← Общие книги

Общие книги · id 1204

في مصطلح الإرهاب وحكمه قراءة نقدية في المفهوم والحكم من منظور شرعي

قطب مصطفى سانو

Полный текст (95 стр.). Показаны 71–95 · переход к 76.

стр. 71

وعليه، فإنَّه يمكن القول بأنَّ المقيمين غير المسلمين (=الصهاينة) في دولة إسرائيل لا يعدُّون آمنين لا بأمان الدين ولا بأمان الدار، ولا تعد دماؤهم ولا أموالهم ولا أعراضهم معصومة، لأنَّهم لا يعدون دماءَ المسلمين وأموالهم وأعراضهم معصومةً، فكان الواجب أن يعاملوا بالمثل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ * ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩١] . وأما بالنسبة للمسلمين المقيمين بين ظهراني اليهود، فإنَّ دماءهم وأموالهم وأعراضهم معصومة بعصمة الإسلام، ولهم أمان الدين فقط.

стр. 72

وأما أمان الدار، فليس لهم، ولذلك، فمن قتل منهم خطًا أثناء القتال بين الأعداء وبين المسلمين، لم تجب دية في قتله، وإنَّما تجب الكفَّارة فقط مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وإنَّما وجبت الكفَّارة ولم تجب الدية لأنَّ القتل في هذه الدار ليست ممنوعة، والدية إنَّما تجب بسبب الدار لا بسبب الدين، وفي هذا يقول الإمام الشافعي ما نصُّه: " فكان المؤمن في الدار غير الممنوعة وهو ممنوع بالإيمان، فجعلت الكفارة بإتلافه، ولم يجعل فيه الدية، وهو ممنوع الدم بالإيمان" (١) على أنّ ترويع الصهاينة في دارهم (إرهابهم) أمر موكول إلى ولي الأمر، فهو المسؤول عند الله عن هذا الأمر، ويجب عليه إعداد القوى العسكرية والاقتصادية والفكرية والعلمية التي تعينهم على استعادة الأراضي المسلوبة والمحتلة ظلما وجورًا، كما يجب على جميع المسلمين ولاة ورعية في جميع أنحاء العالم مساندتهم ودعمهم في هذا الأمر، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.

стр. 73

وأما بالنسبة للمقيمين في دار العهد كما هو الحال في الولايات المتحدَّة، فإنَّهم يعدون معصومي الدماء والأموال والأعراض ما داموا فيها، لا يجوز قتلهم أو قتالهم، كما يحرم الاعتداء على أموالهم وأعراضهم، وممتلكاتهم، فمن قتل منهم خطأً، وجب على القاتل الدية والكفارة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ، ويؤكِّد الإمام الشافعي هذا الأمر، فيقول: "فأوجب الله بقتل المؤمن خطًا الدية وتحرير رقبةٍ، وفي قتل ذي الميثاق الدية وتحرير رقبةً، إذا كانا معًا ممنوعي الدم بالإيمان والعهد والدار معًا " (١) . على أنَّ هذا الأمان والعصمة ثابتة لهم ما داموا في دار العهد، فإذا تحوَّلوا عنها لأيِّ سببٍ من الأسباب إلى دار حرب، فإنَّه يزول عنهم الأمان والعصمة، ويمسي حكمهم كحكم المقيمين في دار الحرب، فمن قتل منهم خطأً، فلا تجب في قتله دية ولا كفارة مطلقًا.

стр. 74

وأما بالنسبة للمقيمين في السعودية والمغرب، فإنَّ لهم أمان الإسلام والدار معًا إذا كانوا مسلمين، ولهم أمان الدار إذا كانوا غير مسلمين، مما يعني أنَّ كل مقيم في هذه الدول يعد معصوم الدم والمال والعرض، وهو آمن بأمان الدين والدار معًا إذا كان مسلمًا، أو آمن بأمان الدار دون الدين إذا كان غير مسلمٍ. وقد وردت نصوص متضافرة من الكتاب والسنَّة تحرِّم الاعتداء على الآمنين بأمان الدين أو الدار، وقد سبق أن أشرنا إلى بعضها.

стр. 75

وعلى العموم، بهذا يتضح لنا مواقع الدول المذكورة في منظومة التقسيم الفقهيِّ للدار، ومنظومة الأمان التي تحدَّث عنها الفقهاء ذات يومٍ، وأصَّلوا فيها القول أيَّما تأصيل. وإذ الأمر كذلك، فحريٌّ بنا الانتهاء إلى تحديد ما نراه حكمًا شرعيًّا مناسبًا وملائمًا للأحداث التي جرت ولا تزال تجري في تلك الدول، وذلك كالآتي:

стр. 76

أولاً: لقد أسلفنا القول بأنَّ الإرهاب يكون مشروعًا لولي الأمر فقط إذا كان المروَّعون معتدين وغاصبين كما هو الحال في إسرائيل، فإن على ولي الأمر دون الأفراد والجماعات الأخذ بكل الأساليب والوسائل الممكنة لتحرير الأراضي المحتلة، وطرد الغاصبين، ويعد هذا الأمر جهادًا مشروعاعند الله ﷻ مصداقًا لقوله ﵌ «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد» (١) . وينبغي التفريق بين هذا النوع من الإرهاب وغيره من الأشكال التي سبق الحديث عنها، إذ إنّ هذا النوع من صميم العقيدة الإسلاميَّة، ويجب على المسلمين - حكَّامًا وشعوبًا - القيام به حتى يتحرَّر المسجد الأقصى وتعود الأراضي المغصوبة التي اغتصبتها قوى الظلم والغدر وحلفاؤها. وبطبيعة الحال، إنَّ ما تقوم به السلطات الصهيونيَّة الغاشمة الغاصبة من سفكٍ للدماء وهتكٍ للأعراض وإفسادٍ للأموال والممتلكات ظلمًا وجورًا، يعد ذلك في المنظور الإسلاميِّ إرهابًا محرَّمًا بلا خلاف.

стр. 77

ثانيًا: لئن قرَّرنا من قبل بأنَّ الإرهاب لا يكون مشروعًا إذا كان ترويعًا للآمنين بأمان الدين أو الدار سواء أكان الهدف منه تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنون فيه، ولئن حقَّقنا القول بأنَّ الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة تعد في منظومة التقسيم الفقهيِّ دار عهدٍ، لذلك، فإنَّ ما وقع في أراضيها في ١١ سبتمبر من هجمات واعتداءات على الأبرياء والممتلكات، يعد ذلك إرهابًا لا يقرُّه الإسلام ولا يأمر به، ذلك لأنَّ تلك الديار من المنظور الإسلاميِّ دار عهدٍ، ويعد المقيمون فيها مسلمين أو غير مسلمين معصومي الدماء والأعراض والأموال، إذ إنَّهم يستحقُّون الأمان والعصمة إما بسبب الدين والدار معًا (أمان الإسلام وأمان الدار) ، أو بسبب الدار دون الدين (أمان الدار) ، وبالتالي، فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك دماءهم، أو يهتك أعراضهم، أو يعتدي على ممتلكاتهم ما دام العهد والميثاق قائمًا بينهم وبين المسلمين ممثَّلين في أولياء أمورهم.

стр. 78

ولقد وردت جملةٌ من نصوص الكتاب والسنَّة تنهى عن الاعتداء على المقيمين في هذه الدار ولو كانوا غير مسلمين، وتأمر بالبرِّ إليهم والقسط معهم، ومن تلك النصوص قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . وقوله ﵌ «من آذى معاهدًا أو انتقصه حقَّه أو أخذ ماله بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة» . أو كما قال.

стр. 79

إنَّ هذه النصوص وسواها تقرِّر وتؤكِّد تحريم الاعتداء على المقيمين في دار العهد سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، بل إنَّ قتل المقيم في هذه الدار خطأً، تجب فيه الدية والكفارة، كما تجب في قتل المؤمن خطًا في دار الإسلام سواءً بسواء مصداقًا لقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] . وبناءً على هذا، فليس ثمَّة سبب شرعيٌّ يعتدُّ به في الاعتداء على الأبرياء في دار العهد أو دار الإسلام، وليس هنالك أصلٌ شرعيٌّ معتبرٌ يمكن الاستناد إليه لإعلان الجهاد ضدَّ المقيمين في هذه الدار سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، ما لم تتحوَّل هذه الدار إلى دار حرب، فتصبح أحكامها كأحكام دار الحرب.

стр. 80

على أنَّ إعلان الجهاد ضدَّ دار العهد أو فسخ عقد الأمان المعطى للمعاهدين، يعد حقًّا خاصًّا للإمام أو من يفوِّضه، الشأن في ذلك كالشأن في إقامة الحدود والقصاص، وإدارة شؤون الدولة، وتجهيز الجيوش، وغير ذلك من الوظائف التي يختصُّ بها ولي الأمر دون غيره، والمقصد الشرعيُّ المبتغى من اختصاص الإمام بهذه الوظائف تحقيق انتظام أمر الأمَّة وتحقيق الاستقرار والأمن والأمان لأفرادها، وقطع دابر الخلافات والنزاعات لتحقيق مصالح شخصيَّة أو خاصَّة، فلو لم يختصَّ الإمام بهذه الوظائف لأدَّى ذلك إلى الهرج والمرج في المجتمعات ذلك لأنَّ إعلان الجهاد أو إقامة الحدود والقصاص يصبح محلَّ نزاع وخصام بين الرعيَّة، فمن الوارد أن يعلن فرد الجهاد، ويعلن آخر عدمه، كما أنَّه من الوارد أن يدعو أحد إلى إقامة الحدود بناءً على اجتهادٍ ترجَّح ويعلن آخر عدم ذلك، فيتزعزع الأمن وينتشر الاضطراب، فيضعف كيان الأمَّة وتذهب ريحها نتيجة خلافاتها ونزاعاتها الداخليَّة. وأما إذا قصَّر الإمام أو ولي الأمر عن القيام بواجب الجهاد المشروع، وامتنع عن الدفاع عن بيضة الإسلام، فإنَّ الجهاد إن كان لا بدَّ له من أن يعلن، فإنَّه يجب

стр. 81

أن يعلن على ذلك الإمام بالقدر الذي يتناسب مع تقصيره وبالأسلوب الذي يحافظ على الأمن والاستقرار والنظام بعيدًا عن الشغب والخروج المسلَّح الذي لا يكون ضرره أكبر من نفعه في معظم الأحيان. أَجَلْ، إنَّ الجهاد الذي نرومه في هذه الحالة لا يعني بالضرورة جهادًا بالسيف، ولكنَّه يعني جهادًا بالتي هي أحسن، جهادًا بالنصح، والموعظة الحسنة، والإقناع، ذلك لأنَّ عزوف الإمام عن الجهاد يندرج - والحال كذلك - ضمن المخالفات الشرعيَّة، وقد بيَّن المصطفى ﵌ مراتب وكيفيات تغيير المنكر وفق الظروف والأحوال والمقامات.

стр. 82

ومهما يكن من شيءٍ، فإنَّنا نخلص إلى القول بأنَّ الأحداث الأخيرة في الولايات تعد ترويعًا للآمنين بأمان الدين والدار، وبأمان الدار دون الدين، ويعدُّ حرامًا في شرعنا مهما كانت مسبباته وأسبابه، ويستحق فاعلوه مسلمين كانوا أم غير مسلمين عقوباتٍ صارمة تردعهم عن مثلها مستقبلاً. وبناءً على هذا، فإنَّنا نربأ بالمسلمين كلَّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يكون لهم يدٌ أيُّ يدٍ في تلك الأحداث الأليمة والمروِّعة إن تخطيطًا أو توجيهًا أو تحقيقًا، ونربأ بأن يكون ذلك أسلوبًا يقرُّه دين السلام والوئام والأمن والأمان والاستقرار، ولكنَّنا لا نستبعد أن تكون ثمَّة أيد خفيَّة ماكرة خطَّطت لهذه الأحداث سعيًا منها إلى الحيلولة دون الإقبال الرائع والنمو المستمر الذي يحظى به هذا الدين في الغرب، مما يؤدِّي في النهاية إلى ظهوره على الدين كلِّه كما أخبر ﷻ . وعسى الله أن يحقَّ الحقَّ ويكشف كيد الكائدين، ومكر الماكرين.

стр. 83

على أنَّه لو ثبت يقينًا تورط مسلم أيِّ مسلم - فردًا أو جماعةً - في تلك الأحداث الأخيرة بناءً على تأويلٍ سائغٍ، مفاده اعتقاد الولايات المتحدَّة دار حرب لا دار عهدٍ، وذلك لمواقفها المتحيِّزة لإسرائيل ومساندتها إيَّاها ومظاهرتها لها على إخراج المسلمين من ديارهم في فلسطين المحتلَّة ظلمًا وعدوانًا. . فإنَّ هذا التأويل على الرغم من وجاهته، غير أنَّه لا يعتدُّ به سببًا شرعيًّا وجيهًا لإعلان الأفراد الجهاد ضدَّ الولايات المتحدَّة، أو فسخ عقد الأمان العامِّ الذي بينها وبين الديار الإسلاميَّة. . لأنَّ الإمام هو الذي يملك حقَّ إعلان الجهاد ضدَّ دار الحرب أو فسخ عقد الأمان العام المعطى لها، ولا يملك أحدٌ هذا الحقَّ سواه. ولهذا، فإنَّ إرهاب الأفراد أو الجماعات الآمنين في دار العهد (الولايات المتحدَّة) لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به متمثَّل في الدفاع والحفاظ على كليَّة العرض والمال، يعد هذا الإرهاب - كما قرَّرنا من قبل - حرامًا لا يجوز للأفراد أو الجماعات القيام لما فيه من افتئات على الإمام، ولما ينطوي عليه من فسخٍ لعقد الأمان العامِّ دون إذن أو تفويض من الإمام، ويستحقُّ المتورطون في هذه

стр. 84

الأحداث عقوبةً تعزيريَّة يقدِّرها الإمام وفق ما يتناسب ودرجة الافتئات والإساءة إلى الآمنين بأمان الدين أو الدار.

стр. 85

ثالثًا: إنَّ ما شهدته الأراضي السعودية وقبلها الأراضي المغربية من تدميرٍ للمباني وسفكٍ لدماء الأبرياء، وهتكٍ للأعراض وإهلاكٍ للأموال، يعد ذلك إرهابًا محرّما تحريما قاطعًا، وينطبق عليه حكم الحرابة التي وردت نصوص الكتاب والسنة الصحيحة في شأنها، ويستحق المتورطون فيها عقوبة الحرابة المنصوص عليها في سورة المائدة، فالإسلام بمبادئه السمحة وتعليماته السامية، لا يقرُّ بأي حالٍ من الأحول إرهاب الآمنين بأمانه ولا إرهاب الآمنين بأمان الدار (المقيمين بدار الإسلام أو دار العهد) ، وينبذ الترويع والتخويف والإساءة بجميع أشكاله إلى المعاهدين والذميِّين ما دام العهد قائمًا، وما لم ينقضوا العهد والميثاق، بل إنَّ الحربيَّ المستأمن يحرِّم الإسلام الاعتداء على دمه وماله وعرضه ما دام عقد الأمان قائمًا. . دين بهذا المستوى من الترقِّي والإنسانيَّة والتسامح لا يمكن له أن يأمر أتباعه - أفرادًا أو جماعاتٍ - بسفك دماء الأبرياء الآمنين، أو هتك أعراضهم، وإبادة ممتلكاتهم.

стр. 86

وبهذا يتبيَّن لنا، بجلاءٍ وبموضوعيَّة، مفهوم الإرهاب من منظورٍ شرعيٍّ، كما يتضحُّ لنا حكم الشرع في هذه الظاهرة المعقَّدة، ونظر الشرع في الأحداث الأخيرة التي ألَّمت بالولايات المتحدَّة، وبالسعودية والمغرب.

стр. 87

نتائج البحث بفضل الله وتوفيقه، توصلت في هذه الدراسة المتواضعة إلى جملةٍ حسنةٍ من النتائج، تلخيصها في النقاط الآتية: أولاً: ليس في القرآن الكريم ولا السنة النبويَّة تعريف واضح صريح للإرهاب، وقد وردت مادة الإرهاب ومشتقاته في عددٍ من آيات الذكر الحكيم، ويراد بها في تلك الآيات، الخوف، والتخويف والترويع، والتقرب إليه طمعًا في رحمته وخوفًا من عذابه.

стр. 88

ثانيًا: ثمة تعريفات متعددة لمصطلح الإرهاب، غير أنَّها برمَّتها تفتقر إلى العلميَّة والموضوعيَّة، ذلك لأنَّها تتضمن تعميمًا في الحكم والهدف، ولا تحاول ضبط حقيقة هذا الفعل وجوهره بصورة موضوعيَّة ومنهجيَّة. وينطبق هذا الأمر على التعريف الذي انتهى إليه السادة الفقهاء في مجمع البحوث الإسلاميَّة، ومفكرو مكتب التحقيقات الفيدراليَّة FBI. /٥٠ ثالثًا: إنَّه من المتعذر شرعًا وقانونًا تقرير حكمٍ شرعيٍّ أو قانونيٍّ معيَّن واحدٍ للإرهاب ذلك لأنَّ له أشكالًا وأهدافًا مختلفة ومتعددة، وبالتالي، فإنَّ تحديد حكمه الشرعيِّ أو القانونيِّ مرهون بتحديد أهدافه وأشكاله تحديدًا محكمًا. وبناءً على هذا، بيَّنت الدراسة عدم سداد التعريف والحكم العامِّ الذي انتهى إليهما السادة الفقهاء في مجمع البحوث، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لافتقارهما إلى الموضوعيَّة والمنهجيَّة عند صياغة التعريفات، ولعدم التزامهما بالمبدأ المنطقيِّ الذي يقرِّر بأنَّ الحكم على شيءٍ فرعٌ عن تصوره، وما لا تعرف حقيقته لا يعرف حكمه شرعًا وقانونًا.

стр. 89

رابعًا: توصلت الدراسة إلى تعريف الإرهاب من منظور شرعيٍّ بأنَّه عبارة عن الترويع الحسيِّ أو المعنويِّ المقصود للآمن بأمان الدين أو الدار، أو لغير الآمن بأمانهما، من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنونٍ فيه، أو من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ معتبر مطلقًا. كما أوضحت الدراسة أنَّ للإرهاب وفق التصور الذي تبنيناه ستَّة أشكال، أولها: إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به، والشكل الثاني، يراد به إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنونٍ فيه، والشكل الثالث، هو إرهاب الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ معتبر مطلقًا، وأما الشكل الرابع، فيراد به إرهاب غير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به، والشكل الخامس، يراد به إرهاب غير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه، وأما الشكل السادس، فيراد به إرهاب غير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا.

стр. 90

خامسًا: أوضحت الدراسة أنَّ مصدر الأمان في المذهبيَّة الإسلاميَّة، هو الدين والدار، والمراد بالدين هو الدين الإسلاميُّ الذي ارتضاه الله للناس، وأما الدار، فالمراد بها دار الإسلام ودار العهد، فالمسلم يعد بسبب إسلامه آمنًا ومعصوم الدم والمال والعرض، ويعد كلُّ مقيمٍ في دار الإسلام أو في دار العهد آمنًا بأمان الدار، ومعصوم الدم والمال والعرض بغضِّ النظر عن كونه مسلمًا أو معاهدًا أو مستأمنًا. ويراد بدار الإسلام في الذهنيَّة الفقهيَّة العامَّة، الدار التي تكون فيها أحكام الشرع ظاهرةً، ويتمكن المسلمون من ممارسة شعائرهم فيها بأمن وأمانٍ. وأما دار العهد، فيراد بها الدار التي يكون بينها وبين دار الإسلام ميثاق وعهد وموادعة، ويغلب على سكانها كونهم معاهدين غير مسلمين، وأما دار الحرب، فإنَّه يراد بها تلك الدار التي بينها وبين دار الإسلام حربٌ قائمةٌ وعداوة واضحةٌ، ولا يأمن فيها المسلمون بممارسة شعائرهم بأمانٍ.

стр. 91

سادسًا: قرَّرت الدراسة بأنَّ الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة تعد وفق التقسيم الفقهيِّ للدار، دار عهدٍ لما بينها وبين عددٍ من الديار الإسلاميَّة (الدول الإسلاميَّة) من معاهدات ومواثيق تنصُّ على تحريم الاعتداء على الدماء والأعراض والأموال، وأما إسرائيل، فإنَّها تعد دار حربٍ لما بينها وبين معظم الديار الإسلاميَّة وخاصَّة دولة فلسطين من حربٍ ضروس قائمةٍ. وأما أفغانستان، فإنَّها تعد دار إسلامٍ، لأنَّ أحكام الإسلام ظاهرة فيها، ويمارس المسلمون شعائرهم فيها بأمان وأمن. وبناءً على هذا، توصلت الدراسة إلى تقرير القول بتحريم ترويع الآمن بأمان الدين أو بأمان الدار تحريمًا مطلقًا بغض النظر عن الهدف الذي يروم المروِّع تحقيقه، وبغضِّ النظر عن التأويلات المخالفة للنصوص الصريحة الواضحة المجرِّمة الاعتداء على دم الآمن وماله وعرضه. وبما أنَّ الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة دار عهدٍ، والسعودية والمغرب دارا إسلام، لذلك، فلا يجوز ترويع الآمنين في هذه الديار كلها لتحقيق غرض شرعيٍّ مقطوعٍٍ به أو مظنونٍ فيه.

стр. 92

سابعًا: أصّلت الدراسة القول في أن إرهاب الأفراد والجماعات للآمنين محرَّم قطعا بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة بغض النظر عن نبل أو شرف الأهداف والغايات الموهومة التي تكون وراءها، وأما إرهاب غير الآمنين، فإنه هو الآخر حرام على الأفراد والجماعات، وينبغي أن يقوم به ولي الأمر أو من يأذن له أو يفوّضه، ذلك لأن إعلان الجهاد وتجهيز الجيوش يعد من اختصاصات ولي الأمر ووظائفه، ولا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر الافتئات عليه في هذا الشأن كما وردت بذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة. ثامنًا: أوضحت الدراسة بأن آية الأنفال الداعية إلى إرهاب العدو خطاب لأولي الأمر وليست خطابا للأفراد والجماعات الخارجة على طاعة ولي الأمر، ويدل على هذا سباقات الآية وسياقاتها ولواحقها، وهذا الإرهاب مشروط بأن يكون دفاعيا لا هجوميًّا، فالإسلام لا يجبر أحدا على اعتناق مبادئه، ويحرم على أتباعه بدء مخالفيهم بالقتال، فالجهاد المسلح المشروع دفاعي في طبعه، وإنساني في غايته، وحضاري في أسلوبه ومنهجه. وأي إخلال بهذه الأبعاد في الجهاد المسلح يعد مخالفة صارخة لتعاليم الإسلام ومبادئه ومقاصده.

стр. 93

تاسعًا: انتهت الدراسة إلى تقرير القول بأن إرهاب الآمنين لتحقيق غايات شرعية مقطوع بها أو مظنون بها، يعد من جنس الحرابة التي أمر الله بإنزال أقسى العقوبات بالمتورطين فيها إذا لم يتوبوا قبل أن يقدر عليهم. وإنما كان ذلك حرابة لما ينتج عنه في الغالب الأعم من سفك للدماء وهتك للأعراض وإتلاف للأموال، ويستحق من فعل أيّا من هذه الجرائم عقوبة الحرابة المغلظة ردعا لغيره، وحماية للبيضة. ولا يشفع للإرهاب الفردي أو الجماعي نبل الغاية أو المقصد، فالغاية الحميدة التي يتوصل إليها بوسيلة محرمة تعد غاية موهومة وباطلة، ولا سداد فيها ألبتة. على أنه لم تفت الدراسة تأصيل القول في استحقاق بعض أشكال الإرهاب عقوبة التعزير كما هو الحال في ترويع غير الآمن لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوع أو مظنون به دون إذن وتفويض من الإمام.

стр. 94

عاشرا: بناءً على موقع الدول الثلاث (السعودية والمغرب والولايات المتحدة) من التقسيم الفقهيِّ للدار، فإنَّ الأحداث الأخيرة التي جرت في الولايات المتحدَّة لا يقرُّها الإسلام ولا يدعو إليها، بل هي خروج عن منهجه السويِّ القائم على التسامح والسلام واحترام المواثيق والمعاهدات، فضلًا عن أنَّ الإسلام لا يبيح للأفراد أو الجماعات الاعتداء على دماء الأبرياء، وهتك الأعراض، وإبادة الممتلكات بدعوى الجهاد ضدَّ الكفَّار، فإعلان الجهاد ضدَّ أهل دار العهد أو دار الحرب، يعد حقًّا خاصًّا للإمام أو من يفوِّضه، وإذ الأمر كذلك، فإنَّه لا يجوز لمؤمن بالله ورسوله الافتئات على الإمام والدعوة إليه دون إذن أو تفويضٍ. ولا يصح الاستناد إلى تأويلاتٍ سائغةٍ وغير سائغةٍ لتحليل هذا الأمر، وخاصَّة أنَّ ثمَّة نصوصًا قطعيَّة صريحة وردت تأمر بالبرِّ والإحسان إلى المعاهدين في دار العهد ما داموا على عهدهم.

стр. 95

وأخيرًا: إنَّ الأحداث التي جرت ولا تزال تجري في الديار السعودية والمغرب، تعد حرابةً ولا يصح إقحام الإسلام فيها، وتعد الجماعات المتورطة مخالفة لحكم الشرع ومقاصده، ولا يمكن بأي حال من الأحوال عد عملهم جهادًا، فالجهاد كل الجهاد أرفع وأسمى من أن يبيح لهم سفك دماء الآمنين، وهتك الأعراض، وإتلاف الأموال وإضاعتها، فإنَّ المشاركين في تلك الهجمات يعدون في الحسِّ الإسلاميِّ معتدين ومحاربين، ولا يقبل منهم أيُّ تأويل لأعمالهم الشنيعة المشوِّهة لصورة الإسلام ونصاعته. وبهذا، نصل إلى نهاية هذه الدراسة آملين أن نكون قد وفِّقنا إلى إبراز وجهة النظر الشرعيَّة في هذه القضية الشائكة المعقَّدة، فإن كان الصواب قد حالف ما انتهينا إليه، فإنَّ ذلك من فضل الله وتوفيقه، وإن كان العكس، فإنَّني أسأل الله العفو والمغفرة، وأن يزيدنا علمًا وفقهًا في دينه، ويبصِّرنا في ديننا، والله أعلم بالصواب. أعدها العبد الفقير العاصي / أبو محمد قطب مصطفى سانو نزيل كوالالمبور، ماليزيا، جنوب شرق آسيا.