فصل: دلائل النسخ
...
فصل: اعلم أن هذا الفصل يشتمل على دلائل النسخ فنقول:
إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان فلا يخلو أما أن يمكن استعمالهما ولا يتنافى اجتماعهما وذلك أن يكون أحدهما الأعم من الآخر والآخر أخص فيقضي بالأخص على الأعم فيستثنى منه كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] لما قابل عموم هذه الآية خصوص قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة ٥ قضى بخصوص هذه الآية على عموم تلك الآية فصار كقوله ولا تنكحوا المشركات إلا الكتابيات وفي هذا النوع أن تساوي الآيتان في العموم والخصوص ويمكن أن نخص كل واحدة من الآيتين بالأخرى ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وقد قابلها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ويجوز أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصوصة بالأخرى فيحرم الجمع بين الأختين إلا بملك اليمين ويحل ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين فتتكافأ الآيتين في الجواز ووجب الرجوع إلى دليل موجب تخصيص أحداهما بالأخرى ولذلك قال عثمان ﵁ أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى والجملة في هذا الضرب من التعارض أنه إذا أمكن استعمال الآيتين أو تخصيص أحداهما بالأخرى يصار إلى الاستعمال والتخصيص إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالتعليل عن التخصيص إلى النسخ وهذا كآية الوصايا وآية المواريث قد كان يمكن استعمالهما من غير نسخ لكن قد روى عن الصحابة أنهم قالوا: قد نسخت آية المواريث آية الوصية وروى عن النبي ﷺ أنه قال: " أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيه لوارث" ١ فعدل بالدليل عن التخصص إلى النسخ وكان طاوس من بين التابعين بجمع بين الآيتين ولا يثبت النسخ هكذا أورده بعض أصحابنا وفيه نظر وتأمل.
стр. 457
وأما لوجه الثاني من تقابل الدليلين واجتماع الحكمين فهو أن لا يمكن استعمالهما ويكون بينهما تناقض فنعلم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ فيرجع إلى دلائل النسخ فيستدل بها على الناسخ في أثباته وعلى المنسوخ في نفيه واحد دلائله أن يعرف تقدم احد الحكمين على الآخر فيكون المتقدم منسوخا والمتآخر ناسخا والمراد منه أن يكون متقدما في التنزيل دون التلاوة١ فإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وهو متقدم عليه في التلاوة ومتآخر عنه في التنزيل وقد عدل في كثير من القرآن بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بل بحسب ما أمر الله لمصلحة استأثر بعلمها.
وقد قيل أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] وهذه الآية متلوة في سورة البقرة وهي مقدمه على جميع سور القرآن سوى الفاتحة وأول سورة نزلت اقرأ باسم ربك وهى في أوآخر ما يتلى في القرآن.
ودلائل النسخ مع التقدم والتآخر في التنزيل من أوجه كثيرة.
أحدها أن يكون في نظم التلاوة لفظ يدل على النسخ وهذا مثل النسخ الثابت في آية المصابرة على الجهاد وقال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم نسخ هذا وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] نص في أن المراد بالآية تخفيف ما تقدم من تغليظه.
والوجه الثاني: أن يرد لفظ يتضمن التنبيه على النسخ وذلك كما نسخ الله تعالى ونقد من الإمساك في البيوت لحد الزنا في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] بجلد المائة في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] تنبيه على عدم الاستدامة في الإمساك ولذلك قال النبي ﷺ .
стр. 458
"خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" ١ الخبر.
والوجه الثالث: من دليل النسخ نص يرد من الرسول ﷺ يصرح بثبوت النسخ٢ مثل قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي وكلوا واشتروا" و" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" ٣.
والوجه الرابع: من دلائل النسخ إجماع الصحابة٤.
واجماعهم ضربان إجماع قول واجماع فعل.
أما إجماعهم على القول مثل قولهم نسخ صوم رمضان صوم عاشوراء ومثل قولهم نسخت الزكاة سائر الحقوق في المال.
وأما إجماعهم على الفعل مثل صلاتهم إلى الكعبة بعد صلاتهم إلى بيت المقدس.
والوجه الخامس: من دلائل النسخ فعل الرسول ﷺ وفعل الصحابة وفعل الأمة أما فعل الرسول ﷺ مثل فعله في حد الزنا فانه ﷺ رجم ماعز ولم يجلده٥ وكذلك رجم الغامدية ولم يجلدها٦ فعلم بهذا أن قوله ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" ٧ منسوخ.
وقد قالوا: أن الفعل لا ينسخ القول في قول الأكثرين من الأصوليين وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول فيكون القول منسوخا بمثله من القول لكن فعل الرسول ﷺ دليل على القول.
وأما فعل الصحابة فيوجد في قوله ﷺ : "من تصدق على صدقة فإنا أخذوها وشطر
стр. 459
ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء" ١.
وأجتمعت الصحابة على ترك استعمال هذا فدل عدولهم عن استعماله على نسخه.
وأما فعل الأمة فقد سبق ذكره.
والوجه السادس: من دلائل النسخ نقل الراوي تقدم أحد الحكمين وتآخر الآخر وذلك أن يروي أن أحدهما شرع بمكة والآخر بالمدينة أو يروي أن أجدهما شرع عام بدر والآخر شرع عام الفتح أو غير ذلك من الأعوام بعد بدر فإن وجد هذا فلا بد أن يكون المتآخر ناسخا للمتقدم كما روى عن بعض الرواة أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ما مست النار٢ وهذا وأن لم يكن على مثال ما قلناه عام كذا وعام كذا فهو على مثال ما قلناه أنه يروى تقدم أحدهما وتآخر الآخر وقد روى أيضا من إباحة المتعة ونسخها على ترتيب قد ذكر في الأخبار وأن كان راوي المتقدم غير راوي المتآخر ينظر فإن كان المتقدم من أخبار الآحاد والمتآخر من المتواتر كان المتآخر ناسخا للمتقدم وأن كان المتقدم من أخبار التواتر فلا يصير منسوخا بالخبر الواحد المتآخر وأن كانا متواترين أو كانا جميعا من جملة الآحاد فإنه يصير المتآخر ناسخا للمتقدم ثم الراوي للنسخ لا يخلو أما أن يذكر دليل النسخ أو يرسل للنسخ إرسالا ولا يذكر دليله أما إذا ذكر دليل النسخ فلا إشكال أنه يثبت النسخ وأما إذا لم يكن ذكر دليل النسخ ولم يرو عن النبي ﷺ لكن أرسل النسخ إرسالا ففيه وجهان.
أحدهما: يقبل قوله في النسخ وبه قال الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وتعلق من قال هذا بما ينقله من الشرع ووجه ذلك أن الصحابي لا يرسل قوله إلا عن دليل موجب للنسخ.
والوجه الثاني: وهو الأظهر أن لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر دليل النسخ لجواز أن يعتقد النسخ بما ليس بنسخ كما روى عن بعض أصحابنا أن مسح الخفين نسخ غسل الرجلين وعندى أن هذا أثر منكر ولا يعرف ثبوته عن أحد من الصحابة.
стр. 460
وأما إذا كان راوى أحد الخبرين متقدم الصحبة والراوي الآخر متآخر الصحبة فهو على ضربين.
أحدهما أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فيكون الحكم الذي رواه الثاني ناسخا لما رواه الآخر فيكون الحكم الذي رواه الآخر ناسخا عند صحبة الثاني فيكون على الحكم الذي رواه ناسخا لما رواه الآخر كالذي رواه قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على قال أتيت النبي ﷺ وهو يؤسس مسجد قباء فسألته عن مس الذكر فقال: "هل هو إلا بضعة منك" ١ وروى أبو هريرة وجوب الوضوء لمن مس الذكر٢ وقد أسلم وهاجر عام خيبر بعد بناء مسجد قباء بست سنين فكان حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق.
والضرب الثاني أن لا تنقضي صحبة المتقدم عند صحبة المتآخر فلا يكون رواية المتآخر الصحبة ناسخا لرواية المتقدم الصحبة لجواز أن يكون المتقدم راويا لما تآخر كما يجوز أن يكون راويا لما تقدم وإنما إثبات النسخ بمجرد الاحتمال لا يجوز وهذا مثل رواية أبن عباس لما يرويه من التشهد وبرواية أبن مسعود لما يرويه من التشهد ولا تكون رواية ابن عباس ناسخة لرواية ابن مسعود ولكن بطل الترجيح بدليل آخر وحين ذكرنا دلائل النص نذكر الآن أن الزيادة على النص ليست من دلائل النسخ.
مسألة الزيادة على النص لا تكون نسخا بحال.
وهو قول جماعة كثيرة من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم قال أبو الحسن الماوردي وهو قول أكثر الأشعرية وأكثر المعتزلة قال ولا فرق بين أن تكون هذه الزيادة مانعة من اجزاء المزيد علية أو غير مانعة وذهب أصحابنا إلى أن الزيادة لو غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا حتى صار المزيد علية لو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان.
стр. 461
يفعل قبلها لم يجز ووجب استيفائه فإن الزيادة في هذه الصورة تكون نسخا وذلك نحو زيادة ركعة على ركعتين وأن كان المزيد عليه فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة صح فعله واعتد بفعله ولم يلزم استيفائه لم تكن الزيادة نسخا نحو زيادة التغريب على الحد وزيادة العشرين على حد القاذف واختار هذا عبد الجبار الهمذاني.
وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقد قالوا: أن الزيادة على النص بعد استقرار حكمه يوجب النسخ حكاه الضميري عن أصحابه على الاطلاق وعن أبي الحسن الكرخي وأبي عبد الله البصري أنهما قالا أن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا وأن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنه له لم يكن نسخا وأما زيادة التغريب على حد الزاني في المستقبل يكون ناسخا وكذلك لو زيد في حد القاذف عشرون.
