في مصطلح الإرهاب وحكمه قراءة نقدية في المفهوم والحكم من منظور شرعي إعداد
أد. قطب مصطفى سانو
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنظمة المؤتمر الإسلامي
وأستاذ دكتور في الفقه وأصول الفقه بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
ومدير المعهد العالمي لوحدة المسلمين بماليزيا
بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الدراسة: في الأهمية والآفاق:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد صحا العالم صبيحة يوم الثلاثاء الموافق١١ سبتمبر عام ٢٠٠١م على تلك الفاجعة التي حلَّت بالديار الأمريكية، وراح ضحيتها آلاف من الخلق من سائر الأجناس والأديان والألوان، فمنذ ساعتئذ، غدا حديث العامة والخاصة في جميع أرجاء المعمورة يدور حول ظاهرة مشؤومة قديمة جديدة ضاربة الجذور في أعماق تاريخ الإنسانية، إنها ظاهرة العنف والترويع (الإرهاب) وظاهرة الغلو والغلاة (الإرهابيِّين، والمتطرفين) في التفكير والتصرف والسلوك.
стр. 2
وانطلاقا مما لهذه الظاهرة المتشعبة والمعقّدة من أسباب وآثار فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، فقد عقدت مئات المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية والسياسية والاجتماعية على المستوى المحلي والدولي بغية مناقشة هذه الظاهرة، وتأصيل القول في حقيقتها، وأسبابها، وسبل مكافحتها، وإنقاذ البشرية منها.
في خضم هذا الاهتمام العالميِّ والإعلاميِّ الكبير بهذه الظاهرة، أمسى الشارع الإسلاميُّ كالعادة يتطلع إلى قولٍ علمي أصيل رزين ورصين ومفصل إزاء هذه الظاهرة، يخرج المسلم المعاصر من دوامة الرهق الفكريِّ والتشتت المرجعيِّ الذي يتقلب فيه ليل نهار نتيجة التناقض والتعارض والتنافي الذي اتسمت به الفتاوى والآراء والاجتهادات الفقهيَّة حول هذه الظاهرة؛ إذ إنَّه يكفي المرء أن يلقي بنظرةٍ عجلى متفحِّصةٍ في تلك الفتاوى، فسيجدنَّ ثمَّة فتاوى تجرِّم العنف (الإرهاب) وتبرِّئ ساحة الإسلام كلِّ الإسلام من هذه الظاهرة ومن ابتلوا بها، وتعدها خروجًا ومخالفةً صارخةً لمبادئ الإسلام السمحة التي تدعو إلى التسامح، وحقن الدماء، وصيانة الأموال والأعراض، وحماية البيضة، وحفظ نظام الأمة.
стр. 3
وإذا أرجع المرء بصره كرَّةً أخرى، فسيلفينَّ مقابل تلك الفتاوى، فتاوى مناقضة متعجلة ومتسرعة، تبارك العنف والترويع (الإرهاب) ، وتزجّ بشباب الأمّة وفلذات أكبادها في أتون كثير من الأعمال والتصرفات التخريبية المشوِّهة لصورة الإسلام والمسلمين، وقد دفعت هذه الفتاوى كثيرًا من البسطاء والبلهاء والمفتونين إلى إزهاق الأرواح البريئة المعصومة بعصمة الدين والدار، وإثارة الفتن والبلابل والقلاقل، وإضاعة الأموال والثروات، وهتك الأعراض والحرمات ظلما وجورًا!
إنَّ النظر المتمعن في هذه الفتاوى والاجتهادات الصادرة إزاء هذه الظاهرة، يحفز المرء إلى تقرير القول بأنَّ الحاجة تمسُّ إلى القيام بقراءة نقدية موضوعية رصينة متزنة تعتصم بأصول الشرع الناصعة، وتستحضر مقاصده السامية، وتلتزم بمقرراته الخالدة الثابتة، وتستنير باجتهادات أئمة السلف الصالح، وتنطلق تلك القراءة من النظرة العلمية الشمولية المتكاملة التي تتبرأ من المنهجية التطويعية، والنظرات التجزيئية الحماسيّة المهلكة، والانطباعات العاطفيّة، والتأثر السلبيِّ بما يموج به العالم من أحداث ومواقف غير منصفة للإسلام والمسلمين على حد سواء!
стр. 4
لقد كان حريًّا بأولئك الذين أفتوا بمشروعية أو مباركة هذه الظاهرة الخطيرة التي عمَّت بها البلوى وأوشكت أن تقضي على مقاصد الشرع برمتها التزام العلميّة والموضوعيَّة والتجرد كما هو منهج المحققين من أئمة السلف الصالح في تعاملهم مع مستجدات العصر، ذلك المنهج الذي يملي على من توافرت فيه أهلية الاجتهاد والإفتاء ضرورة استفراغ طاقته الذهنيَّة والحسيَّة الشاملة والمتكاملة والقائمة على حسن الإحاطة بحقيقة المسألة المجتهد فيها عملا بالقاعدة الأصولية الناصعة المتفق عليها لدى المحقِّقين من أهل العلم بالأصول: الحكم على شيء فرع عن تصوره.
وفضلًا عن ذلك، لقد كان حقيقًا عليهم - في خضم بحثهم عن حكم الله في هذه المسألة - التفريق بين ثبوت الحكم بدليله الشرعيِّ وبين تنزيل ذلك الحكم وتطبيقه على حادثةٍ من الحوادث، فثبوت الحكم بدليله الشرعيِّ في الكتاب والسنَّة لا يعني - بأي حالٍ من الأحوال - نهاية مطاف الهمِّ الاجتهاديِّ، وإنَّما ينبغي أن يعقبه اجتهادٌ آخر سمَّاه الأصوليُّون ذات يومٍ تحقيق المناط، ومقتضى هذا الاجتهاد التحقق من مدى انطباق الحكم الشرعيِّ على حادثةٍ بعينها دون غيرها.
стр. 5
وأما أولئكم العالمون الذين أفتوا بتجريم هذه الظاهرة وبيان زيف الآراء المباركة إياها، فقد كان قمنًا بهم تأصيل القول في حقيقة هذه الظاهرة بصورة علمية رصينة، كما كان حريا بهم تحرير القول في عدم وجود أدنى رحم بين هذه الظاهرة وفريضة الجهاد التي شرعها الله وأمر بها في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ * ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩-٤٠] وفضلا عن ذلك، فإنه من الحقيق على المحققين من أهل العلم تأصيل القول في حكم الشرع فيمن تورط في هذه الظاهرة بناءً على غبش في الرؤية، وضعف في البصيرة، وخلطٍ في المفاهيم والمنطلقات.
стр. 6
وتأسيسًا على هذا، فإنّ هذه الورقة ارتأت أن تعنى بتحقيق القول تحقيقا علميا رصينا في مفهوم هذا المصطلح تمهيدًا لبيان حكم الشرع المناسب له، حتى إذا ما تبدى مفهومه بصورة علمية موضوعية رصينة، حق له البوح بحكم الشرع فيمن ابتلي بهذه الظاهرة، وسيعقب ذلك نظرة في مدى انطباق ذلك المفهوم على عدد من الأحداث الأخيرة التي عانت ولا تزال تعاني منها العديد من الديار الإسلامية في هذا العصر الذي غدا فيه المنهج النبوي الحصيف في التغيير والدعوة كبريتا أحمر! وستنتظم الدراسة ثلاثة مباحث، يُعنى أولها بضبط المراد بمصطلح الإرهاب وأشكاله من منظور شرعيٍّ، وسيتصدى المبحث الثاني لبيان حكم الشرع في الإرهاب، وأما المبحث الثالث فسيكون حديثا ضافيا حول مدى انطباق حكم الإرهاب على تلكم الأحداث المؤلمة التي تجتاح العديد من الديار الإسلامية شرقا وغربا في هذه الأيام؛ وستوظف الدراسة المنهج التحليلي النقدي في نسج خيوطها، والربط بين فقراتها وموضوعاتها.
والله نسأل أن يجعل الإخلاص والتوفيق حليفنا، وأن يعصمنا من الزلل والخطل، ويأخذ بأيدي الغالين والمتطرفين ويعيدهم إلى الجادة وسواء السبيل، إنه ولي ذلك، وعليه قدير.
стр. 7
المبحث الأول في مصطلح الإرهاب (١) وأشكاله من منظورٍ شرعيٍّ أولا: في مصطلح الإرهاب
إنَّ نظرة متفحّصة في تراثنا الفكريِّ والعقديِّ والسياسيِّ والفقهيِّ تهدينا إلى تقرير القول بأنَّ هذا التراث خلا من التعرض لذكر أيِّ تعريفٍ معتبرٍ لهذا المصطلح، بل إنَّ نصوص الكتاب الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة تجاوزت صياغة أيِّ تعريفٍ منضبطٍ له، وقد وردت مادة رهب ومشتقاتها (استرهب، أرهب، رهب) في حوالي ٨ آيات من القرآن الكريم (٢) ، ولا يشتمل أيٌّ منها على أدنى تعريف لمصطلح الإرهاب، بل إن له معاني متعددة وفق السياقات التي جاءت في تلك الآيات المباركات.
وأما المدوَّنات الفقهيَّة القديمة، فإنها لم تعن - حسب علمنا المتواضع - بذكر أدنى تعريفٍ لهذا المصطلح الذي لم يكن له حضور عند الأقدمين من الفقهاء والمفسرين وغيرهم، كما لم يفرد له باب بعينه، مما يجعلنا نفزع إلى تقرير القول بأنّ هذا المصطلح لم يحظ بتعريفٍ من لدن العلماء القدامى، وما يجده المرء في هذا العصر لا تخلو من أن تكون اجتهاداتٍ معاصرة من لدن بعض الفقهاء المعاصرين الذين أفتوا بتجريمه أو بمباركته.
стр. 8
وما دام الأمر كذلك، فلننصرف إلى التعرف على بعضٍ من التعريفات التي جاد بها هذا الزمان، مقرِّرين منذ البداية بأنَّ عامَّة الباحثين في الفكر السياسيِّ والجنائيِّ المعاصر، يتفقون على استحالة إمكانيَّة صياغة تعريفٍ دقيقٍ للإرهاب يحظى بقبول عامَّة الباحثين والسياسيِّين، كما يتفقون على تأثر سائر تعريفاته بخلفيَّات واضعيها وتصوراتهم عنها، مما يجعل من المتعذر - إن لم يكن من المستحيل - صياغة تعريفٍ جامعٍ مانعٍ يتفق عليه الناس (١) ، إذ إنَّ ما يعده بعضهم إرهابًا، يراه آخرون مقاومةً مشروعةً، ودفاعًا عن الحقوق الشرعيَّة المسلوبة وسواها، بل ما يراه بعض آخر إرهابًا، يعدُّه الآخرون جهادًا ودفاعًا عن حمى الدين والعقيدة والعرض والأرض. ومهما يكن من شيءٍ، فلنعرض تعريفين معاصرين للإرهاب نخالهما مهمين بحكم مصدرهما ومكانة واضعيهما التشريعيَّة في العالم المعاصر.
