وعليه، فإذا كانت أهدافه حفاظًا ودفاعًا عن المقاصد الكليَّة الخمسة كلِّها أو بعضها، كان إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوع به، وإذا كانت أهدافه دفاعًا عن المقاصد الظنيَّة، عد إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه. وأما إذا كانت أهدافه تدميرًا للمقاصد الكليَّة الخمسة كلِّها أو بعضها، كان إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مقطوع به، وإما إذا كانت أهدافه اعتداءً على المقاصد الظنيَّة عدَّ إرهابه إرهابًا لتحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مظنونٍ فيه. وأما المرهَب فلا تخلو من أن يكون آمنًا بأمان الدين أو الدار، أو يكون غير آمنٍ بأمان الدين أو الدار، فإذا كان آمنًا بأمان الدين أو الدار، فلا يخلو أهداف المرهِب من أن تكون تحقيقًا لغرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنونٍ فيه، أو تكون تحقيقًا لغرضٍ غير شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنونٍ فيه. ولكل واحدٍ من هذه الحالات حكمها الخاصُّ، وهو ما سنأتي على تفصيل القول فيه بعد قليلٍ.
стр. 37
ثالثًا: آية الأنفال الآمرة بإعداد القوة لإرهاب العدو
كثيرا ما يستمسك القائلون بمشروعية الإرهاب بقوله تعالى في آية الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] .
стр. 38
إنّ التأمل والتمعن في هذه الآية الكريمة يهدي المرء إلى تقرير القول بأنها بسباقها وسياقها ليست موجهة إلى الأفراد ولا إلى الجماعات، ولكنها موجهة إلى أولي الأمر المسؤولين عن تجهيز الجيوش، وإعلان الجهاد، وحماية البيضة، والدليل على كونها آية خاصة وموجهة إلى أولي الأمر سباقاتها التي تقول: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ * ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ * ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧-٥٩] كما أن الآيات التي أتت بعدها تقرر بجلاء كون الخطاب موجها إلى أولي الأمر وليس الأفراد أو الجماعات، إذ إنها تتضمن الدعوة إلى عقد الصلح العام مع دار الحرب، تلك مهمة ينهض بها ولي الأمر دون غيره، وهذا نص قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ * ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ
стр. 39
الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦١-٦٢] .
إن هاتين الآيتين والآيتين السابقتين تؤكد بصورة واضحة أن المأمورين بإعداد القوة التي يرهب بها عدو الله وعدوهم هم أولو الأمر، وليس الأفراد والجماعات. وفضلا عن هذا، فإنّ سياق آية الأنفال بذاته يدل دلالة واضحة على أن المستهدفين بالإرهاب هم أهل دار الحرب الذين بينهم وبين دار الإسلام حرب قائمة، ولا ينطبق هذا الأمر بأي حالٍ من الأحوال على أهل دار الإسلام، أو أهل دار العهد. وبالتالي، فلا سداد في اللياذ بهذه الآية العظيمة واتخاذها ظلما وجورًا آية لتقرير مشروعية جريمة شنعاء تتضمن سفك الدماء وهتك الأعراض وإتلاف الأموال.
وتأكيدا على أن المخاطبين بهذه الآيات هم أولو الأمر، هو أنَّ القوة التي أمر الله بإعدادها في هذه الآية ليست مهمّة يمكن أن يقوم بها الأفراد، بل هي مهمة ينبغي أن ينهض بها ولي الأمر، وتعرف في لغة العصر بالتسلح العسكري، فإعداد تلك القوة يعدُّ من مسؤولية ولي الأمر، فهو المسؤول عن تجهيز الجيوش، وتمكين الأمة من سائر أنواع القوى التي تمكّنها من إرهاب أعدائها الذين يقاتلون ويعتدون عليها.
стр. 40
على أنه إذا عاند معاند، وزعم بأنّ الخطاب القرآني لعموم الأمة، وليس خاصا بأولي الأمر، وبالتالي، فإن لكل فرد أو جماعة القيام بواجب إعداد القوة!! يرد على هذا المعاند المفتون بأنّ عامة المحققين من أهل العلم يؤكّدون بأنّ بعث الجيوش، وصرف أموال بيت المال، وقسمة الغنائم، وعقد الصلح العام لم يكن ذات يوم من اختصاصات الأفراد والجماعات، ولكنها كانت دومًا وأبدًا من اختصاصات الإمام أو من ينوب عنه، وبالتالي، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يقدم على تلك الاختصاصات والوظائف إلا بإذن الإمام أو تفويض منه (١) .