قالا وأما إذا وجب ستر الفخذ فوجب بعد ذلك ستر بعض الركبة لا يكون ذلك نسخا وكذلك إيجاب صلاة أخرى أو فرض آخر على الفرائض المعلومة١.
стр. 462
واحتج من قال أن الزيادة على النص نسخ بوجوه من الكلام أكثرها يرجع إلى معنى واحد وهو أن النسخ مأخوذ من الإزالة على ما سبق بيانه والزيادة فيه قد تضمنت الإزالة لأن الجلد قبل الزيادة قد كان كمال الحد فصار بعدها بعض الجلد فقد أزالت الزيادة كون الجلد بعدها كمال الحد وإذا تحقق معنى النسخ ثبت النسخ وقالوا: أيضا أن الجلد قد كان مجزيا وحدة ومن بعد التغريب صار غير مجزي وحده وقد أزالت الزيادة كون الجلد مجزيا وحده وهذا قريب من الأول قالوا: أيضا أن الجلد وحدة كان يتعلق به رد الشهادة فلما زيد التغريب صار لا يتعلق به وحدة ويصير هذا كما لو صرح الخطاب يكون الجلد كل الحد ثم غير يكون نسخا إجماعا كذلك هاهنا يدل علية أن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا فكذلك بزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا وأن منعتم ندل على ذلك فنقول أن هذه الزيادة جعلت وجود الركعتين وحدهما لعدمهما وأوجبت الاستئناف وأزالت الآخر ومن قبل هذا الزيادة لم تكن الركعتان كذلك وهذا هو معنى النسخ.
وأما أبو زيد فال في هذه المسألة أن الزيادة تنسخ معنى لأن الآية جعلت الجلد مائة حد الزنا ومتى كان الجلد حدا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب حدا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من العقوبة أو العبادة أو الكفارة لا يتجزيء وجوبها ولا أداؤها ومتى عدم شئ منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال كالركعة من الفجر والركعتين من الظهر إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرا ولا بعضة ولهذا لو صام شهرا عن كفارة القتل ثم مرض فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز لأن المشروع فيه كفارة صوم شهرين فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقى حكم أداء الواجب بحال وإذا ثبت أن بزيادة التغريب لا يبقى الجلد بنفسه حدا ثبت أنه نسخ وكذلك كفارة اليمين حين جعلت الكفارة رقبة.
стр. 463
مؤمنة لم يبق الرقبة المطلقة بغير هذا الوصف كفارة بوجه وكذلك إذا جعلنا ركن القراءة في الصلاة الفاتحة لم تبقى قراءة القرآن مطلقة ركنا والله تعالى أوجب قراءة القرآن قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الزيادة تخصيص لأن العموم إذا خص في الحكم فيما لم يخص بخطابة العام نفسه لا بشيء آخر فلم يكن نسخا لحكم بل يفرض بالتخصيص ما بقى على ما كان وأما في الزيادة فانه لا يبقى للخطاب الأول حكم لأن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ جعل الجلد حدا ولا يبقى حدا بنفسه بعد ثبوت التغريب حدا معه وكذلك آية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الأيمان كفارة إذ ليس في الآية إلا الرقبة ولا تبقى الرقبة كفارة بعد أن قيدت الرقبة بقيد الأيمان بل تكون الكفارة رقبه مؤمنة لا رقبة على ما قال الله تعالى وهذا لأن الكفارة إذا خرجت من الآية جازت المؤمنة لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى بل للصفه الزائدة التي ليست في الكتاب وبدون هذه الصفة لا تكون الرقبة كفارة عندكم والزيادة نسخ معنى وبيان صورة هذا كلام أبي زيد ذكره في تقويم الأدلة ثم استدل بأنه ليس بيان معنى وذلك لأن البيان أسم لما يحمله اللفظ ولما ينتظم على الأوصاف والجلد مائة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزوائد بيانا بل يكون رفعا للحكم عن القدر المذكور وتعليقا بالزوائد قال وهذا كالإعتاق المطلق إذا علق بشرط تبدل المطلق وصار شيئا آخر يعني على ما عرف في مسألة تعليق الطلاق والعتاق بالملك وهو أيضا بمنزلة العلة يزاد عليها وصف فإن ما قبل ذلك لا يكون علة ولا بعض للعلة بل يسقط حكم العلة أصلا إلى أن يوجد الوصف الآخر فيصير جملته علة وقد ادعى بعضهم ثبوت نسخ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بإثبات الشاهد واليمين ووجه النسخ أن الله تعالى قال ذاك: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ فجعل المرأتين أدنى الحجة الشرعية وإذا جعلنا الشاهد واليمين حجة لم يكن أدنى فثبت تغيير ما اقتضته الآية وكان نسخا.
ببينه: أنه خير بين شيئين أعنى رجلين أو رجلا وامرأتين فإن ضممنا الشاهد واليمين في الحجة إليهما صار مخيرا بين ثلاثة أشياء بعد أن كان مخيرا بين شيئين.
وأما دليلنا أن النسخ إزالة الحكم وتغييره وزيادة التغريب لا يوجب إزالة الحكم ولا تغييره في المائة لأنها واجبة بعد إيجاب التغريب كما كانت واجبة من قبل وإنما أيجاب التغريب ضم حكم إلى حكم وضم الحكم إلى الحكم لا يؤدي معنى النسخ بحال.
стр. 464
ببينه: أن النسخ تبديل الحكم إلى غيره وأبطاله بالثاني تقول العرب نسخت الشمس الظل أي أبطلته ونسخت الرياح الآثار أي أبطلت أعلامها ونسخت الرسوم إذا بدلت ومنه مذهب التناسخ وهو تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأولى.
وأذا ثبت أن النسخ تبديل وتغير وأبطال في الشهادة تقرير لما كان ثابتا وضم شيء إلى شيء آخر نحو آية الزنا أثبتت الجلد مائة والسنة أثبتت التغريب معه وكذلك الظهار واليمين أوجبت الرقبة مطلقة والآية المقيدة بالإيمان أثبتت زيادة الأيمان علية فثبت أن الزيادة موجبة تقرير ما سبق بل الحكم وضم حكم آخر إليه فلم يكن نسخا بوجه ما.
ويدل عليه أن الزيادة على النص لو كانت نسخا لكان القياس باطلا لأن القياس هو أخذ المعنى من الأصل الثابت بالنص والحاق غيره به ما لا يتناوله النص فلو كانت الزيادة على أصل النص نسخا سقط القياس أصلا لاثبات زيادة على النص وحين كان القياس دليلا شرعيا جائزا استعماله في أحكام الحوادث سقط ما قالوه هذا هو ما قاله الأصوليون من الأصحاب وغيرهم ونحن نقرر الكلام على وجه لا تبقى معه شبهة الخصم وينزاح الأشكال فنقول أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت نسخا من حيث أنها تضمن تغير الحكم الثابت من قبل ولا تغير بلا نسخ والدليل على أنه لم يوجد تغيير للحكم الثابت من قبل أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لا يتضمن إلا إيجاب جلد المائة فحسب وإيجاب التغريب لا يغير حكم الجلد لأن حكم الجلد وجوب إقامته والتغريب لا يزيل وجوب اقامة المائة إنما يزيل نفي وجوب ما زاد عن المائة والآية لم تتعرض لما زاد على المائة لا بنفي ولا إيجاب نعم لو لم يرد وجوب التغريب كنا نقول أن الجلد كمال الحد لا تقتضيه الآية لكن لعدم قيام الدليل على وجوب شيء آخر مع الجلد ثم إذا لم يقم دليل على وجوب شيء آخر حكمنا أن الجلد كمال الحد ضرورة لا من حيث أن نص الكتاب دل عليه يدل عليه أن نفى وجوب ما زاد على المائة لم يكن معلوما بدليل شرعي حتى تسمي إزالته نسخا وإنما قلنا لم يكن بدليل شرعي لما بينا أن إيجاب المائة لم يتعرض لما زاد عليها بنفي ولا إثبات فإن انتفى إنما ينتفي الدليل العقلي لأن الفعل يقتضي أنتفاء وجوبه ولم ينقلها عن الدليل العقلي دليل شرعي وإذا كان حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس في النقل عنه كما يجوز في كل حكم عملي يجب بخبر الواحد والقياس والعقل ينفي وجوبه والأول الذي ذكرناه أقرب إلى طريقة الفقهاء وهو في نهاية الوضوح.
