وما فهم يقبح طلب فهمه واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل الخطاب على فصل وقال لو كان الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب أن لا يعلم إلا سماعا وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات العقول وإنما يوجد بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة توقيف فى هذا الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير دواعينا على طلب الحق منها. قالوا: وأن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ذلك بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو أما أن يكون الوصف المذكور معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم واللقب وأن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم.

стр. 246

على ما كان قبل معرفة العلة قال وكذلك فى الحكم المعلق بالشرط فالشرط يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة كما تقول فى العلة. قال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله ﷺ : "لا زكاة فى الإبل العوامل" ١ وبعضهم روى: "لا زكاة فى الحمولة والعلوفة" ٢ واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا يكون نهيا عن عتق غيره وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد بشرط وبين المقيد بصفة قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود الشرط وإذا وقف عليه انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم عليه الدليل والأصح عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة. وأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكان دليله أن لا شىء لها مع الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات توريث الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ ورث الأخوات مع البنات٣ والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم على القول بدليل الخطاب وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وزعم أن الأخوين لا يردان الأم من الثلث إلى السدس وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى يقوله لا يدل عليه لسان العرب.

стр. 247

ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل الخطاب واستشهد عليه بقوله ﷺ وهو من أفصح من ذب ودرج: "لى الواجد يحل عرضه وعقوبته" ١ قال فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه وعقوبته وكذلك قال فى قوله ﵇: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير من أن يمتلىء شعرا" ٢ وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل اللغة هو ﵀ إنما فسر حديث الرسول ﷺ فى كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ولأن العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين المطلق والمقيد بالاستثناء ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط عمرا القصير وهم يريدون التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول: أن دخله عربى فأعطه درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من حيث اللغة ولسان العرب. فإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وأن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وأن لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها والجواب أن ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ومعلوم من مذاهبهم وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا أدرنا بكذا كذا وبكذا كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله فى لسانها من البيان الذى يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من الناس بلسانها واستدرك مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم وهذا مثل وجوه.

стр. 248

الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا أن لساننا فى الإعراب كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن عرف لسانهم عرف وجوه الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب والتنبيه به على الأعلى مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير وفلان لا تقع الخردلة من كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون أعلى صفات الشىء وأتمها فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه فى حكمه كقولهم الشبع فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى الماء البارد فنعلم أن ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها ونظير هذه الألفاظ قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" ١ لأن الإعتاق أجل ما يصطنعه الناس ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم فى استحقاق الولاء غيرهم وعلى هذا قوله: "فى سائمة الغنم الزكاة" ٢ لما كانت السائمة أعلى جنسها فى توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى استغرقت مؤنتها عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ونسلها فقد وجد من النبي ﷺ التكلم بهذا وأشباهه ليدل على المخالفة وذلك على دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن من الغلبة على القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فدليل الخطاب من لحن القول وبيان اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب وقد قال بعض الشعراء: والحادثات وأن أصابك نوبها ... فهو الذى إياك كيف نعيم فاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة أن كلمة إنما أنها من أن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى فاجتمع المعنيان لها وأن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه. ببينة أنه المعلوم أن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم.

стр. 249

الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من جهتيها فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب وتضمنه لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا. الجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله أنه لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي ﷺ فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله : ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال ﷺ عند ذلك: "والله لأزيدن على السبعين" ١ وفى رواية: "لو علمت أنه يستجاب لى لزدت على السبعين" ٢ فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام إنما خرج على جهة تأييس المنافقين من المغفرة. والجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها فاستعمل ﷺ بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فهذا وجه الاستدلال بالآية وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ندع أن دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال وإنما قلنا بدليل الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان. نعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل أن ما عداه بخلافه وأن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله ﷺ : "فى خمس

стр. 250

من الإبل السائمة شاة" ١ فإن السوم يشعر بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر المنفعة وخفة المؤنة على وجوب الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن المعلوفة بحكم المفهوم وكذلك قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها" وكذلك قوله ﵇: "من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" ٢ ولهذا أمثلة كثيرة. وعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين. أحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم. والثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة المختارة. واستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا: أن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ما هو منطوق به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى. فالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى اللغة وهو من لحن القول على ما سبق. وأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل عليها اللفظ.
следующие страницы →