← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أسقط السكنى بسبب وكانت فاطمة رضى الله عنها تنقل إسقاط السكنى ولا تروى السبب فهذا محل إنكار عمر رضى الله عنه وغيره عليها وعلى لا يقبل رواية الأعرابى لغلبة الجهل عليهم وليس الكلام فى أمثال هذا وأما الكلام فى أصل قبول أخبار الآحاد دليل ثالث هو أنه لا خلاف فى قبول أخبار الآحاد فى باب المعاملات فإن للإنسان أن يدخل دار غيره بإذن الحاجب والبواب وله أن يستبيح ما يقول الرسول إذا قال أهداه لك فلان ووقع فى نفسه صدقه ويأخذ بقول الجمال والخادم وقد تكون الهدية جارية فيستبيح وطأها وقد كان رسول الله ﷺ يرسل أنس بن مالك رضى الله عنه بحوائجه وأموره وهو صبى واتخذ ابن أريقط الليثى دليلا حين توجه إلى المدينة وقد كان كافرا واعتمد على دالته فهذا فى أبواب المعاملات وأيضا فلا خلاف فى قبول شهادة من لا يقع العلم بقوله فإن نهاية ما فى عدد الشهود هو الأربع ولا شك أن هذا الخبر لا يفيد العلم وإنما يفيد غالب الظن وقد تكون الشهادة فى إراقه دم أو إقامة حد أو استباحة فرج وأدناه استحقاق المال فلم يخلفوا فى قول المستفتى قول المفتى وكذلك فى أخذ القرآن عن المعلم وهذه أمور تتعلق بالدين وما ذكرنا من قبل من أمور الدنيا فإذا جاز قبول أخبار الآحاد فى أمور الدين والدنيا فى هذه المواضع فكذلك فى سائر المواضع فإن قيل قد تعلقتم بالأخبار فى المعاملات وقد يقبل فى الأدنى والهدية وما يشبه ذلك قول من يسكن القلب إلى صدقه من صبى أو فاسق بل كافر أنه لا يجوز قبول قول هؤلاء فى أخبار الدين فكيف يحتج بهذا الفعل مع وقوع هذا الفرقان بينهما واعتذر أبو زيد لهم من أخبار الناس فى المعاملات وقال حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها تثبت بإيجابهم وتصرفهم ولهم ضرورة إليها ولا يمكنهم إظهارها وإثباتها بدليل لا يبقى فيه شك وأما الدين فحق الله تعالى والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلا يجوز إثباته فما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة وصفات الله تعالى بالأخبار التى يعنى بها شك أو شبهة. قال وأما الشهادة فالأصل ما قدمنا وإنما تركنا الأصل الذى قد بيناه بكتاب الله تعالى وهو بخلاف القياس وقال بعضهم إنهم يقبلوا أخبار الآحاد فى إثبات شرع أو لشهادة بأن زنى أو قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع أما الأول قلنا موضع الاستدلال من أخبار المعاملات هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع الكذب منه وهو موجود فى الأمرين على ما سبق بيانه فإن كان أحدهما يتساهل فيه ما لا يتساهل فى الآخر وإنما يراعى فى الجمع والفرق موضع النكته التى يتعلق بها الحكم دون ما عداه من الأوصاف.

стр. 352

وإنما وقع التساهل فى باب الإذن والهدية وما صار عنهما من الأمور حتى جاء فيها قبول قول الخادم والقهرمان من العبد والحر والصبى والبالغ والذمى غيرهم لأن الغالب فى العرف الحادى والعادة القائمة أن يتولى هذه الأمور ويتعاهدها الخدم والخول منهم دون علية الناس وأهل المروءة منهم وأما الشهادات فإنما يقوم بها أعيان الناس ويتحملها ذوو الدين والعدالة منهم لما فيها من التوثق للحقوق والاحتياط عليها ولذلك قرأت مصمتة بأوصاف من البلوغ والحرية والعدالة ونحوها وصارت أخبار السنن واسطة بين الأمرين فجاز فيها قول الواحد إذا قوي قوله بوصف العدالة ولا يحتمل أن يكون ذكرا أو أنثى أو عبدا أو مملوكا أو بصيرا أو أعمى وهذا أيضا نوع تساهل فى رواة أخبار السنة والآثار لأنه لو أن فيها جميع أوصاف الشهود لعدمت النقلة وعز وجودهم وصار ذلك سببا لانقطاع العلم ولو جرت فيها المساهلة التى تجرى فى أخبار المعاملات لوجد الفساد والخلل فى أمر الدين وصار لأهل الباطل سبيلا إلى أن يدخلوا فيه ما ليس منه واختلط أهل الحق بالباطل فاقتصر على الواحد ليتسع الطريق إلى النقل وأيد بالعدالة لتنقطع التهيئة عنه وكل من هذه الأمور منزل على منزلة تليق ويرشد إليها وجه المصلحة ويدل عليه الحكمة وأما الذى قاله أبو زيد من العذر لهم فليس بشىء لأنا بينا وجود قبول الواحد فى أمور الدين وقد ذكرنا صورا منها ونزيد فنقول إذا قال الواحد هذا الماء طاهر أو نجس يقبل قوله ويعمل عليه أو يقول: أنا وكيل فلان فى التصرف فى ماله يجوز الشراء منه وإذا قالت المرأة حضت أو طهرت يقبل الرجل قولها فإذا قالت حضت يجب الامتناع من وطئها وإذا قالت طهرت يجوز الإقدام على وطئها وإذا قال هذه خمر أو نبيذ وقال هذه أمتى أبيعها منك أو ابنتى أزوجها منك فإن سلموا هذه الوجوه لا بد من تسليمها لأن مصالح الناس لا تقوم إلا بها فيكون الباقى من الأخبار ملحقا بها هذه الأخبار مرجعها إلى الدين لأن الامتثال بقول المخبر بالحل والحرمة والصهار والنجاسة وهذه أمور لا تثبت من حقوق الناس فى شىء فهذه الدلائل التى ذكرناها دلائل قطعية موجبة للعلم وللأصحاب دلائل كثيرة سوى هذا فرأينا عنها اقتصارا واكتفاء لهذا القدر وقد ذكر أهل الأصول فى بيان أنه يجوز أن يقع انعدام الآحاد من حيث العقل وأن كانت لا تفيد إلا الظن وذلك لأنه ليس بمستبعد ولا مستنتج فى العقل أن يقول الله تعالى إذا غلب على ظنكم صدق الرواى عن فلان فاعملوا بخبره كما أنه خبر مستقبح فى العقل أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره فإذا جاز.

стр. 353

أحدهما جاز الآخر وقد قالوا: أن الشريعة مصالح فلا يمتنع أن يكون قبول قول الواحد إذا غلب على ظننا صدقه والعمل به مصلحة لنا ولهذا يلزم المسافر سلوك طريق وتجنب طريق آخر إذا أخبر الواحد بسلامة أحدهما ووجود المخافة فى الآخر. أما الجواب عن كلماتهم أما تعلقهم بخبر مدعى النبوة وأنه لا يجب علينا قبوله من غير دليل يقوم على صدقه وهو المعجز وأن غلب على ظننا صدقه قلنا نقول ولا أن نقطع بوجوب العمل بخبر الواحد لأن دليلا قطعيا قد قام على وجوب العمل به ومثل هذا لا يوجد فى غير مدعى النبوة لأن الأدلة الشرعية إنما تكون قاطعة فى خبر مدعى النبوة إذا علمنا صدقه لمعجز يقيمه حتى إذا أخبرنا بوجوب العمل علمنا وجوب العمل بخبره وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعى للنبوة مظنونا غير مقطوع به ثم نقول أن الاقتصار على الظن فى صدق مدعى النبوة يؤدى إلى مفسدة عظيمة لأن فى النبوة من الرئاسة العظيمة التى لا يدانيها رئاسة فلأن من إذا قبلنا قوله من غير معجز تعين أن يطلبها كل واحد ويتحرى فى أكثر الناس ظاهر الصدق والعدالة والستر اسم له هذه الرئاسة فيكثر على هذا المدعون للنبوة والوارد بالشرائع المخالفة وفى هذا من المفسدة ما لا يخفى وأما ها هنا فليس للمخبر بالسنة عن النبي ﷺ مثل هذه الرئاسة وأيضا فإن السنن محصورة فى النقل لا يمكن الزيادة عليها فلم يؤد قبول خبر الواحد فيها إلى المفسدة. ببينة أنه أن لزمنا ما ذكروه على قولهم وقولنا أن شهادة الشهود مقبولة وكل عذر لهم فى ذلك فهو عذرنا وأما قولهم أنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع لجاز فى الأصول قلنا قد بينا أن الأخبار التى تلقتها الأمة بالقبول موجبة للعلم قاطعة للعذر وكذلك فى كل حادثة شهدها جماعة وأخبر الواحد منهم ولم ينكر الباقون ذلك فعلى هذه الأخبار الواردة فى صفات الله تعالى وإثبات القدرة وجواز الرؤية وإخراج الموحدين من النار بعد إدخالهم فيها وإثبات الشفاعة وإثبات عذاب القبر وإثبات الحوض والميزان وما أشبه ذلك وإذا اشتهرت وعرفت فى الأمة فأكثرها لا يخرج عن هذين القسمين فتكون موجبة للعلم قاطعة للعذر ويفيد ما ويفيدها الأخبار المتواترة وأما قولهم أنه يجوز التعبد بأخبار الآحاد فى نقل القرآن قلنا هذا جمع بين موضعين بغير علة جامعة ثم نقول فى القرآن المنقول بالآحاد أما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا يظهر فيه الإعجاز فإن ظهر فيه الإعجاز فالإعجاز حجة النبوة ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض فى عصر.

стр. 354

الله ما لا نعلم بل قلنا ما نعلمه ونتيقنه وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قلنا إنما اتبعنا الدليل القاطع الذى يدل على وجوب العمل بخبر الواحد ولم نتبع الظن فإن قيل قد جعلتم للظن حظا فى الاتباع لأنكم لو لم تظنوا صدق الراوى لم تعملوا بالخبر قلنا أن الله تعالى إنما ذم من يتبع الظن فلم يدخل فى ذلك من اتبع الدليل عند الظن فهذا وجه الجواب عن التعلق بهذه الآيات ومن عرف هذا الوجه من الجواب سهل عليه الكلام على ما يوردونه والله أعلم. إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فنذكر بعد هذا ما ينبني عليه ونبتدىء بذكر. أحوال الرواى والشرائط المعتبرة فيه لنقل خبره: فنقول أولا اعلم أن الصحابة رضى الله عنهم عدول وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص وذهب المعتزلة إلى أنه قد كان فى الصحابة قوم فساق١ وقد فسق كثير منهم وهم الذين قاتلوا عليا رضى الله عنه خصوصا معاوية وعمرو وسائر من كانوا من الصحابة وغيرهم مع معاوية رضى الله عنهم وتوفى بعضهم أبو طلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم أجمعين وادعى كثير منهم أنهم فسقوا وتابوا قالوا: وقد علمنا ذلك فى هؤلاء الثلاثة ولم نعلم توبة معاوية ومن معه ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا القول وزعم أن القوم قاتلوا مع على رضى الله عنه بالتأويل فإن الإمام الحق قد قتل وهو عثمان رضى الله عنه وقد كانت قتلته أنصار على وكانوا جميعا معه ومع هذا زعم أن الحق كان مع على لكن لا نفسق أولئك القوم لأجل أنهم كانوا متأولين ولأن عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا فلا يزول عنها إلا بدليل قطعى والدليل على أن السمة كانت عظيمة إذ وجود من بقى من الصحابة اعتزلوا الطائفتين مثل سعد وأسامة وابن مسلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر وغيرهم فالأولى فى هذا حفظ اللسان وتسليم أمرهم إلى الله تعالى وإنما الكلام فيمن وراء الصحابة فنقول:. نشترط فى الراوى أن يكون ثقة عدلا فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه حافظا أن حدث من حفظه٢ ضابطا لكتابه أن حدث من كتابه غير معروف بالتدليس.

стр. 355

وملاك الأمر شيئان صدق اللهجة وجود الضبط لما يرويه ومن كثر غلطه ترك حديثه والعدل قد تعورف استعماله فيمن كان من أهل قبول الشهادة وشرائطه ما عرف فى الفقه وقد قيل أن المشارطة على أخذ الأجرة على التحدث يقدح فى قبول الرواية وقيل أيضا أن الإقدام على المستقبحات مثل الأكل على الطريق وما يشبه ذلك تقدح أيضا فى الرواية وقد اتفقوا أن الفسق فى التعاطى يمنع قبول الرواية لأن من يقدم على الفسق وهو يعتقد أنه فسق لا يؤمن فيه الإقدام على الكذب فى حديثه وأما الفسق من حيث الاعتقاد مثل أهل الأهواء فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين منهم من كفر الصحابة وفسقهم مثل الخوارج وغلاة الرافضة فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول وأما من سلم عليه السلف وكان ثقة فى دينه غير مستحل للكذب على مخالفته بل كان مأمونا عليهم معروفا بالصدق فى روايته جللا فى تعاطيه غير داعية إلى اعتقاده يقبل روايته١ والأصح هو الأول وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد قال حدثنا عمرو بن عبيد وكان صاحب بدعة والفرق بين الفسق فى التعاطى وبين الفسق فى الاعتقاد هو أن الفسق فى أعمال الخوارج إنما يمنع من قبول الحديث لأن فاعله فعله وهو يعلم أنه فسق فقدح ذلك فى الظن بصدق ولم يؤمن أن يقدم على الكذب وأن علم أنه محظور وليس كذلك الفسق فى العقيدة لأنه يؤمن منه الكذب لأن الأمور مشتبهة عليه وهو متحرج فى أفعاله متنزه عن الكذب فيه أن الركن فى قبول الحديث قوة الظن والظن يقوى بصدق من هذا سبيله لمكان نخرجه ببينة أن الصحابة تفرقوا ولم يمنع ذلك من قبول بعضهم رواية البعض وروى التابعون عن الفريقين أيضا وأما الكافر الخارج عن الإسلام فلا تقبل روايته بحال٢ لأن اعتقاده يدعو إلى التحريف فلا يقوى الظن بصدقه وهذا الذى ذكرناه مذهب الفقهاء وعندهم أنه لا يقبل من أهل الأهواء وأنه يقبل رواية الكل كما.

стр. 356

يقبل شهادتهم وقد روى أصحاب الحديث عن قتادة وابن أبى نجيح وعمرو بن عبيد وأضراب هؤلاء فإن كانوا نسبوهم إلى القذف فى كتبهم من يظهر منه العناد والتعنت فلا تقبل روايته وكذلك من يتدين بالكذب فلا تقبل روايته وكذلك المتساهل فى روايته وتارك التحفظ من الزيادة. وقد ذكر بعضهم أن الشرائط فى الراوى لقبول الرواية خمسة: أحدها: البلوغ لأن الصغير لا يقبل قوله فى الدين فى خبر ولا فتيا ولا شهادة لأنه لم يقبل خبره فى حق نفسه فأولى أن لا يقبل فى حق غيره وقد ذكر بعضهم أن رواية الصبى إذا كان مميزا وقع فى ظن المستمع صدقه مقبولة١ والأصح هو الأول لأن المعتمد لنا إجماع الصحابة ولم يرو أن أحدا من الصحابة رجع إلى رواية صبى وحده إذا عرف أنه غير مؤأخذ بالكذب لا يزعه عن أمر لكان وازع. والشرط الثانى: العقل وقد قالوا: أنه لا يجوز الاقتصار على العقل الذى نيط به التكليف بل لا بد أن ينضم إليه شدة التيقظ وكذلك التحفظ وأن كان يفيق يوما ويجن يوما فإن أثر جنونه فى زمان جنونه لم يقبل خبره وأن لم يؤثر يقبل. والشرط الثالث: العدالة فى الدين وهذا لأن الفاسق لا يوثق بخبره كما لا يوثق بشهادته والعدالة مأخوذة من الاعتدال ولا بد من أربع شرائط. أحدها المحافظة على فعل الطاعات واجتناب المعاصى. والثانى أن لا يرتكب الصغائر وما يقدح فى دين أو عرض. والثالث أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الذم. والرابع إلا يعتقد من المذهب ما يرد أصول الشرع مصرح معانيه ووحى وخلا دلائله وقد بينا فى أهل الأهواء ما قاله أهل العدالة الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر وجعلوا العدالة المعتبرة فى الشاهد علة العدالة المعتبرة فى المفتى والعدالة المعتبرة فى المفتى أغلظ من العدالة المعتبرة فى الرواية وتعلقوا بحديث الأعرابى أنه لما شهد عند النبى ﷺ برؤية الهلال قبل شهادته ولم يسأل عن عدالته والصحيح أن ما يعتبر من العدالة فى الشهادة يعتبر فى الرواية يدل أنه أن لم تكن العدالة فى الخبر أغلظ منها فى.

стр. 357

الشهادة فلا يتنفى أن يكون أسهل لأن المخبر ثبت بخبره شرعا يعم إلزامه فكان بتغليظ العدالة أولى قال وأما أهل الأهواء الذين لا يدفع شبهة شهوة تأويلهم نص كتاب ولا سنة ثابتة متواترة شهادتهم مقبولة وقد شدد بعض أصحاب الحديث فى هذا فمنع القبول فيما ذكرنا والأصح ما بينا ونرد خبر من ظهر منه الكذب فما قل أو كثر من أمور الدين وأن كذب فى ضرر أحد وجب إسقاط جميع ما تقدم من حديثه. والشرط الرابع: أن يكون بعيدا من السهو والغلط ضابطا لما يتحمله ويرويه ليكون الناس على ثقة منه وضبطه وقلة غلطه فإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا فيما يعلم أنه غلط فيه وأن كان كثير الغلط رد خبره إلا فيما يعلم أنه لم يغلط فيه وليس من شرط الضبط معرفة أحكام الحديث لأن هذا صفة تزيد على الضبط ولا يمنع جهل الراوى بحكم الحديث قبوله وقد قيل الصدر الأول شهادة الأعراب وأهل البوادى. والشرط الخامس:أن لا يعرف التساهل فيما يرويه وبالتأويل لمذهبه فربما أحال المعنى بتأويله وربما يدين موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه فلم يوثق بخبره ومن انتفت عنه الثقة لم يقبل خبره ولا يرد خبر من قلت: روايته كما لا يرد من قلت: شهادته ولا يرد خبر من لم يعرف بمجالسته العلماء والمحدثين لأنه قد يسمع من حيث لا يعلمون. فأما المدلس فاعلم أن التدليس هو ترك اسم من يروى عنه وطى اسمه وذكر اسم من يروى عنه شيخه وقد ذكر التدليس عن كثير من أئمة الحديث مثل قتادة والأعمش وهشام وشريك وذكر ذلك أيضا عن سفيان بن عيينة وجماعة يجرون مجراه فنقول التدليس من الرواة يجرى على وجهين. أحدهما أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ذلك وإذا استكشف لم يخبر باسم من يروى عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأن التدليس معه تزويد إبهام لما لا حقيقة له وذلك يؤثر فى صدقه وقد قال النبى ﷺ : "المتشبع بما لا يعط كلابس ثوبى زور". والوجه الثانى من التدليس أن يطوى اسم من يروى عنه إلا أنه إذا كشف عنه أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا التدليس لا يسقط الحديث ولا يوجب القدح فى الراوى١ وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه وهذا شىء مشهور عنه وهو غير قادح قال إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان ابن عيينة يوما بحديث فقال عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد فقلت: يا أبا محمد.

стр. 358

أسماعا عن عمرو فقال ابن جريج عن عمرو فقلت: سماعا من ابن جريج فقال لا تفسده أبو عاصم عن ابن جريج فقلت: سماعا من أبى عاصم فقال قد أفسدته بحديثى على ابن المدينى عن أبى عاصم عن ابن جريج عن عمرو فهذا طريق سفيان ومذهبه والشافعى لا يروى عنه من الحديث بما يدخله التدليس وبيان مذهب الشافعى فى هذا الباب أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إذا لم يخبره بالسماع فيقول: سمعت أو حدثنى أو أخبرنى وما أشبهه فأما إذا قال عن فلان وحمل الأمر فى ذلك على السماع لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة إذ هو أسهل عليهم من أن يقول فى كل حديث حديثا والعرف الجارى فى ذلك يقام مقام التصريح وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث وقال الأحاديث المعنعنة متصلة بإجماع أهل النقل إذا لم يكن فيها تدليس١ وذكر حديث عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد الأنصارى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ﷺ قال: "لكل داء دواء فإذا أصاب دواء داء برىء بإذن الله تعالى" ٢ وكذلك ذكر رواية إسرائيل عن عبد الله بن مختار عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "أن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه" ٣ والرواة فى هذين الخبرين عن قولهم يعرفوا بالتدليس فالحديثان متصلان وأن ذكر بطريق العنعنة قال وضد هذا من الخبر ما رواه يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ : "كم مضى من الشهر" قلنا ثنتان وعشرين وبقى ثمان فقال: "مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون" ٤ وهذا الحديث فيه تدليس لأن الأعمش لم يسمعه من أبى صالح. وقد روى محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا خلاد الجحفى حدثنى أبو مسلم عبد الله بن سعيد قائد الأعمش عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة الخبر الذى ذكرناه فإن الأعمش قد دلس فى الرواية الأولى وأظهر من سمع منه فى الرواية الثانية وذكرنا صورة من التدليس ليعرف بعينه وصورته رغم أن أصحاب الحديث.

стр. 359

وأهل الرواية منهم قد ذكروا ستة أنواع من التدليس وقد ذكرها أبو عبد الله الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث١ وذكرها صورا ولم أذكرها كيلا تطول الكتابة وذكرت مكانها حتى أن رغب إنسان فى علم ذلك عرف موضعه وذكر نوعا من ذلك تغير الأسامى بالكنى والكنى بالأسامى لئلا يعرفوا وقد فعله سفيان الثورى وليس هذا مما يوجب القدح فى الحديث وذكر نوعا من ذلك قول المحدث قال فلان ولم يسمع منه وإنما سمع إنسانا تحدث عنه وهو مثل ما قدمنا من قولهم عن فلان قال وقد دلسوا عن قوم مجهولين وعن قوم مجروحين والمتبحر فى علم الحديث يعرف ذلك وهذا باب يطول ذكره إذا وجد سماعا فى كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز له أن يرويه وهذا قول أبى يوسف وعند محمد وأبى حنيفة لا يجوز له أن يرويه حتى يذكر سماعه ولأهل الحديث خلاف فيه وقد اعتبر من منع ذلك بالشهادة وأما من جوز ذلك قال رواية الأخبار محمولة على الظاهر وحسن الظن وقدم فيها ما لم يسامح فى الشهادة ومن الظاهر أنه إذا رأى سماعه بخط من يوثق به أنه قديم فوجب أن يجوز له الرواية وليعلم الحديثى أن الحسن البصرى لم يسمع من أبى هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمرو ولا من ابن عباس رضى الله عنهم شيئا قط وإنما روايته عنهم تدليس والشعبى لم يسمع من عائشة رضى الله عنها ولا من على ولا من ابن مسعود ولا من أسامة ولا من زيد بن ثابت رضى الله عنهم وروايته عن هؤلاء تدليس وليعلم أن الأعمش لم يسمع من أنس وأن قتادة لم يسمع من صحابى سوى أنس وأن عامة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة وأن عامة أحاديث مكحول عن الصحابة حوالة فاعلم أن عامة المحدثين من أهل الحجاز قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلا ما ذكرنا عن ابن عيينة وهو كوفى وفد مكة وصار إمام الدنيا فى الحديث وإنما أكثر التدليس وهو من أهل الكوفة وجماعة من أهل الشام وقد كان خيثمة بن بشير كثير التدليس وهو من أهل واسط وأما أهل بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر فلا يذكر من واحد منهم التدليس إلا الشىء اليسير وقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن أبيه قال التدليس ذل وذكر عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر رجلا ممن كان يدلس فقال فيه قولا سديدا وأنشد فيه: دلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا هذا كله فى التدليس فى الرواية مع الصدق فى المتون.

стр. 360

وقد قال بعض أصحابنا إذا كان الأغلب على الراوى التدليس لا يقبل خبر ما جهلت حاله فى ذلك حتى يعلم أنه غير مدلس وأن كان الأغلب أنه لا يدلس قبلت روايته فيما جهلت حاله حتى يعلم أنه مدلس وأما من يدلس فى المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وأن كان ملحقا بالكذابين ولم يقبل حديثه. وأما تزكية الرواة فقد قال بعضهم لا نقبل إلا شاهدين والذى عليه أكثر الفقهاء المحدثين أنه يثبت عدالة الراوى بتزكية الواحد لأنها تزكية على خبر فكانت كالخبر ويقبل فى هذا تزكية الراوى وتزكية النساء والعبيد كما يقبل روايتهم١. فأما قدح الراوى فلا يقبل إلا من شاهدين وإذا روى العدل عن رجل لم تكن روايته عنه تعديلا وزعم بعض أصحاب الحديث أنه يكون تعديلا وليس بصحيح لأنه يجوز أنه إذا سئل عنه بعدله أو بجرحه قال الشعبى حدثنى الحارث الأعور وكان والله كذابا ولأنه لما لم يكن شهادة شهود الفرع على شهود الأصل تعديلا لهم كذلك رواية الراوى لهم. فإن قيل أيجوز أن يروى عن غير العدل قلنا يجوز فى المشاهير ولا يجوز فى المناكير وأن عمل الراوى بالخبر كان تعديلا للراوى اللهم إلا أن يعمل بموجب الخبر لا لأجل الخبر ويقبل خبر الأعمى والعبد وأن لم تقبل شهادتهما كما يقبل خبر النساء ولا تقبل شهادتهن ونذكر معه هذا الحديث بالمعنى فإنه شىء يرجع إلى الراوى فنقول.

стр. 361

اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز مجاوزة اللفظ ولا يجوز أداء الحديث بالمعنى بحال وهذا مذهب عبد الله بن عمرو وجماعة من التابعين وجماعة من بعدهم واحتج من ذهب إلى هذا بقول ﷺ نضر الله امرءا سمع مقالتى فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قالوا: ومعنى الحديث متعلق بلفظه فإذا تغير اللفظ أثر فى المعنى فكان النبى ﷺ أفصح العرب وأحسنها بيانا وقال أوتيت جوامع الكلم فمن يمكنه أن يأتى بلفظ يوازى لفظه ويتضمن ما يتضمنه من المعنى وعن أبى العباس أحمد بن يحيى يغلب أنه كان يذهب هذا المذهب ويقول: أن عامة الألفاظ التى لها نظائر فى اللغة إذا تحققتها وجدت كل لفظة منها مختصة بشىء لا يشاركها صاحبتها فمن رأى العبارة ببعضها عن البعض لم يسلم من الزيغ عن المراد والذهاب عنه. وأما عامة أهل العلم فرأوا أن الرواية على المعنى جائزة إذا كان الراوى عالما ما يتعين به المعنى وبذلك جرت عادة أكثر السلف والجمهور من الخلف وكذلك اختلفت ألفاظ الحديث وأن كانت القصة واحدة١ وشبهوا ذلك بالشهادات حيث يصح أداؤها بالمعانى ويعتبر اتفاق الشهود فيه وأن اختلفت ألفاظهم ومما يدل على ذلك رواية الصحابة المناهى عن النبى ﷺ مثل نهيه عن بيعتين فى بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزابنة وحبل الحبلى والنجش وبيع حاضر لباد وغير ذلك وكذلك روت الصحابة أن النبى ﷺ قضى باليمين.

стр. 362

على الشاهد١ وقضى بالشفعة فى ما لم يقسم٢ ومعلوم قطعا أن فى هذه الأخبار لم يقصد الرواة ألفاظه ﷺ وإنما حكوا معانى خطابه من غير قصد إلى لفظه بعينه فدل ذلك على جواز النقل عن طريق المعنى دون المحافظة على اللفظ وأما قوله ﷺ فأداها كما سمعها هذا لا يمنع من النقل على المعنى ألا ترى أن الإنسان لا يمنع أن يقول: أديت رسالة فلان إليك كما سمعت وأن كان أداه على المعنى وهذا إذا كان الراوى عالما مميزا يعلم ما يتغير به المعنى ويميز بين اللفظ والمعنى أما إذا لم يمكن كذلك لم يجز له مجاوزة اللفظ وقال بعض أصحابنا كل ما أوجب العلم من ألفاظ الحديث فالمنقول فيه على المعنى ولا مراعاة للفظ فيه وأما الذى يجب العمل به منها ففيه ما لا يجوز الإخلال بلفظ كقوله ﷺ : "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ٣ وكقوله ﷺ : "خمس يقتلن فى الحل والحرم" ٤ وما أشبه ذلك والأصح ما ذكرناه وهو الجواز بكل حال والله أعلم. ونذكر عقب هذا ما يتعلق بقولنا حدثنا وأخبرنا وتقدم أولا ما يتعلق بتحمل الأخبار وسماعها فنقول يتعين صحة التحمل وسماع الخبر صحة التمييز والضبط لما يسمعه حتى يعرف ذلك ويفعله إذا لم يكن بلغ من السن ما يعرف هذا لم يصح سماعه. وقد قدر بعضهم أن بلغ خمس سنين بحديث محمود بن الربيع أنه قال عقلت مجة مجها رسول الله ﷺ فى بئر دارنا وكان لى خمس سنين والأصح أن لا يقدر وقد قال بعض الناس يعتبر أن يكون التابع بالغا وليس هذا بشىء فإن إجماع المسلمين ثابت على قبول ما نقله أحداث الصحابة وأن كانوا سمعوه فى صغرهم مثل ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأصغر منهم الحسن بن على رضى الله عنهم أجمعين. وقد روى عن.

стр. 363

النبى ﷺ ثم نقول للمستمع أربع أحوال بعضها أقوى من البعض أولها أن يسمع من لفظ المحدث والثانى أن يقرأ على المحدث والثالث أن يكاتبه به المحدث والرابع أن يخبر له المحدث والأول أقوى ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ونبين خلاف الناس فى ذلك ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم وهو يحدث وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول بعد هذا ما يتعلق بتحديث المحدث فنقول إذا حدث المحدث من حفظه أو كتابه فلا خلاف للسامع أن يقول: سمعت فلانا يحدث عن فلان وأن شاء قال حدثنا وأن شاء قال أخبرنا فلان وإذا قرىء على المحدث فأقر به فجائز أن يقول: أخبرنا فلان كما يجوز أن يشهد على الإنسان إذا قرأ عليك الصك وقرره به والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وزعم بعض أصحاب الحديث أنه لايجوز فى هذا أن يقول: حدثنا ولا أخبرنا وإنما يقول قرأ على فلان وأنا أسمع ما قرأ به وأما إذا قرىء عليه فلم يعترف فلا يجوز أن يروى عنه وأن علم أنه حديثه وسماعه١ كما أن الإنسان إذا قرأ على الإنسان وقبل حكايته إقراره بدين أوسع أو نحوه فلم يقر به ولم يعترف بصحته فإنه لا يجوز أن يشهد عليه وقد روى عن أنس بن مالك قال بينما نحن جلوس مع النبى ﷺ إذ جاء رجل فقال يا محمد إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجدن فى نفسك فقال: "اسأل ما بدا لك" فقال نشدتك ربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم قال: "اللهم نعم الخبر" ٢ إلى آخره واحتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى بهذا الحديث فى كتاب العلم من الجامع الصحيح فى باب العرض على المحدثين وهو دال على ما قلناه من قبل بأنه إذا قرأ عليه فاعترف به يكون حديثا له وإخبار ويصير كأنه سمع منه وقد قال كثير من المحدثين أن العرض على الراوى سماع قالوا: وصورة العرض أن يكون الراوى حافظا متقنا فقدم المستفيد إليه جزء من حديثه أو أكثر من ذلك فتناوله ويتأمل الراوى حديثه فإذا عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها وهى رواياتى عن شيوخى فحدث بها حتى يجوز أن يحدث بها عنه وينزل هذا منزلة.

стр. 364

السماع١ وقد قال بهذا عكرمة والزهرى وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى وهشام بن عروة ومالك وعبد العزيز الدراوردى فى جماعة آخرين هؤلاء من أهل المدينة ومن أهل مكة مجاهد بن جبر وأبو الزبير محمد بن مسلم ونافع بن عمر الجمحى وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجى فى جماعة ومن أهل الكوفة علقمة والشعبى وأبو بكر بن أبى موسى والنخعى وحبيب بن أبى ثابت ومنصور بن المعتمر وإسرائيل وزهير بن معاوية فى جماعة ومن أهل البصرة قتادة وأبو العالية وحميد الطويل وداود بن أبى هند وكهمش وسعيد بن أبى عروبة وجرير بن حازم فى آخرين ومن أهل الشام ومصر أيضا جماعة وكل أصحاب مالك ذهبوا إلى هذا منهم عبد الرحمن بن أبى القاسم وأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن وهب وعبد الله بن عبد الحكم وقال ابن أبى أويس سئل مالك عن حديثه أسماع هو أم عرض فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وقال مطرف بن عبد الله صحبت مالكا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأتى أشد الآيات على من يقول: لا يجزيه إلا لسماع ويقول: كيف لا يجزيك هذا فى الحديث ويجزيك فى القرآن وأنا أقول لا أدرى ما هذا الذى قاله مالك فى القرآن وكيف يكون العرض على ما قلنا فى التحديث للقرآن وإنما المعروف فى القرآن هو القراءة ولم ير أن فقهاء الإسلام الذين أفتوا فى الحلال والحرام لم يروا العرض سماعا واختلفوا فى القراءة على المحدث هل هو إخبار أم لا٢ فقال الشافعى المطلبى بالحجاز والأوزاعى بالشام والبويطى والمزنى بمصر والنووى وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين بالعراق وعبد الله بن المبارك وإسحاق الحنظلى ويحيى بن يحيى بالمشرق أنه لا يكون العرض سماعا وأما القراءة على المحدث فهو إخبار عند هؤلاء الأئمة والحجة لهم فى ذلك قوله ﷺ : "نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها" ٣.

стр. 365

وقال ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم" ١ قلنا ندب النبى ﷺ إلى سماع قوله وحفظه وأدائه كما سمع دل أن مجرد العرض على ما ذكره لا يكون سماعا والذى عليه أكثر المشاع للحديث أن يقول: فيما يأخذ عن المحدث لفظا ليس معه أحد حدثنى فلان وما يأخذه من المحدث لفظا مع غيره يقول: حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه يقول: أخبرنى فلان وما قرىء على المحدث وهو حاضر يقول: أخبرنا فلان وما عرض على المحدث وأجاز له روايته شفاها يقول: أنبأنى فلان وما كتب إليه المحدث عن فلان ولم يشافهه بالإجازة يقول: كتب إلى فلان وقد قال الشافعى لا تجوز الرواية بالأحاديث على أنه لا يجوز أن يقول: أخبرنا وحدثنا فى العرض الذى قالوه وهو المناولة ولكن يقول: أجاز لى فلان وأنبأنا أجازة أو مناولة والأولى تحرى الصدق فى كل شىء ومجانبة الكذب بما يمكن فهذا جملة ما يقال فى هذا الباب وقد ذكرته بزيادة الشرح لخفاء ذلك على أكثر الفقهاء وغفلتهم عنه واعلم أن الأولى للمحدث أن يروى الخبر بلفظه فإن أراد الرواية بالمعنى ينظر فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لا يجوز له ذلك لأنه لا يؤمن أن يغير الحديث وأن كان يعرف معنى الحديث ينظر فى ذلك فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم يجز أن يؤدى بالمعنى لأنه ربما ينقل بلفظ لا يؤدى مراد النبى ﷺ وأن كان خبرا نصا أو ظاهرا فقد ذكرنا الكلام فى نقله بالمعنى ويجوز أن يؤدى جميع الحديث ويجوز أن يروى بعضه إذا كان له غرض فى ذلك٢ وينبغى لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب وأن كان يحفظه فالأولى أن يرويه من الكتاب وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب فيه سماعه بخطه وهو يذكر سماعه للخبر جاز أن يرويه وأن لم يذكر سماعه فهل يجوز أن يرويه٣ فيه وجهان أحدهما يجوز ويدل عليه قول الشافعى فى الرسالة.

стр. 366

والوجه الثانى أنه لا يجوز وهو الأصح لأنه لا يأمن أن يكون وقف على خطه ولا بد من شيئين فى الرواية من الكتاب أحدهما أن يكون واثقا بكتابه وسواء كان ذلك بخطه أو بغير خطه والثانى أن يكون ذاكرا لوقت سماعه فإن أخل بواحد منهما لم يصح روايته ويقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه بخلاف الشهادة لاشتراك الناس فى السنن والديانات وإذا أسند الراوى حديثه إلى رجل فدفعه المحدث عن نفسه وقال لا أذكره فعند أبى الحسن الكرخى وهو قول جماعة المتكلمين لا تقبل رواية الراوى لأنه الأصل فى الرواية فلا تقبل الرواية إذا أنكرها١ وهذا كشاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع ولأنا إنما نقبل بطريق حسن الظن وإذا أنكر المروى عنه فأين حسن الظن وأما على مذهب الشافعى فلا يقدح هذا فى رواية الراوى لأنه يجوز أنه نسى ما رواه لأن الإنسان قد يحدث الإنسان بحديث فى أمور الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا يذكره إلا بعد زمان طويل وربما لا يذكره أصلا وقد روى ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة خبر القضاء بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل وكان يقول: حدثنى ربيعة عنى وهو ثقة ولم ينكر عليه فصار إجماعا من السلف وفى الشهادة زيادة احتياط لا توجد فى الرواية بدليل اشتراط التحمل هناك بخلاف الرواية هذا إذا قال لا أذكر أو قال نسيت فأما إذا جحد المروى عنه وكذب بالحديث سقط الحديث هكذا قاله الأصحاب وأقول يجوز أن لا يسقط رواية الراوى لأنه قال ما قال بحسب وإن قال ما رويته أصلا فيعارضه قول الراوى أنه سمع منه وكل واحد منهما ثقة ويجوز أن يكون المروى عنه رواه ثم نسبه فلا يسقط رواية الراوى بعد أن يكون ثقة هذا مع التجويز. ونذكر الآن مسائل الخلاف. [فصل] : ٢ اعلم أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به سواء ورد فيما يعم به البلوى أو ورد فيما لا يعم به البلوى وذهب عامة أصحاب الحديث إلى أن خبر الواحد إذا ورد فيما يعم به البلوى لم يجب العمل به وتوقفوا فى خبر المتبايعين بهذا المعنى وكذلك فى إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام وخبر الوضوء من مس الذكر٣ والذى.

стр. 367

تعلقوا به هو أن ما عم به البلوى يكثر السؤال عنه وما يكثر السؤال عنه يكثر بيانه وما يكثر بيانه يكثر نقله فحين قل النقل دل أنه لم يثبت فى الأصل ولهذا لم يقبل قول الرافضة فى دعواهم النص على على رضى الله عنه فى الإمامة لأن فرض الإمامة يعم به بلوى الناس فلو كان هذا النص ثابت لنقل نقلا مستفيضا وحين لم ينقل دل أنه غير ثابت قالوا: ولأن الخبر الذى يفيد العلم لا يقبل حتى ينقل على طريق الاستفاضة لعموم البلوى فى العلم المتعلق بالخبر كذلك الخبر الذى يوجب العمل فإذا عمت البلوى به لا يقبل حتى ينقل من طريق الاستفاضة. وأما الدليل لنا هو أن الدليل المعتمد فى قبول أخبار الآحاد هو إجماع الصحابة وقد دل هذا الدليل على قبول خبر الآحاد أجمع سواء كان فيما يعم به البلوى أو فى غير ما يعم به البلوى. ببينة: أن الصحابة اختلفوا فى الأمور العامة ثم صاروا فيها إلى أخبار الآحاد وهذا مثل اختلافهم فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد صاروا فى ذلك إلى خبر عائشة رضى الله عنها وقد كان قبل ذلك وجوب الماء من الماء ثم إنهم اجتمعوا عند عمر رضى الله عنه فأرسل إلى عائشة رسولا فانصرف الرسول فأخبرهم عنها بأن النبى ﷺ قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فصدوا عن قوليهما قائلين بذلك معتقدين له وقد كان هذا من الأمور التى يعم بها البلوى وسأل عمر الناس عن المجوس وأخذ الجزية منهم فأخبره عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما على ما روينا١ فأخذ بذلك وقد كان هذا من الأمور العامة لأنه حكم على أمة من الأمم وجيل عظيم من أجيال الناس وقال ابن عمر رضى الله عنهما كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج الخبر٢ وهذا أيضا من الأمور العامة وقد كان عمر رضى الله عنه يقول بالتفاضل فى رءوس الأصابع حينا من الدهر حتى روى له أن النبى ﷺ قال فى كتاب عمرو بن حزم فى كل أصبع عشر من الإبل فرجع عن قوله وتحقق الكلام فنقول من لا.

стр. 368

يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى مع اعتقاده أن خبر الواحد يوجب العمل فأما أن لا يقبله لأن الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس فى الشريعة ما يدل على قبوله أو لأنه لو كان صحيحا لأشاعه النبى ﷺ وبين على وجه متواتر نقله ليصل إلى من تعبد بموجبه على ما ذكروا من قبل قالوا: ولو فعل ذلك لقوى الدين والعادة إلى إشاعة نقله وهذه الأقسام كلها باطلة أما الأول فباطل لأنه لو كان فى الشرع نص منع من قبوله لوجدناه مع البحث المستديم فإن قالوا: أليس قد رد عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان. ورد أبو بكر رضى الله عنه خبر معاذ فى الجدة قلنا كان ذلك نوع احتياط وليس أنهما لو لم يأتيا براوى آخر لم يقبلا وعندكم خبر الاثنين أيضا يعم به البلوى وأما الثانى فباطل أيضا لأنا قد قلنا بالدلائل القطعية على قبول أخبار الآحاد من غير تفصيل وتخصيص وأما الثالث فباطل أيضا وهو الحرف الذى ذكرنا فى حجتهم أنه إذا كان الحكم فيما يعم به البلوى يجب فى الحكم إشاعته فنقول على هذا إذ ما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس فى ذلك تكليف ما لا طريق إليه ولو وجب ما ذكروه فيما يعم به البلوى لوجب فيما لا يعم به البلوى أيضا لأنه وأن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس فيجب فى الحكم إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من يعمل به فيصبح فرض عليه فإن قالوا: لا يلزم القول وجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المكلف ذلك الحكم بشرط وصوله إليه وأن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قلنا أن جاز هذا فى الآحاد من الناس جاز فى جماعتهم وعلى أن وجوب الوتر يعم به البلوى ولم يتواتر بوجوبه قال أبو الحسن الكرخى قد تواتر النقل بفعله قلنا هذا لا يعصمكم من المناقضة لأن الفعل يعم به البلوى والوجوب أيضا يعم به البلوى ولم يتواتر به النقل جواب آخر أن الحكم وأن عم به البلوى فليس هو بشىء وقعت واقعته فى الحال لكل أحد فى نفسه وذاته بل غاية ما فى الباب توهم وقوعه وإذا لم يكن إلا محض التوهم فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم لأن حكمه وأن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود فيكفى ذلك لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم وأما مسألة الإمامة قلنا وجود الإمام للإنسان فرض على كل إنسان وواقعته فى الحال لأنه لا بد لكل أحد من إمامة ترجع إليه فلو كان النص الذى ادعوه فى على رضى الله عنه ثابتا وقد شاع النبى ﷺ ذلك فإنهم يدعونه كذلك ويقولون أنه ﷺ أشاع العهد فى الإمامة يوم غدير.

стр. 369

خم ولا يتصور أن يشيع ذلك ثم يجمع الجم الغفير والجماعة العظيمة على كلماته وقد قالوا: أن غدير خم لم يعرف فى العالم وكيف يفعل الرسول ﷺ فى هذا الموضع مثل هذا الفعل وينصب للناس عليا يرجعون إليه ثم يشتبه على الناس موضع ذلك حتى لا يعرف أحد وأما ما تعلقوا به من الخبر الموجب للعلم فقد ذكرنا أنه بأى معنى لا يوجب الخبر الواحد وإذا ما لم يكن الخبر الواحد طريقا إلى إفادة العلم بوجه ما بالمعنى الذى بينا وكان طريقا لإيجاب العمل سقط سؤالهم.

стр. 370

فصل: الخبر إذا صح وثبت من طريق النقل وجب الحكم به وأن كان مخالفا لمعانى أصول سائر الأحكام . وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل وهذا القول بإطلاقه سمح مستقبح عظيم وإنما أجل منزلة تلك عن مثل هذا القول وليس يدرى ثبوت هذا منه وقال أبو الحسين البصرى لا خلاف فى العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف فى العلة المستنبطة قال والقياس لا يخلو أما أن يكون حكمه فى الأصل ثابتا بخبر الواحد أو بنص مقطوع به فإن كان الأصل ثابتا بخبر فلا يجوز أن يكون القياس معارضا لخبر الواحد بل الأخذ بالخبر يكون أولى على قول الكل وأما إذا كان الحكم ثابتا فى الأصل بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس خبر واحد فينبغى أن يكون الناس إنما اختلفوا فى هذا الموضع وأن كان الأصوليون ذكروا الخلاف مطلقا وقال في هذه الصورة التى ذكرها فعند الشافعى أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبى الحسن الكرخى وقال عيسى بن أبان أن كان راوى الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه وجب قبول خبره وترك القياس به وأن كان الراوى خلاف ذلك كان موضع الاجتهاد وذكر أن من الصحابة من رد حديث أبى هريرة بالاجتهاد وحكى عن مالك ما ذكرنا وأما أبو زيد فإنه قال إذا كان الراوى فقيها فيجب قبول خبره الذى رواه وترك القياس به بكل حال وأما إذا كان عدلا ولكن لم يكن فقيها مثل أبى هريرة وعمار وجابر وأنس وأمثال هؤلاء فإذا خالف القياس لم يجب قبول خبره١ واحتج المخالفون فى هذه المسألة أما من قدم القياس قال إن.

стр. 371

القياس أثبت من الخبر لجواز الكذب والخطأ على الراوى ومثل هذا لا يوجد فى القياس فكان القياس مقدما عليه ولأن القياس يخص عموم الكتاب فلأن يترك به خبر الواحد أولى لأن خبر الواحد أصوب من عموم الكتاب وقد قال بعضهم أن القياس لا يحتمل تخصيصا بل لا يجوز تخصيصه وأما الخبر الواحد يحتمل التخصيص وكان غير المحتمل أولى من المحتمل وقد قال أصحاب أبى حنيفة فى تقديم الأصول على الخبر الواحد بأن الأصول مقطوع بها والقياس غير مقطوع به وكان الدليل المقطوع به أولى من الدليل المظنون واحتج من قدم خبر الواحد على القياس بإجماع الصحابة فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا الخبر الواحد وروى أن أبا بكر رضى الله عنه نقض حكما حكم به برأيه بحديث سمعه من بلال وترك عمر رأيه فى الجنين وفى دية الأصابع بالحديث الذى نقل له وكذلك ترك رأيه فى ترك توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك بن سفيان وترك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى سمعه من رافع بن خديج ونقض عمر بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب بالخبر الذى روى له أن الخراج بالضمان وهذا شىء معروف منهم وعن بعض المشاهير من الصحابة لقد كدنا نقضى برأينا وفيه خبر عن رسول الله فإن قيل أليس أن ابن عباس قال لأبى هريرة حين روى عن النبى ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يده" ١ فقال ابن عباس فما تصنع بالمهراس والمهراس حجر عظيم كانوا يجعلون فيه الماء ويتوضئون منه قلنا من قال له أبو هريرة يا ابن أخى إذا حدثتك الحديث فلا تضربن له الأمثال ولأن ابن عباس إنما أخبره عن عجزه عن استعمال الحديث لأنه رد الحديث فسقط السؤال ولأن الخبر الواحد أصل القياس وأن القياس الذى يعارض الخبر أصله الخبر أما المتواتر والآحاد فإن قالوا: نحن إنما نقدم القياس على الخبر الواحد إذا كان القياس قائما على دليل قاطع والجواب أن هذا التفصيل لم يعرف من المخالف فى هذه المسألة إنما هذا.

стр. 372

شىء ذكره أبو الحسين البصرى ولم يعرف له متقدم وعلى أنا بينا أن خبر الواحد فى العمل منزلة الخبر المتواتر لأنه يوجب العمل بدليل مقطوع به فإذا كان الخبر المتواتر فى العمل مقدما على القياس فكذلك الخبر الواحد يكون كذلك أيضا وهذا لأن الخبر إذا ثبت يصير مقتضاه كأنه سمع من النبى ﷺ وإذا صار كذلك لم يكن بد من تقديمه على القياس وهم يقولون على هذا إنما يجرى مجرى ما سمع من النبى ﷺ فى وجوب العمل وكذلك القياس وقد قال بعض أصحابنا أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبى ﷺ بلا واسطة وإثباته بالقياس مستند إلى قوله بواسطة فكان إثباته بالخبر أولى وهم يقولون على هذا أنه وأن كان لا يتأتى الحكم بالخبر هذه المزية فإن لإثبات الحكم بالقياس مزية أخرى وهى استناده إلى أصل معلوم بدليل قطعى قالوا: وكما أن العمل بخبر الواحد مستند إلى أصل معلوم وهو ما دل على وجوب العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس مستند إلى ما دل على العمل بالقياس وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس مفتقر إلى الاجتهاد فى الإمارة فالحكم بالخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد فى أحوال المخبرين فهما متساويان فى هذه الجهة وهذا من أقوى ما يحتج به المخالف غير أن هذا الدليل موجب التعارض بين خبر الواحد والقياس وأن يكون الأمر فى تقديم أحدهما على الآخر مردود إلى القياس والمعتمد لنا هو الدليل من إجماع الصحابة والدليل لا بأس به على حسب ما ذكرناه وأما قولهم أن السهو والغلط له مدخل فى الخبر جواز ذلك كجواز كون الحكم غيره متعلق بالإمارة فى القياس وأن كان الأغلب صدق الراوى وتعلق الحكم بالإمارة وأما قولهم أنه يخص عموم الكتاب بالقياس قلنا إذا خصصنا العموم بالقياس لم نكن تاركين للعموم أصلا بالقياس وليس كذلك فى مسألتنا لأنه يؤدى إلى ترك الخبر أصلا بالقياس وأما قولهم أن الخبر محتمل قابل للتخصيص والقياس بخلاف ذلك قلنا الكلام فى خبر نص يرد ويخالفه القياس وفى هذه الصورة لا احتمال واعلم أنه قد قال بعض الأصوليين ينبغى أن يضاف إلى الاجتهاد إذا تعارض الخبر الواحد والقياس على الأصول المقطوع بها وهذا ليس بصحيح لأنا بينا معتمدنا إجماع الصحابة وعلى أن الترجيح للخبر بالدليل الثانى الذى قد بيناه ويمكن أن يقال أيضا أن دلالة الألفاظ لا تستنبط من غيرها وأما القياس فهو مستنبط من الألفاظ وكانت أقوى فى الدلالة إلى هذا الموضع انتهت هذه المسألة وهى مع مالك بن أنس ومن تابعه أن ثبت وأما الكلام مع أصحاب أبى حنيفة فإنهم قد زعموا أن الخبر.

стр. 373

الواحد مفهوم على القياس وقد نص عليه أبو حنيفة فى كتاب الصوم وغيره ولكنهم زعموا أن الخبر الواحد إذا خالف الأصول لم تقبل وزعموا أن خبر القرعة وخبر المصراة خالف الأصول وكذلك خبر الشاهد واليمين وزعموا أن خبر القهقهة وخبر الوضوء بنبيذ التمر خالف القياس فإنا نقول نعوذ بالله من الطمع الكاذب وأى مخالفة للأصول فى هذه المسائل التى قالوها وهل ورد أصل مقطوع به فى صورة مسألة القرعة أو صورة مسألة المصراة أو صورة مسألة الشاهد واليمين بخلاف مواجب الأخبار الواردة فى هذه المسائل وإنما غاية قولهم أن قياس هذه الحادثة على أمثالها يقتضى أن يكون الحكم كذا وهو أن يكون الحكم على خلاف ما ورد به الخبر هل هذا إلا رد الخبر بمحض القياس ونقول أن الحديث إذا ثبت صار أصلا فى نفسه إلا أنه ربما لا يكون له من حديث المعنى يظهر فى سائر أصول الشرع وعدم النظير لا يبطل حكم الشىء وإنما يبطله عدم الدليل وإنما صارت الأصول أصولا لقيام الدلالة على صحتها وثبوتها فإذا ثبت الخبر صار أصلا مثل سائر الأصول فلو وجب تركه لسائر الأصول لوجب ترك سائر الأصول به فإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر وعلى أنهم قد استعملوا فى مذهبهم من هذا ما أنكروه من مذهبنا وهو قولهم الخبر فى الوضوء بنبيذ التمر وفى إيجاب الوضوء بالقهقهة وأما الذى قالوا: أن ذلك الخبر مخالف للقياس فى هذا مخالف الأصول تمنى باطل لأن دعوى خلاف الأصول فى المسائل التى ذكروها لا يصح إلا من حيث المعنى وهو محض القياس والعجب أنه كيف صار القول واجبا بهذه الأخبار التى ذكروها أعنى فى القهقهة والوضوء بنبيذ التمر وما أشبه ذلك مع ضعف أسانيدها وبطل القول بالأخبار الصحيحة فى مسألة المصراة والشاهد واليمين والعرايا والقرعة وما أشبه ذلك فهل هذا لا تحكم فى الدين واختيار قول غير أولى بأهل العلم وذوى العقول يدل على ما بينا أن أصل الأصول وأقواها هو الكتاب وقد بين الله تعالى ما حرم من النساء وعدده تعديدا ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلم يمتنع علماء السلف والخلف من قبول الخبر فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وأن كان الظاهر أنه مخالف الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فقبلنا نحن الخبر وكذلك أهل العراق فى تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وقبل عمر رضى الله عنه حديث حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وقضى به وقال لو لم ينسخ هذا لقضينا فيه بغيره فقبل الحديث وأن كان مخالفا.

стр. 374

لما غفله من معانى الأصول وذلك المعنى فى الأصول هو أن النبى ﷺ أوجب فى النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فيكون جنينا من الإبل أو يكون ميتا فلا يكون فيه شىء إلا أنه لما بلغه الخبر عن رسول الله ﷺ رآه أصلا فى نفسه فقبله ولم يضرب به سائر الأصول وقبل أيضا خبر الضحاك بن سفيان الكلابى فى توريث المرأة من دية زوجها وقد كان يرى خلاف ذلك تمسكا بظاهر القرآن وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ظاهره يقتضى أنها إنما ترث ما كان ملكه الزوج والزوج لم يملك الدية قط لأنها وجبت بموته وهذه دلائل بينة على خلاف ما قالوه وقد ذكر أبو زيد فى أصوله أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم ويحكى على ما ذكروه وقد قال هم أربعة أقسام أما المشهورون فنحو الخلفاء الراشدين والعبادلة وأما المجهولون فنحو معقل بن يسار وسلمة بن المحنق ووابصة بن معبد وسائر الأعراب الذين لم يعرفوا إلا بما رووا ثم المخبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح فإذا خالف نظر فإن كان الراوى من أهل الفقه والرأى والاجتهاد رد القياس بخبره وأن لم يكن من أهل الفقه والرأى رد خبره بالقياس أما الأول فلأن الخبر أولى فى الجملة من القياس لأن الخبر فى الأصل حجة يقينا وإنما وقع الإسناد فى نقل الناقل والرأى فى أصله إشكال فى حق الإصابة ولأن شبهة الرأى من حيث أنه لعلة لم يبلغ حيث كان الحق وشبهة الراويه من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان فيكون لا بحالة لعارض وكان دون الأول قال وقد اشتهر من الصحابة ترك الرأى بالجهر وذكر بعض ما ذكرنا قال وأما الراوى الذى ليس من أهل الفقه فذكر أنه قد ثبت ثبوتا ظاهرا الرد على أبى هريرة بالقياس وكان هو من المشهورين المعدلين إلا أنه لم يكن فقيها روى أبو هريرة الوضوء عما مسته النار فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالحميم فرد بالقياس ولم يشتغل بالسند وقال أبو هريرة وأن كان قال يا ابن أخ إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال فهو لا يكون فى مقابلة ابن عباس رضى الله عنهم وقد كان عمر رضى الله عنه يستشير فى أحكام الحوادث وكان يقول له: غص يا غواص شنشذة أعرفها من أحزم وهذا مثل تمثل به العرب يشبه الولد بوالده قال وروى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة١ فقرأت عائشة: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقالت عائشة رضى الله عنها فيه إلا تعجبون من هذا وكثرة حديثه عن النبى ﷺ كان النبى ﷺ يحدث حديثا لو عده عاد لأحصاه وقال إبراهيم.

стр. 375

النخعى كانوا يأخذون من حديث أبى هريرة ويدعون قال فدل ما قلناه أن العدل ترد روايته بالقياس إذا لم يكن فقيها لأن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحته ومع ذلك رد حديثه بالقياس لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الحديث بالمعنى فلما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون الراوى نقل بما فقه من المعنى فإذا لم يكن فقيها صار متهما بالغلط لما خالف لفظه معنى القياس الصحيح فالتحق برواية الصبى والمغفل فيرد وأما إذا كان الراوى فقيها لم يتهم وعلم أنه ما نقل ما يخالف القياس إلا عن معرفة صحيحة وهذا لأنه عالم بالرأى وطريقه فلا يظن به تركه إلا بنص محكم قال ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة وحديث العرايا لأنه لم يروهما فقيه وإذا ثبت ما قلنا فى رواية أبى هريرة فمن لم يبلغه فى المنزلة شهرة وصحة بما قلنا إلا أن يكون حديثا عمل به السلف وقد كانوا أهل فقه وتقوى فيدل قبولهم الخبر على علمهم بصحته من طريق آخر. قال وأما المجهول من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين فخبره حجة أن عمل به السلف وكذلك أن سكتوا عن الرد وقد ظهر ذلك الخبر فيما بينهم وأما قبل الظهور فيعمل به أن وافق القياس ولا يعمل به أن خالف القياس لأنه فى الرتبة دون أبى هريرة بكثير وقال محتمل أن يقال أن خبر المشهور الذى ليس بفقيه حجة ما لم يخالف القياس وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذى ظهرت عدالته والذى لم تظهر ليكون رد العدل يعارض تهمة وقبول قول غير العدل يعارض دليل وذكر قول عمر رضى الله عنه فى خبر فاطمة بنت قيس ذكرت ما قاله فى هذا الفصل على اختصار وتركت بعض قوله وهذا الرجل قد بنى كلامه فى هذا الفصل على التصرف فى الصحابة والإبهام ببعض الطعن على طائفة منهم ومن بعضهم بعدم العدالة ووسم طائفة منهم بكونهم مجهولين وهذا الذى قاله جرأة عظيمة ولا أدرى كيف وقع الأغضاء عنه والمدامجة فى حقه فى برار أهل السنة وجميع الصحابة قد عدلهم الله تعالى فى آى كثيرة من كتابه فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ والمراد من الذين اتبعوهم بإحسان من مسلمى الفتح ومن أسلم من أهل البوادى والأعراب وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] الآية.

стр. 376

وكذلك وردت أخبار كثيرة فى فضل الصحابة وقال ﷺ : "لا تذكروا أصحابى إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١ والروايات فى جنس هذا تكثر وأما أبو هريرة رضى الله عنه لقد كان من المهاجرين من علية أصحاب رسول الله ﷺ وفضائله كثيرة وحسب السامع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اللهم حبب عبدك أبا هريرة إلى عبادك المؤمنين" ٢ وقد كان دعا له بالحفظ واستجاب الله تعالى فيه ذلك حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلى ثبت عندنا فى الأحكام ثلاثة ألف حديث روى أبو هريرة رضى الله عنه منها ألف وخمسمائة وقال البخارى روى عنه سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وقد روى جماعة من الصحابة رضى الله عنهم عنه وقد كان ابن عباس رضى الله عنه يأخذ الحديث عنه وعن أمثاله لأنه كان صبيا فى عهد النبى ﷺ وخبر الوضوء مما مست النار٣ منسوخ وقول ابن عباس ما قاله كان من طريق بينه أنه منسوخ وأما عائشة رضى الله عنها فإنها كانت تنكر عليه سرده الحديث سردا وما كانت تتهمه بالكذب ومعاذ الله أن يظن ذلك بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ وقد كان الزبير وجماعة ينكرون كثرة الرواية عن النبى ﷺ مخافة السهو والغلط وقد ورد أن عمر رضى الله عنه حبس ابن مسعود وجماعة لكثرتهم الرواية عن النبى ﷺ وقيل أنه طعن وتوفى وهم فى حبسه ثم أطلقوا وقولهم أن أبا هريرة رضى الله عنه لم يكن فقيها قلنا لا بل كان فقيها ولم يعدم شيئا من آلات الاجتهاد وقد كان يفتى فى زمان الصحابة رضى الله عنهم وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وعلى أنه أن لم يكن من المعروفين بالفقه فقد كان معروفا بالضبط والحفظ والتقوى ولم يقل أحد من الأئمة أن الفقه فى الراوى شرطا.

стр. 377

لقبول روايته. ببينة: أنه لما لم يشترط فى الشهادة مع أن الاحتياط فيها أكثر والاستقصاء فيها أشد فكيف يعتبر فى الرواية وقد جرى فيها من المساهلة ما لم يجر فى الشهادة. وقولهم إنهم كانوا ينقلون بالمعنى قلنا وكيف يخفى معنى الحديث على مثل أبى هريرة ودونه وقد كانت الأخبار جاءت بلسانهم التى عرفوها وعرفوا عليها فعله باللسان يمنع من اشتباه المعنى وعدالته وتقواه دافع لتهمة المزيد والنقصان عليه وأن قال يجوز أن يغلط فهذا أمر مثله موجود فى الفقيه وغير الفقيه وموجود فى الشهادات ومع ذلك لم يلتفت إليه فدل ما ذكرناه أن ما قاله هذا الرجل باطل. وعندى أن من قال أن خبر الواحد على الجملة لا يقدم على القياس أعذر ممن قال مثل هذه المقالة التى مرجعها إلى التصرف فى الصحابة وتطريق الناس للطعن عليهم والغمز فيهم ونسأل الله تعالى العصمة من مثل هذه المقالة الوحشة والعجب أنه يذكر فى أبى هريرة رضى الله عنه ما يذكر وقد نص صاحبهم أنه ترك القياس فيما إذا أفطر ناسيا وراوى ذلك الخبر أبو هريرة رضى الله عنه فقد خالف صاحبه والذى يعتنى كل هذا الاعتناء للذب عن مذهبه وأما حديث عمر رضى الله عنه فى فاطمة بنت قيس فالمراد بذلك فى السكنى وقد ذكرنا فى الخلافيات الفروع والله أعلم. مسألة: لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب. وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجب عرضه على الكتاب١ فإن لم يكن فى الكتاب ما يدل على خلافه قبل وإلا فيرد وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين. وقال أبو زيد فى أصوله خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة العرض على كتاب الله ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفة ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهى السنة التى ثبتت بطريق الاستفاضة ثم العرض على الحادثة فإن كانت الحادثة مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذا كان ذلك زيافة فيه وكذلك أن كان حكم الحادثة بما اختلفت بين السلف اختلافا ظاهرا ولم ينقل عنهم المحاججة بالحديث كان عدم الحجاج زيافة فيه وقال أما الأول فكما روى عن النبى ﷺ قال: "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وأن كان.

стр. 378

مائة شرط" ١ أى كان حكمه بخلاف ما فى كتاب الله وروى عن النبى ﷺ أنه قال: "إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه"٢ وأن كتاب الله تعالى ثابت بيننا وغير الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة وكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به قال وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على المجاز وهذا لأن العام عندنا بوجوب العلم بعمومه يقينا كالخاص ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة قال وأن كان معنى المتن لا شبهة فيه يعنى به الخبر لواحد وفى متن الكتاب شبهة لاحتماله الخصوص وكان متن الكتاب بقوة بثبوته أولى من ترجيح غير الواحد بقوة ثبوته لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولى ثم إذا استويا فى جهة المعنى وجه قولهم فى هذا أن خبر الواحد يقتضى الظن وعموم الكتاب يقتضى القطع ولا يجوز العدول عما يقتضى القطع إلى ما يقتضى الظن واستدلوا أيضا بالنسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد كذلك تخصيصه أيضا لا يجوز لأن كل واحد منهما عدول إلى مظنون غير معلوم وكذلك السنة الثابتة بالتواتر والاستفاضة أو الإجماع لأن هذه الأشياء فى إفادة العلم بمنزلة الكتاب. قال أبو زيد ففى هذا الانتقال علم كثير وصيانة للدين بليغة فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد وقبوله اعتقادا أو عملا بلا عرض له على الكتاب والسنة الثابتة ثم تأويل الكتاب لموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعا وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا فيصير الأساس علما بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد لأن هذا الرجل إنما رد خبر الواحد بشبهة الكذب وتمسك بقياس أو استصحاب حال وأما هذا الآخر جعل خبر الواحد أصلا وعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم به يقينا فكان القول الوسط العدل أن يجعل كتاب الله تعالى أصلا فهو الثابت يقينا وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على.

стр. 379

موافقته ويرد إذا خالفه ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على موافقته ويصار إليه إذا لم يوجد فى الكتاب والسنة وذلك الحكم الثابت بالقياس على خلافه فأما إذا وجد فى الكتاب والسنة على خلافه فيرد وضرب أمثلة لهذا الذى ادعاه منها القضاء بشاهد ويمين. ومنها مسألة الرطب بالتمر فإن الخبر فى الأول ورد مخالفا لكتاب الله تعالى والخبر الثانى ورد مخالفا للسنة المتواترة وهو قوله ﵇ التمر بالتمر مثلا بمثل والفضل ربا١ وذكر فى المسألة الأولى كلامهم المعروف فى مسألة الشاهد واليمين وذكر فى مسألة بيع الرطب بالتمر حرفا زائدا وقال قوله مثلا بمثل للإباحة وقوله والفضل ربا إشارة إلى فضل معتاد المماثلة المذكورة لا محالة وعليه الإجماع وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا لتوهم حدوثه بمعنى طارىء وهو الجفاف وهذا الفضل لا يعتاد المماثلة المبيحة فى الأمثل لأن المماثلة المبيحة فى الأصل هى المماثلة عند العقد وهذا الحديث يقتضى تحريم البيع مع قيام المماثلة فيكون التحريم مع المماثلة خلافا للخبر ولأنه يقتضى ضم مماثلة أخرى إلى المماثلة التى اقتضاها الخبر الأول فيكون إثبات زيادة مماثلة فيقتضى النسخ وذكر خبر فاطمة بنت قيس وقول عمر رضى الله عنه فى ذلك وذكر فى الحادثة التى يعم بها البلوى ما ذكرنا من قبل قال ولهذا لا يقبل قول الواحد فى رؤية هلال رمضان إذا كانت السماء مصحية لأن الناس لما شاركوه فى النظر والمنظر والأعين كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن العادة فأوجب تهمة فى خبره كذلك فى الحادثة التى يعم بها البلوى فقد دفعت الحاجة إلى معرفة حكمها وما كانوا يعملون بالرأى مع النص وكانت عنايتهم فى طلب الحجة أشد من عنايتنا فلو كان النص ثابتا لاشتهر لديهم مثل اشتهار الحادثة وحكمها فلما لم يشتهر أوجب تفرد الواحد بالرؤية تهمة وذكر على هذا الوضوء من مس الذكر ومن حمل الجنازة وخبر الوضوء مما مست النار قال وكذلك الحادثة التى ظهر فيها الخلاف بين السلف ولم تجر المحاجة بالخبر فيدل إعراضهم عن المحاجة بالخبر باطل على عدم ثبوته فإنه لو كان ثابتا مما يحل الإعراض فى المحاجة به ولو وقعت المحاجة به لظهر ولنقل الرجوع عن المخالفة إليه مما هو عادة المتدينين فلما لم يظهر المحاجة بالخبر دل أن الخبر غير ثابت وبيان هذا فى اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى زكاة مال الصبى ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال.

стр. 380

"ابتغوا فى أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة" ١ فإنه لم يرو عنهم المحاجة بهذا الخبر دل أنه غير ثابت وكذلك اختلاف الصحابة فى عدد الطلاق أنها بالرجال أو بالنساء ورويتم أنه ﵇ قال: "الطلاق بالرجال" ٢ ولم يجزم بحاجة فثبت أنه مخترع موضوع هذا آخر ما ذكره أبو زيد وسمى هذا الباب باب الانتقاد للخبر الواحد أما الدليل على صحة ما ذكرنا من أن الخبر إذا ثبت لا يجب عرضه على الكتاب لقبوله وكان تخصيص عموم الكتاب به جائز نقول قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣, ٤] فأخبر الله تعالى أن مصدر الخبر عن الوحى كما أن مصدر الكتاب عن الوحى وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر باتباع سنن الرسول كما أمر باتباع آى كتاب وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه ولم يجز التوقف عنه إلى أن يعرض على الكتاب وهذا لأنه حجة فى نفسه فلا يجب عرضه على حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها وقد قال الشافعى ﵀ لا يجب عرضه على الكتاب لأنه لا يتكامل شرائطه إلا وهو غير مخالف للكتاب فإن قالوا: فما قولكم إذا خالف قلنا أنتم تتوهمون أنه مخالف ولا مخالفة وقد ضربتم أمثلة فى تلك المسائل لا مخالفة بين الكتاب والسنة وقد أجبنا عما قالوه فى مسائل الخلافيات للفروع وخبر القضاء بالشاهد واليمين لا يمسه الكتاب ولا هو يمس الكتاب وكل واحد منهما فى شىء آخر دون صاحبه وكذلك خبر سعد بن أبى وقاص فى بيع الرطب بالتمر لا يخالف الخبر المشهور الوارد فى الربا لأن هذا الخبر الخاص يدل على اعتبار المماثلة فى هذا الموضع الخاص حاله الجفاف أعدل الحالين وإذا بينا المماثلة على حالة الجفاف بين عدم المماثلة عند العقد وقد قررنا ما فى كتاب الاصطلام ذلك وأما الخبر الذى يروون من الأمر بعرض السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث وإنما يروى أبى الأشعث عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن يحيى.

стр. 381

ابن معين أنه قال هذا حديث باطل وضعته الزنادقة ويحيى بن معين أبو زكريا هو علم هذه الأمة فى علم الحديث وتركته الرواة وهو الطود المنيع وهو الذى كان ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ وحين توفى بالمدينة وحمل على نعش النبى ﷺ وكان رجل يمشى قدام الجنازة ويقول: هذا الذى ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ ويحفظ سنته وأخباره والعجب من هذا الرجل أنه جعل هذا الباب باب نقد الأحاديث ومتى سلم له ولأمثاله بنقد الأحاديث وإنما نقد الحديث لا يعرف الرجال وأحوال الرواة ووقفت على كل واحد منهم حتى لا يشذ عنه شىء من أحواله التى يحتاج إليها ويعرف زمانه وتاريخ حياته ووفاته ومن روى هو عنه ومن صحب من الشيوخ وأدركهم ثم يعرف تقواه وتورعه فى نفسه وضبطه لما يرويه ويقظة رواياته وهذه صنعة كبيرة وفن عظيم من العلم وقد قال النبى ﷺ : "لا تنازعوا الأمر أهله" ١ وهذا الرجل أعنى الدبوسى وأن كان قد أعطى حظا من الغوص فى معانى الفقه على طريقة اختارها لنفسه ولكن لم يكن من رجال صنعة الحديث ونقد الرجال وإنما كان غاية أمره الجدال والظفر بطرق من معانى الفقه لو صحت أصوله التى يبنى عليها مذهبه ولكن لم يحتمل الأساس الضعيف من البناء عليه لا جرم لم ينفعه ما أعطى من الذكاء والفهم إلا فى مواضع يسيرة أصاب فيها الحق وأما فى أكثر كلامه وغايته تراه يبنى على قواعد ضعيفة ويستخرج بفضل فطنته معانى لا توافق الأصول ولم يوافقه عليها أحد من سلف أهل العلم ثم يحمل عجبه برأيه على خوضه فى كل شىء فتراه دخالا فى كل من هجوما على كل علم وأن كان لا يحسنه فيهجم ويعتز ولا يشعر أنه يعثر. وقد اتفق أهل الحديث أن نقد الأحاديث مقصور على قدم مخصوصين فما قبلوه فهو المقبول وما ردوه فهو المردود وهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى وأبو زكريا يحيى بن معين البغدادى وأبو الحسن على بن عبد الله المدينى وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلى وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستنانى وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ومثل هذه الطبقة يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى والثورى وابن المبارك وشعبة ووكيع وجماعة يكثر عددهم وذكرهم علماء الأمة فهؤلاء وأشباههم أهل.

стр. 382

نقد الأحاديث وصيارفة الرجال وهم المرجوع إليهم فى هذا الفن وإليهم انتهت رئاسة العلم فى هذا النوع فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وقدر بضاعته من العلم فيطلب الربح على قدره وإنما جرينا الكلام إلى هذا لأنه كان قد ذكر فى كلامه أن فى هذا النقد علما كثيرا وصيانة للدين عن الأهواء والبدع واعلم أن الخطة الفأصلة بيننا وبين كل مخالف أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة ونستخرج ما نستخرج منهما ونبنى ما سواهما عليهما ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا بل نطلب المعانى فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة أخذنا بذلك وحمدنا الله تعالى على ذلك وأن زاغ بنا زائغ ضعفنا عن سواء صراط السنة ورأينا أنفسنا قد ركبت البنيان وبركت الجدد اتهمنا آراءنا فرجعنا بالآية على نفوسنا واعترفنا بالعجز وأمسكنا عنان العقل لئلا يتورط بنا فى المهالك والمهاوى ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف وسلمنا الكتاب والسنة عليها وأعطينا المقادة وطلبنا السلامة وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم. وأما مخالفونا فجعلوا قاعدة مذاهبهم المعقولات والآراء وبنوا الكتاب والسنة وطلبوا التأويلات المستكرهة وركبوا كل صعب وذلول وسلكوا كل وعر وسهل وأطلقوا أعنة عقولهم كل الإطلاق فهجمت بهم كل مهجم وعثرت بهم كل عناء ثم إذا لم يجدوا وجها للتأويل طلبوا رد السنة بكل حيلة يحتالونها ومكيدة يكيدونها ليستقيم وجهة رأيهم ووجهة معقولهم فقسموا الأقسام ونوعوا الأنواع وعرضوا الأحاديث عليها فما لم يوافقها ردوها وأساءوا الظن بنقلتها ورموهم بما نزههم الله تعالى عنه وهذا الذى نحن فيه وهو التوقف عن قبوله السنة إلى أن يعرض الكتاب والأصول أحد تلك الأقسام على ما قاله هذا الرجل ولسنا نخصه بهذه الآية بل هو متبع فى هذا الأمر ناسج على منوال ثابت قبله سالك سبيلا وطيت له ولأمثاله فإن عيسى بن أبان البصرى هو المخترع لهذا ولذلك نقل عنه التصرف فى الرواة من الصحابة رضى الله عنهم فإنه قال أن كان الراوى متساهلا فى الرواية لم يقدم خبره على القياس مثل أبى هريرة وذويه وقد باء ذلك الرجل بوبال نصب هذه الأخبار وخبر هذه المهواة وبسط هذه الشبكة وطرح هذا الشوك فى طريق الإسلام وهذا أن كان فيه ما فيه لكن العلة فى أمر الفروع أسهل والشرع فيه أصح وإنما الشأن فيما يرجع إلى العقائد فى أصول التوحيد وصفات البارى عز اسمه وأمر القضاء والقدر وعند ذلك يأتى ما يضم السمع والعمى والبصر ولكل

стр. 383

مرتبة وعن كل مسألة والله تعالى أعدل وهو أحكم من أن يعلم ضعفنا وقصور رأينا وقلة أفهامنا ثم تخلينا وعقولنا أو يجعل ذلك أصل دينه وقاعدة سبيله ونسأل الله تعالى العصمة فهو المستعان ومنه التأييد والتوفيق بمنه رجعنا إلى ما كنا فيه. أما الخبر الذى رووه من الأمر بعرض السنة على الكتاب فقد ذكرنا الكلام عليه وأما الذى ذكروه من قوله ﷺ : "كل شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل وأن كان مائة شرط" فالمراد من كتاب الله هو حكم الله تعالى وتقدس وعندنا كل شرط لم يحكم الله تعالى بصحته فى كتاب أو سنة فهو باطل. وقولهم: أن الكتاب يقين والسنة فيها شبهة. قلنا الخبر فى العمل يقين أيضا وقد بينا فى كتاب الانتصار أن عرض القوم ليس هو عرض السنة على الأصول فإنا بحمد الله تعالى لم نجد خبرا صحيحا يخالف الكتاب بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان وأن عرض سؤال سائل فى كتاب أو خبر فقد أجاب عنه علماء السنة وقد ذكر ذلك الشىء فى كتاب مختلف الحديث وأجاب عنه وذكر غيره أيضا ولكن غرض القوم ومرماهم رد السنة وطى الأحاديث جملة وقد قال أبو حنيفة ما جاءنا عن الله تعالى وعن رسوله فعلى الرأس والعين وهذا قول ثابت عنه وهذا لفظ منصف معترف للانقياد للكتاب والسنة وهو ينفى ما زعموه من التوقف إلى أن يعرض على الكتاب وقد روى ابن عيينة عن سالم أبى النضر عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندرى ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" ١ فبين ﷺ أن الترفه والنعمة وترك طلب العلم مجملة على هذا المقال فإن الاتكاء على الأريكة شأن المترفين والمنعمين وقد قال الله تعالى فى صفة أهل النار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وأما مسألة ورود الخبر فيما يعم به البلوى وقد ذكرنا من قبل فلا يفيد وقد بينا وجود المناقضة فى ذلك ودللنا على فساد ما قالوه بما فيه الغنية وأما ترك احتجاج الصحابة بالخبر فليس فيه دليل على ما قالوه لأنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم بلوغ الخبر أياهم وعلى أن غرضه من ذلك الخبر الذى ذكرناه فى مسألة زكاة الصبى وليس الخبر بذلك الأحكام الذى يقتنع وأما الذى نسب إلينا من روايتنا عن رسول الله ﷺ .

стр. 384

"الطلاق بالرجال والعدة بالنساء" ١ فنحن لا نثبت هذا الخبر وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة فهو جائز عندنا لإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" ٢ وما روى أن النبى ﷺ قال: "لا يرث قاتل" ٣ أو لفظ هذا معناه. فإن قالوا: أن فاطمة رضى الله عنها قد طلبت الميراث ولم تقبل هذا التخصيص. قلنا إنما طلبت التحلى لا الميراث وخصوا قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] بقوله ﵇ لا يتوارث أهل ملتين حتى قالوا: لا يرث الزوج من المرأة النصرانية ولا المرأة النصرانية من زوجها وخصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بما روى عن النبى ﷺ أنه قال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها٤ وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بخبر أبى سعيد فى منع بيع الدرهم بالدرهمين وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بخبر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فى المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٥ والمجوس مشركون وقد خصوا وأمثال هذا تكثر. فإن قالوا: أليس أن عمر رضى الله عنه قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة٦. قلنا يجوز أن يكون معناه لا ندع كتاب ربنا نسخا وهذا لأنه لا يقال لما خص من القرآن أنه ترك القرآن إنما يقال لمن ادعى النسخ وهذا لأن التخصيص مجراه فى الآية العامة والخبر العام مجرى البيان على ما سبق ذكره وخرج النسخ على هذه الآية تغير الحكم ورفعه.

стр. 385

وأما قولهم أن خبر الواحد يفيد الظن والكتاب يقتضى القطع قلنا نحن نعمل بخبر الواحد بطريق قطعى مفيد الحكم فهو مثل دليل الكتاب فى العمل قالوا: أليس إنا نعلم قطعا ويقينا أن الله تعالى قال وحكم بما يتضمنه الكتاب وفى خبر الواحد نظر أن النبى ﷺ قال ولا نعلمه والجواب أما نظن أن النبى ﷺ قال الذى قال فى خبر الواحد وقام لنا الدليل القطعى على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك وكل هذا علم لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوى ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل فما ظنناه فثبت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب. فإن قالوا: بما رجحتم حكم الخبر الواحد على ما يقتضيه الكتاب من العموم. قلنا بإجماع الصحابة على ما سبق وهو المعتمد والله أعلم. واعلم أنه إذا ثبت الخبر فخلاف الصحابى إياه لا يوجب رده وترك العمل به لأن الخبر حجة على كافة الأمة والصحابى محجوج به كغيره١ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا وارد من غير تخصيص لبعض الأمة دون البعض وقد روينا عن الصحابة أنهم تركوا اجتهادهم وما صاروا إليه بقول الصحابة وأما بغير الصحابى أولى هذا إذا احتمل الخبر وجهين مثل ما فعله عمر رضى الله عنه فى خبر المتبايعين وأما تخصيص الصحابى فلا نقبله ما لم يقم الدليل على التخصيص وهو مثل قول ابن عباس فى المرتدة وقد سبق بيان هذا والله أعلم.

стр. 386

فصل: ما يقبل فيه خبر الواحد ... [فصل] ٢ ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد. فنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة٣ حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى إسقاط الحدود ولذلك.

стр. 387

قالوا: فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات وفرقوا بين ابتداء النصب وبين توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال أنه لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه لأن إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين الحدود والنصب وغيرهما وقولهم أن الحدود تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول الشهادة وأما عذرهم عن الشهادة فليس بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت العلم بخبر الواحد وهذا المعنى موجود فى الشهادة وقولهم أن العمل بالشهادة وجب بدليل موجب للعلم قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم أنه لم ينقل عن الصحابة صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى منه وقول من قال أن وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول مخالف لقول عامة الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد قبلتم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة أهل الذمة فإن قالوا: قد أجمعوا أن النبى ﷺ رجم اليهوديين بشهادة اليهود وفعله ﷺ موجب للعلم قلنا ومن قال أن انعقد الإجماع على ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود شهدوا بطريق شاذ فسقط ما.

стр. 388

قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر الواحد فإن قالوا: لا فمحال لأنه حق من حقوق الآدميين فثبت كسائر حقوقهم. ببينة: أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر الواحد وأن قالوا: يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال أن الخبر الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا: لا يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا قد بيناه من قبل. ويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة١ وعلى مذهب أبى حنيفة أن كانت السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم٢ واستدلوا بما ذكرنا لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من الشرائع فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب اختلاف القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى إبراز ذلك فى هذا الموضع وأما الذين يقولون أن الناس لما ساووا هذا الواحد فى النظر والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد الواحد بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة قلت: وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته أو خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا الواحد من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه الراوى إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى ﷺ فحكمه ما بيناه وأما إذا لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى ﷺ فإن كان مما يجرى مجراه مثل إضافة الفتوى إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما أن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار التى تحتاج إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها من قبل وقد ألحق بعض.

стр. 389

الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع الماء فى الطريق على بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم فى يد المسكين يبيح له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ذلك بسط المائدة بين يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس أمثال هذا على سنن القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا مجرى الأقوال وعلى هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول يوجد من الجانبين لا يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك فعلى وقع على التراضى ولا نقول أنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله أصحاب أبى حنيفة وإنما فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ولم ينقل فى ذلك إنكار من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس فجرى معدولا من سنن القياس. مسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل: فالمسانيد حجة مقبولة. واختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول ﷺ هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى ﵀ إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ويقال أنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه١ واحتج هؤلاء.

стр. 390

الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال المرسل العدل الحديث يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ذكر كذلك يقبل حديثه كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز أن يخبر عن النبى ﷺ شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته مانعته عن إقدامه إلا على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار بذلك إلا بعد أن يخبره عدل عنه حتى أن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب على ظنه أنه قاله. ببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا قالوا: وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف فى الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا وذهب الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح واستدلوا على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة الحديث يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون عدلا إذا اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو.
следующие страницы →