بالاجتهاد وعلمه بحسبه ويكون بذلك مطيعا لله وهذا لأن الله تعالى ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها وليس بعض المجتهدين بذلك أولى من البعض ولا يجوز إثبات بدل هذا التعليل الواجب إلا بدلالة عقلية أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه واعتمد هذا الذى أوردنا كلامه وهذا بالدليل ثم ذكر احتجاج المخالفين في تقليد الصحابة بقول ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" ١ وبقوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" ٢ رضى الله عنهما.
وأجاب وقال: هذه أخبار آحاد لا يكون [....] ٣ العلم على أن أكثر هذه الأخبار خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر فمن لم يكن صحابيا أن يتبع الصحابة ومن لم يكن صحابيا في ذلك العصر لم يكن من أهل الاجتهاد فجاز له التقليد وعلى انه يجوز أن يكون المراد به الأمر بالاقتداء بهم في رويتهم لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره إنه اقتدى به أى اقتدى بروايته ثم قال: "اقتدوا باللذين من بعدى" وقوله: "عليكم بسنتى" وما يشبه هذه الألفاظ أمر والأمر للإيجاب وليس يجب التقليد إلا على العامى فدل أن المراد به هو العامى دون العالم.
وأما الدعاء الذى قاله لعمر وعلى فيجوز أن يكون ذلك في شىء مخصوص والدليل عليه أن سائر الصحابة اجتهدوا وأفتوا بما أدى إليه اجتهادهم ولم يرجعوا إلى قولهم معتقدين أن ما قالوه هو الحق والصواب دون غيره فإن قالوا: أليس أنه روى أن عمر رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهما حين قال له ذلك برأيه وأن سألهما عن وجه الحجة فدل أنه كان محض تقليد. قلنا: مجهول على التنبيه على وجه الدليل وحين ينبهان على ذلك ننتبه.
فقال ما قال لهذا المعنى ويجوز أنه خطر له وجه قولهما حين سمع كلامهما فرجع إلى ذلك لهذا ويكون على هذا عمله بعلمه واجتهاده لا بتقليدهما يبين ذلك أن الإنسان إذا تردد بين رأيين في الحدث ثم صمم على أحدهما فقال له قائل: ليس هذا بصواب إنما الصواب كذا وكذا فقال له: صدقت فهم الحاضرون أنه صدقه لأنه
стр. 912
تنبه على وجه الرأي إما من ذلك الكلام أو من غيره.
واحتج ايضا لهم وقال: إن المجتهد مصيب صواب وقوله صواب فجاز اتباعه.
قلنا: قولك له: صواب دعوى ويجوز أنه خطا وهذا لأنا نقول إن الصواب في قول واحد من المجتهدين فالذى يظن أنه الصواب بعينه يجوز أنه الخطأ بعينه فهذا حكاية ما نقله في أصوله ذكرته مع اقتصار على البعض وأفردته لأنه اشتمل على فوائد في هذه المسائل المذكورة وهذه المسائل وإن دخلت فيما أوردناه من قبل فقد تضمن نقله تقرير للصحيح المختار من الأقوال والله تعالى يهدى إلى الصواب ويرشد بمنه إليه.
وقد أتينا على ما أورده أصحابنا من الكلام في الأصول وذكرنا المختار من ذلك وأوردنا الدلائل الصحيحة في ذلك على ما يوجبه التحقيق ويصلح لتثبيت الأصول التي بنينا عليها الفروع في مسائل الخلاف وبلغنا النهاية في الإيضاح وكان قصدنا بذلك إن شاء الله سنبين الحق من الباطل ولم نقصد قصر الميل إلى جانب دون جانب وخلينا سرد كثير مما قاله أصحابنا حين لم نجد على ذلك دليلا قويا يعتمد عليه فاخترنا في الكل ما أمكن تحقيقة وإثباته بطريق الزمان ولم نقنع بمحض الجدل والله تعاله يجعل سعينا في ذلك لوجهه وطلب مرضاته والأولى أن نقنع بالكفاف لا لنا ولا علينا وفيه الربح العظيم والنجاة من الخسارة.
стр. 913
فصل: مسألة النسبة إلى الإمام الشافعي
...
"فصل"١: وقد بقيت علينا مسألة النسبه إلى الإمام المطلبى الشافعى ﵀:
وهذا أمر يعرف باستقراء المسائل والنظر في دلائلها فإن المجتهد لا يقنع بمجرد التقليد والنسبة من غير معنى وقد ذكرت في كتاب الاقتصار طرفا من تقديم أصحاب الحديث على أصحاب الرأى
وقد ذكرنا دررا من فضل الشافعى رحمة الله وذكرت أيضا في الكتاب الذى سميته البرهان المسائل من أصول المخالفين يأتى على تشنيعات عليهم في أشياء اختاروها لا يصح ذلك على أصول الشرع وسردت ذلك سردا من أول كتاب الطهارة إلى آخر الكتب فلم أحب إعادته في هذا الموضع وأيضا فإن سائر أصحابنا قد اعتنوا في ذلك وصنفوا الكتب وقد بالغوا ولم يقصروا وعلى الجملة نقول إن الانتساب إلى الشافعى استنان فإن النبى ﷺ قال: "الأئمة من قريش" ٢. وقال في موضع آخر: "الناس تبع لقريش في هذا الأمر أبرارهم تبع لأبرارهم وفجارهم تبع لفجارهم" ٣ فذكر أنهم الأصل وأن باقى الناس تبع لهم ولا بد للمتبع من مقتدى به في الجملة والتقليد وإن لم نجوزه للعالم ولكن لأجل حرمة ما ذكره الرسول ﷺ لم يكن بد من أمام ينتسب إليه لنكون ممتثلين لقول صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه: "الناس تبع لقريش" فاخترنا الأمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى ﵀ ورضوان الله عليه لأنا لم نجد في الأئمة الذين مهدوا الأصول وفرعوا التفريعات وتكلموا في المسائل على ما توجبه الأصول والاجتهاد الصحيح المبتنى على القواعد الصحيحة أحدا من قريش سوى الشافعى ﵀ والباقون لا مطعن عليهم وقد تحروا الحق وطلبوه بجهدهم لكن العالم الذى لا يجوز له التقليد وإنما يطلب الانتساب المحض بوجه الاستنان بقول الرسول ﷺ فتعين الانتساب إلى الشافعى ﵀ لما بينا من قبل.
وأما العامى الذى يقلد ويطلب الانتساب إيضا فالأولى له وبه أن ينتسب إلى هذا
стр. 914
الإمام لأن القرشى إمام مقتدى به بقول صاحب الشرع مؤيد بزيادة لا توجد في غيره وهو قوله ﵇: "رأى رجل من قريش مثل رأى رجلين من غير قريش" يعنى في إصابة الصواب فيكون أبو حنيفة ومالك وغيرهما على النصف من الشافعى في إجابة الحق فيتعين لهذا أيضا الانتساب إلى مثل هذا الإمام ثم بعد هذا إذا نظر العالم إلى المسائل وأصولها وفروعها وجد أصول الشافعى رضى الله عنه موافقة للكتاب والسنة مؤيدة بهما مستمرة على الإخبار إذا وجدها استمرارا صحيحا مستقيما ويتبع الصحيح منها ويدع الرأى حين يجده فلا يأمر بعرض حديث على قياس ولكن يأمر بعرض القياس على الأحاديث فإن وجدها معترضا على خبر من ذلك حكم برده وقدم الحديث ويقول بطرح المراسيل والمناكير ويعرض عن رواية المجاهيل ولا يفرع إلا على أصل صحيح وفى القياس يطرد القياس طردا ولا يدعه باستحسان ولا يمنع أيضا في موضع يمكنه استعماله فيه ويطلب المعانى المؤئرة والأشباه الصحيحة ويطلب المعانى المؤثرة في العلل ليكون برىء الجانب.
مسألة١: من المناقضة الموحشة وفى كلام كثير وخطب عظيم لكنا اقتصرنا على هذا القدر وأشرنا إلى طرف منه والله ولى التسديد بمنه وعونه ويتلوه إن شاء الله ذكر مسائل وفصول اختصر أبو زيد بإيرادها في أوصله والكلام عليها والله المعين.
واعلم أنا قد أتينا على مقصودنا من الكلام في أصول الفقه على ما ذكره الصحابة وأوردنا الصحيح من ذلك على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز والتجوز على ما يفعله كثير من المتفقهة وحين فرغنا من ذلك فقد ذكر القاضى أبو زيد الدبوسى في آخر كتابه الذى صنفه في أصول الفقه وسماه تقويم الأدلة فصولا لا توجد في سائر الأصول وللفقهاء حاجة إليها خصوصا في الطريقه التي هى معهودة الوقت فأحببت إيراد ذلك والكلام عليه في المواضع التي يجب الكلام عليها فيكون مخالفا لأصولنا التي تبنى عليها التفريعات لنزول حيرة السامع لذلك حين يسمعه ويعرف وجه الكلام عليه إذا احتاج إليه ونسأل الله تعالى المعونة في ذلك والتأييد بمنه بدأ يذكر [فصلا] ٢ في خبر أهلية الآدمى لوجوب الحقوق الشرعية وهى الأمانة التي حملها الإنسان قال: لا خلاف أن الآدمى يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه فإنه يخلق وعليه عشر الأرض
стр. 915
وخراجها بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز واختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبى كما يسقط بعذر الحيض عن الحائض لا أنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمى أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب هو الذمة.
يقال: وجب في ذمته كذا ولا يضاف الوجوب إلى غيرها والآدمى كما خلق خلق وله ذمة أترى أن الطفل إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة وكذلك يلزمه مهر أمراته وسائر حقوق الناس وإنما عرف وجوهها بالشرع ولأن الذمة عبارة عن العهد فالله تعالى لما خلق الإنسان ليتحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمل حقوقه وثبتت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا والآدمى لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق الا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمى بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرا وشاء أو أبى وإذا لم يتعلق الوجوب عليه بتمييزه واختياره لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العمل ولا قدرة التمييز.
ألا ترى: أن الصلاة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة ثم قال: لا يجوز أن يقال: إن وجوب الحقوق بالخطاب بل الوجوب بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا للوجوب وليس بالأمر والخطاب والأسباب هى ملك النصاب للزكاة والأراضى العشرية للعشر والأراضى الخراجية للخراج والبيت للحج والأوقات للصلوات وشهر رمضان للصوم والآيات الدالة على الله تعالى للإيمان والنكاح للمهر والشراء للثمن والقرابه للنفقة ويجوز ذلك ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك لغيرك اشتريت عبدا بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقولك أد الثمن. بل قولك أد الثمن طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: ليؤد الواجب عليه بشهود الشهر وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: أدوا ما يلزمكم بأوقاتها وهذه الأسباب قائمة في حق البالغ والصبى على السواء فلا ينبغى أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبى كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرا علينا لأنه ليس بأهل له وإنما يفارق الصبى الذى لا يعقل
стр. 916
العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته بأن تعلق من صاحب الحق بالأمر والخطاب وغير العاقل ليس من أهله فلا يلزمه الأداء إلا على ما نذكر بعد هذا وهذا كما قيل إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه.
فأما الوجوب في الذمة فصحيح بدون اختيارنا فلم يكن من شرط صحته إلا قدرتنا ولا علمنا به.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن الوجوب للأداء لا لنفسه فلا يجوز الإيجاب على من لا يقدر على الأداء فإن الوجوب بالأداء لا يتعين حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء وإما قضاء فصح الإيجاب على ما من حالة قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبى من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه. فإن قيل: وأى واجب علينا في باب العبادات البدنية سوى الأداء قلنا: قال: الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه والواجب اسم ما لزمه في ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذى يسقط الواجب عنه وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطا ليخيط له ثوبا بدرهم فليلزم الخياط فعل الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد والأداء بالخياطة وكان الفعل المسمى واجبا في الذمة غير المؤدى حالا بالقميص وكذلك دراهم مؤداة عينا بدراهم في الذمة فيكونان غيرين لا محالة فإن قيل: أرأيت لو مات الولد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء لم نجعله أنه أمانة الله واستحقاق الجزاء في الآخرة.
قلنا: اختلفوا في هذه المسألة روى عن أبى حنيفة أنه توقف في جواب هذه المسألة.
وحكى عن محمد أنه قال: إنما أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا بغير ذنب وقد جاءت الأخبار بأن الأطفال يكونون شفعاء لآبائهم يوم القيامة فأما الخلاف بينهم في وقوع الحمل عليهم على ما مر اختلافهم في الجزاء لا يدل على خلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لحمل الأمانة فإنها تقع عليها بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء لوجوب الصلاة علينا بل الأداء.
ويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم أهلهم لذلك باستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء وأنابهم كرما وألحق غير المؤدى بالمؤدى بعذر العجز بمنزلة البالغ يدركه وقت الصلاة وهو لا يجد ما يتطهر به فإنه يلزمه
стр. 917
الصلاة ولا يؤاخذ إذا مات قبل الأداء ويثاب وهذا لأن الإيجاب شرعا بنى على ظاهر الحال لا على ما يكون في الغيب ولظاهر الحال كل صبى ممن يرجى منه الأداء أرأيت طفلا له أرض عشرية ولا ولى له أليس يلزمه العشر أو الخراج إن كانت خراجيه وإن مات قبل أن يلى عليه أحدا ويقدر بنفسه وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه.
فإن قيل: قد قال النبى ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يحتلم" ١ الخبر قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة وإنما يدل على سقوط أداء الوجوب لأن القلم للحاسب والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب في ذمة فإن الواجب إذا تأجل لم يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى: أنه قرنه بالنائم والنائم يلزمه الصلاة في ذمته ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبى هذا كلامه في هذا الفصل أوردته على الوجه.
واعلم أن هذا الفصل الذى زعمه وهو أن وجوب العبادات لا يكون بالخطاب بل إنما يكون بالأسباب قد بينا من قبل أن هذا خطأ عظيم وإنما الوجوب بالأمر والأوقات المذكورة علامات وأمارات للوجود وذكرنا الدليل على ذلك بأوضح مما يكون فلا معنى للإعادة.
فإن قالوا: نحن نقول إن الموجب هو الله تعالى لكن بهذه الأسباب لأن هذه الأسباب مجعولة أسبابا من قبل الله تعالى. قلنا: إذا اعترفتم أن الأسباب من قبل الله تعالى فيكون الأمر أدل على الإيجاب من السبب فيكون إحالة الإيجاب عليه اولى من إحالته على السبب وهذا لأن أمر الرب ﵎ مؤثر في الإيجاب على العبد لأن للموالى أن يستعملوا عبيدهم في أوامرهم فإما وقت يمضى ومكان يتغير وبيت يبنى ولا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ على أحد والذى ذكر من كون الذمة محل الوجوب.
قلنا: بلى ولكن بالأمر والخطاب لا غير.
وقولهم: إن الأمر بالصلاة إنما يقتضى الأداء فحسب.
قلنا: يقتضى الأداء ويقدم الوجوب كما بنيا في أمر السيد وعبده وإذا ثبت أن
стр. 918
والوجوب بالخطاب فكل من ثبت في حقه الخطاب ثبت الوجوب ومن لم يثبت في حقه الخطاب لم يثبت في حقه الوجوب إما بصغر أو جنون أو نوم.
ونقول على هذا في النائم والمغمى عليه والحائض إنما يجب عليهم كما يجب بعد اليقظة والإفاقة والطهر من الحيض.
وهذا لأن القضاء يجب بأمر جديد لا بالأمر السابق فاستقام أن يجب على هؤلاء هذه العبادات بعد زوال الأسباب المانعة في الخطاب ووجوبه باسم القضاء لا يدل على أن الوجوب ثبت عليهم في حال النوم والإغماء وحال الحيض لما بينا أنه وجب بأمر جديد لا بالأمر الأول غير أنه لولا الأمر الأول وامتناعه بالعوارض المعلومة لم يجب شئ بهذا الأمر الثانى. فمن هذا الوجه سمى قضاء فيمكن أن يقال: إن الإيجاب ليس إلا إيجاب الأداء فإذا سلموا بثبوت الأداء بالخطاب فقد سلموا أن أصل الوجوب بالخطاب لأنه لا يعرف الوجوب إلا وجوب الأداء وقد قررنا هذا في الخلافيات وهذا لأن الأمر لا يكون إلا لفائدة ولا فائدة للإيجاب إلا الأداء فدل أن الإيجاب ليس إلا أيجاب الأداء ويقال لهم: أيش وجب عليه؟ ولا يمكنهم أن يحققوا وجوب شئ عليه بأى معنى ذكروا سوى فعل هذه الأشياء أصلا.
стр. 919
فصل: في حين الخطاب شرعا
...
"فصل"١:
ثم ذكر بعد هذا الكلام في حين الخطاب شرعا قال: لا خلاف أن حين الخطاب شرعا حين البلوغ عن قدرتين: قدرة فهم الخطاب بالعقل وقدرة العمل وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولا وسع إلا بعدها بين القدرتين وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أى ضيق.
وقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أى الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق بطريق الأولى فدلت آية الوسع أنه لا تكليف. لأول حال الأدمى لأنه لا قدرة له أصلا ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يخرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء إلى أن يعتدل عقله وقدرته فيشق عليه الفهم والعمل به ثم وقت الاعتدال متفاوت في جنس بنى آدم فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكليف عظيم فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة من الآفات وهو البلوغ فقام البلوغ شرعا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه
стр. 920
الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله وإن اعتدل دفعا للحرج الذى كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبى.
قال: وقد بينا إقامة الأسباب مقام العلل وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرا.
قال: وقد أيد هذا القول قول النبى ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة" الخبر والقلم لا يكون إلا للحساب ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما قلنا أن الحساب لا يكون إلا على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب ونحن نقول هذا الذى ذكره هذا الفاضل تكليف عظيم ولا حاجة إلى هذا التكليف أصلا لأنا قد بينا أن الوجوب بالخطاب والخطاب وجد من الشرع بعد البلوغ لا قبل البلوغ ويجوز أن يقال: إن العمل إنما يكمل بعد البلوغ. فأما قبل البلوغ فلا. فاعتبرنا ما يغلب وجوده في بناء الخطاب عليه وسقط ما يندر وجوده.
وأما العشر والخراج والزكاة على أصلنا فنحن نقول: إن الإيجاب على الصبى اعتبار نيابة الولى عنه وهذا ممكن في العبادات المالية لجريان النيابة فيها فأما في العبادات البدنية فلا يمكن لأن النيابة لا تجرى فيها وفى هذه الأشياء المالية يكون أيجاب فعل الشئ وأيفائه إلا أنه يستقيم بما يتأدى في حق الصبيان والمجانين بالطريق الذى بينا ومثل هذا لما لم يسقم في العبادات البدنية قلنا إنها تسقط أصلا ثم ذكر بعد ما حكيناه فصلا في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبى رحمة أما الأول أمره فللعجز الحقيقى وفيه الحكمة وأما بعد ما عقل فللحرج وأنه رحمة وأنه بمنزلة ديون على معسر فيكون أصل الحق على الغريم وحق الأداء ساقط إلى أن ينقضى الأجل الثابت بالعشر ولأن سقوط الخطاب بالأداء يدل على سقوط وجوب الأداء فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبة بحال.
ألا ترى أن من باع عبدا بألف درهم وجب الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب وكذلك إذا استأجر رجلا ليخيط له ثوبا بدرهم وجب عليه ولا يجب الأداء في الحال حتى ينقضى مطالبه فكذلك حق الله علينا فإن قيل: أليس لا يحل تأخير المغرب١ عن أول الوقت ولا تأخير العصر٢ إلى آخره ولا عن الوقت؟ قلنا: ثبت ذلك بخطاب غير
стр. 921
الوجوب عليه بدخول الوقت.
ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر بما ثبت عندهم من الدلائل مع اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت وأما التأخير عن الوقت فتفويت لعين الوجوب إلى ذيله وتفويت الحق تعدى زائد عن ترك الأداء فيحرم كإتلاف عين الغير عنده ولهذا لا يأثم الصبى ولا يحاسب وكذلك إذا استوصف الله تعالى في حال صباه فلم يصف لا يكون كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان ولا أداء عليه حال الصبا ولذلك إذا لم يستدل بالإيمان حتى بقى على جهله وإن كان في حكم المسلمين كالذى لا يعقل.
فإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبى الكافر عرض عليه الإسلام عندكم وإذا أبى فرق بينهما.
قلنا: ذلك السقوط الذى ذكرناه في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى سقط عنه الأداء لحق الصبى تضرر به ألاخر فلم يسقط ونحن نقول في هذا الذى ذكره أن هذا كله بناء على الأصل الذى زعمه في الابتداء وقد تكلمنا عليه وعلى أنه يجوز أن يقال إن الخطاب سقط عن الصبى رحمة لكن الفرق بين البدنية والمالية بما سبق من قبل.
وقد تبين مناقضة في ابتداء كلامه فإن عندهم إن ردة الصبى صحيحة مثل ما يصح إسلامه ثم قالوا في الصبى إذا استوصف الإسلام فلم يصف لا يحكم بكفره.
وقالوا في البالغ في مثل هذه الصورة يكفر فعندهم ترك وصف الإسلام ردة بدليل البالغ ومع ذلك لم يكن ردة من الصبى.
وقولهم: إن الأداء ساقط عنه لعذر الصبى.
قلنا: إذا سقط فعل الإسلام عن الشخص لا يبقي عليه واجب آخر لأن الواجب لم يكن إلا فعل الإسلام ثم من وجب عليه الإسلام ثم لا يؤمر بالإسلام هذا مما لا يعقل ولا يتصور وجوده ولا نفيه.
ثم ذكر فصلا في بيان ما يسقط من حقوق الله تعالى بأصله قال: حقوق الله تعالى أربعة:
النظر في الآيات الدالة على الله تعالى ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل ثم
стр. 922
العبادات ثم الأجزية وقال علماؤنا: وجوب الأجزية والعبادات ساقط عن الصبى أصلا١ ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حقا لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه الأداء
وقال الشافعى وجوب البدنى ساقط عنه ووجوب المالى غي ساقط عنه وتفسير الاعتقاد ما يتأتى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وتفسير العبادة ما يتأدى بفعل البدن تعظيما لله تعالى بطاعته إياه وتعتبر الأجزية ما شرع جزاء على أفعال محظورة في الجملة والبدنى من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالى منها ما لا يتأدى إلا بالمال.
أما الشافعى ﵀ احتج وقال: أجمعنا على أن العشر يلزمه وفيه معنى العبادة حتى لم يجب على الكفار وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة٢ والصوم٣ لأن الجنس الأول بدنى والثانى مالى ولأنا ذكرنا أن الصبى أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر ولو لم يسقط عنه الواجبات في مدة الصبا وهى مدة مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ لكان يخرج والله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج فأسقطهما عنه أصلا نفيا للحرج كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم يسقط القضاء بقى عليها أبدا فكانت تخرج في القضاء ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر السقوط على البدنى دون المالى لأنه يتأدى بالنيابة فلا يقع العجز عنه لقيام ولى الشرع مقام ولى ثبت بأمره بعد البلوغ فقال يلزمه الزكاة وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات الإحرام وكل ما صح سببه في حق الصبى وأما كفارة اليمين فإنه لا يلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعا بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعا. وقال: إسلام لا يصح لأنه بدني والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام بإسلامه واجب شرعا ولا وجوب قبل البلوغ لأنه وجب بدنيا وكذلك الردة لا تصح من الصبى لأن الردة قد تعلق أحكامها بترك الإسلام الواجب ولا وجوب في حق الصبى فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا ولا يلزمنا إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم بالوقت ثم
стр. 923
بلغ قبل الوقوف أنه يقع عن الفرض لأنا أسقطنا عنه الوجوب رحمة ونظرا له دفعا للحرج عنه والنظر له في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضى الوقت وكذلك فرض الحج يلزمه الوقوف إذا بلغ الوقوف بعرفة فمتى جعل الوجوب عليه من حال صباه [يزفه] ١ بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل على الوجوب بقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانيا وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبوله للهبة يصح وهبته لا تصح لأن في الهبة ضررا وفى قبوله نفعا.
وقلنا: نحن: إن صدقته باطلة ووصيته بالصدقة صحيحة لأن الصدقة في حال الحياة مضرة في الحال ومنفعته بعد الممات لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة.
وقلنا جميعا: إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شروع النفل نفع محض أن فعل ينتفع به وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض مضرة من وجه وهو المؤاخذة على الترك ولا يلزمنى إبطال قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مسوقا له من قبل الولى وقعت الغنيمة به عن ترك الأصل المجتهد في بابه فإنه لاستيفائه النظر له كما لا يجوز بيعه ما ساوى درهما بألف درهم وفيه نفع لأنه مما استوفى له ذلك بالولى.
قال: والحجة لعلمائنا أنه لما سبق ثبت أن الصبى مثل البالغ في أهلية الوجوب وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن لا يكون مشروعا حقا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ والتبديل وثبوتها مشروع بعد البلوغ في وقت دون وقت وأما معرفة الله تعالى بصفاته لا أن لا يكون ثابتا مشروعا حقا لله تعالى.
ألا ترى أنا لا نجد شيئا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعذر ما بعد البلوغ فكان السقوط بعذر الصبا أولى لأنه رأس الأعذار لأنه في أول أمره لا يقدر أصلا ولا يتم قدرته ما لم يعتدل قوامه ولأن سقوط ما سقط عن الصبى لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعا للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ ووجوب أصل الإيمان عليه لحال الصبا لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولأن الصبى مثل البالغ في صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه.
والدليل عليه حقوق العباد وهذا لأن السبب لا يعتبر صحيحا شرعيا بنفسه وإنما يعتبر
стр. 924
صحيحا بحكم فإذا وجب صحيحا لا بد أن يكون حكمه فإنه متى تخلف عنه حكمه أصلا لم يكن السبب سببا وإذا عرف هذا والآيات الدالة على الله تعالى لا يتصور أن لا يكون أنه على [....] ١ العالم للمستدلين ولا حدث العالم لم يتصور إلا يكون دلالة على محدث وكذلك ما يتعلق بها في وجوب النظر فيها علينا ولا يجوز أن لا يكون ساقطا بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لعقد شرط الأداء من القدرة فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سببا للوجود ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت شيئا في حق الصبى وكل معذور سقط عنه الوجوب وكذلك أسباب الأجزية ما صارت أسبابا إلا شرعا ولولا الشرع ما كانت أسبابا ولا عللا في نفسها فثبت أن الصبى إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقا لله تعالى واجبا دون ما لا يحتمل ثم المالى والبدنى من العبادات سواء وكذلك الجزية لأن العبادة اسم لنوع فعل ابتلى الآدمى بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه لا على سبيل الإكراه والجبر لأنه يجازى على وفاق فعله ولا جزاء يستقيم في الحكم مع الجبر فإنه لا فعل للمجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء.
ألا ترى أن الحقوق التي تجب يستحقها فيما بيننا بإزاء الأفعال لا يثبت إلا لمن يفعله مختارا بنفسه أو نائب عنه يثبت نائبا بأمره واختياره إلا أنا في البدنى ابتلينا بفعل يتأدى بالبدنى وفى المالى ابتلينا بفعل يتأدى بالمال إما فعل لسان نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالى مرة يتأدى بمباشرة الإنسان وتارة بغيره ولا بد أن يكون الفعل مضافا إليه على سبيل الاختيار ولا يتصور الاختيار عن الإنسان إلا أن يكون الولى عنه بأمره فأما إذا ثبت شرعا لا بالاختيار من الإنسان فيكون كإعطاء الإنسان خيرا فلا يكون عبادة.
قال: والخصم ذل خاطر قلبه عن اختيار الصدقه الاختيارية وأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقا لله تعالى والانتهاء أداء حق النهى كالائتمار أداء حق الأمر وقد ذكرنا أن الصبى غير مخاطب بحقوق الله تعالى لا ائتمار ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة ولهذا لا يحرم الصبى القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما قلنا فى
стр. 925
موضعه لأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبى مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم يصح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ولا يلزمه الكفارة ويمكنه نقضه لأن اللزوم في الإحرام حكم ثبت شرعا ويحتمل [أن يكون] ١ ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بالإحصار والرق والنكاح وكذلك الكفارة سقطت عندكم بعذر [الإكراه] ٢ والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم ثم ترك وجامع لم يلزمه القضاء٣ كما قال الشافعى في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعا ويجوز أن لا يكون فلا يثبت في حق الصبى. قال: ولا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن الوجوب شرع في حقه حال البلوغ فيكون بمنزلة رجل صلى أربع ركعات قبل الزوال ثم ترك ثم شرع في الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن الشروع بعد الأداء ما سبق وتكلم في مسألة وصية الصبى. وقال: إنها باطلة لأنها تمليك بعد الموت بلا عوض فإنه في عوضه ضرر كما لو وهب في حال الحياة وإنما انقلبت نفعا باتفاق حالة الموت فلم تعتبر وأما قبول الهبة تصح في الصبى إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفته التصرف ما ثبت إلا نظرا له كيلا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن وليس في قبول الهبة مخافة غبن فلا يثبت الحجر في حقه وصار قبول الهبة محض نظر. قال: ولهذا قلنا: يصح إسلامه لأن الوجوب كان ثابتا على ما مر أنه لا يحتمل السقوط فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وأن لم يكن مخاطبا بالأداء كالصلاة لأول الوقت والصوم في السفر والدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد الصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة ويشهد بلسانه أنه كما اعتقد والخلاف في صبى يتصور منه ذلك مثل ما يتصور إذا كان بالغا قال: وعلى هذا ردة الصبى فصح أيضا وزعم أن ما يحتمل ألا يكون إلا حقا مستحقا لله تعالى فلا يعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعا في حق البالغ والصبى على السواء وإنما يختلفان في وجوب أداء الشرع فإن
стр. 926
الأداء يلزم دون الصبى إذا صار الإسلام مشروعا وجوبه حقا لله تعالى على الصبى لأنه يحتمل غير ذلك وكذلك وجوب حرمة الردة لا يحتمل غير ذلك فاستوى فيه الصبى والبالغ فصح ذلك في الصبى كما يصح منه الإسلام إلا أنه لا يلزمه الجزاء المشروع في الدنيا على الردة لأن الجزاء المتعجل في الدنيا يحتمل أن لا يكون مشروعا على أن القتل في حق المرتد مشروع لصيرورته حربيا كافرا حتى لا تقتل المرأة لأنها ليست في أهل الحرب والصبى بمنزلتها وأما حرمان الإرث وفساد النكاح فليس بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان بالكفر الأصلى.
فإن قيل: أليس أن الصبى يؤدب إذا أساء فعله.
قلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى بل تقويما في المستقبل. ألا ترى: أن الدابة تراض وتقوم تقويما وإصلاحا وتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة. فإن قيل: أليس يسترق الصبى وأنه عقوبة شرع جزاء للكفر. قلنا: الاستيلاء على المباح شرع سببا للملك كما في حق الصيود وأهل الحرب ما بهم عصمة فلا يكون ملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم وإنما لم يملك عندهم بالاستيلاء العصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعا لأبوية بمنزلة زوال نعمة فلا يكون يكون عقوبة واجبة على [....] ١ زوال الصحة والحياة وسائر الكرامات.
قالوا: وأما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبى ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس العبد حتى أوجبنا في العبد الكافر وأما جواز الأداء من مال الصبى فلأن وجوبها وجوب المؤنة عن رأسه والمؤنة تتأدى بولية جبرية كالخراج والعشر ولأنه شبهة لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه فأما العشر فمؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر في حقوق الله تعالى صح تأدية بولاية جبرية على ما عليه الحق صح أخذ القاضى من البالغ كرها ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة وإنما يكون له ثواب ذهاب ماله في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصاب. فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة فيه اسم للفعل ولا بد أن يكون فعله على وجه الاختيار ليثاب عليه ولا يجوز بدون فعل منه على اختياره. قال: ولهذا لا يجوز للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبها كرها كما يأخذ
стр. 927
ديون الناس.
قال: ولهذا قلنا إنه لا يؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وسائر حقوق الناس فصار المعنى الذى اعتبره الخصم للفرق بين المالى والبدنى حال عجز الصبى عن الأداء بنفسه معتبرا في حقوق غير الله تعالى والمالى بينهما يلزم الصبى دون البدنى. فأما الذى يجب لله تعالى فالمالى والبدنى فيه سواء وسقط عن الصبى ما يحتمل السقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمل وأما الأداء ساقط في الأحوال كلها هذا كلامه في هذا الفصل.
ونحن نقول: إن أصل هذا الكلام مبنى على مسألة الأسباب وقد سبق الكلام عليه وقد اشتمل كلامه الذى ذكره على مسائل منها مسألة زكاة الصبى وهو جعل حرفه في سقوط الزكاة عن الصبى دعواه أن الزكاة عبادة والعبادة لا تتأدى إلا بولاية اختيارية ولا تتأدى بولاية جبرية ويدخل عليه صدقة الفطر والعشر فإنهما عبادتان ومع ذلك قد تأدتا بولاية جبرية من غير اختيار أو علم يوجد لمن عليه وعذرهم عن المسلمين في نهاية الضعف لأنه إذا قال في صدقة الفطر أنها تجب على الولى لا الصبى فينبغى أن لا يجوز إعطاؤها من مال الصبى.
والذى ذكر أن محمدا لا يجوز وقد خالف أستاذه فهذا ليس بجواب والإلزام على أبى حنيفة وهو أستاذهم الكبير فحين يضيق بهم الخناق لا يترك لهم ترك مذهبه.
وأما العشر فلازم أيضا.
والذى قالوا: إنه مؤنة الأرض.
فيقال أيضا: إن الزكاة مؤنة المال والعشر مثل زكاة سائر الأموال لأنه زكاة وزكاه وكل دليل كون سائر أنواع الزكاة عبادة فكذلك يدل على كون العشر عباده.
وعلى الجملة لا يتضح لهم فرق صحيح بين صدقة الفطر والعشر وزكاة المواشى هذا على أصلهم وأما على أصلنا فنقول: إن هذه الحقوق حقوق الفقراء وهى لهم ومعنى العبادة تبع فيكون حكمه مثل سائر حقوق بنى آدم وهذا فصل قد أحكمناه في الخلافيات ودللنا عليه بدلائل معتمدة وعلى أنا إن قلنا: إن الزكاة عبادة فيستقيم إيجابها على الصبيان والمجانين لأنها وإن كانت عبادة لكنها مالية والنيابة فبها جارية وكما يقوم فعل الولى مقام فعل الصبى فيقوم اختياره مقام اختيار الصبى وهذا لأن العبادة في الفعل لا في الاختيار الذى زعموه ومع ذلك صح إقامة فعل النائب مقام فعل من عليه وكان
стр. 928
الفعل عبادة ممن عليه كذلك يصح إقامة نيته واختياره مقام نية من عليه واختياره وكان ذلك عبادة ممن عليه وهذا لأن الوجب حق مالى فاعتبر تصور أدائه من المال وتصور أدائه من مال الصبى مثل تصور الأداء من مال البالغ ونقصان المال في الموضعين على وجه واحد والابتلاء والاختيار يوجد إما باعتبار حال البلوغ إن لم يكن اتصل الأداء بالمال فيؤمر بالأداء بعد البلوغ أو بإقامة فعل الولى مقام على ما سبق بيانه.
وعندي: أن الأول هو قولنا: إن الزكاة حق الفقراء وهو منزل منزلة سائر حقوق الآدميين ومعنى زيادة فيها تبع وإنما ابتنى فيها معنى العبادة لأن الله تعالى أوجبها ابتداء من غير أن سبق من العبد فيه شئ فيكون فيها مصلحة شكر نعمة المال مثل ما أوجبنا الصلاة والصوم فيكون فيها معنى شكر نعمة البدن فهذا الوجه أحد معانى العبادة لكن هذا المعنى تبع والأصل حق الفقراء لأنها واجب مالى والله تعالى خلق المال لنفع العباد وكلما وجب في المال لا بد أن يبقى فيه المعنى الذى خلق له أصل المال وذلك نفع العبد فلهذا أوجب الزكاة للفقراء نفعا لهم وإذا أوجب لنفعهم كان حقا لهم وعلى هذا وقع الفرق بين هذا وبين العبادة البدنية لأنها لم تجب لنفع أحد من الآدميين فتمحض حقا لله تعالى.
وأما مسألة إسلام الصبى فقد بيناها أيضا وعلى وجوب الإيمان ينصب الدلالات وهذا ليس بصحيح بل وجوب الإيمان بإيجاب الله تعالى ولا إيمان يجب على الصبيان لأن الله تعالى لم يوجبه عليهم وقوله إن الإيمان لا يحتمل أن لا يجب.
قلنا: على المكلفين فأما على غير المكلفين فيحتمل أن لا يجب عليهم ببينة أنه كما لا يحتمل أن لا يكون غير مشروع في الأصل فلا يحتمل أن يكون مشروعا في حق شخص ثم لا يجب عليه فعله ثم قد بينا في مسألة إسلام الصبى وجه عدم صحته من الصبى من طريقين مخيلين مؤثرين فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تلك المسألة ولم تجب الإعادة هاهنا لوقوع الغنيمة عن ذلك بذكره في الفروع والأولى فيما يرجع إلى الأصول أن نبين أن الوجوب لا يثبت في حق الصبى أصلا لأنه بالخطاب يكون الوجوب والخطاب عنه ساقط وإذا سقط الخطاب سقط الوجوب وأما الوجوب بما نصب من الآيات والعلامات فلا يجوز لأن الآيات والدلالات توجد قبل وجود الشرع ولا وجوب.
فإن قالوا: يجب قبل ورود الشرع فالدليل على فساده ما سبق ولأن الأمة اختلفت
стр. 929
على قولين في هذه المسألة فقال بعضهم يجب الإيمان بالفعل.
وقال بعضهم: يجب بالسمع ولم يعرف قول ثالث والذى قالوه إحداث قول ثالث في هذا أنه وجب بالآيات والعلامات فيكون خلافا للأمة فلا يسلم لقائله ذلك ثم ذكر فصلا في حيز صحة عبارات الصبى شرعا وقال لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين السمعيات ولن يتصور ذلك إلا بعد المعرفة عن عقل ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمجنون والمغمى عليه حكم ولا خلاف أنه إذا ميز وعقل يصح كلامه حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه وأطعم وكذلك إذا دعا ربه أثيب عليه ويصح أذكاره في صلاته كما لو كان بالغا وإنما اختلفوا فيما أفسد عليه شرعا نظرا ورحمة كما لا يصح منه فرض العبادات نظرا له.
قال علماؤنا: عباراته في الأصل صحيحة لا فيما يضره ويتوهم لحوق الضرر به.
وقال الشافعي ﵀: عباراته فاسدة شرعا فيما صار موليا عليه فيها فأما فيما لم يصر فثابت له إلا أن الشرع حجره عن الاستيفاء نظرا له حتى لا يخدع كما سقط عنه الفرض نظرا له فلم يثبت الحجر فيما يتمحض نفعا كما لم ينعدم الشرع في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعا فعلى هذا لا يصح قبول هبة منه لأنه مولى عليه فيها وهى نفع محض لأن الملك يزول إلى خلف له وهو الثواب وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره أيهما اختاره لأنه يعرف الذى هو أرق له وأعطف عليه وهذا الاختيار نفع محض والشرع لم يجعله موليا عليه فيه.
وقال: لا تصح عباراته في البيع لا لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ولا يصح طلاقه وإقراره لأنه ضرر.
قال: ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان لأنه امتاز عن غيره من سائر الحيوانات بصحة العبارات حتى قيل إن المرء بالتعزية بقلبه ولسانه. وقيل: لسان الفتى نصف ونصف فؤداه فلا يجوز أن نفسد على الصبى بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به في المضار عنه وإذا ثبت هذا الأصل.
قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والصدقة والوصية فيصح كما قال الخصم في صحة وصيته بالصدقة.
وأما قوله: إن كونه موليا عليه ينافى ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر في باب حقوق الله تعالى.
стр. 930
قال: فلا يصح هبته ولا صدقته لأنها من المضار وكذلك بعد الموت لا يصح أيضا لما بينا وكذلك لا يصح اختياره في الحضانة لأنه يتضرر بين ضر ونفع ولربما يختار الذى يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة لأن طبعه ينفر عمن يؤدبه ويحمله على التخلق بآداب الشرع والمروءة ويميل إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عبارته في هذا الباب كعبارته في باب التجارة التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل بها.
وقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين بحق الإسلام وكرامات الآدميين كلها لحق الدين ولا شك أن الخير فيه فوق ما في نوافل العبادات.
فإن قيل: ولربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح.
قلنا: لا عبرة لهذه الزوائد التي ليست من أحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة أخرى وحالة يتفق بدلائل تفسد إسلامه وإن تعلق به الإرث وصحة النكاح نحو أن كانت أسلمت امرأة الصبى الكافر وعمه مسلم لا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم نكاحه ويرث عمه وعلى أن حرمة النكاح والإرث حرمة تثبيت مضافة إلى كفر الكافر منهما على ما بينا في موضعهما.
قال: وتنعقد التصرفات كلها بعباراته كما تنعقد بعبارة البالغ وينفذ إذا كان وكيلا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف نحو الوكالة لأنه لا عهدة تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على مابينا فلا تثبيت الحجة في حقها.
وإذا ثبت أنها تصح في حال الغير بإذن الولى صحت كذلك في حال نفسه بإذن الولى من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله وهذا اللزوم جعل من الصالح إذا حضره رأى الولى بدليل أن الولى لو فعله بنفسه أو أمر به غيره صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرا له وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل موليا عليه لماله من النفع في تصرف الولى عليه بذلك ولا ضرر في صحة عبارته في ماله وكان النظر آن يكون صحيح العبارة مع ثبوت الولاية للمولى ليثبت له نفعها من طريقين فثبت أن ما قلناه أولى الوجهين.
فإن قيل لو شهد الصبى لم تقبل١ وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم.
قلنا: العبارة صحيحة ولكن مع هذا لا يكون حجة على غيره كما لو شهد العبد أو شهد الكافر على مسلم وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره وإنما يتعلق بكمال الحال
стр. 931
في ولاية مع صحة العبارة هذا كلامه في هذا الفصل وهذا الفصل أكثر كلام فيه يتصل بتصرفات الصبى وقد وضع هذا الرجل لأصحابنا كلاما وتكلم عليه ونحن قد بينا هذه المسألة في خلافيات الفروع وذكرنا طريق سلب أهلية التصرفات وكان اعتمادنا في ذلك على نقصان عقل الصبى واعتمدنا على ثبوت النظر له من قبل الشرع ومن النظر له أخراجه عن أهلية التصرفات الدائرة بين النفع والضر حتى يكمل عقله ويعلم خيره من شره ونفعه من ضره على التمام وقد ذكرنا تقرير هذا بحيث يشفى الصدور ويزيل الإشكال.
وأما كونه موليا عليه في هذه التصرفات فهو كلام حسن لكن ليس بما يستدل ابتداء في هذه المسألة ولكنه يدخل في أثناء الكلام لتقرير الكلام والله أعلم.
ثم ذكر فصلا في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام. قال: حكم الشرع إنما يلزم بعد بلوغنا إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفسا إلا وسعها ولا وسع إلا بعد العلم فسقط أصلا ضرر ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعا للحرج كما سقط بالصبا وقد روى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ما حول القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم ولم ينكرها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وهذا فصل لا خلاف فيه ثم البلوغ نوعان حقيقة إسماع وحلم لشيوع في قومه فإن النبى ﷺ أمر بتبليغ الناس القرآن كافة وما أمكنه التبليغ إلى كافة الناس وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم وكان مؤديا بذلك حكم الأمر فيكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في الحجة من قومه وإذا لم يطلب حتى جهل كان بتقصير منه ولم يصر ذلك الجهل له عذر أو صار كأنه علم ثم لم يعمل. ألا ترى أن الواحد منا لو لم يعلم الشرائع وجهلها لم يعذر ويلزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام وكذلك الذى إذا أسلم وهو لم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربى في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب غير شائع فيها. قال: وهذا كما قال علماؤنا فيمن أذن
стр. 932
لعبده في التجارة وشاع إذنه ثم حجر عليه لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر حجرا عاما ولهذا قالت الأمة في الحربى يتزوج أختين معا أو على التعاقب ثم فارق إحديهما ثم أسلم بقى نكاح الباقية صحيحا وإن كانت الأخيرة هى الباقية لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحال الثابت قبل الخطاب وكذلك لو تزوج وثنيا ثم فارق الأولى منهن ثم أسلم بقين على الصحة ولو وقع فاسد في الأصل لم ينقلب صحيحا بالإسلام وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو تزوج بغير شهود. وقال أبو حنيفه: لو تزوج الكافر محرما ودخل بها لم يسقط إحصانه وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية.
وكذلك الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا يصير حجة عليهم بحق الشرع بل يقدر ما عهدوا عليه ولأن الخطاب من الله تعالى بأن أمر رسول الله ﷺ بدعوة الكافر إلى الإيمان بالله ورسوله فإن أبوا فبأى الذمتين فيمن جعل لهم الذمة وأى دين يتدينون؟ إلا ما استثنى عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم خطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما يتبدل من أحكام الله بهذا الشرع إلا ما كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى ولهذا لا يحدون على شرب الخمر وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على ملك الأثمان لم تتفرع الأثمان من أيدى متملكيها بالعقود ولم تنقض تلك البيوع ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم الإسلام وصاروا بحيث لا يقرون على الفاسد كما لو أربوا ثم أسلموا قال: وقال علماؤنا إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم قال: وإنما قال الشافعى لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه وكذلك إذا أتلف الذمى على ذمى [فتحاكموا إلى] ١ قاضيا لا يلزم قاضيا الحكم بما عندهم.
قال: وجوابنا أن الحكم بما عندنا وعندنا أنه مال متقوم في حقهم وقال أبو حنيفة: لا يفسد نكاحهم المحرم بمراجعه أحدهم لأن دليله المراجع لا يكون حجة على الآخر هذا كلام وهذا فصل يأتى في مسائل كثيرة من الخلافيات وقد ذكرها وذكرناها ونحن
стр. 933
نقول: إن الخطاب المبتنى على شرع الإسلام بأجمعه قد لزم الكفار إلا في مواضع يسيرة أخرجها الشرع من الخطاب لدلائل قامت على ذلك فقد دللنا على هذا الأصل من قبل.
وأما قوله: إن الخطاب قاصر عنهم فهو لفظ باطل والبلوغ إنما هو ببلوغهم رسالة نبينا ﷺ وقيام الدليل على صحتها وثبوتها وقد تظاهرت الدلائل القاطعة على ثبوت نبوة نبينا محمد ﷺ ولهذا لم يبق لأحد عذر في العالم بترك قبول الإسلام ولأجل قيام الحجج وتظاهر البراهين والأدلة ينزل جميع الكفار منزلة المعاندين المكابرين ولولا أن الأمر على هذا الوجه لعذروا بالجهل وقد اجتمعت الأمة أنه لا عذر لأحد في شئ من الإسلام وشرعه وإن تعلق متعلق بتقريرهم على كثير من الأشياء فذلك من حكم الوفاء بالعهد لا من حيث قصور الخطاب عنهم في شئ ما وإن تعلق متعلق بالأنكحة فصحتها كان يعارض دليل لا من حيث إن خطاب الشرع قصر عنهم أو لم يبلغهم بل إنما حكمنا بصحتها لأنا لو لم نحكم بصحتها أدى إلى مفسدة عظيمة تعود إلى الإنسان وقد كان نبينا ﷺ ولد كافر وكذلك عامة الصحابة رضى الله عنهم فإذا قلنا إن أنكحتهم لا تصح إذا عقد على غير شرط الشرع كان يؤدى ذلك إلى اعتقادنا أن النبى ﷺ وسائر الصحابة خلقوا من أنساب فاسدة محرمة وكان يؤدى ذلك إلى القدح والطعن في أنسابهم وقد ورد الشرع بإثبات نكاحهم نصا. قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] فقد أثبت [كونها زوجته] ١ وقال النبى ﷺ : "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح" ٢ وقال ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب" ٣ وقال: "نحن بنو النضر بن كنانة" ٤ فلمثل هذه الدلائل حملتنا الضرورة على الحكم بصحة أنكحتهم ولم
стр. 934
يكن ذلك لقصور الخطاب عنهم. وأما سقوط حكم الشرب فلم يكن لهذا أيضا بل إنما كان لأن الكافر شرب الخمر معتقدا إباحته فشرب الخمر باعتقاد إباحتها كفر والكفر لا يوجب الجلدات بحال ولأنه قد أعطى عوض الحقن عن إباحته الثابتة نسب الكفر وهو الجزية فلا يجب عليه شئ آخر.
وأما قصة أهل قباء فنحن لا ننكر مثل ذلك في ابتداء الخطاب ولأنه لا يثبت إلا بالسماع فأما في حق الكفار فقد وجد البلوغ قطعا من حيث البلوغ لأنهم قد كفروا بخروج نبى يدعو إلى الله بشريعة مخصوصة والدليل [أنهم] ١ على لزومهم ذلك ولم يبق لهم عذر أصلا والدليل على هذا [الجماع الأمثل] ٢ إجماع الأمة على تأثيمهم في [كل ما خالفوا] ٣ من الذى جاء به النبى ﷺ ولو قصر الخطاب عنهم أو لم يحكم ببلوغهم ذلك لم يتصور الإثم والدليل على ما ذكرنا أيضا إقامة الحدود على أهل الذمة في أرتكاب المحرمات على ما يوافق شرع الإسلام فدل أن الخطاب قد بلغهم وأن اللزوم قد ثبت في حقهم وأن اعتقاد قصور الخطاب وعدم البلوغ اعتقاد باطل وشئ مخترع لا يمكن إقامة دليل عليه مستقيم على أصول الشرع وقواعده والله الموفق للصواب.
ثم ذكر فصلا في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ. قال: هذه الأعذار أربعة أنواع الجنون والعته نوع وهو عذر عدم العقل ونقصانه. والنوم ولإغماء نوع وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصوله. والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع فإن العقل ينعدم معها بسبب الترك مختار. والرابع قسم الرق والحيض فإنه مما ينعدم به شرع بعض العبادات حكما فيثبت العجز شرعا لا طبعا وقد قال بعضهم: الأعذار الاثنا عشر.
النوم والاغماء والاكراه والصبا والجنون والعته والسكر والحيض والنفاس وهما واحد والمرض وعدم السماع والنسيان والخطأ.
قال أبو زيد: أما الجنون فهو بمنزلة الصبى قبل أن يعقل الصبا إذا طال الجنون وبمنزلة النوم إذا قصر والعتة بمنزلة الصبى بعد ما عقل الصبى لأن المعتوه هو الذى اختلط
стр. 935
كلامه فكان بعض كلام العاقل بعض كلام الغافل بعض كلام المجنون وكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله كما يكون في حق الصبى إلا في حق العبادات فإنا لم نسقط به العبادات.
وأنا أقول: إن هذا الكلام باطل لأن العته نوع جنون إلا أنه يعقل قليلا وهو في التأثير في العقل أكثر من الصبى بعد أن عقل فإذا كان ذلك يمنع وجوب العبادات فالعته أولى بالمنع. وقولهم: إن الجنون إذا قصرت مدته يكون كالنوم كلام باطل أيضا لأن العقل قائم في النائم زائل في المجنون رجعنا إلى كلامه.
قال: وأما السفه بعد البلوغ فلا يوجب الحجر لأن السفه ليس بنقصان العقل وإنما هو مكابرة العقل بغلبة الهوى وقد نهاه الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذرا لم يوجب الحجر نظرا له ولم يجعل السفيه وإن كان مغلوبا هو له كالمكروه الذى هو مغلوب لغيره لأن ذلك عذر عند الله تعالى وهذا لم يجعل عذرا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع ولو لم تساعده نفسه وإنما يصير مغلوبا بالمساعدة للهوى مختارا ونحن قد أجبنا عن هذا في مسألة المحجور عليه بالسفه ذكرنا طريقة توجب الحجر على السفيه.
قال: وأما النوم والإغماء فنوع واحد وهو فترة بعارض منع من أستعمال العقل مع قيامه وحكم النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلا على ما قال ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" ١ ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلا وإنما يسقط وجوب العمل إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعا للحرج والنوم لا يمتد عادة بحيث يخرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه عادة لا يمتد مع الليل يوما كاملا إلا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي والإغماء بمنزلته إلا في حق الصلاة فإذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر إذا كانت ستا وفى ذلك حرج والإغماء يمتد هذا القدر من المدة فيجعل مسقطا لوجوب الصلاة دفعا للحرج. بمنزلة الجنون وكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه لا يمتد في العادات شهور وسنين وفى الصلاة كما ذكرنا.
فإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به الخطاب.
стр. 936
قلنا: إن السكر يحصل بسبب هو معصية وهو شرب الخمر المسكر واجتماع ذلك الحرام في معدته لم يجعل عذرا شرعا على ما عرف في غير هذا الموضع وأما باب النسيان فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه. بسبب النسيان للعجز. إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به كقصده ديار زيد لا يتصور بدون زيد وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتوصر وكذلك قصد استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به فصار في حكم العجز وإن نفيت القول الغريزية معه وصار أيضا في حكم النوم لأنه آفة مخلوقة جبلية كالنوم وقد قرن رسول الله ﷺ بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره إلا أن يكون نسيانا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به كالنوم عن سكر ولهذا قلنا: إن من نسى الماء في رحله وهو مسافر فتيمم يجزئه لأنه عجز عن استعماله بالنسيان كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء إلى الخطاب بالتيمم.
قال: وأما كلام الناس إنما يبطل الصلاة لأن أصل حظرية الكلام لا ترتفع بالنسيان وإنما بما ينبنى في الحرمة فحسب حتى لا يأثم إلا أن فعل الكف عن الكلام شرط لصحة الصلاة فلا يتأدى بدونه كما لو نسى الطهارة وصلى بدونها لم يأثم ولا تجوز صلاته.
قال: ونقول أيضا: أن القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسى وكذلك الخطأ في حكم النسيان بدليل أن المخطئ لا يأثم ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٥٢] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ للتحريم وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه في حكم المباح في حق الفاعل.
قال: ونقول إن كلام المخطئ صحيح مثل كلام العامد فإن يمين المخطئ صحيحة مثل يمينه وكذلك نكاح المخطئ وطلاقه وعتاقه ونذره وكل ما لا يبطل بالهزل لا يبطل بالخطأ لأن الموجب لصحة كلامه شرعا قائم مع الخطأ وأما البيع خطأ فلا ينبغى أن يلزم الهزل والكره لأن الشرع بنى لزومه على التراضى مع صحة المعاقدة ولا رضى إلا بعد قصد صحيح.
[قلنا] ١: عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضى وبقى الخيار لعدم الرضى نفسه.
قال: ولنا إذا أسلم الشفعة خطأ بطلت الشفعة لا بالتسليم فإنه يخطئ غير راض به ولكن يترك الطلب كما لو سلمت لوم يلزم ولهذا لم يلزم القاتل الخطأ الكفارة وتحريم الإرث ولو سقط بالخطأ حرمة القتل أصلا ما لزمه حكم القتل المحظور وكذلك الكره
стр. 937
بمنزلة الخطأ أو دونه لأن المكره محظور بما فعله قاصد إياه لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد إلا أنه قصد فاسد لأنه قصد لا راضيا به [وتفويته إتيانه] ١ بل أوقع الشر عن نفسه فلا يحكم إلا بالفساد ولعدم القصد ولا يقع هدرا وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضى كالبيع والإجارة وما لا يلزم مع استثناء الخيار أوقع الهزل وأما يمين المكره ونكاحه وطلاقه وعتاقه فلازم وكذلك الكلام مكرها في الصلاة يبطلها وكذلك الأكل في الصوم مكرها أو سبق الماء إلى حلقه خطأ يفسده.
قلنا: لم يهدر حكم وكذلك من ارتكب محظورا من محظورات الحج خطأ أو مكرها لزمته الكفاره
فإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم. قلنا لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به لكن لم يجب على الفعل كرها بحكم انعدام الفعل منه فإنه جعل المكره الذى حمله عليه كأنه قبض على يديه وقتل بيده إنسانا على ما بينا في موضعه وكذلك وجب على الذى أكرهه لأن الفعل أضيف إليه ومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم القتل كما لو لم يفعل بغير كره.
وأما فعل لا يستقيم أن نجعل المكره المباشرة آلة للمكره فالفعل لا ينقل عنه وبقى مقتصرا عليه على ما بينا في موضعه وإذا بقى عليه وصار فاعلا لزمه حكمه إلا ما يبطله الهزل والأقوال كلها لا يمكن أن يجعل الفاعل عن كره آلة فيه للآمر إذا أمر ولا يمكنه التكلم بلسان غيره وأما القتل فيمكن بيد غيره والأكل والزنا مثل الأول وسائر الإتلافات مثل الثاني.
قال: وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون للجهل بدليله وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل كما يكون من المخطئ والناسى ويكون الجاهل عاجزا حكما كالناسى ويكون الجهل عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان ولهذا قيل: إن العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما مضى باجتهاده ولو سقط أصلا بالجهل ما لزمه النقض كما لو ترك النص بعد رأيه في زمن الوحى. هذا كلامه في هذا الفصل نقلته على ما كان في أصله.
стр. 938
ونحن نقول في هذه المسائل على خلاف ما ذكروا أما النوم فلا يسقط الفرض بحال١ لأنه لا يزيل العقل ويجوز أن يقال إن الواجب عليه بعد اليقظة ولا يجب في حال النوم جريا على ظاهر الخبر وأما الإغماء فإنه يسقط الفرض لأنه مما يزيل العقل.
فإن قالوا: كيف يقال إنه يزيل العقل وهو جائز على الأنبياء.
قلنا: جاز على الأنبياء لأنه يزول في مدة يسيرة وذلك لا يخل بأمرهم فأما إذا طال ووصف بالجنون فلا يجوز لأنه يخل بأمرهم وأما الفرق الذى قالوا في الصلاة وإنه إذا استوعب ست صلوات سقط وإذا لم يستوعب لم يسقط.
ففرق لا يعرف وإنما هو محض تحكم على الشرع والحرج الذى قالوه ليس بشئ لأنه لا حرج في قضاء ست صلوات والمراد في نفى المذكور في القرآن [ ... ] ٢ شيئا لم يجعل لهم من ذلك مخرجا.
فأما الناسى فلا خطاب عليه في حال النسيان وقد بينا أن الكلام [الناسى] ٣ يبطل الصلاة وأكل الناسى لا يبطل الصوم وكذا في كل موضع وجد النسيان فيه فإنه مؤثر في إسقاط الخطاب وطرد [.....] ٤ هذا الشافعى ﵀ وهو صحيح على قواعد الشرع.
وأما مسألة التيمم إذا رأى الماء في رحله وأنه لم يجز تيممه لأن الله تعالى علقه بالعدم وهناك هو واجد لأنه إذا كان الماء موضوعا في رحله غير أنه نسى موضعه فهو واجد له غير أنه غفل موضعه ولأن رحل المسافر موضع الماء ولو طلب وجد وأى عذر له في ترك الطلب وإن لم يتذكر كما لو كان في قرية عامرة وعدم الماء مكانه ونسى أن يطلب فتيمم فإنه لا يجوز لأن القرية معدن الماء ولو طلب وجد فلما كان العجز بسبب هو قصر فيه لم يجعل عذرا وأما الإكراه فهو عندنا معدم للرضى والرضى شرط في كل العقود ليلزم حكمها لأن هذه الحقوق إنما تلزم بإلزامه إياها فلا بد من رضاه بلزومها ليلزم وقد بينا صحيح هذه الطريقة في طلاق المكره وأجبنا عن فصل الخيار.
وأما الذى ادعوه في مسألة الإكراه على القتل وقوله إن المكره آلة وهذا أيضا أصل باطل لأن المكره عاقل بفعل ما يفعله عن قصد صحيح فلا يتصور أن يكون آلة لأحد
стр. 939
وتنزيل عاقل بالغ منزلة خشبة يستعملها في أفعاله محال.
وأما قولهم: إنه يحمل عليه من قبل المكره ويفسد قصده.
قلنا: فساد القصد لا يعرف ولا يعقل والقصد عمل القلب وهو في المحسوس كأعمال الجوارح فتكون صحتها بوجوبها وهذه كلمات أحكمناها في خلافيات الفروع فلا معنى لإعادتها في هذا الموضع.
ثم ذكر فصلا في الحيض والرق فقال: إن الحيض لا يوجب حجرا من حيث ذهاب قدرة القلب بعلمه وعقله أو قدرة البدن ولكنه يوجب عجزا حكميا من حيث فوات الشرط بالأداء في الصوم والصلاة وهو دون العجز الذى يثبت بالنوم وكان القياس أن لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر.
إلا أنا أسقطنا الوجوب به بشرع ورد به وذلك بغلبة الحرج فإن الحيض تعتاده النساء في كل شهر والصلوات تتكرر في كل يوم فلو أمرناها لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت في ذلك فسقط بسبب ذلك الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وهذا المعنى معدوم في حق الصوم فلم يسقط. والرق من هذا القبيل لأنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وهو لا يملك المال ما دام رقيقا وكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلا لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير إذا أدى جاز وكان فرضا بخلاف العبد ولكن إنما لم يجب على العبد لعدم ملك المنافع التي يتأدى بها الحج فإنها عبادة بدنية ومنافعة قد صارت لمولاه إلا ما استثنى الله تعالى في باب الصوم والصلاة ولم يستثنى في باب الحج لأنه لا وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستبن صارت للمولى فلا يعود إليه [.....] ١ كما لا يملك منافع غيره ولا سائر الأموال بتمليك المؤن ولا يصح الأداء بمنافع [.....] ٢ كما لا يصح التكفير بمال المولى وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء والحدود التي تحتمل التنصيف [.....] ٣ وكذلك [.....] ٤ العدة والتطليقات وحق القسم وتبطل الولاية وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة وهذا الكلام الذى قال في الابتداء لا بأس به ونحن نقول بذلك وأما الذى قال في آخر كلامه في التنصيف بالرق فنحن
стр. 940
نقول: إن الرق منصف لما يقبل التنصيف وهذا صحيح في كل ما يتبعض ويتنصف.
فأما الذى لا يقبل التنصيف من الحل فنقول إن الحل في الأمة نكاحا مثل الحل في الحرة ولا ينصف لأنه لا يقبل التنصيف ولأن الرق يفتح باب الحل في محل الرق وما لا يوجد في محل الحرية فلأن يؤثر في الحل الذى يوجد قى محل الحرية أولى وهذا فصل في مسألة طول الحرة ومسألة الطلاق بالرجال والنساء وقد ذكرنا وجه قولهم في ذلك ووجه جوابنا عنه ثم ذكر فصلا في الكفر.
فإن قال قائل: فإنكم لم تذكروا قسم الكفر.
قلنا: الكفر ليس من جملة الإعذار ولأنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام وهو مذهب الشافعى من الفقهاء ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق.
وذكر مسألة خطاب الكفار بالشرعيات واحتج من الجانبين وقد سبق ذكرنا لها وأوردنا حجة الفريقين على التمام والكمال فاستغنينا عن الإعادة وهذا جملة ما ذكروه من الأعذار العامة في أحكام الشرع وقد أوردنا هذا على ما ذكروه وتكلمنا عليه بحيث ما يسر الله تعالى والله أعلم.
ثم ذكر القول في الحجج العقلية قال: وقد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول كإجماعهم على إصابة الحاضرة بالحواس حتى أنك لا تكاد تجد أحدا خاليا عن الاستدلال بها لجديرا به وعقله حتى لم يكن السمع حججا إلا باستدلال عقلى ولا يقع الفرق بين المعجزة والمخرقة والنبى والمتنبئ إلا بنظر عن عقل وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلا عليها بعقلك لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلى في المحسوس ليدرك ما غاب عنه.
قالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء وإنما اختلفوا بعد ذلك.
وقال بعضهم: لا يعرف الله تعالى بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع.
وقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع.
وقال بعضهم: لا يستقل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول فلا معنى للاشتغال بها.
قال: وقال علماؤنا: من لم تبلغهم الدعوة من الكفار لا يقاتل إلا بعد الدعوة وإن قوتلوا أو قتلوا لم يجب شيء.
وقال الشافعي: يضمن.
стр. 941
وقال أيضا: إنهم يعذبون في الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين.
قال ولا نص عن علمائنا في المبسوط إلا ما ذكرنا من هدر الدماء وأنه لا يدل على التزام الكفر بترك الاستدلال فإن المسلم منافيهم عندنا ما يهدر دمه ما لم يجوز نفسه بدار الإسلام.
قال: قال علماؤنا: إن الصبى إذا أسلم وعقل صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله ولم يجر كلمة الشهادة على لسانه لم يحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستنصاب بل كان في حكم المسلم ما لم يبلغ ولو امتنع بعد البلوغ كفر لأن خطاب الشرع بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورا.
قال: واحتمل مثل هذا بعد البلوغ قبل أن تبلغه دعوة أحد فلا نحكم بكفره لجهله بالله تعالى وغفلته عن الاستدلال بالآيات ويحكى عن أبى حنيفه أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى في العالم من آثار الخلق فيحتمل أن يكون ذلك بعد ورود السمع بذلك. فقد حكينا أنهم عذروا الصبى لجهله.
قالوا: وأما الذى قالوا إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا في ذلك إلى أن العقلاء أجمعوا أن الأداء لا يجب إلا بعد ورود الشرع ولو كان العقل حجة كافية وجب قبل الشرع ولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم مع شدة تأملهم واشتهارهم بالحكمة ولا يعرف واحد منهم إصابة ما يتبين بالشرع ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا فإن اختلفوا يجب أن يكون فيهم من أصابه وحين لم يعرف أن أحدا ممن طلب الحق بعقله أصابه على ما عرف بالشرع علمنا أنه لا يعرف بدون الشرع.
قال: وأما الذين قالوا: إنه تقع الكفاية بالعقل ذهبوا إلى أن إبراهيم ﵇ قال لأبيه: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] ولم يقل [أوحى إلى] فثبت أن العقل بنفسه يهدى ولذلك الله تعالى أخبر أن إبراهيم ﵇ استدل بالنجوم فعرف ربه وكان استدلاله حجة على قومه فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وليس في الآية من باب الوحى ذكر وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] ولم يقل نسمهم ونوحى إليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ولم يقل بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم يكن فيه كفاية لما انقطع العذر.
стр. 942
قال: وقول من قال: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول فذلك رحمة من قبل الله تعالى وتفضل منه وربما يقولون بعث الرسول لبيان تتمة الدين.
ببينة: أن الله تعالى لم يدعنا ورسولا واحدا وقد كانت الحجة قائمة لرسول واحد منهم.
قالوا: وأما اختلاف العقلاء فقد وجد اختلاف العقلاء بعد دعوة الرسل أيضا على أن من لم ينل ذلك لتقصير في اجتهاده والمقصر في اجتهاده لا ينال كان الحقيقة وكذلك الغالى يتعداها وإذا جاء الوحى والعصمة عن التقصير والغلو صار الدين واحدا.
وأما الذين قالوا: إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فقد احتجوا بالشرع والعقل. أما الدليل من قبل الشرع قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ وقال عقيب قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] فأخبر أن الإهلاك كان ظلما وهذه الآيات دالة على أن العذر لا ينقطع بمجرد العقل لأن الهوى غالب على الإنسان وطرق هوى الدين محضة تحت غالبة الهوى ومنام القلب والغفلة في دلائل العقل وفى تنبهه عن مؤلم الغفلة بالشرع حرج عظيم أكثر مما يحرج الصبى العاقل بسبب نقصان عقله لإدراكه ما يدركه البالغ من الخطاب المسموع. وقد أخبر الله تعالى لأن لا حرج في الدين وقد ذكر الرسول ﷺ أن الخطاب ساقط عن الصبى مع وجود العقل ويمكنه من الاستدلال فكذلك بعد البلوغ يسقط أيضا بمجرد العقل لأنه لا تفرقة بين الحالين من حيث العقل. ألا ترى: أن العبادات كما سقطت بعذر الصبى سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب ولا يعلم بالعبادات ولأن النفس بهواها غالبة [.....] ١ في أول الفطرة وإذا حدثت حدثت مغلوبة إلا من شاء الله من الخواص وإذا كانت مغلوبة بقيت العبرة للراجح وبقى الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد العقل بالوحى فيرجح على الهوى حينئذ فلا يجوز في الحكمة التزام العمل حسا والعامل مغلوبا بالمانع حسا فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة
стр. 943
مغلوبة مدفوعة بغيرها.
قال: وهذا القول قول بين القولين من التقصير والغلو فقصر من أنكر وجود الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغال من التزم بالاستدلال بالوحى ولم يعذر بغلبة الهوى وهو من الله تعالى وقرب من الإنصاف من قال: إن الله تعالى يعرف بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع والحق بالشرع ونفس العقل لا يميز بين امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبى عقل وبلغ أربع عشرة سنة ونصف بل حال الصبى أكمل من حال البالغة بحيضها بالتسع سنين.
ببينة: أن العاقل لا يرى بناء إلا عرف لها بانيا ولا يعرف نقشا إلا عرف له ناقشا ولا يعرف صورة إلا عرف لها مصورا فكيف يعذر بعد رؤية الصورة في جهله بمصورها وإذا لم يعذر فلا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه بعقله وكيف ينكر هذا والله تعالى يقول حاكيا عن الكفرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وكذلك لا ترى أحدا من الكفار إلا وهو يخبر عن الصانع إنما كفرهم كان لوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد والشريك وكان كفر بإنكارهم البعث بعد الموت للجزاء وكلامنا في نفس الجاهل للصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا تمثل فالبناء شاهد على البانى بلا تمثل في العقول والاستخفاف بالحجة فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر وأنه لم يعذر فهذا أولى بخلاف أول حالة العقل لأنه لأول حالة لا يتنبه لما يتنبه له الكبير ألا بجهد وحرج كالنائم يتنبه فلا يدرك لأول مرة ما يدركه بعد مدة فانتبه قام أن يعذره الله تعالى رحمة ثم قدر مدة العذر ولا يعرف ذلك بالعقل.
قال: والدليل على أن التنبيه لا يقع لأول العقل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] ولم يذكر العقل وقال: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] وقيل: إنه السبب.
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم: ٨] ولم يذكر الوحى بل عايبهم على ترك التفكر.
وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أخبره أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع إلا بالاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل.
стр. 944
قال: وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] وهو كلام توبيخ فيكون بأظهر الأمور وأعلاها وأما قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] أي حجة نفاذ ولا حجة تقبل وكذلك أخذ الله تعالى الميثاق لقطع حجة نفاد وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] أى: لم يهلكهم بظلمهم حتى أرسل الرسول وظهر تعنتهم ولو أهلك لكان عدلا ولكنا أمهلنا إلى حين [.....] ١ عذاب الآخرة أى أخرنا عنهم العذاب إلى بعثة الرسل تأكيدا عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود تأكيدا عليهم
ثم نذكر أقسام دلائل العقل الموجبة فقال: منها ما يدرك بدلائل العقول كحدث العالم ودلالة [.....] ٢ ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمل ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله تعالى ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لا لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلف في حدث العالم المحسوس.
ومنها: ما لا يكون دلالة إلا بتجربة كمعرفة الأدوية والأغلبة ولكن إذا دق المطلوب اختلف فيه الشبة.
ومنها: ما لا يكون دلالة إلا بمعرفة الحس كالنجوم على الطرق والجبال والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما يدرك بالحواس.
واعلم أننا بينا المذهب الصحيح من قبل وقد ذكرنا أن العقل لا يوجب بنصه شيئا ولا يحرمه والذى ذكره فيه ضبط عظيم لأنه إذا اختار أن الله تعالى يعرف بمجرد العقل فيكون قد ناقض وارتكب مالا تتجه صحته لأنه إذا عرف بمجرد العقل وقد أعطاه العقل ولا يحتمل أن يكون واجبا على الخلق فوجب أن يجب عليه إذا كان قد أصاب العقل الذى هو طريق معرفة الله تعالى ولأنه إذا حقق دلائل العقول بنفسها فيجب شكر المنعم والنظر المؤدى إلى معرفة الله تعالى على ما قاله أهل الكلام وقد مهدوا لهذا قواعد لا بد لمن عرف بها أن يحكم بأن العقل بنفسه يوجب ولم أحب ذكر ذلك ولأنه ليس مما يتصل بهذا الكتاب والقول بين القولين إنما يستحب اختياره وسلوك طريق بين الغالى والمقصر إنما يكون أولى إذا أمكن تمشيته فأما إذا لم يمكن تمشيته فلا وعلى أنه قد ذكر أن الموجب للإيمان ليس هو الله تعالى إنما الموجب للإيمان
стр. 945
هو الدلالات التي نصبها في العالم من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وخلق المنيرين والكواكب وغيرها وقد ذكرنا فساد هذه المقالة بل الصحيح والذى يليق بحكمة البارى تعالى ولطفه بخلقه أنه لا يجب الإيمان إلا بعد بعث الرسل وختم الأمر بالوحى الصادق إلى ما نصب من الدلائل الدالة عليه ثم بوجود معونته عليه وتوفيقه له فإن معرفة الله تعالى بصفاته التي هو عليها من أشق المعارف وأعسرها ولهذا ارتبك فيها أكثر الناظرين وتحيروا والتبس عليهم هذا الأمر بحقيقته وأيضا فإن عقلهم مشوب بالهوى وتنبههم غير تام لاستيلاء الغفلة عليهم وفجورهم راجح على تقوتهم فيكون نظرهم بهذه الأسباب مدخولا وفكرهم وارتيابهم معلولا ولهذا لم يخل العبد وعقولهم ولهذا لم يوجد أحد يهتدى إلى الحق على ما هو به بمجرد عقله وظهر لنا أن الحكمة الشرعية مقتضية على ما مهده واستنه ووضعه وهو إعطاء العقل آلة الإدراك ونزول الوحى الصادق بالأمر الصادق والتكليف ثم المعونة من الله تعالى من غير أن يخليه وأمره ويغنيه عن نفسه فإن أغناه عن نفسه فيما كلفه وأمره ويخليه ومحض معقوله لهلك بل هو مخالف بما عرف من تفضل الخالق مع خلقه وجوده وكرمه معهم ونظره لهم وهو الذى قلناه أيضا لا يعرف بمجرد العقل بلا لا يبصر إلا من أيده الله إليه بنوره ورفع بيده من ارتكابه في الظلمات ونجاه من المهاوى والمهالك التي هى [.....] ١ ويسأل الله مما لا وجود له إلا به ولا وصول إليه إلا بمعونته ومنه.
ثم ذكر فصلا في موجبات العقل دينا وقال يعنى بالوجوب: الوجوب في الذمة حقا لله تعالى لوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى وذكر أن هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله تعالى بالإلهية ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى للجزاء الوفاق ومعرفة الدنيا وما فيها بالعبيد المبتلين بضرب يقع يعود إليهم فيها وذكر في هذا قصة طويلة وكلاما كثيرا فلم أر في ذكرها كبير فائدة فيما يرجع إلى أصول الفقة ثم ذكر محرمات العقل وجعلها أربعة أيضا: الجهل والظلمة والعته والسفه وزعم أن الجهل إنما يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح لا تنال غايتها بالحواس وبه غلب على ما في البر والبحر واستسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فيحرم بالعقل ما يفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذى فيه حياته وكما يحرم بالعقل ترك البصر
стр. 946
بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم إطفاء السراج مع إرادته سلوك طريق لا يهتدى إليه بالسراج وإذا حرم الجهل حرمة الظلم لأن حقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله ويكون الأول تركا للرؤية كالذى لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك والذى فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدا كان الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذى تامل وعرف ورد تعنتا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون وقارون حيث جحدوا بعدما اشتدت منة أنفسهم وأما العبث فيحرم أيضا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة فلا يحتمل عقلا إلا لفائدة أولى.
ومنها السفه لما أوجب مضرة كان أقبح من الأول لوجوب معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة من ضرر فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ثم ذكروا أربعة أخرى تحرم بالعقل وقال هى الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيه والإنكار بالصانع والإنكار بالعبث للجزاء. وذكر أن الطاغوت كل ما عبد من دون الله وأورد في هذا فصلا بعباراته ونحن نقول إن الفعل بمجرده لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا يفصل فيها تفصيلا بوجه ما والأصل أن كل ما ينال بفعله أو كل ما ينال بالانتهاء عنه السعادة الأبدية.
قلنا: لايثبت سببا من الأمر به أو النهى عنه إلى مجرد العقل لما ذكرنا فلا نعيد.
ثم ذكر فصلا في مباحات العقول وهذا قد سبق الكلام فيه وهى المسألة المعروفة أن الأشياء أصلها على الحظر والإباحة أو على التوقف عن غير اعتقاد حظر ولا إباحة وهذه المسألة سبقت بجوانبها وحواشيها فلا نعيد ثم ذكر في آخره فصلا في أحوال قلب الآدمى قبل العلم وأحواله بعد العلم.
قال: يولد الإنسان وهو بصير كالمجنون في عدم العقل ليس معه قدرة التمييز الذى بها خواطب الإنسان بهذه العلوم وضده العاقل لا العالم ثم يصير غافلا [.....] ١ عن نور في الصدر يبصر به القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر الحجج كما أن العيين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادرا على البصر لكنه على جهل ما لم يبصر وضد الجهل العلم ثم ينظر نظرا ضعيفا فيصير شاكا والميل والشك
стр. 947
ضد اليقين وذلك كالشئ يبدو للعين إذا نظر إليه بدرا غير قوى فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود الشئ وبين خيال يميل العين ثم يبصر بعد ذلك نظرا فوق ذلك غير تام فيصير ظانا والظن في اعتقاد العلم احد وجهى الشك برجحانه على الآخر بهوى لا بدليل هو دليل على الحقيقة وضد الظن الحق على ما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [النجم: ٢٨] ثم إذا صار النظر على وجهه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهى الشك بالحجة ورجح ومال القلب إليه من غير تعلم فذلك مبدأ العلم فغالب الرأى والعلم الذى يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة وهذا يسمى علما لكنه على المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتماله مع هذا الدليل واسمه على الخصوص من الحق لأنه ثبت عن دليل وضده الظن وإذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس ثم إذا جد في النظر وقعت الإصابة وزالت الشبهة من كل وجه صار عالما فصار حكم العلم رؤية للقلب المنظر فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين وقد تستبعد الرؤية عن العين للقلب كالرؤية إنما تكون بتبدى المنظور إليه وكذلك العلم يتبدى المنظور فيه للقلب.
قالوا: واللاعتقاد صفة زائدة للقلب بعد العلم يعلم ثم يعتقد الإنسان بقلبه على ما رأى.
قال: وقد كان إبليس عالما بالله ولم يكن معتقدا والاعتقاد بالقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم حمل بها فيكون الاعتقاد تصديقا بقلبه على ما علم وإن ترك الاعتقاد كان تكذيبا لقلبه.
قال: ثم العلم الأول ما يقع للقلب يكون رؤية بالقلب فإذا دامت الرؤية وزال الاضطراب صار العلم معرفة كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبت بينهم المعرفة وإن كان قد ثبت العلم باول رؤية ولهذا يقال للبهائم عرفت كذا ولا يقال علمت كذا لأنها لا تعرف شيئا إلا بالعيان الذى يزيل كل اضطراب والعلم ما يكون [إلا] ١ بنظر القلب والاستدلال الذى هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب بدوام الصحبة قبل المعرفة وضد المعرفة نكرة وضد العلم الجهل ويقال علمت فلانا ولكنه ليس من معارفى إذا لم يكن بينهما صحبة فعلمنا أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة
стр. 948
للصحبة للقلب لا زيادة درجة الثبوت فإنهما سببان في اليقين ثم العلم بعدما يصير معرفة يتنوع إلى ضربين: علم الظاهر دون المعنى والباطن الذى فيه الحكمة وعند تأيد القلب به يصير معقولا له ويجرى مجرى الطبيعة فمتى نظر بدلالة عقلية وقف على الباطن [وتأيد] ١ القلب به بعد ما اطمأنت إليه [.....] ٢ فقهاء والفقه على ضربين ضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذى يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة ولو كان العلم والفقه سواء لكان ضد الفقيه هو الجاهل لا عالم يعلم نوعا من العلم فإلى هذا تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب أنه من غير يقين فيميل إليه ثم تزول الشبهة فيصير علما حقيقة ثم ينزل علمه فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليها فيصير فقها وقد فسر عبد الله بن عباس الحكمة بالفقه في جميع القرآن ولهذا نص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون إلا بالوقوف على المعانى الباطنة غير أن الله تعالى يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة والفقه
لأن العلم يبتدى المعلوم للعالم على حقيقته والله تعالى لا يخفى عليه شئ فكان عالما والفقه والمعرفة اسمان إلى العلم على ما مر ذلك وليس لله تعالى أحوال في صفاته وأسمائه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا علم لنا إلا عن دليل والدليل قد يكون حسيا وقد يكون عقليا فالحسيات تشارك البهائم الأدميين في المعرفة الواقعة بها فإنها تعرف أولادها وأحبائها ومراحها ومسرحها لأن لها حواس كما في الآدميين إنما يفارق الآدمى غيره فيما لا يعرف إلا بدلائل العقل إلى آخر ما ذكره.
وهذه الكلمات لا بأس بها وقد تمهدت لنا أصول وقواعد في الديانات بفروعها فما استقام عليها قبلناها وما لا يستقيم عليها رددناها والله الموفق للأرشد والأصوب.
وذكر بعضهم فصلا في تباين ما خص الله تعالى الآدمى بها.
قال: ومنها: الذمة اختص بها الآدمى من بين سائر الحيوانات وسميت رقبة الآدمى الحر ذمة وإنما سميت رقبته ذمة لأن الذمة عبارة عن العهد والحرية ولهذا سمى الكافر المعاهد ذميا لأنه ذو عهد وحرمة والله تعالى جعل الآدمى ذا حرمة عظيمة وشرفه على سائر الحيوانات ولما صارت رقبة الآدمى الحر محترمة كانت محلا لوجوب الحقوق له
стр. 949
وعليه من الحقوق فيقال: وجبت الحقوق في ذمته وذكروا على هذا في مسألة الميت المفلس وعندي أن هذه القاعدة ليست بشئ والرقبة لا تكون ذمة وإنما الذمة عبارة عن محل الوجوب فحسب وقد جعل الله تعالى الآدمى بمحل أن يجب له وعليه ثم عبر عن محل الوجوب بالذمة ولا يمكن أن يعبر بأكثر من هذا ومما وراء هذا القدر كله فضول من الكلام.
قال: ومنها الملك اختص الآدمى بملك الأموال وبملك النكاح من بين سائر الحيوانات فإنه ليس بشئ من الحيوانات يملك سوى الآدمى وهو نوع شرف للآدمى حتى التحق بسبب تلك الحرمة بالأحرار والملوك في الآخرة وإن كان عبدا خلقه والملك عبارة: عن قدرة حكمية. يقال: ملك فلان أكل الطعام وملك الشئ إذا قدر عليه وهذه القدرة الحكمية هي القدرة على التصرفات المشروعة المباحة والملك صفة الملك على الحقيقة وقد يوصف به المملوك أيضا يقال لفلان ملك في هذه العين وإنما وصف المملوك به لأن الملك ثبت للمالك لمعنى في المملوك وهو المالية فاتصف المملوك به لكونه سببا.
ومنها: الولاية وهى عبارة عن القدرة الحكمية وهى القدرة على التصرفات وهى قدرته على أداء الشهادات وتعبد الأحكام وفعل العقود فمتى كان الإنسان أهل الولاية على غيره بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا وتلك الأسباب السلطنة والقرابة وغير ذلك والولاية حق المولى لأن المولى عليه هو المتنفع بها.
ومنها [.....] ١ فإن الآدمى يدا حكمية كما له يد محسوسة وهى عبارة عن القدرة على الحفظ يقال هذا الشئ في يد فلان أى هو القادر على حفظه.
قال: ومنها ملك اليد وهى عبارة عن ثبوت ولاية الحفظ فللمرتهن ملك اليد وكذلك المودع لأن لكل واحد منهما ولاية الحفظ.
قال: العبد أليس له ملك يمين وله ملك نكاح وهذا التفريق بالشرع لأن ملك اليمين يثبت للحاجة ولا حاجة للعبد إلى إثبات الملك له فلا يثبت وله حاجة إلى إثبات ملك النكاح فثبت وهو أيضا قدرة شرعية مخصوصة تثبت بسبب مخصوص.
قالوا: وأما الرق عبارة عن الضعف الحكمى الذى به يصير الآدمى محلا للتملك وما هو بعقوبة لكنه سبب يحمل الكافر على الإسلام لأن حرمان القوة الحقيقة لا تثبت عقوبة وكذلك حرمان القوة الحكمية لا تكون عقوبة
ولهذا نقول: إن الرق لا يدخل
стр. 950
تحت الملك لأن الضعف الحقيقى لا يتصور دخوله تحت الملك كذلك الضعف الحكمى ولهذا يجوز استرقاق الصبى والمجنون وهما لا يعاقبان في الدنيا.
وقول من قال: إنهما يسترقان ليس بصحيح لأن الاتباع في العقوبة غير مشروع فلا يمكن أن يقال: إنهما يعاقبان به.
قال: وأما الكافر فله ملك يمين وملك نكاح وله جميع الولايات في حق الكفار لمساس الحاجة إليها وهو مرقوق مال فإنه غرضه التمليك بالأسباب كالصيود والجمادات. وأما المالية فهى غير الملك والرق وهى عبارة عن منافع ذات غير العين وكل عين ينفع به غير الآدمى الحر فهو مال لأن الله تعالى جعل الآدمى مالك الأموال يستحيل أن يكون مالا ولهذه الأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها بنفسها وهو مما لا يضمن بها كحبة حنطة وشعير وكسرة خبز وقطرة ماء.
قال: وأما الأشياء التي حرمها الشرع ومنع الناس من الانتفاع بها إن كان شيئا يرغب الناس في إمساكه للانتفاع به في حالة يباح الانتفاع يكون مالا كالخمور وجلود الميتات فإن الناس يضنون بها لينتفعوا بها في [ثانى] ١ الحال فيكون مالا لأن المال ما يميل طباع الناس إليه ولهذه سمى مالا وطباع الناس تميل إلى هذه الأشياء لمنافع تظهر لها في ثانى الحال فيكون مالا مثل الأطفال والجحوش للحمر والمهر للأفراس وأما الميتات والعذرات وما لا يقصد الناس إلى إمساكه فليس بمال وأما الحر فهو مال في حق الكفار وأما في حق المسلمين يجب أن لا يكون مالا وأما الصيود في البرارى فهى مال وهذه كلمات تكلمنا عليها في الخلافيات.
وعندنا الرق والمالية بمعنى واحد إلا أن المالية والملك في الآدمى يسمى رقا ولأن الرق يدخل تحت الاستحقاق ويدخل تحت الإثبات عن الآدمى ويدخل تحت الإسقاط بالعتق فيكون حقا ثابتا لبنى آدم مثل سائر الحقوق والباقى قد تكلمنا عليه.
ثم ذكر فصلا في انعقاد العقود الشرعية وحكى عن بعضهم أن الانعقاد هو أن [يأتى] ٢ أحد العاقدين بكلام [.....] ٣ وهو كلام البائع بكلام المشترى في الشراء وسائر العقود من حيث الشرع.