← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثم إذا اجتمعوا لا يجوز قلنا المستحيل أن يقال أن كل واحد من الأمة يجوز كونه مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لم نقل هذا وإنما نقول أن كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد وإذا اجتمع مع الكافة لم يكن قوله خطأ وليس نمنع أن يفارق الواحد الجماعة في هذا ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا مخصوصا ولا يجوز أن تجتمعوا على أكلة مخصوصة في هذا اليوم وأما قولهم أنه لا بد أن ينعقد الإجماع على دليل قلنا لا نمنع أن يكون إجماعهم عن نص لم ينقلوه واكتفوا بالإجماع عن النقل ويجوز أيضا أن يجتمعوا عن أمارة فطرية وسنبين ذلك من بعد وأما قولهم أن الإجماع لا يكون إلا عن دلالة فتكون تلك الدلالة حجة لا الإجماع قلنا هذا يبطل بقول النبي ﷺ فإنه حجة ومع ذلك لا نقول ما يقوله إلا عن دلالة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الإجماع حجة ما صدر عنه الإجماع حجة أيضا فيكون فى المسألة حجتان وأيضا فإن الإجماع وأن كان عن دليل هو حجة ولكن في الاجماع فائدة وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط هنا نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سابقا في مسائل الاجتهاد وقد قال بعضهم إنا وجدنا إجماعا منعقدا من غير دليل نحو إجماعهم على بيع المراضاة من غير عقد والإستبضاع وأجرة الحمام وقطعة الشارب وأخذ الزكاة من الخيل تبرعا وأخذ الخراج أورد هذه المسائل أبو الحسين البصري في أصوله١. الجواب أن هذه المسائل لم يقع على كلها الإجماع فإن البيع بالتراضي لا يكون بيعا ولا بد عندنا من الإيجاب والقبول٢ حتى لا يكون ما أخذاه حراما أما البيع فلا يقول: أنه بالتعاطي المجرد ينعقد البيع بحال٣ وأما الاستبضاع فهو على مذهب أبي حنيفة والباقي من المسائل يجوز أن يسلم لكنا نقول أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل غير أنه.

стр. 492

يجوز أن يقع الاكتفاء عن نقل الدليل بوقوع الإجماع وأما الذي تعلقوا به من الظواهر قلنا أما الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] نقول لهم أن الآية دليلنا لأنه تعالى شرط في الرد إلى الكتاب والسنة وجود التنازع فدل أن دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع إذ لا بد للحكم من دلالة وعلى أن يرد الحكم إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة وقد ذكرنا ذلك وأما حديث معاذ قلنا قد كان ذلك في زمن النبي ﷺ والإجماع يكون بعد زمانه وأما قوله ﵇: "لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ١ قلنا يجوز أن يكون قال ذلك لأقوام بأعيانهم ويجوز الخطأ والضلالة على أقوام بأعيانهم وأن تعلقوا بإجماع سائر الأمم قلنا قد قال بعض أصحابنا أن إجماع هذه الأمة وسائر الأمم سواء في كونه حجة وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراينى وإن سلمنا فالفرق بين هذه الأمة وسائر الأمم هو أن عصمة الأمة طريقها الشرع ولم يرد الشرع بعصمة سائر الأمم وقد ورد بعصمة هذه الأمة ونفى الخطأ عنهم على ما سبق بيانه فافترقا لهذا المعنى ولأن اعتراض النسخ في دين سائر الأمم جائز. ألا ترى كيف اعترض ونسخ الكل بشريعة محمد ﷺ وإذا كان النسخ جائز لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة وأما في شريعتنا فلا يجوز النسخ بل هذه شريعة مؤيدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان وليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا. فإن قيل أليس قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] فقد جعلهم كما جعل هذه الأمة شهداء فيجب أن يكون إجماعهم حجة أورد هذا السؤال أبو زيد في أصوله وأجاب وقال يحتمل أن إجماعهم كان حجة ما كانوا متمسكين بالكتاب وإنما لم يجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا بالكتاب وإنما ينتسبون إلى الكتاب بدعوتهم ولأن تأويل الآية وأنتم شهداء بما فيه قبل نبوة محمد ﷺ فلم لا يشهدون الحق ألا ترى أنه قد سبقت هذه الآية أنه أخذ الميثاق بالبيان قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فدل أن المراد ما ذكرنا وأعلم أنا لما حققنا الإجماع حجة من جهة الشرع خاصة فقد قال بعضهم أنه حجة من جهة الشرع والعقل جميعا والصحيح هو الأول لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق الكثير على الخطأ ولهذا اجتمع اليهود.

стр. 493

والنصارى مع كثرتهم على ما هم عليه من الضلالة وإذا جعلناه حجة في الشرع فإنما وجد ذلك في هذه الأمة على ما سبق.

стр. 494

فصل: الإجماع على ضربين ... فصل إذا ثبت أن الإجماع حجة يجب التزامها ولا يجوز مخالفتها. فهو على ضربين. أحدهما: ما يكفر مخالفه متعمدا وهو الإجماع على الشيء الذي يشترك الخاصة والعامة في معرفته مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر١ لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قطع به من دين الرسول صلوات الله عليه كالجاحد لصدق الرسول صلوات الله عليه. والضرب الثاني: ما يضل مخالفه إذا تعمد ولا يصير كافرا وهذا إجماع الأمة الخاصة وذلك مما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها٢ وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة٣ وتوريث الجدة السدس٤ وحجب بني الأم مع الجد٥ ومنع توريث القاتل٦ ومنع وصية الوارث٧ فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلالته وخطئه٨. ثم إعلم أن الكلام في الإجماع بعد أن عرفنا أنه حجة يشتمل على خمسة فصول: أحدها: معرفة ما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة.

стр. 495

والثاني: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة. والثالث: ما ينعقد فيه الإجماع من الأحكام. والرابع: ما ينعقد به الإجماع من الشروط. والخامس: معرفة ما يتخالط [مما] ١ يتعارض فيه الإجماع والاختلاف. ولا بد لكل واحد من هذه الفصول الخمسة من إيراده بما يشتمل عليه ليصير الإجماع مستوفي في أحكامه وما يتصل به.

стр. 496

فصل: فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة ... فصل أما الكلام فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة. أعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك٢ لأن اختلاف الآراء أو الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك وهذا مثل اتفاق الناس على أكلهم عند الجوع وشربهم عند العطش ولبسهم عند العرى كان عن سبب وهذه أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ديني وذلك مثل اتفاقهم على المعتقد الديني واتفاقهم على صلاة الجمعة وصلاة العيدين وعلى فعل الصلوات الخمس وصوم رمضان فإنه لا يكون ذلك إلا عن سبب ديني قادهم إليه ويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة وتكون على الحكم دلائل سواه ويجوز أن يختلفوا في الأدلة مع إتفاقهم على الحكم فلا يكون اختلافهم في الأدلة مانعا من إجماعهم على الحكم وقد أجاز قوم انعقاد الإجماع عن توفيق من الله تعالى من غير دليل شرعي دلهم على ذلك. وذلك بأن يوفقهم الله تعالى للصواب من غير أن يكون لهم عليه دلالة وأمارة وهذا ليس بصحيح لأنه لو جاز لجماعة الأمة أن يقولوا من غير دليل لكان يجوز لكل واحد منهم أن يقول من غير دليل وحين لم يجز لآحادهم كذلك لا يجوز لجماعتهم ولأن الدليل هو الموصل إلى الحق فإذا فقد الدليل.

стр. 497

فقد الوصول وقد بينا أن حال الأمة لا يكون أعلى من حال نبي الأمة ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقول ما يقول إلا عن دليل فالأمة لأن لا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل أولى وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل فلا خلاف أنه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة ثم إذا كان الإجماع عن نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما وأن كان النص خبر واحد وأجمعوا به كان الحكم ثابتا بالظاهر وكان نفى الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين بالإجماع واختلفوا في انعقاد الإجماع عن القياس. مسألة: ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز بانعقاد الإجماع عن القياس وقالوا: لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك وقال قوم أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن القياس بحال سواء كان خفيا أو جليا واختاره محمد بن جرير الطبري وذهب قوم إلى جواز انعقاده بالجلي دون الخفي وأما نفاة القياس منعوا انعقاد الإجماع بالقياس لأنه ليس بدليل عندهم١ والكلام مع نفاة القياس يأتى من بعد. وأما حجة من نفى انعقاد الإجماع بالقياس قال في ذلك لأن الخطأ موهوم في القياس والإجماع يوجب العلم القطعي فلا يجوز أن يقع بالقياس لأن ذلك يوجب أن يكون فروع الشيء أقوى من أصله. ببينة: أن القياس فرع الاجماع. ألا ترى أن الإجماع يستخرج منه المعنى فيقاس عليه مثل ما يستخرج من الكتاب والسنة فإذا كان القياس فرعا للإجماع فلا يجوز أن يصير الإجماع فرعا لأنه يؤدي إلى أن ينقلب الأصل فرعا والفرع أصلا وهذا لا يجوز. ببينة: أن الحكم الصادر عن القياس لا يفسق مخالفه بل يجوز مخالفته ولا يجعل.

стр. 498

أصلا في نفسه بل هو فرع لغيره ولا يقطع عليه بثبوته ولا على تعلقه بالأمارة وأما الحكم المجمع عليه لا يجوز مخالفته ويفسق مخالفه ويجعل أصلا ويقطع عليه وعلى تعلقه بطريقة فإذا صدر هذا الإجماع عن الاجتهاد اجتمع فيه هذه الأحكام مع تنافيها وتضادها وهذه الحقيقة وهي أن الأمارة دلالة خافية فلا يجوز أن يقال أن الأمة على كثرتها واختلاف هممها وأغراضها يجمعها الأمارة مع خفائها يدل عليه أن الإجماع لا يكون إلا باتفاق أهل العصر ولا عصر إلا وفيه من ينفى القياس أصلا فلم يجز وقوع الإجماع وانعقاده والذي ينعقد به الإجماع معدوم. وأما حجة من جوز انعقاد الإجماع عن القياس فنبين أولا وجود ذلك ثم نبين جواز ذلك من حيث المعنى والدليل على وجود ذلك ووقعه إجماع الصحابة على قتال أهل الردة وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد قال أبو بكر رضوان الله تعالى عليه قال لا أفرق بين ما جمع الله بينهما فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال المخل بها ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة على نص لنقلوه. واتفق الصحابة أيضا على إمامة أبى بكر وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد فإنهم استدلوا في إمامة أبي بكر ﵁ بتقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة وقالوا: اختاره ﷺ لديننا فاخترناه لدنيانا. وقد أجمع الصحابة أيضا على توريث الجدتين السدس فإن اجتمعا فهو لكما وأيتكما تفردت به فهو لها١ وقد أجمعت الأمة على هذا الحكم وكان ذلك عن الاجتهاد. وأجمعت الأمة أيضا على أن حد العبد على النصف من حد الحر وإنما اتفقوا عليه بقياس العبد على الأمة فإن في الكتاب حد تنصيف الإماء وليس فيه ذكر حد العبيد. وأجمعت الأمة أيضا على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وأجمعوا على تقديم الأمة في العتق قياسا على العبد. وأجمعوا على إراقة الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة وكان مائعا وإلقائها وما حولها إذا كان جامدا قياسا على السمن٢.

стр. 499

وهم يقولون على هذه الدلائل أن إجماعهم لم يكن عن قياس بل كان عن دليل آخر في مسألة قتال مانعي الزكاة وإمامة أبى بكر الصديق ﵁ وفي مسألة الجدتين كان إجماعهم عن خبر المغيرة وقالوا: في سائر المسائل إنما كان الإجماع لأن النص على تنصيف الحد في الأمة نص في العبد وكذلك النص على تحريم لحم الخنزير نص على تحريم شحمه والنص في السمن نص في الشيرج. والجواب أن هذه الدعاوى بلا دليل وقد نقلنا في قتال مانعي الزكاة وتقديم أبي بكر ﵁ في الإمامة على الصحابة أنهم ذكروا الاجتهاد فيما صاروا إليه وأما ميراث الجدتين فلازم قولهم أن إجماعهم كان عن خبر المغيرة فخبر المغيرة كان في الجدة الواحدة والإلزام في الجدتين وأما سائر المسائل فلازمة أيضا وقولهم أن النص في كذا نص في كذا مجرد دعوى لا دليل عليها وسيأتي في باب القياس أن طريق إثبات هذه الأحكام فى الصور التى لم يقع النص عليها لم يكن إلا بالقياس إلا أنه بالقياس الجلي فإن قال بعض من يخالف هذه المسألة أن عندي يجوز انعقاد الإجماع بالقياس الجلي ولا يجوز بالخفي قلنا إذا ثبت جواز انعقاده بأحدهما ثبت بالآخر وهذا لأن القياس دليل من دلائل الشرع وطريق موصل إلى الحكم ولا مانع من انعقاد الإجماع عنه فينعقد عند الإجماع دليل الكتاب والسنة. فإن قالوا: قد بينا أن الإجماع لا يقع عن الاجتهاد وقلنا قد قلتم أن كثرة عدد الأمة واختلاف هممها وأغراضها يمنع من اجتماعهم بطريق الاجتهاد والأمارة وهذا دعوى وليس يمتنع أن تجمعهم الأمارة الواحدة والأمارات الكثيرة على الحكم الواحد فإن اختلفت الأغراض وكثر العدد لأنهم مع كثرتهم واختلاف أغراضهم قد اتفقوا على وجوب المصير إلى الأمارة فإذا ظهرت الأمارة لجماعتهم لم يمتنع اتفاق جميعهم على الحكم الذي دلت عليه الأمارة يدل عليه أن اليهود والنصارى وهم الجم الغفير قد اجتمعوا على اعتقاد واحد فإذا جاز اتفاقهم مع كثرتهم وتباين هممهم وأغراضهم من جهة شبهة دخلت عليهم فلأن يجوز اتفاق الجماعة من جهة الأمارة المستندة إلى أصل.

стр. 500

هو حق أولى وليس هذا كاتفاقهم على الكذب في شيء معين حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وقد بينا وجود الداعي ها هنا وعلى هذا خرج اتفاقهم على مأكل واحد وصناعة واحدة حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وهذا لأن اتفاقهم على مأكول واحد تابع لتساوي شهواتهم وأماكن شهواتهم ونحن نقطع أن الناس يختلفون في الشهوات وأماكن نيل الشهوات فمنهم من يشتهي ما ينفر طبع الآخرين ومنهم من تنقص شهوته لما تقوى شهوة الآخر فتدعوه قوة شهوته إلى تناوله دون الآخر وقد يتفق الاثنان في شهوة حتى يقدر أحدهما على تحصيلها بعجز الآخر عنه وأما الذي قالوه أولا من أن الخطأ موهوم في القياس والإجماع يوجب علما قطعيا قلنا هذا يبطل بخبر الواحد فإن الإجماع ينعقد عنه مع وجود ما قالوه ولأن العبرة بحسب ما يدل عليه الدليل وقد دل الدليل أن الإجماع يفيد العلم القطعي وأن القياس لا يفيد إلا غلبة الظن وأما قولهم أن القياس فرع والإجماع أصل ولا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل قلنا الأدلة قد يتقوى بعضها ببعض وقد تتعاضد وتتظاهر الدلائل فيتم عند الاجتماع بما لا يتم عند الانفراد ألا ترى أن أصل التواتر آحاد يجوز عليها الخطأ ثم إذا اجتمعت تعاضدت وتقوى بعضها ببعض أفادت العلم القطعي. كذلك القياس إذا اجتمعت الآراء صار دليلا قطعيا على صحة الحكم به وانتفاء الخطأ عنه وبهذا الوجه جعلنا الإجماع الصادر عن الخبر الواحد والعمود دليلا قطعيا وأن لم يكن الخبر الواحد والعمود في جميع مسمياته كذلك وأما قولهم أن القياس لا يفيد كذا وكذا وما بينوا من المخالفة بين القياس والإجماع فليس يدخل على ما قلناه وذلك لأن ما قالوه حكم لاجتهاد إذا انفرد عن الإجماع فإذا اقترن به الإجماع صار دليلا مقطوعا به ويجوز مثل هذا القول ألا ترى أن القول عن الأمارة إذا اقترن به تصويب النبي ﷺ أفاد العلم المقطوع به وإذا لم يقترن به أفاد الظن. وأما قولهم أنه ما من عصر إلا ويوجد فيه من ينفى القياس قلنا ليس الأمر على ما زعمتم والأصل في الإجماع إجماع الصحابة ﵃ أجمعين ولسنا نعلم أن أحدا منهم أنكر القياس والاجتهاد. ببينة: أنه كما وجد في الأمة من ينفى القياس قد وجد فيهم أيضا من ينفى أخبار الآحاد ومن ينفى القول بالعموم ثم أجمعوا أن الإجماع يجوز أن ينعقد بهما ولم.

стр. 501

نعتبر خلاف من خالف ونظر إلى ما كان الأمر عليه في عصر الصحابة ﵃ كذلك ها هنا والله أعلم. وقد حكى عبد الجبار عن الحاكم صاحب المختصر قال إذا انعقد الإجماع لأهل العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم أن يخالفهم لأنه قول صادر عن اجتهاد فيجوز خلافه وهذا لا يصح لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان صار حجة وحرم خلافه وقد ذكرنا وجه ذلك وأن كان من اجتهاد ويدل عليه قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الضلالة" وما اتفقوا عليه أنهم إذا اتفقوا لا يجوز مخالفتهم على ما ذكرناه من قبل. فصل. وأما الاجتهاد عن غير أصل كالاجتهاد في جزاء العبد وجهات القبلة وأروش الجنايات وقيم المتلفات فمن يمنع انعقاد الإجماع بالقياس كان من هذا أمنع وأما من جوز القياس فقد ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن مثل هذا الاجتهاد١ والصحيح جوازه والذي ذكرناه دليلا في المسألة المتقدمة يصلح دليلا في هذه المسألة وفي هذا الموضع. وقد قال بعض أصحابنا أن. دلائل الاجتهاد التي ينعقد بها الإجماع من أوجه. أحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب أو سنة. فالتنبيه من الكتاب كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن٢. والتنبيه من السنة كإجماعهم على أن موت العصفور فى السمن كموت الفأرة. والوجه الثاني: أن ينعقد عن استنباط من كتاب أو سنة فالاستنباط من الكتاب كإجماعهم على تحريم نكاح خالات الآباء وعماتهم وخالات الأمهات وعماتهن مثل تحريم الخالات والعمات والاستنباط من السنة كإجماعهم على توريث كل واحدة من الجدتين السدس والجدتان أم الأم وأم الأب وأن حجب أم الأم لأم أم الأم كحجب الأم لأم الأم.

стр. 502

والوجه الثالث: أن ينعقد عن المناظرة والجدال كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة وأن في المرهونة إذا أجهضت دية الجنين. والوجه الرابع: أن ينعقد عن استدلال بقياس كإجماعهم على أن حد العبيد في الزنا كالأمة وأن الجواميس في الزكاة كالبقر. والوجه الخامس: أن ينعقد عن استدلال باجتهاد كإجماعهم على جهة القبلة وقد ذكر غير هذا وعندي أن هذا تكلف شديد وإذا ذكرنا جواز الإجماع عن الاجتهاد دخل فيه وجوه الاجتهاد جليها وخفيها. وإذا علمنا أن الإجماع ينعقد عن أحد هذه الوجود فاختلفوا أن الإجماع إذا انعقد يأخذ هذه الدلائل يكون منعقدا على الحكم الثابت بالدليل أو يكون منعقدا على الدليل الموجب للحكم وذهب بعض المتكلمين من الأشعرية إلى أنه منعقد على الدليل الموجب وذكر أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه معقد على الحكم المستخرج من الدليل وهو الصحيح لأن الحكم هو المطلوب من الدليل ولأجله انعقد الإجماع فعليه انعقد الإجماع ونبني على هذا مسألة وهي أن الإجماع الواقع على موجب خبر من الأخبار هل يكون دليلا على صحة الخبر فمنهم من قال يدل على ذلك إذا علم أنهم اجمعوا لأجله ومنهم من قال أن إجماعهم يدل على صحة الحكم ولا يدل على صحة الخبر وهذا أولى القولين لأنه يجوز أن يكونوا اتفقوا على العمل به لأن التعبد ثابت بخبر الواحد وهذا التعبد ثبت في حق الكافة ولأجل التعبد الثابت أجمعوا على موجب الخبر وصار الحكم مقطوعا به لأجل إجماعهم وأما صحة الخبر على طريق أنه يكون مقطوعا به فله طريق مخصوص في الشرع على ما قلنا في باب الأخبار فبطلت صحة الخبر وعدم صحته أو كونه خبرا واحدا أو خبر يقطع بثبوته ويوجب العلم بموجبه من ذلك الطريق فإن ظهر الإجماع ولم يعلم الدليل الذي انعقد به الإجماع فقد بينا أنه لا يجوز أن ينعقد إلا عن دليل فيكون انعقاده دليلا على أنه انعقد عن دليل موجب له إلا أنه استغنوا بالإجماع عن نقل الدليل واكتفوا به عنه وقد ذكرنا هذا من قبل والله أعلم بالصواب.

стр. 503

فصل: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة مدخل ... فصل: ولما عرفنا ما ينعقد به الإجماع من الأدلة فنتكلم الآن فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة أما إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة فليست بحجة وقد بينا ثم اعلم أنه لا اعتبار بالكافرين في الإجماع لأن الإجماع إنما صار دليلا بالسمع والأدلة السمعية التي

стр. 504

ذكرنا لم تتناول الكافرين١ وإنما تتناول المؤمنين على الخصوص ولأن الإجماع حجة بمعرفة الأحكام الشرعية والكفار لا يمكنهم معرفة الأحكام الشرعية فلا يجوز اعتبارهم في حجة الأحكام الشرعية والاعتبار أيضا في الإجماع بكل المؤمنين إلى انقضاء التكليف ولأنا لو اعتبرنا جميع المكلفين إلى انقضاء التكليف خرج الإجماع أن يكون حجة لأنه لا يكون بعدهم تكليف حتى يكون إجماعهم حجة فيه ولأنا قد دللنا أن إجماع أهل كل عصر حجة والدلائل دلت أن الإجماع حجة فدلت على هذا كما سبق بيانه ولا اعتبار أيضا بمن ليس من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين الذين يدعون علم الأصول وقال بعض المتكلمين اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول القاضي أبي بكر وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين والمتكلمين٢ وتعلق من هذا اعتبر غير الفقهاء بقوله ﵇ لا تجتمع أمتي على الضلالة وهذا يتناول الكل وهذا لأنه إنما كان قول الأمة حجة لأنهم عصموا عن الخطأ وليس يمتنع أن يكون جماعتهم العامة والخاصة معصومة عن الخطأ وإذا لم يمتنع ذلك وكانت الظواهر هي الراجحة على أن الإجماع حجة عامة في الخاصة والعامة اعتبر جماع الكل لكونه حجة ولأن الله تعالى قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وهذا سينال الفقهاء والعامة والصحيح ما قدنا لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون فلا يعرفون طرق الأحكام وأن عرفوا البعض لا يعرفون جميعها فصاروا كالفقهاء الذين لا يعرفون طرق أصول الفقه والذي استدلوا به فأكثر ما فيه أنه عام فنخصه ونحمله على الفقهاء الذين يعرفون طرق الأحكام ونقول أيضا أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا قالوه عن استدلال وهي إنما عصمة عن الخطأ في استدلالها والعامة ليست من أهل النظر والاستدلال حتى تعصم عن الخطأ فصار وجودهم وعدمهم بمنزلة يدل عليه أن العامة يلزمهم المصير إلى قول العلماء فصار العلماء كأنهم المتصرفون فيهم فيسقط اعتبار قولهم وقد ظهر بهذا الجواب عن المعنى الذي قالوه وقد روى أن أبا طلحة.

стр. 505

الأنصاري رحمة الله عليه كان يستبيح أكل البرد في الصوم ويقول: أنه لا يفطر ولم يعد خلافه خلافا لأنه لم يكن من فقهاء الصحابة ﵃. وقد قال بعض أصحابنا إنما يشترك الخاصة والعامة في معرفته فلا بد من إجماع الكل في الشيء لينعقد عليه الإجماع وقد ذهب إليه بعض المتكلمين وعندي أن هذا باطل ولا يعتبر قول العامة في شيء من الأحكام سوى أن كان من الأحكام الظاهرة التي يعرفونها أو من الأحكام التي لا يقفون عليها وما ذكرنا من الدليل يعم الكل فيوجب إخراج العامة وإطراح قولهم في الأحكام اجمع وعلى هذا نقول أن العلماء في النحو والعربية واللغة لا نعتبر قولهم أيضا في انعقاد الإجماع عن الأحكام وكذلك العلماء الذين لا يعرفون إلا التفسير وإنما يرجع إليهم في الوقوف على أقوال المفسرين من السلف وكذلك أمر المحدثين الذين لا يعرفون إلا الرواية فيرجع إليهم فيما يصح من الأخبار وما لا يصح. وأما الفقهاء الذين يرجع إلى قولهم في انعقاد الإجماع فهم المجتهدون وسنذكر شرائط الاجتهاد من بعد. وأما الذين يتكلمون في الجواهر والأغراض وعرفوا بمحض الكلام ولا يعرفون دلائل الفقه فلا عبرة بقولهم في الإجماع وهم بمنزلة العوام. وأما المتفردون بأصول الفقه فإن وافقوا الفقهاء في ترتيب الأصول وطرق الأدلة كان خلافهم مؤثرا يمنع من انعقاد الإجماع وأن خالفوهم فيما يقتضيه استنباط المعاني وعلل الأحكام وغلبة الأشباه لم يؤثر خلافهم وانعقد الإجماع بدونهم والله أعلم. وعلى الجملة إذا أجمع المفتون على المسألة وبقى قوم لا يستقلون بأنفسهم في معرفة حكم حادثة تقع لهم ويتعين عليهم في ذلك تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم في المسألة التي اتفق عليها الفقهاء المجتهدون محال. ونقول في تقسيم الفقهاء أن من يعرف الفروع والأحكام ولا يعرف دلائلها وعللها فهذا ناقل يرجع إلى حفظه ولا يعول على اجتهاده ولا يرتفع الإجماع بخلافه. وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها مشرفا على الأصول في ترتيبها ولوازمها عارفا شبهها وأدلتها وعللها فهذا أكمل الفقهاء علما وأصحهم فيه اجتهادا وهذه الطبقة هم الذين يرجع إليهم في الإجماع والاختلاف. وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها غير عارف بالأصول وترتيبها.

стр. 506

ولوازمها فيصح اجتهاده فيما يقتضيه التعليل والسنة ولا يصح اجتهاده فيما يقتضيه دلائل الأصول فيما يصح اجتهاده فيه ويقع الإجماع بخلاف ما لا يصح اجتهاده لم يرتفع الإجماع بخلافه وهذا التقسيم ذكره المعرف بأقضى القضاء أبو الحسن الماوردي. وأما الكلام في اعتبار الورع فقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع وقالوا: أن الفسقة وأن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم لأنهم بفسقهم خارجون عن محل الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقوله وافق أو خالف وقد قال بعض أصحابنا يعتبر قوله ولا ينعقد الإجماع بدونه لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يتبع فيما يقع له يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلده غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه ويجوز أن يقال أنه عالم في حق نفسه مصدق على نفسه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره وغير ممتنع هذا الانقسام وقد قال بعض أصحابنا أن الفاسق يدخل في الإجماع من وجه ويخرج من وجه١ وبيان ذلك أن المجتهد الفاسق إذا أظهر خلافه فسئل عن دليله فلجواز أنه يحمله فسقه على اعتقاده خرج بغير دليل فإذا ظهر من استدلاله على خلاف ما يجوز أن يكون محتملا يرتفع الإجماع بخلافه وصار داخلا في جملة أهل الإجماع وأن كان فاسقا لأنه من أهل الاجتهاد وأن لم يظهر من استدلاله محتملا لم يقيد لخلافه قال هذا القائل وفي هذا يفارق العدل الفاسق لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله لأن عدالته تمنعه من اعتقاد شرع بغير دليل وهذا التقسيم لا بأس به وهذا كلام يقرب من مأخذ أهل العلم فليعول عليه. قال ورأيت في كتاب الشيخ أبي إسحاق الشيزاري ﵀ أن كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا يعتد بخلافه لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك والأحسن هو الأول وأما الفسق بتأويل فلا يمنع من اعتبار من يعتد به في الإجماع والاختلاف وقد نص الشافعي ﵀ على قبول شهادة أهل الأهواء وهذا ينبغي أن يكون في اعتقاده بدعة لا تؤديه إلى التكفير فأما إذا كان يؤديه إلى.

стр. 507

التكفير فلا يعتد بخلافه ووفاقه وأما الكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به طويل الذيل ضيق المجال وقد أكثر العلماء الكلام في ذلك وليس هو بأمر هين لأن تكفير الناس لا يجوز بما يجازف فيه وأسرع الناس إلى تكفير الناس الخوارج ثم المعتزلة وقد يطلق بعضهم فيقول: من خالف الإجماع يكفر وهذا أيضا فيه نظر وقد بينا طرفا من ذلك والكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ليس هذا موضعه فنتجاوز عنه وقد ذكر الأصحاب طرف ذلك في كتاب الشهادات ونذكر ذلك في التعليق وقد ذكر في كتاب منهاج أهل السنة ما نقل عن بعض السلف الصالح والأئمة المقتدى بهم ونصصت على المواضع التي طلب الكفر فيها المتواطئ واتباعهم أسلم والله المرشد والموفق بمنه.

стр. 508

فصل: في عدد المجمعين ... فصل وأما الكلام في عدد المجمعين. فإن بلغ علماء العصر مبلغا لا يتوقع فيهم التواطؤ على الكذب وهم الذين اعتبروا في عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع باتفاقهم واما إذا لم يبلغوا هذا العدد فذهب بعض علماء الأصوليين إلى أن لا يجوز الخطأ عدد علماء العصر عن مبلغ التواتر لأنهم ورثة الملة وحفظة الشريعة وقد ضمن الله تعالى قيامها ودوامها إلى قيام الساعة فإذا عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فربما يفقد منهم الاستقلال بحفظ الشريعة فلا يكون إليه حفظ الملة على الكمال. وقد قال بعضهم يجوز أن ينحطوا عن عدد التواتر وإذا انحطوا وأجمعوا يكون إجماعهم حجة١ وقال الأستاذ أبو إسحاق لم يبق في الدهر إلا مفتى واحد واتفق ذلك لقوله حجة ويصير ذلك بمنزلة إجماع الأمة. أما الأول فبعيد لأنه يستحيل أن ينقص عدد العلماء في عصر من الأعصار عن عدد التواتر خصوصا وقد ورد الخبر في ذهاب العلم في آخر الزمان. وأما الثاني فالإشكال فيه أن العلم الضروري هل يحصل بخبر الواحد أم بخبر جماعة ينقص عددهم عن عدد التواتر وقال بعضهم أن الله تعالى يحدث في هذا العدد من الأمارات الدالة على صدقهم ما يوجد ذلك عنده وجود عدد التواتر والأولى أن يقال أنه يعلم صدقهم ضرورة لا بخبرهم لكن بخبر النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من

стр. 509

أمتي على الحق لا يضرهم في من خذلهم حتى يأتي أمر الله " ١. وقد قيل أنه إذا لم يبلغ عدد المجمعين عددا يقع العلم بصدقهم ضرورة يجب اتباعهم على قولهم فإن لم يقطع بأن الحق في إجماعهم كما يلزم العمل بالاجتهاد وأن لم يقطع بأن الحق فيه ذهب أكثر العلماء إلى أن إجماع كل عصر حجة وذهب أهل الظاهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة دون إجماع أهل سائر الأعصار٢ وذهبوا في ذلك إلى أن الإجماع إنما صار حجة بالسمع دون غيره والأدلة السمعية اختصت بالصحابة ﵃ دون غيرهم ولك الأدلة قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وهذا خطاب مواجهة فيتناول الحاضرين دون غيرهم ولنا قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ٣ فلا يمنع أن يكون الله عنى الصحابة بالخطاب وحده ليميزهم بهذه الكرامة عن غيرهم والرسول ﷺ أيضا عنى الصحابة ﵃ على الانفراد لتكون هذه المنحة لهم وهذا لأن الخطاب صالح أن يتناول الصحابة على الانفراد ولا يصلح أن يتناول التابعين على الانفراد بل إنما يصلح تناولهم مع من تقدمهم لأنهم الذين كانوا موجودين زمان الخطاب وأما التابعون فلم يكونوا موجودين زمان الخاطب فتبين أن الأصل في هذا هم الصحابة دون من بعدهم فيكون إجماعهم حجة دون من بعدهم. قالوا: ولأن النبي ﷺ قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٤ وإنما حكم بالاهتداء بالاقتداء بالصحابة دل أن غيرهم لا يكون بمثابتهم ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختصوا بمشاهدة النبي ﷺ والحضور عند الوحي وكان ذلك مزية لهم لا توجد لمن بعدهم.

стр. 510

وأما دليلنا نقول أن الأدلة للإجماع ولا تخص عصرا دون عصر فإن قوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لا يختص بعصر الصحابة ﵃ لأن التابعين من المؤمنين وكذلك أهل كل عصر وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقول النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ١ ليس لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر ولأنه لما كان نقل أهل كل عصر الأخبار كنقل الصحابة في أحكام التواتر والآحاد وجب أن يكون في الإجماع بمثابته ليكون كل خلف محجوبا بسلفهم وليكون الشرع محفوظا من الخطأ والغلط. ببينة: أن أهل كل عصر حجة على من بعدهم في البلاغ فكذلك وجب أن يكونوا حجة في الإجماع. وأما الجواب عن تعلقهم قلنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] خطاب لجميع الأمة بإجماع الأمة. ببينة: أنه وصفهم بما وصفهم في الآيتين لانتسابهم إلى النبي ﷺ وكونهم من أمته ولأنهم قد دانوا لشريعته وهم أتباعه في الأقوال والأفعال وهذا المعنى موجود في أهل جميع الأعصار إلى قيام الساعة ولهذا المعنى لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه حمل الآية على أهل عصر الصحابة دون من بعدهم وأما قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢ فمعنى ذلك من أحد وجهين أما أنه ورد ليبين أن قول كل واحد منهم حجة وهذا صحيح على قول الشافعي ﵀ وهو محمول على أن لمن بعد الصحابة أن يرجعوا إلى قول كل واحد من الصحابة فيما يرويه عن الرسول ﷺ والدليل على أن معنى هذا الخبر ليس الإجماع أنه قال: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٣ وقوله بأيهم يتناول الآحاد ولا يتناول جماعتهم وأما قولهم أن الصحابة اختصوا بعصر الرسول ﷺ ومشاهدته قلنا ولم ينبغي أنهم إذا كانوا كذلك وجب لأن يختصوا بكون إجماعهم حجة دون من بعدهم إذ ليس في اختصاصهم بما اختصوا به ما يدل على اختصاصهم بكون إجماعهم حجة دون من سواهم والله أعلم.

стр. 511

فصل: الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع مدخل ... فصل. أما الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع. اعلم أن الإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات وأحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام وكل ما هو من الأحكام الشرعية. وأما الأحكام العقلية فعلى ضربين. أحدهما [ما] ١ يجب تقديم العمل به على العلم بصحة السمع كحدث العالم وإثبات الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبه ذلك فلا يكون الإجماع في هذا حجة لأنا بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يكون حجة ولا أن يثبت حكما قبل السمع كما يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب يجب العمل به قبل السنة. والضرب الثاني: ما لا يجب تقدم العلم به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية وغفران المذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع والإجماع حجة في هذا الضرب لأنه لما كان يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع جاز إثبات ذلك به. وأما أمور الدنيا كتجهيز الجيوش وتدبير الحروب والعماره والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها٢ لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله ﷺ وقد ثبت أن قوله ﷺ إنما هو حجة في أحكام الشرع دون مصالح الدنيا وكذلك الإجماع ولهذا قال النبي ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم وأنا أعلم بأمور دينكم" ٣ وقد كان النبي ﷺ إذا رأى رأيا في الحرب راجع الصحابة في ذلك وربما ترك رأيه برأيهم وقد ورد مثل هذا في حرب بدر وحرب الخندق وغير ذلك ولم يكن أحد يراجعه فيما يكون من أمر الدين وقد ذكر بعض المتكلمين أن الإجماع ينعقد في أمر الدنيا أيضا وإذا رأى أهل العصر شيئا واتفقوا عليه لا يجوز مخالفته سواء كان في أمر الدين أو في أمر الدنيا لأن أدلة الإجماع منعت من الخلاف على الأمة ولم يفصل ولم يفصل بين أن يكون اتفقوا على أمر ديني أو دنيوي والصحيح الأول كما سبق.

стр. 512

فصل إذا اجتمعت الأمة على الجمع بين مسألتين في حكم مخصوص فإنه لا فرق بينهما فيه. مثل الإجماع على أن لا فرق بين الصلاة والصيام في وجوب النية وأن لا فرق بين الأكل والجماع في إفساد الصوم لم يجز التفرقة بينهما كما نعتاد الإجماع على اجتماعهما وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التفرقة بينهما بالدليل الموجب لافتراقهما لأنه إجماع منهم لم يتعين في حكم والإجماع إنما ينعقد في الأحكام المتعينة١ وقيل أنه مذهب سفيان الثوري فإنه أفسد الصيام بجماع الناسي ولم يفسد بأكل الناسي وهذا ليس بصحيح لأن الإجماع على استوائها في الحكم إجماع على حكم فلما لم يجز مخالفة الإجماع في أعيان الأحكام لم يجز مخالفته في تساوي الأحكام فإذا وجب بالدليل ثبوت الحكم في أحد المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى فيكون ثبوته في الأول بدليله وثبوته في الثاني بالإجماع وأن وجب الدليل نفى الحكم عن إحداهما وجب نفيه عن الآخر فيكون نفيه عن الأول بالدليل وعن الثاني بالإجماع وإذا قام الدليل على فساد الصيام بجماع الناسي أوجب الإجماع فساده بأكل الناسي وإذا قام الدليل على صحة الصيام مع أكل الناسي أوجب الإجماع صحته مع جماع الناسي وإذا اجتمعت الأمة على الفرق بين مسألتين في حكم مخصوص لم يجز الجمع بينهما في ذلك الحكم وجوز الجمع بين المفترقين من وجوب الفرق بين المجتمعين وهو فاسد بما قلناه فإذا أوجب الدليل ثبوت الحكم في إحدى المسألتين أوجب الإجماع نفيه عن الأخرى وإذا أوجب الدليل نفيه عن إحدى المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى. وإذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيهما وجوزه.

стр. 513

بعض أهل الظاهر وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة أن اختلافهم على قولين يوجب تسويغ الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو يستقر الخلاف١. وأيضا فإن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين على قولين فجاء ابن سيرين وأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين بقول ابن عباس وفي زوج وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره سائر العلماء على هذا فلم ينكروا عليه مخالفة الإجماع. والصحيح ما قدمنا من تحريم إحداث قول ثالث لأن إجماعهم على قولين إجماع على تحريم ما عداهما فلما لم نجز خلاف الإجماع في القول الواحد لأنه يتضمن تحريم ما عداه فكذلك لا يجوز خلاف إجماعهم على القولين لإجماعهم على تحريم ما عداه يدل عليه أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع فلو جاز إحداث قول ثالث لم يعتقدوه يخرج الحق عن أقوالهم لأنا إنما جوزنا ذلك فيجوز أن يكون الحق في القول الثالث وفي هذا إبطال الإجماع. وأما قولهم أن اختلاف الصحابة على قولين يوجب جواز الاجتهاد. قلنا يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين فأما في قول ثالث فلا لما بينا أن في إثبات قول ثالث إبطال إجماعهم. وأما الذي حكوه عن ابن سيرين. قلنا هو لم يخالف الصحابة بل أخذ بكل واحد من القولين في إحدى المسألتين فصار قوله داخلا في القولين غير خارج منهما وعلى أن ابن سيرين قد عاصر الصحابة وأفتى معهم فاعتد بخلافه فيهم. ومثال هذه المسألة مسألة الحرام وهي إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل وأحدث مسروق قولا سادسا وقال.

стр. 514

لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد يعني أنه ليس بشيء فقال الأصحاب أن مسروقا عاصر الصحابة فاعتد بخلافه فيهم وأنا أقول هذا في مسروق صحيح وأما في ابن سيرين فبعيد لأنه وأن أدرك عصر الصحابة ﵃ فلم يكن في ذلك الوقت في عداد من يعتد بقوله يتبع قولهم بخلاف مسروق فإنه من متقدمي التابعين وأدرك زمان عمر ﵁ وما بعده كان من الفقهاء المتقدمين في عصر الصحابة وقد قال بعض أصحابنا أن ابن سيرين محجوج بقول الصحابة رضوان الله عليهم وقول من قال أنه لا ينكر عليه فلعله لم يظهر في ذلك الزمان فلهذا لم يروا الإنكار عليه ونحن ننكره ونقول قد خالف إجماع الصحابة في هذه المسألة. وإذا أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على دليل في حكم لم يتعد وهو في المجلدة الثانية. تم المجلد الأول بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. يتلوه الثاني أن شاء الله تعالى.

стр. 515

المجلد الثاني (تابع) القول في الإجماع وما يتصل به تابع الفصل الثالث: في بيان ما ينعقد فيه الإجماع فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد ... فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد ويجوز للتابعين أن يستدلوا على ذلك الحكم بغيره من الأدلة١ وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم لم يجز خلافهم. والفرق بينهما أن المفروض عليهم إظهار الحكم ببعض أدلته لا بجميعها فأما في الحكم فالمفروض عليهم إظهار جميع الحكم فلو كان للحادثة حكم آخر لما أظهروه وإن أجمعوا على علة في حكم يكون إجماعا على الحكم لأن العلل إنما تنصب للأحكام فيكون الإجماع على العلة إجماعا على الحكم وقال بعضهم: إنه يكون إجماعا على الدليل لا على الحكم والأصح: هو الأول لما بينا أن المقصود من العلل: أحكامها لا أعيانها. والله أعلم بالصواب.

стр. 516

الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط مدخل ... فصل: الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط: اعلم أن من شروط الإجماع: ظهوره في أهل العصر حتى يعلم به أهل العصر الثاني وقد يكون ظهوره بالقول وقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول والفعل جميعا فأما ظهوره بالقول إذا وجد يصح انعقاد الإجماع به وذهب بعض أهل العلم إلى أنه

стр. 517

لا ينعقد بالقول حتى يقترن به الفعل ليكمل في نفسه وهذا ليس بصحيح لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال وإن كان كل واحد منهما إذا انفرد يكون حجة فلا يجب اجتماعهما كما لا يلزم الجمع في الحكم بين دليل الكتاب والسنة وإذا ثبت أن الإجماع على القول يكون حجة فقد يكون الإجماع على القول بوجوده من جميع أهل الإجماع وقد يكون بوجوده من البعض وسكوت الباقين بعد انتشاره فيهم وهذه المسألة اختلف أهل العلم فيها. مسألة: إذا قال الصحابي قولا وظهر في الصحابة وانتشر ولم يعرف له مخالف كان ذلك إجماعا مقطوعا به. ومن أصحابنا من قال: إنه حجة وليس بإجماع قاله أبو بكر الصيرفي وقيل: إن هذا مذهب الشافعي لأنه قال من نسب إلى ساكت قولا فقد افترى عليه وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة قاله أبو هاشم وقال القاضي أبو بكر ليس بحجة أصلا وهو مذهب داود وبه قال بعض المعتزلة واختاره أبو عبد الله البصري وقال أبو علي بن أبي هريره: إن كان وجد حكما من بعض الصحابة وانتشر من الباقين لم يعرف له مخالف لا يكون إجماعا وأن كان فتوى وانتشر ولم يعرف له مخالف يكون إجماعا وعكس هذا أبو إسحاق المروزى وقال يكون إجماعا إن كان حكما ولا يكون إجماعا إن كان فتيا١ والأصح هو القول الأول وأما من قال ليس بحجة أصلا

стр. 518

فاحتج في ذلك وقال: لا يمتنع أن يكون سكوت من سكت لتقية أو هيبة كما روى عن ابن عباس أنه لما أظهر قوله في مسألة العول قيل له: هلا قلت في زمان عمر ﵁ قال: إنه كان رجلا مهيبا وروى أنه قال "هيبة"١. وأيضا يجوز أن يكون سكت لأنه لم يتفكر في المسألة لتشاغله بغير ذلك من الاشتغال إن كان فقيها فلعله اشتغل بالفكر في غيره من المسائل لأنها كانت أهم عنده وإن كان إماما فاشتغل بالجهاد وسياسة الناس فلم يوجد في هذه المسألة إلا قول بعض الصحابة ويقول بعضهم لا ينعقد الإجماع وأما من قال: إنه ليس بإجماع لكنه مع ذلك حجة لأن الإمساك عن القول في الحادثة من الممسك يحتمل أن يكون ذلك للارتياب في النظر والاستدلال فلم يجز أن يجعل اعتقاد للساكت فيه إلا أنه مع ذلك حجة لأن الفقهاء في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يظهر مخالف منهم فدل أنهم اعتقدوه حجة وأما علي بن أبي هريرة قال: إذا كان الموجود قضاء من بعض القضاة والحكام فلا يدل السكوت من الباقين على الرضا منهم لأن في الإنكار افتياتا عليه وقال ابن أبي هريرة: ونحن نحضر مجالس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ينكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك وأما أبو إسحاق المروزى فقال: إن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن مشورة والصادر عن فتوى يكون عن استبداد ولا يدل ذلك على الإجماع وأما دليلينا فيما اخترناه وهو أن يكون حجة وإجماعا. فنقول أولا: إن قول بعض أهل العصر إذا انتشر في جميعهم وسكت الباقون ولم يظهروا خلافا فإما أن يعلم أن سكوتهم سكون راض أو لا يعلم ذلك فإن علم أن سكوتهم عن رضى بدليل يدل عليه فإنه يكون ذلك إجماعا كما لو قالوا: صريحا رضينا بهذا القول وللرضا أمارات كثيرة بالقول وقد جوز بعضهم وجود العلم بالمذاهب اضطررا فيكون على هذا القول معرفة الرضى أحكم وآكد وأما إذا لم يعلم رضاهم بقوله فإن كان مسألة لا تكليف فيها وليس مما يلزم بالنظر فيه وإنكاره إذا علموا أنه منكر مثل قول القائل: إن عمارا أفضل من حذيفة وأمثال هذا وقول القائل إن زيدا في الدار وعمرو خرج إلى الصحراء فالسكوت من الباقين

стр. 519

في أمثال هذا لا يكون إجماعا وأما إذا كان على الناس من ذلك تكليف وظهر من بعضهم القول في ذلك وانتشر وسكت الباقون يكون ذلك إجماعا واحتج من قال بذلك بأن العادة جرت أن النازلة إذا نزلت فزع أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب الحكم فيها وإظهار ما عندهم في ذلك فلما وقعت الحادثة وظهر قول من المجتهد في ذلك وانتشر قوله ولم يظهر خلاف ذلك مع طول الزمان وارتفاع الواقع دل أنهم راضون بذلك وصار رضاهم بهذا الطريق بمنزلة ما لو أظهروا رضاهم بالقول والفعل. ببينة: أن أهل الإجماع معصومون من الخطأ والعصمة واجبة لهم كما تجب للنبي ﷺ ثم إذا رأى النبي ﷺ مكلفا يقول قولا في أحكام الشرع فسكت عنه كان سكوته تقريرا منه إياه على ذلك ونزل ذلك منزلة التصريح بالتصديق في إبداء ذلك كذلك هاهنا يكون كذلك في حق أهل الإجماع وينزل سكوتهم منزلة التصريح بالموافقة فإن قيل: ولم إذا صار السكوت من الرسول ﷺ تقريرا يكون من أهل الإجماع تقريرا وهذا لأن النبي ﷺ يتلقى ما تلقاه من الوحي ولا عذر له في السكوت إذا كان المفعول متكررا وأما أهل الإجماع فلعلهم سكتوا لأنهم وجدوا الاجتهاد مساغا ومضطربا فكان سكوتهم محمولا على تسويغ ذلك. والجواب: أما الأول: قلنا قد بينا وجه الجمع بين سكوت النبي ﷺ وبين سكوت أهل الإجماع وأما الفرق الذي قالوه فليس بصحيح لأن الرسول ﷺ وإن كان يتلقى ما يتلقاه من الوحي وأهل الإجماع يقولون ما يقولون عن مدارج الظنون لكن إذا لم يوجد من أهل الإجماع إنكار لما ظهر من القول دل أنه عندهم صواب وحق لأنه لو كان خطأ لكانوا قد تطابقوا له على ترك ما يجب من إنكار المنكر وهذا لا يجوز لأن أهل الإجماع قد عصموا عن الخطأ ومن عصم عن الخطأ يكون معصوما أيضا عن التقرير على الخطأ كالنبي ﷺ وإذا ثبت بهذا الطريق أن ذلك القول صواب ثبت أن ما سواه خطأ فإن قالوا إنما سكتوا لأنه من ومسائل الاجتهاد. قلنا: إذا اعتقدوا أنه خطأ لا يجوز أن يجمعوا على التقرير عليه على ما سبق فإن قيل أليس لو اجتمع العلماء في المجلس وقام سائل إلى واحد من الحنفيين وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفى بما يوافق مذهبه وسكت الحاضرون على سائر المذاهب يحمل سكوتهم على أنهم سكتوا لأنه قال ما قال في محل الاجتهاد.

стр. 520

والجواب: إن هذا يمكن دعواه في مثل هذه الصورة لأن مذاهب الكل معلومة فلا يكون السكوت للتقرير وإبداء الموافقة وليس مسألتنا في مثل هذه الصورة وإنما مسألتنا في الحادثة تقع بين أهل الاجتهاد ويذكر كل واحد منهم قولا فيه ويظهر في الباقين من علماء الوقت وينتشر ذلك بينهم ولا يظهر إنكارا وكان الفرق بين الصورتين أن في الصورة الأولى إذا كان المذهب معلوما فالإنكار من الباقين كذلك معلوم وإن لم يظهره في ذلك الوقت فكان سكوتهم على ما عرف من قبل لا على إبداء الموافقة أما هنا فلا يمكن حمل السكوت على مثل هذا لأنه لم يعرف من قبل خلاف منهم لذلك والسكوت على مثل هذا بعد أن علموا أنه خطأ لا يجوز فدل أن سكوتهم كان محض الموافقة وعلى أن بعض أهل العلم قد اشترط في هذا شرطا وهو اعتراض من العصر على ذلك يعنى أنه ظهر قوله وانتشر ولم يوجد منكرا واعترض العصر على ذلك وقال من اعتبر هذا الشرط: إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد في مسألة ظنه فاستمرارهم على السكوت الزمن المتطاول يبعد بخلاف العادة قطعا لأنه إذا كان يتكرر تذكار الواقعة والخوض فيها فلا يتصور دوام السكوت من كل المجتهدين مع تكرار الواقعة في حكم العادة ولهذا أن ابن عباس أظهر خلافه من بعد في مسألة العول والذين يقولون لعل السكوت لتقية أو هيبة. قلنا: ليس هذا مما يدوم على الدهر ولأن المسألة مصورة فيما إذا لم يكن تقية ولا هيبة وفى هذه الصورة يظهر الكلام جدا ولعله يصير من القواطع وأما على الصورة الأولى فالدليل الذي قدمناه دليل مستحكم يستمر على منهاج الأصول ولكنى أقول: إنه لابد من وجود نوع شبهة في هذا الإجماع بالوجوه التي قالها الخصوم فيكون إجماعا مستدلا عليه ويكون دون القواطع من وجوه الإجماع في المسائل التي قدمناها إلا أنه مع هذا لابد من تقديم هذا على القياس فإن قال قائل: قد انتشر قضاء عثمان في ميراث المبتوتة وهو قصة عبد الرحمن بن عوف بطلاقه امرأته آخر تطليقاتها الثلاث وكذلك قتل الحسين بن على ابن ملجم قصاصا مع وجود الورثة الصغار وانتشر كلا الأمرين في الصحابة ولم يكن مخالف ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس. قلنا: أما ميراث المبتوتة فقد ذكرنا أن عبد الرحمن بن عوف مخالف وقد نقلنا قولا عنه يدل على ذلك وأيضا فإن ابن الزبير قد خالف ولم يكن انقرض عصر

стр. 521

الصحابة وأما قتل الحسين بن على ابن ملجم فإنه على أى جهة قتله كلام كبير وأيضا فإن الصحابة قد كانوا في هذا الوقت تفرقوا تفرقا عظيما واعتزل جماعة من وجوههم وكفوا قولهم وفعلهم والحادثة وقعت بالكوفة وأكثر الصحابة بالحجاز ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر من الأئمة لا يماثل الفتوى الصادرة من المفتين وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء من قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه نفوذ قضائه وقد ذكرنا عن ابن أبي هريرة ما ذكرناه في الفرق بين الحاكم والمفتى وهو تفريق حسن فلا بأس به في هذا المكان وهو نافع جدا في صورتى الإيراد في مسألة المبتوتة ومسألة استيفاء القصاص مع وجود الصغار في الورثة وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا الإجماع فيما إذا وجد القول المنتشر من أحد الصحابة في سائر الصحابة فأما في التابعين ومن بعدهم فلا ولا يعرف فرق صحيح بين الموضعين والأولى التسوية بين الجميع وقال بعض أصحابنا: إن إمساك الناس من إظهار الخلاف إنما يدل على الإجماع إذا كان في شئ يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج فيدل سكوتهم على أن القول صواب وحق لأنهم لو اعتقدوا خلافه لما جاز لهم السكوت عليه وهو منكر لا يمكن استدراكه وأما الذى يمكن استدراكه فلا يكون سكوت الباقين دليلا على الإجماع والأولى أن لا يشتغل بهذا التفريق لأنه ليس فيه كثير معنى والمسألة في غاية الإشكال من الجانبين وقد ذكر القاضي أبو الطيب في كتاب الإجماع في هذه المسألة ترتيبا في الاستدلال استحسنته فأوردته ويدخل فيه الجواب على خلافهم قال: الدليل على ثبوت الإجماع مبنى على أصلين أحدهما: أن أهل العصر لا يجوز إجماعهم على الخطأ والثاني: أن الحق واحد وما عداه باطل وإذا ثبت هذان الأصلان فلا يخلوا القول الذي ظهر من أن يكون حقا أو باطلا فإن كان حقا وجب اتباعه والعمل به وإن كان باطلا فلا يخلو سائر العلماء من أربعة أحوال: إما أن لا يكونوا اجتهدوا أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ يجب اعتقاده أو أدى إلى صحة الذي ظهر أو خلافه ولا يجوز أن لا يكونوا اجتهدوا لأن العادة مخالفة لهذا لأن النازلة إذا نزلت فالعادة أن كان أهل الاجتهاد يرجعون إلى النظر والاجتهاد ولأن هذا يؤدى إلى خروج الحق عن أهل العصر بعضهم بترك الاجتهاد وبعضهم بالعدول عن طريق الصواب وهذا لا يجوز لأنهم لا يجتمعوا على الخطأ ولا يجوز أن يقال: أنهم اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ

стр. 522

يجب اعتقاده لأن ذلك يؤدى إلى خفاء الحق على جميع الأمة وهذا محال ولأن طريق الحق ظاهر فلا يجوز أن تخفى على جميع الأمة فإن قالوا: إنهم كانوا في مهلة النظر. قلنا: هذا ظن يحيد بكل أهل الإجماع وعلى ذلك لا يتصور امتداده إلى أن ينقرض العصر ولا يجوز أن يقال: إنهم اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى خلافه إلا أنهم كتموا لأن إظهار الحق واجب لا سيما مع ظهور قول هو باطل عندهم والتعلق بالتقية والهيبة تعلق باطل لأنهم كانوا يظهرون الحق ولا يهابون أحدا ولهذا ردت امرأة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه في المغالاة في الصداق حتى قال عمر: امرأة خاصمت رجلا فخصمته١ وقال عبيده السلماني: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة فقد كانوا يحتشمون من إظهار الخلاف لأنهم كانوا يعتقدون منهم فيقولون الحق وأما ابن عباس فقد كان صغيرا في زمانهم فلعله احتشم لصغره وعلى أنه قد أظهر من بعده. قال القاضي أبو الطيب: وإذا بطلت٢ هذه الوجوه دل أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول فصار كالنطق فإن قال قائل: إنما سكتوا لأنهم اعتقدوا أن كل مجتهد مصيب قلنا لم يكن من الصحابة من يعتقد ذلك وسنبين إن شاء الله تعالى. مسألة: قد ذكرنا حكم القول المنتشر فإما القول الواحد من الصحابة إذا لم ينتشر إلا أنه لم يعرف له مخالف فلا يكون إجماعا لأنهم لم يعرفونه فيعتبر قوله أو ينكرونه٣ وأما الكلام في كونه حجة فإن كان موافقا للقياس فهو حجة إلا أن الأصحاب اختلفوا فقال بعضهم: إن الحجة في القياس وقال بعضهم: إن الحجة في قوله وأما إذا كان بخلاف القياس أو كان مع الصحابى قياس خفى والجلى بخلاف قوله: فقد اختلف قول الشافعي في هذا. قال في القديم: قول الصحابي أولى من القياس وهو قول أبى حنيفه وأحمد وجماعة وقال في الجديد القياس أولى٤

стр. 523

واحتج من قال بالأول بقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"١ فقد جعل المقتدى بالصحابة مهتديا ولا يجوز العدول عن الاهتداء ولأن الصحابي إنما يحكم في شئ خبرا كان أو قياسا فإن كان عن خبر فالقياس متروك له وإن كان قياسا فإن الذي بان به من الفضيلة عن غيره وتميز عن من سواه من مشاهدة الرسول ﷺ وحضوره نزول الوحى عليه ومعرفة مخارج كلامه يرجح قياسه على غيره فكان قوله أولى من القياس المجرد أما وجه القول الجديد هو أن القياس أصل من أصول الدين ودليل من أدلة الشرع والعمل به عند عدم النص واجب والدليل عليه خبر معاذ رضى الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال له: "فإن لم تجد في كتاب الله وسنة رسوله" قال: أجتهد رأيى"٢ والصحابي غير مأمون من الخطأ فيما يقوله فلو كان عنده خبر من الرسول لأظهره لأنه كان مأمورا بالتبليغ فلما لم ينسب القول مما حكم به إلى النبي ﷺ دل أنه إنما قال استنباطا وقد بينا أنه غير معصوم من الخطأ فيلحقه في الاجتهاد ما يلحق غيره من السهو والغلط وقد كانوا يرون في الحوادث آراء ثم يرجعون عنها لدليل يلوح لهم هو أقوى من الأول وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم يكن مجرد قول الصحابي حجة إلا أن الحادثة إذا تنازعها أصلان جاز أن يغلب أحدهما بموافقة قول الواحد من الصحابة كما قد يغلب أحد القياسين على الآخر بكثرة الأشباه وأيضا فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فالمراد به رد الحكم إلى الكتاب والسنة وهو رد إلى الله وإلى رسوله وأما

стр. 524

تعلقهم بقوله ﷺ : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ١ "قلنا: هذا أمر من لم يكن في زمن الصحابة من أهل الاجتهاد بتقليد الصحابة لأن من كان من أهل الاجتهاد في الصحابة لا يجوز أن يأمره بتقليد مثله وأيضا فإن الاقتداء بهم هو الرجوع إلى المعاني المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الذي قالوه من بعد قلنا: أما دعوى التوقيف وأن الصحابى قال ما قال عنه بعيد لما بيناه وأما قوله إن اجتهاده يكون أقوى فلا يصح لأنه يجوز أن يسمع هو من النبي ﷺ ويكون غيره أعلم بمعناه وقصده ألا ترى أن النبي ﷺ قال: " نضر الله امرأ سمع مقالتى فبلغها غيره فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه" ٢ "ولأنه لو كان ما قالوه صحيحا وجب على من لم تطل صحبته للنبي ﷺ أن يقلد من طالت صحبته لأنه يكون من طالت صحبته أبصر بمعانى كلام النبي ﷺ ومقاصده لطول صحبته له واستبراء أحواله وكثرة اهتدائه إلى معانيه في أقواله وأفعاله ما لم يهتد من قلت صحبته وربما رآه رؤية أو سمع حديثا من أحاديثه وحين لم يقل أحد ما ألزمناهم عرفنا أن ما قالوه ساقط وقد قال بعض أصحاب أبى حنيفة: أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس يحمل على أنه قاله عن النبي ﷺ : لأن الظاهر أنه لم يعدل عن القياس مع النفوذ في معرفة القياس وطريقه إلا بسنة عرفها عن النبي ﷺ والجواب: إن يكن حسبان فاسد وظن بعيد لأنا بينا أنه لو كان عنده خبر لرواه وما كان من عاداتهم الكتمان. بل كان طريقهم التبليغ على ما أمروا به فأما الذي قالوه قلنا إنما يجب علينا أن نحمل قولهم على أنهم قالوه عن النبي ﷺ إذا كان لا يجوز عليه الخطأ فأما إذا جاز عليهم الخطأ فلا يجب علينا أن نثبت خبرا عن النبي ﷺ بالشك ولو جاز هذا في الصحابة جاز في التابعى. أيضا وسائر الأمة فيقال: إذا ذهب الواحد منهم إلى خلاف القياس يحمل أمره على أنه قال ذلك لأنه سمع خبرا عن النبي ﷺ إلا أنه لم يظهره وكل ما يمكن أن يكون في الصحابى يمكن أن يقال في التابعى أيضا فدل أن ما ظنوه باطل والله أعلم فصل

стр. 525

فصل: وأما انعقاد الإجماع بالفعل فكل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الاجماع . كما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول ﷺ مخرج الشرع لم يثبت به الشرع وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد به الإجماع لأن الشرع يوجد من فعل الرسول ﷺ كما يوجد من قوله فإن اجتمع القول والفعل فلا شك في انعقاد الإجماع لأنه إذا انعقد الإجماع فكل واحد منهما على الانفراد منهما أولى. مسألة: اتفاق أهل الإجماع شرط في انعقاد الإجماع وإن خالف واحد أو اثنان ينعقد الإجماع. وقال محمد بن جرير الطبرى: ينعقد ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين. وقيل: إنه قول أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو قول بعض المعتزلة ويقال: إنه قول أبى الحسين الخياط أستاذ الكعبى١ واستدل من قال بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وبقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ٢ "قالوا: وهذه الأشياء حقيقة تتناول جميع المسلمين وجماعة الأمة وإن شذ منهم الواحد فخرج منهم كما أن الإنسان يقول رأيت بقرة سوداء [وإن] ٣ كان فيها شعيرات بيض ويقول أكلت منها رمانة وإن سقطت منها حبة وتعلقوا بقوله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم"٤ وأهل العصر كلهم إلا الواحد والاثنين

стр. 526

هم السواد الأعظم فلأن الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل العصر يوصف بالشذوذ وذلك اسم ذم فلو كان يعتد بخلافه معهم لم يوصفوا باسم الذم ولهذا أنكرت الصحابة على ابن عباس رضى الله عنه مقالته في الربا قالوا: ولأن الناس يقولوا في خلافة أبى بكر رضى الله عنه على الإجماع وقد خالف في ذلك جماعة منهم سعد بن عبادة. وقال سلمان: كردن ونقلوا عن على رضى الله عنه أنه وقف عن البيعة مدة ومع ذلك لم يعتد بخلاف هؤلاء ولأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد وكذلك قول الجماعة مقدم على قول الواحد وأما دليلنا أن الإجماع هو الحجة بالدلائل السمعية على ما سبق وإذا خالف الواحد أو الاثنان فقد فقد الإجماع ففقدت الجماعة والدليل على أن الإجماع قد فقد بخلاف الواحد والاثنين لأن دليل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] والألف واللام لاستغراق الجنس فظاهر الآية اقتضى جميع المؤمنين وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فتناول جميع الأمة وكذلك قوله ﷺ "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ١ تتناول جميعهم وإذا خالف مخالف وأن كان قليلا فقد فقد اجتماع الأمة وصار القول من بعض الصحابة دون البعض. ببينة: أنه إذا كثر المخالف امتنع انعقاد الإجماع فكذلك إذا قل المخالف يمتنع أيضا بعد أن يكون من أهل الاجتهاد وهذا لأن القلة لا تمنع من الإصابة ويجوز أن يصيب القليل ويخطئ الكثير قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقال تعالى أيضا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] فثبت بما قلنا: أن قلة العدد لا تمنع من إصابة الصواب وكثرة العدد لا تؤمن من الخطأ يدل عليه أن الإجماع لو انعقد مع خلاف الآحاد لوجب على المجمعين أن ينكروا على من خالفهم من الآحاد كيلا يتبعوا غير سبيل المؤمنين وقد أقرت الصحابة على خلافهم كما أقروا ابن عباس وإن كان قد تفرد بالخلاف في القول وقد تفرد هو أيضا بمسائل في الفرائض خالف سائر الصحابة وكذا ابن مسعود وقد أقر على ذلك ولأن أبا بكر قد

стр. 527

كان يخالف جميع الصحابة في قتال مانعى الزكاة وقد كانوا يشيرون ببعض المفارقة ثم إنه يبين لهم أن الحق معه واتفقوا على قتالهم فإن قيل: قد تفرد قوم من الصحابة بأشياء لم يعتدوا بذلك. وأثبتم الإجماع مع وجود ذلك الخلاف مثل خلاف حذيفة في وقت السحور وخلاف ابن أبى طلحة في أكل البرد في حال الصوم١. وقوله: إنه لا يفسده وكذلك خلاف ابن عباس في جواز ربا الفضل٢ قلنا نحن إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه وعلى هذا خلاف حذيفة فإنه مخالف النص وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك خلاف ابن أبى طلحة لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والصيام هو الإمساك ولا يوجد الإمساك مع أكل البرد وعلى هذا خلاف ابن مسعود جميع الصحابة رضوان الله عليهم في الفاتحة والمعوذتين في ترك إثباتهن في المصحف٣ وخلاف أبى بن كعب في إثبات سورتى القنوت٤ وقد أنكر عليهما سائر الصحابة ذلك وكذلك خلاف ابن عباس في الربا وليس ما اختلفنا من جملة ذلك أما الجواب عن كلماتهم أما الكلام الأول: قلنا أما أسماء الجمل والعموم لا يتناول الأكثر إلا مجازا ألا ترى أنه يجوز أن يقال في الأمة إلا الواحد: ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا كل الأمة فعلمنا أن اسم الكل لا يتناول إلا الجميع والذي قالوا من اسم البقرة السوداء وقولهم أكلت الرمانة فليس ذلك بحقيقة وإنما هو على طريق المجاز ويجوز أن يقال إنما حسن أن يقول: "أكلت الرمانة" وإن سقطت منها حبات أو يقول: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض لأجل العادة فإنه في العرف يقال: أكلت

стр. 528

الرمانة وإن سقطت منها حبات ويقال في العرف: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض فخرج الأقل من الكلام بالعرف وليس إذا نقل العرف من ذلك يجب أن ينقل غيره من الأسماء وأما تعلقهم بقوله ﷺ "عليكم بالسواد الأعظم"١ قلنا السواد الأعظم جميع أهل العصر ولو كان المراد منه الأكثر لدخل تحته النصف من أهل العصر إذا نادوا على النصف الآخر بواحد أو اثنين أو ثلاثة وأما قوله: يوصف الواحد إذا خالف بالشذوذ قلنا لا نسلم أنه يطلق عليه هذا الاسم إلا إذا خالف بعد ما وافق. وأما قولهم: إنهم أنكروا على ابن عباس خلافه في الربا قلنا إنما أنكروا عليه لأجل خبر أبى سعيد لا لأجل مخالفته بقية الصحابة. وأما بيعة أبى بكر قلنا لا يثبت خلاف أحد أما سعد بن عبادة قد كان يظن أن للأنصار حقا في الخلافة وكذلك جماعة من الأنصار كانوا على هذا فلما روى أبو بكر رضى الله عنه ما روى رجعوا عنه وقول سلمان هو من حكاية الروافض فلا يثبت إليه وأما قولهم إن عليا امتنع من بيعة أبى بكر رضى الله عنهما إلى مدة قلنا الأصح أنه بايع وقد روى ذلك في بعض الروايات الصحيحة وعلى أنه إن روى ما قالوه من تأخير البيعة فرواية المثبت أولى من رواية النافى وأما استدلالهم بالخبر المتواتر ففيه جوابان: أحدهما: أن التواتر يقتضى القطع بالصدق ولا يقتضى القطع بالحق وأما الإجماع يقتضى القطع بالحق فمن أين أنه إذا أخبر جماعة يقتضى القطع بالصدق ما يوجب أن يكون قولهم يقتضى القطع بالحق لأن أخبار التواتر توجب العلم الضرورى على ما سبق وذلك علم يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بخلاف خبر الواحد لأنه لا يوجب العلم الضرورى: ألا ترى أنه يمكن للإنسان دفعه عن نفسه وأما ها هنا فهو اجتهاد وغير يمتنع إصابة الأقل للصواب وأخطأ الأكثر لأن الإصابة ها هنا بالتوفيق ولا يمتنع أن يوفق الله الأقل ويحرم الأكثر قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .

стр. 529

فصل: ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه: فإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم: يجوز أن يرجع عنه بعضهم ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما أجمعوا عليه ومنهم من قال: لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن إجماعهم قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز الرجوع لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال: يجوز أن يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع١ وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز الرجوع عنه بحال لما سبق بيانه والله أعلم. مسألة: انقراض العصر ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع في أصح المذاهب لأصحاب الشافعي. ومن أصحابنا من قال: إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال: إن كان قولا من الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: إنه ينعقد قبل انقراض عصره فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر٢ واحتج من قال: إن انقراض

стр. 530

العصر شرط بأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه وفضل في القسم وصحت هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول وكذلك رأى عمر أن لا تباع أمهات الأولاد١ ووافقه عليه الصحابة. ثم إن عليا رضي الله عنه٢ خالفه من بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في حال تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر. وأما دليل من قال: إنه ليس بشرط قول الله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتى على الضلالة " ٣ وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل. ببينة: أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون لموتهم تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي ﷺ تأثير في كون
следующие страницы →