стр. 465
ونقول في تقيد الرقبة بالإيمان هو تخصيص لأن الرقبة عامة في كل ما يسمى رقبة فإذا أخرجنا عتق الكافرة من الخطاب كان تخصيصا محضا وإذا عرف وجه الكلام في هاتين الصورتين ظهر في سائر الصور ولم يثبت النسخ الذي ادعوه في صورة ما وإنما نهاية ما في الباب أن يكون ضم حكمه إلى حكم في بعض المواضع مثل التغريب مع الجلد وزيادة العشرين على الثمانين في حد القذف لو قدر١ ورود الشرع بها وكذلك إيجاب النية في الوضوء وإيجاب الترتيب وأثبات الحجة بالشاهد واليمين وكذلك إيجاب قراءة الفاتحة والأولى أن يقال أن خبر الفاتحة بيان لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أو يكون تخصيصا للعموم مثل تقييد الرقبة بوصف الإيمان في كفارة الظهار وكفارة اليمين ويمكن دعوى التخصيص أيضا بإثبات النية والترتيب فإن ظاهر الآية يقتضي جواز الوضوء بالنية وغير النية فيكون إفساده بعدم النية بدليل يقوم عليه تخصيصا وأما الترتيب فعندنا أن ظاهر الكتاب دل عليه على ما بينا في الخلافيات الفروع أما الجواب عن كلامهم قولهم أن الجلد كان قبل التغريب كمال الحد وقد صار بعض الحد قلنا نقول أولا أن قولنا أن الجلد جميع الحد الواجب معناه أنه لا يلزم أن يضم إليه غيره وقولهم قد صار بعض الحد الواجب معناه أنه وجب أن يضم إليه غيره قولهم أن هذه الزيادة نسخ لأنها صيرت الجلد بعض الحد الواجب معناه أن هذه الزيادة إنما كانت نسخا لأنها زيادة ومعنى العبارتين واحد وهذا باطل لأنه تعليل الشيء بنفسه ونقول أيضا أن الكل والبعض من قضايا العقول دون الشرع فلم يفد النسخ وهم يقولون على هذا نعم أن الكل والبعض يعرفان بالعقل لكن كون الشيء كل الحكم الشرعي أو بعضه إنما يعلم بالشرع وطريق الجواب تحقيقا ما سبق من قولنا أن إيجاب التغريب وإيجاب وصف المؤمنة ليس يتضمن تغيير قضية الآية بوجه لما لأنه ليس من قضية الآية الإيجاب جلد المائة فحسب فأما كونه كل الحد أو بعض الحد فليس يعرف بالآية بحال وإنما يعرف بدليل آخر على ما سبق بيانه كذلك الجواب عن كلامهم الثاني وكلامهم الثالث من قولهم أن رد الشهادة تعلق بالجلد لا نسلم وإنما هذا شيء قالوه على أصولهم وعلى أن إثبات النسخ بمثل هذا لا يمكن ألا ترى أن فرائض الصلاة إذا كانت خمسا وقف جواز الشهادة على أدائها ولو زيد في الخمس صلاة سادسة وقف قبول الشهادة على قبول السادسة وفعلها وهذا لا يوجب نسخا في أمر الشهادة ومن.
стр. 466
قال أن إيجاب صلاة سادسة نسخ للصلاة الخمس يلزمه أن يقول: أن الفرائض الشرعية كلها أوجبت فيها شيء يتضمن نسخ ما سبق وهذا لا يقوله أحد وأما إذا صرح الخطاب يكون الجلد كمال الحد فنقول أنه إذا وقع التصريح بذلك يكون أجزاء الجلد وحده حكما شرعيا فكانت إزالته نسخا وأما إذا لم يصرح بذلك بل أوجب الجلد مطلقا فإيجاب الجلد مطلقا لا يتعرض للتغريب بنفي ولا إثبات وإنما يعلم نفيه على ما ذكرنا وهو أن الأصل أن لا وجوب وإزالة حكم الأصل لا يكون نسخا وأما تعلقهم بزيادة ركعة على ركعتين أو زيادة ركعتين على الأربع فقد منع ذلك أصحابنا وزعموا أن ذلك لا يكون نسخا مثل مسألتنا وأن سلمنا فالفرق ظاهر وهو أن زيادة الركعة قد يتضمن تغير حكم الآية بوجه ما لأنه آخر الصلاة على ما ذكروا وأما هاهنا فإن إيجاب التغريب لا يتضمن تغيير حكم الآية بوجه ما لأن أجزاء الجلد باق من الحد مع إيجاب التغريب ولو قدرنا أنه وجب الجلد والتغريب إجماعا ثم جلد من غير تغريب وقع مجزيا عن الحد وإنما لا يكون حدا كاملا وقد بينا أن الآية لا تدل على الكمال ولا على النقصان ولا على البعض ولا على الكل وأيضا فإن زيادة الركعة على الركعتين أو الركعتين على الأربع يوجب نسخ وجوب الجلوس عقب الركعة الثانية وهم يقولون على هذا الجلوس الواجب موضعه آخر الصلاة وهذا إنما يتغير لو تغير آخر الصلاة ونحن نقول قد تغير آخر الصلاة والأولى ما سبق من قبل وأما طريقة أبي زيد فنقول من عرف ما ذكرناه سهل عليه الجواب عن طريقته لأن معتمد أن التغريب إذا أوجب لم يكن الجلد حدا بنفسه وقد بينا أن الآية لا تدل على كونه حدا فحسب فأما قوله بنفسه فليس معناه إلا أنه يقتضي الاتيان يكون حدا كاملا أو مجزيا وحدة وقد أجبنا عن هذا وقلنا أن الآية لا تدل على شيء من هذا والذي قال أن العقوبة والعبادة والكفارة لا تتجزأ وجوبا وفعلا قلنا كون الجلد مجزيا عن الحد ليس بمتعلق بكونه حدا كاملا بنفسه بلا جزاؤه يتناول الإيجاب إياه والشرع قد أوجب الجلد فإذا فعل بنية امتثال أمره لا بد أن يقع مجزيا وهذا كنفس المائة فانه لو ضرب الجلاد خمسين وترك فانه يكون المفعول من الواجب عليه ويكون حدا إلا أنه لا يكون حدا كاملا بل يكون بعضه وأن قالوا: لا يكون حدا أصلا حتى يكمله مائة فهذا محال بل مباشرة بعض الواجب وترك البعض متصور معقولا فلا يكون ترك مباشرة البعض من الواجب كاملا فيما باشره ونضير حقوق العباد واستيفاؤها قالوا: هذا في حقوق العباد مسلم فأما في حقوق الله تعالى.
стр. 467
فلا لأنها لا تتجزأ ثبوتا وأداء بل يصير ما كان مع الزيادة شيئا واحدا فإن كان هذا في الأحكام يصير حكما واحدا وأن كان في العلل يصير علة واحدة وإذا صار شيئا واحدا والاسم تعلق به وبما زيد عليه ذهب فيما دونه.
قالو ولهذا قلنا إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه سقط استعماله ويباح له التيمم لأن الماء لم يجب استعماله لنفسه بل لحكمه وهو إباحة الصلاة والأباحه حكم علق بما يكفي الأعضاء كلها فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال وهذا كنكاح الأربع علة لتحريم النكاح عليهن فلا يكون للواحدة من الأربع حفظ في التحريم وكذلك البيع علة في إيجاب الملك فلا يكون لأحد شطريه أثر في الإيجاب.
قيل في الجواب عنه أن هذا شيء بقوله على أصله ونحن قد رجعنا إلى دليل عقلي قطعي في الباب وهو أن من أمر بحمل شيء فإذا باشر المأمور بعضة بنية امتثال أمره يكون فاعلا لما أمره ويقع موقعة إلا أن يكون بعضه مرتبطا ببعض ينعقد تحريمه شرعية مثل الصلاة والحج وما أشبه ذلك فأما ما كانت مباشرته من الحسيات من إقامة جلد بعدد معلوم فهو مثل ما إذا قال بعدد معلوم وسواء كان حق الله تعالى أو حق العباد فانه لو وجب عليه خمسة دراهم زكاة وهي أقل ما يجب فأدى بعضها وحبس الباقي يكون مؤديا بذلك القدر الذي أداه ما عليه لا يذهب الأجزاء عن المؤدي بتركه إذا ما بقي عليه.
والحرف أن عندنا بعض الحد حدا وبعض الوضوء وضوء وبعض الشيء أداء ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدمي في ذلك والتعلق بما ذكرناه من الدليل.
وأما إيجاب صفة الإيمان في الرقبة الواجبة في الظهار واليمين فليس بنسخ بل هو تخصيص وقد سبق بيان هذا وقولهم أنا إذا قيدنا الرقبة بصفة الإيمان يكون جواز الكفارة بصفة الإيمان لا بكونه رقبة قلنا وأن كان الجواز ثابتا بصفة الإيمان للرقبة لكن الرقبة المطلقة تتناول بإطلاقها المؤمنة والكافرة جميعا لأن الكل رقبة وهي وأن كانت نكرة من الإثبات لكن تتناول كل رقبة على البدل على معنى أن ما من رقبة إلا ويجوز أن تكون هي المراد من رقبة غيرها كقولك رأيت رجلا في الدار فانه ما من رجل إلا ويجوز أن يكون هو الذي رآه فثبت بما ذكرنا أن التقييد بصفة الإيمان هو إخراج الكافرة من مطلق الآية فيكون تخصيصا ولا يكون زيادة وعلى أنه وأن كان زيادة فلا يكون نسخا لأن الرقبة وجبت بالآية وصفة الإيمان وجبت في الرقبة بدليل القياس وكان ضم.
стр. 468
واجب إلى واجب وهو تقرير ما سبق من إيجاب اعتقاق الرقبة وزيادة واحب علية وبإيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة لا يخرج من أن يكون إعتاق الرقبة واجبا عليه لأن فى إيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة إيجاب إعتاق الرقبة وإيجاب اعتبار صفة الإيمان في الرقبة واعتبار هذا لا ينفي إيجاب الرقبة فثبت أن لا تغيير والأول من ادعى التخصيص أحسن وأحرى ونظير ما ذكرنا من أدعى التخصيص قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فإن النص وجد على المشرك ثم قد ضم صفة الذكورة إلى صفة الشرك ولم يكن زيادة بل كان تخصيصا كذلك هاهنا وأما قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليس في جعل اليمين والشاهد حجة دليل على النسخ في هذه الآية لأن الآية ما تعرضت لما سوى المذكور بنفي ولا إثبات وهذا لأن التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب فانتفاء الغالب ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتقاء والنقل من الأصل لا يكون نسخا والعجب أنهم لا يجعلون إيجاب الوضوء بالتقييد نسخا لآية الوضوء ثم هاهنا جعلوا إيجاب القضاء بالشاهد واليمين نسخا ولئن لزم أحدهما لزم الآخر وأما قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقد أجبنا عنه في الخلافيات وقد زعم بعض أصحابنا أن الزيادة على النص نسخ وادعاه مذهب الشافعي واحتج بأنه علية السلام قال: "الماء من الماء" ١ ثم صار منسوخا بقول ﵇: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ٢ وإنما صار نسخا بالزيادة على الأصل وهذا من قائله غلط لأن قوله ﵇ الماء من الماء إنما دل من حيث الخطاب أن الماء إذا لم يوجد لا يجب الغسل فقوله إذا التقى الخناتان فقد وجب الغسل هو نسخ دليل النص بنص وليس النسخ من حيث الزيادة.