стр. 9
وأما التعريف الأول، فهو التعريف الذي انتهى إليه عددٌ من أهل العلم في مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة في الآونة الأخيرة، وهذا نصُّه: ". . الإرهاب هو ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانيَّة بغيًا وإفسادًا في الأرض " (١) . /٥٠ وأما التعريف الثاني، فهو التعريف الذي يتبناه مكتب التحقيقات الفيدراليّ الأمريكيّ FBI، وهذا نصُّه: " الإرهاب عبارة عن الاستخدام غير القانوني للقوة أو العنف ضدَّ الأفراد والممتلكات لإجبار أو إرغام حكومة أو مجتمع مدنيٍّ لتحقيق أهدافٍ سياسيَّة أو اجتماعيَّة " (٢) . /٥٠ بالنظر في هذين التعريفين الصادرين عن هذين المصدرين المهمين في العالم الإسلامي والعالم الغربي، نجد أنَّ ثمَّة ملاحظات منهجيَّة وعلميَّة وموضوعيَّة عديدة ترد على كل واحدٍ منهما، وهي:
أغياب الموضوعيَّة العلميَّة المنضبطة عند الصياغة:
стр. 10
إنَّ كلا التعريفين تضمَّنا تحديدًا أوليًّا لحكم الإرهاب قبل إعطاء تصورٍ كافٍ عن حقيقته، فتعريف مجمع البحوث الذي توصل إليه السادة الفقهاء، قرَّر بأنَّ الإرهاب تخويفٌ وترويعٌ للآمنين من أجل البغي والعدوان والإفساد في الأرض، وبناءً على هذا، فإنَّه حرامٌ لا يقرُّه شرع من الشرائع السماويَّة، ذلك لأنَّ كلًّا من البغي والعدوان والإفساد محرَّم تحريمًا قاطعًا بمقتضى نصوصٍ شرعيَّةٍ قطعيَّةٍ في الكتاب والسنَّة.
وأما تعريف مكتب التحقيقات فإنَّه قام - هو الآخر - على تحديدٍ أولي لحكم الإرهاب من المنظور القانوني، إذْ إنَّه عدَّه استخدامًا غير قانونيٍّ للقوَّة والعنف ضدَّ الأشخاص والمجتمعات والحكومات من أجل تحقيق أهدافٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ، ويعني هذا أنَّ الإرهاب مخالفةٌ صارخةٌ للقانون، ومخالفة القانون جريمةٌ يعاقب عليها فاعلها.
ب التعميم غير المنضبط لموقع المرهب:
стр. 11
اتسم كلا التعريفين بانتهاج العموميَّة والإطلاق غير المقيَّد على مستوى تحديد طبيعة ومكانة المرهب في منظومة الأمان من المنظور الإسلاميِّ والمنظور القانونيِّ، فتعريف المجمع عنى بتقرير القول بأنَّ الإرهاب ترويع للآمنين، ولم يحدِّد مصدر الأمان لأولئك الأشخاص في المنظور الإسلاميِّ، كما لم يحدِّد مدى استحقاق وعدم استحقاق أولئك الأشخاص الأمان في ذلك المنظور. وقد كان حريًّا به الإشارة إلى مصدر الأمان وموقع المرهب في منظومة الأمان في الحسِّ الإسلاميِّ. وأما تعريف مكتب التحقيقات فلم يخل هو الآخر من هذا التعميم غير العمليِّ، ذلك لأنَّه عد كلَّ الإرهاب استخدامًا غير قانونيِّ للقوَّة، ولم يحدِّد المعيار الذي يستند إليه في تحديد قانونيَّة وعدم قانونيَّة استخدام القوَّة، كما أنَّه تجاوز تحديد مدى استحقاق وعدم استحقاق أولئك الأشخاص المرهوبين الأمان من المنظور القانونيِّ. ولهذا فقد كان حقيقًا عليه الإشارة إلى مصدر الأمان وموقع المرهب في منظومة الأمان في القانون.
ج التعميم لأهداف الإرهاب:
стр. 12
إنَّه من الملحوظ على كلا التعريفين التعميم على مستوى الأهداف، حيث إنَّهما جعلا أهداف الإرهاب كلِّ الإرهاب أهدافًا غير مشروعةٍ، وبالتالي، فإنَّه لا بدَّ له - والحال كذلك - من أن يكون حرامًا من المنظور الإسلاميِّ، وأن يكون جريمةً من المنظور القانونيِّ، ويعد تعريف المجمع أكثر تعميمًا، ذلك لأنَّه عدَّ أهداف وغايات الإرهاب كلِّ الإرهاب بغيًا وعدوانًا وفسادًا في الأرض، ولا يخفى ما في هذا التعميم من عدم الموضوعيَّة والواقعيَّة، إذ إنَّه من المعروف لدى أولئك السادة وغيرهم وجود أنواعٍ من الإرهاب لا تروم البغي ولا العدوان ولا الإفساد في الأرض، وإنَّما تسعى إلى تحقيق أهدافٍ مشروعةٍ في نظر الشارع حينًا، وفي نظر القانون حينًا آخر، مما يجعل تعميم أهداف الإرهاب منهجًا غير علميٍّ.
стр. 13
ولهذا، فإنَّنا لا نخال تعريف أولئك السادة الفقهاء في مجمع البحوث تعريفًا علميًّا دقيقًا، وخاصَّة إذا علمنا اليوم أنَّ جميع دول العالم تسلِّح نفسها وترفع من قدراتها وصناعاتها العسكريَّة إرهابًا لغيرها وترويعًا للطامعين في أمنها وخيراتها، ويعرف هذا التسلُّح في لغة العسكريِّين بالتسلُّح السِّلميِّ، ولا يصحُّ عقلًا ولا شرعًا عد هذا النوع من الإرهاب بغيًا وعدوانًا وفسادًا في الأرض. وثمَّة مثل فرنسي يقول: Celui qui prepare la guerre prepare la paix (من يستعدُّ للحرب يستعدُّ للسلام) .
стр. 14
وأما تعريف مكتب التحقيقات، فإنَّه تجاوز هو الآخر التنصيص على جانب مشروعيَّة وعدم مشروعيَّة أهداف الإرهاب، إذْ إنَّه اكتفى بتقرير القول بأنَّ ثمة أهدافًا اجتماعيَّة وسياسيَّة يسعى الإرهابيُّ إلى تحقيقها، ولم يبيِّن - في خضم هذا - مدى مشروعيَّة تلك الأهداف وعدم مشروعيَّتها. وعليه، فلقد كان حريًّا بكلا التعريفين الابتعاد عن هذا التعميم ذلك لأنَّ أهداف الإرهاب وغاياته متعددة، وتختلف من إرهابيٍّ إلى إرهابيٍّ، وهذا ما يجعل حكمه مختلفًا نتيجة اختلاف أهدافه وغاياته سواء في المنظور الإسلاميِّ أو في المنظور القانونيِّ ذاته.
على أنَّ ضبط أهداف الإرهاب ضبطًا محكمًا من شأنه ضبط حكمه في المنظور الشرعيِّ وفي المنظور القانونيِّ، ولا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال ضبط حكمه تحليلًا وتحريمًا ما لم يتمَّ ضبط الأهداف والغايات من ورائها، وما لم يتمَّ تحديد موقع المرهب في منظومة الأمان في المنظور الشرعيِّ وفي المنظور القانونيِّ.
стр. 15
وصفوة القول، إنَّنا نعتقد أنَّ أيَّ تعريفٍ للإرهاب ينبغي أن يتضمن التفاتًا إلى مدى مشروعيَّة وعدم مشروعيَّة أهدافه وغاياته من المنظور الشرعيِّ ومن المنظور القانونيِّ، إذْ إنَّه من شأن الأهداف التأثير على حكم الإرهاب في المنظور الشرعيِّ أو القانونيِّ إن تحليلًا أو تحريمًا، كما يجب أن يتضمن قبل ذلك تحديدًا لموقع المرهب في منظومة الأمان من المنظور الشرعيِّ والمنظور القانونيِّ، وبتعبير آخر لا بدَّ من اشتمال تعريفه على التفريقٍ بين من يجوز إرهابه وترويعه عقلا وشرعًا، وبين من لا يجوز إرهابه عقلا وشرعا، ذلك لأنَّ عدم التفريق بين مرهَب ومرهَب (مرهوب) يجعل التعريف فضفاضًا منسابًا لا يمكن ضبط حكمٍ علميٍّ شرعي أو قانوني له. وبناءً على هذه الملحوظات المنهجية والموضوعية، فإننا نرى أنّه يمكن تعريفه تعريفا علميا منبثقا من الأبعاد السالف ذكرها وفق المنظور الإسلامي، وذلك كالآتي:
стр. 16
مطلق الترويع الحسي أو المعنوي المتعمد للآمن فردًا أو جماعةً أو دولةً بأمان الدين أو الدار، أو غير الآمن بأمانهما، وذلك من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنون فيه، أو من أجل تحقيق غرض غير شرعيٍّ معتبرٍ مطلقًا.
إنَّ الإرهاب وفق هذا المنظور يشمل جميع أشكال تخويف الإنسان غيره وترويعه سواء أكان ذلك من خلال الاعتداء عليه اعتداءً حسيّا بإزهاق روحه، أو إتلاف ماله، أو هتك عرضه، أم كان اعتداءً معنويًّا غير ملموس متمثّلا فيما يمكن تسميته بالاعتداء الاعتباريِّ على الآخر كالقذف والشتم والسبِّ، وإلصاق أبشع التهم، وسوى ذلك.
стр. 17
ويستهدف الترويع وفق هذا المنظور الآمن بأمان الدين والدار معا (المسلم في دار الإسلام) والآمن بأمان الدين لا الدار (المسلم في دار العهد أو دار الحرب) كما يستهدف الآمن بأمان الدار لا الدين (المعاهد في في دار الإسلام أو في دار العهد) ، وربما استهدف الترويع غير الآمن بأمانهما (الحربي في دار الحرب) ، فضلًا عن ذلك، فإنَّ هذا الترويع كما يكون للفرد يمكن له أن يكون لجماعةٍ أو لدولةٍ برمَّتها بغضِّ النظر عن الدين والجنس والعرق واللون والمكانة الاجتماعيَّة والسياسيَّة والفكريَّة، ويعد في جميع هذه الأحوال إرهابًا.
وأما بالنسبة للأهداف التي يروم المروّع تحقيقها، فإنّها لا تخلو من أن تكون أهدافًا شرعيَّة مقطوعًا بها، أو مظنونًا فيها، أو تكون أهدافًا غير شرعيَّة مطلقًا، وفي كل الأحوال لا يخلو الإرهاب من غرضٍ شرعيٍّ، أو غير شرعيٍّ. وبطبيعة الحال شرعيَّة الأهداف لا تعني بأي حال من الأحوال شرعية الترويع، ذلك لأن الغاية في شرعنا لا تبرّر الوسيلة.
стр. 18
وعلى العموم، إن الإرهاب وفق هذا التصور، يولي اهتمامًا واضحًا بموقع المروَّع (المرهب) في منظومة الأمان في المذهبيَّة الإسلاميَّة، كما يشير بطريقة غير مباشرة إلى مصدر هذا الأمان في الحسِّ الإسلاميِّ وهو الدين والدار، وفضلًا عن ذلك، فإنَّ هذا التصور حاول - كما سبق - استحضار جانب المشروعيَّة وعدمها في أهداف الإرهاب، وجانب القطعيَّة والظنيَّة في تلك الأهداف، ويقرِّر هذا التعريف بطريقة غير مباشرة بأنَّ للإرهاب أحكامًا متعددة ومختلفة باختلاف طبيعته، وأهدافه، مما يجعل الانتهاء إلى تقرير حكمٍ عامٍّ له محلَّ نظر ونقدٍ.
стр. 19
ثانيًا: في أشكال الإرهاب في ضوء التصور السابق
إنَّ المتأمل فيما ذكر آنفًا من تصور عن الإرهاب، يجد أنَّ الإرهاب لا يخلو من أن يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به، أو يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه، أو يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا، كما لا يخلو من أن يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ يقينًا، أو يكون ترويعًا لغير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ معتبرٍ قطعًا أو اجتهادًا، وفضلًا عن ذلك، يمكن له أن يكون ترويعًا لغير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا. . وبناءً على هذا، فإنَّه يمكن تقرير القول بأنَّ للإرهاب ستَّة أشكال:
стр. 20
أولها: ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به، وأما الشكل الثاني فيراد به ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مظنونٍ فيه، وأما الشكل الثالث فيراد به ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض غير شرعيٍّ معتبر، والشكل الرابع يراد به ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مقطوعٍ به، وأما الشكل الخامس فلنطلق عليه ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه، وأما الشكل السادس والأخير فلنسمِّه ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض غير شرعيٍّ معتبر، وهذا ملخص هذه الأشكال في الرسم الآتي:
أشكال الإرهاب المحتملة
الأشكال موقع المرهب في منظومة الأمان الغاية من الإرهاب
الشكل الأول الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به
الشكل الثاني الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه
الشكل الثالث الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض غير شرعيٍّ
الشكل الرابع غير الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به
الشكل الخامس غير الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه
стр. 21
الشكل السادس غير الآمن بأمان الدين أو الدار تحقيق غرض غير شرعيٍّ
الغاية من الإرهاب موقع المرهب في منظومة الأمان الأشكال تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل الأول تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل الثاني تحقيق غرض غير شرعيٍّ الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل الثالث تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به غير الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل الرابع تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه غير الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل الخامس تحقيق غرض غير شرعيٍّ غير الآمن بأمان الدين أو الدار الشكل السادس.
وبهذا نصل إلى نهاية عرضنا لتصورنا المتواضع عن المراد بمصطلح الإرهاب وأشكاله من منظورٍ شرعيٍّ مؤكِّدين بأنَّ هذا التصور اجتهاد منَّا قائمٌ على التأمل والتمعن في أهمِّ القضايا والمسائل المرتبطة بهذه الظاهرة القديمة الجديدة.
стр. 22
وفي ضوء هذا التصور، يمكننا أن نفزع إلى تحديد حكم الشرع المفصَّل لكلِّ شكلٍ من هذه الأشكال مقرِّرين منذ البداية بأنَّه ليس من المقبول شرعًا عد جميع أشكال الإرهاب حرامًا، أو عد جميع أشكاله حلالاً، فتحديد حكمه إن تحريمًا أو تحليلًا يحتاج إلى تأملٍ وتؤدة وتمعنٍ، كما يحتاج إلى اجتهادٍ مقاصديٍّ رصينٍ رشيدٍ قائمٍ على مراعاة مقاصد الشرع عند الهمِّ بإصدار حكمٍ معيَّنٍ لهذه الظاهرة، وليس من المقبول قانونًا جعل جميع أشكال الإرهاب غير قانونيَّة، أو عد جميع أشكاله قانونيَّة. فالمسألة فيها تفصيل وتحتاج إلى تحقيق وتوضيح، وعليه، فهلمَّ إلى المبحث الآتي.
стр. 23
المبحث الثاني في حكم الإرهاب بأشكاله من منظور شرعيٍّ
стр. 24
بادئ ذي بدءٍ نودُّ أن نقرِّر بأنَّ المدوَّنات الفقهيَّة القديمة المتوافرة خلت من بيان حكم الشرع في مصطلح الإرهاب بيانًا صريحًا واضحًا ومباشرًا، كما أنَّها تجاوزت التنصيص على حكمٍ معيَّنٍ لهذه المسألة، مما يعني أنَّه ليس من الوارد أن يعثر المرء على رأي فقهيٍّ قديمٍ صريحٍ حول هذا الموضوع، كما يعني هذا أنَّه ليس من الموضوعيَّة في شيءٍ نسبة رأيٍ من الآراء الاجتهاديَّة الحديثة إلى الفقهاء القدامى. إنَّ عدم تعرض الفقهاء المتقدمين لمناقشة حكم الشرع لهذه الظاهرة، لا يعني عدم وجود حكمٍ شرعيٍّ لها بتاتًا، وإنَّما يعني ببساطة أنَّهم لم يعايشوها بالصورة التي نعايشها اليوم، كما أنَّها لم تظهر في عصرهم بالطريقة التي ظهرت بها في هذا العصر، وفضلًا عن هذا فإنَّ ظروفهم السياسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة تختلف اختلافًا جذريًّا عن ظروفنا السياسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة، مما جعلهم في غنى عن الحديث المفصَّل عنها كما نفعل اليوم. على أنَّه من الحريِّ بالتحقيق المبادرة إلى تقرير القول بأنَّ الفقهاء المتقدمين عنوا بحديث مفصَّل وشامل عن عددٍ من المسائل الشبيهة وذات الصلة والعلاقة بمصطلح الإرهاب
стр. 25
في هذا العصر، إنَّها مسألة الحرابة ومسألة البغي والفساد في الأرض، فقد أوسعوا هذه المسائل جانب التحقيق والتقرير والتأصيل، وتعرضوا لسائر جزئياتها ومسائلها. وأما مصطلح الإرهاب، فلا يجد له المرء حضورًا مستقلًا في الدراسات والكتابات الفقهيَّة القديمة التي اطَّلعنا عليها.
إنَّ ضبط حكمٍ شرعيٍّ موضوعيٍّ معتبرٍ للإرهاب من منظور شرعيٍّ، يقتضي منا تفصيل القول في الحيِّثيَّات التي ترتبط بها هذه الظاهرة وعلى رأسها موقع المرهب في منظومة الأمان، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وهذا تفصيل القول في هاتين المسألتين المهمتين:
أولًا: مسألة الأمان (١) ومصدره من المنظور الإسلاميِّ
بالرجوع إلى مقررات الشرع ومبادئه العامَّة، نجد أنَّ الإنسان يستحقُّ الأمان والعصمة في دمه وماله وعرضه لأمرين لا ثالث لهما، وهما: الدين والدار.
стр. 26
وأما الدين فالمراد به الدين الإسلاميُّ الذي ارتضاه الله للبشر بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، فهذا الدين يحقِّق لمن آمن به واعتنق مبادئه الأمان والعصمة، فكلُّ مسلمٍ - ذكرًا أو أنثىً كبيرًا أو صغيرًا حرًّا أو عبدًا - يعتبر آمنًا بأمان الدين، ويحرم الاعتداء على دمه وماله وعرضه إلا بحقِّ الإسلام، مصداقًا لقول ﷻ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] . وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وقوله أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
стр. 27
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] وثمَّة أحاديث كثيرة وردت تؤكِّد هذا الأمر الإلهيَّ، ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ في خطبته الخالدة في حجَّة الوداع: «ألا إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم، حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ» (١) . ولقوله ﷺ : «لا يحلُّ دم امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: قتل نفس عمدًا، وزنى بعد إحصان، ومفارقة الجماعة» (٢) .
стр. 28
إنَّ هذه النصوص ومثيلاتها المتكاثرة في الذكر الحكيم وفي السنة النبويَّة الشريفة، تؤكِّد تحريم الاعتداء على دم المسلم وعرضه وماله وكرامته وحريَّته إلى قيام الساعة. وأما بالنسبة للدار فإنَّ مرادنا بها دار الإسلام، ودار العهد، فكلُّ من يعيش في هاتين الدارين يعد آمنًا بأمان الدار سواء أكان مسلمًا أم غير مسلمٍ، فإنَّه يستحقُّ الأمان والعصمة في دمه وماله وعرضه. وأما المراد بدار الإسلام عند معظم الفقهاء فهي الدار التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يكون أغلب سكانها مسلمين يمارسون شعائرهم فيها بأمانٍ، فهذه الدار تعد دار أمانٍ لمن فيها من المسلمين وغير المسلمين ولمن دخلها بعقد أمانٍ خاصٍّ أو عامٍّ من أهل دار الحرب. (١)
وأما دار العهد فيراد بها الدار التي بينها وبين دار الإسلام المواثيق والمعاهدات على عدم الاعتداء، وتعد هذه الدار دار أمانٍ لمن فيها من المسلمين وغير المسلمين (٢)
стр. 29
وبمقابل دار الإسلام ودار العهد في المنظور الإسلاميِّ، ثمَّة دار ثالثةٌ، تعرف بدار الحرب، وهي الدار التي تكون أحكام الكفر فيها ظاهرةً، وتكون بينها وبين دار الإسلام حربٌ قائمةٌ، ولا تعد هذه الدار دار أمانٍ ولا دار عصمةٍ لمن فيها سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. . (١)
стр. 30
فإذا قتل مسلم في هذه الدار خطأً فإنَّ الدية لا تجب فيه، ذلك لأنَّ الدية تجب بسبب عصمة الدار لا بسبب عصمة الدين على الراجح عند الإمام الشافعيِّ ﵀ مصداقًا لقوله ﷻ : ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وأيَّا ما كان الأمر، فإنَّ هذا التقسيم للدار في المنظور الإسلاميِّ، يؤكِّد أنَّ العصمة والأمان ثابتان لكلِّ من يعيش في دار الإسلام (الدولة الإسلاميَّة في مصطلح العلاقات الدوليَّة الحديثة) سواء أكان مسلمًا أم غير مسلمٍ، ولكلِّ من يعيش في دار العهد (الدولة الصديقة في مصطلح العلاقات الدوليَّة المعاصرة) سواء أكان مسلمًا أم غير مسلمٍ، فالمعاهد في دار العهد معصوم الدم والمال والعرض بعصمة الدار التي يعيش فيها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ * ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
стр. 31
وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨-٩] وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ؛ ولقوله ﵌: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقَّه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة» (١)
وقوله ﵌ لأهل نجران: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمَّة محمد رسول الله ﵌ على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم» (٢) .
стр. 32
وصفوة القول، إنَّ مصدر العصمة والأمان في الشرع هو الدين والدار، والآمن بأمان الدين في المفهوم الإسلاميِّ هو كلُّ مسلمٍ بحكم إسلامه، ويعد معصوم الدم والمال والعرض بغضِّ النظر عن مكان إقامته (دار الإسلام، أو دار العهد، أو دار الحرب) ، وأما الآمن بأمان الدار، فهو كلُّ مسلمٍ أو غير مسلمٍ مقيمٍ في دار الإسلام أو في دار العهد، ويعد معصوم الدم والمال والعرض ما دام مقيمًا في دار الإسلام أو في دار العهد. وأما غير الآمن فيشمل كل مقيمٍ - غير المسلم - في دار الحرب، ويعد دمه وماله وعرضه غير معصوم ما دام مقيمًا في دار الحرب التي بينها وبين دار الإسلام حربٌ وعداوة ظاهرةٌ. وبناءً على هذا، فإنَّ إيذاء المسلم أو غير المسلم في دار الإسلام أو في دار العهد بسفك دمه، أو انتهاك عرضه، أو إبادة ماله عمدًا، يعد أمرًا حرامًا بدلالة النصوص القرآنيَّة والحديثيَّة، وأما التعرض لغير المسلم المقيم في دار الحرب إن سفكًا لدمه أو انتهاكًا لعرضه أو إبادةً لماله، فإنَّ ذلك مشروعٌ ما دامت الغاية تحقيق مقصدٍ من مقاصد الشرع المعروفة.
стр. 33
ثانيًا: مسألة الأهداف في الإرهاب من منظور شرعيٍّ
تعد مسألة الغايات والأهداف مسألةً أساسيَّةً في جميع الأفعال والأقوال والأعمال التي يقدم عليها المكلَّف في الإسلام، فلا يقبل الله من المكلَّف عملًا أيَّ عملٍ إذا لم يكن قاصدًا به ابتغاء مرضاة الله ﷻ ، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة: ٥] . ولقوله ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى» (١) والقاعدة الفقهيَّة التي تقرِّر الأمور بمقاصدها. (٢)
стр. 34
وثمَّة نصوص عديدة من الكتاب والسنَّة تقرِّر أهميَّة المقاصد ومكانتها في الإسلام، ولا حاجة إلى سردها لبداهتها ووضوحها؛ ونروم بالأهداف في هذا المقام جملة المعاني والأسرار التي من أجلها وضعت الشريعة لتحقيق مصالح العباد (١) ، ومقصود الشارع من الخلق كما يقول عامَّة أهل العلم بالأصول أن يحفظ عليهم دماءهم ودينهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم, وذلك بجلب كل ما فيه منفعة ودرء كل ما فيه مفسدة (٢) وقد تواترت الرسالات السماويَّة كلها على الدعوة إلى الحفاظ على هذه الكليَّات الخمس، وصيانتها من الانقراض والاندثار، كما تضافرت نصوص كثيرة من الكتاب والسنَّة تأمر بالحفاظ على هذه الكليَّات برمَّتها، بل من أجل الحفاظ عليها، شرعت الشرائع كلها سواء في ذلك الشرائع الواردة في الأوامر والمندوبات والمستحبات، والشرائع الواردة في المحرَّمات والمكروهات، وما ذلك إلا لأنَّ اختلال أيِّ واحدٍ من هذه الكليَّات يترتب عليه عدم استقامة الحياة وصلاحها. وبناءً على هذا، فإنَّ ثمَّة حاجة إلى تأصيل القول في علاقة هذه المقاصد بظاهرة الإرهاب، ذلك لأنَّه من الوارد أن تكون أهداف الإرهاب متمثَّلة في الحفاظ أو الدفاع عن هذه المقاصد
стр. 35
كلِّها أو بعضها، وقد تكون أهدافه سعيًا إلى الحفاظ والدفاع عن مقاصد شرعيَّة أخرى معتبرة كالحرية والمساواة والعدالة وسوى ذلك من المقاصد الظنيَّة، وربما كانت أهدافه هي تدمير المقاصد الكليَّة برمَّتها أو بعضها، أو تدمير المقاصد الظنيَّة الآنف ذكرها.
стр. 36
وعليه، فإذا كانت أهدافه حفاظًا ودفاعًا عن المقاصد الكليَّة الخمسة كلِّها أو بعضها، كان إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوع به، وإذا كانت أهدافه دفاعًا عن المقاصد الظنيَّة، عد إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه. وأما إذا كانت أهدافه تدميرًا للمقاصد الكليَّة الخمسة كلِّها أو بعضها، كان إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مقطوع به، وإما إذا كانت أهدافه اعتداءً على المقاصد الظنيَّة عدَّ إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مظنونٍ فيه. وأما المرهَب فلا تخلو من أن يكون آمنًا بأمان الدين أو الدار، أو يكون غير آمنٍ بأمان الدين أو الدار، فإذا كان آمنًا بأمان الدين أو الدار، فلا يخلو أهداف المرهِب من أن تكون تحقيقًا لغرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنونٍ فيه، أو تكون تحقيقًا لغرضٍ غير شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنونٍ فيه. ولكل واحدٍ من هذه الحالات حكمها الخاصُّ، وهو ما سنأتي على تفصيل القول فيه بعد قليلٍ.
стр. 37
ثالثًا: آية الأنفال الآمرة بإعداد القوة لإرهاب العدو
كثيرا ما يستمسك القائلون بمشروعية الإرهاب بقوله تعالى في آية الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] .
стр. 38
إنّ التأمل والتمعن في هذه الآية الكريمة يهدي المرء إلى تقرير القول بأنها بسباقها وسياقها ليست موجهة إلى الأفراد ولا إلى الجماعات، ولكنها موجهة إلى أولي الأمر المسؤولين عن تجهيز الجيوش، وإعلان الجهاد، وحماية البيضة، والدليل على كونها آية خاصة وموجهة إلى أولي الأمر سباقاتها التي تقول: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ * ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ * ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧-٥٩] كما أن الآيات التي أتت بعدها تقرر بجلاء كون الخطاب موجها إلى أولي الأمر وليس الأفراد أو الجماعات، إذ إنها تتضمن الدعوة إلى عقد الصلح العام مع دار الحرب، تلك مهمة ينهض بها ولي الأمر دون غيره، وهذا نص قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ * ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ
стр. 39
الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦١-٦٢] .
إن هاتين الآيتين والآيتين السابقتين تؤكد بصورة واضحة أن المأمورين بإعداد القوة التي يرهب بها عدو الله وعدوهم هم أولو الأمر، وليس الأفراد والجماعات. وفضلا عن هذا، فإنّ سياق آية الأنفال بذاته يدل دلالة واضحة على أن المستهدفين بالإرهاب هم أهل دار الحرب الذين بينهم وبين دار الإسلام حرب قائمة، ولا ينطبق هذا الأمر بأي حالٍ من الأحوال على أهل دار الإسلام، أو أهل دار العهد. وبالتالي، فلا سداد في اللياذ بهذه الآية العظيمة واتخاذها ظلما وجورًا آية لتقرير مشروعية جريمة شنعاء تتضمن سفك الدماء وهتك الأعراض وإتلاف الأموال.
وتأكيدا على أن المخاطبين بهذه الآيات هم أولو الأمر، هو أنَّ القوة التي أمر الله بإعدادها في هذه الآية ليست مهمّة يمكن أن يقوم بها الأفراد، بل هي مهمة ينبغي أن ينهض بها ولي الأمر، وتعرف في لغة العصر بالتسلح العسكري، فإعداد تلك القوة يعدُّ من مسؤولية ولي الأمر، فهو المسؤول عن تجهيز الجيوش، وتمكين الأمة من سائر أنواع القوى التي تمكّنها من إرهاب أعدائها الذين يقاتلون ويعتدون عليها.
стр. 40
على أنه إذا عاند معاند، وزعم بأنّ الخطاب القرآني لعموم الأمة، وليس خاصا بأولي الأمر، وبالتالي، فإن لكل فرد أو جماعة القيام بواجب إعداد القوة!! يرد على هذا المعاند المفتون بأنّ عامة المحققين من أهل العلم يؤكّدون بأنّ بعث الجيوش، وصرف أموال بيت المال، وقسمة الغنائم، وعقد الصلح العام لم يكن ذات يوم من اختصاصات الأفراد والجماعات، ولكنها كانت دومًا وأبدًا من اختصاصات الإمام أو من ينوب عنه، وبالتالي، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يقدم على تلك الاختصاصات والوظائف إلا بإذن الإمام أو تفويض منه (١) .
وبطبيعة الحال، لا تنحصر القوة التي أمر الله بإعدادها في القوة العسكرية كما يتبادر إلى أذهان كثير من بلهائنا وبسطائنا، ولكنها تنتظم القوة الفكرية، والقوة العلمية، والقوة الاقتصادية والقوة النظامية، وهذه القوى بمجموعها هي التي تمكن الأمة، وترهب عدوها، وتجعلها خير أمة أخرجت للناس، وتعد العناصر والركائز التي تبنى عليها الحضارات، ويحافظ عليها من خلالها. ويعد الإمام المسؤول الأول عن إعداد هذه القوى وتمكين الأمة منها بصورة متكاملة.