وبطبيعة الحال، لا تنحصر القوة التي أمر الله بإعدادها في القوة العسكرية كما يتبادر إلى أذهان كثير من بلهائنا وبسطائنا، ولكنها تنتظم القوة الفكرية، والقوة العلمية، والقوة الاقتصادية والقوة النظامية، وهذه القوى بمجموعها هي التي تمكن الأمة، وترهب عدوها، وتجعلها خير أمة أخرجت للناس، وتعد العناصر والركائز التي تبنى عليها الحضارات، ويحافظ عليها من خلالها. ويعد الإمام المسؤول الأول عن إعداد هذه القوى وتمكين الأمة منها بصورة متكاملة.
стр. 41
وبناءً على هذا، فإننا نخلص إلى القول بأن توظيف هذه الآية لتأييد الأعمال الإجرامية والتخريبية يعد ذلك منهجا تطويعيا سلكه البغاة والمشاغبون في التاريخ، إذ إنهم جعلوا الآيات النازلة في الكفار آيات نازلة في الصحابة والصالحين لسوء تأويل وفهم لمراد الله تعالى، ولبعدهم التام عن معرفة أحكام الشرع. فهذه الآية ومثيلاتها لا يمكن الاستناد إليها لادعاء مشروعية ترويع الآمنين بأمان الدين والدار، بل إنها بدلالاتها تدل دلالة أكيدة على تحريم الاعتداء على حق الإمام في القيام بواجب الدفاع عن عموم الأمة.
стр. 42
وأيًّا ما كان الأمر، فلنعد لنتبيَّن الحكم الشرعيَّ المناسب مع التمثيل لكلِّ شكلٍ من أشكال الإرهاب بأهدافه المختلفة والمتعددة اعتمادًا على ما أوردناه من تفصيل إزاء منظومة الأمان ومسألة المقاصد في المذهبيَّة الإسلاميَّة.
الشكل الأول: إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به
يراد بهذا النوع من الإرهاب الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود للآمن بأمان الدين أو الدار (المسلم، والمعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد) من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به متمثَّل في الحفاظ أو الدفاع عن إحدى الكليَّات الشرعيَّة المعرَّضة للضياع أو الاختلال، ويمكن أن نمثِّل لهذا النوع بحالات الترويع التي يقوم بها بعض الأفراد والجماعات في هذا العصر متذرعين بالدفاع عن كليَّة الدين التي يخيَّل إليهم قصور بعض أولياء الأمور في القيام بالحفاظ عليها على الوجه الذي ينبغي في نظرهم.
стр. 43
وأما حكم الشرع في هذا النوع من الإرهاب، فإنَّه هو التحريم مطلقًا، ذلك لأنَّ هذا الترويع يعد خروجًا على الإمام وافتئاتًا على حقِّه، فإقامة شرع الله وحماية الدين وصيانة البيضة من صلاحيَّات واختصاصات الإمام، ومن وظائفه التي حدَّدها الشرع وأمره بالقيام بها، فإن قصر دونه، فإنَّه سيسأل عنه يوم القيامة، ولن يسأل الأفراد يوم القيامة عن هذا الجانب، وليس من مسؤوليات الأفراد أو الجماعات حمل الإمام على ذلك بطريق القوَّة والعنف الذي ينتج عنه تخويف وترويع الآمنين بأمان الدين وأمان الدار، وإنَّما واجب الأفراد والجماعات النصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامَّتهم (١) ، وشتَّان ما بين النصح لولي الأمر وبين ترويع الآمنين وتخويفهم من أجل إرغام الإمام على القيام بهذا الواجب.
ويندرج هذا النوع من الإرهاب في المنظور الإسلامي ضمن دائرة البغي والخروج والشغب الذي ورد النهي عنه في الشرع، وخاصَّة إذا كانت المسألة تحتمل أوجهًا مختلفةً، وكان قصور الإمام عن القيام بهذا الواجب عائدًا إلى أسباب زمنيَّة وظروفٍ مكانيَّة وغير ذلك.
стр. 44
على أنَّ كون الغاية أو الهدف من هذا الإرهاب تحقيق مقصدٍ شرعيٍّ معتبرٍ لا يبرِّره، ذلك لأنَّ الغاية المشروعة أو الحميدة في شرعنا لا تبرِّر الوسيلة إذا كانت الوسيلة محرَّمة ومنصوصا على تحريمها كما هو الحال في إرهاب الآمنين من أجل تحقيق مقاصد شرعية، وهذا الأمر يشبه ما فعله بعض الوضَّاعين والفرق الضالة كالكرامية وغيرهم من وضع الأحاديث ترغيبا وترهيبا، ظنًّا منهم بأنهم بذلك سيدفعون الناس إلى الإقبال على السنة والدين (١) ، وما دروا أن الكذب لرسول الله ﵌ كالكذب عليه، إذ إن الكذب عليه افتراء وبهتان، وأما الكذب له، فتقوّل عليه، وطعنٌ في الدين، وزيادة على ما جاء به الرسول الأعظم ﵌، واتهام لشخصه الكريم ﵌ بأنه لم يبلغ عن الله كل ما أمره بإبلاغه!!
стр. 45
وعليه، فإن ترويع الآمنين بدعوى إقامة شرع الله أو الدفاع عن الحقوق، هو عين الافتراء، والتقول على الله، والاعتداء على حرمات الله ومحارمه، وطعن مقيت في الدين، ذلك لأنه لو كان الترويع وسيلة مشروعة لأوصى به الدين ولأمر به إمام المجاهدين وقائد الغر الميامين ﵌ ولأثر عن سلفنا الصالح من هذه الأمة!
стр. 46
وبناءً على هذا، فإنّ هذا الشكل من الإرهاب محرَّم، إذ إنه ليس ثمة نص صحيح من الكتاب أو السنة يجيز ترويع الآمنين بسفك دمائهم وهتك أعراضهم وإتلاف ممتلكاتهم، بل قد تضافرت نصوص الشرع على تحريم ترويع الآمنين بأمان الدين أو الدار. فقد ورد الأمر بطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، كما وردت نصوص حديثية تأمر بالطاعة، منها قوله ﵌: «عليك بالسَّمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومَكرَهك، وأثرة عليك» (١) وقوله ﵌: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر، فإنَّه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا، فيموت إلا مات ميتةً جاهليَّة» . (٢) ، وقول عبادة بن الصامت: «إنّا بايعنا على السَّمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كُفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (٣)
стр. 47
إنّ هذه النصوص وسواها من الكتاب والسنَّة تقرِّر بجلاء تحريم ترويع الآمنين من أجل تحقيق غايات ولو كانت تلك الغايات حميدة ومشروعة في نظر المروِّع (الإرهابي) ، ويعني هذا أنَّ إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار يعد وسيلة محرَّمة لا يجوز الاستعانة بها في تحقيق أغراض شرعية وغير شرعية، ويشتد تحريمه إذا استخدم وسيلة لمحاربة ولاة الأمور والإنكار عليهم كما هو مشاهد اليوم.
стр. 48
ورحم الله الإمام الغزالي عندما قال في الإحياء عن تحريم التوصل إلى الخير بالشر: " فهذا كله جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية، بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر، فإن عرفه، فهو معاند للشرع، وإن جهله، فهو عاص بجهله، إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم " (١) . وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الأمر توضيحا وتقريرًا، فقال: " ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعا ولا مباحًا، وإنما يكون مشروعا إذا غلبت مصلحته على مفسدته مما أذن فيه الشرع " (٢) . وصفوة القول، إن لجوء بعض الأفراد والجماعات إلى ترويع الآمنين بأمان الدين والدار بإزهاق أرواحهم، وإتلاف أموالهم، وهتك أعراضهم وحرماتهم متذرعين بكون أهدافهم نبيلة ومشروعة، يعد بغيا وفسادًا في الأرض، يجب على أولياء الأمور إقامة حد الحرابة فيمن قدروا عليهم إذا لم يتوبوا عن هذه الجريمة الشنعاء مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ
الشكل الثاني: إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مظنونٍ فيه
يراد بهذا النوع من الإرهاب الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود للآمن بأمان الدين أو الدار (المسلم، والمعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد) من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنونٍ فيه متمثَّل في الدفاع عمَّا عدا الكليَّات الخمس، وينطبق هذا على ما يقوم به بعض الأفراد والجماعات من ترويعٍ للآمنين متذرعين بالدفاع عن حقِّ الحريَّة، والمساواة، والتعدديَّة الحزبيَّة، وغير ذلك من الأمور التي لم يرد نصٌّ صريحٌ واضحٌ في إباحة الخروج على وليِّ الأمر في حالة عدم امتثاله بها. وإنَّما كان الغرض الشرعيُّ هنا مظنونًا فيه لعدم وجود نصوص صريحةٍ تنصُّ على وجوب الحفاظ عليها أو تحقيقها في أرض الواقع.
