فصل: الترجيحات في العلل
...
"فصل"
ولما ذكرنا توجه سؤال المعارضة فلابد أن نذكر الكلام في الترجيحات ونبين وجوه ذلك فنقول: أولا إن:
تعارض العلتين على ضربين:
أحدهما: أن تتعارضا في حق المجتهدين فلا يوجب التعارض فسادهما لأن كل واحد منهما مكلف باطل ما أداه إليه اجتهاد.
والضرب الثانى: إن تعارضا في حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما إلا أن يوجد ترجيح لإحدى العلتين على الأخرى.
ثم اعلم: أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم لأن العلم لا يتزايد وإن كان يجوز أن يكون بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب للعلم وبين دليل موجب للظن لأن المفضي إلى الظن لا يبلغ رتبة الموجب للظن ولو رجح الدليل المفى إلى الظن بكل ترجيح لكان الدليل الموجب للعلم مقدما عليه ثم متى تعارضت العلتان المقربتان للظن فلا شك أن العلة القياسية لا تفيد الظن فإذا لم يكن بد من ترجيح إحديهما على الأخرى فنقول:
الترجيح يكون من وجوه:
أحدها: أن تكون إحديهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى منتزعة من أصل غير مقطوع به فالمنتزعة من المقطوع به أقوى وأولى لأن مثلها أولى فتكون أقوى١.
والثاني: أن تكون إحديهما عرفت بنطق والأخرى عرفت بمفهوم واستنباط فما عرفت بالنطق أقوى فيكون المنتزع منه أقوى٢.
والثالث: أن تكون إحديهما عموما لم يخص وأصل الأخرى يكون عموما قد دخله التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف فإن من الناس من قال: قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه٣.
стр. 772
والرابع: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه يكون أولى.
والخامس: أن يكون أصل إحديهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى من القياس على ما ليس من جنسه.
والسادس: أن تكون إحديهما مردودة إلى أصل واحد والأخرى مردودة إلى أصول فتكون المردودة إلى أصول أولى.
ومن أصحابنا من قال: هما سواء والأول أصح لأن ما كثرت أصوله يكون أقوى.
والسابع: أن تكون إحديهما صفة ذاتية١ والأخرى صفة حكمية فالحكمية تكون أولى ومن أصحابنا من قال: الذاتية أولى لأنها ألزم والأول أصح لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى:
والثامن: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط٢.
والتاسع: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفى لا يكون علة على الأصح٣.
والعاشر: أن تكون إحداهما اسما والأخرى صفه فتكون الصفة أولى من الاسم لأن الأصح أن الاسم [لا يمكن] ٤ أن يكون علة.
الحادى عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا ومن أصحابنا من قال: القليلة الأوصاف أولى لأنها أسلم ومنهم من قال: التي كثرت أوصافها أولى لأنها أكثر شبها بالأصل٥.
стр. 773
والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فرعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال: ما كثرت قفروعها أولة لأنها أكثر فائدة ومنها من قال: هما سواء١.
الثالث عشر: أن تكو إحداهما متععدية والأخرى واقفة بالمتعدية أولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلفف في صحتها٢.
الرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتى تطرد وتنعكس أولى لأن التي تطرد وتنعكس تكون أقوى في الظن ولأن الاطراد ليس بدليل لصحة العلة وأما الاطراد والانعكاس فدليل على ما سبق٣.
الخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى احتياطا في الغرض والأخرى لا تقضى احتياطا فالتى تقتضى الاحتياط أولى لأم القلب يكون عليه أسكن.
السادس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحى فمن أصحابنا من قال: هما سواء والأصح التي تقتضى الحظر أوللى لأنها أحوط٤.
السابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضى النقل من الأصل إلى الفرع الشرعى والأخرى تقتضى التبقية على الأصل فالناقلة أولى ومن اصحابنا من قال: المتبقية أوى والأول أصح لآنها تفيد حكما رشعيا لا تفيده هذه
الثامن عشر: أن تكون إحداهما توجب حدا والخرى تسقطه أو إحديهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن أحابنا نت قال التي توجب العتق تسقط الحد أولى لأن العتق مبنى على الإيقاع والتكميل والحد من على الاستنباط والدرأ ومن اصحابنا من قال: لا يترجح بما بينا لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في الحكم الشرع على السواء٥.
التاسع عشر: أن تكون إحديهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها عموم فما يوافقها العموم أولى ومن أصحابنا من قال: لا يكون أولى والأول أصح لأن العموم دليل بنفسه فإذا انضم إلى القياس يقويه.
стр. 774
العشرون: أن بكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى معها قول الصحابى أولى لأن قول الصحابى حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس قواه ففالأقوى أولى١.
الحادى والعشرين: أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيرة وتعليله بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما رر يكال من ابر ومن التعليل منه فرجح التعليل بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله.
الثانى والعشرين: أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى مأخوذ من أصل مختلف في تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى.
الثالث والعشرون: أن تكون إحديهما تدخل فروعها في فروع الأخرى فيكون الأعم أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن القوت يدخل في الطعم والطعم لا يدخل في القوت.
الرابع والعشرين: أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب.
الخامس والعشرون: أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها.
فهذا جملة ما ذكره العراقيون٢ من أصحابنا في الترجيح ذكرها القاضى أبو الطيب والقاضى أبو الحسن الماورددى والشيخ أبو إسحاق الاشيرازى.
واعلم بعد هذا أت الترجيح في اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة لأحد المثلين على الآخر صفة٣. فقال: هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة الدراهم على كفة السنجاات صفة وهى صفة الثقل فرجحان أحد العلتين ععلى الأخرى زيادة قوة إحدى العلتين وتلك القوة رجحان.
قال أبو زيد: ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد قال بعض أصحابنا: يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات فكذلك
стр. 775
العلة لا يتصور تقويها بانضمام علة أخرى إليها وإنما تتقوى بوجود صفة فيها ولهذا قلنا: إن الشهادة لا ترجح بكثرة العدد حتى أن شهادة الأربع تساوى شهادة الاثنين هذا قد منعه بعض أصحابنا ولهذا الأصل قلنا: إن صاحب النصيب القليل وصاحب النصيب الكثير في الشفعة على السواء لأن كل جزء من العرصة١ والشقص علة تامة في الاستحقاق بالشفعة فلا يترجح أحدهما بزيادة نصيبه لأنه انضمام علة إلى علة أخرى. قالوا: ولهذا لا يصير صاحب الكثير أولى بالاستحقاق من صاحب القليل ولكن ثبت استحقاقه بقدر النصيب ولا يقال إن لصاحب الكثير طرفا في الاستحقاق ولصاحب القليل طريقا واحدا فيوجب أن يقدم صاحب الكثير الذى له طرق كثيرة في الاستحقاق فدلت هذه المسألة أن نضمام علة إلى علة لا يوجب رجحان العلة. قالوا: ولهذا نقول إذا ماتت المرأة وتركت ابنى عم أحدهما زوج لها وأحدهما أخ لأم فإن صاحب القرابتين لا يترجح في الاستحقاق على الآخر بل يكون لابن العم الذى هو زوج نصف المال بالزوجية والباقى بينه وبين ابن العم الآخر نصفان وكذلك في المسألة الثانية يكون لابن العم الذى هو أخ لأم سدس المال والباقى بينهما نصفان بالعصوبة لأن الأخوة والزوجية علة على وحدة فانضمامها إلى العصوبة لا يوجب رجحان العصوبة والأصل ما بينا أن انضمام علة لا يوجب زيادة قوة في العلة قالوا: وإنما تترجح العلة بزيادة التأثير والعلة تصير علة بالتأثير فما كان أكثر تأثيرا يكون أولى بالعمل وضرب لهذا مثلا في طول الحرة وذكر ما بينا لهم في تلك المسألة وزعم أن الذى قالوا: أكثر تأثيرا وذكر أيضا مسألة غصب المنافع وحكى عن أصحاب الشافعى أنهم قالوا: لم يجب ضمان المنافع إذ أتلفت لم يجبر لأن التضمين يضمن إيجاب زيادة على المتلف في الضمان وفيه إلحاق الضرر ولكن مع هذا الإيجاب أولى لأن فلى الإيجاب إبطال من بعض حق المتلف وفى الامتناع من الإيجاب إلحاق الضرر بالمظلوم وإلحاق الضرر بالظالم أولى فكان الإيجاب أولى من الامتناع منه قال: إلا أنا نقول: إن الامتناع عن إيجاب الضمان مع كون المتلف متقوما مشروع بدليل إتلاف الحربى والباغى وأما القضاء بزيادة في الضمان غير مشروع فكان الامتناع من إيجاب الضمان أولى ولأن في الامتناع عن القضاء بإيجاب الضمان تأخير
стр. 776
إلى الآخرة وفى القضاء بزيادة الضمان إبطال الحق أصلا ورأسا فالتأخير أهون من الإبطال فكان التأثير فيما قلناه أكثر فيكون أولى ونحن نقول: إن انضمام العلة إلى العلة يجوز أن يقال: ترجح العلة لأنها تزيد قوة الظن والحكم في المجتهدات بقوة الظن فإذا زادت قوة الظن ظهر الترجيح.
ببينه: أن الفائدة بالترجيح ليست ألا وجود قوة الظن بإحديهما دون الأخرى وحد الترجيح يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما.
ببينة: أن العلة المنتزعة من أصول تكون أقوى من العلة المنتزعة من أصل واحد وكذلك العلل المنتزعة من أصول وكلها يدل على حكم واحد تكون أقوى من العلة الواحدة المنتزعة من أصل واحد يدل عليه أن العلة المنتزعة من الأصول دون العلل المنتزعة من أصول وكلها دالة على حكم واحد فإذا ترجح الأول فالثانى أولى وهذا لأن في الفصل الأول ثبوت العلة بكثرة أصولها وفى الفصل الثانى بكثرتها في نفسها وكثرة أصولها فيكون أحكم وأقوى ويصير كأن العلل شهد بعضها لبعض في القوة فيكون ذلك أولى من العلة المتجردة عن شهادة شئ لها أصلا.
وأما مسألة الشفعة ومسألة طول الحرة ومسألة إتلاف المنافع فقد ذكرنا في الخلافيات لهذه المسائل طرقا لا يأتى عليها شئ فيما ذكروه فاستغنينا عن إعادة شئ من ذلك لأن من نظر في هذه الأصول وأحكمها لابد أن ينظر في تلك الفروع ومن نظر في تلك الفروع لابد أن ينظر في هذه الأصول فإن الكلام في الفروع والأصول أخذ بعضها برقاب بعض وهى كأنها مشتبكة وصحة البعض فيها منوطة بصحة البعض.
стр. 777
فصل: مراتب قياس المعنى
...