стр. 469
فصل: الزيادة على النص لا تكون ناسخا
...
فصل وإذا ثبت أن الزيادة على النص لا تكون نسخا فالنقصان من النسخ لا يكون نسخا أيضا.
وذهب بعض المتكلمين إلى أن النقصان من العبادة نسخ الباقي وقال بعضهم إذا كان نسخا منفصلا عن الجملة لم يكن ذلك نسخا للجملة وأن كان نسخ بعض الجملة كالقيام والركوع والسجود في الصلاة يكون نسخا للعبادة١ ودللنا على ما ذكرناه في المسألة الأولى وهو أن الباقي من الجملة على ما كان عليه لم يزل فلم يجز أن يحكم بنسخه كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ أحدهما لا يكون نسخا للثاني والكلام في هذه المسألة من الجانبين يقرب من الكلام في المسألة الأولى وصورة المسألة فيما لو قدرنا نسخ الوضوء ونسخ استقبال القبلة وفي هذا الموضع وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة فأما إذا قدرنا إسقاط ركوع أو سجود أو قيام فينبغي أن يكون هذا على ما ذكرناه فيما إذا زيدت ركعة على ركعتين أو ركعتان على أربع الظهر وقد بينا فيما سبق.
стр. 470
فصل: ما يجوز به النسخ وما لا يجوز
...
فصل
وقد ذكرنا من قبل وجوه ما يقع بها النسخ وقد بقيت منها بقية فيما يجوز به النسخ وما لا يجوز نذكره في هذا الموضع لا خلاف بين العلماء أن نسخ القرآن بالقرآن جائز٢ كما نسخ بالقرآن صدقة المناجاة الواجبة بالقرآن وكما نسخ العشرون بمصابرة الاثنين في الجهاد ونسخ الاعتدال بالحول بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولأن جميع القرآن موجب للعمل والعلم فساوى بعضه بعضا فجاز أن ينسخ بعضه بعضا وكذلك نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة٣ لقوة الناسخ وضعف المنسوخ ولا يجوز نسخ المتواتر.
стр. 471
بالآحاد١ لضعف الناسخ وقوة المنسوخ وقد ذكرنا طرفا من هذا فأما نسخ القرآن بالسنة فإن كانت السنة أخبار آحاد لم يجز النسخ بها اتفاقا٢ أما إذا كانت السنة ثبوتها بطريق التواتر فقد اختلف العلماء في ذلك على ما سنبين.
مسألة: نص الشافعي رحمة الله عليه في عامة كتبه أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال وأن كانت السنة متواترة ثم اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنه يمنع منه العقل أو الشرع فالظاهر من مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعا والوجه الثاني أنه منع منها الشرع دون العقل ثم اختلف من قال بهذا فقال ابن شريح أن الذي يمنع منه أن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وهذا أصح وقال أبو حامد الإسفرائيني الشرع منع منه ولم يكن مجوزا فيه وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول عامة المتكلمين وقيل أنه اختيار ابن شريح٣ واحتج من جوز بالعقل أنه لو لم يجز لكان لنا أن لا نجوز في القدرة أو في الحكمة والأول لا يجوز لأنه معلوم أن النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام ولو أتى بكلام موضوع لدفع حكم من أحكام الكتاب صح ذلك ودل على ما هو موضوع له والثاني لا يجوز أيضا لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون مسفرا عن النبي ﷺ وموهما أنه ﷺ يأتي بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفر عنه من حيث أن أزال حكما.
стр. 472
شرعيا وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة فإن قلتم أن القرآن معجز فاتصل به دليل يدل أنه جاء من الله تعالى فهذا لا يسقط هذا الدليل أن نسخ القرآن بالقرآن جائز وأن كان النسخ بما لا يظهر فيه صفة الإعجاز ثم النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك موقوف على أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا ألا ترى أن السنة تنسخ بالسنة وأن لم يكن فيها دليل على الإعجاز يدل عليه أن الحكم إذا كان قابلا للنسخ والدليل محتملا لأن يقع به النسخ لم يكن لمنع الجواز معنى الدليل على أن الحكم الثابت بالقرآن يحتمل النسخ بالسنة أنه لا دليل في أن يكون نسخه بالكتاب فحسب لأن السنة كافية في النسخ بها وليس في أنه يجب أن يكون النسخ بالكتاب دليل يدل عليه قالوا: ولأن النسخ إسقاط الحكم في بعض الأوقات التي يتناولها العموم فأشبه التخصيص فإن إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة فكذا النسخ واحتج أبو زيد في هذه المسألة فقال النسخ بيان انتهاء مدة الحكم قال وكتاب الله حجة وسنة النبي ﷺ حجة يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب فكذلك يجوز أيضا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب وقال فإن قال قائل هذا يوهم الاختلاف فهذا غلط لأنه أن كان هذا يوهم الاختلاف فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد قال والذي يوضح هذا أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب ونسخ التلاوة يمحو الحفظ من القلوب أما رفعا وأما بانقراض الذين علموه من غير خلف وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله ﷺ بوحي الله تعالى إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب دليل آخر لهم من حيث الشرع قالوا: يدل على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع والدليل على ذلك أنه كان الوجب على الزائد الحبس في البيوت بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم قالوا: وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] وهذا الحكم منسوخ اليوم بالإجماع.
стр. 473
ولم يعرف نسخه بالكتاب فقد نسخ بغير الكتاب وقال الله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] وقد نسخ ذلك بقوله ﷺ : "اقتلوا ابن خطل وأن كان متعلقا بأستار الكعبة" ١ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقد ينسخ هذا بما روى النبي ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير٢ وأما دليلنا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرا منه فوجب أن لا يجوز النسخ بها وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فهذا يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان بخير من الآية وذلك لا يكون إلا [نسخا] ٣ والناسخ قرآن وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ يفيد أنه يأت من جنسه وجنس القرآن قرآن والاستدلال بالآية معتمد يدل عليه أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا يدل أن غيره يعجز عنه فإن قيل المراد من الآية نأت بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب وربما يعبرون عن هذا فيقولون معنى الآية نأت بخير منها أو مثلها في النفع وأما قولكم أنه قال نأت فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه قلنا إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة فالذي أتى بذلك هو الله ألا ترى أن الله هو الناسخ على لسان نبيه ﷺ كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه ﷺ قالوا: وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أن الله تعالى إذا كان هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه ﷺ فالقدرة في ذلك له دون غيره وأما قولهم أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يقتضي أن يكون ما يأتي من جنسه قال هذا لا يفيد ما قلتم فإن الإنسان إذا قال ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبا أو غيره.
стр. 474
فقد صدق في قوله ووعده.
ثم ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثم المتكلم وهو أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ليس فيه أنه يأتي بخير منها ناسخا بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في حكم آخر بعد نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية الجواب أن الاستدلال بالآية قائم ونقول على سؤالهم الأول أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقتضي أن الذي يأتي به خير من الآية المنسوخة على الإطلاق وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلا في نسخ القرآن بالقرآن فأما في نسخ القرآن بالسنة لا يوجد لأنه لا تكون السنة خيرا من القرآن على الإطلاق بحال بل يجوز أن يكون خيرا في الثواب أو أنفع منه وهذا لا يقتضي أن يكون خيرا على الإطلاق بل الخير على الإطلاق أن يكون خيرا من كل وجه فإن قيل إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصور أن يأتي بخير من الأول بحال وأن نسخ القرآن بالقرآن لأن القرآن لا تكون بعض آياته خيرا من البعض قلنا يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقي الإخلاص والإخلاص أكثر في الثواب من غيره وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] أبلغ في الإعجاز من غيره فإذا نسخ القرآن بالقرآن يجوز أن يظهر الخيرية المطلقة فأما إذا نسخ القرآن بالسنة فلا يظهر الخيرية المطلقة لأنه أن كان خيرا في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز فإنه كلام الله وإنه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك قال الخطابي أن الشيء إذا أطلق أنه خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من الوجوه أما قولهم إنا إذا نسخنا القرآن بالسنة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو الله أيضا قلنا لا ننكر هذا لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصا فيه وأما الذي ثبت بالسنة فهو وأن كان صدوره عمن لا ينطق عن الهوى لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته هذا كما أن الوحي يختلف فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهاما ونفثا في الروح ووحي الكتاب مخالف لكل هذا إذ هو الأعلى والمتقدم على سائر أنواعه كذلك ها هنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما يثبت به أما قولهم على قولنا أن قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقتضي أن يكون من جنسه أنه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه قلنا لا بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ فأما قول القائل ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه.
стр. 475
إنما يفيد ما ذكرتم لأنه ذكر لفظ ما وهذا اللفظ يقع على الثواب وعلى غيره وليس كذلك الآية لأن الله تعالى لم يقل بما هو خير منها وإنما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فنظير قول القائل ما أخذ منك من ثوبا آتيك بخير منه وهو مفيد ثوبا خير من الثواب الأول وأما الذي نسبوه إلى أبي هاشم من السؤال فليس بشيء لأنه خلاف قول المفسرين بل خلاف قول جميع الأمة وقد قال كل من تكلم في هذه الآية من العلماء أن الآية التي تأتي ها هنا هي الناسخة والأخرى هي المنسوخة وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز أن يعترض به على إجماع المفسرين ونقول أيضا على قولهم أن ما يثبت بالسنة قد يكون أنفع وأفضل في الثواب قلنا هذا محال لأن الثابت بالسنة أن كان أنفع عملا فيبقى أن الكتاب أنفع لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السنة والاعتماد في المسألة على هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] فأخبر أن تبديل القرآن ونسخه يكون من عند الله لا من عند نفسه وسؤالهم على هذا بما قالوا: أنه وأن كان من عند الرسول ﷺ بصورة ولكنه من عند الله حقيقة وقد أجبنا عن هذا وهذا لأنه إنما يضاف إلى الله ما اختص به ويضاف إلى النبي ﷺ ما اختص به ولو كانا مضافين إلى الله لم يجز إضافة أحدهما إلى النبي ﷺ .
