← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

القول في الاستحسان ذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان في أصول الدين فاسد وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى القول به وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع إلى دليل شرعى باطل فأما مالك فإنه يقول بذلك ويعتمده١. واعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذى يعتمده أصحاب أبى حنيفة فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه من غيردليل فهو باطل قطعا ولا نظن أن أحدا يقول بذلك تنذكر الآن ما ذكره أبو زيد في كتابه في معنى الاستحسان لغة وحكما. قال: أما اللغة: فالاستحسان هو اعتقاد حسن الشئ. يقال: استحسنت كذا أى: اعتقدته حسنا٢ واستقبحت كذا أى: اعتقدته كلك ومحل ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان قد ترك القياس والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير دليل يطلق وطعن بهذا على علمائنا وأن ما هذا تغير الاستحسان لغة فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي حتى كان القياس غير الاستحسان بعد سبيل التعارض وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف على العمل بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله وإن كان الخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا. بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذى تعلق به صحته ولم يكن غرضهم من هذه التسمية إلا يميزوا بين حكم الأصل الذى يدل عليه القياس وبين الحكم المال [عن ذلك السنن الظاهر] ٣ بدليل أوجب الذى أماله٤ فسموا الذى يبقى على الأصل قياسا والذى الممال استحسانا وهذا كما ميز أهل النحو بين وجوه النصب فقالوا: هذا نصب على التفسير

стр. 807

وهذا نصب على الظرف ونصب على المصدر وكذلك أهل العروض ميزوا بين الطويل والمديد والمتقارب. قال محمد بن الحسن في كثير من المواضع: القياس كذا والاستحسان كذا وبالقياس نأخذ وأخذ في عامة المواضع بالاستحسان فعلم أنهما يستويان كدليلين متعارضين. قال: فصار العمل بالاستحسان هو الممال بحكمه من الطريق الظاهر إلى الخفى بدليل شرعي لا بهوى التعيين فإنه كفر وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذى ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل بهذا الاسم كان اسما مستعارا كاسم الصلاة والصوم وغير ذلك. قال: ثم الاستحسان قد يكون نصا وقد يكون ضرورة وقد يكون إجماعا وقد يكون قياسا خفيا١. أما النص فنحو قول أبى حنيفة في من أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناسى لقلت يقضى القياس الظاهر بوجوب القضاء إلا أنى استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه٢ وهذا لأن النص فوق الرأى فأستحسن ترك الرأى به. وأما الإجماع فنحو جواز الاستصناع فإنه قد ظهر تعامل الأمة به قد بينا وحدثنا من غير تكبر والقياس أنه لا يجوز لأنه بيع معدوم. قالوا: وأما الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجسها٣ والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس لملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس فلا يمكن الحكم بطهارة الماء إلا أن الشرع حكم بالطهارة الضرورية لأنه لا يمكن غسل البئر ولا الحوض وإنما غاية ما يمكن هذا وهو نزح الماء النجس وحصول الماء الطاهر فيه فاستحسنوا ترك العمل بالقياس لأجل الضرورة والعجز فإن الله تعالى جعل العجز عذرا في سقوط العمل بكل خطاب وأما ترك القياس بدليل أخفى منه فهو مثل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة بعينها في يد البائع لم تقبض لا يتحالفان قياسا لكن القول قول المشترى وفى الاستحسان يتحالفان لأن كل واحد منهما مدع ومدعا عليه

стр. 808

لأن البائع يدعى على المشترى زيادة الثمن والمشترى ينكره وأما المشترى فيدعى على البائع وجوب تسليم السلعة عند أداء ما يدعيه من الثمن والبائع ينكره فأخذوا بدليل الاستحسان دون القياس لأن تأثيره أكثر وأخذ بالقياس في موضع آخر وهو إذا تلا آية السجدة في صلاته فركع في صلاته ينوب الركوع عن السجود قياسا لأن الواجب عليه عند قرآة السجدة الخشوع والخضوع لله تعالى وذلك يحصل بالركوع وفى الاستحسان لا ينوب لأن الواجب عليه السجود والركوع غير السجود ولا يعرف أنه مثله في الخضوع والخشوع بالقياس أخذوا لأن الواجب الخشوع والركوع خشوع تام مثل السجود بخلاف القياس لأنه ليس بخشوع تام ونحن أوردنا ما قالوه في الاستحسان لتعرف حقيقة مذهبهم. ويقال لهم: إن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في النفس ويستحسن في الطبع فلا شك أنه باطل والأحكام إنما تبنى على أدلة الشرع لا على الهواجس والشهوات وما يقع في الطباع وإن كان هو الحكم بأقوى الدليلين من كتاب أو سنة أو إجماع أقوى من قياس فلا معنى لتسميتهم ذلك استحسانا ولإن كان هذا النوع استحسانا فكل الشرع استحسان فلا معنى لتخصيص ذلك ببعض المواضع دون البعض. واعلم أن مرجع الخلاف معهم في هذه المسألة إلى نفس التسمية فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به والذى يقولونه لتفسير مذهبهم به العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه وهذا لا ننكره لكن هذا الاسم لا نعرفه بآية ما١ لما يقال به لمثل هذا الدليل. وقد قال بعضهم: إنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه وهذا باطل لأنا لا نقول بتخصيص الأقيسة وقد أبطلناه من قبل. وقال بعضهم: هو عدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا أيضا باطل لأنهم يسمون إذا عدلوا عن القياس إلى نص استحسانا أيضا. وقال بعضهم: الاستحسان ترك طريقة الحكم إلى أخرى هى أولى منها ولولا ما يوجب الثبات على الأولى وحده أبو الحسن الكرخى من أصحابهم وقال: هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به في نظائرها لوجه هو أقوى من

стр. 809

الأول يقتضى العدول عن ذلك وهذا يلزم عليه أن يكون القياس الذى يعدل به إليه عن الاستحسان استحسانا. وقد قالوا في مسائل بالقياس نأخذ وعدلوا عن الاستحسان إليه وسموه قياسا وعلى الجملة لا معنى لهذه التسمية وهى تسمية لا يمكن حدها بحد صحيح تختص به. وأما تفسيرهم الذى يفسرونه فنحن قائلون بذلك وليس مما يتحصل فيه خلاف وقد ذكر الشافعى لفظ الاستحسان في مراسيل ابن المسيب وقال أيضا في المتعة: واستحسن يقدر بالأفلس درهما ليس هذا اللفظ بممتنع في بعض المواضع وإنما المستنكر أن يجعل ذلك أصلا من الأصول تبنى عليه الأحكام وخالف بينه وبين سائر الأدلة ولا يمكن تحقيق المفارقة والتمييز على ما سبق به القول في السبب والعلة والشرط والفرق بين معانى ذلك ومواجبها.

стр. 810

السبب والعلة والشرط السبب ... اعلم أن مما يكثر ذكره١ في أقوال الفقهاء ويرد في المسائل هو السبب والعلة والشرط ولابد من معرفة ذلك والفرق بين معانيها ومواجبها. أما السبب: فاعلم أن السبب في اللغة: اسم للحبل الموصل إلى ما لا يوصل إليه إلا بتعلقه به٢. ثم يسمى كل مبنى يتوصل به إلى مطلوب مرام باسم السبب بسببها بالحبل الذى يتدلى به من يوصل به إلى مرامه ومطلوبه مع أنه لا أثر للحبل في إيجاد ذلك المطلوب وتحصيله وإذا كان السبب في اللغة اسما. فنقول: حده ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما. وقيل: إن السبب مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقديمها فلا أثر لها فيه ولا في تحصيله٣ وهذا كالجبل سبب للوصول إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل

стр. 811

وكذلك الطريق سبب للوصول إلى المكان الذى يقصده ثم الوصول لا يكون بالطريق بل بقوة الماشى وكذلك الدلالة بحل الشىء سبب لأخذه وليس الأخذ بدلالة بل هو بقوة الأخذ وكذلك حل قيد المقيد سبب لفراره ثم ليس الفرار بحل القيد. بل هو بقوة الفار ويمكن الاستدلال على ما ذكرناه بقوله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] . فجعل الله تعالى ضرب القتيل ببعض لحم البقرة سبب الحياة فلا أثر لذلك في الحياة وكذلك ضرب موسى البحر بالعصا صار سببا لصيرورته يبسا وضربه الحجر صار سببا لانفجار العيون من غير أن يكون ضرب العصا مؤثرا في تجفيف البحر أو انفجار الماء من صخرة صماء وتبين بهذه الأمثلة صحة قولنا في الحد الأول أنه وصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما. ببينة: أن العصا بالضرب في البحر والحجر لم ينقلب طبعه عما كان إلى شئ آخر ليؤثر في يبس البحر أو انفجار الحجر بالضرب ولكنه صار سببا بجعل الله تعالى ذلك سببا فدل أن السبب للشئ سبب وإن لم يكن له تأثير في إيجاده بوجه ما ولأهل الكلام في هذا خوض كثير وقد جعلوا الطعام سببا للشبع والماء سببا للإرواء وليس هو بنفسه مشبعا ولا مرويا لكم المشبع والمروى هو الله تعالى على الحقيقة وهذا من حيث الاعتقاد صحيح لكنه لا يسببه النظر الأول فإن في الطعام طبع الإشباع وفى الماء طبع الإرواء والأولى هو الاقتصار على القدر الذى قلناه. وذكر أبو سليمان الخطابى وقد كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة

стр. 812

السنة صاح للاقتداء به والإصدار عنه. قال: السبب هو الوصلة التي يتوصل بها إلى الشئ ومن هذا قيل للحبل سبب وللطريق سبب لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذى تريده قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٥] أى طريقا وقد يسمى السبب علة لأنه يتوصل به إلى معرفة الحكم كما بنيته بالعلة على الحكم إلا أنه ليس كل سبب بعلة ولكن كل علة سبب كما أن كل علة دليل وليس كل دليل علة وفرقوا بين العلة والسبب من وجوه. فقيل: العلة لا توجد إلا ومعلولها موجود كالنار لا توجد ولا إحراق وقد يوجد السبب ومسببه غير موجود كالسحابة توجد ولا مطر وقد قيل: إن السبب هو الحال الذى يتفق بكونها نزول الحكم كالوقت الذى يتفق فيه نزول الحكم والعين التي يتفق نزوله فيها وقد يوجد السبب والحكم غير مقصور عليه بل يكون عاما لأهل ذلك السبب وغيرهم فيمن لا يشاركهم فيه.

стр. 813

وأما العلة: فتطرد مع الحكم بكل حال وقيل: إن العلة هى المعنى الجالب للحكم ومنه علة المريض وهى السبب والجالب للمرض. وقد قال بعض الشعراء: ألم تر أن الشئ للشئ علة ... يكون بها كالنار تقدح بالزندى وقد قيل أيضا: إن اشتقاق العلة في اللغة راجع إلى معنى التكرار والدوام وذلك أن العرب تسمى السقى الثانى عللا وتسمى المرأة التي نكحت على الأخرى علة وذلك أنها تعل بعد صاحبتها فكانت العلة على هذا الاشتقاق هى الشئ التي يتكرر ويدوم بوجوده ما علق به. واختلفوا في المعلول ما هو؟ فقال بعضهم: هو الحكم لأنه مجلوب العلة ويقال علة هذا الحكم كذا فتضيف العلة إلى الحكم. وقال آخرون: هو الشيء الذى وقعت فيه العلة بمنزلة المضروب الذى وقع فيه الضرب. ألا ترى أنا نقول: إن البر معلول بالأكل والخمر معلول بالشدة.

стр. 814

وأما الشرط: فأصله العلامة١. قال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أى علاماتها. وحد الشرط: ما يتغير به الحكم بوجوده٢ ويفارق السبب لأن الشرط يقتضى

стр. 815

تغير الحكم بوجوده وعدمه والسبب قد لا يوجد ذلك بل يوجب مصادفته وموافقته وقد أشار إلى هذا الذى قلناه الشيخ القفال الشاشي. قال القفال: والطريق في التمييز بين العلة والسبب والشرط أنا ننظر إلى الشئ فإن جرى مقارنا للشئ مع تأثير الشئ فيه دل على أنه علته وإن جرى مقارنا للشئ أو غير مقارن لا تأثير للشئ فيه دل أنه سببه.

стр. 816

وأما الشرط هو ما يختلف الحكم بوجوده وعدمه وهو مقارن غير مفارق للحد كالعلة سواء إى أنه لا تأثير له فيه وإنما هو علامة على الحكم من غير تأثير أصلا. ويقال أيضا في الفرق بين السبب والعلة: إن السبب قد يوجد مع تراخى الحكم كالبيع بشرط الخيار سبب للملك ليس بعلة ولو كان علة لما تأخر حكمه ولكنه سبب منعقد ويصير علته بارتفاع الخيار فيكون ارتفاع الخيار شرطا ليصير علة لوقوع الملك فمتى وجد هذا الشرط انقلب السبب علة ولا يتراخى عنه حكمه ثم الحكم إذا وجد بانضمام الشرط إلى السبب يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ولهذا قلنا: بتضمين شهود اليمين إذا رجعوا دون تضمين شهود الشرط وكذلك حصول الجرح في المجروح من المكلف المختار سبب لوجوب القصاص عند زهوق الروح ويصير عند زهوق الروح علة القصاص وكذلك حصول النافى في يد الغنى المكلف في الزكاة سبب لوجوب الزكاة وإذا حال الحول صير علة موجبة وكذلك اليمين قبل الحنث سبب لجواز أداء الكفارة ويصير عند الحنث علة موجبة مقررة وكذلك الطلقة الواحدة سبب التحريم في الرجعة وعند انقضاء الرجعة تصير علة لانقطاع النكاح. وقد ذكروا مثال هذا الشرط فقالوا: إن الحياة شرط في صحة وجود العلم والقدرة وغيرهما من صفات الحى ولا يصح وجود العلم والقدرة بدون الحياة وهذا في العقليات وفى الشرعيات لا تصح الصلاة بدون الطهارة ولا يصح الصوم بدون النية وهذا الذى ذكرناه هو مذهبنا وقد أوردناه على ما ذكره الأصحاب مع شئ من الزيادة في تقديره وتحقيقه. وأما أبو زيد فله كلام كثير في السبب والعلة والشرط ونذكر طرفا من ذلك ونتكلم على ما يوافق مذهبنا قال في تقويم الأدلة: الأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام سبب اسما لا معنى وسبب محض اسما ومعنى وسبب هو علة العلة معنى وسبب هو علة معنى. أما السبب اسما لا معنى ولا حكما فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف وكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط ويسمى النذر المعلق بالشرط سببا وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجازا لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى السبب لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره وطريقا واليمين تعقد للبر وأنه مانع من الحنث الذى تجب

стр. 817

عنده الكفارة وليس بطريق ولكنه لما كان الغرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب ويتحلل المانع ذهب عنه معنى السببية ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث. قال: ونقول على هذا: إن تعليق الطلاق بالنكاح جائز لأنه ليس بطلاق ولا هو سبب الطلاق ولا يعتبر لانعقاده شرطا لطلاق وهو ملك النكاح كما لو حلف بشئ آخر وإنما تكلم هذا بما يصير خلافا وهو إذا وصل إلى المرأة التي هى محلها بعد الشرط وإنما يعتبر في الحال كون الرجل من أهل التكلم به ومن أهل اليمين لأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين يرتفع بعد الحنث لأنه يبقى بعد الحنث قوله أنت طالق أو على كذا وهذا القدر لا يكون يمينا. وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر وبعده يزول الانعقاد وهو كعقد قائم مفسوخ فلا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع. وكذلك بعد الحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه. قال: فالمتعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشرط وقد تسمى أسبابا تسوية مجازا فهذا ضرب مجاز ولكنه معتبر شرعا لأنه في الحال معتبرة أيمانا لحكم شرع اليمين له وكان عقدا صحيحا لحكم صحيح وإنما أبطلنا كونه سببا لحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد في الحال. قال: وأما السبب المحض فنحو حل قيد العبد حتى أبق فإنه سبب محض ولا يضمن العبد لأن الإهلاك كان بالإباق والإباق كان باختيار من العبد لا بقوة حدثت من الحل وكذلك إذا دل سارقا على المال حتى سرق ولا يضمن المال لأن أخذ المال كان باختيار السارق لا بقوة حدثت من الدلالة. قال: ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع الإنسان لم يضمن صاحب الدابة١ لأن التلف كان بوطء أو بأكل فعلته الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من تسبيب صاحبها وكذلك ما انفتح باب أسطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى

стр. 818

طار الطير لم يضمن١ لأن الخروج والطيران كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجبت له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره ولا يلزمنا على هذا المحرم إذا دل على صيد حيث يضمن لأن الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث الأخذ للصيد ولكنه يضمن من حيث أزال أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به ويضمن في مسألة الدلالة من حيث إنه جنى بالدلالة على إحرامه فإن أزال الأمن عنه لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم بمكانه فلا ينجيه إلا الفرار على خوف ولهذا قلنا: إن حافر البئر لا يضمن الكفارة٢ ولا يحرم الإرث٢ لأنهما يجبان جزاء بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافر في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار يشبه سقوطا للعمق الحادث بفعله إلا انه شرط لسقوطه لأنه علة لسقوطه فسقوطه سبب ثقله الذى لا يحمله الهواء والأرض كانت تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط وأما ضمان التالف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل إنما يضمن التالف لوجود تلف مضاف إليه والحكم إلى الشرط مضاف وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا وإذا اضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى وها هنا العلة ثقله أو شبه وذاك لا يصلح سبب الضمان لأنه ليس بتعد فوجبت الإضافة إلى صاحب الشرط. قال: وكذلك زوائد الغصب المتصلة والمنفصلة أمانة٣ عندنا لأن ضمان الغصب ضمان فعل خاص هو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الجزاء إلا بإزالة يده عن الشئ وهذا الحد وجد في الأم ولم توجد في الزوائد لأنها حدثت في يدى الغاصب فلا يجب ضمان الغصب به وإن سلمنا أن البقاء تعد حكما فهو تعد غير الغصب ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير

стр. 819

ضمان الغصب تكلمنا فيه. قال وعلى هذا يقول: إن شهود القصاص إذا رجعوا بعد ما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة ولا يحرمون الإرث ويضمون الدية كالحافر سواء لأن المباشرة منهم بأداء الشهادة وقد انقضت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمى والكفارة جزاء الإتلاف حقيقة وذلك بمباشرة الولى وهو فيه مختار غير ملجأ فنقصر فعله ولا ننتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة وكذلك الرجل تكون له امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حتى بانتا فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد١ لأن الرضعة مسببة للفرقة وليست بصاحبه علة كالحافر سواء لأن فعلها في التمكين من الارتفاع لا غير والفرقة تتعلق بوصول اللبن في الجوف وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهى مختارة في غير ذلك غير أن مص الصغيرة إنما يكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدى في فمها بإلقام كان منها ابتداء إن كان الإلقام تعديا وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء وهو كالحفر سواء إذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذلك الوجوب هاهنا وعندنا الضمان إنما يجب لإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول. ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباحا أضيف الإيجاب إلى ما هو تعد فوجب الضمان على ما مر من الأسباب ووجود بعض ما يتم علته بانضمام معنى آخر إليه كأخذ شطرى البيع وأخذ وصفي علة الربا فهو من الأسباب المحضة لأن الحكم لا يجب ما لم تتم العلة وذكر أن البعض من العلة لا يكون له حكم العلة. قال: وعلى هذا نقول: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد٢ لأن علتها الرأس فلا يكون للبعض حكم العلة وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هى الكيل وهذا بعض ما يكال وليس بمكيل وذكر أمثالا لهذا قال: وأما السبب هو علة العلة

стр. 820

فهو السبب الموجب لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث إنها لم توجب إلا بواسطة علة كانت سببا ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكم به أضيف الوجوب إليه صار موجبا ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه لأن علة الحكم لما حدثت بالأولى صارت العلة الأخيرة مع حكمها الأول ومثاله الرمى المصيب القاتل فإنه سبب الموت لأن فعل الرمى ينقطع قبل الإصابة لكنه أوجب حركة في السهم وصل بها إلى الرمى وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته وكان الرمى سببا موجبا وله حكم حر الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الآلام انتقاض البنية ونفوذ السهم إحكاما للرمى. قال: وقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق١ ويجوز به التكفير لا سبب موجب للعتق لأن الشراء علة الملك والملك القريب علة العتق فكان الشراء علة علة العتق فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء. قال: ولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير موجبا بالآخر ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الآخر كعلة العلة ومن هذه الجملة قطع حبل القنديل حتى يكسر وشق الزق حتى يسيل لأن قوامه بمسكته ومسكة القنديل بالحل ومسكة الدهن بالزق والقطع والشق علة مزيلة للمسكة وزوال المسكة علة التلف. قال: وأما السبب هو الذي علة فهو الموجب للحكم بنفسه في ثانى الحال بلا واسطة علة لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه لا لعدم بعض ما هو علة بل لعدم وصف ما هو علة من حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه كان سببا وطريقا إليه ومن حيث إن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون وصفها لأن الأوصاف أتباع لم تكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء وهذا أرق وجوه الأسباب ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب وعلة إذا تم الحول٢ لأن الزكاة تجب بسبب الغنى والغنى في النصاب دون الحول ولما لم تجب الزكاة بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر على القائم به وهو أنه يوصف بأنه حولى في ملكه لأن الشرع علق الزكاة قال: نام معنى والنمو لا تكون إلا مدة فشرط صفة التفاجؤ لا يستحق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة والحول وصفا فلم

стр. 821

يعمل أصل العلة ما لم يتم وصفه. قال: ولا يقال: إن حولان الحول عليه شرط الوجوب لأنه سبب بقوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول الحول" ١ وحتى ليست بكلمة شرط إنما هى توقيت ولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق فكان ينبغى أن تسقط بإسقاطه بأن يأخذ بالعزيمة ويجعل الأداء كما في صوم المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى صح التعجيل بها هنا إذا عجل لا يكون فرضا. بل يكون موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها على ما مر بيانه علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن التعجيل ليس على وجه الرخصة وهذا لأن الحول متى تم واتصف النصاب بما قلنا والوصف لا يقوم بعينه. بل بالموصوف وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحول إلا إلا إذا بقى حولا فاستند بالوصف إلى أصل المال وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولى كالرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد نفسه لا شخص آخر فإذا استند الوصف إلى أول النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله أيضا فيعتبر التعجيل مؤديا بعد الوجوب فيجزئه وأما بعض العلة فلا تستند إلى ما قبله. بل تقتصر على حين وجوده لأنه ليس بتبع لما قبله وإذا اقتصر على حين التمام فيبقى الأداء قبله إذا قبل الوجوب فلا يجزئه قال: وهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ويصير ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا وإذا مات نقضت الهبة في العلتين لأن العلة الحاجزة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض. وقولنا: مميت صفة للمرض والوصف معدوم وقت الهبة فنفذت الهبة من غير حجز فلما دام المرض حتى مات تم الوصف فصار أول الوجوب متصفا بالإضافة لا آخره لأن الموت يضعف القوى وكل جزء من المرض بعده أخرج عن عداد الأصحاء يضعف بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت فإنه أضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة الحجر من حين أصل المرض الذى أضفناه والتصرف وجد بعده فصار محجوزا عليه فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق قال: وعلى هذا قال علماؤنا: إذا جرح رجل

стр. 822

رجلا خطأ وكفر ثم مات المجروح أجزأه بالمال والصيام جميعا لأن علة الوجوب هى القتل وذلك اسم لجرح يسرى إلى النفس فيموت والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف يمنع الوجوب ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في الثانى هذا كلام أبى زيد في أقسام سبب ذكرت أكثره وتركت بعضه والمذكور كاف لبيان أصولهم وأكثر هذا الكلام إنما هو على أوضاع لهم في أصولهم على ما زعمه هؤلاء على ما زعمه مشايخهم وأصحابهم والذى ذكر أولا أن اليمين ليست الكفارة ضيقة إنما هى السبب تسمية ومجازا فالأصل أن الشئ إذا حكم بثبوته يكون حقيقة ومن ادعى كونه مجازا فعليه الدليل وقد ذكرنا في كثير من المواضع أن الكفارة لقضاء حق الاسم وذلك في الحال الواقع بالبئر فلا يجب التكفير مع حصوله في الحال بغيره ثم إذا حنث فقد فات قضاء حق الاسم بالبر فيجب الآن قضاؤه بالكفارة ألا أن السبب لذلك هو اليمين لما بينا من قبل فإذا كفر جاز لأنه قد فعل بعد وجود سببه فإذا كان المفعول لقضاء حق الاسم وسببه قد تحقق باليمين فلا معنى لمنع الجواز وأما قوله: إن السبب ما يتقرر عند وجود حكمه فلما ارتفعت اليمين بالحنث وهو زمان وجوب الكفارة دل أنه لا يصلح سببا للكفارة. قلنا: الكفارة سببها اليمين على ما قلنا ولكن لما كان هذا الواجب كفارة فلابد من اتصال هتك باليمين ليستقيم الواجب كفارة ثم إذا اتصل الهتك باليمين باتصال الحنث بها لم يمنع تأخر اتصال الحنث باليمين من تحقيق السببية في الحال مثل الموت مع الجراح فإن تأخر الموت عن الجراح لا يمنع من تحقيق السببية في الحال حتى جازت الكفارة والمعنى ما بينا في ذلك أنها لقضاء حق الاسم عند الاستشهادية في عقد مخصوص والاسم في اليمين فكانت هى السبب. وأما ارتفاعها عند الحنث. فلا يقول بنفس الحنث ارتفع لكن إذا كفر ووقع قضاء حقها بالتكفير لم يبق لبقائها فائدة فارتفعت كالرجل يقول: والله لا أكلم فلانا يوم كذا فمضى اليوم ولا يكلم ارتفع لعدم الفائدة في بقائها فارتفعت. وأما مسألة الدابة إذا اتلفت زرع إنسان إنما أوجبنا الضمان١ إذا وجدنا بالليل قضاء النبى ﷺ بإلزام أربابها الحفظ لها وإذا أمر منهم حفظها بالليل فقد ألزمهم ضمانها إذا فسدت. وأما فتح باب القفص وباب الأسطبل فهو سبب لطيران الطير

стр. 823

وسبب لخروج الدابة١ وإنما جعلنا ذلك سببا لأن السبب ما يوصل إلى شئ ونحن نعلم قطعا أن فتح الباب موصل إلى الطيران وطيران الطير هلاك له في حق مالكه وكذلك في حفر بئر عمق المكان مبطل لاستمساكه على الأرض في حال سببه الذى هو مباح له وزوال المسكة في مثل هذه الصورة مهلكا له فصار بفتح الباب مهلكا للطير بهذا الوجه وبحفر البئر مهلك للواقع من هذا الوجه وضمان الهالك واجب على المهلك سواء أكان الواجب حق الله تعالى أو حق الآدمى وهذا لأن التسبب قتل لأنه لا يمكن مباشرة إزهاق الروح فيكون تحصيله بالتسبيب إليه إلا أن التسبب إذا قوى بأن يؤدى إلى الهلاك غالبا أوجب القود وإذا ضعف بأن لا يؤى إلى الهلاك غالبا أوجب الدية وكان المعنى فيه أن القود وجب لحكمة الزجر فإذا ضعف السبب استغنى عن الزجر فسقط القود وإذا قوى السبب افتقر إلى الزجر فوجب القود وإذا ثبت أنه قتل وجبت الكفارة به. ببينة: أن بالاتفاق وجبت الدية لحق الآدمى وضمان المتلف لا يجب إلا بالإتلاف دل أن حفر البئر إذا اتصل به السقوط إتلاف وعلى هذا وجب القصاص على شهود القصاص إذا رجعوا لأنه سبب قوى يؤدى إلى التلف فصاروا متلفين. والدليل على أن فعلهم إتلاف وجوب الدية عليهم قولهم إنهم قتلة حكما لا حقيقة. قلنا: إذا كانوا قاتلين فيكونون قاتلين حقيقه وإلا لم يكونوا قاتلين ثم نقول إنما صاروا قتلة بإتيانم هلاك الشخص حقا للمشهود له وإذا جعلوا هلاكه حقا فقد أهلكوت فهذا وجه قولنا: إنهم قتلة. ثم إذا صاروا قتلة فسواء صاروا قتله حكما أو حسيا بعد أن يستند إثبات قتلهم إلى فعل حسى يوجد منهم إسقاط إيجاب القود عليهم بذلك الفعل الحسى الذى أوجب نسبة القول إليهم وهذا كالرمى والجرح المؤدى إلى هلاكه وقولهم: إن الولى يختار القتل. قلنا: اختياره للقتل لم يمنع نسبة القتل إلى الشهود حكما فلا يمنع أيضا وجوب القود عليهم وهذا لأن جهة القتل في حق الولى والشهود مختلفة فالولي صار قاتلا بمباشرته جرحا أو حز رقبة والشهود إنما صاروا قتلة بجعلهم هلاك الرجل حقا للولى وإذا اختلفت الجهة لم تمنع اختيار الولى من نسبة القتل إلى الشهود وأما مسألة ولد الغصب فنحن قد ذكرنا أن الغصب إثبات اليد بعدوان على مال الغير وهذا القدر مستقل كاف في إيجاب الضمان ولا

стр. 824

نعتبر وراءه شيئا آخر وهذا لأن ما يستقل بإيجاب الضمان بنفسه إذا وجد فلا معنى لضم شئ آخر إليه وإثبات اليد على مال الغير مستقل بنفسه لإيجاب الضمان لأن إزالته اليد التي يشيرون إليها لا يراد لعينها وإنما يراد لإثبات اليد فإذا كانت الإزالة وصلة وذريعة لم يعتبر وجودها بعد أن وجد المقصود وتمام هذا في تلك المسألة. وأما مسألة إرضاع الكبيرة الصغيرة فاعتبار وجود التعمد إلى الفساد بعد أن وجد الفساد بعيد عن مسالك الشرع والذى ذكر من قوله: إن الإلقام تعد فإثبات التعدى في إلقام الصبى الثدى متعذر إلا باعتبار إفساد النكاح متصل بهذا الفعل سواء تعمد الإفساد أم لم يتعمد وإذا اتصل الإفساد به وكانت المرأة المرضعة منشدة للنكاح فشرط قصدها التعمد أو عدم قصدها التعمد لا وجه له كالرمى فإنه لما كان تعديا بإصابته آدميا فبعد أن أصاب الآدمى وتحقق قتله باعتبار تعمده وعدم تعمده لا يكون له وجه الضمان في الحالين. وأما الذى قاله في المرض وملك النصاب فهو تكلف شديد والحق يجب للورثة قطعا بعد الموت واستناد وجوب هذا الحق إلى ابتداء المرض غير ممكن لأنه إن كان المرض سبب الموت يضعف القوى فتركيب الآدمى على طباع مختلفة وأمشاج متباينة سبب للمرض وكل العلل فإن ثبوت الاعتدال في المتباينات عسر جدا فالتركيب المختلف آيل إلى الانتفاض كما أن الضعف آيل إلى الفناء ومن دخل في أمثال هذا فلا شك أنه ينقطع عليه ويبقى فهمه حسيرا في بعض المداخل وإنما المنع من التبدع فيما زاد على الثلث من قبل الشرع يجب للورثه من بعد لا لحق واجب لهم في الحال والدليل على هذا أن النبى ﷺ قال: "إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". فأشار في المنع إلى معنى بعد موته لا إلى أمر قائم في الحال. وأما النصاب فهو موجب للزكاة عند اتصال صفة النماء به والنماء يتحقق بحول الحول فهو عندنا مثل اليمين التي سبق ذكرها واتصال الحول بالمال مثل اتصال الحنث باليمين وجواز التعجيل لتبوع نفع للفقراء لكن جواز هذا مع النفع بعد وجود السبب في نفسه وإن تأخر الوجوب لتأخر الصفة وكأن الشرع لم يلغ وجود السبب واعتبر ذلك فيما يتصل بنفع الفقراء من إخراج زكاة إليهم أو صرف عتق إلى عبيد أو إطعام مساكين ومحاويج ولهذا لم يجوز الصوم في الكفارة قبل الحنث لأنه ليس بمتصل بنفع أحد والأصل أن كل معنى يمكن اعتباره في حكم ورد به السمع فإنه يعتبر ولا

стр. 825

يعطل وإراده الشارع نفع المحتاج معتبر وعدم تعطيل السبب بعد أن تحقق يعتبر فبمجموع هذا ورد الجواز في المحل في تعجيل الزكاة وقد ورد الجواز في تعجيل الزكاة. فأما أن يعمد إنسان ويريد أن يحقق وجوب الزكاة بنفس النصاب والشرع ورد بنفى الوجوب قبل الحول ويجعل نفس ملك النصاب كافيا لوجوب الزكاة وقد وجدنا في حول الحول اتصال معنى بالنصاب يصلح مؤثرا في أيجاب الزكاة من تحقق النماء فيه فمحال وصار هذا مثل اليمين والحنث فاليمين سبب والحنث يتصل فيستقيم بناء إيجاب الكفارة على اليمين في هذه الحالة لأن المؤاخذة في سببها لابد من اعتبار هتك كما أن الزكاة مواساة فلابد من اعتبار نماء ثم هناك لم يعطل نفس السبب حتى اتصل به جواز الإخراج وإن تأخر الوجوب كذلك لا يعطل السبب في الكفارة فيتصل به جواز التكفير وإن تأخر الوجوب فهذا وجه الكلام على ما ذكره وتمام هذا مذكور في الخلافيات فلا يعدم الناظر في هذا الذى ذكرناه من مزيد فائدة على ما ذكرناه في التعاليق والمصنفات.

стр. 826

" فصل": ثم ذكر أنواع العلل المعتبرة فرعا. فقال: العلل المعتبرة أربعة: - علة موجودة اسما ومعنى وحكما. - وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما. - وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى. - وعلة موجودة اسما لا معنى ولا حكما. فأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المخاطب عبده وطلاقه امرأته وبيعه ماله ونذره لصدقة شئ وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل قال: وأما الموجود اسما لا معنى ولا حكما فنحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد الطلاق اسما ولم يكن معنى ولا حكما على ما مر من قبل. وأما الموجود اسما ومعنى لا حكما فهو مثل النصاب قبل الحول فإنه علة الوجوب اسما ومعنى لا حكما لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول وكذلك الجرح علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما وكذلك البيع بشرط الخيار علة للملك

стр. 827

اسما ومعنى لا حكما وكذلك الطلاق الرجعى علة إبانه انعقدت اسما ومعنى وحكما وأما الموجود حكما لا اسما ولا معنى فكالسفر فإنه سبب للرخصة والعلة هى المشقة فأثبتت حكم العلة وهى السقوط ولا مشقة وهى العلة على الحقيقة وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين وإن كانت الأمة بكرا أو اشتراها من صبى أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد وجد ولا ماء في هذه المواضع وكذلك الوضوء يجب عن النوم١ وإن لم يوجد الحدث والعلة خروج النجس عندنا أو خروج شئ من المخرج على أصل غيرنا وكذلك إذا باشر امرأته وإن انتشرت آلته وليس بينهما ثوب وجب الوضوء وإن لم يخرج شئ بيقين والعلة هى الخروج وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم الماء٢ والعلة خروج المنى عن شهوة والسبب يثبت بالنكاح وأصله الماء وثبت وإن لم يطأها ويعلم أنه لم يخلق من مائه وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة عادة والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم ولو علق الحكم بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلته الشرع بسببها في العادات تيسيرا علينا فثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب حققها وصار علة شرعا وكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فتعلق بالسبب المؤدى إليه ظاهرا وهو النوم الذى يرخى مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر العبادة وكذلك الاستبراء لو علق بالماء وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته فتعلق بالسبب المؤدى إلى خلط المياه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم للمالك الأول فلو أتحنا للمالك الثانى بنفس الملك لأدى إلى الخلط بخلاف النكاح فإن ملك النكاح إذا زال بعد الدخول لابد من تربص من حيث البراءة فالإطلاق للثانى بنفس الملك لا يؤدى إلى الخلط وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو التأخير بنفس الملك فقام الخلط حقيقة تيسيرا على العباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن. واعلم أن هذا الذى ذكره أول ما فيه أن يعمد في كل فصل يذكره إلى تقسيم مفيد بأعداد " الأربعة ولابد أن يبلغ هذا العدد ولا يزيد فيستخرج بالنقاش أقساما حتى يبلغ هذا القدر ونعلم قطعا أن هذا ليس من شأن المحقق وما بال هذا الفاضل وعدد

стр. 828

الأربعة وكيف يستقيم أن يصير هذا العدد مما لابد فيه والنقصان فيه جائز متوهم والدليل على أنه لم يكن من شأنه التحقيق في هذه الفصول التي يذكرها أنه قسم العلل والأسباب وجعل أحد الأقسام قسم علة توجد حكما بلا معنى وإذا كانت العلة علة تسمية بلا معنى فكيف يبنى عليه حكم من أحكام الشرع وسبيلها أن تتبع العلل الصحيحة ولا صحة لعلة ما حتى تكون معنوية وذكر أيضا أحد الأقسام قسم علة لا حكم لها وإذا لم يكن للعلة حكم فكيف تكون علة؟ والمسائل التي ذكرها فليس على ما زعم ولأن لم تكن مشقة فهو نادر وكذلك النوم موجب خروج الحدث في الغالب فاعتبر الغالب في هذين الموضعين وأعرض عن النادر وعلى أنه قد قال بعض أصحابنا وبعض أصحابهم: إن نفس النوم حدث وهو طريق معتمد وصار نفس النوم حدثا بالنص. وأما مسألة الاستبراء فعندنا لابد من ماء حقيقة أو توهم ماء حتى لو عدم كلاهما لم يجب الاستبراء وكذلك في النكاح لا نقول: إن نفس النكاح يثبت النسب. بل النسب عندنا بتوهم الماء وهو إمكان الوطء وثبت بنفس الإمكان احتياطا للنسب. ثم الزوج إذا علم أن الولد ليس منه فقد جعل الشرع له سبيلا إلى نفيه باللعان إلا في موضوع مخصوص من شخص مخصوص على ما عرف فثبت النسب لهذا الولد الذى نقطع أنه ليس من هذا البائس ويصير ربقة في عنقه ولا سبيل له إلى التخلص منه بحال وكذلك في المواضع التي لا يرون اللعان بحال وفى الأشخاص الذين لا يرون إيجاب اللعان وهذا من الحرج والضرر الذى لا يجوز أن يطلقه حكمة الرب وبفضله على عبادة وحسن نظره لهم مثله وكيف يأخذ الشرع ولد زنا فيضعه في حجر إنسان ويلحقه به ثم لا يجعل له سبيلا في التخلص منه ولا قبح ولا فظاعة فوق هذا ولا نفرة في القلوب ولا ضرر في النفوس أشد من هذا فدل حكاية مذهبهم على بطلانها وما كانت حكايته معينة من إقامة الدليل على فساده. فنعلم قطعا خطأ تأويله ويجوز أن يقال في مثل هذه المسألة: إن قائله أخطأ ونحكم بخطئه ونقول: لو حكم حاكم بثبوت النسب في مثل هذه المواضع ينبغى ألا ينفذ حكمه.

стр. 829

فصل: ذكر انواع الشرط ... "فصل" ثم ذكر: أنواع الشرط وجعلها أقساما أربعة: فقال: شرط محض وشرط في حكم العلة وشرط هو في العلامة المحضة وشرط صورة ما له حكم. فأما الشرط المحض فما يمتنع وجود الحكم إلا بوجوده والشرط المحض بكلمة إن نحو قولك عبدى حر إن دخل الدار فإن التحرير قد انعدم حكما وامتنع وجوده حتى يوجد الشرط. قال: ووجود العتاق يضاف إلى الشرط فأما وجوبه يضاف إلى قوله: أنت حر وعلى هذا شروط العبادات فإن الوقت علة الوجوب والعلم بالخطاب شرطه فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت وكذلك الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع ولكن الوجود شرعا يتعلق بالطهارة والنية وسائر الشروط وكذلك في المعاملات فإن عقد النكاح يكون بالإيجاب والقبول ولا يؤخذ شرعا إلا بشهود. وأما الشرط الذى هو في حكم العلة فنحو شق الزق للدهن وقطع حبل القنديل وضمن كأنه كل الدهر أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق بمباشرة إتلاف الزق وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن سببا لا مانعا لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشئ يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية وكان سبب الدهن في الوعاء حفظا فيكون شق الوعاء إتلافا وذكر مثل هذا في قطع حبل القنديل لأن التعليق بالحبل حفظ وكان قطع الحبل إتلافا. قال: وهذا كالقتل فإنه مباشرة إتلاف ومعلوم أن القتل اسم لما يزيل الحياة لا لما يفيد جزءا معينا من شخص وإنما كان كذلك لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها بعينها ولكن علق بقاءها محفوظة بسلامة بنيته وكان نقض البنية وبها قوامه إتلافا للحياة. وأما الطلاق فما يحفظ ترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج فإذا تكلم به

стр. 830

وعلق الشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع واعتبر الإرسال عن لسانه اتباعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة. قال: وعن هذا الأصل قال أبو حنيفة في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة: لم تطلق لأن الشرط حكم العلة في إيجاب الحكم فلا يثبت وجوب الطلاق بشهادة امرأته. وأما أبو يوسف ومحمد فيقولان: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فتبقى علامة محضة في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء وذكر مسائل له على هذا الأصل. قال: وأما الشرط الذى هو في حكم العلامة فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين بالإحصان أن الحد كان رجما فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه حتى أن أربعة لو شهدوا على الزنا واثنان على الإحصان ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا. قال: وأما الشرط الذى هو شرط صورة لا معنى فالشرط الخارج عن وفاق العادة لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] "وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] "وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] "لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة والفائدة في تخصيص الله تعالى هذه الحالة هى حالة الابتداء بهذه الحادثة في العادات فصارت هذه الحادثة أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس. واعلم أن تقسيم هذه الشروط تقسيم باطل أيضا والشرط لا يكون شرطا حتى تكون له حقيقة وإنما يعدل إلى المجازفة بدليل وأما الفرق بينه وبين العلة فقد بيناه. وإذا ثبت الفرقان فقوله: إن من الشروط ما يكون علة باطل وأما مسألة شق الزق وقطع الحبل فإتلاف عندنا بحكم التسبب إليه وقد ذكرنا أن التسبب إتلاف. وأما مسألة طول الحرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] . فظاهر الآية دل على أنه شرط ومن قال: ليس بشرط فعليه إقامة الدليل. وأما قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] "فإنما سقط كونه

стр. 831

شرطا بدليل قام عليه وكان ظاهر الآية تقتضى أن يكون شرطا وقد ذكر أنواع العلامة وأقسامها ولم أر في ذكرها فائدة فتركتها فهذا جملة ما ذكره في أقسام السبب والعلة والشرط. وقد ذكرنا الكلام على جميع ذلك بحسب ما أذن الله تعالى ونذكر الآن.

стр. 832

مسألة أسباب الشرائع وهى مسألة لابد من ذكرها وللفقهاء إلى ذلك حاجة شديدة لأنها تدخل في مسائل كثيرة. اعلم أن الواجبات الشرعية عندنا بالخطاب المحض من الله تعالى فكل ما وجب فوجوبه بإيجاب الشرع وكل ما حرم فحرمته بتحريم الشرع ونقول على هذا إن الإيمان وجب على العبد بإيجاب الله تعالى وكذلك الصلاة والزكاة وسائر العبادات وجوبها على العباد بإيجاب الله تعالى. قال أبو زيد في كتاب تقويم الأدلة: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابا لها بدليل قام على ذلك. وأما الأمر فإنه لا إلزام إذا ما وجب علينا بسببه كما يقول البائع للمشترى: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبا للأداء لا سببا للوجوب في الدية. قال: وعندنا أن الواجب في الذمة لا يجب نحو الوجوب بل بالطلب من مستحقه وذلك بالخطاب والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب وذلك لأنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه وإن قصر وقت العبادة وكذلك الصبى على أصل الشافعى يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام وكفارة القتل وإن كان طفلا لا يتصور خطابه فعلمنا أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم وهو كما يلزمه من حقوق العباد بمداينة الولى وكما يعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك وقد صح في حقه. ألا ترى: وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدا من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلوات تجب متكررة وكذلك سائر الحقوق في الأمر بالفعل لا يقتضى التكرار بحال أطلق أو علق بوقت فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالى لم يملك إلا مرة واحدة وكذلك إذا قال حين يصبح أو يسمى أو قال لمجئ عدو لما لم يجب التكرار بنفس الأمر علمنا أن التكرار سبب موجب لتكرار الوجوب كل حين يتكرر.

стр. 833

قال: فنقول وبالله التوفيق: إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى هو الآيات في العالم الدالة على حدث العالم١ وهى دائمة أبدا لا يمكن زوالها عنه

стр. 834

فلأن وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل وإنما يسقط

стр. 835

الأداء في بعص الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع وجوب عليه وسبب الوجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرر الوجوب بتكرر الوقت فإنها لو كانت شروطا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها ولا يعقل غير الخطاب سببا آخر للوجوب مع الوقت ولما بطل أن يكون الخطاب موجبا للتكرار بقى الوقت سببا بنفسه وصار الخطاب سببا ملزما إذا وجب في ذمته بسبب آخر ويدل عليه أنه يضاف إليه. فيقال: صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شئ يدل على حدوثه كما يقال: كفارة القتل وغرامة الإتلاف ووجوب هو الحادث عند وجود الوقت دل أن الوجوب كان بالوقت وقد يضاف إلى الشرط أيضا لكنه يكون على وجه المجاز كما أن الحكم وجد عنده والكلام لحقيقته إلى أن يقوم الدليل على المجاز ويدل عليه أن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] واللام تذكر للتعليل في مثل هذه المواضع كما يقول القائل: يتطهر للصلاة وتأهب للشتاء فثبت أن السبب هو الوقت وكل جزء من الوقت سبب تام فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت بعد الوقت كالزكاة تجب بعد الحول قال: وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت. وقال ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" ١. كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . علق إيجاب الأداء بشهود الشهر فعلم أنه سبب الوجوب حيث استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئا ليؤد ثمنه أى ليؤد الواجب بالشراء قال: وسبب وجوب الزكاة النصاب من المال الذى عرف في الزكاة بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصاب في وقت واحد وبدليل الإضافة إليه. فيقال: زكاة السائمة وزكاة مال التجارة.

стр. 836

وقال ﵇: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" ١. وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" ٢. والغنى يكون بالمال. وأما الحول إنما اعتبره الشرع تيسيرا للعباد وهذا لأن المال إنما يعتبر سببا إذا أعد للنماء بسببه من تجارة أو إسامة والنمو لا يكون إلا بمدة وقام الحول مقام النمو الذى يصير به المال سببا ولما قام مقام السبب تكرر الوجوب بتكرره. قال: وسبب وجوب الجزية الرءوس٣ بأوصاف معلومة لأمه لأنه يقال: خراج الرأس يتضاعف بعدد الرءوس. قال: وسبب العشر الأراضى النامية وكذلك الخراج بدليل أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض. وأما الحج فسبب وجوبه البيت دون الوقت بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت ولذلك يضاف الحج إلى البيت. فيقال: حج البيت. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . قال: وأما الوقت فشرط في هذا الموضع عنده يجب الحج وأما الاستطاعة فصفه للعبد عندها يحل الوجوب وكان اعتبارها تيسيرا على العباد كما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة وليست الاستطاعه بصفة لما هو سبب فلم يجعل من السبب. ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه٤ وتيسير الاستطاعة بملك الزاد والراحلة وقد جاز الأداء قبل ملك ذلك دل أن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد ولذلك لا يتجدد الوجود بتجدد ملك الزاد والراحلة لأنه ليس بسبب وأما سبب وجوب صدقة الفطر

стр. 837

على المسلم وأيش يلزمه مؤنته١ فولايته عليه ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف الرأس وإن كان يوم الفطر واحدا. وأما إضافة الصدقة إلى الفطر فمجاز لأنها تجب فيه لا لأنه سبب وهذا لأن الرأس ليس سبب كل حين لأن صدقة الفطر لا تجب كل حين وكل ساعة وإنما هو سبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلا للوجوب عليه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرا أو صبيا في أشهر الحج ولا فرق بينهما إلا أن ذلك الوقت ممدود وهذا الوقت مقصور فعلى هذا لا تجب صدقة الفطر على كل كافر يسلم بعد الصبح لأنه ليس بأهل للوجوب عليه. قال: وأما الكفارات فأسبابها ما أضيفت إليها كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر وسبب وجوب الطهارة الصلاة لأنه يقال: طهارة الصلاة ويسقط في نفسه إذا سقطت الصلاة والشروط لا تجب إلا بما علق صفتها بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة. وأما أسباب المعاملات فتعلق بقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى القيامة من طرق التناسل ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله ﵎ له طريقا يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء ففى الوطء على التغالب فساد وفى الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقى على الأم وما بها قوة كسب الكفارات في أصل الجبلة ولذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض بقدر المحتاج إليه لكل شخص أن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وعافى أيديهم فشرع لذلك أسبابا للإصابة على تراض ليكون طريقا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففى الأخذ بالتغالب فساد ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . والعبادة إعمال بخلاف هوى النفوس وما خلق الدنيا دار نعيم واقتضاء شهوة للمؤمنين وإنما هو للمؤمنين في الدار الآخرة فعلمنا أن الله تعالى ما شرع لنا طريق

стр. 838

الأكل والوطء وما يسستوفي من الشهوات بالأموال لأنفسنا. بل بحكم ابتلائنا بإقامته وفى الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له وعاص لا يعمل فخلق الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع بحق الأمر والعاصى فيتأدى بالفريقين جميعا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعا فيما فعلوا مبتلين بأمر حكمه عاملين له بخلاف هوى نفوسهم فالكافر يهوى خلاف الله تعالى فيما أمره وقدره جميعا وعلى هذا أفعال الكفرة جهلا وتعنتا لا يخرجهم من كونهم مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم فإن الله تعالى قد قدر أن يكون للنار قوم استوحبوها بما كان منهم وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استوحبوها بما كان منهم جزاء وفاقا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلى بإقامة حكم الله تعالى على ما قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] كثيرا من الجن والإنس وإنما كانوا لجهنم لما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] وقال ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] وقال ﷺ : "كل ميسر لما خلق له" ١. فصار كل منا مبتلا بما خلق له في عاقبة أمره تقديرا أطاع الأمر وارتكب النهى إثباتا لقهر العبودية عليهم وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار فالمطيع في طاعة ربه. لأول أمر مبتلا بخلاف هوى نفسه والآخر مبتلا في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر هذا كلام أبى زيد سردته بما فيه ولم أترك منه إلا الذيل الذى لا يعبأ به. واعلم أن الذى قاله خطأ واختراع ولا أظن أن أحدا قبله صار إليه وإنما الناس كانوا على أحد قولين في الإيمان فذهب أهل السنة إلى أن الوجوب بالخطاب من الشارع وذهب طائفة إلى أن الوجوب بالعقل ولم يعرف أن أحدا من الأمة قال: إن وجوب الإيمان ينصب الدلائل من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وخلق الشمس والقمر والكواكب فإنما في هذا القول أنه خلاف الأمة ومكابرتهم باختراع قول ثالث لم يعرف. وأما سائر العبادات وكل الأوامر والنواهى الواردة من الشرع فقد قالت الأمة: إن عامتها سمعية وإنما قال من قال بإيجاب العقل وحظره في أشياء يسييره وذلك مثل شكر

стр. 839

المنعم ومنع الظلم وغير ذلك. فأما العبادات المعروفة والكفارات والتحميدات وغاية الحدود فقد أجمعت الأمة أنها سمعية ومعنى قولهم نحن نقول إنها سمعية أنها وجبت بالسمع وهو خطاب الله ﵎ بالإيجاب فإن قالوا: نحن نقول: إنها سمعية على معنى أن الله تعالى وضع هذه الأسباب وجعلها موجبة. قلنا قولنا: واجبات سمعية أنها وجبت بأقوال مسموعة لأن ما لا يسمع لا يكون سمعية والسمع يختص بالأقوال وإذا كان على ما قالوا لم تكن سمعية ولا عقلية إما لا يكون سمعية لأنه لم يكن وجوبها بقول يسمع وإما لم تكن عقلية لأن ما قلتم يقتضى وجوبها على من لايعقل هذه بالأسباب في حق الكل على العموم من العقلاء وغير العقلاء. ثم يدل بدليلين واقعين في أن الوجوب بالخطاب. فنقول: أمر الله تعالى مؤثر في الإيجاب لأن الله تعالى رب الخلق والفهم والخلق عبيد له وأمر المالك مؤثر في الإيجاب على العبد مثل ما تعرفه من أمرنا على عبيدنا ومماليكنا فأما زمان يأتى ويمضى وما كان يوجد ويذهب ومال يملكه العبد ويفنى لا يعرف لها تأثير في إيجاب شئ على العبد ويعنى بالأزمان أزمان الصلوات وزمان الصوم ويعنى بالمكان ما ذكروه من البيت وأنه سبب الحج ويعنى بالمال مال النصاب فلا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ منها. نعم يجوز أن يكون الزمان علامة وأمارة وكذلك المكان. أو يقال: إن الزمان ظرف العبادة والمكان مكان العبادة والمال محل الواجب من الزكاة والكفارات والنصوص التي وردت في الكتاب والسنة تذكر هذه الأشياء فإنما هى على هذا المعنى لا غير وقد ورد النص في أن الله تعالى هو الموجب للأشياء. قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" ١. والحديث الآخر حديث ضمام بن ثعلبة أنه قال: يا رسول الله إن رسولك أتانا وأخبرنا أن الله تعالى فرض علينا كذا وكذا الخبر ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . وهذا نص في أن الله تعالى هو الذى أوجبه علينا فإن قيل: نحن نقول: إن الله

стр. 840

تعالى فرض علينا لكن على معنى أنه تعالى نصب الأسباب وهذه الأسباب للإيجاب. ثم قالوا: إن الأوامر الواردة في الشرع من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وقوله ﵇: "صوموا شهركم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة اموالكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم" ١. مفيدة فعل الأداء فأما أصل الإيجاب فكان الذى قدمناه وهذا لأن قوله: صل وزك وصم وحج أمر بالفعل والأمر بالفعل تالى الوجوب ففذا لم يتقدم الوجوب لم يتصور الأمر بالأداء. والجواب: أنا قد بينا أن هذه الأشياء لا تصح أسبابا وأما الخطاب فصالح للسببية. وأما قولهم: إن الله تعالى جعل هذه الأشياء أسبابا للوجوب. قلنا: هذه دعوى لابد عليها من دليل ومجرد الإضافة لا تدل على السببية لأن الشئ قد يضاف إلى سببه وقد يضاف إلى شرطه ويضاف إلى محله. فإن قالوا: إن الأصل ما قلنا. قلنا: ليس كذلك لأن الإضافة لا تدل إلا على التعريف وكل ما يصلح تعريفا للشئ يصلح للإضافة التي قلتم وعلى أنه يقال: دين الله فيضاف إلى الله. فهل نقول إن الله تعالى سبب للوجوب. وأما قولهم: في الدليل على ما ادعوه بثبوت تكرره عند تكرر الوقت قلنا: هو لقيام الدليل وهذا لأن الأمر لا يدل على التكرار بنفسه. فأما عند وجود قرينة تنضم إليه يدل على التكرار فيدل عليه وعلى أنه قد قال جماعة من أصحابنا: إن الأمر المعلق بالوقت يتكرر بتكرر الوقت وهذه الأوامر معلقة بالأوقات فتكررت بتكرر الأوقات فسقط ما قالوه جملة. وأما قولهم: إن الأوامر الواردة في الكتاب والسنة إنما تدل على فعل الأداء قلنا يدل على الوجوب أولا. ثم يدل على فعل الأداء مثل السيد إذا قال لعبده: اسقنى فإنه يدلل على الوجوب عليه ويدل على فعل السقى ونحن نعلم قطعا أن وجوب السقى في هذه الصورة كان بقوله: اسقنى لا بشئ آخر فقدم عليه فعلمنا أن الأمر المجرد على الوجوب الذى يعتقدونه بالسبب ودل على الفعل أيضا وهذا فصل معتمد وقد ذكرنا في الخلافيات: أن الواجب ليس إلا أداء الفعل وهو مستفاد بخطاب

стр. 841

الشرع بالاتفاق والوجوب الذى يدعونه لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاب الفعل وهذا لأن الصلاة فعل والصوم فعل وكذلك سائر العبادات والكفارات في نظائر هذا والخصم يورد على هذا الواجبات التي تأخر أداؤها مثل الصوم على الحائض وعلى المسافر والمريض والصوم على المغمى عليه. وأجبنا عن هذا: بأن في هذه المواضع لا نقول بالوجوب من قبل إنما يجب الصوم على الحائض إذا طهرت وأما المريض والمسافر فقد وجب الصوم عليهما والتأخير رخصة ونحن لا ننكر أن يتوجه الوجوب ثم تعترض رخصة مؤخرة وهذا قد قررناه في مسائل الفروع ولكن اخترنا في الأصول الجواب الأول وهو أحسن وأبين وأقطع للخصومة والمنازعة. وأما وجوب الزكاة والكفارات عندنا في أموال الصبيان فذاك بأمر الشرع والأصل أن كل ما أدى إليه إيجابه إلى إيقاع الصبى والمجنون في كلفة وطلبه فهو موضوع عنه رحمه من قول الله تعالى وذلك كالعبادات البدنية فأما ما يكون وجوبه في الذمة والأداء بالمال ويتأدى بفعل الغير فإيجابها عليه لا يوقعه في كلفة فيجب في ذمة بخطاب الشرع وإيجابه ثم الخطاب بالأداء يتوجه على الولى دون الصبى وهذا على ما عرف في مسألة زكاة الصبى وقد اقتصرنا في الجواب على هذا القدر لئلا يطول وفى كلامه الذى حكيناه خبط عظيم وصدقة الفطر لازمة لأنه إنما يعرف صدقة الفطر بالإضافة إلى الفطر ومع ذلك لم يجعلوا الفطر سببا وفى الجزية يقال: خراج الرأس فيبقى على هذا أن لا يتكرر كما أنهم لما قالوا: إن سبب الحج هو البيت بحكم الإضافة لا يتكرر وفيما قلناه من قبل كفاية. والله أعلم. وحين انتهى الكلام في القياس فنذكر الكلام الآن في الاجتهاد وما يتصل به.

стр. 842

القول في الاجتهاد وما يتصل به مدخل ... القول في الاجتهاد وما يتصل به وبيان قولنا: إن الحق في قول واحد من المجتهدين وأن الباقى خطأ متروك. اعلم أن الاجتهاد١ وهو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدى إليها. وقال بعضهم: الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس. وقال بعضهم: ما اقتضى غالب الظن في الحكم المقصود. وقال بعضهم: طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه٢. وهذا الأخير أليق بكلام الفقهاء. ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ومن أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفى إجماع علماء الأنصار فإن وجد في شئ من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد نظر في الأوصاف المؤثرة في الأصول في ذلك الحكم والمؤثر ما بيناه من قبل.

стр. 843

وقد قيل: إن الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب: فرض على العين وفرض على الكفاية وندب. أما فرضه على الأعيان ففى حالتين: إحديهما: اجتهاده في حق نفسه فيما نزل به لأن العالم لا يجوز أن يقلد في حقه ولا في حق غيره. والحالة الثانية: اجتهاده فيما تعين عليه الحكم فيه فإن ضاق وقت الحادثة كان فرضها على الفور وإن اتسع وقتها كان فرضها على التراخى. وأما فرضه على الكفاية ففى حالتين: إحديهما: في حق المستفتى إذا نزلت به حادثة فاستفتى أحد العلماء كان فرضها متوجها على جميعهم وأخصهم بفرضها من خص بالسؤال عنها فإن أجاب هو عنها أو غيره سقط فرضه عن جميعهم فإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا وإن أمسكوا مع القياسة عليهم عذروا وإن كان فرض الجواب باقيا عند ظهور الصواب. والحالة الثانية: أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما انفرد بالحكم سقط فرضه عنه. وأما الندب ففى حالتين: إحديهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل ليسبق إلى معرفة حكمه على نزوله. والحالة الثانية: أن يستفتيه سائل قبل وقوعها به فيكون الاجتهاد في الحالتين ندبا.

стр. 844

فصل: صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية ... "فصل" وإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد فنذكر: من يجوز له الاجتهاد. فنقول: صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية ومعرفتها بستة شروط: أحدها: أن يكون عارفا بلسان العرب من لغة وإعراب وموضوع خطأهم في الحقيقة والمجاز ومعانى كلامهم في الأوامر والنواهى والعموم والخصوص إلى غير ذلك١

стр. 845

لأن السمع في شرع الإسلام ورد بلسان العرب لأنه مأخوذ من الكتاب والسنة وهو ما ورد بلسان العرب قال الله تعالى في الكتاب: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . فإن قيل: قد كان من تقدم من الأنبياء مبعوثا إلى قوم خاصة فجاز أن يكون مبعوثا بلسانهم ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الأمم فلم صار مبعوثا بلسان بعضهم؟. قلنا: لا يخلو إما أن يكون مبعوثا بلسان جميعهم وهذا خارج عن العرف والمعهود من الكلام ويبعد بكل محل أن يرد كل كلمة من القرآن مكررا بكل الألسنة وإذا لم يجز هذا وكان لابد أن يكون بلسان بعضهم كان لسان العرب أحق من كل لسان لأنه أوسع وأفصح ولأنه لسان أول المخاطبين ومعرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلفين إلا أنه في حق المجتهد على العموم في إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه أما في حق غيره من الأمة خاص في ما ورد التقيد به في الصلاة من القراءة والأذكار لأنه لا يجوز بغير العربية. فإن قيل: إحاطة المجتهد بجميع لسان العرب ممتنع لأن أحدا من العرب لا يحيط بجميع لغاتهم وكيف يحيط؟ ولأن الإحاطة بجميعه شاغل من الاشتغال بغيره. قيل: لسان العرب وإن لم يحط به واحد من العرب فإنه يحيط به جميع العرب. كما قيل لبعض أهل العلم: من يعرف كل العلم. قال: كل الناس والذى يلزم في حق المجتهد أن يكون محيطا بأكثر كلام العرب ويرجع فيما عزب عنه إلى غيره وهو كما أن جميع السبب لا يحيط به أحذ من العلماء وإنما يحيط به جميع العلماء فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده ويرجع فيما عزب عنه إلى من يعلمه فكذلك ها هنا. وأما الشرط الثاني: هو أن يكون مشرفا على ما تضمنه الكتاب من الأحكام الشرعية من عموم وخصوص ومبين ومجمل وناسخ ومنسوخ بنص أو فحوى أو ظاهر أو مجمل١ ليستعمل النص فيما ورد والفحوى فيما يفيده والظاهر فيما يقتضيه والمجمل يطلب المراد منه فإذا كان عالما بأحكام القرآن هل يشترط أن يكون حافظا
следующие страницы →