وأما حكم هذا النوع من الترويع، فإنه أشد تحريما من الشكل الأول، ذلك لأنه يتضمن اعتداءً صارخًا على الكليات التي أمر الشرع بالحفاظ عليها وعدم إتلافها أو زعزعتها، وإنما كان أشد تحريمًا لأن الأهداف التي يسعى المروّع إلى تحقيقها مظنونة، ولا يصح الإنكار فيها على المخالف، فضلًا عن ترويعه من أجلها.
стр. 51
وإذ الأمر كذلك، فإن على ولي الأمر إقامة أقسى ما يمكن من العقوبة على من يتورط في هذه الجريمة، فإذا نتج عن ترويعه إزهاق الأرواح، وإتلاف الأموال، وهتك الأعراض، وجب إقامة حد الحرابة عليه عملًا بالآية السابقة. وإنما وجب إقامة حد الحرابة عليه لما ينتج عن فعله من زعزعةٍ للأمن والاستقرار وإثارة الرعب والشغب، وإهلاك للنسل، فضلًا عن الافتئات على الإمام. وقد سبقت الإشارة أنَّ الشرع حدَّد الوظائف والمسؤوليَّات، ولم يكلِّف الأفراد بالخروج على ولي الأمر في هذه المسائل التي لا تعدُّ كفرًا بواحًا. وبناءً عليه، فإنَّ هذا الترويع يندرج كالذي قبله ضمن جريمة البغي والخروج غير المشروع على الحاكم، ومن حقِّ الإمام أن يعزِّر فاعليها بالتعزير الذي يراه مناسبًا لكل حالةٍ من حالاتها.
стр. 52
الشكل الثالث: إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ
نقصد بهذا النوع من الإرهاب الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود للآمن بأمان الدين أو الدار (=المسلم، والمعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد) من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا، كأن يكون الغرض سفك الدماء وانتهاك الأعراض، وإبادة الأموال، وغير ذلك من ضروب السعي في الأرض فسادًا.
стр. 53
وأما حكم هذا النوع من الإرهاب، فإنَّه التحريم القطعيُّ، وهو أشد تحريمًا من الشكلين اللذين قبله، ذلك لأنَّ المرهب (المسلم أو المعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد) ليس بمحلِّ إرهابٍ، بل يعد آمنًا بأمان الدين (الإسلام) أو بأمان الدار (دار إسلام أو دار عهد) التي ليست محلًا للتخويف والترويع، كما أنَّ غرض المروِّع غير شرعي وإنما يسعى إلى تحقيق مكاسب دنيويَّة آنية عاجلة دنيئة. وهذا النوع من الإرهاب قديم وهو المراد بمصطلح الحرابة عند الفقهاء الأقدمين، ولا شك في تحريمه وجعل المتورط فيه من المحاربين الذين أوجب الله قتلهم، وصلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
стр. 54
ويعد هذا الإرهاب من البغي والإثم الذي حرّمه الله ونهى عنه في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] .
على أنَّ العقوبة التي تجب في هذا النوع من الإرهاب حدَّدها الشارع في آية المائدة السابقة وذلك في أربعة أنواع، وهي القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلافٍ، والنفي في الأرض، ونرى أن الإمام مخيّر بين هذه العقوبات الرادعة الزاجرة وذلك حسب ما يراه من مصلحة وتدبير.
стр. 55
الشكل الرابع: إرهاب غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به
ويراد بهذا الشكل الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود لغير الآمن بأمان الدين والدار (الحربيِّ في لغة الفقهاء) لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوع به متمثَّلٍ في الدفاع عن المقاصد الكليَّة الخمسة من حماية للدين، والنفس والعرض والعقل والمال، فضلًا عن صيانة البيضة.
стр. 56
وأما حكم هذا النوع من الإرهاب، فإنَّه يعد واجبًا ومأمورًا به في الشرع، ذلك لأنَّ الحفاظ على المقاصد الكليَّة الخمسة كلِّها أو بعضها ورد الأمر الصريح في آياتٍ كثيرة سبقت الإشارة إليها. ولأنَّ المرهب (=الحربيِّين) ليس أهلًا لا لأمان الدين أو أمان الدار، بل هو عدو يتربَّص بدار الإسلام وأهله، وهذا ما يجعل مكافحتهم والرد عليهم واجبًا يسأل عنه ولي الأمر يوم القيامة، وقد وردت الإشارة إلى هذا النوع من الإرهاب في آيات كثيرة من الذكر الحكيم، منها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] . وقوله ﷻ : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] ، وقوله ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] ، وقوله:
стр. 57
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] . وفي الحديث: «أوتيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي من الأنبياء، منها: نصرت بالرعب مسيرة شهرٍ» (١) .
стр. 58
على أنَّ قولنا بمشروعية هذا النوع من الإرهاب لا يعني بأي حال من الأحوال فتح الباب لكل فردٍ من أفراد المجتمع للقيام بهذا الأمر دون رجوع إلى ولي الأمر الشرعي، بل يجب استئذان الإمام في القيام بهذا الإرهاب، فالإمام هو المسؤول في شرعنا عن إعلان الجهاد، وليس الأفراد ولا الجماعات، كما أن الإمام هو المسؤول في شرعنا عن تجهيز الجيوش، وليس الأفراد أو الجماعات، وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يخرجون لجهاد إلا بإذن من رسول الله ﵌، وحادثة الحديبية تعدّ من أوضح الأدلة الدالة على كون إعلان الجهاد والقيام به من مهام ولي الأمر وليس الأفراد. وبالرجوع إلى الكتب المؤلفة في الأحكام السلطانية يجد المرء ثمة اتفاقا على تحريم إعلان الأفراد والجماعات الجهاد المسلّح دون إذن الإمام وتفويض منه. وبطبيعة الحال، إذا لم يعلن ولي الأمر الجهاد، فإنه يتحمّل المسؤولية التامة عند الله، ولن يسأل عنه الأفراد يوم القيامة. وقد سبق أن أصَّلنا القول في أنَّ آية الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
стр. 59
وَعَدُوَّكُمْ﴾ خطاب لأولي الأمر، وليس خطابًا للأفراد والجماعات كما يتوهّم بعضهم وذلك بدلالة سباقاتها وسياقاتها ولواحقها. فالنظرة الموضوعية الشمولية في تلك الآية سباقا وسياقًا تهدي إلى تقرير القول بأن المأمور بهذا الأمر هو ولي أمر المسلمين وليس الأفراد، وفضلا عن هذا، فإن المعلوم في شرعنا أنّ المسؤول عن تجهيز الجيوش (إعداد القوة) هو الإمام وليس الأفراد، ويجب على الأفراد والجماعات طاعة الإمام والصدور عن حكمه.
стр. 60
الشكل الخامس: إرهاب غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض شرعيٍّ مظنونٍ فيه
يراد بهذا النوع من الإرهاب، الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود لغير الآمن بأمان الدين أو الدار (=المسلم، والمعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد) من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنونٍ فيه متمثَّل في الدفاع عمَّا عدا الكليَّات الخمس، وينطبق هذا على ترويع غير الآمنين من أجل الدفاع عن الحريَّة، والتعدديَّة الحزبيَّة، والمساواة، والديمقراطيَّة، وغير ذلك من الأمور التي لم يرد نصٌّ صريحٌ واضحٌ في إباحة الترويع من أجلها.
стр. 61
وأما حكم هذا النوع من الإرهاب، فهو التحريم لما يترتب عليه من اعتداءٍ على الكرامة الإنسانيَّة التي حرَّم الشرع المساس بها إلا لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به كالدفاع عن الكليَّات الخمس، وأما ما عدا ذلك، فإنَّ الترويع من أجله يعد خروجًا وخلطًا بين مراتب الأمور في الشرع الإسلاميِّ، وإنَّما كان هذا الترويع حرامًا على الرغم من كون الهدف منه تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنونٍ فيه، لأنَّ الأصل في الشرع تقديم تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوع به على تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه، مما يجعل الانشغال بغير ذلك داخلًا في دائرة المستحبات والمندوبات، ومعلوم أنَّه لا تجوز المقاتلة من أجل تحقيق مندوبٍ أو مستحبٍّ، على أنَّ العقوبة التي يقرِّرها الشرع لهذا النوع من الإرهاب أخفَّ مقارنةً بالذي سيأتي بعده.
стр. 62
الشكل السادس: ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار لتحقيق غرض غير شرعيٍّ
وأما هذا النوع من الإرهاب فيراد به الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود لغير الآمن بأمان الدين والدار لا لتحقيق هدفٍ مشروعٍ، ولكنَّه لتحقيق مكاسب دنيويَّة دنيئةٍ ظلمًا وجورًا، كسفك دمائهم تشفيًا وهتك أعراضهم تشهيًا، وإبادة أموالهم شماتةً وغير ذلك.
وأما حكم هذا الإرهاب فإنَّه حرام في نظر الإسلام لما فيه من اعتداءٍ على الكرامة الإنسانيَّة دون وجه حقٍّ، ودون رغبة في تحقيق مقصدٍ شرعيٍّ معتبرٍ. ولا يشفع لهذا الإرهاب كون المرهب غير آمنٍ بأمان الدين أو الدار، وإنَّما هدفه يجعل منه إرهابًا غير مشروعٍ لا يقرُّه الشرع لما فيه من العيث في الأرض فسادًا وهلك الحرث والنسل اعتباطًا. وعليه، فالشرع الكريم يحرِّم هذا النوع من الإرهاب لما فيه من إساءةٍ إلى أكرم مخلوقات الله دون تفويض منه ﷻ .
على أنَّ العقوبة الشرعيَّة التي يستحقُّها من تورط في هذا النوع من الإرهاب متروك لتقدير الحاكم ما يراه مناسبًا من التعزير.
стр. 63
هذه هي أحكام الشرع في أشكال الإرهاب الستَّة، ومن الجليِّ فيها أنَّ حكم الإرهاب يتحدد من خلال موقع المرهب وغاية الإرهابي، مما يعني أنَّ حكم كلِّ واحدٍ من هذه الأشكال الستَّة يتأثر بالأمرين المذكورين تأثرًا بالغًا. ولهذا، فإنَّه ينبغي التنبه لهذا الأمر عند الهمِّ بتحديد الحكم الشرعيِّ المناسب للمسألة الإرهابيَّة في أشكالها المذكورة.
إنَّ عدم تفريق معظم الباحثين بين هذه الأشكال من الإرهاب، كان ولا يزال سببًا أساسيًّا لنشأة الفتاوى المتناقضة والمتضاربة التي أرهقت ولا تزال ترهق المسلم العادي المعاصر في المسألة الإرهابيَّة، كما أنَّ عدم التفريق كان ولا يزال وراء ظاهرة التعميم في الفتاوى المتعلقة بهذه الظاهرة، والتعميم لا يمكن الاستناد عليه في ضبط الأحكام التفصيليَّة للأشياء، وخاصَّة إذا كان الشيء في غموضه وعدم وضوحه بمنزلة مصطلح الإرهاب.
стр. 64
ونخلص إلى تقرير القول: بأنّ الإرهاب حرام بجميع أشكاله على الأفراد والجماعات، فلا يجوز لأي فردٍ أو جماعة أنى كانت أهدافها وغاياتها ترويع الآمنين استنادًا إلى تأويل جائر وغير سائغ لبعض نصوص الكتاب والسنة النبوية الطاهرة، وما ذلك إلا لأن إزهاق الأرواح وإتلاف الأموال وهتك الأعراض تعد من كبائر الذنوب والآثام، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم المساس بهذه الكليات، كما تواترت النصوص التي تأمر بإنزال أقسى أنواع العقوبة على كل من يعتدي على هذه الكليات.
стр. 65
وبطبيعة الحال، لا يتعارض هذا القول مع النص القرآني الذي أسيء فهمه كل الإساءة، أعني آية الأنفال الداعية إلى إعداد القوة لإرهاب العدو، فهذه الآية - كما بينا سابقًا - موجهة إلى أولياء الأمور، وليست إلى الأفراد والجماعات، ذلك لأنه من المعلوم عند المحققين من أهل العلم بأن تجهيز الجيوش وإعدادها من مسؤولية الإمام ومن وظائفه الأساسية، وبالتالي، لا يجوز لأحد أن يزاحمه في هذه الوظيفة دون تفويض أو إذن منه. فأي مزاحمة له تعد افتئاتا عليه، ومن حقه بل من واجبه تعزير من اعتدى على حقه بالعقوبة التي يراها مناسبة حفاظا لنظام الأمة، وحماية للبيضة، وحيلولة دون الفوضى والتناحر في المجتمع.
حكم الإرهاب بأشكاله الستَّة:
شكل الإرهاب وعلاقته بالأمان الغاية من الإرهاب حكمه عقوبته الشرعيَّة
ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار غرض شرعيّ مقطوع به حرام حرابة
ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار غرض شرعيّ مظنون فيه حرام حرابة
ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار غرض غير شرعيٍّ حرام حرابة
شكل الإرهاب وعلاقته بالأمان الغاية من الإرهاب حكمه عقوبته الشرعيَّة
стр. 66
ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار غرض شرعيّ مقطوع به واجبٌ على الإمام لا عقوبة
ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار غرض شرعيّ مظنون فيه حرام تعزير
ترويع غير الآمن بأمان الدين أو الدار غرض غير شرعيٍّ حرام تعزير
وبهذا يتبيَّن لنا حكم الإرهاب بأشكاله الستَّة بصورة علميَّة واضحةٍ، ولننتقل إلى التعرف على موقع الأحداث الأخيرة في العالم وخاصة في بعض الدول كالسعودية والمغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك لنرى مدى انطباقها عليها بصورةٍ علميَّة بعيدةٍ عن الحماسة والعاطفة.
стр. 67
المبحث الثالث في الإرهاب وعلاقته بالأحداث الأخيرة في العالم (السعودية والمغرب وأمريكا) بادئًا بذي بدءٍ حريٌّ بنا تحرير القول في مواقع هذه الدول في التقسيم الفقهيِّ التقليديِّ للدار، ثم تحديد مواقعها ومواقع المقيمين فيها في منظومة الأمان في الحسِّ الفقهيِّ، فضلًا عن تبسيط القول في علاقة تلك الأحداث بالإرهاب وفق ما أوردناه من تصورٍ.
إنَّنا نعتقد أنَّ تأصيل القول في هذه النقاط المذكورة سيقودنا إلى تحديد الحكم الشرعيِّ المناسب بصورةٍ علميَّةٍ منهجيَّةٍ منضبطةٍ، كما أنَّ ذلك سيكون لنا عونًا على تجاوز الفتاوى المجرِّمة أو المباركة التي أصدرها خلق كثيرٌ في هذه الأحداث دون التفات إلى هذه التحقيقات المنهجيَّة الضروريَّة في المنظور الإسلاميِّ المنضبط والمتزن. فهلمَّ إلى كشف اللثام عن هذه النقاط الأساسية:
أولًا: موقع الدول المذكورة في منظومة التقسيم الفقهيِّ التقليديِّ للدار
стр. 68
لئن قسَّم الفقهاء الدار من حيث الأمان إلى دار إسلام، ودار عهدٍ، ودار حربٍ، وعدوا الدار دار إسلام إذا كانت الأحكام الظاهرة فيها إسلاميَّة وكان المسلمون يمارسون فيها شعائرهم بحريَّة وأمانٍ، وأما دار العهد، فهي الدار التي تكون بينها وبين دار الإسلام عهد وميثاق واتفاقيَّات وسوى ذلك، وأما دار الحرب، فعنوا بتعريفها بأنَّها هي الدار التي يسود بينها وبين دار الإسلام حالة الحرب الطاحنة، ولا يوجد بينها وبين دار الإسلام معاهدة ولا ميثاق مطلقا.
بناءً على هذا التقسيم، يمكن القول على سبيل المثال بأنَّ دولة إسرائيل تعد دار حربٍ بالنسبة لعامَّة المسلمين، ذلك لأنَّ ثمة حربًا ضروسًا معنويَّة وحسيَّةً قائمةٌ بينها وبين الديار الإسلاميَّة (الدول الإسلاميَّة) بشكل عامٍّ. وأما الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة، فإنَّها تعد وفق ما أوردناه من تعريف للدار، دار عهدٍ، ذلك لأنَّ بينها وبين معظم الديار الإسلاميَّة معاهدات واتفاقيَّات، فضلًا عن أنَّ المسلمين يمارسون شعائرهم فيها بأمن وأمان.
стр. 69
وأما السعودية والمغرب، فإنهما تعدان - حسب التقسيم الفقهيِّ للدار - داري إسلامٍ، ذلك لأنَّ أحكام الشرع ظاهرة فيهما، ولأنَّ المسلمين يمارسون فيهما شعائرهم بأمنٍ وأمانٍ، وأي تشكيك في هذا الأمر يعد مكابرة.
стр. 70
ثانيًا: موقع المقيمين في هذه الدول في منظومة الأمان في الحسِّ الفقهيِّ
لقد أسلفنا القول بأنَّ الإنسان يستحقُّ الأمان والعصمة في دمه وماله وعرضه بأحد الأمرين، وهما: الإسلام، والدار، فكل مسلمٍ معصوم الدم والمال والعرض بحكم إسلامه، وكل من يقيم في دار الإسلام أو في دار العهد، يعتبر معصوم الدم والمال العرض.
стр. 71
وعليه، فإنَّه يمكن القول بأنَّ المقيمين غير المسلمين (=الصهاينة) في دولة إسرائيل لا يعدُّون آمنين لا بأمان الدين ولا بأمان الدار، ولا تعد دماؤهم ولا أموالهم ولا أعراضهم معصومة، لأنَّهم لا يعدون دماءَ المسلمين وأموالهم وأعراضهم معصومةً، فكان الواجب أن يعاملوا بالمثل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ * ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩١] . وأما بالنسبة للمسلمين المقيمين بين ظهراني اليهود، فإنَّ دماءهم وأموالهم وأعراضهم معصومة بعصمة الإسلام، ولهم أمان الدين فقط.
стр. 72
وأما أمان الدار، فليس لهم، ولذلك، فمن قتل منهم خطًا أثناء القتال بين الأعداء وبين المسلمين، لم تجب دية في قتله، وإنَّما تجب الكفَّارة فقط مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وإنَّما وجبت الكفَّارة ولم تجب الدية لأنَّ القتل في هذه الدار ليست ممنوعة، والدية إنَّما تجب بسبب الدار لا بسبب الدين، وفي هذا يقول الإمام الشافعي ما نصُّه: " فكان المؤمن في الدار غير الممنوعة وهو ممنوع بالإيمان، فجعلت الكفارة بإتلافه، ولم يجعل فيه الدية، وهو ممنوع الدم بالإيمان" (١)
على أنّ ترويع الصهاينة في دارهم (إرهابهم) أمر موكول إلى ولي الأمر، فهو المسؤول عند الله عن هذا الأمر، ويجب عليه إعداد القوى العسكرية والاقتصادية والفكرية والعلمية التي تعينهم على استعادة الأراضي المسلوبة والمحتلة ظلما وجورًا، كما يجب على جميع المسلمين ولاة ورعية في جميع أنحاء العالم مساندتهم ودعمهم في هذا الأمر، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
стр. 73
وأما بالنسبة للمقيمين في دار العهد كما هو الحال في الولايات المتحدَّة، فإنَّهم يعدون معصومي الدماء والأموال والأعراض ما داموا فيها، لا يجوز قتلهم أو قتالهم، كما يحرم الاعتداء على أموالهم وأعراضهم، وممتلكاتهم، فمن قتل منهم خطأً، وجب على القاتل الدية والكفارة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ، ويؤكِّد الإمام الشافعي هذا الأمر، فيقول: "فأوجب الله بقتل المؤمن خطًا الدية وتحرير رقبةٍ، وفي قتل ذي الميثاق الدية وتحرير رقبةً، إذا كانا معًا ممنوعي الدم بالإيمان والعهد والدار معًا " (١) .
على أنَّ هذا الأمان والعصمة ثابتة لهم ما داموا في دار العهد، فإذا تحوَّلوا عنها لأيِّ سببٍ من الأسباب إلى دار حرب، فإنَّه يزول عنهم الأمان والعصمة، ويمسي حكمهم كحكم المقيمين في دار الحرب، فمن قتل منهم خطأً، فلا تجب في قتله دية ولا كفارة مطلقًا.
стр. 74
وأما بالنسبة للمقيمين في السعودية والمغرب، فإنَّ لهم أمان الإسلام والدار معًا إذا كانوا مسلمين، ولهم أمان الدار إذا كانوا غير مسلمين، مما يعني أنَّ كل مقيم في هذه الدول يعد معصوم الدم والمال والعرض، وهو آمن بأمان الدين والدار معًا إذا كان مسلمًا، أو آمن بأمان الدار دون الدين إذا كان غير مسلمٍ. وقد وردت نصوص متضافرة من الكتاب والسنَّة تحرِّم الاعتداء على الآمنين بأمان الدين أو الدار، وقد سبق أن أشرنا إلى بعضها.
стр. 75
وعلى العموم، بهذا يتضح لنا مواقع الدول المذكورة في منظومة التقسيم الفقهيِّ للدار، ومنظومة الأمان التي تحدَّث عنها الفقهاء ذات يومٍ، وأصَّلوا فيها القول أيَّما تأصيل. وإذ الأمر كذلك، فحريٌّ بنا الانتهاء إلى تحديد ما نراه حكمًا شرعيًّا مناسبًا وملائمًا للأحداث التي جرت ولا تزال تجري في تلك الدول، وذلك كالآتي: