فصل: ما يقبل فيه خبر الواحد
...
[فصل] ٢ ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد.
فنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة٣ حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى إسقاط الحدود ولذلك.
стр. 387
قالوا: فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات وفرقوا بين ابتداء النصب وبين توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال أنه لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه لأن إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين الحدود والنصب وغيرهما وقولهم أن الحدود تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول الشهادة وأما عذرهم عن الشهادة فليس بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت العلم بخبر الواحد وهذا المعنى موجود فى الشهادة وقولهم أن العمل بالشهادة وجب بدليل موجب للعلم قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم أنه لم ينقل عن الصحابة صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى منه وقول من قال أن وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول مخالف لقول عامة الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد قبلتم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة أهل الذمة فإن قالوا: قد أجمعوا أن النبى ﷺ رجم اليهوديين بشهادة اليهود وفعله ﷺ موجب للعلم قلنا ومن قال أن انعقد الإجماع على ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود شهدوا بطريق شاذ فسقط ما.
стр. 388
قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر الواحد فإن قالوا: لا فمحال لأنه حق من حقوق الآدميين فثبت كسائر حقوقهم.
ببينة: أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر الواحد وأن قالوا: يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال أن الخبر الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا: لا يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا قد بيناه من قبل.
ويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة١ وعلى مذهب أبى حنيفة أن كانت السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم٢ واستدلوا بما ذكرنا لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من الشرائع فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب اختلاف القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى إبراز ذلك فى هذا الموضع وأما الذين يقولون أن الناس لما ساووا هذا الواحد فى النظر والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد الواحد بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة قلت: وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته أو خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا الواحد من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه الراوى إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى ﷺ فحكمه ما بيناه وأما إذا لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى ﷺ فإن كان مما يجرى مجراه مثل إضافة الفتوى إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما أن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار التى تحتاج إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها من قبل وقد ألحق بعض.
стр. 389
الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع الماء فى الطريق على بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم فى يد المسكين يبيح له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ذلك بسط المائدة بين يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس أمثال هذا على سنن القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا مجرى الأقوال وعلى هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول يوجد من الجانبين لا يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك فعلى وقع على التراضى ولا نقول أنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله أصحاب أبى حنيفة وإنما فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ولم ينقل فى ذلك إنكار من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس فجرى معدولا من سنن القياس.
مسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل:
فالمسانيد حجة مقبولة.
واختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول ﷺ هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى ﵀ إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ويقال أنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه١ واحتج هؤلاء.
стр. 390
الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال المرسل العدل الحديث يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ذكر كذلك يقبل حديثه كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز أن يخبر عن النبى ﷺ شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته مانعته عن إقدامه إلا على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار بذلك إلا بعد أن يخبره عدل عنه حتى أن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب على ظنه أنه قاله.
ببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا قالوا: وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف فى الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا وذهب الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح واستدلوا على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة الحديث يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون عدلا إذا اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو.
стр. 391
وجب ذكر أعيان ذلك لوجب ذكر أعيان ذلك فى الزمان الطويل مخافة أن يكون منها ما لا يسلم معه عدالة الإنسان وهذا متعزز قطعا قالوا: وأن لزمتم على هذا الشهادة فنقول قضية إطلاق الشهادة على هذا أيضا لكن الدلالة منعت من قبول الشهادة على الشهادة حتى يسمى شهود الأصل وليس يجب إذا منعت الدلالة من ذلك فى الشهادة ما يجب أن يمنع قبل ذلك فى الرواية إلا ترى أنه قد دلت الدلالة أن من شرط الحكم بشهادة الشهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة ولم يجب أن يعتبر مثل ذلك فى الرواية.
ببينة: أنه ما وجب فى الشهادة ذكر شاهد الأصل لم يجب أن يشهد على وجه يجوز إلا يكون سمعه منه وهو أن يقول عن فلان وأما هاهنا فتجوز الرواية مع جواز كونها مرسلا وهو إذا قال الراوى عن فلان ويجوز فى هذا أن يكون سمع منه ويجوز أن يكون سمع من غيره عنه وهذا حجة مبتدأة لهم فى المسألة هينة وهذا لأنا جعلنا إرسال الحديث كأنه ذكر من يروى عنه وعدله وفى الشهادة لا يكتفى بمجرد ذكر شاهد الأصل وقوله هو عدل بل لا بد من تعديل القاضى وفى الرواية يكتفى بما ذكرناه فظهر الفرق بينهما ودليل آخر وهو أنهم ادعوا إجماع الصحابة روى عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به سمعناه من رسول الله ﷺ غير أنا لا نكذب وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما سئل عن ذلك ذكر أن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أخبره وروى ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: "لا ربا إلا فى النسيئة" ١ ثم ذكر أن أسامة روى له ذلك وروى ابن عباس أيضا أن النبى ﷺ ما زال يلبى حتى رمى جمرة العقبة ثم ذكر أن الفضل بن عباس أخبره ذلك.
ببينة: أن أحداث الصحابة الذين كانوا صبيانا فى زمن النبى ﷺ قد أكثروا الرواية عنه ﷺ خصوصا ابن عباس ومعلوم أنهم لم يسمعوا إلا القليل ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك والتفحص عنه والبحث أن هذا الصحابى ممن سمعه فصار ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك وأن قلتم يجوز عندنا فى الصحابة ولا يجوز فى التابعين فهو من التمنى الباطل ولا فرق بين صحابى يرسل وتابعى يرسل خصوصا إذا كان الإرسال من.
стр. 392
وجوه التابعين والطبقة العالية منهم مثل عطاء بن أبى رباح من أهل مكة ومثل سعيد ابن المسيب من أهل المدينة وبعض الفقهاء السبعة ومثل الشعبى والنخعى من أهل الكوفة ومثل الحسن وأبى العالية من أهل البصرة ومثل مكحول من أهل الشام فهؤلاء قد نقل عنهم مراسيل ولا يظن بهم إلا الصدق وقد كان النخعى يقول: إذا قيل لكم حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى روى لى ذلك وإذا قلت: لكم قال لى عبد الله فقد رواه لى غير واحد ولهذا قال بعضهم أن المرسل أقوى من المسند فهذا وجه تعلقهم بهذا الدليل وهو معتمد جدا دليل آخر لهم هذا أن الناس من زمان النبى ﷺ إلى يومنا هذا ما زالوا يردون المراسيل من غير تحاش وامتناع قد ملأوا الكتب منها ولم يروا أن أحد من الأئمة أنكر عليهم ذلك ولم يزل العلماء من سلفهم إلى خلفهم يقولون قال رسول الله ﷺ كذا وقال فلان كذا للواحد فالواحد من الصحابة وهذا إرسال منهم للخبر ولو كان المرسل مردودا لامتنعت الأمة من روايته ولكانوا لا يقرون من فعل ذلك عليه فصار ذلك إجماعا منهم وعرف بما فعلوا أنهم قد سووا بين المرسل والمسند وقد تعلقوا أيضا بما قاله الشافعى رحمة الله عليه فى مراسيل ابن المسيب وغيره فإن قلتم أن مراسيله قد تتبعت فوجدت مسانيد قال فإذا لم تستحسن مسانيده لا مراسليه قال الشافعى أيضا إذا عملت الأمة بالمرسل فإن المرسل مقبولا قال أبو بكر فإذا يكون الإجماع هو المقبول فهل المجموع هو ما ذكرهم وهى دلائل قوم لا بد من صرف العناية إلى إيضاح الجواب عنها خصوصا وقد وجدت بعض من ضعف بكلام أبى بكر الباقلانى وبجعله الإمام والقدوة فى عامة ما ذكره فى أصول الفقه حتى كأنه رضى لنفسه أن يقلده وينصبه إماما لنفسه فى عقائده قد قال أن كان عرض الشافعى عن المراسيل على معنى تقديم المسانيد عليها وقد وجد من كلامه مما يدل على أنه إذا لم يجد أولا المراسيل مع الاقتران بالتعديل عن الإجماع يعمل عليها وبها عندى أن هذا خلاف مذهب الإمام الشافعى وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة مع كل العراقيين الخراسانيين أن على أصله لا تكون المراسيل حجة وهو فيما بين الفقهاء من الفريقين أشهر مسألة من خلافيات الأصول ولا عجب من أبى بكر الباقلانى أن كان يتصل القول بالمراسيل فإنه كان مالكى المذهب ومن مذهب مالك قبول المراسيل فأما من انتصب لذب عن مذهب الشافعى رحمة الله عليه فلا يجوز أن يعدل عن قوله إلى قول من لا يعرف تفسيره فى العلم فإن كان الأمر بالمحاجة على المذهب فالحجة سنبينها ونبين عند ذلك أن هذا القول.
стр. 393
هو الحق وأن رضى إنسان بالتقليد فلا يشك عاقل أن تقليد الشافعى أولى من تقليد المتأخرين الذين يعم بضاعتهم الجدال والله المرشد إلى الصواب والعاصم من الزلل عنه وأما حجة القائلين بقبول المراسيل وهو الصحيح على ما سنبين ونقيم البرهان عليه ونتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ونحن إذا قلنا خبر من لا يعلم حاله فى الصدق والعدالة من حاله فى خلاف ذلك فقد قفونا ما ليس لنا به علم وقلنا على الدين والشرع ما لا نتحققه فإن قيل هذا ينعكس عليكم فإنكم إذا رددتم المراسيل فقد قلتم ما لا علم لكم به وتبعتم ما لا يتحقق به فقد دخلتم فيما نقمتم منا قلنا لا يلزم ما قلتم لأن الأصل أنه لا يلزمنا حكم إلا حجة والحجة لا تثبت إلا من ناحية العلم وعلمنا بصدق المرسل عنه معدوم فنحن متمسكون بهذا الأصل ما لم ينقلنا دليل يصح به الحجة الشرعية فى الخبر والحجة الشرعية إنما تثبت بالخبر عند معرفة صدق الراوى وعدالته فتبين بهذا أنا برد المرسل لم نكن قابلين متبعين لما لا علم لنا به والمعتمد من الدليل أن سكوت الراوى عن تسمية من سمع منه يوهم ضعفه وعدم عدالته فيمتنع به قبول روايته وإنما قلنا ذلك لأنه قد جرت عادة الرواة بإظهار اسم من يروون عنه ليتصل السند إلى النبى ﷺ ولا ينقطع بعض الرواة عن البعض فيذهب روا الخبر وبهاؤه وطلاوته وحلاوته.
ببينة أن رواية الحديث بالإسناد أحد محاسن هذه الأمة وقيل أنه لم يعط هذا غير هذه الأمة ولهذا ما زال سلف هذه الأمة يطلبون الأسانيد وكانوا يسمون الأحاديث التى تعرت عن الأسانيد بترا وعن عتبة بن أبى حكيم قال كنت عند إسحاق بن أبى فروة وعنده الزهرى فجعل إسحاق يقول قال رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ فقال الزهرى قاتلك الله يابن أبى فروة ما أجرأك على الله إلا تسند حديثك تحدثنا بأحاديث ليست لها خطم ولا أزمة وجريان عادة السلف بتسمية من يروون عنه شىء لا ينكره أحد فهذا الراوى حين سكت عن تسمية من روى عنه الخبر ولم يكن مقصوده الاقتصار على ما يعتاده الفقهاء فى الحجاج وإنما كان مقصوده محض الرواية وأداء العلم وتبليغه والائتمار لما أمر به النبى ﷺ من قوله: "نضر الله أمرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها" ١.
стр. 394
فصان سكوته فى هذه الصورة عن تسمية من يروى عنه اتهاما عظيما قادنا ما يقال فى هذا الباب أنه يقال يجوز أن يكون تركه اسمه لثقته بعدالته فاستغنى بها عن تسميته ويجوز أن يكون لجليل علمه منه لم يحب الكشف عنه وإذا احتمل هذا واحتمل الأول يصير كما لو قال حدثنى من لا أعرفه بعدالة ولا تصديقا بل من نظر فى المقدمة التى ذكرناها عرف أن الظاهر من الستر وطى الاسم ما قلناه من الوجه الثانى خصوصا إذا طرد الإرسال طردا ولم يبين من سمع منه الحديث فى شىء من تارات روايته لهذا الحديث فإن سألوا على هذا بما ذكرنا من كلامهم من قبل وهو أنه إنما سكت عنه لثقته بعدالته قالوا: وهذا هو الأولى والأليق بأمر المرسل أنه عمن لا يتهمه بالكذب والراوى ثقة ولا يروى عن ثقة كيف وقد قال النبى ﷺ : "من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" وربما يقولون أن الأصل فى المسلمين العدالة فلا يحمل حال المروى عنه على عدم العدالة إلا بدليل يقوم عليه الجواب إنما نبين أولا قاعدة الإخبار ليتبين الجواب وهو أن الأخبار كلها متضمنة أمور الدين أما العلمية وأما العملية وما كان بهذا السبيل لا يجوز قبوله من كل أحد ولهذا لا تقبل الفتوى من كل أحد ولا بد أن يكون صادرا من أهل الفتوى وكذلك أمر الشهادة وهذا معنى قول ابن سيرين أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه وإذا كان الأمر على هذا السبيل فى الإخبار لم يجز قبولها إلا عن عدل ثم يعتبر أن يكون عدلا عند المروى له لأن الرواية إذا شرع إليه كإلزام يتصل به وهو كالشهادة فإنه يعتبر عدالة الشهود عند الحاكم لأنهم يؤدون إليه الشهادة ولا تثبت عدالته عند المروى له إلا بعد معرفته بعينه فى صفته فإذا لم يعرفه أصلا كيف يحكم بعدالته عنده وقولهم أن روايتهم تعديل للمروى عنه قلنا للعدالة شرائط وأوصاف لا تحصل بمجرد الرواية وأيضا فإن الراوى قد يروى عمن عنده مقبول وعند غيره مجروح فلو قبلنا الرواية عنه من غير كشف عنه لكنا قد قبلناه تقليدا لا علما وأما قولهم أن الأئمة والعلماء لا يروون إلا عن ثقة قلنا هذا مجرد حسن الظن ونحن أيضا نحسن الظن بهم ولكنا مع هذا نجوز عليهم السهو والغلط وهذا سكوت عن اسم المروى عنه أمر محتمل فيجوز أنه سكت عنه لأنه نسى اسمه ويجوز أنه سكت عنه لأنه جهل حاله فلم يحب أن يذكره بجهله بحاله ويجوز أنه سكت عنه لأنه لم يحمد أمره فلم يحب أن يهتك ستره ويكشف حاله ويجوز أنه سكت لما قالوا: وأولى هذه الوجوه أن يكون سكت لضعفه وريبته فى أمره لما بينا أنه قد كان المعتاد منهم ذكر من.
стр. 395
يروى عنه وقد كان يجوز أن يذكر مرة ويترك مرة فأما السكوت عن تسميته فى جميع تارات الرواية فهو موضوع ريبة عظيمة وقد كتبوا حديثا وقديما عمن لم يحمدوا فى الرواية أمره مرة قال الشعبى حدثنى الحارث وكان كذابا وروى شعبة وسفيان عن جابر الجعفى مع ظهور أمره فى الكذب وروى عنه أبو حنيفة وقال ما رأيت أكذب من جابر وروى الشعبى عن إبراهيم بن أبى الحسن وكان قدريا رافضيا ورمى بالكذب أيضا وقد كان جماعة من السلف لشغفهم بالحديث لا يسألون عمن أخذوا وكانوا ينتقدون ويميزون أن سئلوا عن ذلك وقال ابن سيرين حدثوا عمن شئتم إلا عن أبى الحسن وأبى العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا الأحاديث وأرسل الزهرى حديثا ثم سئل فقيل له من حدثك فقال رجل على باب عبد الملك بن مروان وأكثر المراسيل عن الحسن والنخعى وعطاء ومكحول وابن المسيب وسعيد وأبى هلال والشعبى والزهرى فى بعض الأحاديث وقد رووا عامة هؤلاء عن قوم مجاهيل وهذا لا يشكل عن أهل صنعة الحديث فكيف يمكن أن يقال أن المرسل إذا أرسل حديثا فيصير كأنه سمى من روى عنه وعدله والأمر على هذا الوجه وقد قلنا أنه لو جعل هكذا على البعد فيجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ومجروحا عند آخر والمعتبر عدالته عند المروى له فأما إذا صرح فقال حدثنى فلان وهو عدل فالذى ذكرناه يوجب قطع الشبه بين هذه الصورة وبين ما إذا أطلق ولم يذكر وعلى أنا قلنا أن الاعتبار بجانب المروى له فينظر المروى له الحديث فإن سكنت نفسه إلى قوله فقبله وتقوم الحجة عليه وأن لم تسكن نفسه إلى قوله ويجوز أن يكون مجروحا فلا بد من البحث والتفحص فإن قيل قد اعتمدتم فى هذا كله على حرف واحد وهو أن السلف كانوا يروون عمن ليس بثقة وإنه إنما ترك اسمه لقدح عرفه فيه وهو الذى ذكرتم ليس بصحيح لأن من أشكل عمن ليس بثقة وأن كان عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح فى عدالته كما أنه إذا ذكر وقال هو ثقة عندى وعلمنا أنه ليس عنده ثقة وكما أن الغالب أنه لا يزكى غير مزكى كذلك الغالب أنه لا يروى عمن ليس بثقة وأن كان يظن أنه ثقة وليس بثقة وهذا لا يقدح أيضا كما لو قال هو ثقة فإنه تجوز روايته وأن كان يجوز أنه قال عمن ظن أنه ثقة وليس بثقة والجواب أن روايته عمن ليس بثقة لا توجب قدحا فى الراوى لما بينا أنهم كانوا يفعلون وإذا سألوا بينوا وعلى أنا قد ذكرنا عن صاحبهم وعن جماعة من السلف أنهم رووا عن قوم وليسوا بثقات ولم يوجب ذلك قدحا فيهم فيجوز أنهم نقلوا لحسن ظن منهم فى.
стр. 396
ذلك الحديث الواحد أو نقلوا وأرادوا بعد ذلك أن يفتشوا عن حال الراوى عنه وعن حال الحديث أنه رواه غيره ممن يوثق بحديثه أو لا فإذا جازت هذه الوجوه لم يجز أن يجعل روايته قدحا فى الراوى مع علمنا بثقته وعدله وهو دليل استدل به الشافعى رحمة الله عليه والدليل على اعتبار الرواية فنقول أجمعنا على أن الشهادة المرسلة لا تقبل وهو إذا لم يذكر من شهد على شهادته فكذلك الرواية المرسلة ثم وجه التقرير فى إلزام الشهادة وهو أن الشاهدين إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين يخفيان ذكرهما وهما عدلان مثل الرواية سواء ومع ذلك لا يصير تركهما ذكرهما دليلا على تعديلهما بل لا بد من ذكرهما مع الشهادة على شهادتهما كذلك لا بد فى الرواية من ذكر المروى عنه مع الرواية عنه وقد ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الشهادة والرواية ونحن نقول لا ننكر وجود الفرق بين الرواية والشهادة فى مواضع كثيرة ولكن لا فرق بين الموضعين فى شرط العدالة والخلاف فى قبول المراسيل وعدم قبولها راجع إلى العدالة على ما سبق بيانه وقولهم أن فى الشهادة لو شهد على شهادة إنسان وقال هو عدل لم يثبت عدالته وفى الرواية يثبت قلنا لا نسلم فى الرواية على ما سبق ويجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند آخر إلا ترى أن عليا رضى الله عنه لم يقبل رواية من يروى خبر بروع بنت واشق وقبله ابن مسعود وهذا لأن العدالة تعرف بالاجتهاد والناس يختلفون فى الاجتهاد وقال أبو عبد الله البصرى أن القياس يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة فلم يجز قياس المراسيل على ذلك لأنه لا يجوز القياس على المخصوص من القياس ويجاب عن هذا فيقال لا نسلم أن قبول الشهادة على الشهادة بخلاف قياس الأصول ولا نسلم أنه لا يجوز القياس على المخصوص بالقياس وسنبين هذا وعلى أنا نقيس المرسل على الشهادة فى المنع لا فى الجواز فلم يكن هذا قياسا من الوجه الذى يمنع منه القياس فإن قالوا: أن الحاكم فى الشهادة يحكم بشهادة شهود الأصل فلهذا وجب ذكرهم قلنا والحكم بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فوجب ذكره وقال بعضهم فى الفرق بين الموضعين أن شهود الفرع فى كلا شهود الأصل لأنه لا يجوز أن يشهدوا على شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى يحملوهم الشهادة كما لا يجوز للوكيل التصرف إلا بعد أن يوكله الموكل فلهذا اشترط ذكر شاهد الأصل كما اشترط ذكر الموكل ونحن نقول هذا الفرق غير مؤثر لأنا جمعنا بين الرواية والشهادة فى العلة التى ذكرها المخالف فى المراسيل وهى أن عدالة الراوى.
стр. 397
تقتضى إنما أرسل الحديث إلا وهو على غاية الثقة بعدالة من روى عنه وهذه العلة موجودة قائمة فى الشهادة على ما بيناه.
دليل ثالث وهو أنه لو جاز العمل بالمراسيل وجعلت كالمسانيد لم يكن لذكر أسماء الرواة فى الأخبار وفحص الأئمة عن عدالتهم معنى لأن الإرسال سهل والحوالة فى العدالة على ما ذكروه أمر هين فإذا حصل المراد من هذا الوجه فلأى معنى وجب تحمل المشقة وذكر أسماء الرواة ومعناه الفحص عن عدالتهم وهل هذا إلا تحمل متاعب ومشاق أغنى الله العباد عنها فيكونون قد شددوا على أنفسهم فيما سهله الله عليهم فيعتبرون بمنزلة بنى إسرائيل فى أمر الله تعالى إياهم بذبح البقرة وإلحاحهم فى طلب أوصافها وكان ينبغى أن يقتصروا ويقولوا قال رسول الله ﷺ وبلغنا عن رسول الله ﷺ ويتورعوا ويترفهوا وقد لقوا المؤنة وطرح عنهم التعب وقد ذم الشرع من دخل فى أمر لا يعنيه فكيف بمن دخل فى أمثال هذا.
فإن قيل لطلب اسم الراوى معنى صحيح من وجهين أحدهما أنه إذا ذكر المحدث اسم من روى عنه أمكن السامع أن يتفحص عن عدالته فيكون ظنه بعدالته فى هذه الصورة أقوى من ظنه بعدالته عند إرسال المراسيل لأن طمأنينة الإنسان إلى فحصه وبحثه أكثر من طمأنينته إلى خبر غيره والثانى هو أن الراوى للحديث قد نسبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على جرحه وتزكيته فيذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره.
الجواب أما الأول قلنا فقد تبين أن إرساله غير مغنى عن طلب العدالة وعلى أنا قد ذكرنا أن الاجتهاد والاجتهاد قد يختلف فلا بد من ذكره لتوهم اختلاف الاجتهاد فى جرحه وتعديله وأما قوله يذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره ويكون قد اشتبه علينا قلنا قد جرت عادتهم بذكر أسماء الرواة على الإطلاق وجرت عادة طلب الحديث بطلب ذكرهم وجرت العادة بالبحث عن عدالة الرواة وإذا عرف هذا من حالهم سقط السؤال الذى قالوه والاعتماد على الدليل الأول من حيث التحقيق وعلى الثانى من حيث التعلق بالحكم والدليل الثالث لإيضاح الكلام والاستبيان به أما الجواب عن كلامهم الأول فقد دخل جوابه فيما ذكرناه.
والحرف الوجيز أن روايته عنه إنما تدل على عدالته إذا لم يتوهم فى السكوت عنه غير هذا فأما إذا توهمنا غيره فلا وأما إذا قال هو عدل فقد قيل هذا الإطلاق لا يقبل وأن قلنا يقبل على ظاهر المذهب فيقول: فلان عدل لا يحتمل غير ما وضع له اللفظ.
стр. 398
وأما السكوت عن اسم الراوى يحتمل ما قالوا: ويحتمل غيره وأما قولهم أنه تقبل الرواية بالعنعنة قلنا نحن لا نقبل إلا أن تعلمه أو يغلب على الظن أنه غير مرسل وهو أن يقول: حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو يقول عن فلان ويكون قد أطال صحبته لأن ذلك أمارة تدل على أنه سمعه منه فأما بغير هذا فلا يقبل حديثه وأما مراسيل الصحابة قلنا جميع الصحابة عدول وليس لنا الاجتهاد فى تعديلهم وقد عدلهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] وقال ﵇: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ١ وأما من بعدهم فإن موضع الاجتهاد فى تعديلهم باق فلم يجز العمل إلا بخبر من علمنا عدالته منهم أما تعلقهم بمراسيل ابن المسيب قلنا أما نقل هذا عن الشافعى فى كتبه القديمة ولم يرد بذلك تخصيص ابن المسيب دون غيره ممن مذهبه مذهب ابن المسيب فى ذلك لكن ظهر للشافعى من مذهب ابن المسيب أنه لا يرسل حديثا ليس له أصل فى المتصل ولم يظهر له مثل هذا فى غيره فإن عرف مثل هذا فى مراسيل عطاء والحسن والنخعى ومكحول فتكون مرسلاتهم مثل مرسلات ابن المسيب.
واعلم أن الشافعى إنما رد المرسل من الحديث لدخول التهمة فيه فإن اقترن بالمرسل ما يزيل التهمة فإنه يقبله وذلك أن وافق مرسله مسند غيره من الرواة ومثل أن يتلقى الأئمة المرسل بالقبول ويعملوا به فيكون قبولهم وعملهم مزيلا للتهمة وكذلك أن انتشر فى الناس ولا يظهر له منكر وحكى بعضهم أن من جملة ما يقوى به المرسل فيصير حجة أن يشترك فى إرساله عدلان ثقتان من أهل العلم أو أكثر فيقوى حال المرسل ويكون المرسل موافقا للقياس أو يكون المرسل كثير التحرز شديد التحفظ مشهور الرجال بالرضى كالذى قاله الشافعى فى القديم فى ابن المسيب رحمة الله عليهما فقال مرسل ابن المسيب خمس فى تحريم بيع اللحم بالحيوان وقد قال بعض أصحابنا أن مرسل ابن المسيب لا يكون حجة أيضا مع ما قاله الشافعى رحمة الله عليه كما لا يكون مرسل غيره حجة إنما قول الشافعى فى ابن المسيب يدل على أن إرساله يكون ترجيحا للدليل الموجب للحكم لا أنه يكون موجبا للحكم واعلم أن ما حكيناه أولا من موافقة مرسل المرسل مسند غيره أو تلقى الأئمة إياه بالقبول أو انتشار المرسل فى الأمة من غير منكر أسباب مخيلة فى قبل المرسل إلا أن الحجة تكون فى المسند أو تكون فى.
стр. 399
إجماع الناس على العمل بالحكم الذى تضمنه المرسل فأما البواقى التى ذكروها فعندى أنه ليس فى شىء من ذلك دليل على قبول المرسل فالأولى هو الإعراض عنها والاقتصار على ما قلناه والله أعلم هذا الذى ذكرناه حكم المرسل.
فأما المنقطع فقال بعضهم أن المرسل والمنقطع معنى واحد ومنهم من فرق بينهما١.
وقال المرسل ما ذكرناه والمنقطع هو أن يكون بين الروايتين رجل لم يذكر فمن منع من قبول المراسيل كان من قبول هذا أمنع ومن جوز قبول المراسيل اختلفوا فى المنقطع الذى ذكرناه فقبله بعضهم كالمرسل ومنع منه بعضهم وأن عمل بالمرسل والفرق صعب جدا لمن يرون الفرق اللهم إلا أن يقول: أن الإرسال على الوجه الذى قلناه معتاد متعارف وهو من حسب المتعارف دليل على تعديل من روى عنه فى الصورة التى بيناها ببينة أن الإخلال يذكر هذا الراوى الواحد مع ذكر الراوى قبله دليل على ضعفه وقال أصحاب الحديث مرسل ومنقطع ومعضل فالمرسل ما ذكرنا والمنقطع أن يسقط واحد من الوسط والمعضل أن يسقط أكثر من واحد واعلم أن الثقة إذا روى عن المجهول لم تدل روايته عنه على عدالته ومن أصحابنا من قال يدل ذلك على عدالته ومن ذهب إلى هذا أن هذا المجهول لو كان غير ثقة لبين العدل ذلك فى روايته حتى لا يغتر بروايته وحين لم يبين العدل ذلك دل أن روايته تعديل له والأصح أنه لا يدل على تعديله لأن شهادة شاهد الفرع لا تدل على تعديل شاهد الأصل فكذلك الرواية لأنا بينا أنهم كانوا يروون عن غير الثقة فلا تدل الرواية على التعديل وهذه المسألة فيما إذا سمى من روى عنه إلا أنه مجهول الحال فأما إذا لم يسمه فقد بينا من قبل وأما إذا أسند الرواة الحديث وأرسله غيره فلا شبهة أن من يقبل المراسيل فهو يقبل هذا وأما من لا يقبل المراسيل فينبغى فى هذا الموضع أن يقبل رواية من يسند الخبر لأن عدالة المسند تقتضى قبول الخبر وليس فى إرسال من يرسله ما يقتضى أن لا يقبل إسناد من يسنده لأنه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا ومن أسنده سمعه مسندا فليس يقدح إرسال من يرسله فى إسناد الآخر ويحتمل أيضا أن هذا المرسل سمع الحديث مسندا إلا أنه نسى من يروى عنه وعلم ثقته فى الجملة فأرسله لهذا المعنى وأما إذا أرسله فى وقت وقد أسنده فى وقت فإن إرساله لا يمنع أيضا من كونه مسندا لأن إرساله يجوز أن يكون لما بيناه فلا يقدح ذلك فى إسناده وأما إذا وصل الراوى الحديث بالنبى ﷺ مرة وجعله موقوفا على بعض الصحابة فإنه يكون أيضا متصلا بالنبى ﷺ .
стр. 400
لجواز أن يكون سمعه من الصحابى تارة يذكره عن نفسه على طريق الفتوى وتارة يذكره عن النبى ﷺ وليس فى الأول ما يقدح عن الثانى وحين وصلنا إلى هذا الموضع نذكر شروط صحة الإسناد إلى النبى ﷺ أنا بينا من قبل تنوع الأخبار وانقسامها إلى مسند ومرسل وقد بينا المرسل.
فأما المسند فهو الخبر المتصل بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث النقل١ واتصاله معتبر بثلاثة شروط.
أحدها أن يرويه ناقل عن ناقل حتى ينتهى إلى صحابى يصله بالنبى ﷺ فإن اختل اتصال النقل فى وسط أو طرف بطل الاتصال.
والثانى أن يسمى كل واحد من ناقلى الحديث بما هو مشهور به مما سمى به وسمى به عن غيره حتى لا يقع التدليس فى اسمه فيمكن الكشف عن حاله فإن لم يسمه وقال أخبرنى الثقة أو من لا أتهمه لم يكن حجة فى النقل وقبول الرواية فإن قيل أليس أن الشافعى ذكر مثل هذا فى أحاديث رواها قيل له بلى ذكر الشافعى مثل ما قلتم ولكن قد اشتهر من عناه فقالوا: أراد بمن يثق به إبراهيم بن إسماعيل وبمن لا يتهمه يحيى بن حسان فصارت الكناية كالتسمية وقيل أن الشافعى قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله فى حق نفسه أن يعمل بما يثق بصحته وأن لم يكن له فى حق غيره.
الشرط الثالث وهو أن يكون كل واحد من جماعة الرواة على الصفة التى تقبل خبره من الضبط والعدالة فإن اختلت هذه الصفة فى حق أحدهم وكملت فيمن سواه رد الخبر ويعتبر فى حق كل واحد من الرواة أن يكون معلوم الاسم والنسب معلوم الصفة من العدالة فإن اختل شىء من ذلك اختلت الرواية عند اجتماع الشرائط التى ذكرنا يكون الخبر مسندا.
فإن قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا يكون مسندا ويكون حجة وقال أبو بكر الصيرفى لا يكون مسندا ولا يكون حجة وهو قول الكرخى من أصحابى أبى حنيفة وقد ذكرنا طرفا من هذا من قبل فهم يقولون قد تطلق السنة ويراد بها سنة النبى ﷺ وقد تطلق السنة ويراد بها غيره والدليل عليه أن عليا رضى الله عنه قال فى جلد شارب الخمر جلد النبى ﷺ أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه.
стр. 401
أربعين وجلد عمر رضى الله عنه أربعين وكل سنة١ فقد أطلق السنة على ما فعله عمر رضى الله عنه كما أطلق على ما فعله الرسول ﷺ وفى الخبر: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ٢ وقال ﵇: "من سن سنة" ٣ وأما دليلنا فنقول قول الصحابى فى الأمر والنهى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا مطلقا يرجع إلى النبى ﷺ لأن الأصل أنه الأمر فى الشرائع خصوصا إذا كان الصحابى قال هذا القول للنبى ﷺ وعلى هذا قول أنس رضى الله عنه أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ولهذا لو قال الصحابى رخص لنا أن نفعل كذا ينصرف إلى النبى ﷺ بالاتفاق فكذلك قول الصحابى من السنة كذا فمطلق السنة منصرف إلى النبى ﷺ ولهذا يقال كتاب الله تعالى وسنة النبى ﷺ وإذا قيل الكتاب والسنة وإنما يفهم من السنة سنة النبى ﷺ ولأن السنة هى الطريقة المتبعة لأهل الدين والطريقة المتبعة لأهل الدين هى المشروعة فى الدين والمشروع فى الدين إنما يكون من الله تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا يدل عليه أن من التزم طاعته وبين فإذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فإنه يفهم منه من يلتزم طاعته ولا يتعدى أمره إلا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال فى دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان أمر ونهى عما ذكروه وأيضا فإن غرض الصحابى من هذا القول أن يعلمنا الشرع أو يفيدنا الحكم صحب كمال ذلك عمن يصدر الشرع منه دون الأئمة والولاة لأن أمرهم غير مؤثر فى الشرع وهذا راجع إلى الدليل الذى قدمناه فيكون تقريرا له وأما قول على رضى الله عنه فالمراد بالسنة سنة النبى ﷺ لأن الزيادة على الأربعين مفعولة عندنا تعزيرا والتعزير من سنة النبى ﷺ وأما قوله ﷺ : "سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"٤ فتلك السنة.
стр. 402
المذكورة فى الخبر سنة مقيدة والكلام فى السنة المقيدة.
وإذا قال الصحابى كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ فهو بمنزلة المسند إلى رسول الله ﷺ وقال بعض أصحاب أبى حنيفة لا يكون بمنزلة المسند وعلى هذا الخلاف إذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا على عهد النبى ﷺ وذهب من قال أنه لا يكون مسندا إلى أنهم كانوا يفعلون شيئا ولا يسندون ذلك إلى رسول الله ﷺ إلا ترى أنهم لما اختلفوا فى "الماء من الماء" ومن التقاء الختانين وزعم بعضهم أنهم كانوا يفعلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ يعنى أنهم لا يغتسلون إلا من الماء١ قال عمر رضى الله عنه أو علمه رسول الله ﷺ فأقركم على ذلك قالوا: لا قال فلا إذا وإنما نحن نقول أن الظاهر من أمر الصحابة أنهم كانوا لا يقدمون على شىء من أمور الدين والنبى ﷺ بين أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم كنا نفعل كذا فى زمان النبى ﷺ بمنزلة المسند لهذا الظاهر والظاهر حجة ولأن الصحابة إنما تضيف مثل هذا القول إلى زمان النبى ﷺ لفائدة وهو أن يبين أن النبى ﷺ علم ذلك ولم ينكره ولا فائدة لهذه الإضافة سوى هذا ولو عرف هذا كان هذا القول بمنزلة الخبر المسند كذلك هاهنا وأن شئت عبرت عن هذا فقلت: إذا قال الصحابى كنا نفعل كذا فالظاهر منه أنه قصد بهذا الكلام أن يعلمنا حكما ويفيدنا شرعا ولن يكون كذلك إلا إذا كانوا يفعلونه على عهد رسول الله ﷺ على وجه يظهر له ذلك ولا ينكره وأما الذى ذكروه من اختلاف الصحابة فى الماء من الماء أو من التقاء الختانين فقد كان لا يجب الغسل بالتقاء الختانين فى ابتداء الإسلام ثم نسخ وأوجب به فلما نسخ لم يعلم بعضهم بالنسخ واستمر على ما كان عليه من قبل وقال الاستمرار والاستدامة يجوز أن يخفى أمره فأما الإقدام على ابتداء النهى فلا يفعل ذلك إلا عن إذن النبى ﷺ .
وأما إذا قال الصحابى قولا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه لا يجعل ذلك مسندا إلى النبى ﷺ وقد قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه يجعل بمنزلة المسند.
وحرفهم فيما ذهبوا إليه هو أن حسن الظن بالصحابة واجب فإذا قال قولا يحسن الظن أنه لم ينقله جزافا وإنما قاله عن طريق فإذا لم يكن للاجتهاد فيه مجال فليس إلا أنه سمعه من النبى ﷺ ونحن نقول أن إثبات الإسناد بهذا لا يمكن لأنهم لم يكونوا.
стр. 403
يكتمون الأخبار ولا كان ذلك من عادتهم وبعد أن يقول الصحابى قولا ويستمر الزمان به ولقوله حجة من قول النبى ﷺ ولا ينكر.
ببينة: أنه كان من عادتهم الرواية عن النبى ﷺ فيما يعين به من الحوادث إلا ترى أن الأخبار التى ذكرناها من قبل فإنهم رووها عن وقوع الحوادث فلما كانوا يظهرون الأحاديث ويروونها لأقوال غيرهم فكيف كانوا يكتمونها وهى حجة لأقوالهم أما قولهم أن حسن الظن بهم واجب قلنا نعم يجب علينا إحسان الظن بهم ويجب علينا أيضا أن لا نضيف إلى رسول الله ﷺ قولا وفعلا إلا عن تثبت ولا ثبت فى هذا الخبر الذى تظنون ثبوته وعلى أنهم لم يكونوا معصومين عن السهو والغلط فإن نقل عن واحد منهم شىء بخلاف القياس يجوز أن يكون قال عن قياس فاسد أو ظن ظنه ولم يكن صحيحا أو وقع له غلط فيما قاله وزلة فيما صار إليه فعرفنا أنه لا وجه لإثبات الخبر بمجرد ما قالوه وحين ذكرنا ما يكون مسندا أو ما لا يكون مسندا فنذكر بعد هذا ما يتعلق بمعرفة الصحابة ومعرفة طباقتهم بعون الله تعالى.
стр. 404
فصل: طبقات الصحابة
...
[فصل] ١ اعلم أن الصحابة على طبقات.
فأعلاهم رتبة: العشرة الذين شهد النبى ﷺ لهم بالجنة وأربعة منهم الخلفاء الراشدون٢ وقد ضم إليهم عمر بن عبد العزيز وأول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان على ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال رضى الله عنهم أجمعين قال أبو عبد الله الحاكم ولا أعلم من أهل التواريخ خلافا فى أنه أول من أسلم على وهذا خطأ من أبى عبد الله الحاكم وللعلماء فى هذا الباب اختلاف ظاهر عندى وذهب جماعة كثيرة إلى أن أبا بكر رضى الله عنه أول من أسلم واستدلوا بشعر حسان بن ثابت وهو
إذا تذكرت نجوى من أحيى نعيه ... فاذكر أخاك أبا بكر مما فعلا
الثانى التالى المحمود سيرته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا
وثبت حديث ابن عتبة أنه قدم على النبى ﷺ فقال من تبعك على هذا الأمر، فقال: "حر وعبد" ٣ يعنى بالحر أبا بكر وبالعبد بلال وقد قال زيد بن أرقم من الصحابة أن عليا رضى الله عنه أول من أسلم وقال إبراهيم النخعى معارضا لقول.
стр. 405
زيد بن أرقم حين ذكر له قوله قال لا بل أبو بكر رضى الله عنه أول من أسلم وقد أجمل أهل العلم الكلام إجمالا وقالوا: على ما قدمنا.
والطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة وذلك أن عمر لما أسلم حمل النبى ﷺ إلى دار الندوة مع جماعة كثيرة من أصحابه قال أبو عبد الله الحافظ وهذا أيضا فيه نظر لأن النبى ﷺ مختفيا فى دار بين الصفا والمروة وهى تعرف بدار الأرقم وهذه الدار معروفة اليوم وجاء عمر رضى الله عنه فأسلم وقصته معروفة فأما الحمل إلى دار الندوة ومعه جماعة من أهل مكة على ما قاله أبو عبد الله الحافظ فلا يعرف.
وأما الطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة وهى الهجرة الأولى منهم عثمان وجعفر ابن أبى طالب وابن مسعود وجماعة وذكر فيهم حمزة وفيه نظر وجماعة.
والطبقة الرابعة: هم الذين بايعوا النبى ﷺ عند العقبة وهؤلاء كانوا من الأنصار ويقال للواحد منهم عقبى.
والطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية قال وأكثرهم من الأنصار وأقول لا بل كلهم من الأنصار وكان الذى أخذ عليه العهد العباس بن عبد المطلب.
والطبقة السادسة: المهاجرون الأولون وهم الذين وصلوا إلى النبى ﷺ نقبا أن يدخلوا المدينة.
والطبقة السابعة: أهل بدر.
والطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية.
والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .
والطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وقد قال النبى ﷺ فيما روى حين هاجر: "لقد ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها" وأبو هريرة الدوسى.
والطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح منهم أبو سفيان وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية وقد تآخر إسلام بعض هؤلاء النفر إلى أن فرغ النبى ﷺ من غزوة حنين وفى هذه الطبقة أسلم بعد يوم الفتح إلى وفاة النبى ﷺ وقد قال النبي ﷺ : "لا هجرة بعد١ الفتح ولكن جهاد ونية".
стр. 406
والطبقة الثانية عشر صبيان رأوا مدة النبى ﷺ وأطفال حملوا إليه كالسائب بن زيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبى سعد وعأمر بن واثلة بن أبى الطفيل وابن أبى جحيفة وغيرهم وفى هذا علم كثير يطول ذكره.
وأما الصحابة الذين تآخر موتهم قال الواقدى آخر من مات بالمدينة من الصحابة سهل بن سعد وكان ابن مائة سنة يوم مات توفى سنة إحدى وتسعين وآخر من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى مات سنة ست وثمانين وآخر من مات بالبصرة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ مات سنة إحدى وتسعين وقيل سنة ثلاثة وتسعين وآخر من مات بالشام عبد الله بن بشر سنة ثمان وثمانين وقيل آخر من مات بمكة عبد الله بن عمر سنة ثلاث وسبعين وآخر من مات من روى أبو الطفيل عأمر بن واثلة الكنانى مات من سنة مائة من الهجرة.
وأما اسم الصحابى فهو من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته مع النبى ﷺ وكثرة مجالسته وينبغى أن يطيل المكث معه على طريقة السمع له والأخذ عنه ولهذا يوصف من أطال مجالسته العالم من أصحابه إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه ثم إنما يعلم صحبة النبى ﷺ أما بطريق موجب للعلم وهو خبر التواتر أو بطريق يقتضى غلبة الظن وهو إخبار الثقة وهذا الذى ذكرناه طريق الأصوليين وأما عند أصحاب الحديث فيطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة١ وهذا لشرف منزلة النبى ﷺ .
стр. 407
أعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة ولأن النبى ﷺ قال: "طوبى لمن رآنى ولمن رأى من رآنى" فالأول هم الصحابة والثانى هم التابعون ولأنه ﵇ قال: "خير الناس قرنى الذى بعثت فيهم" وأراد بهم الصحابة فكل من روى عنه أو رآه فهو قرنه الذى بعث فيه إلا أنه مع هذا لا بد من رؤية أو رواية للإجماع.
وأما التابعون فعلى طبقات فالطبقة الأولى منهم قوم لحقوا العشرة أو أكثرهم كسعيد ابن المسيب هكذا قال أبو عبد الله الحاكم وحكاه الأستاذ أبو منصور البغدادى وتبعه وهذا خطأ لأن سعيد بن المسيب لا يصح له رواية عن أحد من العشرة إلا عن سعد بن أبى وقاص وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضى الله عنه وتوفى سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثلاث وتسعين نعم قد قيل أن سعيد بن المسيب أفقه أهل الحجاز فى زمانه ويقال أنه أعلم التابعين بقضاء عمر وأما الذين أدركوا العشرة أو أكثر العشرة فجماعة من التابعين من أهل الكوفة والبصرة مثل قيس بن أبى حازم ومسروق بن الأجدع وأبى عمرو الشيبانى وعمرو بن ميمون وعلقمة بن قيس وأبى وائل شقيق بن سلمة وأبى رجاء العطاردى وأبى عثمان النهدى وأبى شاشان حصين بن المنذر الرقاشى وغيرهم وقد خرج التابعون على خمسة عشر طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبا أمامة الباهلى وواثلة بن الأسقع وغيرهم وهذا علم كبير وذكره يطول وقد.
стр. 408
صنف فيه ابن المدينى ومسلم بن الحجاج وغيرهم وأما الفقهاء السبعة من أهل المدينة فسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد بن ثابت وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وقد أبدل بعضهم بأبى سلمة وخارجة سالم بن عبد الله بن عمر وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفى المتقدمين من التابعين قوم أدركوا وفاة رسول الله ﷺ وأسلموا من بعده وأسلموا فى زمانه ولم يروه مثل الأحنف بن قيس وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون وأبى وائل وأبى عثمان النهدى وغيرهم والأئمة المرجوع إليهم فى علم الحديث مالك بن أنس بالحجاز وسفيان الثورى بالعراق والأوزاعى بالشام والليث بن سعد بمصر وعبد الله بن المبارك بخراسان وكانت أعصارهم متقاربة وقد أجمعوا الرواية والدراية ولم يقابلهم أحد فى زمانهم وقيل أن الذين نشروا علم الحديث فى العالم قبل هؤلاء ستة نفر اثنان بالحجاز واثنان بالكوفة واثنان بالبصرة فاللذان بالحجاز الزهرى وعمرو ابن دينار واللذان بالكوفة أبو إسحاق السبيعى والأعمش واللذان بالبصرة قتادة ويحيى بن أبى كثير فمن هؤلاء الستة انتشر أكثر علم الحديث فى الدنيا وقد ذكرنا من قبل من يرجع إليهم فى الجرح والتعديل وفيهم كثرة وقد اقتصرنا على ما قدمنا.
وأما الكتب التى تعتمد فى الحديث فأول ذلك الجامع الصحيح عن البخارى ثم الصحيح عن مسلم بن الحجاج القشيرى وكتاب السنة عن أبى داود والجامع عن أبى عيسى الترمذى وكتاب ابن أبى عوانة وكتاب أبو عبد الرحمن النسائى وكتاب الصحيح عن أبى العباس الدعولى وقد صنف أبو حاتم بن حبان كتابا سماه الصحيح جمع فيه الكثير وليس فى الصحة والتثبت مثل هذه الكتب وأولى هذه الكتب بالاعتماد صحيح البخارى وقد قيل أن ما فيه مقطوع بصحته عن النبى ﷺ وقد اختلف أن الحديث فى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وقال أبو بكر بن أبى شيبة أصح الأسانيد الزهرى عن على بن الحسين عن أبيه عن على وقال آخرون أصح الأسانيد سفيان الثورى عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله وقيل أصحها ابن سيرين عن عبيد عن على وقيل أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه واعلم أن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على أن كان الراوى عن جعفر ثقة وأصح أسانيد أبى بكر الصديق رضى الله عنه إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر رضى الله عنه وأصح أسانيد عمر رضى الله عنه عن الزهرى عن سالم عن.
стр. 409
أبيه عن عمر وأصح أسانيد ابن مسعود إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد أبى هريرة رضى الله عنه الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة وقيل أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه ولعبد الله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ولعائشة رضى الله عنها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ويقال لهذا ترجمة مشتبكة بالذهب وكذلك الزهرى عن عروة عن عائشة ولجابر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وجعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ولأنس شعبة عن قتادة عن أنس ومالك عن الزهرى عن أنس وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأصح أسانيد المدنيين ما ذكرنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة والزهرى عن سالم عن أبيه والزهرى عن عروة عن عائشة وأصح أسانيد الكوفيين سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد البصريين شعبة عن قتادة عن أنس وابن عون عن ابن سيرين عن أبى هريرة وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبى هريرة وأصح أسانيد المصريين الليث بن سعد عن يزيد ابن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عأمر وأصح أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وهؤلاء مراوزة وعلى هذا الترتيب أوهى أسانيد الصديق صدقه بن موسى عن فرقد السبخى عن مرة الطبيب عن أبى بكر وأوهى أسانيد العمريين محمد بن القاسم عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده وأوهى أسانيد أبى هريرة المسرى بن إسماعيل عن داود بن زيد الأودلى عن أبيه عن أبى هريرة وأوهى أسانيد ابن مسعود شريك عن أبى زرارة عن أبى زيد والحمل فيه على أبى زيد وأما أبو زرارة راشد بن كيسان ثقة قال الحاكم وأوهى أسانيد أنس داود بن المحبر عن أبيه عن أبان عن أبي عياش عن أنس وأوهى أسانيد المكيين عبد الله بن ميمون القداح عن شهاب بن جابر عن إبراهيم بن يزيد الخودى عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد اليمانيين حفص بن عمر العدنى عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن قيس المصلوب عن عبد الله ابن رخو عن القاسم عن أبى أمامة وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن رشدين.
стр. 410
ابن سعد عن أبيه عن جده عن مرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه وأوهى أسانيد الخراسانيين عبد الله بن عبد الرحمن بن مليحة عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس نقلت على ما أورده الحاكم أبو عبد الله فى كتاب علوم الحديث.
стр. 411
فصل: أقسام الصحيح من الأخبار
...
فصل وذكر أبو زيد فصل فى أقسام الصحيح من الأخبار وقال:
الأخبار التى يعمل بها ضربان مشهور وغريب قال:
والمشهور ضربان.
أحدهما ما اشتهر وبلغ حد التواتر.
والآخر ما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.
والغريب نوعان.
أحدهما ما لم يشتهر ولكن لم يبلغ حد الاستنكار.
والآخر ما بلغ حد الاستنكار.
ثم قال أما المتواتر فحده ما اتصل بك عن المخبر اتصالا لا يبقى لك فيه شبهة كما يتصل تعليل من طريق السماع من المخبر عنه ثم قال وقد قال بعض الناس أن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين وإنما يوجب علم طمأنينة.
وذكر ما نقله اليهود أن عيسى ﵇ قد قتل وقد ذكرنا من قبل الكلام فى هذا وذكرنا أن المتواتر من الأخبار يوجب علم الضرورة وأجبنا عن ما قاله اليهود.
وأما المشهور فحده ما كان أوسطه وآخره على حد التواتر وأوله على حد الخبر الواحد وذكر عن أبى بكر الرازى أن هذا أحد قسمى التواتر لأنا نجد العلم فى أنفسنا بكل واحد منهما بلا اضطراب أنفسنا فى ذلك إلا أن العلم الأول يقع على اضطراره ولا مرد له فى النفوس والثانى يقع عن استدلال كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم فإن العلم بالمحسوسات عن اضطراب والعلم بالصانع عن الاستدلال قال عيسى بن أبان الخبر على ثلاثة أقسام قسم يضل جاحده كخبر الرجم وقسم يخشى المأثم على جاحده ولا يضله كخبر المسح على الخفين وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التى رويت فى مسائل الخلاف التى اختلفت العلماء فيها فلم يكف عيسى بن أبان من جحد المشهور ثم جعل المشهور بعضه فوق بعض فى المرتبة وهو الصحيح عندنا ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشهور علم طمأنينة.
стр. 412
وعن الخبر الغريب علم يغالب الرأى وعن الغريب المستند علم ظن فهذه أربع مراتب تثبت الأخبار.
والدليل على هذا أن المشهور لما لم يتصل برسول الله ﷺ على وجه التواتر ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة بالاتصال إلا أنها لما اشتهرت فى السلف وتواترت ولم يظهر رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعلم والعمل بها.
قال والمشهور على هذا الوجه حجة يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى ويجوز نسخ الآية بها لأن السلف كانوا أئمة الدين وإجماعهم حجة ولم يكن فيهم تهمة ما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله الرجم وزدنا تحريم العمة على ابنة الأخ وابنة الأخت على العمة وكذا فى الخالة وابنة الأخت على كتاب الله تعالى وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة والشائع على صوم كفارة اليمين والزيادة عندنا تجرى مجرى النسخ إلا أنا نفينا مع هذا شبهة الآحاد فلم نكفر جاحده وحططنا رتبته عن رتبة المتواتر فصار المتواتر علما يقينا من طريق الضرورة والمشهور يوجب علم اليقين أيضا إلا أن السامع متى تأمله حق تأمله وجد فى أوله ما يوجب ضرب شبهة فى آخره وكان دون العلم الواقع بالتواتر.
قال وأما الغريب المقبول فما اختلفت الفقهاء خلفا وسلفا فى أحكام الحوادث على ما ورد أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل وهو حسب اختلافهم فى المقاييس المتعارضة.
وأما الغريب المستنكر فنحو ما ذكرناه من الوجوه التى رد السلف بها الأخبار وربما يخشى الإثم على العامل به كما خشينا الإثم على تارك المشهور لأنه قرب من اليقين وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحرى الحق كالذى تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة على تحرى فلبه بلا دليل فهذا كلامه ذكرته على الاختصار وتركت كثيرا مما قاله لأنه لم يكن فيه شىء يستفاد.
واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته والذى قال من المشهور والغريب فلا ننكر أن فى الأخبار ما هو غريب ومنها ما هو مشهور ولكن لا يعرف المشهور من الغريب بإشهاره عند الفقهاء وعدم اشتهاره عندهم لأنه رب خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته وهو مثل ما يروون: "لا وصية لوارث" ١.
стр. 413
ويروون: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ١ ويروون: "أنت ومالك لأبيك" ٢ ويروون: "لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد" ٣ ويروون: "المكاتب عبد ما بقى عليه درهم" ٤ وهذه أخبار لم يحكم أهل الحديث بصحة شىء منها ورب خبر كان غريبا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته وأما الذى قال أن الخبر الذى تلقته الأئمة بالقبول فهو موجب للعلم فقد ذكرنا من قبل والذى قال أن العلم الواقع به علم طمأنينة والعلم الواقع بخبر التواتر علم ضرورة هذا تفريق ولا علم فوق علم يطمئن به القلب نعم يجوز أن يقال فى الجملة للمتواتر رتبة زائدة على الخبر الذى ليس بمتواتر لكن تلقته الأئمة بالقبول كما أن للعيان رتبة زائدة على ما نعلم بالخبر وأن تواتر الخبر لكن عدا التفاوت يعرف فى ابتداء البداهة فإن لبداهة العيان ما ليس للخبر وأن وقع به العلم إلا ترى أن موسى ﵇ لما رأى قومه قد طافوا بالعجل يعبدونه ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد كان الله تعالى أخبره بأنهم اتخذوا العجل إلها ولم يتغير فى تلك الحالة وأن كان وقع له العلم الضرورى بخبر الله تعالى له بذلك ولكن للعيان من التأثير والتمكن فى القلب ما ليس فى الخبر وهذا معنى قوله ﵇ ليس الخبر كالمعاينة كذلك يجوز أن يكون الخبر المتواتر الذى يسمعه فى الابتداء عن الجمع العظيم من التمكن فى القلب ما لا يكون للخبر الواحد وأن اتفقت الأمة على قبوله فإن أراد بالتفاوت هذا القدر فهو صحيح والذى قال من الترتيب فى قوله أن الخبر كذا يضل بتركه وخبر كذا يخشى أن يأثم بتركه وفى الخبر الثالث لا يخشى فالأصوليون لا يعرفون واسطة ثالثة بين الخبر الموجب للعلم والخبر الذى لا يوجب العلم فإن قال قائل شيئا ودل عليه الدليل يقبل وما لا يدل عليه الدليل فهو.
стр. 414
مردود وأما الغريب الذى لا يستنكر والغريب الذى يستنكر فهو أيضا إلى أهل الصنعة.
وأنا أعلم قطعا أنه لم يكن فى هذا العلم حظ أعنى العلم بصحيح الأخبار وسقيمها ومشهور الأخبار وغريبها ومنكراتها وغير منكراتها لأن هذا أمر يدور على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة فكان الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله فإن من خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاحه عند أهله وليست العبرة بقبول الجهلة وأن لكل ساقطة لاقطة ولكن ضالة ناشد ولكن العبرة فى كل علم بأهله إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغى أن يسلم لهم ذلك.
فإن قال قائل فما حد الخبر الصحيح عندكم قلنا قد ذكرنا من قبل رجاله وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث أن صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابى مشهور بالصحبة ويروى عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا وقد قالوا: أن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات فقط وإنما بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس للمعرفة به معين مثل المذاكرة مع أهل العلم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث واعلم أن الشرط الذى شرطوه وهو أن يرويه اثنان من التابعين لا يعرفه الفقهاء لأن عند الفقهاء أن رواية الواحد مقبولة وإذا كان ثقة فحكم بصحة الخبر وقد ذهب بعض المتكلمين إلى شرط العدد وليس بشىء لما ذكرنا من إجماع الصحابة على رواية الراوى الواحد فأما أهل الحديث شرطوا هذا العدد لأنه شرط فى الصحة إلا أنهم يسمون ما نقله الواحد من الواحد الصحيح الغريب ويجعلون ما نقله الاثنان فما زاد وتداوله أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون الصحيح المطلق أو الصحيح المشهور ولهم أسامى فى هذا الباب وألفاظ تواضعوا عليها لمعانى يحتاجون إليها وذكر ذلك يطول ويمل منه الناس فاقتصرنا على هذا والله أعلم.
مسألة الزيادة إذا انفرد بها الراوى الثقة:
يقبل عند آخر وكذلك فى قبول عامة الفقهاء١ وكذلك إذا رفع إلى الرجل الثقة.
стр. 415
حديثا ووقفه غيره فالقول قول من رفع وكان حجة مقبولة على قول من ذكرناهم وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن الواحد إذا كان انفرد بزيادة من بين جملة الرواة حمل الأمر فى هذه الزيادة على الغلط وكذلك إذا رفع الواحد حديثا ووقفه أصحابه يتوقف فى الحديث واحتج من رد رواية المنفرد وقال أن ضبط الراوى إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فإذا لم يوافقوه فى الرواية لم يعرف ضبطه وأيضا فإن الجماعة لو.
стр. 416
كانوا فى مجلس فنقلوا عن واحد كلاما وانفرد واحد بزيادة على الباقين مع كثرتهم وشدة عنايتهم بما سمعوه وطرحوه لأطرح السامعون تلك الرواية ولم يقبلوها وأيضا فإن الجماعة لو وافقوا هذا الراوى الواحد يقوى بموافقتهم خبره إلا إذا خالفوه أن يضعف خبره وأما دليلنا فنقول الراوى للزيادة ممن يجب قبول خبره ولا معارض لروايته فيجب قبولها كما لو انفرد برواية الحديث ولم يروه غيره معه وإنما قلنا أن من يقبل خبره لأنه اجتمع فيه العدالة والضبط وجميع الصفات المطلوبة وإنما قلنا لا معارض لروايته لأن التارك لرواية الزيادة لم ينفها ولا معنى.
أما قولنا لم ينفها لفظا فبين وأما قولنا لم ينفها معنى فلأنه لبس ألا ترى أنه لم يرو هذه الزيادة وتركه رواية هذه الزيادة لبس يجب فيه أن يكون لنفيه إياها بل يجوز أنه لم يروها لسهو اعتراه حين تكلم به النبى ﷺ أو لشغل قلب أو تشاغل بعطاس أو أصغى إلى كلام آخر فإذا جاز كل هذا بطل قول من قال أن التارك للزيادة نفاها معنى واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغى أن يقال أن الذى ترك رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا بجماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا أن لا يقبل رواية راوى الزيادة فإن قيل نعم تجوز هذه الوجوه التى ذكرتها ويجوز أيضا أن يكون هذا الراوى الواحد غلط فى السماع فتوهم أنه سمع تلك الزيادة من النبى ﷺ ولم يكن سمعها قيل له سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن سماع ما جرى بمشهد منه يكثر وأما توهم الإنسان أنه سمع شيئا ولم يكن سمعه وأن كان يجوز ولكن يندر جدا لا يلتفت إليه وقد قال الأصحاب أن الزيادة التى ينفرد بها الثقة بمنزلة الخبر الذى ينفرد الثقة بروايته فإن لم تقبل روايته لهذه الزيادة وجب إلا يقبل روايته لخبر ينفرد بروايته فإن قيل قول من يثبت الزيادة يعارض قول من ينفيها قلنا قد أجبنا عن هذا وهذا لأن القول لا يعارض بالسكوت وإنما سبيل المحدثين إذا زاد أحدهما سبيل شهود شهد بعضهم على رجل أنه أقر له فى مجلس بدرهم وشهد آخرون أنه اقر فى ذلك المجلس بدرهم ودينار فالشهادتان جميعا مقبولتان وثبت الدينار مع الدرهم ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء وكذلك لم يختلف الفقهاء أن الشاهدين لو شهدوا على رجل أنه طلق امرأته فى مجلس وشهد جماعة أنهم كانوا حاضرين ولم يسمعوا طلاقها أن شهادة الشاهدين بالطلاق مقبولة ويثبت ما شهدوا عليه واعلم أن هذا الدليل يقتضى أن الراوى الواحد إذا كان ثقة وروى الزيادة وقد كان فى المجلس جماعة لم يرووها أن يقبل رواية من.
стр. 417
روى الزيادة ومن حيث المعنى الأول أولى قال الشافعى رحمة الله عليه من قبل القراءة الشاذة فى كتاب الله تعالى مع أن طريق ثبوته التواتر ورد الزيادة فى الحديث إذا انفرد الثقة العدل بها فقد ناقض فأما الذين قالوا: أن ترك ضابط آخر رواية هذه الزيادة يدل على غلط الأول قلنا هذا لا يصح لأنه لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقته ضابط آخر أدى إلى ما لا نهاية له ولم يعرف أحد وأما الثانى الذى قالوه قلنا قد بينا أن الذى ترك الرواية لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغى أن لا يقبل رواية هذا الواحد ذلك فينبغى أن يقول الجماعة إنهم لم يسمعوه فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم وأما قولهم أن الضابط لو وافق هذا الراوى أوجبت القوة فإذا لم يوافق أوجب الضعف قلنا ولم هذا لأنه بإمساكه رواية الزيادة ليس بمخالف لأنه ليس نافى لها على ما سبق ويقال لهم أيضا لم إذا كانت مشاركة الرواة له فى الزيادة موجب قوة خبره وجب إذا لم يشاركوه ينتقض تلك القوة إلى ضعف موجب إسقاط الرواية إلا ترى أن الراوى الواحد لو شارك جماعة فى رواية خبره أوجب ذلك قوة فى خبره ثم إذا لم يشاركوه فى الرواية لم يوجب ضعفا فى خبره يوجب إسقاط روايته واعلم أنه لا فرق فى هذه المسألة بين أن يسند الراوى الزيادة والتارك للزيادة ما رواه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو مطلقا إطلاقا ففى هذه الصورة كلها يقبل إلا فى الصورة التى ذكرنا فى أثناء المسألة ونذكر صورا من هذه الأخبار التى تفرد الراوي الواحد فيها بزيادة فمن ذلك حديث مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله ﷺ أى الأعمال أفضل قال: "الصلاة لوقتها" ١ ثم روى الحسن بن مكرم وبندار عن عثمان بن عمرو بندار عن غيره عن مالك بن مغول هذا الخبر وذكر أن النبى ﷺ قال: "الصلاة لأول وقتها" ٢ وكانت هذه الزيادة مقبولة لأن الحسن بن مكرم وبندارا ثقتان ومثال ذلك أيضا ما حدث ابن عمر فى صدقة الفطر رواه جماعة من الثقات أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر٣.
стр. 418
ثم روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد صاعا من قمح ومثال ذلك أيضا حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: "من شرب من إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم" ١ ثم روى يحيى بن محمد الحارثى حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه: "أو إناء فيه شىء كتلك" ومثال ذلك أيضا حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ فى قوله: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدنى عبدى" وهو خبر صحيح ثم روى عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة الخبر وذكر فيه "فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى ذكرنى عبدى" ٢ وقد تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن زياد وفيه مقال ومثال ما ذكرنا أيضا حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها أن النبى ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها" ٣ الخبر ثم روى إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقى حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقى حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ابن جريج الخبر وزاد فيه: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها باطل" ٤ والخبر محفوظ وهذه الزيادة بهذا الإسناد والله أعلم بها فإن قيل أليس الشافعى قد وهن حديث السقاية لانفراد سعيد بن أبى عروبة بها ومخالفة أصحابه إياه فى هذه اللفظة قلنا هذا لا يشبه ما ضربنا من الأمثلة لأن سعيد بن أبى عروبة روى مطلقا وغيره روى الخبر وقال قال قتادة يستسعى غير مشقوق عليه غير حديث رسول الله ﷺ من قول قتادة فيكون هذا الراوى قد ضبط ما خفى على الآخر فلا يكون هذا شبيها بمسألتنا بل قد جرد ما قلنا واستمر وتكون هذه الرواية على وفق ما سمعناه والله أعلم.
стр. 419
فصل: فى معرفة الترجيح بين الأخبار المتعارضة .
اعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلوا أما أن يمكن الجمع بينهما أو يمكن ترتيب أحدهما على الآخر فى الاستعمال فإنه يفعل أيضا فإن لم يمكن وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فإنه يفعل فإن لم يمكن رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ومثال الخبرين المتعارضين الذى يمكن استعمالهما ما روى أن النبى ﷺ قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ١ وقال النبى ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٢ فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعد الدباغ فيستعمل السنتان على الوجه الممكن ولأنه يطرح أحدهما بالآخر.
وأما ترتيب أحد الخبرين على الآخر فهو مثل الخاص والعام إذا تعارضا يرتب العام على الخاص وقد ذكرنا هذه المسألة.
وأما الناسخ والمنسوخ فكثير وسيأتى بيانه.
وأما الترجيح لأحد خبرين على الآخر فيدخل من جهة الإسناد ويدخل من جهة المتن.
فأما الترجيح من جهة الإسناد فمن وجوه.
أحدها أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا٣ فنقدم رواية الكبير لأنه يكون أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته على رواية أنس فى إفراد الحج وقرانه مع العمرة فقال أن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن منكشفات وأنا أخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ .
стр. 420
فيسيل على لعابها.
والثانى: أن يكون أفقه فتقدم روايته على من دونه فى الفقه لأنه أعرف بما سمع١.
والثالث: أن يكون أقرب إلى رسول الله ﷺ فيكون أولى لأنه يكون أوعى لما سمعه.
والرابع: أن يكون أحدهما باشر القصة أو تعلق القصة به٢ فيقدم روايته لأنه أعرف بالقصة من الأجنبى عنه ومثال هذا فى مسألة نكاح المحرم ورواية أبى نافع أن النبى ﷺ كان حلالا٣ وكذلك رواية ميمونة٤ فيكون أولى من رواية ابن عباس أنه كان محرما٥.
والخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فتقدم على الخبر الذى يكون أقل رواة ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا يقدم الشهادة بكثرة العدد٦ وكذلك لا يقدم أحد الفتويين بكثرة المفتين والأول أصح لأن الترجيح يكون بوجود قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر ومعلوم أن كثرة الرواة نوع قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد من السهو من قول الواحد وأيضا أقرب إلى إفادة العلم وهو إذا بلغ عددا يقع به تواتر الخبر وأما الشهادة والفتوى فقد منعوا والمذهب التسليم والفرق بين الرواية والشهادة مقدرة فى الشرع بعدد معلوم فكفينا الاجتهاد فيها وأما الرواية فقد بنى أمرها على الاجتهاد وفى الرواة يوجد إذا كثروا ما لا يوجد إذا قلوا وهو سكون النفس من طمأنينتها فإنه يوجد عند كثرة الرواة ما لا يوجد عند قلتهم.
стр. 421
والسادس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة فتكون روايته أولى لأنه يكون أعرف بما داوم عليه الرسول من السنن١.
والسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم خبره لأنه كان أحسن عناية بالخبر من الآخر فلهذا قدمنا جابر فى إفراد الحج.
والثامن: أن يكون أحدهما متآخر الإسلام فتقدم روايته لأنه يحفظ أحد الأمرين من رسول الله ﷺ ولذلك إذا كان أحدهما متآخر الصحبة فيدل ذلك على تآخر سماعه وهذا والأول واحد وقد قال أصحاب أبى حنيفة لا يقدم بهذا٢ لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبى ﷺ فلا يكون للمتآخر ترجيح عليه والذى قلناه أولا أولى لأن سماع المتآخر متحقق لغيره وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتآخر فما تآخر سماعه يتبين يكون أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أوامر رسول الله ﷺ ومثال ذلك ما فعله الشافعى من تقديم رواية ابن عباس فى التشهد على رواية ابن مسعود.
والتاسع أن يكون أحد الراويين أورع وأشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته لاحتياطه فى النقل.
والعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب لفظه فيكون الذى لم يضطرب لفظه أولى٣.
والحادى عشر أن يكون أحد الخبرين رواه أهل المدينة والخبر الآخر رواه غيرهم٤ فيكون الأول أولى لأنهم يروون أفعال رسول الله ﷺ وسنته التى مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم.
والثانى عشر أن يكون أحد الروايين اختلفت عنه الرواية والآخر لم تختلف عنه الرواية فمن أصحابنا من قال بتعارض الروايتان اللتان اختلفتا وينفى رواية من لم.
стр. 422
تختلف عنه الرواية ومنهم من قال يرجح رواية من لم تختلف عنه الرواية لمكان الاختلاف وعدم الاختلاف.
وأما ترجيح المتن فمن وجوه.
أحدها: [أن يكون أحد] ١ الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس فيقدم على الخبر الآخر الذى لا يوجد له هذه القوة٢.
والثانى: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فيكون أولى لأن عملهم به يدل على أنه أحد الأمرين٣ وكذلك إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فيكون أولى لأن عملهم يدل على أن الشرع استقر عليه ويدل أنهم دونوه عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ ولهذا قدمنا رواية الإفراد على رواية التثنية فى الإقامة.
والثالث: أن يكون أحدهما مجمع النطق والدليل فيكون أولى ما وجد فيه أحدهما لأنه يكون أبين.
والرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فيكون النطق أولى من الدليل٤ لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه ومعنى هذا الدليل دليل الخطاب.
والخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدثهما فالذى يجمع القول والفعل أولى لأنه أقوى من حيث تظاهر الدليلين وأن كان أحدهما قولا والآخر فعلا ففيه أوجه وقد سبق فى باب الأفعال.
والسادس: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب والذى ورد على غير سبب أولى لأنه يكون متفقا على عمومه والوارد على سبب مختلف فى عمومه.
والسابع: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت زيادة علم والأخذ بروايته أولى.
والثامن: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا على الأصل فيكون الناقل عن الأصل.
стр. 423
أولى لأنه يفيد حكما شرعيا ليس فى الآخر١.
والتاسع: أن يكون فى أحدهما احتياط لا يوجد فى الآخر فيكون الأحوط أولى لأن الأحوط أسلم للدين.
والعاشر: أن يكون أحدهما يقتضى الحظر والآخر يقتضى الإباحة ففيه وجهان.
أحدهما: أنهما سواء لأنهما حكمان شرعيان.
والوجه الآخر: وهو الأصح أن الذى يقتضى الحظر أولى لأنه أحوط٢.
وقيل فى القسم الأول إذا تعارض خبران من روايتين ورويا من واحد وأحدهما أعلم ممن يروى عنه فيكون أولى كالرواية فى زوج بريرة فالذى روى أنه كان عبدا القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة والذى روى أن زوج بريرة كان حرا الأسود عن عائشة وعروة والقاسم أعلم بعائشة رضى الله عنها من الأسود لأنهما قريباها والأسود أجنبى منها وقيل أيضا إذا تعارض الخبران أن يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر لأن الصحابة تلقته بالقبول وأن لم يعرف من الصحابة فى ذلك شىء فإن كان عوام أهل الحديث عملوا بأحدهما يقدم على الآخر وقيل أنه يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحدهما أشبه بمعانى الكتاب والثانى أشبه بمعانى السنة وهذا قد بينا فإن لم يوجد فى واحد من الخبرين ترجيح بوجه ما وعدم الكل طرحا ويرجع إلى ما كان عليه الإفراد أولا اعلم أن الذى تضمنه الخبر أن ليس من دين الله إذ لو كان من دين الله لم يقع بينهما التنافى أو كان أحدهما من دين الله لم يخل من دليل يدل عليه فإذا لم يدل الدليل على واحد منهما من الوجوه التى قدمناها علمنا أنه ليس من عند الله تعالى وتقدس فأسقطناهما جميعا وقد رجح عيسى بن أبان المرسل على المسند لأن الراوى قال قال النبى ﷺ وكأنه قطع به والآخر إحالة على غيره ونحن قد بينا أن المرسل ليس بحجة فكيف يرجح بهذا الوصف قال القاضى عبد الجبار هذا الكلام الذى قاله عيسى بن أبان وهو أن الراوى لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد وثق أن النبى ﷺ قاله إنما.
стр. 424
يصح إذا قال قال النبى ﷺ فأما إذا قال عن النبى ﷺ فلا يتأتى هذا الكلام وأيضا فإن قول الراوى قال النبى ﷺ يحسن مع الظن لكونه قائلا لذلك كما يحسن مع العلم فمن أين أنه لم يقل قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة وظنه أكثر من الظن الحأصل برواية المسند المعارض له فإن قالوا: أن الذى يرسل لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة قلنا هذا لا يعرف وقد بينا أن السكوت عن اسم المروى عنه محتمل لوجوه كثيرة وقد رجح قوم الخبر بالذكورة والحرية أما الحرية فلا تأثير لها فى قوة الظن وأما الذكورة فيجوز أن يقال أن الضبط معها أشد وظاهر المذهب أن لا يرجح بهما وقد قال قوم أن أحد الخبرين إذا كان يقتضى إيجاب حد والآخر يقتضى نفيه فالنفى أولى لأن الحد يسقط بالشبهة وقد قيل إنهما حسان لأن الحد إنما يسقط عن الأعيان بالشبه فأما إثباته فى الجملة فمساو لإثبات سائر الشرعيات وفى تعارض الخبرين فى إثبات الشىء ونفيه كلام كثير وقد ذكر قوم موافقته دليل العقل فى النفى لأنه الأصل فيكون أولى ويمكن أن يعارض فيقال أن الشرع ناقل كما كان عليه فى الأصل فيكون الخبر الذى يتضمن النقل أولى من الذى يتضمن نفيه الشىء على ما كان عليه فى الأصل وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية والآخر الرق فقد قال بعضهم أن المثبت للحرية أولى وقال بعضهم هما سيان لأنهما حكمان شرعيان يتقابلان ويتماثلان والأول أحسن وهو أن الحرية أولى لأن الحرية لا يعترضها من الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق والحرية لا يبطلها شىء بعد ثبوتها بخلاف الرق ومثل أيضا فيما لو تعارض خبران أحدهما على قضية العقل والآخر على قضية الشرع أن الذى على قضية الشرع أولى لأنه ناقل على ما سبق وقال بعضهم إذا تعارض خبران أحدهما معلل فيكون أولى وفى الباب كلام كثير اقتصرنا على هذا والله أعلم.
[فصل] ١ اعلم أنا قد فرغنا من القول فى الأخبار وقد شرحنا الكلام فيها على حسب ما أذن الله تعالى فى ذلك وأرجو أن يكون قد وقع به الغنية عن كثير من تطويلات الأصوليين وقد رأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ضم إلى أبواب الأصول المعروفة بابا فى تأويل الأخبار وسمى الباب باب التأويل وذكر أن التأويل هو رد الظاهر إلى الله تعالى فى دعوى المسئول وذكر أن الذى يطرق إليه التأويل وهو الظاهر قال وظهوره أن يكون اللفظ فى معناه مظنونا غير مقطوع وأما النصوص فلا يتطرق إليها.
стр. 425
تأويل قال ولا يجوز الاستدلال بالظواهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع فلا يسوغ الاستدلال به فى الأمر المقطوع وأما فى أحكام الشرع فيسوغ الاستدلال بالظواهر وقد كانت الصحابة يتعلقون فى تفاصيل الشرع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون فى استدلالهم على النصوص ومن استراب فى تعلقهم بالقياس فلا يستريب فى تعلقهم بالظواهر وعلى القطع نعلم أن الظاهر فى إفادة غلبة الظن فوق الأقيسة فإذا جاز التعلق بالقياس جاز التعلق بالظواهر ودليل كون الظاهر حجة فى العمليات هو الإجماع مثل ما هو الحجة فى أخبار الآحاد سواء كانت ظواهر أو نصوصا ثم تأويل الظواهر فى الجملة سائغ إذا قام الدليل عليه ولا بد من دليل يقوم عليه لأن التحكم بالتأويل معتضل عليه من غير أن يعضد شىء لا يجوز لأنه لو جاز ذلك لبطل التمسك بالظواهر أصلا فصار التحكم بالتأويل مردودا وأصل التأويل مقبولا إذا لم يكن على وجه التحكم بل كان مستندا إلى دليل وقد ذكر كلاما طويلا فى المقدمة اختصرنا ما نحتاج إليه ثم ذكر أخبارا رويت فى مسائل من الخلافيات التى تثار بين أصحاب أبى حنيفة وذكر تأويل المخالفين لها وبدأ بمسألة النكاح بلا ولى وذكر الخبر الذى روى فى الباب من قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"١ ورد تأويلهم للخبر من حملهم على الصغيرة والمكاتبة ورد تأويلهم بالكلام المعهود وعلى ما عرف فى مسائل الخلاف واعتمد فى رد كثير من تأويلات الخصوم بحرف واحد وهو أن الشارع صلوات الله عليه إذا ذكر أبلغ الصيغ فى العموم لا يجوز أن يحمل على موضوع نادر في الوجود قال ويستحيل أن يقصد الرسول ﷺ أعم الصيغ وهو قوله أيما امرأة نكحت فإن أعم الصيغ كل وأى وما فيذكر أعم الأدوات ويكون قصده تأسيس شرع ثم زيد والحالة هذه مكاتبة أو صغيرة دون الحرائر البالغات اللاتى هن الغالبات المقصودات ومن ظن هذا التخصيص فى مثل هذا العموم فقد ظن محالا وما كان إلا كمن يقول لبوابه لا تدخل على أحد فلو دخل البواب كل مبرم ثقيل ولم يدخل قوما مخصوصين زاعما إنى حملت لفظك على الذين منعتهم لم يقبل هذا الكلام من البواب وكان حريا أن يؤدب ويصفع وقد ذكر من هذا النوع لرد هذا التأويل وأمثاله كلاما طويلا وذكر عن أبى بكر محمد بن الطيب أنه قال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلوات الله عليه لم يعن بقوله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها المكاتبة دون غيرها أو الصغيرة دون المبالغة ثم قال وقد سلم الرسول.