واعلم أن المسألة مشكلة جدا وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى اختيار مذهبهم في المسألة والذي يمكن الاعتماد عليه هو ما ذكرنا ولا ينبغي أن يستدل في هذه المسألة من حيث المعنى لأن نهاية ما قالوه هو أن الكتاب أفضل من السنة فلا يجوز نسخ الشيء بما هو دونه في المرتبة كما أنه لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد والكلام على هذا يسهل فإنهم يقولون كل واحد من الكتاب والخبر المتواتر دليل مقطوع به والجواز عقلا موجود فلا سبيل إلى امتناعه ونحن نقول إنما لم يمتنع ذلك عقلا فعلى هذا سقط جميع ما ذكروه من حيث المعقول في الدليل على جوازه وبقي الدليل الشرعي الذي أقمناه في المنع منه وأما تعلقهم بالمواضع التي استدلوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنة فهي دلائل ضعيفة وسنبين الكلام على واحد واحد من ذلك أما آية الإمساك في البيوت قلنا قد قالوا: أن الآية الواردة في الأذى والحبس في البيوت وآية الجلد كل ذلك في الأبكار دون المحصنين وفي ذلك نسخ الكتاب بالكتاب وأما الرجم الذي هو حد.
стр. 476
المحصنين ثبت بالسنة ابتداء وهذا جواب ابن شريح وهو حسن جدا فإن قالوا: لا بد على هذا من دليل قلنا لأن الرجم حد المحصن وليس في هذا الموضع ذكر الإحصان ولا ذكر ما يدل عليه الإحصان.
جواب آخر أن سلمنا أن المحصنين والأبكار قد دخلوا في حكم الكتاب لكن بنسخ الحبس والأذى بآية الجلد ثم آية الجلد نسخه في المحصن بقوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد كان ذلك قرآنا يتلى في زمان النسخ وأن رفعت تلاوته من بعد وكان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة.
ووجه ثالث وهو أن حكم الرجم مبني على قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] أن الله تعالى جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس فقد تضمنت الآية أن حكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلا وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة وكأن الله تعالى قال وأمسكوهن في البيوت حتى يتبين فيهن سنة ثم قد ثبت ببينة الرجم فانقضى زمان حكم الحبس مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب فحين وجد وقته ارتفع وأما نسخ الوصية للوالدين والإرث ثبت بآية المواريث وقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" ١ بيان أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية فإن الآية أن النبي ﷺ قال: "أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" والفاء تدل على تقدم المسبب كقولك قمت إلى فلان فضربته دل أن القيام سبب لضربه فيكون على هذا الخبر الوارد مثبتا للكتاب لا ناسخا له ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه وسائر ما قالوه من بعد إنما هي عمومات دخلها التخصيص وكذلك أن أوردوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" ٢ فهذا وأمثاله ليس بنسخ وإنما هو عموم خص ونحن نجوز تخصيص الكتاب بالسنة وإنما الكلام فى النسخ وقد منع الشرع من النسخ ولم يمنع من التخصيص وسنبين الفرق بين النسخ والتخصيص من بعد.
ببينه: أن التخصيص جائز للكتاب بخبر الواحد وأجمعوا أن النسخ لا يجوز بخبر الواحد.
стр. 477
وأما قولهم يجوز نسخ التلاوة ونسخ التلاوة يمحو حفظه عن القلوب إلى غير كتاب.
قلنا نحن إنما منعنا بالشرع والشرع إنما منع نسخ الكتاب إذا أتى بشيء آخر أن ينسخه إلا أن يكون الذي يأتي به خير منه وهذا لا يوجد في الموضع الذي صوره وإنما يوجد في موضع الخلاف لأن نسخ الكتاب وإثبات السنة التي هي دونه والشرع قد رفع هذا وأباه نصا على ما سبق ذكره والله أعلم.
مسألة فأما نسخ السنة بالقرآن.
فمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز نسخ السنة بالقرآن فأما إذا منعنا نسخ القرآن بالسنة فقد اختلف في هذه الصورة الثانية وذكر الشافعي رضوان الله عليه في كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولعله صرح بذلك ولوح فى موضع آخر بما يدل على جوازه فخرجه أكثر أصحابنا على قولين أحدهما لا يجوز وهو الأظهر من مذهبه.
والآخر يجوز١ وهو الأولى بالحق.
واستدل من تعلق بالقول الأول بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فلما جعل السنة مبينة للكتاب لم يحتج المبين إلى بيان أو يقال إذا كانت السنة مبينة للكتاب فلا يكون الكتاب مبينا للسنة لأن الشيء الواحد لا يكون مبينا ومبينا ولأنه نسخ للشيء بغير جنسه فلم يجز كما لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة على ما بينا.
واعلم أن الأولى والأصح أنه جائز والدليل على جوازه وجود ذلك فإن النبي ﷺ صالح المشركين عام الحديبية٢ وكان مما شرط في الصلح أن جاء من المشركات مسلمة إلى النبي ﷺ ردها إليهم ثم نسخها الله تعالى ونقض الصلح في ذلك على الخصوص بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
стр. 478
وأيضا فإن النبي ﷺ آخر الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوى من الليل ثم صلاها على ترتيب ما فاتت١ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية وأيضا قال النبي ﷺ كان متعبدا في الابتداء بالتوجه إلى بيت المقدس ولم يكن ثبوت ذلك بالكتاب لأنه ليس في القرآن دليل عليه ولم يكن ذلك أيضا لاتباعه شريعة من قبله لأنه لم يقم دليل على أنه يلزمنا اتباع شريعة من قبلنا فقد كان ذلك بمحض السنة ثم نسخ بالكتاب فثبت بما بينا وجود نسخ السنة بالكتاب وإذا وجد صار شرعا جائزا.
وأما الدليل من حيث المعقول فلأنه لا مانع من جوازه لا من حيث القدرة ولا من حيث الحكمة وقد سبق بيان هذا في المسألة المتقدمة ولا يجوز أن يقال أن نسخ السنة بالكتاب يوجب التنفير عن الرسول ﷺ لأنه يوهم أنه لا يرضى بما سنه الرسول ﷺ وقد لا يصح لأن النسخ يرفع الحكم بعد استقراره واستقراره يمنع من هذا التوهم لأنه لم يرض بما سنه لم يقر عليه أصلا وعلى أن ذلك لو نفر عنه لنفر عنه أيضا نسخ السنة بالسنة لأن الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى كلام ينزله الله تعالى ولأن الكتاب أقوى والسنة أضعف ويجوز نسخ الأضعف بالأقوى والمعتمد أنا إنما منعنا نسخ القرآن بالسنة للشرع منع من ذلك ولا يوجد مثل ذلك في هذا الجانب هو نسخ السنة الكتاب لأن نسخ السنة بالكتاب ونسخ الشيء بما هو خير منه ولا دليل في العقل يمنع منه فجاز النسخ إذا لم يكن منه مانع وأما تعلقهم بقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النحل ٤٤ قلنا ليس في قوله لتبين للناس ما نزل إليهم دليل على أن لا يتكلم إلا بالبيان كما أنك إذا قلت: دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر على أنه ليس في كون كلامه بينا للكتاب ما يمنع من نسخه للكتاب إذا قام الدليل عليه كما لا يمنع ذلك من نسخ قوله بقوله وكما لا يمنع أن ينسخ الكتاب بالكتاب وأن كان بعضه يكون بيانا لبعض وأما قولهم أنه ينبغي أن يكون نسخ الشيء بجنسه دعوى لا دليل عليه فسقط والله أعلم.
стр. 479
مسألة: وقوله اشتبه الفرق تحقيقا بين النسخ والتخصيص على كثير من الفقهاء لا بد من معرفة الفرق بينهما وهما متقاربان لأنهما يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه فلتقاربهما اجتمعا في بعض الأحكام ولاختلافهما افترقا في بعض الأحكام والنسخ يختص بالأزمان والتخصيص يختص بالأعيان ويرفع النسخ بعض الأزمان ويرفع التخصيص بعض الأعيان وهذا الرفع في التحقيق متوجه إلى أحكام الأفعال في الأزمان والأعيان وإنما يرسل القول رفع الأزمان والأعيان على وجه المجاز لأن وجود الأعيان والأزمان في الحالين على سواء وإنما تتغير أحكام الأفعال فيهما ثم يجتمعان وأن كل واحد منهما أعني النسخ والتخصيص بيان ما لم يرد باللفظ فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم والمراد بالنسخ غير مراد من الخطاب.
ثم اعلم أن النسخ والتخصيص يفترقا من وجوه كثيرة.
أما التفريق بينهما في الحد فقيل أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته ثم قد ذكر الأصحاب وجوها من التفريق بينهما.
أحدها: أن النسخ لا يكون إلا بمنفصل عن المنسوخ والتخصيص يصح ويكون بالمنفصل والمتصل.
والثاني: أن نسخ المقطوع به لا يكون إلا بالمقطوع به وهو على قول الشافعي ﵀ لا يكون إلا بجنسه فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا السنة إلا بالسنة على أحد القولين أما تخصيص العموم يجوز للشيء المقطوع به وأن كان العموم مقطوعا به وبغير جنسه.
الثالث: أن النسخ لا يكون إلا قولا وخطابا والتخصيص يجوز بجميع أدلة الشرع والعقل.
والفرق الرابع: قد يصح النسخ فيما علم بالدليل أنه مراد وأن لم يتناوله اللفظ والتخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله باللفظ.
والخامس: أن النسخ يختص بالأحكام ولا يصح في الأخبار والتخصيص يجوز فيهما.
والسادس: أن النسخ رافع لجميع الحكم والتخصيص يثبت لبعض الحكم وكذلك يجوز أن يعود النسخ إلى الشيء الواحد ولم يجز أن يعود التخصيص إلا إلى عدد أقله اثنان.
стр. 480
والسابع: أن النسخ يختص بعموم الأزمان والتخصيص يختص بعموم الأعيان وبهذا المعنى فرق أصحابنا بين التخصيص والنسخ فقالوا: النسخ تبديل والتخصيص تقليل١.
وهذه الوجوه كلها ذكرها الأصحاب في الفرق وشرح ذلك يعرف في مسائل متفرقة وقد مضى أكثر ذلك.
مسألة: إذا نزل النسخ على رسول الله ﷺ ثبت النسخ في حق النبي ﷺ وفي حق الأمة.
على قول بعض أصحابنا وقال بعضهم لا يثبت ذلك في حق الأمة٢ حتى يتصل بهم وتعلق من قال بالوجه الثاني بقصة أهل قباء فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة وقد صلوا بعض صلواتهم فاستداروا كما هم إلى القبلة ومعلوم أنهم كانوا قد فعلوا بعض الصلاة بعد النسخ قبل أن يتصل بهم الخبر ومع ذلك لم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة ولأن الله ﵎ لا يكلف إلا ما يكون في وسع العبد وإذا كلف العبد الشيء قبل أن يعلمه يكون قد كلف ما ليس في وسعه وهو باطل ولهذا المعنى لا يأثم بالتأخير إلى أن يعلم ولو كان الخطاب قد توجه عليه لكان يأثم وحين لم يأثم ثبت ما قلنا.
وأما دليل الوجه الأول أن النسخ محض إسقاط فلا يعتبر فيه علم من سقط عنه كالطلاق والعتاق وهذا لأن دليل النسخ قد قام ولا دليل على اعتبار علم من يعمل النسخ في حقه فإذا لم يكن دليل ثبت النسخ على العموم وهذا لأن الخطاب بالشرعيات ثبت بإثبات الله تعالى فإذا كان الله تعالى رفعه فكيف يبقى ثابتا ولأن النسخ يكون بإباحة محظور والإباحة تكون من الله تعالى ويكون من قبل الله تعالى العبد ثم الإباحة من قبل العبد يثبت حكمها قبل علم العبد بالإباحة مثل أن نقول أبحث ثمرة بستاني لبنى فلان ولم يعلموا بإباحته لهم فتناوله واحد منهم قبل العلم لم يجب الضمان.
стр. 481
بالإجماع فكذلك الإباحة من قبل الله تعالى جاز أن تثبت على هذا الوجه وأما حديث أهل قباء قلنا استقبال القبلة يسقط بأعذار كثيرة إلا ترى أنه يسقط في النوافل لعذر السفر فكذلك يجوز أن يسقط عنهم بعذر الجهل وأن كانوا توجه الخطاب عليهم وأما قولهم أنه يؤدي إلى تكليف العبد ما ليس في وسعه ثم يجوز أن لا يأثم والخطاب متوجه إلا ترى أنه لو نسي الخطاب أو نام عن المأمور لم يلحقه الإثم والخطاب متوجه في حقه ولعل هذه المسألة تأتي من بعد بأشرح وأبسط مما ذكرناه أن شاء الله انتهى باب الناسخ والمنسوخ والقول في ذلك ونذكر الإجماع.
стр. 482
القول في الإجماع وما يتصل بذلك
مدخل
...
القول في الإجماع وما يتصل بذلك.
اعلم أن الإجماع هو اتفاق أهل العصر على حكم النازلة ويقال اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة١ هذا الحد أحسن واختلفوا في معنى تسميته بالإجماع فقال قوم هو مأخوذ من اجتماع الأقوال عليه فصار بالاجتماع إجماعا وقال آخرون بل هو مأخوذ من الجمع الذي هو العزم من قولهم قد أجمع فلان على كذا إذا عزم عليه ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي اعزموا عليه وقال النبي ﷺ : "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" أي يعزم عليه وينويه وهذا المعنى باللغة والأول بالشرع أشبه وعلى المعنى الثاني يصح الإجماع من الواحد وعلى المعنى الأول لا يصح إلا من جماعة والإجماع إذا أطلق في اللغة قد يفهم منه العزم على الشيء والإجماع على الشيء من اثنين فصاعدا وأما في الشرع فإن الإجماع إذا أطلق لا يتناول إلا اجتماع الأمة على الحق ثم اعلم بعد هذا أن الإجماع ممكن وانعقاده متصور وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن وهذا باطل لأنه لما كان الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ممكنا لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على اعتقاد أو حكم واستفاض ذلك فيما بينهم أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلو اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره أما صريحا أو تعريضا فصار.
стр. 483
عدم الخلاف منهم دليلا على وجود الإجماع وسيأتي الكلام في هذا بأكثر من هذا الذي ذكرناه وإذا ثبت وجود الإجماع فأول مسألة تذكر من ذلك كونه حجة.
مسألة: الإجماع حجة من حجج الشرع ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام وهو حجة مقطوع بها.
وقال النظام ليس بحجة وقالت الإمامية ليس بحجة من حيث الإجماع لكن الحجة في أن الإمام داخل فيهم وقوله مقطوع على صحته وذهب بعض من دفع الإجماع إلى أنه لا يتصور وجود الإجماع.
واعلم أن من يدفع الإجماع فإنه يسلك أحد مسالك ثلاثة:
أحدها: أن يحيل وقوع الإجماع.
والثاني: أن يحيل ثبوت الطريق إليه.
والثالث: أن يقول: ليس في الشرع ولا في العقل دليل على أن الإجماع حجة١.
أما الأول قالوا: أنه لا يمكن ضبط أقاويل العلماء على كثرتهم تباعد ديارهم ألا ترى أن أهل بغداد لا يعرفون أهل العلم بالمغرب فضلا أن يعرفوا أقاويلهم في الحوادث وكذلك من بالمشرق فدل أن معرفة قول الأمة بأجمعهم في الحوادث متعذرة لا سبيل إليها ثم قالوا: كيف يتصور اتفاق آرائهم في الحادثة مع تفاوت الفطن والقرايح وتباين المذاهب وتفنن المطالب وأخذ كل قوم صوبا من أساليب الظنون فيكون تصوير إجماعهم في الحكم المظنون بمثابة تصور إجماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل نوع من الطعام وأيضا لو تصور إجماعهم كيف يتصور النقل عنهم على التواتر والحكم في المسألة الواحدة ليس مما يتوفر الدواعي إلى نقله فنثبت أن تصور الإجماع بأنه متسلل وأيضا فإن الرجوع من كل واحد منهم موهوم ومع هذا الذي قلناه لا يتصور انعقاد الإجماع على وجه يؤمن معه الخطأ لأنه يستحيل أن يجوز على كل واحد من الأمة الخطأ ثم لا يجوز على جماعتهم كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وأن يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود.
وأما المسلك الثاني وهو أنه لا طريق إليه لأنه لو انعقد الإجماع لكان لا بد أن يكون.
стр. 484
إجماعهم صادرا عن أصل فإن انعقد عن نص وجب نقله والاستغناء به وأن انعقد عن اجتهاد وأمارة مظنونة فلا يجوز ذلك لأنهم مع كثرتهم واختلاف هممهم لا يجوز أن يوجد إجماعهم عن الأمارات المظنونة يدل عليه أنكم جعلتم الإجماع حجة وإذا انعقد عن دلالة فتكون الدلالة هي الحجة لا الإجماع قالوا: ولا يجوز أن يقال ينعقد إجماعهم لا عن دلالة لأن الذين ينعقد بهم الإجماع ليسوا بآكد حالا وأعلى مرتبة من النبي ﷺ ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقول: ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل ولأنه إذا جاز لهم أن يقولوا إلا عن دليل جاز لكل واحد منهم أن يقول أيضا بغير دليل لأنهم إنما يجتمعون على القول بأن يقول: كل واحد منهم ونحن نعلم قطعا أنه لا يجوز لكل واحد منهم أن يقول بغير دليل وإذا لم يجز لآحادهم لا يجوز لجماعتهم وإذا ثبت أنه لا بد من دليل فتكون الحجة هي الدليل لا الإجماع.
وأما المسلك الثاني فيطالبون بإقامة الدليل قالوا: ولا دليل عليه لا من حيث العقل ولا من حيث السمع وقد تعلق بعضهم بالأمم السالفة وقالوا: لما لم يكن إجماعهم حجة فكذلك اتفاق هذه الأمة وتمسكوا بظواهر منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يذكر الإجماع ولو كان حجة لذكره ويدل عليه أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله تعالى قال بسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ " قال أجتهد رأيي١ ولم يذكر الإجماع ويدل عليه أن النبي ﷺ قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٢ وهذا يدل على جواز الضلالة على الأمة وإذا جازت الضلالة عليهم لم يكن إجماعهم حجة.
وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب وهو قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط من كل شيء خياره وقيل الوسط من يرضى قوله وقيل هو العدل والمعاني متقاربة وقال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... وإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والشاهد أتم لمن.
стр. 485
يكون قوله حجة فقد وصف الله تعالى الأمة بالعدالة والشهادة فدل أن قبول قولهم واجب لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس ثم لا يقبل قولهم ولا يجعله حجة.
ببينة: أن الحكيم لا يصف بخيرية قوما ليشهدوا وهو عالم بأنهم كلهم يقدمون على الكذب فيما يريدون فدل أنه تعالى علم أنهم لا يقدمون إلا على الحق حيث وصفهم بما وصفهم فإن قيل المراد بالآية هو شهادتهم في الآخرة على الأمم بأن الأنبياء بلغت إليهم الرسالة وهذا يقتضي أن يكونوا عدولا في الآخرة لا في الدنيا والجواب أن هذا لو كان هو المراد لقال نجعلكم أمة وسطا فلما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] دل أن هذا الوصف متحقق فيهم في الحال وعلى أن الآية عامة في الدنيا والآخرة فإن قيل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أن كان المراد بهذا جميع من صدق النبي ﷺ إلى يوم القيامة فلا يتصور إحاطة علمنا بإجماع كل من صدق النبي ﷺ وأن أريد بذلك من وجد في زمان نزول الآية فينبغي أن لا يكون الإجماع في موضع ما حجة حتى يعلم أن جميع من كان حاضرا حين نزلت الآية قال بذلك القول والجواب أن الله ﵎ لما وصفهم بالعدالة والشهادة فقد أوجب علينا قبول قولهم في ذلك فلا يجوز أن يقسم تقسيما يؤدي إلى سد باب الوصول إلى شهادتهم فيكون المراد بالآية أهل العصر الصحابة بعد موت النبي ﷺ أو أهل كل عصر يأتي وقد تأيد هذا الاستدلال بقوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فدل أنهم ينهون عن كل منكر لأن لام الجنس مستغرق الجنس فلو جاز إجماعهم على مذهب منكر لما كانوا ناهين بل كانوا آمرين بذلك وقد قيل أن معنى قوله كنتم صرتم ويحتمل وجدتم ويحتمل أنتم خير أمة ذلك معتمد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فقد جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور في الوعيد إلا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم لغيره أن تبت وشربت الماء عاقبتك وإذا قبح غير سبيل المؤمنين وجب تجنبه وليس يمكن تجنبه إلا باتباع سبيلهم لأنه لا واسطة بين اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم وقد تبين بهذا الجواب عن السؤال الذي يقولونه وهو أن الله تعالى علق الوعيد بمخالفة الرسول.
стр. 486
وترك اتباع غير سبيل المؤمنين قد بينا أنه لا يصح الجمع بين شيئين في الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد يدل عليه أنه لا خلاف أنه يستحق الوعيد بمشاقة الرسول على الانفراد فكذلك استحق الوعيد بترك متابعة سبيل المؤمنين على الانفراد فإن قيل المراد بترك متابعة سبيل المؤمنين في مشاقة الرسول قلنا فيكون لا فائدة في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين لأن استحقاق الوعيد عرف بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥] فيجب أن يكون الوعيد بترك اتباع سبيل المؤمنين متعلقا بمعنى آخر غير ما سبق يفيد فائدة وأيضا فإن هذا السؤال يقتضي أن لا يكون مشاقة الرسول بانفراده معصية فإن قيل قد شرط الله في لحوق الوعيد أن يكون اتباعه غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له الهدى والألف واللام لاستغراق الجنس فاقتضى استيعاب الهدى وكان معنى الآية من تبين جميع الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين لحقه الوعيد فيدخل ما أجمعوا عليه في جملة الهدى فعلى هذا يجب أن يكون الهدى بدليل سوى قول الأمة تم إذا تبين يتبعون فيه كما أن الإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه اقتضى أن يكون تبين صدقه بشيء سوى قوله.
والجواب أنه قد قيل أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد المذكور بمشاقة الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين لأن الإنسان إنما يكون مشاقا معاندا إذا تبين الحق وعرفه وكان هذا الشرط مقصورا على المشاقة فقط وأيضا فإن الذي قالوه لو كان على ما زعموا لبطل فائدة تخصيص المؤمنين مع علمنا أنه خرج الكلام مخرج تمييز المؤمنين والإعظام لهم ألا ترى أن غير المؤمنين إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول مثل قولهم كما يلزمنا مثل ذلك في المؤمنين يدل عليه أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأنهم قالوه وليس اتباعهم هو مشاركتهم في قولهم لأن دليلا دل عليه ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود في إثبات الصانع جل شأنه وفي نبوة موسى ﵇ وأن شاركناهم في اعتقاد ذلك لما لم نصر إلى ذلك لأجل قولهم فإن قيل هذا الاستدلال بدليل الخطاب لأنكم قلتم لما ذكر في الآية إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين دل أن اتباع سبيل المؤمنين واجب وهذا تعلق بمحض دليل الخطاب لأنه ليس في الآية الأمر باتباع سبيل المؤمنين.
قالوا: والاستدلال في مثل هذه المسألة بدليل الخطاب لا يجوز.
الجواب أن مطلق الآية تدل على ما قلناه لأن الله تعالى نص على إلحاق الوعيد.
стр. 487
باتباع غير سبيل المؤمنين وعند المخالف لا يلحق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين بحال وعلى أن الاستدلال بالآية تقسيم عقلي لا يتصور خلافه وهو أنه أما أن يوجد اتباع سبيل المؤمنين أو يوجد اتباع غير سبيل المؤمنين ولا ثالث لهذين فإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين قطعنا بوجوب اتباع سبيل المؤمنين فإن قيل وقد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين فظاهره يقتضي أن يتبع غير سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وعندنا إذا اتبع غير سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين يلحقهم الوعيد.
والجواب أنه ليس كما زعموه لأن ظاهره يقتضي لحوق الوعيد عند ترك اتباع سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وفيما لم يصيروا به مؤمنين.
ألا ترى أنه لو قال القائل اتبع سبيل العلماء يقتضي أن يتبع سبيلهم فيما صاروا به علماء وفيما لم يصيروا به علماء وأيضا فإن الآية تقتضي لحوق الوعيد في هذا الفعل بترك اتباع سبيل المؤمنين وعلى هذا السؤال لا يكون بترك اتباع سبيل المؤمنين وإنما يكون الوعيد بترك الإيمان والتوحيد وما يتصل بذلك لا بترك اتباع سبيل المؤمنين فسقط السؤال بهذا الوجه.
فإن قيل قد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين وهذا يقتضي سبيلا واحدا فلا يقتضي كل سبيل يوجد.
والجواب أنكم إذا سلمتم أنه إذا ترك اتباع واحد يستحق الوعيد فثبت أنه إذا ترك اتباع كل سبيل هو سبيل المؤمنين يستحق الوعيد أيضا وعلى أن السبيل قد صار معرفا بالإضافة إلى المؤمنين وإذا صار معرفا بهذا الوجه فلا فرق بين أن يعرف الألف واللام أو يعرف بالإضافة وإذا ثبت أن السبيل معرف اقتضى كل سبيل هو سبيل المؤمنين وإذا ترك ذلك استحق الوعيد والاستدلال بهذه الآية في نهاية الاعتماد وقد احتج الشافعي رحمة الله عليه بهذه الآية.
دليل آخر في أن الإجماع حجة:
وهذا الدليل من السنة وهو ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ١.
وفي رواية: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" ٢ وقال ﷺ لم يكن الله
стр. 488
ليجمع هذه الأمة على الخطأ وقال: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح" ١ وقال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ٢ وقال: "من فارق الجماعة فمات ميتة جاهلية" ٣ وقال: "عليكم بالجماعة" ٤ و "يد الله مع الجماعة" ٥ و "من شذ شذ في النار" ٦ وقال: "عليكم بالسواد الأعظم" ٧ وقال: "من فارق الجماعة فاقتلوه" ٨ وقال ﷺ : "من أحب أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" ٩ وقال ﷺ : " ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم والنصح لأولي الأمر" ١٠ وقال ﷺ ستكون بعدي هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جمع فاضربوا عنقه كائنا من كان١١.
стр. 489
والأخبار في معنى هذا كثيرة وإذا أمر في هذه الأخبار بالكون مع الجماعة ونهى عنه الشذوذ ونفى الخطأ والضلالة عنهم دل ذلك أن إجماعهم حجة وصواب وحق يدل عليه أنه ﷺ لما قال: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" فما أجمعوا عليه أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه فيجب كون ذلك صوابا غير خطأ فإن قالوا: هذه الأخبار آحاد فلا يصح إثبات الإجماع بها وهي من مسائل الأصول قيل هي متواترة من طريق المعنى فإن ألفاظها وأن اختلفت فقد اتفق الكل على معنى واحد وهو وجوب التمسك بالإجماع وتحريم المخالفة وعصمة الأمة من الاجتماع على الخطأ والضلالة وقد بينا أن مثل هذا الطريق يفيد العلم فإن قيل قوله لا تجتمع أمتي على الضلالة يحتمل أنه ﷺ أراد بالضلالة الكفر دون غيره وكذا نقول أن هذه الأمة لا تجتمع على الكفر فقد قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" قيل له كل معصية ضلالة لأنه قد عدل بها عن الحق ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ فينبغي أن لا يجوز اجتماعهم على خلاف الحق بحال لأنا قد ذكرنا أن كل ما عدل به عن الحق ضلال وعلى أنه قد قال ﷺ : "لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ" وهذا لا ينفي أنواع الخطأ لأن الكلام خرج مخرج بيان كرامة هذه الأمة على الله وكرامتهم على الله تنفي أن يجتمعوا على كل ما هو خطأ وعدول عن الحق فإن قيل قوله أمتي يتناول جميع أمته من وقته إلى قيام الساعة ولا يتصور اجتماع كلهم على الخطأ وأيضا فإن إجماعهم لا يتصور أن يكون حجة لأنه إذا كان يتناول جميع من صدقه إلى انقطاع التكليف فلا يوجد بعد ذلك تكليف حتى يكون اجتماع هؤلاء حجة وقد ذكرنا الجواب عن هذا السؤال فيما سبق وبينا أن المراد بهذا أهل كل عصر.
ببينة: أن عند المخالفين يتصور اجتماع أهل كل عصر على الخطأ والضلالة فإذا تصور ذلك عندهم في أهل كل عصر إلى أن ينقطع التكليف فقد تصور اجتماع الكل على الضلالة وقد نفى النبي ﷺ ذلك فإن قيل ولم قلتم إذا كان لا يجوز اجتماعهم على الخطأ والضلالة يجب أن يكون اجتماعهم حجة ولا يجوز مخالفته قيل له قد اجتمعت الأمة أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه ونعني بهذا إجماع من يقول: أن الأمة لا تجتمع على الخطأ دون غيرهم فكل من قال أن الأمة لا تجتمع على الخطأ فقد قال أن إجماعهم حجة لأنه لم يجوز لأحد منهم مخالفتهم على ما ورد به النص وإذا
стр. 490
أجمعوا أنه لا يجوز المخالفة فقد أجمعوا أنه يكون حجة.
ببينة: إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع وتخطئته ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ومحادة المسلمين ومشاقتهم ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة بل يعدون ذلك من عظام الأمور وقبيح الارتكابات فدل أنهم عدوا إجماع المسلمين حجة يحرم مخالفتها وفي المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب وأوردها المتكلمون والقدر الذي قلناه كاف وهو المعتمد.
وأما الجواب عن الذي قالوه أما الأول قوله أنه يستحيل وجود الإجماع قلنا لا يستحيل على ما سبق بيانه أما قولهم أنه مع كثرتهم وتباعد ديارهم يمتنع ويتعذر الوقوف على إجماعهم قلنا نقول: أولا كيف يدعى استحالة هذا ونحن نرى خيلا من الكفار يرمى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بطلانها بأدنى ذكر فإذا لم يمتنع ذلك إجماع أهل الدين على حكم من أحكام الدين وأيضا فإنا نعلم إجماع العلماء من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة ﵏ على مذهب كل واحد منهما في مسائل الفروع مع تباعد الديار وانقطاع المزاد فدل أن الذي ادعوه من الاستحالة باطل هذا جواب القاضي أبي بكر ثم نقول أن الوقوف على الإجماع غير ممتنع بسماع أقاويل الحاضرين والنقل من الجانبين كما يمكن معرفة اتفاق المسلمين على الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان واعتقاد أداء الزكاة والحج وغير ذلك مع كثرة المسلمين وتباعد الذكر بهم لأن الاعتبار بعلماء العصر وأهل الاجتهاد وهم كالأعلام في كل عصر لا تجلى مواضعهم ولا وأقوالهم.
ببينة: أن من عاصر الصحابة يمكنه أن يكتفي بكل واحد من المجتهدين أو ببعضهم فيعرف قوله ويتعرف قول الناس لأن أهل الاجتهاد من ذلك الوقت كانوا محصورين وكذلك التابعون فأمكن التوصل إلى معرفة قولهم بالطريق الذي قدمنا وأيضا فإن القول المنتشر في أهل العصر من غير مخالف دليل على الإجماع وهذا يمكن معرفته وهذا لأن الدليل الذي دل على أن الإجماع حجة يوجب أن يكون سبيل من الوصول إليه ولا وصول إلا بالقول المنتشر في الأمة وعدم المخالف لذلك لأن معرفة قول كل واحد من علماء العصر لا سبيل إليه في العالم ولا يجوز أن يوجب علينا ما لا سبيل إلى الوصول إليه فإذا لم يمكن إلا هذا القدر علمنا أن ذلك حجة وأنه المعنى بالإجماع الذي أوجب علينا اتباعه وأما قولهم أنه يستحيل أن يجوز الخطأ على كل واحد منهم.
стр. 491
ثم إذا اجتمعوا لا يجوز قلنا المستحيل أن يقال أن كل واحد من الأمة يجوز كونه مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لم نقل هذا وإنما نقول أن كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد وإذا اجتمع مع الكافة لم يكن قوله خطأ وليس نمنع أن يفارق الواحد الجماعة في هذا ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا مخصوصا ولا يجوز أن تجتمعوا على أكلة مخصوصة في هذا اليوم وأما قولهم أنه لا بد أن ينعقد الإجماع على دليل قلنا لا نمنع أن يكون إجماعهم عن نص لم ينقلوه واكتفوا بالإجماع عن النقل ويجوز أيضا أن يجتمعوا عن أمارة فطرية وسنبين ذلك من بعد وأما قولهم أن الإجماع لا يكون إلا عن دلالة فتكون تلك الدلالة حجة لا الإجماع قلنا هذا يبطل بقول النبي ﷺ فإنه حجة ومع ذلك لا نقول ما يقوله إلا عن دلالة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الإجماع حجة ما صدر عنه الإجماع حجة أيضا فيكون فى المسألة حجتان وأيضا فإن الإجماع وأن كان عن دليل هو حجة ولكن في الاجماع فائدة وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط هنا نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سابقا في مسائل الاجتهاد وقد قال بعضهم إنا وجدنا إجماعا منعقدا من غير دليل نحو إجماعهم على بيع المراضاة من غير عقد والإستبضاع وأجرة الحمام وقطعة الشارب وأخذ الزكاة من الخيل تبرعا وأخذ الخراج أورد هذه المسائل أبو الحسين البصري في أصوله١.
الجواب أن هذه المسائل لم يقع على كلها الإجماع فإن البيع بالتراضي لا يكون بيعا ولا بد عندنا من الإيجاب والقبول٢ حتى لا يكون ما أخذاه حراما أما البيع فلا يقول: أنه بالتعاطي المجرد ينعقد البيع بحال٣ وأما الاستبضاع فهو على مذهب أبي حنيفة والباقي من المسائل يجوز أن يسلم لكنا نقول أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل غير أنه.
стр. 492
يجوز أن يقع الاكتفاء عن نقل الدليل بوقوع الإجماع وأما الذي تعلقوا به من الظواهر قلنا أما الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] نقول لهم أن الآية دليلنا لأنه تعالى شرط في الرد إلى الكتاب والسنة وجود التنازع فدل أن دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع إذ لا بد للحكم من دلالة وعلى أن يرد الحكم إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة وقد ذكرنا ذلك وأما حديث معاذ قلنا قد كان ذلك في زمن النبي ﷺ والإجماع يكون بعد زمانه وأما قوله ﵇: "لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ١ قلنا يجوز أن يكون قال ذلك لأقوام بأعيانهم ويجوز الخطأ والضلالة على أقوام بأعيانهم وأن تعلقوا بإجماع سائر الأمم قلنا قد قال بعض أصحابنا أن إجماع هذه الأمة وسائر الأمم سواء في كونه حجة وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراينى وإن سلمنا فالفرق بين هذه الأمة وسائر الأمم هو أن عصمة الأمة طريقها الشرع ولم يرد الشرع بعصمة سائر الأمم وقد ورد بعصمة هذه الأمة ونفى الخطأ عنهم على ما سبق بيانه فافترقا لهذا المعنى ولأن اعتراض النسخ في دين سائر الأمم جائز.
ألا ترى كيف اعترض ونسخ الكل بشريعة محمد ﷺ وإذا كان النسخ جائز لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة وأما في شريعتنا فلا يجوز النسخ بل هذه شريعة مؤيدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان وليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا.
فإن قيل أليس قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] فقد جعلهم كما جعل هذه الأمة شهداء فيجب أن يكون إجماعهم حجة أورد هذا السؤال أبو زيد في أصوله وأجاب وقال يحتمل أن إجماعهم كان حجة ما كانوا متمسكين بالكتاب وإنما لم يجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا بالكتاب وإنما ينتسبون إلى الكتاب بدعوتهم ولأن تأويل الآية وأنتم شهداء بما فيه قبل نبوة محمد ﷺ فلم لا يشهدون الحق ألا ترى أنه قد سبقت هذه الآية أنه أخذ الميثاق بالبيان قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فدل أن المراد ما ذكرنا وأعلم أنا لما حققنا الإجماع حجة من جهة الشرع خاصة فقد قال بعضهم أنه حجة من جهة الشرع والعقل جميعا والصحيح هو الأول لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق الكثير على الخطأ ولهذا اجتمع اليهود.
стр. 493
والنصارى مع كثرتهم على ما هم عليه من الضلالة وإذا جعلناه حجة في الشرع فإنما وجد ذلك في هذه الأمة على ما سبق.
стр. 494
فصل: الإجماع على ضربين
...
فصل إذا ثبت أن الإجماع حجة يجب التزامها ولا يجوز مخالفتها.
فهو على ضربين.
أحدهما: ما يكفر مخالفه متعمدا وهو الإجماع على الشيء الذي يشترك الخاصة والعامة في معرفته مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر١ لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قطع به من دين الرسول صلوات الله عليه كالجاحد لصدق الرسول صلوات الله عليه.
والضرب الثاني: ما يضل مخالفه إذا تعمد ولا يصير كافرا وهذا إجماع الأمة الخاصة وذلك مما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها٢ وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة٣ وتوريث الجدة السدس٤ وحجب بني الأم مع الجد٥ ومنع توريث القاتل٦ ومنع وصية الوارث٧ فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلالته وخطئه٨.
ثم إعلم أن الكلام في الإجماع بعد أن عرفنا أنه حجة يشتمل على خمسة فصول:
أحدها: معرفة ما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة.
стр. 495
والثاني: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة.
والثالث: ما ينعقد فيه الإجماع من الأحكام.
والرابع: ما ينعقد به الإجماع من الشروط.
والخامس: معرفة ما يتخالط [مما] ١ يتعارض فيه الإجماع والاختلاف.
ولا بد لكل واحد من هذه الفصول الخمسة من إيراده بما يشتمل عليه ليصير الإجماع مستوفي في أحكامه وما يتصل به.