والقصر وتخيير العبد بين الجمعة والظهر.
واعلم أن هذا الذى يقوله هذا القائل إنما يصح عند اعتقاد الإنسان جواز تكافؤ الأدلة واعتقاد إصابة المجتهدين ونحن قد بينا أن واحدا منهما لا يصح والأولى أن يقال: إن الشافعى لم يذكر القولين في هذا المعنى أيضا على معنى أنه معتقد لهما أو مخبر وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم يترجح عنده بعد أحدهما فذكرهما لينظر فيهما ويختار بينهما الصواب فأدركه الموت قبل البيان وليس في هذا عيب على المجتهد بل هو دليل على غزارة علم المجتهد وكمال فضله وشدة توقيه فإن طلبوا الفائدة من ذكر القولين.
قلنا: قد بينا من قبل فائدة ذكر القولين وهذا الذى قلناه هو المختار وهو الأولى وعليه الاعتماد وإذا استقررنا على هذا سقط طعن الطاعن وعنت المتعنت والله الهادى إلى الصواب والمرشد فيه بمنه وطوله.
"فصل"
ونذكر في هذا الموضع مواضع اختلف فيها الأصحاب فيما يرجع إلى إثبات القولين أو إثبات قول واحد إذا ذكر في القديم قولا ثم ذكر في الجديد قولا بمذهبه الثانى والأول مرجوع عنه. ومن أصحابنا من قال لا يكون رجوعا عن الأول حتى يصرح بالرجوع عنه.
والصحيح: هو الأول وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان في وقتين مختلفين في حادثة واحدة فإنه يكون الثانى نسخا للأول كذلك هاهنا يكون القول الثانى رجوعا عن الأول.
موضع آخر: إذا نص الشافعى ﵀ في مسألتين على قولين ثم أعاد المسألتين وذكر فيهما أحد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد وكذلك إذا فرع على أحد القولين كان ذلك اختيار للقول الذى فرع عليه وهو قول المزنى. ومن أصحابنا من قال: لا يكون ذلك دليلا على الاختيار.
والصحيح: هو الأول لأنه لما أعاد أحد القولين أو فرع عليه فالظاهر أن مذهبه هو ذلك لأنه لو كان مقيما على القولين لأعادهما وفرع عليهما جميعا فلما أفرد أحدهما
стр. 877
بالإعادة والتفريع دل أنه هو الذى يذهب إليه ويختاره.
موضع آخر: إذا نص في مسألتين على حكم ونص في غيرهما على حكم آخر وأمكن الفصل بين المسألتين لم ينقل جواب إحديهما على الأخرى بل يحمل كل واحد على ظاهره.
ومن أصحابنا من قال: ينقل الجواب إلى الآخر وتكون المسألتان على قولين.
الصحيح: هو الأول لأن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان وإذا قال أو دل عليه بما يجرى مجرى القول وأما الذى لم يقله ولم يدل عليه فلا يجوز أن ينسب إليه لأن إذا كان صاحب المذهب قد نص على المخالفة فكيف يجوز الجمع بين ما خالف فيه بل ينبغى أن يفرق إذا أمكن الفرق ولا يخترع له قول لم يقل به.
موضع آخر: لا يجوز أن ينسب إلى الشافعى ﵀ ما يخرج عنه قوله فيجعل قولا له.
ومن أصحابنا من قال: يجوز ذلك.
والصحيح: هو الأول كما ذكرناه في الفصل الأول.
فإن قيل: أليس ينسب إلى الله تعالى والرسول ﷺ ما يقتضيه قياس قولهما فكذلك يثبت إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس مذهبه قوله؟
الجواب: أن ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله ولا قول رسوله وإنما يقال هذا من الله ومن رسوله بمعنى أن الله تعالى دل عليه وكذلك رسوله ومثل هذا لا يصح في قول الشافعى فسقط ما قالوه.
موضع آخر: إذا قال الشافعى في موضع بقول ثم قال: ولو قال قائل كذا كان مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا به له وقال بعض أصحابنا يجعل ذلك قولا له.
والصحيح: هو الأول لأن قوله: فلو قال قائل كان مذهبا ليس فيه دليل على أن ذلك مذهب بل هو إخبار عن احتمال المسألة وجها من وجوه الاجتهاد فلا يجوز أن ينسب إليه قول بهذا القدر فهذه المواضع لا بد من معرفتها لمن يريد أن يقف على مذهب الشافعي.
стр. 878
فصل: فى الوجوه النى يجوز معها تخريج المذهب:
اعلم أن مذهب الإنسان هو اعتقاده فمتى ظننا أن اعتقاد الإنسان أو عرفناه ضرورة أو بدليل مجمل أو مفصل قلنا: إنه مذهبه ومتى لم نظن ذلك ولم نعلمه لم نقل إنه مذهبه ويدل الإنسان على مذهبه في المسألة بوجوه.
منها: أن يحكم في المسألة بعينها بحكم معين.
ومنها: أن تأتى بلفظ عام يشمل تلك المسألة وغيرها فيقول الشافعى ﵀ الكل جائزا وغير جائز.
ومنها: أن يعلم أنه لا يفرق بين المسألتين وينص على حكم أحدهما فيعلم أن حكم الآخر عند ذلك الحكم مثل أن يقول الشفعة لجار الدار فنعلم أن جار الدكان مثل جار الدار.
ومنها: أن يعلل الحكم بعلة توجد في عدة مسائل فنعلم أن مذهبه شمول ذلك الحكم فتلك المسائل سواء قال بتخصيص العلة أو لم يقل أما إذا لم يقل بتخصيص العلة فلا يشكل ذلك وأما من قال بتخصيص العلة فإنما يقول بتخصيص العلة إذا دل على تخصيصها دلالة كالعموم وكما أن الكلام العام يدل على مذهبه فكذلك تعليله وأما إذا نص العالم في مسألة على حكم وكانت المسألة تشبه مسألة أخرى شبها يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يقال: قوله في هذه المسألة هو قوله في المسألة الأخرى لأنه قد لا تخطر المسألأة بباله ولم ينبه على حكمها لفظا ولا معنى ولا يمتنع لو خطر بباله لصار فيها إلى الاجتهاد الآخر وهذا قد سبق بيانه من قبل.
مسألة
ومما يتصل بباب الاجتهاد مسألة اختلفوا فيها وهى أنه هل يجوز أن يقال للرسول أو للعالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فقد منع من ذلك كثير من الناس وأجازه آخرون على العموم وذهب إليه يونس بن عمران وقال بعضهم: يجوز للنبى ﷺ على الخصوص ولا يجوز لغيره وهذا هو المختار وقد ذكر الشافعى في كتاب الرسالة ما
стр. 879
يدل على هذا واستدل من منع ذلك وقال: إن الشرائع إنما تعبد الله تعالى بها لكونها مصالح.
والإنسان قد يختار الصلاح وقد يختار الفساد فلو أباح الله سبحانه للمكلف أن يحكم بما اختاره المكلف لكان قد أباحه الحكم مما لا نأمن كونه فسادا واستدل من جوز ذلك بأنه إذا جوز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يختار واحدة من الكفالات جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره ولأنه إذا جاز أن يتعبد الله تعالى العامى ليختار العمل على فتوى واحد من الفقهاء ويتعين ذلك باختياره جاز مثل ذلك في أصل التعبد ولأنه إذا جاز أن يكلف الله من الإنسان العمل على الأمارات مع أنها قد تخطئ جاز أن يكلف الإنسان أيضا العمل على اختياره وإن كان الإنسان قد يختار الصواب كما يختار غير الصواب. وأما من قال: يجوز للأنبياء ولا يجوز لغيرهم فاستدل على ذلك بالوجود وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ولأن السنة مضافة إلى النبى ﷺ وحقيقة الإضافة تقتضى أنها من قبله ولأن النبى ﷺ قال في مكة: "لا يختلا خلاها ولا يعضد شجرها" قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقبورها وأفنيتها. قال: "إلا الإذخر" ١ ولأن النبى ﷺ سئل عن الحج فقيل: أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد فقال: "للأبد ولو قلت لعامنا لوجب -يعنى في كل سنة- وما استطعتم" ٢ ولأن النبى ﷺ قال: "ولولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ٣ ويدل عليه قوله ﵇: "عفوت عن أمتى صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر" ٤ قالوا: ولأنه روى أن موسى ﵇ أثبت الأحكام كلها من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله تعالى والأولى أن يتعلق في هذه المسألة بوجود وجوب الأشياء عن اختيار من الموجب وقد تحقق هذا من جانب الرسول ﷺ .
فأما في حق غيره فلم يوجد وهذا لأن الرسول ﷺ كان معصوما من الخطأ فيجوز أن يقال: له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب وهذا لا يوجد في حق غيره فلم يامن خطأه ولأن الله تعالى قد قال:
стр. 880
﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وقال في موضع: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل إلى اختيار الرجال. وأما مسألة الكفارات فالإيجاب قد كان من قبل الله تعالى فإنه قد أوجب واحدة من الكفارات على العبد وإنما يختار واجبا لا أنه يجب باختياره عليه شئ وكذلك في العامى إذا استفتى فإنما وجد منه مجرد اختيار فواجب لأنه قد وجب على العامى الرجوع إلى العالم في الأحكام. وأما هاهنا الكلام فيما ذكرناه وهو أنه يوجب باختياره فإن قال قائل: أليس من نذر شيئا فقد أوجب على نفسه باختياره. قلنا: ليس هذا من مسألتنا في شئ لأن مسألتنا هى أن يحكم بشئ ابتداء في شئ من غير دليل يرجع إليه فيوجبه على نفسه أو غيره أو يحرمه على نفسه أو غيره فيثبت شرعا مبتدأ يرجع إليه تماما النذر فأما النذر فمن باب الالتزامات وهو عقد مشروع من قبل الله تعالى للعباد يعقدونها أو يلتزمونها مثل سائر العقود وليس شرع مبتدأ من قبل العبد واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلموا الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء وليس فيها كثير فائدة لأن هذا في غير الأنبياء لم يوجد ولا يوجد توهمه في المستقبل فأما في حق النبى ﷺ فقد وجد فقلنا على ما وجد وهذا القدر كاف في هذه المسألة والله أعلم.
ولما تم ما أوردناه من الكلام في الاجتهاد وذكرنا صفة المجتهد والمختار مما ينبغى أن يعتقد في أقوال المجتهدين فيكون الكلام بعد هذا في التقليد وما يتصل به وسنذكر من بعد ذلك ما يقع الحاجة إليه.
стр. 881
التقليد
مدخل
...
[التقليد]
التقليد: قبول قول المرء في الدين بغير دليل وحده بعضهم بأنه العمل على قولين من غير علم١ بصحته ولا نظر في الطريق إلى معرفته والأول حد الفقهاء ويقال إن التقليد مأخوذ من تصيير الشئ قلادة في عنق من ينسب إليه٢ أو أخذ عنه ومن التقليد ما يجوز ومنه ما لا يجوز فأما اتباع الرسول ﷺ والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ولأن الدلائل قد قامت في أن قوله حجة فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة وقد قال الشافعى ﵀ في بعض المواضع: فلا يجوز تقليد أحد سوى الرسول ﷺ وهذا مذكور على طريق التوسع لا على طريق الحقيقة.
وقال بعضهم: إن رجوع العامى إلى قول العالم ليس بتقليد أيضا٣ لأنه لا بد له من نوع اجتهاد فلا يكون تقليدا حتى لو اعترض إنسانا من غير أن يجتهد في طلب الأعلم فسأله لم يجز على الأصح بل لا بد أن يتوخى الأفضل والأشهر عند الناس في درجة العلم والأوثق عند نفسه منهم فيصير الاجتهاد في اختيار أعيان العلماء كاجتهاد العالم في اختيار أعيان الأقاويل وعلى أنا إن سمينا ذلك من العامى تقليدا فلا بأس ولعله الأولى لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه ويقبله فيوجد فيه حد التقليد وهو قبول القول من قائله بغير حجة.
وأما تقليد الأمة إذا قالت قولا عن إطباق وإجماع فهو حجة لا يجوز مخالفتها لقيام الدليل أنها لا تجتمع إلا على حق وإذا أفتى العالم واحدا من العامة في الحادثة تنزل به جاز تقليده والأخذ به٤ لأن العامة لو كلفوا الاجتهاد والاستدلال لكان فرض طلب
стр. 882
العلم على وجه يصير به الإنسان عالما مجتهدا فرضا على الأعيان ولو كان كذلك لبطل معايش الناس ولأضر بهم ذلك ضررا بينا ولحقتهم المشقة التي لا يمكن احتمالها وقد دفع الله مثل هذا عن الأمة ووضع الإصر عنهم ولم يحملهم ما ليس لهم وسع في تحملها رحمة من الله تعالى ولطف فعله بهم وإذا لم يجب عليهم ما ذكرناه بقى فرضهم الأخذ بقول غيرهم وتقليدهم وهذا التقليد في الفروع جائز.
وأما قبول خبر الواحد إذا كان ظاهر العدالة فعمل يكون تقليدا اختلف أصحابنا فيه سماه بعضهم تقليدا وامتنع بعضهم من ذلك١ وهو الأولى لأنه لا يقع التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد في عدالته فصار قوله مقبولا بدليل والتقليد قبول قول الغير من غير دليل فلم يكن هذا من باب التقليد والله أعلم.
стр. 883
مسألة: لا يجوز للعالم أن يقلد العالم:
ومن الناس من قال: إنه جائز وهو قول أحمد وإسحاق وعن محمد بن الحسن قال: يجوز له تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله٢ وهذا الذى قلناه يستوى فيه
стр. 884
العالم من الصحابة وغير الصحابة وقد فرق بعضهم بين الصحابة وغير الصحابة. وقد قال الشافعى ﵀ في القديم: يجوز تقليد الصحابي فيما لم يجعله له غيره فيه وإن لم يظهر قوله ولم ينتشر.
وقال في الجديد: لا يجوز وقد ذكرنا هذا من قبل وقال بعضهم: يجوز تقليد الخلفاء الأربعة دون غيرهم. وقال بعضهم: يجوز تقليد أبى بكر وعمر رضى الله عنهما دون غيرهما١. وقد ورد من الأخبار ما يدل على كل واحد من هذين القولين. قال النبى ﷺ في خبر: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ٢. وقال ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" ٣.
ونتكلم في المسألة على الإطلاق فنقول: احتج من جوز للعالم تقليد العالم بظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] قالوا: فإذا حدثت الحادثة ولم يكن عند الفقيه علم بها جازت له المسألة عنها وقبول قول العالم فيها لظاهر هذه الآية لأن العامة إنما يجوز لهم تقليد العلماء لأنهم لما يعرفون أحكام الحوادث فكذلك العلماء إذا أشكل عليهم العلم فيها نزلوا بمنزلة العوام في هذه المسألة واستووا في جواز التقليد لهم واستوى الفريقين في عدم العلم بها. قالوا: ولأن الاجتهاد يجب في فروض الكفاية فجاز أن يتكل فيه البعض على البعض كالجهاد فإنه لما كان من فروض الكفاية جاز أن يتكل فيه البعض على البعض كذلك هاهنا وقد تعلق بعض أصحاب أبى حنيفة في هذه المسألة بقصة الشورى فإن عبد الرحمن بن عوف دعا عليا إلى تقليد أبى بكر وعمر فلم يجب إلى ذلك فأما عثمان فإنه أجاب. فدل هذا من قول
стр. 885
عثمان وعبد الرحمن بن عوف أنه يجوز للعالم تقليد العالم. وقال بعضهم في تقليد الأعلم أن ألعلم له مزية لكثرة علمه وحسن معرفته لطريق الاجتهاد.
وأما الاجتهاد فالإنسان نفسه له مزية من وجه آخر وهو أنه على ثقة وإحاطة من جهة الدليل وما يقتضى الحكم وليس على ثقة من اجتهاد الأعلم وإذا اجتمعا تساويا فيخير بينهما. وقالوا أيضا: إن العالم يقول ما يقول عن دليل وحجة في هذا الموضع أطلق له ذلك كذلك في الصورة الأولى.
وأما دليلنا قوله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر عند وقوع الاختلاف برد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة فوجب بحق الظاهر أن لا يرد إلى غيرهما من أقاويل الصحابة والعلماء ويدل عليه أيضا إجماع الصحابة فإنهم اختلفوا في مسائل كثيرة وتناظروا واجتهدوا ولم يعلم عن أحد منهم أنه قلد غيره أو دعا أحدا إلى تقليد نفسه وخالف أبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عباس في مسألة فتحاكما إلى أم سلمه ولم يقل له ابن عباس لا يسوغ لك مخالفتى لأنى صحابى وانت تابع لى فتقليدك لى واجب عليك فثبت أن من جوز التقليد مع إطباق الصحابة على المنع منه فقد خالف الإجماع ويدل عليه أن الله تعالى ذم التقليد وعابه فقال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وهذا لحقيقة وهو أن قبول قول الغير في الحكم من غير حجة مع تمكن معرفة الحكم بحجة لا يجوز لأن التقليد مذموم شرعا وعقلا.
أما الشرع فقد بينا. وأما العقل فلأنه إذا أمكن في نفسه تقليد غيره فليس قول واحد أولى من قبول قول غيره إلا أنا إنما جوزنا للعامى لأجل حاجة إلى التقليد فإنه لا يمكنه أن يصل إلى معرفة الحكم بالحجة فجوز له التقليد ضرورة وهذا لا يوجد في حق العالم فلم يجز له التقليد لما بينا من قبل وأما الذى تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فهو في العوام الذين لا يعرفون الدليل أو عو فيمن لا يعرف نصوص الكتاب والسنة فيرجع إلى من يعرفها وعلى هذا الجواب يخرج إن تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فالمراد من ذلك إنذار العوام أو تبليغ الكتاب إلى من لم يبلغه وإنما تقليد العوام العلماء فإنما جاز لأنا لو أوجبنا عليهم معرفة الأحكام والدلائل بالحجج لاشتدت المحنة عليهم وعظمت البلوى فيهم فإنا إذا ألزمنا الكافة النظر
стр. 886
في الدليل أدى إلى مفسدة راجعة إلى كافة الناس لأنه لا يكون منهم من يقوم بأمر مصالح دنياهم وما يقوم به معايشهم ويفسد نظام الأحوال في الأفعال والأعمال وعلى أنا لا نخليه من نوع اجتهاد نوجبه عليه وهو بقدر طاقته واتساع باعه له هو أن يختار من أعيان العلماء أعلمهم عنده وأوثقهم في نفسه فيرجع إلى قوله ويقلده أمر دينه فليكن العالم كذلك وهو أنه يتكلف ما يطيقه ويتسع له علمه وهو مطلق للاجتهاد ومتسع علمه لذلك فلا يجوز له تركه كالعامى الذى يقدر أن يتخير من العلماء فيقلد الأعلم في نفسه والأوثق في علمه فإنه لا يجوز له ترك ذلك. وأما اعتبارهم الاجتهاد بالاجتهاد فقد أجاب بعض أصحابنا عن ذلك وقال: من سهل عليه تناول الأدلة وقرب مواضعها من فهمه فهو بمنزلة من حضر العدو وقرب مواضعه منه فلا يجوز له الاتكال على غيره في الجهاد.
وأما العامى الذى تغيب عنه الأدلة فلا يعرف وجوه الاستدلال فهو يمنزلة من بعدت المسافة بينه وبين عدوه ولحقته المشقة في قطعها إليه ومن كان بهذه الصفة لا يجب عليه الجهاد فقد استوى الجانبان من حيث المعنى.
وأما الذى تعلقوا به من قصة الشورى فهو محمول على أنه دعاه إلى سيرتهما والسياسة والرأى في الأمور وضبط الشرعية ومجاهدة الأعداء والقيام بالآيات١ الثابتة ويجوز أيضا أنه دعاه إلى سنتهما في ما عملا به ولم يظهر لهما مخالف فصار ذلك بمنزلة الإجماع.
وأما الذى قال: إن الأعلم لاجتهاده مزية ولهذا أيضا مزية فخير بينهما. قلنا العالم والعالم وإن اختلفا في غزارة العلم وعدم غزارة العلم ولكن غزارة علم صاحبه لا تفيده علما بلا دليل والواجب هو العلم بالدليل إذا تمكن من الدليل ولأن التقليد من عمل الجهلة والاجتهاد من عمل العلماء فلا يجوز أن يترك عمل العلماء وهو علم إلى علم الجهال. وقوله: إنه يعرف أن ذلك العالم يقول ما يقوله عن دليل. قلنا: وإن كان كذلك ولكن دليله عند صاحبه لا يفيده دليلا في نفسه.
واعلم أن أصحاب أبى حنيفة يفرقون بين العالم والعامى فيقولون: إن العامى يجب
стр. 887
عليه التقليد والعالم يجوز له التقليد ولا يجب عليه لكن غذا اشتبه عليه الدليل يجوز له التقليد لأنه في هذه الحالة يحتاج إلى التقليد مثل العامى وهذا ليس بشئ لأن معه آلة الاجتهاد فلا يعذر بالأشتباه.
стр. 888
مسألة١: إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها لم يجز له تقليد غيره.
وقال أبو العباس بن سريج: يجوز لأنه في هذه النازلة بمنزلة العامى من حيث إنه لا يتوصل إلى معرفة حكمها بالإجتهاد ولأنه مضطر إلى التقليد فإنه إذا اجتهد فاتته العبادة عن وقتها فجاز له التقليد كالعامى أيضا وأما نحن فنقول: إن معه آلة الاجتهاد فلا يجوز له التقليد كما لو كان الوقت واسعا.
بينة: أنه لو جاز له التقليد إذا خاف فوت الوقت لجاز وإن لم يخف كالعامى والحرف أن الفرض لا يتبدل لخوف الفوت وعدم الخوف وقوله إنه كالعامى في هذه النازلة قد بينا الفرق.
وقوله: إن به ضرورة. قلنا: ليس كذلك لأنه إن كان ذلك الشئ مما يجوز تأخيره للغذ يكون اشتباه الحادثة عذرا له في التأخير إن كان مما لا يجوز غيره أداءه على حسب حالة ثم يعيده فلا ضرورة في التقليد له.
واعلم: أن العامى يجوز له تقليد العالم في جميع الأحكام الشرعية.
وقال أبو على الجبائى: لا يجوز له فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد وقال: ما طريقه مقطوع به يصير مثل العقليات.
وأما عندنا: يجوز في الكل لأنه المعنى الذى لأجله يسوغ له التقليد في مسائل الاجتهاد موجود في غيرها يدل عليه: أنه إذا أمر العامى بمعرفة الدليل وترك التقليد أدى إلى مفسدة عظيمة تعود عليهم وتشتد البلوى والمحنة بهم على ماذكرنا من قبل وقد ذكرنا من قبل أنه لا يقلد العامى إلا بعد أن يجتهد في أعيان الفقهاء وقد ذكر هذا أبو العباس بن سريج والقفال.
وقد ذكر بعض أصحابنا أنه يجوز له تقليد من شاء من العلماء من غير أن يجتهد في أعيانهم٢ وزعم أن في تكليفه الاجتهاد في الأحكام مشقة.
стр. 889
ونحن نقول: إنه ليس عليه في هذا كثير مشقة ولا ينقطع بإيجابه عليه عن سائر مصالحه في أمر معايشه وأسبابه ويحصل له بذلك نوع ظن فإذا كان يحصل له ذلك من غير مشقة فيجئ عليه تحصيله كما يجئ على الإمام الاجتهاد في سائر الحوادث والنوازل.
وعندي: أن هذا أولى والله أعلم.
стр. 890
مسألة١: وأما الكلام في مسائل الأصول:
فقد ذهب جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء أنه لا يجوز للعامى التقليد فيها ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل وقالوا: العقائد الأصولية عقلية والناس جميعا مشتركون في العقل ولأن العلم بها واجب والعلم لا يحصل للمقلد بتقليد غيره ولأن الدلائل على الأصول ظاهرة وليست غامضة فتكليف العامى ليعرف الأصول بدلائلها لا يؤدى إلى الحرج الشديد فيسقط عنهم لذلك.
واعلم أن أكثر الفقهاء على خلاف هذا وقالوا: لا يجوز أن نكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها٢؛ لأن في ذلك المشقة العظيمة والبلوى الشديدة وهى في الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية في الفروع ولهذا خفى على كثير من العقلاء مع شدة عنايتهم في ذلك واهتمامهم العظيم فصارت دلائل الأصول مثل دلائل الفروع ولأنا نحكم بإيمان العامة ونقطع أنهم لا يعرفون الدلائل ولا طرقها وإنما شأنهم التقليد والاتباع المحض وإنما طريقهم أخذ شيئين في التقليد أحدهما أنهم عرفوا أن العلماء قد قالوا ما قالوا عن حجة ودليل فيكون اتباعهم لأقوال العلماء اعتقادا عن دليل بهذا الوجه.
وأما لأن العوام يعلمون أن العلماء يقولون ما يقولون عن النبى ﷺ وقد عرفوا إقامة النبى ﷺ من المعجزات ما يعجز عنه البشر وتحقق في قلوبهم ثبوته بهذا الطريق وأنه يقول ما يقوله عن الله فحصلت عقائدهم عن علم ودليل قام لهم فيها بهذا الوجه.
وأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن اصواب ومتى أوجبنا ذلك متى يوجد في العوام يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه بل يكون أكثر العوام
стр. 891
بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلا فضلا من أن يصيروا أصحاب دلائل ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية وإنما غاية العامى هو أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى زنة١ من العلماء ويتبعهم في ذلك ويقلدهم ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهوال ثم يعضون عليها بالنواجذ فلا يحولون ولا يزودون ولو قطعوا إربا فهنيئا لهم السلامة والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام والورطات التي تورطوا فيها حتى أدت بهم إلى المهاوى والمهالك ودخلت عليها الشبهات العظيمة وصاروا في الآخرة متحيدين عمين ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان وأرسلوا بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة وعدم مهابة وحرمة ففاتهم ورع سائر الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان والإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا خرب جانب منه تداعى سائر جوانبه للخراب ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك الدليل سواء وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه بزيادة الحذق في طريقة الجدل وبينهم أوضاع يناظرون عليها ويطالبون الخصم بطردها فإذا لم يفوا بطردها سموها انقطاعا وعجزا وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد اليقين ويزداد به مشقة فيما يعتقده وطمأنينة وأنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذى اعتقدوه وساموا جميع المسلمون سلوك طريقة وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى. ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطر الشقاء والداء العضال وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى الإسلام ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الألف والمائتين الألف ممن يقوموا بالشرائط التي يعتبرونها إلا الفذ الفادر والشاذ النادر ولعله لا يبلغ عند العشرة فمتى يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع ويعتقد أنه لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلا وأنهم أمثال البهائم والدواب المسخرة وعن ثمامة بن الأشرس وكان من أئمة المعتزلة المذكورين فيهم: أنه رأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا إلى الفقراء انظروا إلى الحمير وقال عمر بن النضر: مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه فذكرت شيئا فقلت ما هكذا يقول أصحابنا قال: ومن أصحابك قلت: يوسف بن عون
стр. 892
ويونس بن عبيد والتيمى فقال: أولئك نحانس١ أنجاس أموات غير أحياء. وقال: واعلم أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم غرة أهل زمانهم في العلم والفقة والاجتهاد في العبادة وطلب المطعم وقد درجوا على ما كان عليه من قبلهم من الصحابة ومقدموا التابعين وقد اعتقد فيهم مثل هذا فكذلك تكون عقيدته وعقيدة أمثاله في غير هؤلاء. نعم فقد ذكرت طرفا من هذا صالحا النمط في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث وذكرت الفرق بين طرق الكلام وطرق الفقه بأبين أوجه وأوضح معنى فعلى الطريقة التي ذكرتها ينبغى أن يتكلم المسلم ويعتمد عليه ولا يغتر بزخارف القول وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية من الصحابة ومنهج التابعين بإحسان لبيان السعادة العظمى ويصل إلى الطريقة المثلى والله تعالى يعصم ويؤيد بمنه وطوله.
стр. 893
فصل: الإلهام
...
"فصل"
قد ذكر أبو زيد فصلا في إبطال التقليد ولم أجد في ذكره كبير فائدة فتركته وذكر بعده فصلا في الإلهام وسأنقل ما ذكره وأتكلم عليه في الموضع الذى ينبغى أن نتكلم عليه. قال: الإلهام ما حرك العلم بقلب يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة.
قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به ألا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.
وقال بعض الجهمية: إنه حجة بمنزلة الوحى المسموع عن رسول الله ﷺ واحتج ذلك بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧] أى عرفها بالإيقاع في القلب وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وشرح الصدر بنور العلم والحرج والضيق بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه الفاعل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبيد وبقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ [الأنعام: ١٢٢] فالحياة هى العلم والنور هو الهدى وقد أخبر أنه الجاعل لذلك فلا صنع منا بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فأخبر أن الناس
стр. 894
قد خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فأوحى إليها أى ألهمها حتى عرفت مصالحها فلا ينكر مثل ذلك للآدمى وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وكان ذلك بطريق الإلهام وقال ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة" ١ أي على دين الحق وليس للمولود نظر واستدلال وقال ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ٢ والفراسة شئ يقع في القلب بلا نظر في حجة. وقال ﷺ لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: " ضع يدك على صدرك فما شك فيه قلبك فدعه وإن أفتاك الناس" فقد جعل النبى ﷺ شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى. وقد قال النبى ﷺ : "قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد منهم فهو عمر" ٣ أى منهم كأنه يوحى إليه ويحدثه ربه أو تحدثة الملائكة في قلبه. وقد روى عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال: ألقى في روعى أن ذا بطن خارجة جارية. وإلا لغى الإلهام وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه تكلم في أشياء فنزل الوحى بذللك وقد كان ألهم قبل. وقد كان لأنبياء بني إسرائيل إلهام يتكلمون عنه وينزل ذلك بمنزلة الوحى إلى غيرهم. وقالت الأئمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحرى بقلبة: لا تجوز.
وإن أصاب القبلة وإن صلى بتحرى قلبه تجوز صلاته وإن أصاب غير القبلة.
قالوا: فثبت أن الإلهام حق من قبل الله تعالى وأنه كرامة للآدمى وأنه وحى باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه يحرم هذه الكرامة ويستولى عليه وحى الشيطان قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] فالمطيع لا يخفى عليه وحيه عن وحى الملك إلا على سبيل الغفلة التي تعترى القلب فينزل ثم ينتبه من ساعته ولا يقر عليه.
قالوا: بالقلب يمتاز له الحق من الباطل فاحتج أهل الإلهام بمثل هذه الحجج التي ذكرناها.
стр. 895
قال: وأما حجة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] الآيه فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار الحجة لأن الإلهام حجة باطنة فلا يمكن إظهارها وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فقد وبخهم بدعوى إله غير الله لا برهان لهم به ولو كانت شهادة قلوبهم حجة لهم لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل لها ما يمكن إظهاره من النصوص والآيات التي عرفت حججا ويدل قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وهذا يدل على أن العلم بالله تعالى لا يكون إلا بالآيات والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] والله تعالى أمر بالنظر والاستدلال ولم يأمر بالرجوع إلى القلب ولذلك قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد بسنة رسول الله؟ " قال: أجتهد برأيى١ فلم يذكر بعد الكتاب والسنة إلهام القلب وإنما ذكر الرجوع إلى النظر والاستدلال
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" ٢ وأجمعنا على أنه يجوز ترائى النظر والاستدلال بالأصول فدل أن المراد به الرأى بلا نظر ولأن الرأى بلا نظر لو كان حجة يعمل بها كالوحى لحل كل إنسان أن يدعوا الخلق إلى ما عنده بل وجب كما وجب على نفسه العمل به وكما كان يجب على النبى ﷺ قال: ومن قال هذا فقد كفر.
قال: ونقول أيضا على أهل الإلهام: ما قولكم في الإلهام؟ أهو حجة بلا موافقة الشرع أو ما كان وافق أم خالف؟
فإن قال: يكون حجة وإن خالف فهذا لا يقوله مسلم وفيه رفع الإسلام وإن قال: بموافقة فلا تثبت الموافقة إلا بالنظر في أصول الشرع وأيضا فإن الإلهام قد يكون من الله تعالى وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس فإن كان من الله تعالى يكون حقا
стр. 896
وإن كان من الشيطان أو من النفس لا يكون حقا بل يكون باطلا فإذا احتمل أن لا يكون حقا يدل أن كل إنسان١ في دعوى الإلهام مثل صاحبه فإن قال ألهمت أن ما أقوله حق وصواب فيقول الآخر إن ما تقوله خطأ وباطل.
ونحن نقول لهؤلاء: إنا ألهمنا أن ما تقولنه خطأ وباطل. قالوا هذا دعوى منكم نقول ما تقولنه أيضا دعوى. فإن قالوا: إنكم لستم من أهل الإلهام نقول أيضا إنكم لستم من أهل الإلهام وبأى دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا.
قال أبو زيد: وقد ابتليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر واستدلال بالآيات وهذا قول لم يكن في السلف والقلب مضغة ليس لها حاسة رؤية مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية فلا فرقق بين قول من يقول رأيت ربى بقلبى وبين قول من يقول رأيت ربى بيدى أو سمعني قال وأما رؤية القلب علمه بنظره ونظره التفكير لا يتصور غيره ولهذا قال النبى ﷺ : "تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات" ٢ لأن الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله ﵎ وأما التفكر في الذات يوجب التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى وإنما مثله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيقيل نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجار ولا علم له بوجود النجار. فأما نفسه فلا علم له بها.
وحكى لنا عن محمد بن زكريا أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات وبه تعلق فرعون [فى] ٣ محاجة موسى ﵇. قال: وما رب العالمين؟ فأعرض موسى عن جواب المحال وأجاب بالوصف قال رب السماوات والأرض. وما [أخطأ] ٤ الحكماء الأوائل إلا بتفكرهم في الذات والماهية.
قال: فأما الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] تأويله والله أعلم عرفها بطريق العلم وهو الآيات والحجج طريق الفجور والتقوى وكذلك شرح الصدور بنور التوفيق وهو النظر والحجج وكذلك الأخبار المذكورة فى
стр. 897
القرآن للقلب هو بنور الأدلة وبما أراه من الآيات والاهتداء للعبرة إنما يكون بهداية الله تعالى وذلك بطريق الهداية بعد جهاد العبد قال الله تعالى: ﴿وَالذينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] "وقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] وإنها أدنى الدرجتين والأعلى بالإصطفاء والاختيار كما قال تعالى: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٣] وقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [الضخى: ٧] ولم يذكر جهاده. فالله تعالى يجتبى إليه من يشاء بروح القدس وكمال نور العقل وزكا الطريق والتوفيق بأداة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فتبين له أنه الحق كما يتبين للكافر يوم القيامة.
قال وأما الفطرة فتأويلها أن الآدمى يخلق وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇ فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة وكان على عذر في ترك الأداء عن عجز على مابينا في باب حمل الأمانة. فأما وحى النحل فإنما أنكرنا مثل ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به وأما وحى أم موسى فإنا نقول به وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون لما ظهرت من سنته ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاؤه في البحر إن نجا فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل له ركوب لوح في البحر ولأن من ابتلى بشرين لزمه اختيار أهونهما فقد فعلت الذى فعلت بالنظر ومعنى الوحى هو إلقاء النظر في قلبها وأما كرامة الفراسة فلا ننكرها أصلا ولكنا لا نجعل شهادة القلب لجهلنا أنها عن الله تعالى أو من إبلييس أو من نفسه وأما قول الصحابة رضوان الله عليهم فلم يثبت توحيد قول منهم بعد إلا على نظر واستدلال فهذا جملة الذى نقلته من قوله في الإلهام وقد تركت بعض ما أورده طلبا للاختصار.
واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز ويجوز أن يفعل الله تعالى بعبد بلطفه كرامة له. ونقول في التمييز بين الحق والباطل من ذلك أن كل من استقام على شرع النبى ﷺ ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وكل ما لا يستقيم على شرع النبى ﷺ فهو مردود ويكون ذلك من تسويلات التفس ووساوس الشيطان ويجب رده على أنا لا ننكر زيادة نور الله تعالى كرامة للعبد وزيادة نظر له فإما على القول الذى يقولونه وهو أن يرجع إلى قوله في جميع الأمور فلا نعرفه والله تعالى أعلم وأحكم.
стр. 898
فصل: الكلام في المفتي والمستفتي وما يتصل في ذلك
...
"فصل"١: وإذا فرغنا من الكلام في الاجتهاد والمجتهد فنذكر: الكلام في المفتى والمستفتى وما يتصل في ذلك
فنقول: المفتي من العلماء من استكملت فيه ثلاث شرائط
أحدها: أن يكون من أهل الاجتهاد٢ وقد قدمنا شروط المجتهد وصفته
والشرط الثانى: ان يستكمل أوصاف العدالة في الدين حتى يثق بنفسه في التزام حقوقه ويوثق به في القيام بشروط٣.
والشرط الثالث: أن يكون ضابطا نفسه من التسهيل كافا لها عن الترخيص حتى يقوم بحق الله تعالى في إظهار دينه ويقوم بحق مستفتيه.
وللمتسهل حالتان:
إحديهما: أن يتسهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد فلا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يستفتى وأن جاز أن يكون ما أجاب به حقا لأنه غير مستوف لشروط الاجتهاد لجواز أن يكون الصواب مع استيفاء النظر في غير ما اختلف فيه.
والحالة الثانية: أن يتسهل في طلب الرخص وتأويل الشبه ومعنى النظر ليتوصل إليها وتعليق بأضعفها وهذا متجوز في دينه متعد في حق الله تعالى أو غار لمستفتيه عادل عما أمر الله سبحانه به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وهو في هذه الحالة أعظم مأثما منه في الأولى لأنه في الحالة الأولى مقصر. وفى الثانية متعد وإن كان في الحالتين آثما متجوزا. لكن الثانى أعظم وكما لا يجوز أن يطلب الرخص والشبه كذلك لا يجوز أن يطلب التغليظ والتشديد وليعدل في الجواب إلى ما يوجبه صحه النظر من الحكم الذى تقتضيه الأدلة الصحيحة فإن دلت على التغليظ أصاب وإن دلت على الترخيص أصاب وإن كان للتغليظ وجه في الاجتهاد أمسك عن ذكره فهذه الشروط التي يجب أن يكون عليها
стр. 899
المفتى فإن أخل بها لم يحل للفتيا ولايحل لسائل علم بحالة أن يستفتيه.
فأما إذا علم المفتى جنسا من العلم بدلائل وأصوله وقضى فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره.
واختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله وقصره فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره. واختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ودلائله ومنعه أكثرهم في الفتيا فيه لتجانس الدلائل وتناسب الأحكام امتزاجا لا يتحقق أحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها ويلزم الحاكم من الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتى ويأثم بالتسهيل وطلب الترخيص أكثر مما يأثم المفتى وإن كان كل واحد منهما مأمور بإمعان النظر واجتناب الرخص لأن في القضاء إلزاما ليس في الفتيا ويجب فيه ما لا يجب في الفتيا [فافترقا] .
[مسألة] ١: وقد قال أصحابنا: إنه لا بد للقاضى أن يكون عالما عدلا٢.
وعند أبى حنيفة: يجوز أن يكون القاضى جاهلا فاسقا٣ على معنى أنه يصلح لذلك.
ويقولون إنه لا ينبغى ان يولى القاضى إلا العالم العدل.
قالوا: واذا فسق بعد تقليد القضاء يجب على السلطان أن يعزله وقد ذكر الخصاف من أصحابهم في كتاب آداب القضاة أن القاضى إن ارتشى وقضى لا ينفذ قضاؤه وأن كان القضاء بحق فبعضهم قال بهذا على القول الذى اختاره أصحابنا أنه إذا فسق ينعزل.
وقال بعضهم: الانعزال بالفسق ليس بمذهب وانما قاله بعض أصحابنا من غير أن نعرف أنه مذهب أبى حنيفة٤ لكن على ظاهر مذهبه وإن كان لا ينعزل لكن في هذه الصورة لاينفذ قضاؤه لأنه وجب عليه القضاء لله فإن القضاء رأس الطاعات والعبادات ولهذا لا يجوز للقاضى أن يأخذ الأجرة على القضاء فاذا ارتشى وقضى
стр. 900
صار قاضيا لنفسه فلم يكن عبادة لله تعالى فلا يكون قضاء.
ببينة: أنه قضى لنفسه حيث ارتشى وقضى وقضاؤه لنفسه باطل.
قالوا: واذا كان جاهلا يقضى بقول العالم كأنه يسأله ويقلده ثم يقضى به.
وأما مذهبنا: فإنه لا يجوز أن يكون القاضى إلا عالما عدلا١ لأن الشهادة دون القضاء فإذا اعتبرت العدالة في الشهادة ففى القضاء أولى وكذلك الفتوى فإن الفتوى أولى من القضاء فإذا لم يجز للمفتى إلا أن يكون عالما كذلك القاضي لا يجوز إلا أن يكون عالما وقد فرقوا بين القاضى والمفتى وقالوا المفتى لا يقدر أن يفتى بعلم غيره. وأما القاضى يقدر أن يقضى بعلم غيره بأن يرجع في قضاياه إلى عالم يقضى بذلك.
ونحن نقول: إن قلتم لا يمكن الفتوى بعلم غيره من حيث الصورة فليس كذلك لأنه يمكنه أن يسأل غيره ثم يفتى به كما يمكنه أن يسأل غيره ثم يقضى به وإن قلتم حقيقة ففى الموضعين واحد لأن الفتوى والقضاء كل واحد منهما ينبغى أن يكون عن علم والتقليد لا يرجع إلى علم لأنه التقليد لا يفيد علما للمقلد ولأن العلم يكون بطريق ولم يوجد طريق العلم في واحد منهما رجعنا إلى بقية الكلام في الفتوى والمستفتى.
واعلم أن المفتى يجب عليه أن يفتى من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم فإن لم يكن في الإقليم الذى هو فيه غيره تعين عليه التعليم والفتيا وإن كان هناك غيره لم يتعين عليه لأن ذلك من فروض الكفاية وإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين فرضه وعلى هذا نقول إن الإنسان إذا تعين لطلب العلم بإنه لم يكن في ناحيته من يصلح لطلب العلم سواه يجب عليه أن يطلبه ولا يحل له أن يتركه وهذا إذا وجد فيه شروط الطلب وشروط الطلب في الإنسان صحة حواسه ووفور عقله وسلامة اليته فإذا تكاملت فيه الية الطلب وجب عليه الطلب ويجب على المطلوب منه أن يجيب ويعلم إذا تعين لذلك والأصل فيه قوله ﵇: "كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك" ٢ وروى عن علي رضى الله عنه أنه قال: الناس ثلاث عالم ربانى ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستطيبوا العلم فأن
стр. 901
أمسك الطالب عن الطلب سقط الفرض عن المطلوب منه وكان الطالب بالإمساك عاصيا وإن طلب الطالب وأمسك المطلوب منه عن فرض التعليم كان المطلوب منه بالإمساك عن التعلم عاصيا وهذا إذا لم يوجد غيره وأما الطالب فقد سقط عنه فرض المطلوب.
والحالة الثانية: أنه لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ولا يتعين على المطلوب منه فرض التعلم لوجود غيره فيكون الطلب والتعليم ندبا في حقهما ومن فروض الكفاية في حق الكافة وإذا شرع الطالب في الطلب سقط به الفرض عن المطلوب منه وإذا أجاب المطلوب منه سقط به الفرض عن المطلوبين أعنى فرض الكفاية.
والحالة الثالثة: أن يتعين على الطالب فرض الطلب لعدم غيره ولا يتعين على المطلوب منه التعلم لوجود غيره فيكون التعلم متعينا على الطلاب والتعليم ندبا في حق المطلوب منه.
والحالة الرابعة: أن لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ويتعين على المطلوب منه فرض التعليم لعدم غيره فيكون الطلب ندبا في حق الطالب والتعليم فرضا متعينا على المطلوب منه وإذا استفتى المفتى من لا يجد غيره وجب عليه أن يفتيه ويتعين فرض الفتيا عليه إن علم أنه يعمل بقوله ولا يجب عليه إن علم أنه لا يعمل بقوله وإن كان المستفتى يجد غيره كان فتياه ندبا ولم يكن فرضا متعينا ولا يجوز للمفتى أن يطلب على الفتوى أجرا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٤١] أى ياخذوا عليه أجرا ويجوز أن يقبل الهدية بخلاف الحاكم لأن الحاكم يلزمه حكمه.
وإن اجتهد المفتى في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: يفتى بالاجتهاد الأول.
ومنهم من قال: يحتاج أن يجدد الاجتهاد١ والأول أصح.
стр. 902
فأما المستفتى فلا يجوز له أن يستفتى من شاء على الإطلاق لأنه ربما يستفتى من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانه ويكفيه في ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: يقلد من شاء منهم.
وقال أبو العباس والقفال: يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين وهذا قد ذكرناه من قبل.
وإن استفتى رجلين نظر في الجواب فإن اتفقا في الجواب عمل بما قالا وإن اختلفا فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف فيه أصحابنا على ثلاثه أوجه:
منهم من قال: لا يأخذ بما شاء منهما.
ومنهم من قال: يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما.
ومنهم من قال: يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والأولى أن يقال يجتهد ممن يأخذ بقوله منهما١.
وأما الذى قال: إنه يأخذ بأغلظ الجوابين فقد يكون الحق في أخف الجوابين قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال النبى ﷺ : "بعثت بالدين الحنيفية السهلة السمحة" ٢ وقد قيل يأخذ بأخف الجوابين لهذا الدليل.
فإن قال قائل: هل يجوز للعامى أن يطالب العالم بدليل؟
الجواب قلنا: لا يمنعه أن يطالب به لأجل احتياطه لنفسه ويلزم العالم أن يذكر الدليل إن كان مقطوعا به لإشرافه على العلم بصحته ولا يلزمه أن يذكر له الدليل إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى الاجتهاد ويقصر عنه العامى.
فإن قال قائل قد اخترتم إن يكون على العامى الاجتهاد في أعيان الفقهاء فأيش
стр. 903
يجب عليه من ذلك؟
الجواب: أن الذى عليه في الإخبار والاستخبار أن يعرف شواهد حاله ويسأل عنه من يثق بصدقه ويجب على من استخبر منه أن يخبر على ما عرفه من حاله فإن لم يغلب على ظنه صدق الواحد والاثنين استزاد والاحتياط أن يزيد بقدر ما يمكنه ليزداد ثقة وطمأنينة.
وقد قيل: إنه إذا اجتمع عالمان على جواب وتفرد أحدهما بخلافه أخذ بقول الاثنين لأن النبى ﷺ قال: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" ١ وهذا إنما يأتى عند استواء الكل بعد اجتهاده منهم وأما إذا تفاضلا في العلم فلا بد أن يكون الأخذ بقول الأفضل أولى
وقد قيل: يجوز الأخذ بقول المفضول٢ كما يجوز للحاكم أن يقبل شهادة العدل وإن كان هناك من هو أعدل منه ولأن الصحابة قد تفاضلوا تفاضلا بينا فما منعوا من استفتاء المفضول مع وجود من هو أفضل منه. وإذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه فيصير العمل لازما بالانقياد ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقد قيل: إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وحقيقته وهذا أولى الإوجه وأذا لم يعلم المستفتى لسان المفتى فيكفى ترجمة الواحد ويجوز أن يجيب باللسان ويجوز أن يجيب بالكتبه.
مسألة: ويجب على العامى أن يستفتى إذا وقعت له الحادثة:
ولم يحتمل التأخير فيلزمه تعجيل السؤال وهذا في الديانات إذا توجه فرضها عليه لزمه الاستفتاء بأعجل ما يمكنه فأما في المعاملات فإن توجه الحق عليه لزمه الاستفتاء فيه وأن كان الحق له مخيرا فيه ثم ما يسأل عنه من فروض الديانات ينقسم على خمسة أقسام:
أحدها: ما تعين فرضه على كل مكلف على الإطلاق وهو الإيمان ومسألة الصلاة
стр. 904
التى لا تسقط عمن عقلها من المكلفين ولا مهلة في تأخير العمل بها.
والقسم الثانى: ما يجب على المكلف بوجود شرط ولا يجب عليه مع عدم الشرط وهوالحج الواجب بوجود الزاد والراحلة والزكاة الواجبه بوجود المزكى فلا يلزمه العمل بتفصيل أحكامها إلا بعد وجود الشرط.
والقسم الثالث: ما تغير فرضه بتغير صفة المكلف وهو الحر والعبد والمسلم والكافر فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما اختلف منها بانتقالهم عن أحوالهم.
والقسم الرابع: ما يختلف أحكام الإنسان باختلاف أحواله كالمسافر والمقيم والطاهر والحائض فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما عليهم من العزائم وهم مخيرون في استعلام ما لهم من الرخص.
والقسم الخامس: فرضه على الكفاية كالجهاد وطلب العلم وغسل الموتى والصلاة عليهم فلا يلزم مع طهور الكفاية أن تعلم ويلزم العلم بها عند التعين عليه.
واعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد وذلك إذا بلغ الولد ستة فينبغى الإب أن بذكر أن الله خالقه ومعبوده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم١ نبيه ورسوله وأنه على دين الإسلام وأنه لا نبى بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم٢ وأنه بعث بمكة ودفن بالمدينة.
ويذكر له بحيث تزول عنه الشبه ليألفه وينشأ عليه إذا بلغ سبعا وصار بحيث يؤمر وينهى عليه الطهارة ومواجبها والصلاة وما يشتمل عليها فبأمر بفعلها ولا يضربه على تركها لضعفه عن احتمال الضرب حتى يبلغ عشرا فإذا بلغ عشرا يضربه٣ إن تركها لأن هذا أولى زمان البلوغ ومبادى القوة ويذكر للغلام والجارية ما يكون بلوغهما به ويذكر لهما استقرار الفرض عليهما بالبلوغ ويعلمهما ستر العورة واجتناب القبائح ويعلمهما من مصالح الدنيا ما يكون باعثا على صلاح أحوالهم ويكون التعليم بما اختص بأمور الدين فرضا وبما اختص بأمور الدنيا ندبا لأن أمور الدين محمولة على الاعتقاد وأمور الدنيا محمولة على النفل.
وهذا الذى ذكرناه واجب على الآباء في مبادى التربية وتختلف مبادىء التعليم على
стр. 905
قدر ما ركب الله فيهم من العقول ليثبتوا عليها فتصيرمستقرة في غرائزهم فإن لم يكن لهم آباء فعلى الأمهات فإن لم يكن لهم أمهات فعلى الأولياء الأقرب فالأقرب منهم فإن لم يكن لهم أولياء فعلى الإمام وإن اشتغل الإمام عنهم فعلى جميع المسلمين ويتوجه فرض كفايته على من علم بحاله منهم إذا كان قريب الدار ولا يلزمه من لا يعلم ولا من بعد وإن علم وإذا كانت الصغيرة ذات زوج وأبوين وجب تعليمها على الأبوين فأن عدما فالزوج أحق بتعليمها من سائر أوليائها وإن كان الصغير ذا زوجة لم يكن عليها فرض تعليمه وفى الصغيرة لها زوج يجوز أن يقال يجب على الزوج تعليمها مثل ما يجب على حق الأولياء ويجوز أن يقال إنه يكون ندبا في حق الزوج وإن كان واجبا في الأولياء وإذا كان الزوجان فقيهين وقد آلى منها وقد مضت عليها أربعة أشهر فإن اعتقدت الزوجة أنها قد بانت منه وحرمت عليه واعتقد الزوج أنها لم تبن فعلى كل واحد منهما أن يعمل بمعتقده فيلزم الزوجة منعه من نفسها وتهرب منه وللزوج أن يستمتع بها ويكرهها ويتوصل كل واحد منها إلى معتقده بما هو دون القتل والضرب يفضى إلى تلف النفس فإن أفضى إلى القتل وتلف النفس كف وكان حكمه فيما قيل حكم المكره يئول فيه المأثم عن الموطؤة لإكراهها وعن الوطىء لاعتقاده وهكذا لو أفتاهما فقيه بالجوبين المختليفين وكان جاهلين بالحكام وإذا اعتدت الزوجة لاعتقادها أنها١ قد بانت منه حل لها أن تتزوج في الباطن لغيره وحرمت في الظاهر على من يريد أن يتزوج بها وحل للأول وطئها في الظاهر كما بينا وحل للثانى وطئها في الباطن فإن حكم بينهما حاكم عدل بأحد الحكمبن تعين وثبت الحكم له وإذا تنازع اثنان في حق ودعا أحدهما صاحبه إلى الحاكم وجب على صاحبه إجابته في الظاهر والباطن وإن كان الحاكم عدلا من أهل الاجتهاد وإن كان غير عدل أو كان من غير أهل الاجتهاد لزم إجابته في الظاهر لئلا يتظاهر بشق العصا ومخالفة الولاة ولا يلزمه الإجابة باطنا فيما بينه وبين الله تعالى لأن طاعة الولاه تجب على أهل العدل منهم دون من يجوز منهم وقد قال أبو بكر رضى الله عنه: أطيعونى ما أطعتكم في الله فإن عصيت الله فلا طاعة لى عليكم. فأن حكم غير العدل بينهما التزما في الظاهر وإن كان في الباطن غير لازم. وحكى أبو سعيد الإصطخرى أنه إذا ادعى كان له الامتناع ظاهرا وباطنا وإن أفضى الإمتناع إلى قتله وحمله على
стр. 906
قوله ﵇: "من قتل دون ماله فهو شهيد" ١ وإذا حكم العدل بين خصمين لم يخل حالهما من أن يكونا من أهل الاجتهاد أو من غير أهله فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد لزمهما ما حكم به عليهما في الظاهر والباطن وإن استفتيا فأفتى يلزمهما أيضا حكم ما أفتى به لكن يكون حكم الحاكم ألزم من فتيا المفتى وإن كان المتحاكمان من أهل الاجتهاد ولم يخل حكمه عليهما من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون حقا عندهما فعليهما إلزامه.
والحالة الثانية: أن يكون باطلا عندهما فيلزمهما عملا ولا يلزمهما معتقدا ويجوز أن يقال يلزم المحكوم عليه ولا يلزمه المحكوم له لأن المحكوم له مخير والمحكوم عليه مخير.
والحالة الثالثة: إن يكون عند احدهما حقا وعند الآخر باطلا فإن كان معتقدا لحق هو المحكوم له وجب له استيفاؤه وعلى المحكوم عليه أداؤه وينبغى على قول الشافعى ﵀ أن لا يجب على المحكوم عليه أداؤه في الباطن وإن أوجب الحكم أداؤه في الظاهر وإن كان معتقدا لحق هو المحكوم عليه ومعتقد الباطل هو المحكوم له وجب على المحكوم عليه أداؤه في الظاهر والباطن واستيفاؤه وللمحكوم له استيفاؤه في الظاهر وفى استباحته له في الباطن مذهبان٢ وإذا استفتى المتنازعان فقيها مع وجود الحاكم فإن التزما فتياه عملا بها وإن لم يلزما فتياه كان الحاكم أحق بالنظر بينهما ولو لم يجدا حاكما فقد قيل: يلزمهما فتيا الفقيه إذا لم يجد غيره مفتيا ولا حاكما. وقيل: لا يلزمهما حتى يلتزماها ولو وجدا غيره لزمهما من الفقهاء ولم يجدا حاكما لم يلزمهما فتيا الفقيه حتى يلتزماها ويفتيهما باقى الفقهاء بمثل فتيا الأول وإن التزما فتيا الفقيه ثم تنازعا إلى الحاكم فحكم بينهما بغيره لزمهما فتيا الفقيه في الباطن وحكم الحاكم في الظاهر. وقيل: يلزمهما حكم الحاكم في الظاهر ولو استفتيا فقيها فأفتاهما ورضى به أحدهما وامتنع الآخر لم يلزم الممتنع ولو تحاكما إلى حاكم فرضى به أحدهما وامتنع الآخر لزم الممتنع ولو اختلفا فدعا أحدهما إلى فتاوى الفقهاء ودعا الآخر إلى حكم الحاكم أجيب الداعى إلى حكم الحاكم لأن فتيا المفتى إخبار وحكم الحاكم إخبار وإذا دعى إلى حكم الحاكم أجبر وإذا كان الفقيه عدلا والحاكم ليس بعدل فأفتاهما الفقيه
стр. 907
بحكم وحكم الحاكم بغير لزمهما في الباطن أن يعملا بفتيا الفقيه ولزمهما في الظاهر أن يعملا بحكم الحاكم.
هذه جملة مسائل على الوجه الذى سردتها لا بد من معرفتها في فروع المفتى والمستفتى أوردتها في هذا الموضع فليغتنمها الناظر عليها فإنها عزيزة الوجود جدا وقل ما يجدها الإنسان في المذهب وليس ما يقع عنها الغنية للفقيه الفقيه والله أعلم بالصواب [] ١.
اعلم أنه قد ذكر بعض الأصوليين في فصل المفتى والمستفتى كلمات أحببت أن أذكرها هاهنا ويوجد في أثنائها فوائد لم تدخل فيما قد ثناه ذكر فصلا في كيفية فتوى المفتى وقال: لا يجوز للمفتى أن يفتى بأحكام عن غيره بل إنما يفتى باجتهاده لأنه إنما سئل عنه ولم يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكى قول غيره جازت حكايته ولو جاز للمفتى أن يفتى بالحكاية جاز للعامى أن يفتى بما يجده في كتب الفقهاء وذكر أنه إذا أجاب الفقيه في مسألة ثم وقعت تلك المسألة قال: لا يجب لاجتهاد إذا كان ذاكرا لذلك القول وذاكرا لطريقة الاجتهاد لأنه كالمجتهد في الحال وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو في حكم من لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد فتواه وهذا حسن جدا فينبغى أن يكون المختار هذا الوجه لأننا قلناه من قبل. ثم قال: إذا لم يجز للمفتى أن يفتى فتواه السابق فأولى أن لا يأخذ بفتوى من مات قال:: وإذا أفتى المفتى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لم يلزمه تعريف المستفتى تغاير اجتهاده إذا كان قد عمل به وإن لم يكن عمل به فينبغى أن يعرفه إن تمكن منه لأن العامى إنما يعمل به لأنه قول المفتى ومعلوم أنه ليس قوله [....] ٢ الذى يريد أن يعمل فينبغى أن يخيره بذلك.
قال: وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخيره في القبول منه وإن كان مختلفا فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره وهذا لا شبهة فيه على قول من يقول كل مجتهد مصيب وعلى قول من قال: إن الحق واحد.
يكون هكذا أيضا لأنه ليس بأن يجب عليه الآخر بقول أحد من المفتين بغير حجة بأولى من الآخر فإن كان التخيير معلوما من قصد المفتى لم يجب عليه أن يخيره لفظا بل يذكر له قوله فقط وليس كذلك الحكم لأن الحاكم منصوب لقطع الخصومات فلو كان الخصم مخيرا بين الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع الخصومة أبدا.
стр. 908
قال الإمام: وعندمى أنه لا يجب عليه أن يبين له تخيره لأنا بينا أنه لا بد للمستفتى في الاجتهاد في أعيان العلماء وإذا وجب عليه ذلك فاختار أحد العلماء باجتهاده واستفتاه فقد صار في هذه المسألة بمنزلة مجتهد والمجتهد لا يتخير بين الأخذ بقول غيره أو باجتهاده بل يلزمه الأخذ باجتهاد فكذلك العامى يلزمه الأخذ بقول هذا العالم ولا يجب تخييره.
واعلم أن جماعة من المعتزلة منعوا العامى تقليد العالم أصلا١. وقالوا: إن العامى لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح له في الاجتهاد فيكون فاعلا مفسدة ومع توهم المفسدة لا يجوز الرجوع وقاسوا أيضا التقليد في الفروع على التقليد في الأصول.
وقالوا: إذا لم يجز في أحدهما لا يجوز في الآخر قالوا: ولأنه إذا قلده في مسائل الاجتهاد وقلتم إن الحق في واحد فلا يؤمن أن يقلده في شىء يكون الحق بخلافه.
وعلى هذا قال أبو على الجبائى: يجوز للعامى تقليد العالم في مسائل الاجتهاد لأن كل مجتهد مصيب فأما فيما ليس من مسائل الاجتهاد إذا قلنا: إن العامى يقلد فيه الحق واحد فلا نأمن أن يكون قلده فيما هو خلاف الحق وقال: هؤلاء لا يجوز أن يأخذ العامى بقول العالم إلا بعد أن يبين له حجته ونحن نقول إن هذا غلط عظيم وخطأ فاحش فأن الصحابة والأمة من بعدهم دليل على خلافه فإن الصحابة ومن بعدهم ما زالوا يفتون العوام في غوامض الفقه ولم يرو عن أحد أنه عرف العامى أدلته ولا نبه على ذلك ولا أنكروا عليهم اقتصارهم على مجرد الأقاويل من غير أن يستخبروا عن الأدلة ولأن العامى إذا حدثت له حادثه فلا بد أن يكون مستعبدا شىء فإن ألزمناه التعلم عند بلوغه خفى فيصير مجتهدا وأوجبنا هذا على كل أحد يؤدى إلى إهمال أمور الدنيا أجمع لأنهم إذا اشتغلوا بذلك فلا بد أن يتعطل أمر الدنيا وأمر مصالحها فإن قالوا: لا يلزمه الاجتهاد لكن العالم يبين له الدلائل يجوز هذا في آية يتلوها عليه أو خبر يذكره عن النبى ﷺ .
فأما القياس إنما يكون حجة ويجوز للأنسان أن يتوصل به إلى معرفة الحكم الشرعى مقدما فلا يتصور حصولهما لهذا العامى بخبر يخبره العالم له عن ذلك فلا ندرى كيف وقع هذا السهو [....] ٢ ولكن قد بينا أن من لا يكون من أهل الفقه يقع لهم السهو
стр. 909
الكبير والأولى بالمتكلمين أن يدعوا هذا الفن للفقهاء وأن يقتصروا على الخوض فيما انتصبوا له مع أنهم لو تركوا ذلك أيضا كان أولى بهم وأسلم لدينهم يدل أنه إذا وقع للأنسان حادثه في صلاته أو صيامه فإذا لم يرجع إلى العالم في الجواب عنها فلا بد أن يسلك طريقا يصير به عالما مجتهدا وذلك بالابتداء بالتفقه والحادثه وحكمها كيف تحتمل هذا التأخير إلى أن يصير هذا الرجل فقيها ومن يضمن له أنه يصير مجتهدا وأكثر طالبى العلم قد قطع الطريق بهم وبقوا مقلدين وإنما يصير الشاذ النادر مجتهدا ويكون بحيث يسلم له النظر وإن قال في الحال يذكر له الدليل فقد بينا أنه لا بد من مقدمات كثيرة ومعرفة طرق وأسباب ووجوه وترتيبات تضل عنها فهوم المتبحرين مثل الفقهاء فكيف يدركه العامى بمجرد ذكره له حتى يصير عالما ويكون وصوله إلى الحكم بعلم نفسه واجتهاده.
وأما قولهم: إنه ربما لا ينصح له. قلنا: هذا باطل فمن روى خبرا في حكم يلزمه الأخذ به لا يقال إنه ربما كذب له ولأنه إذا كان قد اجتمع في المجتهد شرائط الاجتهاد فيمنع ذلك التوهم وهذا كالراوى إذا كان عدلا فإن عدالته تمنع هذا التوهم.
وأما التقليد في الأصول فقد بينا من قبل وقد قال جماعة من أصحابنا الذين يمنعون التقليد في الأصول في الفرق بين الموضعين: إن العامى إنما يلزمه النظر في مسائل مخصوصة في التوحيد وسائل الصفات وإثبات القضاء والقدر وبيان النبوات وما يتصل لها ومدار١ هذه الأشياء أكثرها عقلية وإنما يحتاج العاقل فيها إلى تنبيه يسير فلا يؤدى إلى أن يستغرق ذلك عمره وتعطل عليه مصالحه.
وأما الحوادث الطارئة من الفروع بغير إحصاء ولا عد فالاجتهاد فيها لا يمكن إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها والاستدلال بها إلا في الزمان الأطول فيؤدى إلى ما قدمنا من دخول المفاسد في أمور عامة الناس. وأما الذى قاله أبو على الجبائى فضعيف لأن ذلك إنما يكون بأن يلزم العامى أن يعرف مسائل الاجتهاد مما ليس في مسائل الاجتهاد وإذا فعلنا ذلك فقد ألزمناه أن يكون من أهل الاجتهاد لأن ذلك لا يميز إلا أهل الاجتهاد وفى ذلك من المفاسد ما قدمناه وذكر فصلا في شرائط المستفتى وما يجب عليه إذا أفتاه أهل الاجتهاد قال أما شرائط الاستفتاء أن يغلب على ظن المستفتى أن من يستفتيه من أهل الاجتهاد مما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس ويرى أخذ الناس عنه
стр. 910
وأن يظنه من أهل الدين بما يرى من اجتماع الجماعات على سؤاله واستفتائه فيما يراه من سمات الستر والدين والأشبه أنه ليس للعامى أن يستفتى من يظنه غير عالم ولا متدين وإنما أخذ عليه ذلك [....] ١ الظن لأن ذلك القدر ممكن له وأما ما يجب على العامى إذا أفتاه أهل الاجتهاد هو أنهم إن اتفقوا يجب على المستفتى أن يصير إلى الفتوى التي اتفقوا عليها وإن اختلفوا وجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأدينهم لأن ذلك طريق قوة ظنه وهو ممكن له فجرى مجرى قوة ظن مجتهد في المسائل التي يجتهد فيها
وقد ذكرنا أن قوما من أصحابنا وغيرهم أسقطوا عنهم الاجتهاد لأن العلماء في كل عصر لم ينكروا على العامة ترك النظر في أحوال العلماء والأول أحسن فإن اجتهد واستوى عنده علمهم ودينهم كان مخيرا في الأخذ بأى أقاويلهم شاء فأيها اختاره وجب عليه كما بينا وإن كان عنده أن واحد من هؤلاء المفتين أدين فيجب عليه اتباع الأدين لأن الثقة تكون بقوله أقوى وكذلك إذا كان في ظنه أن أحدهما أعلم وجب عليه الأخذ بقول الأعلم لأن النفس إليه أسكن ويجرى التفاضل في العلم بمنزلة التفاضل في الدين وأما إذا كانا عالمين دينين وأحدهما أدين إلا أن أدينهما أنقصهما علما فإنه يحتمل أن يقال هما سواء والأولى أن يرجع قول الأعلم بزيادته فيما يعين على الاجتهاد والوقوف والصواب.
قال: ومثل هذا النظر لا يخفى على العوام فهو كتدبير أمور الدنيا لا يخفى عليهم فلا يسقط عنهم ونذكر مسألة تقليد العالم العالم. وقال: وإن اكثر الفقهاء منعوا من ذلك وذلك لأن الصحابة لم يقلد بعضهم بعضا بل ناظروا ولو جاز ذلك لفعلوا ولم يكن لمناظرتهم في المسائل فائدة وأيضا فإن المجتهد متمكن من الإجتهاد لتكامل الآلة فلم يجز مع تمكنه من العمل على اجتهاده أن يصير إلى قول غيره كما لم يجز أن يصير إلى قول غيره في العقليات لما تمكن من النظر والاستدلال عليها ولأن المجتهد لو أداه إلى خلاف قول عالم آخر وإن كان أعلم منه لا يجوز له بالاجماع ترك رأيه والأخذ بقول الأعلم فيجب أن يجوز له ذلك وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول.
قال: ولأن التقليد دون الاجتهاد فإذا تمكن من الاجتهاد لم يجز له العدول إلى ما دونه كما لا يجوز للمتمكن من العلم أن يعدل إلى الظن وأيضا فإن المجتهد متعبد
стр. 911
بالاجتهاد وعلمه بحسبه ويكون بذلك مطيعا لله وهذا لأن الله تعالى ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها وليس بعض المجتهدين بذلك أولى من البعض ولا يجوز إثبات بدل هذا التعليل الواجب إلا بدلالة عقلية أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه واعتمد هذا الذى أوردنا كلامه وهذا بالدليل ثم ذكر احتجاج المخالفين في تقليد الصحابة بقول ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" ١ وبقوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" ٢ رضى الله عنهما.
وأجاب وقال: هذه أخبار آحاد لا يكون [....] ٣ العلم على أن أكثر هذه الأخبار خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر فمن لم يكن صحابيا أن يتبع الصحابة ومن لم يكن صحابيا في ذلك العصر لم يكن من أهل الاجتهاد فجاز له التقليد وعلى انه يجوز أن يكون المراد به الأمر بالاقتداء بهم في رويتهم لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره إنه اقتدى به أى اقتدى بروايته ثم قال: "اقتدوا باللذين من بعدى" وقوله: "عليكم بسنتى" وما يشبه هذه الألفاظ أمر والأمر للإيجاب وليس يجب التقليد إلا على العامى فدل أن المراد به هو العامى دون العالم.
وأما الدعاء الذى قاله لعمر وعلى فيجوز أن يكون ذلك في شىء مخصوص والدليل عليه أن سائر الصحابة اجتهدوا وأفتوا بما أدى إليه اجتهادهم ولم يرجعوا إلى قولهم معتقدين أن ما قالوه هو الحق والصواب دون غيره فإن قالوا: أليس أنه روى أن عمر رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهما حين قال له ذلك برأيه وأن سألهما عن وجه الحجة فدل أنه كان محض تقليد. قلنا: مجهول على التنبيه على وجه الدليل وحين ينبهان على ذلك ننتبه.
فقال ما قال لهذا المعنى ويجوز أنه خطر له وجه قولهما حين سمع كلامهما فرجع إلى ذلك لهذا ويكون على هذا عمله بعلمه واجتهاده لا بتقليدهما يبين ذلك أن الإنسان إذا تردد بين رأيين في الحدث ثم صمم على أحدهما فقال له قائل: ليس هذا بصواب إنما الصواب كذا وكذا فقال له: صدقت فهم الحاضرون أنه صدقه لأنه
стр. 912
تنبه على وجه الرأي إما من ذلك الكلام أو من غيره.
واحتج ايضا لهم وقال: إن المجتهد مصيب صواب وقوله صواب فجاز اتباعه.
قلنا: قولك له: صواب دعوى ويجوز أنه خطا وهذا لأنا نقول إن الصواب في قول واحد من المجتهدين فالذى يظن أنه الصواب بعينه يجوز أنه الخطأ بعينه فهذا حكاية ما نقله في أصوله ذكرته مع اقتصار على البعض وأفردته لأنه اشتمل على فوائد في هذه المسائل المذكورة وهذه المسائل وإن دخلت فيما أوردناه من قبل فقد تضمن نقله تقرير للصحيح المختار من الأقوال والله تعالى يهدى إلى الصواب ويرشد بمنه إليه.
وقد أتينا على ما أورده أصحابنا من الكلام في الأصول وذكرنا المختار من ذلك وأوردنا الدلائل الصحيحة في ذلك على ما يوجبه التحقيق ويصلح لتثبيت الأصول التي بنينا عليها الفروع في مسائل الخلاف وبلغنا النهاية في الإيضاح وكان قصدنا بذلك إن شاء الله سنبين الحق من الباطل ولم نقصد قصر الميل إلى جانب دون جانب وخلينا سرد كثير مما قاله أصحابنا حين لم نجد على ذلك دليلا قويا يعتمد عليه فاخترنا في الكل ما أمكن تحقيقة وإثباته بطريق الزمان ولم نقنع بمحض الجدل والله تعاله يجعل سعينا في ذلك لوجهه وطلب مرضاته والأولى أن نقنع بالكفاف لا لنا ولا علينا وفيه الربح العظيم والنجاة من الخسارة.
стр. 913
فصل: مسألة النسبة إلى الإمام الشافعي
...
"فصل"١: وقد بقيت علينا مسألة النسبه إلى الإمام المطلبى الشافعى ﵀:
وهذا أمر يعرف باستقراء المسائل والنظر في دلائلها فإن المجتهد لا يقنع بمجرد التقليد والنسبة من غير معنى وقد ذكرت في كتاب الاقتصار طرفا من تقديم أصحاب الحديث على أصحاب الرأى
وقد ذكرنا دررا من فضل الشافعى رحمة الله وذكرت أيضا في الكتاب الذى سميته البرهان المسائل من أصول المخالفين يأتى على تشنيعات عليهم في أشياء اختاروها لا يصح ذلك على أصول الشرع وسردت ذلك سردا من أول كتاب الطهارة إلى آخر الكتب فلم أحب إعادته في هذا الموضع وأيضا فإن سائر أصحابنا قد اعتنوا في ذلك وصنفوا الكتب وقد بالغوا ولم يقصروا وعلى الجملة نقول إن الانتساب إلى الشافعى استنان فإن النبى ﷺ قال: "الأئمة من قريش" ٢. وقال في موضع آخر: "الناس تبع لقريش في هذا الأمر أبرارهم تبع لأبرارهم وفجارهم تبع لفجارهم" ٣ فذكر أنهم الأصل وأن باقى الناس تبع لهم ولا بد للمتبع من مقتدى به في الجملة والتقليد وإن لم نجوزه للعالم ولكن لأجل حرمة ما ذكره الرسول ﷺ لم يكن بد من أمام ينتسب إليه لنكون ممتثلين لقول صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه: "الناس تبع لقريش" فاخترنا الأمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى ﵀ ورضوان الله عليه لأنا لم نجد في الأئمة الذين مهدوا الأصول وفرعوا التفريعات وتكلموا في المسائل على ما توجبه الأصول والاجتهاد الصحيح المبتنى على القواعد الصحيحة أحدا من قريش سوى الشافعى ﵀ والباقون لا مطعن عليهم وقد تحروا الحق وطلبوه بجهدهم لكن العالم الذى لا يجوز له التقليد وإنما يطلب الانتساب المحض بوجه الاستنان بقول الرسول ﷺ فتعين الانتساب إلى الشافعى ﵀ لما بينا من قبل.
وأما العامى الذى يقلد ويطلب الانتساب إيضا فالأولى له وبه أن ينتسب إلى هذا
стр. 914
الإمام لأن القرشى إمام مقتدى به بقول صاحب الشرع مؤيد بزيادة لا توجد في غيره وهو قوله ﵇: "رأى رجل من قريش مثل رأى رجلين من غير قريش" يعنى في إصابة الصواب فيكون أبو حنيفة ومالك وغيرهما على النصف من الشافعى في إجابة الحق فيتعين لهذا أيضا الانتساب إلى مثل هذا الإمام ثم بعد هذا إذا نظر العالم إلى المسائل وأصولها وفروعها وجد أصول الشافعى رضى الله عنه موافقة للكتاب والسنة مؤيدة بهما مستمرة على الإخبار إذا وجدها استمرارا صحيحا مستقيما ويتبع الصحيح منها ويدع الرأى حين يجده فلا يأمر بعرض حديث على قياس ولكن يأمر بعرض القياس على الأحاديث فإن وجدها معترضا على خبر من ذلك حكم برده وقدم الحديث ويقول بطرح المراسيل والمناكير ويعرض عن رواية المجاهيل ولا يفرع إلا على أصل صحيح وفى القياس يطرد القياس طردا ولا يدعه باستحسان ولا يمنع أيضا في موضع يمكنه استعماله فيه ويطلب المعانى المؤئرة والأشباه الصحيحة ويطلب المعانى المؤثرة في العلل ليكون برىء الجانب.
مسألة١: من المناقضة الموحشة وفى كلام كثير وخطب عظيم لكنا اقتصرنا على هذا القدر وأشرنا إلى طرف منه والله ولى التسديد بمنه وعونه ويتلوه إن شاء الله ذكر مسائل وفصول اختصر أبو زيد بإيرادها في أوصله والكلام عليها والله المعين.
واعلم أنا قد أتينا على مقصودنا من الكلام في أصول الفقه على ما ذكره الصحابة وأوردنا الصحيح من ذلك على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز والتجوز على ما يفعله كثير من المتفقهة وحين فرغنا من ذلك فقد ذكر القاضى أبو زيد الدبوسى في آخر كتابه الذى صنفه في أصول الفقه وسماه تقويم الأدلة فصولا لا توجد في سائر الأصول وللفقهاء حاجة إليها خصوصا في الطريقه التي هى معهودة الوقت فأحببت إيراد ذلك والكلام عليه في المواضع التي يجب الكلام عليها فيكون مخالفا لأصولنا التي تبنى عليها التفريعات لنزول حيرة السامع لذلك حين يسمعه ويعرف وجه الكلام عليه إذا احتاج إليه ونسأل الله تعالى المعونة في ذلك والتأييد بمنه بدأ يذكر [فصلا] ٢ في خبر أهلية الآدمى لوجوب الحقوق الشرعية وهى الأمانة التي حملها الإنسان قال: لا خلاف أن الآدمى يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه فإنه يخلق وعليه عشر الأرض
стр. 915
وخراجها بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز واختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبى كما يسقط بعذر الحيض عن الحائض لا أنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمى أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب هو الذمة.
يقال: وجب في ذمته كذا ولا يضاف الوجوب إلى غيرها والآدمى كما خلق خلق وله ذمة أترى أن الطفل إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة وكذلك يلزمه مهر أمراته وسائر حقوق الناس وإنما عرف وجوهها بالشرع ولأن الذمة عبارة عن العهد فالله تعالى لما خلق الإنسان ليتحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمل حقوقه وثبتت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا والآدمى لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق الا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمى بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرا وشاء أو أبى وإذا لم يتعلق الوجوب عليه بتمييزه واختياره لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العمل ولا قدرة التمييز.
ألا ترى: أن الصلاة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة ثم قال: لا يجوز أن يقال: إن وجوب الحقوق بالخطاب بل الوجوب بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا للوجوب وليس بالأمر والخطاب والأسباب هى ملك النصاب للزكاة والأراضى العشرية للعشر والأراضى الخراجية للخراج والبيت للحج والأوقات للصلوات وشهر رمضان للصوم والآيات الدالة على الله تعالى للإيمان والنكاح للمهر والشراء للثمن والقرابه للنفقة ويجوز ذلك ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك لغيرك اشتريت عبدا بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقولك أد الثمن. بل قولك أد الثمن طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: ليؤد الواجب عليه بشهود الشهر وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: أدوا ما يلزمكم بأوقاتها وهذه الأسباب قائمة في حق البالغ والصبى على السواء فلا ينبغى أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبى كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرا علينا لأنه ليس بأهل له وإنما يفارق الصبى الذى لا يعقل