"فصل"
وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا عند ذكر الكلام في ترجيحات الأقيسة بعضها على بعض مقدمة تشتمل على ذكر مراتب الأقيسة وسمى البعض قياس المعنى وسمى البعض قياس الشبه وسمى البعض قياس الأدلة ونحن رأينا أن نذكر طرفا من ذلك ونتكلم على بعض ما يكون موضع الكلام عليه. قال: ونحن نرسم مراسم في الاختلاف وننزل كل مرتبة منزلتها ونرى أن مداركها على حقائقها مشرقة على طرق المعانى وإذا عسر الوفاء باستيعاب الأقيسة المعنوية في هذا المجموع فالوجه أن نتخير اصلا من أصول الشرع يشتمل على مجامع القول في وجوه الإخالة ونبين وجوه الترتيب فيها
стр. 778
وما يقع في الرتبة العليا والرتبة التي تليها إلى استيعاب مدارك القول ومعانيها ثم نقيس النظر على ما نرسمه منها ما يدانيها فليقع الكلام في القصاص وما يقتضى إيجابه ويجب اندفاعه قال: أوجب الله تعالى القصاص في كتابه زجرا للجناة وكفا لهم فأشعر بذلك نفى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] واتفق المسلمون على هذه القاعدة ولم ينكرها من طبقاتهم منكر. ثم قال أئمة الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء السفك ويخرم قاعدة الزجر فهو مردود فإن المقصود المتفق عليه من القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج مما يخالف هذا ولو قدر ثبوته كان مناقضا لهذا الأصل فلا سبيل إلى قبوله وإثباته وإذا تمهد هذا فكل معنى يستند إلى هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف في مجراه فهو على المرتبة العليا من أقيسة المعانى وهذا مثل في القول في القتل بالمثقل١ فلا شك أن من نفى القصاص في القتل بالمثقل٢ مناقض للقاعدة من جهة أن القصد بهذه الالات التي اختلف فيها ثابت وهو ممكن لا عسر في إيقاعه ثم ليس القتل بها مما يندر فإذا لم يتعسر ولم يندر كن نفى القصاص عن القتل بها مضادا لحكم الشريعة في القصاص وإذا ناكر الخصم العمدية في القتل سفه ولم يستفد منه إيضاح عسر القتل ولئن تشبث بتعبد في آلة القصاص كان ذلك في حكم العبث فإن تقدير التعبد مع ما تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية في العصمة فليفهم الفاهم مواقع التعبد وإن تمسك بصورة من العكس وقال الجرح الذى لا يغلب إفضاءه إلى الهلاك إذا هلك أوجب القصاص كان هذا غاية في خلاف الحق فإن الحرج لاختصاصه بمزيد الغور وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا للمعتدين فكيف يستجير لما رد عليه إسقاط القصاص بالقتل الذى يقع بالأسباب التي تقتل لا محالة فهذا على قياس المعنى لا حاجة في ربطه بالقاعدة التي تكلف نظر أو تحرير أو تقريب وتقرير ويخالف ما وقع في هذه الرتبة مائل عن الحق على قطع وليس القول في ذلك دائرا في فنون الظن وما يكون بهذه
стр. 779
الصفة لا يتصور أن يعارضه معارض هذا كلامه في هذا الفصل.
وعندي أن هذا الكلام بهذا التقرير حائد عن نكثه الخلاف في مسألة القتل بالمثقل لأن الخلاف بيننا وبين الخصم أن سبب القود هل وجد في مسألة المثقل أم لا؟ فالخصم يقول: لم يوجد لأنه يدعى شبهه في السبب ونحن ندعى أن السبب قد وجد وأنه لا شبهة وإذا كان موضع الخلاف هذا ومنه نشأ ما نشأ فتقرر وجه الحكمة في إيجاب القود وبيان وجودها في هذا المحل لا ينفع وإنما ينبغى أن يكون الكلام في بيان السبب ونفى ما يدعونه من الشبهة ثم إذا ثبت ذلك وعرف استمر وجوب القصاص بالسبب المعهود في الشرع للفائدة التي ذكرناها وأما التعبد في آلة القصاص فلست أعرف أن أحدا من المخالفين ذكر هذا اللفظ في آلة القصاص وإنما ادعوا الشبهة عند وجود القتل بالمثقل في استيفاء القصاص قالوا: إنه آلة القتل حسا وشرعا بدليل المرتد ومن حيث المعنى ادعوا أن القتل به أيسر وأسهل فكان أولى وليس المذكور للذب عن المخالفين ولكن يبين وجه كلامهم في المسألتين حتى يكون كلامنا على هذا ونحن قد ذكرنا في خلافيات الفروع فساد دعواهم الشبهة في القتل وقلنا: إن اعتبار المماثلة في الاستيفاء من كل وجه ممكن مشروع وقد ذكرنا ودللنا على ذلك بدلائل تزيل الإشكال وتنفى الشبهة فليكن الاعتماد على ذلك وقد ذكرنا أن الفعل يصير قتلا بتفويت الحياة وتفويت الحياة بالمحدد والمثقل واحد والخصم يدعى شبهة عدم القتل إما بعدم الحرج أو بعدم آلة القتل ومتى عرف حد القتل سقط دعوى شبهة عدمه وسقط أيضا قولهم إن آلة القتل لم توجد لأن آلة الشئ ما يوجد به الشئ فلا يتصور بغير آلة القتل وأيضا فإن القتل فعل محسوس والفعل المحسوس متى وجد لا يتصور أن لا يوجد من وجه بل إذا وجد من وجه ما يصير موجودا من كل الوجوه والمسألة في نهاية الظهور على المخالفين لكن من هذا الوجه لا من طريق بيان فائدة القصاص وقد بينا أنه إنما ينطر في وجوب القصاص إلى سبب القصاص لا إلى حكمة القصاص.
ثم ذكر المرتبة الثانية وقال: هى مشتملة على قياس معتضد بالأصل لكن الجامع لابد له من مزيد تقرير وتقريب وقد يعن للخصم تخيل فرق وإن كان إفساده هينا مثال ذلك أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين في القتل وهذا مستند إلى قاعدة الشرع في تحقيق العصمة
وزجر الجناة فإن الاستعانة في أمثال هذا ليس بالعسير والقتل على الاشتراك غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص في الأصل إيجاب القصاص على
стр. 780
الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام قليلا من جهة أن كل واحد منهم بالانفراد ليس بقاتل وقتل غير القاتل مخالفة لموضوع الشرع في تخصيص القتل بالقاتل وفيه وجه آخر وهو أن إمكان القتل بالاستعانة دون إمكان القتل بالمثقل وعن هذا تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على المشتركين في القتل وقال بعض أصحابنا إن قتل الشركاء في القتل الواحد خارج عن القياس وإنما هو ثابت بقول عمر رضى الله عنه لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به١ قال: والمسلك الحق عندي أن المشتركين يقتلون٢ بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى خروج آحادهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص عنهم هرج ظاهر ومفسدة عظيمة ولا نظر مع هذا إلى انحطاط مكان الاشتراك قليلا عن الانفراد بالقتل فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين فيعتدل المسلكان وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول في الطرف إلحاقا له بالنفس أنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وذكر بعد هذا كلاما طويلا ومد النفس مدا عظيما وصار في آخر الكلام إلى الفرق بين المشتركين في السرقة والمشتركين في اليد بما ذكره المشايخ في الفرق وكل ذلك موجود في مسائل الفروع ولم أر لذكر ذلك وجها هاهنا فتركته واعتماده على ما اعتمد عليه من قتل الجماعة بالواحد من جنس ما اعتمد عليه في القتل بالمثقل والكلام عليه بمثل ما تكلمنا به في تلك المسألة وهو أن الأحكام إنما تناط بالأسباب لا بالحكم وكل ما أشير إليه حكمه وجوب القود بالحكمة في الواجب لا يجب الواجب إنما يجب بالسبب الواجب ونحن بينا طريقين أحدهما: أن كل واحد منهما قاتل بمعونة غيره ببينة: أنه لا جزء من النفس إلا ولكل واحد من المشتركين فيه عمل في تفويته إلا أنه وجد معونة غيره ومن استعان بغيره في شئ فقد تمهد في الشرع أنه يجعل فعل المعين فعل المستعين
стр. 781
فيجعل كل واحد كأنه قاتل من هذا الوجه ويمكن أن يقال: إنهم إذا اشتركوا جعلوا بمنزلة الشخص الواحد حكما والسبب أنا إذا لم نجعل كذلك أدى إلى ما قال: من الهرج وسفك الدماء وإذا جعلوا كالشخص الواحد حكما وقد تحقق السبب منه فيقابل بالقصاص وعلى كلا المعنيين وجب القود في الطرف على الجماعة أيضا إذا قطعوا طرفا واحدا١. وإما فصل السرقة فإنما لم يجعل كل واحد كأنه تفرد بسرقة النصاب لأن المقصود من السرقة تحصيل المال فإذا سرق نصابا واحدا فالنصاب يقصد لتحصيله ولم يحصل مقصود كل واحد وهو تحصيل نصاب كامل حتى يجعل صاحبه معينا له في تحصيل مقصوده ويجعل فعله كفعله وأما هاهنا فإن المقصود لكل واحد من المشتركين في القتل والقطع هو إهلاك هذا الإنسان في القتل وإهلاك اليد في القطع وقد حصل مقصود كل واحد منهما وقد أعانه صاحبه في تحصيل مقصوده وفعل المعين فعل المستعين فيصير كل واحد منهما كالمنفرد بالقتل والقطع ويجعل كل واحد منهما قاطعا قاتلا ولأن الاشتراك في سرقة نصاب واحد يندر فإسقاط القطع عنهما لا يؤدى إلى المفسدة العظيمة فلم يجعلوا كلهم كالشخص الواحد وأما هاهنا فإن اجتماع القوم على قتل واحد يوجد غالبا بل الأصل أن الواحد يقاوم الواحد وإنما يعجز في رده إذا اسعان بغيره فلو أسقطنا القود يؤدى إلى المفسدة العظيمة فطلبنا سببا لإيجاب القود عليهم فكان ذلك بأن نجعل الجماعة بمنزلة الشخص الواحد حكما وهذا فرق بين وخرج على ما ذكرناه إذا قطعا وتميز فعلاهما الذى عده مشكلا لأنا إنما ادعيناه في الموضع الذى وجد لفعل كل واحد منهما عمل في جميع اليد وفى هذه الصورة لم يوجد فلم يمكن أن يجعل كل واحد قاطعا بجميع اليد وهذا بخلاف النفس في هذه الصورة لأن التميز لا يتصور في النفس لأن الإهلاك بتفويت الحياة ولا يتصور تميز فعل كل واحد فعل صاحبه في تفويت الحياة فصار فعل كل واحد منهما عاملا في جميع ما تفوت به الحياة مثل ما إذا لم يتميز فعلاهما وأما في اليد فيتصور تميز فعل كل واحد منهما عن صاحبه في قطع اليد وحين يتميز في صورة ولا يتميز في صورة يقع الفرق المعنوى على الوجه الذى قدمناه وقد يلزم عليه تعدد الكفارة إلا أنا ندعي هذا في القصاص ولأن القصاص إذا وجب على كل واحد تبعته الكفارة فهذا ينبغى أن يكون
стр. 782
وجه الكلام في المسألة لا الذى قاله والله أعلم.
قال: والمرتبة الثالثة فمثلها بالقول في المكره على القتل وفيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن القصاص على المكروه دون المكره١.
والثاني: وهو قياس بين أن القصاص على المكرة دون المكره وهو مذهب زفر٢.
والثالث: أن القصاص عليهما وهو مذهب الشافعى٣.
وأبعد المذاهب عن الصواب هو إيجاب القصاص على المكره دون المكره فإنه زعم أن فعل المكره منقول إلى المكره وكأنه آلة له وهذا ساقط له مع المصير إلى أن النهى عن القتل يستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف الشرع إياه ومن ضرورة كونه آلة انقطاع التكليف عه فتخصيص المكره بالتزام القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له ووجه مذهب زفر في القياس لائح وهو إذا رأى المحمول ممنوعا ولم ير الإكراه أثرا في سلب المنع والنهى والمباشرة تغلب على السبب إذا استقلت وارتبط بها التكليف والتصريف من الشارع والذى يختاره اصحاب الشافعى يبتنى على ما ذكرناه لزفر من استقلال المباشرة وهذايقتضى إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط أثره بالكلية فإنه يوقع القتل غالبا والإكراه من أسباب الضمان فبعد تعطيله وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلهما منزلة الشريكين ولا شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من جهة أنه يخرج عن كونه قتلا. ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما فإذا لم يسقط القصاص عن الحامل والمحمول لضعف ما صدر عنها أما ضعف المباشرة فمن جهة كون المباشر محمولا وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف عليه يوهن أثر الإكراه وليس أحدهما أولى بالضعف من الثانى فلا سبيل إلى تخصيص القصاص بأحدهما فنزلناهما منزلة الشريكين ولكن القول في هذا ينحط عن القول في الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس بابه ثم إنه يتعارض مذهب أبى حنيفة وزفر والترجيح لزفر ومذهب إيجاب القصاص عليهما
стр. 783
منسوب إلى جميع نكتتى المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص عنهما جميعا. قال: وإيجاب القصاص على شهود الزنا إذا رجعوا بعيد فإن فرض رجوع المدعى واعترافه فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود والطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض الكلام في استمراره على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن شهود الزنا فإن المدعي على خيرته قال: ولو ذهبنا نستقصي هذه المسائل لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه ولم يوجب الشافعى عقوبة في هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان١ بعد لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعى وهو في مسلك القياس يدانى إيجاب القصاص بقول المدعي في لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى قياس ذلك قال: واللعان أبعد من القسامة من جهة أن الشرط في القسامة ظهور اللوث عند الحاكم وهذ غير مشروط في اللعان غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصحيح والمعتمد في اللعان نسبته إلى شيئين. أحدهما: أنه لا يجد بد من الخروج عن قانون الحجج فالإستمساك بظاهر القرآن اقترب وهو قوله تعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] وحمل العذاب على الجنس بعيد وبالجملة نفى إيجاب الحد وتغليب حقوقها اقترب إلى مأخذ الشريعة عندي قال: ومن عجيب الأمر أن قول الشافعى اختلف في أن القصاص هل يجب بأيمان القسامة ولم يختلف قوله في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد الواجب لله للسقوط بما لا يسقط به القصاص وسبب هذا أن خبر القسامة ورد في الغرم وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهو الحد فهذا عبرة في أمثال ما ذكرنا من قواعد الشرع ونحن نختم بأمر بدع يقضى الفطن العجب منه فالمرتبة الأولى تكاد تقضى بالقطع والمرتبة الثانية أعنى اللعان والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نر شبهها مرتبة في القياس من حيث لم نرها مستقلة فهذه جملة كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القرب من القاعدة والبعد منها هذا سرد كلامه في هذا الفصل ونحن قد تكلمنا على ما جعله في المرتبة الأولى والثانية.
وأما هذه التي سماها المرتبة الثالثة فاعلم أن ما صار إليه في مسألة المركه على القتل من الكره والمكره بمنزلة الشريكين في القتل فليس بشئ لأن مباشرة جملة الفعل محسوسا وجد من المكره فإذا جعلنا المكره شريكا له في المباشرة فأما أن نجعل ذلك لأنا نجعل المكره آلة له أو لأنه سبب سببا يفضى إلى القتل غالبا فإن جعلنا شريكا له فإذا
стр. 784
صار المكره آلة للمكره في بعض القتل وجب جعله آلة له في جميعه لأن الذى يجعله آلة له في بعض القتل موجود في كله وإن جعلنا شريكا بالتسبب فباطل أيضا لأن التسبب للقتل ومباشرة الفعل فعلان مختلفان وينفصل أحدهما عن الآخر وكل واحد من المكره والمكره يستقل بما فعله فكيف نجعلهما شريكين في القتل وإذا لم يكن التسبب إلى القتل قتلا عند هذا القائل فمتى يتصور أن يجعله شريكا للمكره في القتل فالقضاء بأنهما شريكان في القتل كلام قاله بعض المشايخ من غير تأمل في عائلته والذى قال: إن الخصم يحكم بنقل الفعل فهم لا يرتضون هذه اللفظة وإنما يقولون إن المكره آلة للمكره وليس للمكره فعل أصلا فيما يعود إلى النيابة على محل الفعل لأنه في ذلك يصلح أن يكون أله المكره ووجه كونه آلة وهو استعماله في فعله على اختيار نفسه يحمله عليه مثلما يستعمل السيف في قطعه على اختيار نفسه بتحامله عليه ويقولون هذا في الإثم لا يتصور لأن الإثم بجنايته على دينه وهو بجنايته على دينه لا يصلح أن يكون آلة للمكره وإنما في جنايته على محل الفعل صورة يصلح أن يكون آلة له وأما نحن نقول إن الحكم بكونه آلة للمكره مع بقاء اختياره وإمكانه الصبر والكف إلى أن يقبل ورود الشرع بذلك باطل وجعل المكره والمكره شريكين في القتل باطل لكنه يجب القود على المكره بمباشرة القتل وعلى المكره بالتسبب للقتل ويقول: كل واحد منفرد بفعله من القتل والتسبب من غير مشارك والقود واجب على المكره بالمباشرة وعلى المكره بالتسبب لأن التسبب أخذ شبها من القتل والقتل أخذ شبها من التسبب أما الأول فلأنه يفضى إلى إزهاق الروح غالبا وأما الثاني فلأن القتل بإزهاق الروح غالبا. وأما الثاني: فلأن القتل بإزهاق الروح وأزهاق الروح لا يدخل تحت قدرة العباد فلا يكون منه إلا التسبب فلما أخذ كل واحد منهما شبها من صاحبه جعلناهما علتين صحيحتين في إيجاب القتل غير أنا نعتبر في التسبب أن يكون مفضيا إلى القتل غالبا حتى يأخذ شبها من القتل ويخرج على هذا حفر البئر في بئر المسلمين ويعتبر أيضا أن يكون معتبرا في أحكام الشرع حتى يخرج عليه الإمساك ويظهر الاعتبار في المال وإذا عرف هذا بطل قول زفر وسقط ما حمده هذا القائل وعلى هذا الأصل الذى مهدناه ينبنى وجوب القود على شهود القصاص وشهود الرجم إذارجعوا وسواء في وجوب القصاص رجع المدعي أم لم يرجع بعد أن تم رجوع الشهود وذلك التفريق الذى قال: ليس بمذهب ولا هو صحيح على المعنى بعد أن يكون المشهود على قتله قد قتل فأما إذا أقمنا الدليل على أن السبب موجب للقتل صار مثل القتل
стр. 785
وعلى القطع نعلم وجود السبب القوى من الشهود فيكون علة لوجوب القود عند رجوعهم مثل القتل من الولى يكون علة لوجوب القود عند رجوعه فإذا أوجب القتل على الولى عند رجوعه واعترافه وإن قام الشهود على شهادتهم فيكون التسبب علة لوجوب القود على الشهود إذا رجعوا وإن كان الولى مقيما على زعمه وإن قتل بحق وبأمثال هذا الكلام تعرف مقادير الرجال ويظهر مراتبهم والفقه أعز علم خاض فيه الخائضون ومنه مدارك الأحكام وهو البحر ذو التيار وفيه المغاصات على دور المعانى فلا يقع عليها إلا من أيد بنور من الله تعالى ومنه قيل: إن العلم نور يقذفه الله تعالى في قلوب من يشاء من عباده وقد كنا ذكرنا في خلافيات الفروع أن شهود القصاص قتله حكما ودللنا عليه وهذا الذى ذكرناه هاهنا أحسن.
وأما مسألة إيجاب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان فهو يبتنى على أن اللعان حجة شرعية لتحقيق الزنا على المرأة ولعانها حجة شرعية لدفع الحد عنها وكذلك الأيمان في القسامة حجة شرعية على تحقيق القتل على المدعى عليه نعم يجوز أن يقال: إن هذه الحجة لا تشبه سائر الحجج ونحن لم نعرف الحجج في جميع المواضع إلا بالشرع البحت والتعبد الخالص من غير خلط وإذا كان اللعان حجة سقط استبعاد إيجاب الحد على المرأة ومن نظر في كلمات اللعان وتأملها عرف أنه ما وضع إلا لتحقيق الزنا على المرأة وما وضع في الشرع لتحقيق شئ فلابد أن يتحقق وإذا تحقق الزنا عليها سقطت الاستبعادات والإنكارات جملة وأما اختلاف القول في القسامة واتحاد القول في مسألة اللعان فيجوز إن يقال: إنه لاتحاد الواجب في الزنا واختلاف الواجب في القتل ويجوز أن يكون له ما قاله والله أعلم.
واعلم أنا ننكر مراتب المعانى وأن يكون بعض المعانى أوضح من البعض لكن لا على هذه الوجوه التي قالها والإخالة والتأثير قد يترتب فإنا نعلم أن الإخالة في الطعم لتحريم البيع دون الإخالة في شدة التحريم المسكر والإخالة في الثيابة لإيجاب الإذن والإخالة للبكارة في إفادة الإجبار مثل الإخالة في الطعم أو دونه بيسير إلا أن كل واحد من المعانى له علقة بالقلب وإشعار بالحكم الذى علق به وقد سبق من هذا ما فيه غنية.
стр. 786
فصل: في قياس الشبه
...
"فصل"
قال هذا القائل الذى حكمنا منه ما حكينا في قياس المعنى ونحن الآن نذكر مراتب قياس الشبه فنقول: محال هذا القسم عند انحسام المعنى المخيل الثابت فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا تخيل غير صحيح على الشبه فالوجه رد النظر إلى التشبيه ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام مراتب المعنى فالواقع في المرتبة العليا هو الذى يسميه الأصوليون في المعنى الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع كان في المرتبة العليا وقد سبق الاختلاف أنه هل يسمى قياسا أو هو متلقى من اللفظ والنفى والوجه عندنا في ذلك أن يقال: إن كان في اللفظ إشعار من طريق اللسان فلا نسميه قياسا كقوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" ١ فهذا وإن كان في العبد فإنه يستعمل في الأمة وقد يقال للأمة عبدة
وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس معنى وقد يكون مفضيا إلى العلم مثل قياس عرق الكلب بلعابه في التعبد برعاية العدد والتعفير فأما إذا زال العلم وكان الظن هو المستفاد ولم يفسد عند السبر والعرض على الأصول فإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند المحققين والإشتباه بين طرفى قياس المعنى والطرد فالذى لاح من كلام الشافعى ﵀ أن أقرب الرتب من المرتبة المعنوية إلحاق الزبيب بالتمر في الربا وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج من المرتبة إلحاق الأرز بالحنطة والذرة بالشعير. ثم يلى هذه المرتبة إلحاق الوضوء بالتيمم في النية ولهذا قال الشافعي مستبعدا طهارتان فكيف يفترقان قال ونحن نقول في هذا: إن كل شبه كلى يعتضد بمعنى فهو بالغ في فنه٢ وذلك إذا كان المعنى لا يستقل بنفسه مخيلا مناسبا وبيان ذلك بما وقع المثال به أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا من كلى الشريعة أنها مبتنية على استصلاح العباد فإذا لم يلح صلاح ناجز ظهر من المآخذ الكلية أنها صلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا بقصد التقرب فإذا وجدنا الطهارة كذلك متفقا عليه. ثم كان المختلف فيه غير معقول المعنى ظهر وقع الشبه في الافتقار إلى النية المحصلة لغرض العقبى فليجعل الناظر هذا معتبرا في المرتبة الأولى من الأشباه المظنونة
стр. 787
ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهارتين في أحكام وشرائط قال: وإلحاق المطعومات التي لا تقدر بكيل ولا وزن طريقة الشبه عندنا فإن مسالك الإخالات مفسدة فلا يبقى إلا التشبيه ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى مقصود المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار الفوت لمكان الملح وسقط اعتبار القدر لأنه في الجنسين والجنس الواحد على وتيره واحدة والحكم مختلف فلاح النظر إلى المقصود وأنه العلة وهذا مع الاعتراف أنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في العقبى كما ذكرناه في القسم الأول ولولا ما ثبت عندنا من الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القائسين وجدنا اتباع المقصود أقرب مسلك وهذا واقع في المرتبة الثانية.
واعلم أن الذى قاله هذا القائل ليس على ما ظنه في هذه المسائل وليس على ما رتبه أما إلحاق الأمة بالعبد في مسألة العتق وإلحاق العبد بالأمة في الحد المنصف عن الحر فقد سبق الكلام في ذلك فلا معنى للإعادة.
وأما مسألة النية في الوضوء ومسألة الربا فليس الأمر على ما زعمه في المسألتين أما النية في الوضوء فليس وجوبها بالجهة التي ظنها من فضل التقرب به إلى الله تعالى لأن تخفيف التقرب إلى الله تعالى وهو لا يثبت مستقلا بنفسه يبعد جدا وإنما الوضوء محض تعبد وسبيل التعبد أن ينظر فيه إلى الحد الذى ورد الشرع فيه فلا يتجاوز عنه والشرع أمرنا بالوضوء للصلاة لقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] يعنى فاغسلوا للصلاة مثل قول القائل: إذا جاء الشتاء فتأهب أى للشتاء وإذا قدم فلان فاستعد إلى قدومه فعندنا يجب الوضوء للصلاة وهذا هو معنى قولنا: إن النية واجبة فيها إلا أن الدليل قد قام أن الوضوء لفعل لا يستباح إلا بالوضوء ينزل منزلة الوضوء للصلاة وإذا ثبت ما قلنا: عرف محل الخلاف فعندهم التيمم يجب للصلاة والوضوء لا يجب للصلاة وفرقوا بما عرف وهو أن الماء مفيد للطهارة بطبعه لأنه خلق لذلك فإذا استعمل أفادها بذاته ولم يفتقر إلى إرادة الصلاة وأما التيمم فلا يفيد الطهارة بذاته لأنه لم يخلق لذلك وإنما يفيدها بالشرع والشرع جاء بكونه مفيدا للطهارة إذا أراد به الصلاة فهذا فرق القوم. وأما عندنا قالوا: طهارة شرعية لا حسية.
ألا ترى: أنها تجب في موضع ليس فيه تطهير المحل من شئ محسوس وإذا كان طهارة شرعية فيتبع مورد الشرع والشرع يأمر به للصلاة فتكون طهارة شرعية إذا أريد
стр. 788
به الصلاة وإذا لم يرد به الصلاة لا يكون طهارة أصلا بمثل ما سلموا في التيمم ومن نظر في هذا عرف أنه المعنى الصحيح والدليل المعتمد وأما ما سواه فليس فيه طائل وأما مسألة علة الربا فليس الأمر على ما زعم أنه ليس فيه معنى مخيل مؤثر يدل على حكم النص والكلام في مسألة علة الربا لا يمكن إلا بعد معرفة النص فإن١ التعليل له فعندنا حكم النص تحريم بيع المطعوم بجنسه غير متساويين في معيار الشرع والتحريم أصل والإباحة تعارض دليلا وهو المماثلة في معيار الشرع وعلة الطعم مخيلة في الحكم الثابت بالنص لأنه مشعر بشرف المحل لما تعلق به من القوام وشرف المحل مؤثر في التحريم لأنه لما تعلق به القوام والبيع ابتذال جعل الأصل فيه الحظر ليظهر شرف ما تعلق به من القوام وليكون مبقيا مصونا عند مالكه فيستعمله في قوام حياته في وقته وهذا كالإيضاح فإن الأصل فيها الحرمة لأن قوام النسل بها فجعل الشرع أصلها على الحرمة وصانها عن الابتذال والامتهان ثم أباحها بعارض دليل وهذا أصل كبير وعليه أسئلة للمخالفين أجبنا عن ذلك في كتبنا وإنما أشرنا إلى هذا القدر في هذا الموضع ليعلم بطلان قول من زعم: أنه ليس فيه معنى مخيل وأما كون الطعم مقصودا في المحل فليس يشعر بتحريم العقد.
ألا ترى: أن من علق الإباحة بهذا الوصف يكون مثل من علق التحريم به في أن الوصف لا يدل على واحد منهما والشبه يعود مثل هذه المسألة التي أجمع القائسون على الخصوص فيها بالتعليل بترك ذلك خالية على المعنى الذى يدل على الحكم فالمعنى موجود لكن العاثر عليه يعز نعم يجوز أن يجعل كون الطعم مقصودا في المحل أولى من الكيل لكن ليس الكلام في الترجيح لأنه لابد أولا من تصحيح العلة ثم إذا عارضها علة يطلب من المعلل تصحيحها فإذا صحت فحينئذ يصار إلى الترجيح فأما أن يبدءوا أولا في كلامه بإظهار الترجيح ويشتغل به فليس هذا من دأب أهل المعانى في شئ وإن اشتغل بإبطال علة الخصم فلا يصح علته بهذا أيضا وقد سبق بيانه وعلى أن الخصم يقول ليس حكم النص عندي ما قلتم إنما حكم النص وجوب المماثلة وربما يقول حرمة الفضل قدرا وعلى اللفظ الأول معولهم قالوا: والمؤثر في المماثلة بالكيل والجنس ولهم في هذا كلام طويل عريض والذى قال: إن النبى ﷺ أباح الفضل عند اختلاف الجنس ويوجد الكيل والوزن عند اختلاف الجنس واتفاقه على وتيرة واحدة فهم يزعمون
стр. 789
أن الجنس مؤثر في إثبات المماثلة التي هى حكم النص مثل تأثير الكيل وذلك لا يوجد عند اختلافه وعلى أن هذا الكلام إن صلح إنما يصلح للترجيح وقد بينا أن الكلام فيه باطل إلا بعد أن يقوم المعلل بتصحيح العلة ويعارض أيضا بعلة صحيحة ثم حينئذ يكون الكلام في الترجيح فليفهم الفقيه كل ما أشرنا إليه وليكن معوله عليه وتمسكه به وليعض عليه بناجذه فإنه من الأعلاق النفسية وقلما يظفر به بمثله وقد قال الصاحب في بعض ما نقل عن رسائله: وإذا كان الذهب بناقده فما أعزه صير في الكلام مضى هذا ورجعنا إلى نقل كلام من كافأ نقل كلامه قال: ومن أبواب التشبيه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض كالتردد وهو في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة أو لا فالذى يقتضيه القياس المعنوى عدم الضرب والذى يقتضيه الشبه الضرب اعتبارا بالحر ومما يلحق بهذا القول في تقرير أروش أطراف العبيد بالسبب الذى يقدر به أطراف الأحرار فالذى يقتضيه القياس المعنوى نفى التقدير واعتباره ينقص من القيمة نظرا إلى المملوكات وهذا مذهب ابن سريج والرأى الظاهر للشافعى ﵀ أنها تتقدر معتمدة الشبه وهذا أولى من الأول لأن الشارع أثبت للحر بدلا حتى لا يهدر إذا قتل خطأ ثم قاس أطرافه بجملته بمعاني لا تنتهى أفهام المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن أن لا تقدر أروش أطراف الحر فإنا وجدنا في جراحات الأحرار حكومات غير مقدرة فلو اقتضى شرف الحر تقدير ديته فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد من العبد كطرف الحر من الحر اعتبر به ولم يلتفت إلى خروج قيمة العبد عن التقدير وعلى هذا خرج أطراف البهائم لأنا لم نتحقق فيها أنها تقع من البهائم مواضع أطراف الأحرار من الأحرار فأما في العبد علمنا قطعا أن أطراف العبيد من العبيد مثل أطراف الأحرار من الأحرار وفقا ومنفعة.
قال: وأما ضرب القيمة على العاقلة فالأولى في ذلك سلوك المعنى وأن لا تضرب على العاقلة لبعد تحميل العاقلة عن مدارك العقول فلا جرم أن يكون الضرب على العاقلة في حق الأحرار خاصة.
قال: ومما يعده الفطن فزعا من هذا إلحاق القليل من الدية بالكثير في الضرب على العاقلة ونحن نرى ذلك في المسألة الأعلى من جهة الشبه ومن جهة أن أصل الضرب ثابت وهو جرى في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس هذا مبتنيا على صرف الإجحاف والإضرار عن المحمول عنه فإن الدية محمولة عن الموسرين مثل حملها
стр. 790
عن الفقراء وكان الضرب ثابتا في الشرع مسترسلا على الأقدار من غير اعتبار مقدار والذى قاله هذا القائل في الفصل لا بأس به ويجوز أن يعول عليه وهو كلام الأصحاب وقد قرره وأحسن تقريره وأورده بألفاظ حية فليؤخذ بها ثم ذكر في آخر كلامه سؤالا فأجاب عنه والسؤال. فإن قيل: إذا تعلق المتعلق بوجه شبه ونوقش فيه فكيف وجه تقريره فإن قال: المتعلق بالشبه أنه يفيد غلبة الظن ونوزع فيه كيف يبين وجه وجود غلبة الظن أجاب عن هذا السؤال وقال: لاشك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى سبب يقتضيها ولابد من ذكره وبه يتميز الشبه من الطرد فالشبه مستند إلى مأخذين هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه عليه:
فأحدهما: جريانها على مقتضى الشبه وهذا كإلحاق اليسير بالكثير في الضرب على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف فيخرج بما ذكرناه أن ضرب العقل لا ينتهى إلى توقيف في قلة ولا كثرة وليس هذا المعنى مخيل مناسب ولكنه متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذى ذكرناه.
والوجه الثانى: وهو الذى يدور عليه معظم الأشباه وهو أن يثبت معنى على الجملة في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا بأن الشارع قد أرش أكثر بنصف الدية بنسبة لها مخصوصة من الجملة فهذا مما نعلمه ونطلع عليه على الوجه الذى لأجله قدر النفس لهذا التقدير غير معلوم وإذا تمهد هذا كان اعتبار يعد العبد يد الحر شبها صحيحا فإن عنائد١ العبد من جملته كعنائد الحر من جملته فالشبه في هذا راجع إلى معنى معلوم من قصد الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه وإذا اتجه هذا النوع كان بالغا جدا مقدما.
قال: وأما الأمر الثالث: فهو اعتبار المقصود وهذا لا استقلال له إلا أن تضطر إلى التمسك بعلة للمنصوص عليه ومثال ذلك الأشياء الستة في الربا فلو هجم ناظر عليها ولم يتقدر عنده وجوب طلب علة أو علم للحكم لم يعثر على فقه قط ولا شبه. فإن قيل: الفقه مناسب حاز مطرد سليم على السبر والشبه يتلقى من أمثله أو تخيل معنى جمل والرأى لا يقضى بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المستور والمجمل فلا وجه إلا أن يقال إذا لم يثبت الحكم لأعيان هذه
стр. 791
الأشياء ثبت لمعانيها ومعانيها هى المقصودة منها ثم ينصب على ذلك شاهدان أحدهما من قبل التمثيل وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه والمقصود في الجنسين مختلف والكيل على وتيرة واحدة فدل هذا أن المقصود هو العلم على الحكم والشاهد الثانى قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" ١ فهذا معاندة الأشباه وإذا عرف هذا فلا حاجة إلى تكلف التمييز بينهما وبين الطرد.
واعلم أنا تكلمنا من قبل على فصل الشبه وبينا الموضع الذى يكون حجة فيه فليعتمد على ذلك وإذا قرر على هذا الوجه الذى بيناه فعلى القطع٢ نعلم وجود قوة الظن وأما رجوعه إلى مسألة الربا فلا أرى لذلك وجها وجعل الطعم علة بمجرد كونه مقصودا في المحل لا وجه له بحال اللهم إلا أن يقول هذا القائل: إن الطعم ليس بعلة لكنه علم منصوب على الحكم ويقال له من نصبه؟ وما الدليل على نصبه في هذا الحكم؟ وما الفصل بينه وبين من يقول: إنه منصوب على ضد هذا الحكم؟ إذ ليس من المناسبة في التحريم ما ليس له ذلك في التحليل وأما اختلاف الجنس لا يدل أن العلة هى الطعم وإنما يقول الخصم: إن الجنس مؤثر مثل الكيل في الحكم المنصوب له العلة فإذا عدم فات الحكم وأما عندنا فنحن نقول: إن الطعم علة مؤثرة بالوجه الذى بينا إلا أنه أباح الفضل عند اختلاف الجنس ووجود الطعم لأن الطعم عندنا علة والجنس محل أو شرط بالشرع والعلل يطلب تأثيرها فأما الشرط فلا يطلب له تأثير بدليل سائر الشروط فصار الطعم مؤثرا لأنه علة والجنس شرطا شرعيا غير مؤثر لأنه شرط محض وليس بعلة ولهذا قلنا لا يحرم النساء بانفراده لأن الشرط بانفراده لا عمل له قال هذا القائل: ونحن نختم هذا الفصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول اختلف العلماء في أن العبد هل يملك؟ ٣ ومأخذ الكلام فيه من طريق الشبه وأما من يقول إنه يملك فيشبهه بالحر فإن العبد خلق آدميا مختارا طلوبا لما يصلحه دفوعا لما يضره لبيبا أريبا فطنا وهو في هذا كالحر فهذا شبه خلقى غير عائد إلى الصور وإنما هو راجع إلى المعانى التي يتهيئ بها الإنسان لمطالبة ومأربه وأما من منع كونه مالكا شبهه بالبهائم من جهة أنه مسلوب
стр. 792
القصد والاختيار مستوعب المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له والتعلق بهذه الأشياء أقرب فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع من الملك تمسك بمأخذ الأحكام وكان هذا القول أقرب وأصوب فإن الرق حكم غير واجب إلى صفات حقيقية خلقية فإن حاصلة سقوط استبداد شخص في أمور نفسه وتهيؤه لتصرف غيره وهذا يناقض صفات المالكين فإن حكم المالك الاستقلال ثم أقام الشرع طالبا للملوك فيما يسد حاجته ويكفى مؤنته والحاجة التي لا يتصور الكفاية فيها أثبتها الشرع للمملوك بإذن مالكه وهو حق المتمتع في النكاح فإن قيل: السيد إذا ملك عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد لحقه يمنعه من صفة المالكين فإذا ملكه المولى وجب أن يملك قلنا: التمليك لم يخرجه عن كونه مملوكا محتكما فلا يجتمع معه الملك وهذا لأنه مملوك في نفسه فلا يكون مالكا وأما إذا ثبت للسيد حق استقلال بأن كاتبه فيتصور له ملك على حسب ما يليق به على ما عرف.
واعلم أن المعتمد في نفى ملك العبد كونه مملوكا ولو كان أهل الملك لكان أول ما يظهر فيه الأهلية ملكه نفسه ولو ملك نفسه عتق فصار الملك مضادا لثبوت الملك فهذه وجوه نفى الملك له.
стр. 793
فصل: سؤال المطالبة
...
"فصل"
ثم ذكر سؤال المطالبة وجوابه عنها على ما عرف من الجدليين ونحن قد ذكرنا من قبل وبينا وجه الجواب وذكر الترجيحات وقد سبق وجوه ذلك وذكر العلة القاصرة مع العلة المتعدية إذا تعارضتا قال: وحاصل ما قيل ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق ترجيح العلة القاصرة.
والثانى: وهو المشهور ترجيح العلة المتعدية.
والثالث وهو اختيار القاضى أبى بكر: أن إحديهما لا تترجح على الأخرى بالقصور ولا بالتعدى١.
قال: وهذا إنما يرد إذا لم نر تعليل الأصل بعلتين أصلا وإذا اتفق القائسون أن الصحيحة إحداهما ولا يجوز تعليقه بهما جميعا وأما الذى رجح المتعدية فكلامه ظاهر
стр. 794
وهو أن العلل تزاد لفوائدها والفائدة للمتعدية لأن النص يغنى عن القاصرة فليكن التمسك بالمتعدية أولى وأما من رجح القاصرة قال: لأنها متأيده بالنص وصاحبها أمن من الزلل في الحكم العلة فإذا دل الدليل على صحة العلل حينئذ تطلب الفوائد قال: والترجيح بحكم للعلة بعيد والترجيح الحقيقى يكون بما ينشأ من مثار الدليل عليها لأنه يفيد زيادة قوة الظن فأما الترجيح بالنظر إلى الفوائد فلا وجه له لأنه ليس مما يرجع إلى زيادة قوة الظن. وقد قيل: إن هذه المسألة تقديرية وهى غير واقعة في الشرعيات فإن قال قائل: أن أبا حنيفة قد علل الربا في التقدير بالوزن وهو معتد إلى كل موزون وعلل الشافعى بكونهما جوهرى النقدين وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك قلنا علة الوزن باطلة عند الشافعى كبطلان علة الكيل وعلة الثمنية صحيحة وقد قام الدليل عليها والترجيح إنما يكون بعد أن تصح العلتان جميعا بقيام الدليل عليهما. فإن قيل علة الشافعي في تثبيت الخيار للمعتقة تحت العبد قاصرة وقد قدم ثبوتها١ على العلة المتعدية لأبى حنيفة قلنا هذا باطل من أوجه:
منها: أن ما اعتمده أصحاب أبى حنيفة من تعليل الخيار باطل في نفسه فلا ينتهى القول إلى مقام الترجيح.
ومنها: أن الرأى الظاهر أن لا يعلل خيار المعتقة تحت العبد كما حققنا في الفروع ومنها أن من يثبت الخيار للمعتقة تحت الحر يزعم أن قصة بريرة كانت واقعة والزوج حر فيكون الأصل على هذا ما ورد فيه النص ويكون غيره فرعا فكيف يعلل الأصل ويقاس على الفرع حتى يقال إنها متعدية أو غير متعدية؟ واعلم أنا أما التقطنا كلمات له في هذه المسألة ولم نحكمها على الوجه.
وعندي أن المتعدية والقاصرة سواء بعد أن يقوم الدليل على صحتها وإن طلب الترجيح بوجه آخر.
وأما مسألة خيار المعتقة فقد ذكرنا في كتابى "النكاح" أن النكاح وقع لازما وقد استبرأ قبل لزومه على اختلاف التارات والحالات ولا دليل يدل على ثبوت الخيار عند العتق وأبطلنا ما يزعمونه من الدليل وإذا بطل ذلك بقى النكاح لازما على ما وقع لأن الباقى بعد الثبوت هو الثابت ابتداء فإذا ثبت لازما بقى لازما وذكر فصلا آخر فيما يرجع إلى الترجيح قال: وإذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بمذهب صحابي فمن يقول: إن
стр. 795
مذهب الصحابى حجة عد هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا يقتضى تقديم المذهب الذى يدل عليه القياس ويدل عليه قول الصحابى ويقع الكلام في أن هذا هل يسمى ترجيحا أو لا؟ وإذا كنا لا نرى التعلق بمذهب الصحابى فلا أثر له في الترجيح وقوله كقول بعض علماء التابعين ومن بعدهم وإن لم يكن قوله بانفراده حجة لكن إذا انضم قوله إلى القياس وقد شهد النص بمؤيد علم في هذا الفن الذى نصب فيه القياس أفاد انضمامه زيادة قوة في الظن قال الشافعى: قول زيد أرجح من قول معاد رضى الله عنهما وإن كان قد قال رسول الله ﷺ : "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ" ١ وذلك لأن شهادة رسول الله ﷺ لزيد أخص في الفرائض وأدل على اختصاصه بمزيد الدرك فيها وكذلك مذهب زيد مع انضمام قياس إليه أرجح من مذهب على مع انضمام قياس إليه وإن كان قد قال رسول الله ﷺ : "أقضاكم علي" ٢ وهذا أبين مما قدمناه في معاذ فإن شهادة الشارع له بمزية البصيرة في القضاء يشير إلى التفطن لقطع المشاجرات وفصل الخصومات والتهدى إلى تمييز المحق من المبطل والشهادة بمزية العلم في الحلال والحرام وقع في مض الاجتهاد والشهادة بمزية العلم في الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب وإذا لم يكن في الواقعة قياس واجتمعت هذه المذاهب الثلاث فالقول في تقليد من يقلده يأتي في غير هذا الموضع. فإن قيل: إذا اعتضد أحد المذهبين بقول أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فما قولكم فيه؟ وقد قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ﵄"٣ قلنا هذا عندنا اعم من الشهادة لعلى بمزيد في العلم في القضاء فإنا نجوز أن النبى ﷺ أشار بهذه على الاستحثاث على اتباعهما في الخلافة وإبداء الطاعة فإذا انضم إلى المراتب الثلاث في الشهادات الصحيحة مرتبة رابعة فأولاها بالتعلق أخصها وهى الشهادة لزيد ويليها الشهادة لمعاذ ثم تلى الشهادة لمعاذ الشهادة لعلى ثم يلى ما ذكرناه ما ذكر ﷺ في أمر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ثم قال الشافعى: قول علي في الأقضية كقول زيد في الفرائض وقول معاذ فى
стр. 796
التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد في الفرائض فهذا الذي وجد من زيادة فائدة فيما نقله في أصوله وأما سائر ما نرجح به العلل قد ذكرنا الكلام فيه ثم أعلم أنه قل ما يوجد علتان متعارضتان وقد قام الدليل على صحتهما ثم يصار إلى الترجيح في ذلك بل أكثر الكلام إنما يقع في طلب التأثير الذى به تصح العلة فإن اتفق ما قلناه من تعارض العلتين وقد قام الدليل على صحتهما ووقعت الحاجة إلى الترجيح فالوجه ما قدمنا وحين فرغنا من هذا نذكر الكلام بعد هذا في التعلق بالاستدلال ونبين عند ذلك الفرق بينه وبين التعليل وبين قرينه كل واحد منهما ووجه ترجيح أحدهما على صاحبه ثم نذكر بعده الكلام في السبب والشرط والفرق بين العلة وبينهما وهذان الفصلان أعنى الكلام في الاستدلال والكلام في السبب والشرط ومعرفة الفرق بينهما وبين العلة مما يجب الاهتمام بذلك لكثرة ما تقع الحاجة إليه في المسائل وسنذكر ذلك جميعه بعون الله تعالى وتوفيقه ونبرأ إلى الله من حولنا وقوتنا ونعتصم ونلوذ بحوله وقوته فإن الكل منه وبه وإليه.
стр. 797
القول في الاستدلال
قد ذكرنا أن الاستدلال طلب الحكم بالاستدلال بمعانى النصوص وقيل: أنه استخراج الحق وتمييزه من الباطل ذكرهما أبو الحسن الماوردى وقيل: إنه معنى مشعر بالحكم المطلوب مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلى من غير وجدان أصل متفق عليه١.
واختلفوا في هذا فذهب جماعة إلى رد الاستدلال وقالوا: لا يجوز أن يكون المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل وذكره القاضى أبى بكر وجماعة من المتكلمين وأما الذى يدل عليه مذهب الشافعى رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن لم يستند إلى أصل ولكن من شرط قربه من معانى الأصول المعهودة المألوفة في الشرع وقد ذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة إلى جواز الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل وشرح ذلك أن يكون الثابت مصالح شبيه بالمصالح الثابته في أصول الشرع غير خارجة عنها وأفرط مالك في جواز القول بالاستدلال٢ وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة في الشرع وحكى عنه جواز القتل وأخذ المال بمصالح يقتضيها غالب الظن وإن لم يوجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول وربما يقول أصحاب مالك يجوز اتباع وجوه المصالح والاستصواب قربت عن موارد النصوص أو بعدت إذا لم يصدمها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع واحتج من نفى الاستدلال على وجه القياس بأن الدلائل محصورة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أحدها والاستدلال الذى يذكرونه خارج عن هذه الأقسام ومن هذه الدلائل أجمع قد يصح أن يكون دليلا قال القاضى أبو بكر: إن المعانى إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع وإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر وصار الشرع مرجوعه إلى وجود الرأى من الناس من غير اعتماد واستناد إلى أصل شرعى فيرى كل إنسان وجها ويعتمد شيئا سوى ما يراه ويعتمد صاحبه ويصير إذا أهل الرأى في هذا بمنزلة الأشياء فيفعل كل إنسان ما يراه ويعتقده صلاحا في المعنى الذى سنح له فيصير ذلك ذريعة إلى أبطال أبهة الشروع
стр. 798
ورونقها ويذهب طراوتها وبهاؤها وينسكب ماؤها ثم مع ذلك يختلف ما يرونه من الاستصلاح والاستصوابات بالمكان والزمان وأصناف الخلق فتختلف أحكام الله تعالى نهاية الاختلاف ويكون حكم الله تعالى اليوم خلاف ما كان عليه أمس وحكم الإنسان خلاف حكم جاره وشريكه وهذا أمر يخالف ما عهد عليه قوانين الشرع وما درج عليه الأولون من هذه الأمة وما أرى القول به إلى مثل هذا فهو باطل وهذا لأن ما لا أصل في الشرع فهو في نفسه ما لا أصل له وأيضا يقولون إن معاذا رضى الله عنه لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل أن ما سوى ذلك باطل وأما دليل مثبتى الاستدلال هو أنا نعلم قطعا أنه لا يجوز أن يخلو حادث عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد ﷺ .
ببينة: أنه لم يرو عن السلف الماضين أنهم أغروا وأخلوا واقعة عن بيان حكم فيها لله تعالى وتقدس ونحن نعلم كثرة الفتاوى وازدحام الأحكام الأحكام وقد استرسلوا في بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع وقد قصدوا لإثباتها فيما وقع وتشوفوا في إثباتها فيما سيقع ولا يخفى على منصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تقسيم الوقائع عنده إلى ما يغري عن حكم وإلى ما لا يغغرى عنه وإذا عرفنا هذا فنقول لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعانى المستشارة منها لما وسع القياس لكل ذلك فإنا نعلم أن المنصوصات معانيها لا تنسحب على كل المعانى ولو لم يتمسك الماضون بمعانى وقائع لم تعهد وأمثالها لكان يزيد وقوفهم في الأحكام على فتاويهم وجريانهم فيها قال الشافعى ﵀: من سير أحوال الصحابة ﵃ وهم الأسوة والقدرة لم ير لواحد منهم تمهيد قياس على ما يفعله القياسيون بل كانوا يخوضون في وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فثبت بمجمع ما ذكرناه صحة القول بالاستدلال ومما يدل على صحة ما ذكره الشافعى رحمة الله عليه وتمسك به أنه إذا استندت المعانى إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست النصوص وأحكامها حججا وإنما الحجة في المعنى وأعيان المعنى ليست منصوصة وهى المتعلق بها بل نقطع بمحض خروج المعانى عن ضبط النصوص فدل أن المعانى حجة كافية ولو راعينا ردها إلى الأصول تنصرف الأصول عن كثير من المعانى ومن يتتبع كلام الشافعى لم يره متعلقا بأصل ولكنه يبنى الكلام في الأحكام على المعانى المرسلة فإن عدمها حينئذ شبه بالأصول.
стр. 799
عليه فيما قلناه ولو قال قائل: لم يصح عن أحد من السلف استعمال القياس على ما يعتاده أبناء الزمان من تمثل أصل واستتاره معنى فيه وربط فرع به كان ذلك حقا وصوابا.
فأما الكلام الثانى الذى قاله وزعمه أن القول بهذا يؤدى إلى خروج الأمر عن الضبط وانحلال أمر الشرع ورد الأحكام إلى أرآء الرجال فهذا لا يلزمنا لأنا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع والجملة أنه يعتبر وجود معنى يناسب الحكم الذى يبنيه عليه من غير أن يدفعه أصل من كتاب أو سنة أو إجماع وقد قال بعض أصحابنا في العبارة: عن هذا إنه قد ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها فقال الشافعى ﵀: نتخذ تلك العلل معتصما ويجعل الاستدلال قريبا منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلالات معتبرة بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده [إلى] ١ أصل كان استدلالا مقبولا مثاله أن الرجعية المحرمة الوطء عند الشافعي ﵀ عليه مباحة الوطء عند أبى حنيفة واستدل الشافعى بأنها متربصة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذى تؤثر فيه بالتبرئة متناقض ثم هذا يعتضد تبرئة بأن الزوج لو اعتزل امرأته قبل الطلاق مدة العدة. ثم طلقها لم يعتد بما كان منها عدة ولو كانت تحل قبل الطلاق وبعد الطلاق لما كان لاختصاص العدة بما يعد الطلاق معنى وهذا نوع استدلال ضمنى مستخرج من العدة ولم يطلب الشافعى لهذا أصلا يقيس عليه وذكر بعض متأخرى الأصحاب في هذا كلاما طويلا لم أر في حكايته فائدة فتركته وقد ترد المسألة من أولها إلى آخرها إلا القليل على طريقة المشايخ.
وأما نحن فعلى طريقة المحققين لا نرى الاعتماد على العدة وإن كان هو متعلقا حسنا من حيث الحكم وأقل غائلة في هذا التعليق على أصل الخصم أنه لا يجتمع العدة وشغل الرحم من الزوج فإنه قد صار مراجعا بالوطء ولهم على العدة كلام واقع على ما ذكرناه في الخلافيات وإنما المعتمد عندنا وقوع الطلاق وهويصرف فأجر عمله الإسقاط والإزالة فلابد أن يزيل شيئا وليس ذلك إلا ملك الحل وقد بينا وجه الاعتماد على هذا ومشيئة وقد أورد بعض أصحابنا أمثلة الاستدلال سوى هذا.
стр. 800
وقال: مثال الاستدلال ما قال أصحابنا: إن الخارج من غير السبيلين ليس بحدث١ لأنه لو كان حدثا لاستوى قليله وكثيره وحكمه وكذلك قالوا: لو كانت القهقهة حدثا ينقض الطهارة لاتفق في ذلك حال الصلاة وحال غير الصلاة.
ومثال ذلك أيضا ما قالوا في المتيمم إذا رأى الماء: إنه لا يكون رؤية الماء حدثا٢ لأنه لو كان رؤية الماء حدثا لم يختلف موجبه في وجوب الغسل تارة والوضوء أخرى ومن ذلك قولهم في توسيع وقت الحج٣: إنه لو كان مضيقا لكن المؤخر له عن عام وجوبه إذا أتى بعد ذلك يكون قاضيا لا مؤديا فلما كان مؤديا دل أنه موسع الوقت ومن ذلك أيضا ما قاله الشافعى: إنه لو كان اللعان شهادة لكان حكمه كيت وكيت على ما عرف.
ومنها ما استدل به الشافعى على إبطال علة الوزن. فقال: العلة الموجبة لتحريم التفاضل لو كان هو الوزن ما جاز إسلام الذهب والورق في سائر الموروثات على ما هو المعروف.
وعندي أن هذا كله قياس لاعتبار شئ بشئ بمعنى مستخرج.
ويجوز أن يقال: إنه قياس من حيث المعنى لا من حيث الصورة والدليل على أنه لم يخرج من قسم القياس أنه استند في كونه دليلا إلى غيره وما استند إلى غيره واعتبر به فلابد أن يكون غير خارج من قسم القياس.
ويجوز أن يقال: إنه نوع بحث يثير حكما شرعيا. وقد قالوا: إنه يجوز أن يوجد في الأحكام الشرعية ما لا أصل له بعينه وذلك نحو العمل القليل في الصلاة وما شاكله وذلك لأن الدليل لما دل أن كثير العمل يفسد الصلاة وأن قليله لا يفسدها ولم يثبت
стр. 801
بالنص القدر الذى يفسد والقدر الذى لا يفسد وجب الرجوع إلى الاجتهاد.
وقال بعضهم: إن قدر ما يفسد الصلاة على التقريب ما إذا شاهد المشاهد لم يظن أنه في الصلاة وعلى الجملة فلا شك أن العمل في ذلك على ما ظن المصلى أنه قليل فلا يفسد أو كثير فيفسد وليس ذلك راجع إلى أصل بعينه من أصول الشرع وقد ألحق بعض أصحاب أبى حنيفه بهذا الباب انكشاف ساق المرأة فإنه يقول إذا انكشف ربع الساق فما فوقه فسدت صلاتها وإن كان قد انكشف ما دون الربع لا تفسد وذكروا لهذا التقدير وجها على التقريب وهو أن الناظر إلى ساق المرأة إذا كانت الساق مكشوفة إنما يبصر جانبا منها وللشئ اربعة جوانب فإذا رأى جانبا منها فيكون قد رأى الربع فجرى في هذا مجرى الكل في فساد الصلاة وهذا أيضا شئ قالوه على وجه التقريب من غير أن يستند إلى أصل وعلى هذا من مذهبهم مقادير النجاسات المعفو عنها وقدر ما ينزح من الدلاء من البئر عند وقوع الحيوانات فيها.
وقد قدر الشافعى أيضا في المتابعة بين الإمام والمأموم فقال: إذا سبق الإمام المأموم بركن واحد أو ركنين لم تفسد المتابعة وإن سبق بثلاثة أركان فسدت المتابعة١ وهذا تقدير على وجه التقريب ليس له أصل بعينه ولذلك قال في المسافة بين الإمام والمأموم إذا زاد على مائتى ذراع أو ثلاث مائة فسدت المتابعة وفيما دون ذلك لا تفسد وإن كان هذا تقديرا على وجه التقريب غير مستند إلى أصل بعينه وعلى هذا نفقة الموسر والمعسر ينظر في ذلك على حسب العادة فيعرف بذلك الموسر من المعسر ونجرى الحكم على ذلك وهو غير مستند إلى أصل بعينه.
وكذلك القول في جهة الكعبة ومقدار ما يعرف أنه على جهة الكعبة أو ليس على جهة الكعبة وكذلك ما يتوصل به إلى معرفة قيم المتلفات وإيجاب قدر القيمة حكم شرعي وقد تعلق بأمارة غير مستندة إلى أصل.
وقد قيل: إن الأمارة في هذا عقلية وهى النظر إلى عادات الناس.
ألا ترى أن من قوم الثوب بعشرة لو قيل له: لم قومته بذلك يقول: إن عادة الناس أن يبيعوا مثل هذا الثوب بعشرة ويمكن أن يسألوا على هذا فيقال إذا جعلتم الأمارة في هذا عقلية فهلا قلتم: إذا خرق زيد ثوب عمرو يكون الواجب تخريق ثوبه
стр. 802
والجواب عنه: إن زيدا إذا خرق ثوبه يقابل بتخريق ثوب الجاني وقد أضر بنفسه لحين لم يتعرض من ماله التالف بماله ولا يجوز أن يضر الإنسان بنفسه من غير فائدة فإن قال قائل: فائدته التشفى. قيل له التشفى تبع لحسن تحريق ثوب الجانى فإذا لم يحسن التخريق لم يحسن التشفى ذكر هذا السؤال عبد الجبار الهمدانى في العمد وأجاب بما بينا.
وعندي إن هذا ليس بشئ لأن السائل يقول: إن التشفى حسن بدليل القصاص فإن اعتبار التشفى فيه قد حسن فليحسن ها هنا وإذا حسن التشفى وجب أن يحسن التخريق ويصير حسن التخريق لثوب الجانى تبعا لحسن التشفى والأولى أن يقال في هذا: إذا لم يجوز تخريق ثوب الجانى لانعقاد الإجماع أنه لا يجوز وإنما فرقنا بين النفس وبين المال بمحض اتباع الشرع وعلى أن الأصل المعلوم في الضمانات الواجبة للآدميين هو أن ينظر لما فيه صيانة حقوقهم عليهم وحفظها.
ألا ترى: أن في الأعيان القائمة وجب صيانتها وحفظها على أربابها بوجوب الاحتراز عما يؤدى إلى إهلاكها وإتلافها فإذا تلفت وجب أيضا ضمانها على ما يكون فيه حفظ حقوق الملاك عليهم بقدر الإمكان وذلك بإيجاب المثل في المثليات وإيجاب القيم في غير المثليات فيقوم المثل مقام المثل وتقوم القيمة مقام العين المقومة ويصير كأن المتلف باق لملاكه محفوظ عليهم وكأنه لم يتلف وهذا هو المعنى المعقول في إيجاب الضمان وأما الإتلاف في مقابلة الإتلاف فخارج عن هذا المعنى وفيه تقدير الإهلاك السابق ومقابلة إهلاكه بإهلاك مثله إلا أن الشرع ورد بالقصاص على خلاف هذا الأصل لغرض قائم فيه لا يوجد في الضمان من حيث المال وهو زجر الجناة وإحياء النفوس ومعلوم قطعا أنه يوجد في القصاص من الزجر والردع المؤدى إلى حياة النفوس ما لا يوجد في النفوس فصار القصاص ضمانا شرعيا للنفس لغرض مختص به وصارت الدية ضمانا قياسيا للنفس من حيث إن فيه إيفاء حق صاحب الحق عليه وحفظه له بقدر الإمكان وأن الدية قامت مقام نفسه في السلامة لصاحب الحق إن كانت الجناية في قطع اليد أو وارثه إن كانت الجناية بقتل النفس وسلامة العوض لمن يقوم مقام صاحب الحق ينزل منزلة سلامته لصاحب الحق فاستقام كون القصاص ضمانا بالشرع واستقام كون الدية ضمانا بالقياس ولم يجز الجمع بينهما لأن كلا الواجبين بدل النفس وإن اختلفت جهة إيجابهما ولا يجوز إيجاب واجبين عن متلف
стр. 803
واحد فأما في تخريق الثوب وقتل البهيمة فليس في مقابلة التخريق بالتخريق وقتل الدابة بالدابة غرض صحيح لأن نهاية ما في الباب أنه يوجد بذلك إتلاف مال عليه وفى أخذ الضمان يوجد هذا مثل ما يوجد إذا أهلكنا ماله عليه فإنا إن قدرنا أنه يتلف عليه بهيمته بإتلافه عليه بهيمة أو قدرنا أنه خرق عليه ثوبا بإزاء ما خرق وعليه ثوبه فإنه لا يجوز أن يعرض بهائمه فيتلف عليه أى بهيمة شاء أو يخرق أى ثوب شاء بل ينبغى أن يخرق ثوبا مثل ثوبه أو يتلف بهيمة مثل بهيمته وإذا فعل ذلك كان ذلك في المعنى وأخذ الضمان سواء وأما القصاص ففيه إتلاف نفسه وإزهاق روحه ولا شك أن فيه معنى زائد على الدية وقد لا يبالى الإنسان بإعطاء الدية بقتل عدوه فإذا عرف أنه يقتل إذا قتل انكف عنه فهذا هو المعنى الصحيح والحكمة المعقولة الشرعية وعلى مثل هذا يكون المعول في هذا وأمثاله وأمثال هذه المعانى تكثر في الشرع وقد يكون نظير هذا إيجاب الكفارة في القتل فإن الله تعالى لما خلق ليعبدوه على ما نص عليه فإذا قتل إنسانا فهو بالقتل قد أبطل عليه معنى التعبد والتعبد من العبد لله تعالى مقصود كلى من العباد فصح بنا إيجاب الضمان على هذا المعنى الذى يليق به وليس ذلك إلا الكفارة بإعتاق رقبة إذا قدر عليها لأن العبد مسلوب النفس بالرق فكأنه هالك عن صفة الآدمية وقد قدم الله حق السادة على حقه في كثير من المواضع فأوجب الله على القاتل عتق رقبة على معنى أنه يزيل عنه صفة الرق فيكون قد أحيا نفسا بقدر الإمكان فأقامه مقام النفس التي أتلفها لتعبد الله مكانها فيكون قد أقام الله عبدا يعبده مكان العبد الذى أهلك فيها فبهذا الوجه يضمن حق الله وصار الضمان كضمان النفس بالدية أو القود فعلى هذا يستوى فيه القتل عمدا وخطا لأن حق الله في جهتى العمد والخطأ مثلما يكون حق الآمى مضمونا في الجهتين أيضا ويستوى في هذا أيضا قتل المسلم والكافر والحر والعبد والبالغ والصبى وينظر إلى أصل ما كان عليه الخلقه وقد خلق الكل في الأصل. ثم يتصل بهذا الفعل أن الواجب باسم الكفارة والكفارة اسم معنوى وهو التغطية فيكون واجبا لتغطية الذنب ومحوه والذنب متى صار مغطا ممحوا التحق المذنب بمن لم يذنب فصارت الكفارة كفارة بهذا المعنى ولا نقول: إنه عبادة لأنه ليس القصد منها التقرب إلى المعبود. ولا نقول: إنه عقوبة لأنه ليس فيها أخذ أو تنكيل والعقوبات هى ما يختص بصفة الأخذ أو التنكيل فكان شيئا غير العبادة والعقوبة وهى أنها كفارة ومعناها أنها ماحية للذنب
стр. 804
مغطية له والشئ إذا أمحى ذهب ولم يبق وإذا غطى لم يبق له أثر وإذا كان كذلك استقام إيجابها على الكافر كما يستقيم إيجابها على المؤمن فهذا الذى ذكرناه وما يشبهه استدلالات حسنة ومعان بالغة مناسبة للأحكام المبنية عليها تعلق بقلب كل فقيه إن هذا هو المعنى الذى يبتنى عليه الحكم ومن هذا الباب أيضا ما نقول فيمن نفى وجوب الكفارة [بعيد بالوطء في الصوم] ١ وإيجابها بالوطء وهو أنا نقول: إن الجماع محظور الصوم والأكل والشرب مناف للصوم لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة٢ على خلاف النفس فينبغى أن يكون التعبد بالكف في زمان الفعل عبادة حتى يكون بخلاف هوى النفس فإنه إذا لم يكن زمان الفعل عادة لم يحصل الكف عبادة والنهار زمان الأكل والشرب عادة فكان الكف عنه في هذا الزمان عبادة تعم هو محظور العبادة لأن الحظر والتحريم للعبادة يكون متحققا في زمان الفعل عادة أو لا في زمان الفعل عادة وإذا ثبت أن الأكل والشرب مناف للصوم فيصير بفعله تاركا للصوم في المستقبل وترك الصوم لا يوجب الكفارة كتركه في الابتداء وأما الوطء لما كان محظور الصوم فيكون بالكف عن الأكل والشرب مقيما على فعل الصوم غير أنه يكون جانيا عليه بفعل المحظور وإيجاب الكفارة بفعل محظور الصوم لا يكون دليلا على إيجاب الكفارة بترك الصوم وانقطع إحدهما عن الآخر صورة ومعنى وبطل فهذا استدلالهم في إيجاب الكفارة في الوطء على إيجاب الكفارة في الأكل وهم يدعون على أنا أوجبنا الكفارة في الأكل والشرب بطريق الاستدلال لا بطريق القياس ومن وجوه الاستدلال ما نقوله في مسألة الاستيلاء فإن عندنا لا يملك الكفار ما استولوا عليه من أموال المسلمين بخلاف المسلمين إذا استولوا على أموال الكفار ملكوها.
وإنما قلنا: إن المسلمين يملكون أموال الكفار إذا استولوا عليها ويملكون رقابهم إذا أسروها لأن المشركين في معنى العبيد فإن حريتهم غير ثابتة ثبات تمكن واستقرار.
وأما أموالهم التي في أيديهم إنما هى للمسلمين وهى في أيديهم بمنزلة الغصب لأن الله إنما خلق الدنيا وما فيها من أصناف الأموال والقنيات لعبيده الذين يؤمنون به
стр. 805
ويعملون ما خلقهم له من عبادته وجعل سائر الأملاك معاونات لهم على إقامة طاعاته فمن كفر وعبد غيره فلا شئ له يستعين به على كفره وعبادة غيره فما حصلوه في أيديهم واحتووا عليها فهى غصب في أيديهم وسبيله أن يرد إلى من يسعتين به على طاعة الله ولهذا سمى المال المأخوذ من المشركين فيئا.
ويقال: أفاء الله مال المشركين أى رده علينا بعد أن كان المشركون غصبونا إياه وما هذا وصفه فهو مردود على صاحبه فصار ملك المسلمين أموال الكفار بهذا الوجه وهذا لا يوجد في الكفار إذا أخذوا أموال المسلمين لأنها أموال في أيدي ملاكها وعليها حماية الإسلام وإذا كانت في حماية الإسلام لم تزل بغلبة أهل الشرك عليها وصارت أموالهم كرقابهم فهم أحرار حقيقة وأملاكهم لهم حقيقة وأما الكفار فيهم فهم في المعنى عبيد المسلمين وأموالهم التي في أيديهم للمسلمين فالكل يكون فيئا لأنهم عبيد أبقة ردوا إلى مواليم وأملاكهم غصوب أعيدت إلى ملاكها فهذه الأمثلة التي ذكرناها في الاستدلال أمثلة حسنة يشهد الشرع والعقل بصحتها ومن عرف قواعد الشرع وقوانينها شهد له قلبه وما أدركه من معانى الشريعة بصحتها ولم يرده أصل مجمع عليه من كتاب أو سنة أو أجماع فيجوز أن يسمى أنواع هذا استدلالا فإن الأمثلة التي ذكرناها من قبل حكاية عن بعض المتأخرين من أصحابنا فإنها هي أقيسة حكمية منقولة من الأصحاب غير هذا القائل العبارة عنها فسماها استدلالا على أنا نقول لا غيره بالاسم فإن سموا استدلال قياسا والقياس استدلالا فالوجه الذى قدمناه لأن جميع ذلك طلب الحكم من معانى النصوص والكل نوع بحث عن معنى مناسب للحكم صحيح على السبر فهذا صحيح ولا مبالاة بأى اسم سمى وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر الاستحسان وهل يجوز أن يكون حجة على ما ذكره أصحاب أبى حنيفة؟ أو لا؟.
стр. 806
القول في الاستحسان
ذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان في أصول الدين فاسد وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى القول به وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع إلى دليل شرعى باطل فأما مالك فإنه يقول بذلك ويعتمده١.
واعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذى يعتمده أصحاب أبى حنيفة فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه من غيردليل فهو باطل قطعا ولا نظن أن أحدا يقول بذلك تنذكر الآن ما ذكره أبو زيد في كتابه في معنى الاستحسان لغة وحكما.
قال: أما اللغة: فالاستحسان هو اعتقاد حسن الشئ. يقال: استحسنت كذا أى: اعتقدته حسنا٢ واستقبحت كذا أى: اعتقدته كلك ومحل ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان قد ترك القياس والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير دليل يطلق وطعن بهذا على علمائنا وأن ما هذا تغير الاستحسان لغة فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي حتى كان القياس غير الاستحسان بعد سبيل التعارض وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف على العمل بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله وإن كان الخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا. بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذى تعلق به صحته ولم يكن غرضهم من هذه التسمية إلا يميزوا بين حكم الأصل الذى يدل عليه القياس وبين الحكم المال [عن ذلك السنن الظاهر] ٣ بدليل أوجب الذى أماله٤ فسموا الذى يبقى على الأصل قياسا والذى الممال استحسانا وهذا كما ميز أهل النحو بين وجوه النصب فقالوا: هذا نصب على التفسير
стр. 807
وهذا نصب على الظرف ونصب على المصدر وكذلك أهل العروض ميزوا بين الطويل والمديد والمتقارب.
قال محمد بن الحسن في كثير من المواضع: القياس كذا والاستحسان كذا وبالقياس نأخذ وأخذ في عامة المواضع بالاستحسان فعلم أنهما يستويان كدليلين متعارضين.
قال: فصار العمل بالاستحسان هو الممال بحكمه من الطريق الظاهر إلى الخفى بدليل شرعي لا بهوى التعيين فإنه كفر وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذى ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل بهذا الاسم كان اسما مستعارا كاسم الصلاة والصوم وغير ذلك.
قال: ثم الاستحسان قد يكون نصا وقد يكون ضرورة وقد يكون إجماعا وقد يكون قياسا خفيا١.
أما النص فنحو قول أبى حنيفة في من أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناسى لقلت يقضى القياس الظاهر بوجوب القضاء إلا أنى استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه٢ وهذا لأن النص فوق الرأى فأستحسن ترك الرأى به.
وأما الإجماع فنحو جواز الاستصناع فإنه قد ظهر تعامل الأمة به قد بينا وحدثنا من غير تكبر والقياس أنه لا يجوز لأنه بيع معدوم.
قالوا: وأما الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجسها٣ والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس لملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس فلا يمكن الحكم بطهارة الماء إلا أن الشرع حكم بالطهارة الضرورية لأنه لا يمكن غسل البئر ولا الحوض وإنما غاية ما يمكن هذا وهو نزح الماء النجس وحصول الماء الطاهر فيه فاستحسنوا ترك العمل بالقياس لأجل الضرورة والعجز فإن الله تعالى جعل العجز عذرا في سقوط العمل بكل خطاب وأما ترك القياس بدليل أخفى منه فهو مثل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة بعينها في يد البائع لم تقبض لا يتحالفان قياسا لكن القول قول المشترى وفى الاستحسان يتحالفان لأن كل واحد منهما مدع ومدعا عليه
стр. 808
لأن البائع يدعى على المشترى زيادة الثمن والمشترى ينكره وأما المشترى فيدعى على البائع وجوب تسليم السلعة عند أداء ما يدعيه من الثمن والبائع ينكره فأخذوا بدليل الاستحسان دون القياس لأن تأثيره أكثر وأخذ بالقياس في موضع آخر وهو إذا تلا آية السجدة في صلاته فركع في صلاته ينوب الركوع عن السجود قياسا لأن الواجب عليه عند قرآة السجدة الخشوع والخضوع لله تعالى وذلك يحصل بالركوع وفى الاستحسان لا ينوب لأن الواجب عليه السجود والركوع غير السجود ولا يعرف أنه مثله في الخضوع والخشوع بالقياس أخذوا لأن الواجب الخشوع والركوع خشوع تام مثل السجود بخلاف القياس لأنه ليس بخشوع تام ونحن أوردنا ما قالوه في الاستحسان لتعرف حقيقة مذهبهم.
ويقال لهم: إن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في النفس ويستحسن في الطبع فلا شك أنه باطل والأحكام إنما تبنى على أدلة الشرع لا على الهواجس والشهوات وما يقع في الطباع وإن كان هو الحكم بأقوى الدليلين من كتاب أو سنة أو إجماع أقوى من قياس فلا معنى لتسميتهم ذلك استحسانا ولإن كان هذا النوع استحسانا فكل الشرع استحسان فلا معنى لتخصيص ذلك ببعض المواضع دون البعض.
واعلم أن مرجع الخلاف معهم في هذه المسألة إلى نفس التسمية فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به والذى يقولونه لتفسير مذهبهم به العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه وهذا لا ننكره لكن هذا الاسم لا نعرفه بآية ما١ لما يقال به لمثل هذا الدليل.
وقد قال بعضهم: إنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه وهذا باطل لأنا لا نقول بتخصيص الأقيسة وقد أبطلناه من قبل.
وقال بعضهم: هو عدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا أيضا باطل لأنهم يسمون إذا عدلوا عن القياس إلى نص استحسانا أيضا.
وقال بعضهم: الاستحسان ترك طريقة الحكم إلى أخرى هى أولى منها ولولا ما يوجب الثبات على الأولى وحده أبو الحسن الكرخى من أصحابهم وقال: هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به في نظائرها لوجه هو أقوى من
стр. 809
الأول يقتضى العدول عن ذلك وهذا يلزم عليه أن يكون القياس الذى يعدل به إليه عن الاستحسان استحسانا.
وقد قالوا في مسائل بالقياس نأخذ وعدلوا عن الاستحسان إليه وسموه قياسا وعلى الجملة لا معنى لهذه التسمية وهى تسمية لا يمكن حدها بحد صحيح تختص به.
وأما تفسيرهم الذى يفسرونه فنحن قائلون بذلك وليس مما يتحصل فيه خلاف وقد ذكر الشافعى لفظ الاستحسان في مراسيل ابن المسيب وقال أيضا في المتعة: واستحسن يقدر بالأفلس درهما ليس هذا اللفظ بممتنع في بعض المواضع وإنما المستنكر أن يجعل ذلك أصلا من الأصول تبنى عليه الأحكام وخالف بينه وبين سائر الأدلة ولا يمكن تحقيق المفارقة والتمييز على ما سبق به القول في السبب والعلة والشرط والفرق بين معانى ذلك ومواجبها.
стр. 810
السبب والعلة والشرط
السبب
...
اعلم أن مما يكثر ذكره١ في أقوال الفقهاء ويرد في المسائل هو السبب والعلة والشرط ولابد من معرفة ذلك والفرق بين معانيها ومواجبها.
أما السبب:
فاعلم أن السبب في اللغة: اسم للحبل الموصل إلى ما لا يوصل إليه إلا بتعلقه به٢. ثم يسمى كل مبنى يتوصل به إلى مطلوب مرام باسم السبب بسببها بالحبل الذى يتدلى به من يوصل به إلى مرامه ومطلوبه مع أنه لا أثر للحبل في إيجاد ذلك المطلوب وتحصيله وإذا كان السبب في اللغة اسما. فنقول: حده ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما.
وقيل: إن السبب مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقديمها فلا أثر لها فيه ولا في تحصيله٣ وهذا كالجبل سبب للوصول إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل