٣- الحشائش في الأقاليم المعتدلة الباردة:
التوزيع الجغرافي:
توجد الحشائش في هذه الأقاليم وخاصة في وسط آسيا وجنوب شرق أوروبا، ويطلق عليها اسم الإستبس، وتوجد أيضا في وسط أمريكا الشمالية حيث تسمى البراري، ولا توجد هذه الحشائش في القارات الجنوبية.
المميزات المناخية:
نظرا لبعد مناطق هذه الحشائش عن السواحل فإن مناخها يكون حارا في فصل الصيف وشديد البرودة في الشتاء.
стр. 422
المميزات النباتية:
الأمطار تسقط في العادة خلال مدة قصيرة في فصل الربيع كما تذوب فيه الثلوج فتكون سببا في كساء الأرض بالعشب الأخضر والأزهار الجميلة.
الأهمية الاقتصادية:
تستغل مناطق هذه الحشائش في الرعي. وخاصة رعي الخيول والأغنام والماشية، كما أن بعض مناطقها وخاصة في أمريكا الشمالية قد تحولت إلى أراض زراعية خصبة، تجود بها زراعة الحبوب كالقمح والشعير، وبذلك فإنها تعتبر مخازن للحبوب في العالم. كما قامت بعض المدن الصناعية التي تشتهر بصناعة حفظ اللحوم والألبان ودبغ الجلود وصناعة الصوف وطحن الغلال.
أثر الإنسان:
رغب الإنسان في سكنى تلك المناطق الواسعة لوفرة ما بها من عشب، ولخصوبة تربتها، وقد حول جزءا كبيرا منها إلى أراضٍ زراعية.
стр. 423
ثالثا: الصحاري:
التوزيع الجغرافي:
تشمل الصحاري مساحات واسعة من القارات وأهمها: الصحاري الحارة المدارية الكبرى في شمال أفريقيا، وصحراء شبه الجزيرة العربية في جنوب غرب آسيا، وصحارى غرب استراليا، وصحراء أريزونا والمكسيك في أمريكا الشمالية، وصحراء أتكاما في أمريكا الجنوبية. ثم الصحاري المعتدلة الباردة في وسط آسيا شكل "١٤٢".
стр. 424
المميزات المناخية والنباتية:
هذه الصحراوات تنعدم فيها الحياة النباتية تقريبا بسبب قلة الأمطار وطول فصل الجفاف، وإذا وجدت النباتات فإنها من الأنواع التي تقاوم الجفاف الشديد، وتحتفظ بالماء في جوفها لكي تتمكن من الحياة بوسائل مختلفة: فبعضها جذوره طويلة كالنخيل الذي يمتص الماء من تحت التربة
стр. 425
وبعضها يختزن الماء في أوراق ليفية سميكة، وكثير منها يغطي أوراقه بالشوك أو بطبقة شمعية تسد مسامها لتعوق تبخر الماء منها مثل نبات الصبر والصبير
شكل "١٤٢": توزيع الصحاري في العالم
стр. 426
الأهمية الاقتصادية:
توجد في مناطق الصحاري أرض صالحة للزراعة إذا توفرت لها مياه
стр. 427
الري التي تتمثل في مياه الأنهار أو في المياه الباطنية، حيث تحفر لها الآبار كما هو الحال في الواحات، وهذه الأراضي تصلح لزراعة أشجار نخيل البلح والزيتون والفاكهة وزراعة الحبوب.
стр. 428
أثر الإنسان:
يظهر أثر الإنسان في هذه الجهات على النحو الآتي:
أ- الاستغلال الرعوي:
هناك قبائل رحل يعيشون على رعي الجمال أو الخيول والأغنام والماعز، كما أن هناك فريقا آخر يقوم بالوساطة التجارية ونقل السلع بين الأقاليم التي تجاور الصحراء.
ب- الاستغلال الزراعي:
بعض القبائل في هذه الجهات يقيمون في الواحات ويشتغلون بالزراعة، وخاصة زراعة الزيتون والنخيل وتربية الأغنام، أو يقيمون على ضفاف الأنهار التي تشق الصحراء كما هو الحال في مصر، وهنا حول الإنسان الأراضي الصحراوية إلى أراضٍٍ زراعية بتنظيم وسائل الري.
ج- الاستغلال المعدني:
استغلت المناطق الصحراوية في التنقيب عن المعادن. فمثلا استخرجت النترات من صحراء شيلي، والذهب من صحراء استراليا، والبترول من صحراء شمال أفريقيا وصحراء بلاد العرب.
стр. 429
رابعا: الصحراء الجليدية أو التندرا:
التوزيع الجغرافي:
كلمة تندرا كلمة روسية تطلق على الصحراء الجليدية، التي تغطي أراضيها الثلوج أكثر من ثلثي السنة. وتنتشر على كل الجهات التي تقع في شمال الغابات المخروطية أو الصنوبرية "شكل ١٤٢". حيث تمتد على سواحل المحيط المتجمد الشمالي في شمال كندا وشمال اسكنديناوه، وشمال سيبيريا بآسيا. ولا توجد في نصف الكرة الجنوبي.
стр. 430
المميزات المناخية:
المناخ هنا بارد في الصيف، والشتاء طويل قارس البرد، ويسقط عليها قليل من الثلج.
стр. 431
المميزات النباتية:
تؤثر شدة البرد في النبات، كما يؤثر فيه الجفاف أيضا، ولا تنمو إلا بعض الأشجار القزمية والنباتات العشبية التي من أهم أنواعها: الطحالب وحشائش الماء المختلفة الألوان والأزهار.
стр. 432
الأهمية الاقتصادية:
التندرا غنية بالحياة الحيوانية على الرغم من تغطية أراضيها بالثلوج، فتعيش فيها الحيوانات ذات الفراء مثل الدببة والثعالب التي تأوي إلى الغابات الصنوبرية جنوب الإقليم، كما تستغل أيضا في رعي حيوان الرنة في شمال آسيا وأوروبا، وثور المسك والكاريبو في شمال كندا.
стр. 433
أثر الإنسان:
الإنسان هنا لا يجد غير القليل من حاجاته نظرا لفقر الإقليم، ولذلك فهو يقوم برعي الرنة، وصيد الحيوانات البحرية كالسمك، وسبع البحر وعجل البحر والحوت، وصيد الدب القطبي والثعلب القطبي لفرائهما في فصل الصيف، كما أن الإنسان هنا يناضل في سبيل الحياة، حيث لا يستطيع أن يزرع الأرض لتجمد التربة من شدة البرد.
стр. 434
خامسا: نباتات الجبال:
تتنوع النباتات التي تنمو على السفوح الجبلية تنوعا كبيرا، بسبب انخفاض درجة الحرارة بالتدريج كلما ارتفعنا. أما المطر فهو غزير على السفوح السفلى ثم يأخذ في النقصان تدريجيا، لنقص مقدار بخار الماء في الطبقات العليا، حتى نصل إلى القمم التي تكسوها الثلوج معظم أيام السنة "شكل ١٤٣". وعلى ذلك تتابع تلك المناطق النباتية في كل الجهات الجبلية، ويتوقف ذلك على الإقليم الذي توجد به الجبال، وعلى موقع الجبال، والرياح التي تجلب المطر.
فإذا تتبعنا النباتات التي تنمو على الجبال عند خط الاستواء مثل جبل كلمنجارو مثلا، فإن النباتات تتدرج على النحو التالي "شكل ١٤٤".
стр. 435
شكل "١٤٣": اختلاف النباتات بالنسبة لدائرة العرض والارتفاع.
في السفوح السفلى نجد الغابات الاستوائية، تتدرج إلى السافانا الغنية بالأشجار، فالغابات المعتدلة، ثم الغابات النفضية، فالغابات المخروطية. ثم نصل إلى منطقة تكثر فيها الحشائش تشبه التندرا، وتعرف نباتاتها بالنباتات الألبية، وأخيرا نصل إلى منطقة الثلج الدائم التي لا تظهر إلا على القمم المرتفعة جدا. أما في الأقاليم المعتدلة فنجد أن التدرج يكون:
أولا: نباتات تلك الأقاليم من غابات وحشائش تتبعها التندرا، ثم
стр. 436
منطقة الثلج الدائم الذي يكون بطبيعة الحال أقل ارتفاعا من سطح البحر عنه في الجهات الحارة شكل "١٤٥".
شكل "١٤٤": قطاع يبين نباتات جبل كلمنجارو في وسط أفريقيا.
ففي الجهات الحارة يكون خط الثلج الدائم على ارتفاع ٥٠٠٠ متر تقريبا، ثم يهبط إلى ٣٠٠٠ متر تقريبا في جبال الألب في أوروبا، وإلى ١٦٠٠ متر تقريبا فوق جبال النرويج. على أن ارتفاع خط الثلج الدائم لا يتوقف على درجة الحرارة فقط، ولكنه يتأثر كذلك بالأمطار على جوانب الجبال، فالجوانب الغزيرة الأمطار يكون فيها خط الثلج الدائم أكثر انخفاضا عنه في الجوانب القليلة الأمطار.
شكل "١٤٥": خط الثلج الدائم على الجبال في مختلف الأقاليم المناخية
стр. 437
الفصل الثاني: الحيوانات وتوزيعها على سطح الأرض
مدخل
...
الفَصلُ الثَّاني: الحَيَوانات وَتَوزيعهَا عَلى سَطح الأرض
تتأثر الحيوانات بظروف البيئة الطبيعية المحيطة بها، إلا أنها أقل تأثرا بتلك الظروف من النباتات، تبعا لقدرة الحيوانات العظيمة على الحركة والانتقال من مكان لآخر، كما أن أجسامها تحتفظ بدرجة حرارة معينة تساعدها على الحركة.
стр. 438
العوامل التي تؤثر في حياة الحيوانات:
١- المناخ:
لكل نوع من الحيوانات مناخ يلائم حياته، فمثلا الأفاعي لا تعيش في الأماكن الشديدة البرودة، والتماسيح لا تُرى إلا في الأقاليم المدارية ونظرا لحركة وانتقال معظم الحيوانات فإننا نجد بعضها في جهات بعيدة عن موطنها، فالنمر مثلا يوجد في منشوريا بقارة آسيا.
وتؤثر درجة الحرارة في لون وكثافة الشعر الذي يكسو جلد الحيوانات، ففي الجهات الشديدة الحرارة يكسو الحيوانات شعر قصير، وفي الجهات الشديدة البرودة يكسوها شعر كثيف من الصوف ليقيها شر البرد.
وهناك حيوانات تقاوم هذه الظروف وتتحملها كالزواحف التي يكون لها فترة بيات وخاصة في فصل الشتاء لشدة انخفاض درجة الحرارة، وبعضها يتحمل العطش الشديد مثل الجمل في الجهات الصحراوية الحارة.
٢- النباتات:
تعتبر النباتات ذات أثر عظيم في حياة الحيوانات، إذ إنها تتغذى عليها بطريق مباشر كالحيوانات العشبية أو بطريق غير مباشر كالحيوانات الكاسرة "آكلة اللحوم" التي تعيش على لحوم الحيوانات العشبية. ولكل إقليم من الأقاليم النباتية حيوانات ذات صفات خاصة تميز بعضها عن البعض الآخر.
٣- التضاريس:
للتضاريس أثر عظيم في حياة الحيوانات، ففي الجهات الجبلية تتنوع الحيوانات مع تنوع النبات من قاعدة الجبل إلى قمته، كما أن السلاسل الجبلية تعتبر بمثابة حدود فاصلة بين الحيوانات التي تعيش على جوانبها، فجبال الإنديز في أمريكا الجنوبية مثلا تفصل بين الأنواع التي تعيش في شرقها والأنواع التي تعيش في غربها، وكذلك جبال الهيمالايا في الهند تفصل بين حيوانات الهند وحيوانات وسط القارة الآسيوية.
٤- الإنسان:
للإنسان أثر كبير في توزيع الحيوانات على سطح الأرض، فهو مثلا يعمل على زيادة بعض أنواع من الحيوانات مثل الخيول، أو يساعد على اختفاء بعض الحيوانات المتوحشة كالثيران الوحشية الأمريكية.
стр. 439
الأقاليم الحيوانية
حيوانات الغابات
...
الأقاليم الحيوانية: شكل "١٤٦"
أولا: حيوانات الغابات:
سبق أن عرفنا أن الغابات تغطي مساحة شاسعة من اليابس، وعلى الرغم من تنوعها تبعا للعروض التي تقع فيها، فإن الحياة الحيوانية بها زاخرة، وتتنوع كذلك بتنوعها، فبعض الحيوانات تعيش على أرض الغابة، وبعضها الآخر لا تطأ قدمه الأرض بل يعيش على أشجار الغابة.
١- حيوانات الغابات الاستوائية والمدارية:
نظرا لازدحام الغابة الاستوائية بالنبات والأشجار، ونظرا لصعوبة الحركة والانتقال، فإنه ليس هناك متسع للحيوانات الكبيرة الحجم والضخمة، كالفيلة والوحوش الكاسرة، فهذه تعيش على أطراف الغابة، أما الغابة نفسها فموطن للحيوانات التي تعيش على أعالي الأشجار كالقردة وضفادع الأشجار والطيور المختلفة الألوان التي تعيش على الفاكهة والحشرات،
стр. 440
وبعض الأفاعي والحشرات التي تعيش في الأراضي الرطبة وفي جذوع الأشجار. وتلك التي تعيش على المياه الراكدة والمستنقعات كالبعوض وذباب تسي تسي، وكذلك التماسيح وأفراس البحر "السيد قشطة" التي تعيش في مياه الأنهار والبحيرات والبرك.
شكل "١٤٦": الأقاليم الحيوانية في العالم
стр. 441
وتمتاز الحيوانات التي تعيش في الأشجار بأعضائها التي تساعدها على التسلق والتعلق والقفز السريع بين فروع الأشجار.
أما الغابات المدارية "الموسمية" فإنها مأوى الحيوانات التي تعيش على العشب كالفيل والخرتيت "وحيد القرن" والوحوش آكلة اللحوم كالنمور والحيوانات التي تعيش على الأشجار في الجهات الكثيفة منها هي القردة والسنجاب.
٢- حيوانات الغابات الباردة:
الحيوانات التي تعيش في هذه الغابات سواء في ذلك الغابات النفضية أو الصنوبرية قليلة بصفة عامة. وتشمل بعض أنواع الطيور التي تعيش على الفاكهة، ثم القارضة مثل السنجاب وهي تعيش على الحبوب الجافة، ثم بعض القطط المتوحشة، والحيوانات العشبية مثل الأرانب والثعالب والدب والذئب والخنزير البري والغزال الضخم. وتوجد هذه الحيوانات بصفة خاصة في غابات شمال أوراسيا وأمريكا الشمالية، كما تكثر بها الحيوانات المائية القارضة مثل كلب الماء.
стр. 442
ثانيا: حيوانات الحشائش:
تكسو الحشائش جزءا كبيرا من سطح الأرض فهي توجد في الجهات الحارة، وكذلك في الجهات المعتدلة الدفيئة والباردة. وتختلف الحياة الحيوانية بها تبعا لاختلاف ظروف البيئة في كل منها.
١- حيوانات السافانا:
تختلف حيوانات السافانا عن حيوانات الغابات الاستوائية والمدارية، فبينما معظم حيوانات الغابات السابقة من النوع القادر على التسلق الذي يقضي حياته تقريبا على الأشجار، ويتغذى على ثمارها، نجد أن حيوانات السافانا معظمها من الأنواع الأرضية التي تتغذى على الحشائش، ومن أهمها البقر الوحشي والجاموس والحمار الوحشي والزراف والخرتيت والفيل والغزال، وبعض الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم مثل النمر والأسد والفهد. وسهولة الحركة في إقليم السافانا تساعد الحيوانات على الحركة السريعة والهجرة
стр. 443
للبحث عن الغذاء والماء، وخاصة في فصل انقطاع الأمطار إلى نطاق الغابات.
ويعيش في إقليم السافانا، كذلك بعض الحشرات والديدان التي تكثر في خلال فصل المطر والحرارة، وبعضها كالأنواع القارضة تعيش في مساكن تحفرها لنفسها في الأرض، وهنا تعيش أيضا بعض الطيور المتوطنة التي تتغذى على الحشرات، قد فقد بعضها القدرة على الطيران نظرا لضخامة جسمه وقصر أجنحته مثل النعامة.
٢- حيوانات الإستبس:
تختلف حشائش الإستبس عن السافانا في موقعها، وفي كثرة الحشائش بها، وخلوها من الأشجار، وتتعرض الحيوانات في الإستبس للجفاف والبرد الشديد الذي يهلك النبات والحيوان، ولهذا فإن بعض الحيوانات يضطر للهجرة إلى مناطق أخرى، بينما يضطر البعض الآخر إلى الاعتكاف في مسكنه حتى فصل الدفء.
ومن أهم الحيوانات هنا الغزال والجمل ذو السنامين، وخاصة في إستبس قارة آسيا وأوروبا، وكثير من الحيوانات القارضة مثل السنجاب. وقد كان يعيش قديما في براري قارة أمريكا الشمالية الثور الوحشي.
ومن صفات حيوانات الإستبس أنها حيوانات ليلية، أي أنها لا تخرج من حفرتها إلا ليلا، أما الطيور فمن أهمها السمان الذي يهاجر في أواخر الخريف نحو المناطق الدافئة هربا من برودة فصل الشتاء، وبحثا عن الغذاء ومنها كذلك القنابر "قنبرة" وبعض الطيور الجارحة كالحدأة والنسور.
стр. 444
ثالثا: حيوانات الصحاري:
لما كانت نباتات الجهات الصحراوية قليلة أو معدومة، كانت الحياة الحيوانية محدودة للغاية. وهي تتركز عادة في الواحات وقرب حدود الصحراء عنها في الداخل، وأهم هذه الحيوانات الجمل ذو السنام الواحد، والغزال، ثم الكثير من الزواحف كالأفاعي والسحالي، وبعض الحيوانات القارضة الصغيرة، ومعظمها يختفي بالنهار ولا يظهر إلا في الليل، كما أن أغلبها يتميز بلونه الذي لا يختلف كثيرا عن لون رمال الصحراء، وهي ميزة
стр. 445
تجعل من السهل عليها الاختفاء من أعدائها. كما أنها تتميز أيضا بتحملها للجفاف الشديد، والسير بسهولة في الجهات التي تغطيها الرمال، لأن لأقدامها شكلا خاصا يساعدها على ذلك.
стр. 446
رابعا: حيوانات الجهات القطبية "التندرا ":
الجهات القطبية ليست فقيرة في حياتها كما يخيل لنا من أول وهلة، بل إنها زاخرة بالحيوانات على الرغم من قسوة المناخ فيها، وقلة النبات أيضا.
ونظرا لاقتراب اليابس في هذه الجهات واتصاله كانت الحيوانات فيها متشابهة في كل بقعة من بقاعها. وتشمل الحياة الحيوانية في التندرا بعض أنواع من الحيوانات والطيور التي تتميز بمقدرتها على تحمل البرودة عن طريق الفراء السميك الذي يحميها من البرد القارس. وتتغذى هذه الحيوانات من طبقات الشحم المتراكم على أجسامها خلال فصل الشتاء.
وتعتبر الرنة من أهم هذه الحيوانات جميعا، ولقد استأنسها سكان هذه المناطق واستخدموها في جر الزحافات على الجليد في تنقلاتهم، فضلا عن أكل لحومها والاستفادة من جلودها في صناعة ملابسهم وخيامهم، ويطلق اسم الكاريبو على الرنة التي تعيش في كندا شمال أمريكا الشمالية.
وفضلا عن ذلك تعيش بعض الحيوانات المفترسة مثل الدب والذئب والثعلب، وبعض الحيوانات القارضة مثل الجرذان والأرانب القطبية. وتتميز السواحل البحرية القطبية بوجود حيوانات خاصة مثل فرس البحر والدب القطبي، وكثير من الطيور البحرية مثل البطريق والبط والأوز المشهور بريشه الناعم.
ونظرا لفقر التندرا في النباتات وخاصة في فصل الشتاء حين يكسوها الثلج، فإن حيواناتها تهاجر إلى نطاق الغابات الصنوبرية في جنوبها.
стр. 447
خامسا: حيوانات الجبال:
تعيش في المناطق الجبلية أنواع من الحيوانات تختلف من منطقة إلى
стр. 448
أخرى على جوانب الجبال كما هو الحال على سطح الأرض.. وتتلاءم الحيوانات في الجهات الجبلية تبعا لظروف البيئة التي تعيش فيها.
ومن أهم الحيوانات التي تعيش في الغابات الجبلية القردة ذات الفراء وهي توجد في جبال هيمالايا، وهضبة التبت غرب الصين، ثم الدب الأسود والنمر الأرقط الذي يمتاز بفرائه الأسود السميك ذي البقع الرمادية. وهو يوجد بصفة خاصة في هضبة منغوليا. وفي المنطقة التي تكسوها الحشائش يعيش نوع من الغزال الذي يوجد في جبال الألب بأوروبا، والياك في هضبة التبت في قارة آسيا، ويمتاز بشعره الكثيف وخفة حركته، وهو لذلك أهم وسيلة لحمل الأثقال في هذه الجهات. ويوجد أيضا كثير من حيوان الماعز والضأن والحيوانات القارضة. ولا توجد في منطقة الثلج الدائم على قمم الجبال إلا الديدان التي تعيش في الصخور نظرا لشدة البرد.
стр. 449
الباب السابع: عناصر البيئة الطبيعية والإنسان
الفصل الأول: مفهوم الجغرافيا البشرية وتطورها
مدخل
...
الفَصلُ الأول: مَفهُوم الجُغرافيَا البشريَّة وتَطوّرهَا
الجغرافيا -علم من العلوم الإنسانية- تعددت الآراء في تعريفه وفي تحديد مجالات البحث فيه وإن كانت معظم الآراء تجمع على أنه يدرس سطح الأرض في تباينه المساحي بوصفه موطنا لبني البشر، وذلك بأسلوب علمي منتظم يقوم على الملاحظة والوصف والشرح والاستنتاج لظاهرات هذا السطح وتوزيعها واستنباط أوجه العلاقات القائمة بينها وبين الإنسان.
وينقسم علم الجغرافيا إلى قسمين كبيرين: الجغرافيا الطبيعية والجغرافية البشرية، ويشمل كل منهما عدة فروع متخصصة تهتم بصورة أعمق بدراسة ظاهرات جغرافية محددة تتطلب لذلك منهجا خاصا ومنفردا وإن كان لا ينفصل عن باقي الفروع بل يتكامل معه في النهاية داخل إطار واحد ذي تفاعلات داخلية بين مكوناته.
وتهتم الجغرافيا الطبيعية بدراسة سطح الأرض: تركيبه ومظاهره التضاريسية والمناخ والغطاء النباتي والحياة الحيوانية وكذلك المسطحات المائية البحرية والمحيطية، أما الجغرافيا البشرية فتتناول دراسة توزيع المجتمعات البشرية ومدى التأثير المتبادل بينها وبين بيئاتها الطبيعية والصور الاجتماعية الناجمة عن تفاعل الإنسان ببيئته المحلية مثل توزيع السكان وأنماط العمران حضريا كان أم ريفيا، كما تشمل دراسة النشاط البشري ومؤثراته وتوزيعها وكذلك التركيب السياسي للدول كظاهرات جغرافية تمثل رقعا من سطح الأرض لها حدودها الاصطناعية وموقعها وإمكانياتها الاقتصادية والبشرية، وما يترتب على ذلك من نتائج سياسية توجهها وتؤثر فيها بالضرورة الظروف الجغرافية السائدة على المستويين الإقليمي والعالمي.
وتتحدد طبيعة الجغرافيا البشرية بدراستها لملامح التفاعل وأوجه التباين
стр. 450
والتشابه بين الأقاليم المختلفة في البيئات بعناصرها الطبيعية مثل أشكال السطح والتربة والمناخ والحياتين النباتية والحيوانية وموارد الثروة المعدنية كأساس وقاعدة لفهم العناصر الحضارية Cultural المترتبة عليه والمترابطة معه داخل إطار بيئي محدد وهذا التكامل في دراسة الجغرافيا البشرية يجعل منهجها يعتمد في فهمه وتحليله على العناصر الطبيعية للبيئة الجغرافية حتى يمكن إدراك بصماتها على نشاط البشر بمظاهره المتعددة.
وعلى ذلك فإن الجغرافي في دراسته البشرية يربط كثافة السكان مثلا في أقليم ما بعناصر البيئة الطبيعية لهذا الأقليم مثل التربة وموارد المياه وظاهرات المناخ وغيرها، ثم بعناصر أخرى مثل النظم الاقتصادية السائدة وطرق النقل، كذلك فإنه يلاحظ كيف نمت المدن وتطورت، وعلاقة هذا النمو بملامح البيئة المحلية والعامة وما يترتب على هذا النمو من استغلال للأرض وإنشاء صناعات جديدة ومد طرق للمواصلات تزيد من ربط المدينة بظهيرها وغير ذلك وهو في هذا كله يؤكد مبدأ الارتباط Correlation في الجغرافيا والذي يثمر في فهم العلاقات التأثيرية والتأثرية Cause - Effect بين الإنسان وبيئته وما ينتج عن ذلك من أوجه اتفاق أو اختلاف على مستوى الأقاليم ومكوناتها.
وتختلف الآراء في تعريف الجغرافيا البشرية بصورة لا تتناقض كثيرا مع بعضها البعض بل إنها تدور حول محور واحد هو الإنسان في بيئته، ولكن الاختلاف في الآراء ينبع من التباين في وجهات نظر الجغرافيين إلى الجغرافيا البشرية وفروعها كما يرتبط بنظرة المفكرين القدامى والمحدثين إلى مدى تأثر الإنسان بظروف بيئته الطبيعية وتأثيره فيها. فمنهم من يرى أن لتأثير البيئة على الإنسان تأثير حتمي أي أن الإنسان نتاج البيئة الطبيعية وغير قادر على التأثير فيها وإخضاعها لصالحه، ويقابل ذلك آراء أخرى تجمع على أن الإنسان في بيئته عامل جغرافي وأن تأثيره في هذه البيئة ممكن بما أوتي من قدرة على الابتكار وعلى تعديل ظروف البيئة لصالحه.
стр. 451
تطور الجغرافيا البشرية:
الحتمية الجغرافية Environmentalism:
لم يظهر التخصص واضحا في الفكر الجغرافي عند المفكرين القدامى،
стр. 452
فالجغرافيا عند الإغريق هي علم وصف الأرض وكانت مقسمة إلى قسمين كبيرين هما الجغرافيا الفلكية، والجغرافيا الوصفية أو الإقليمية، وكان القسم الأول يتناول دراسة الأرض وأبعادها وموقعها من المجموعة الشمسية وخطوط الطول ودوائر العرض وغير ذلك من الأمور الفلكية، أما القسم الثاني فكان يتناول وصف الأرض وما عليها من بلدان، وكذا الأقاليم المعروفة آنذاك ولم يهمل الكتاب الإغريق أمثال هيبو قراط "القرن الخامس ق. م" وأرسطو "القرن الثالث ق. م" واصطرابون "القرن الأول ق. م" دراسة الأحوال الاجتماعية في البلاد التي تناولوها بالدراسة في كتاباتهم فقد أوضح هيبو قراط المفارقات التي لاحظها بين سكان الأقاليم الجبلية المعرضين للأمطار والرياح والذين يتصفون بالنحافة والشقرة وبأنهم ميالون للسيادة.
كذلك لاحظ أرسطو نوعا من العلاقة بين المناخ وطبائع الشعوب حيث ذكر أن سكان البلاد الأوروبية الباردة شجعان ولكن تنقصهم الهمة لذلك يخضعون للقوي، أما سكان آسيا فهم حكماء مهرة ولكن يعوزهم الحماس لذلك فهم يرحبون بحياة الذل والعبودية أما الإغريق فنظرا لأنهم يعيشون في إقليم يقع في مركز متوسط بين الشمال والجنوب فهم يجمعون بين فضائل أهل الشمال أوروبا وأهل آسيا.
وقد اهتم كثير من الكتاب والفلاسفة المسلمين بدراسة العلاقة بين البيئة وصفات البشر الجسمانية والعقلية ولعل أبرزهم ابن خلدون في مقدمته المشهورة "مقدمة ابن خلدون"، والمسعودي في كتابه "مروج الذهب" والقزويني في "عجائب المخلوقات" ... ولعل الفيلسوف المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون "١٣٨٢-١٤٠٥" ميلادية هو أفضل من تناول علاقة السكان بالبيئة في منهج واضح ومحدد ومفصل بل إنه يتفوق في هذا المجال على كتاب عصر النهضة في أوروبا١ وذلك لأنه ربط بين حوادث التاريخ وحقائق الجغرافيا محددا العوامل التي تؤدي إلى قيام الحضارة وازدهارها وتلك التي تؤدي إلى تدهورها -وقد تحدث الباب الأول من المقدمة "عن
стр. 453
العمران البشري"- ثم انتقل إلى الحديث عن أثر المناخ في طبائع الشعوب ثم درس البدو والحضر وخصائص كل منهما ودرس بعد ذلك تطور الدول والعوامل المؤثرة في قيامها وانهيارها.
وقد استمر مبدأ الحتمية الجغرافية مسيطرا على الفكر الجغرافي بعد ذلك ويعتبر بودان Bodin ١٥٣٠-١٥٩٦ من كتاب عصر النهضة الذين اعتنقوا هذا المبدأ، حيث ربط بين طبائع الناس والمناخ وكتب محاولا تحديد شكل الحكومة أو الجمهورية وذاكرا أنه ينبغي أن يتطابق مع صفات البشر المتنوعة وذلك لأن أهل الأقاليم الشمالية الباردة قساة مخاطرون، بينما يتصف أهل الأقاليم الجنوبية الحارة بالمكر والأخذ بالثأر أما أهل الأقاليم المعتدلة المناخ فأكثر فطنة من أهل الشمال وأكثر نشاطا من أهل الجنوب ويختصون دون غيرهم بالقدرة على القيادة.
وقد حاول مونتسكيو Montesquieu -بعد بودان بقرن من الزمان- في كتابه "روح القوانين" أن يربط بين المناخ والتربة من ناحية وطبائع السكان وصفاتهم من ناحية أخرى، وقد اعتبر الإنسان كائنا فردا أو وحدة طبيعية تقابله قوتان كبيرتان هما الأرض -أو التربة- والمناخ، ولم يكن المناخ عنده سوى الحرارة فهو إما حار أو بارد أو معتدل، والأرض أو التربة في نظره إما أن تكون خصبة أو مجدبة ومما قاله في ذلك "إن سكان المناطق الباردة أكثر قوة وشجاعة وأقل ريبة ومكرا من سكان المناطق الحارة الذين يتصفون بالوهن الجسماني والسلبية" أما التربة فأثرها عنده أقل من المناخ ومع ذلك فأثرها واضح في شكل الحكومة فالملكيات توجد عادة في المناطق ذات التربة الخصبة بينما تقوم الجمهوريات في الأراضي الفقيرة.
وقد توصل مونتسكيو إلى استنتاجات خاطئة في دراسته للعلاقة بين البيئة والإنسان مثل علاقة المناخ الحار بالاستعباد والرق أو علاقة البرودة بالشجاعة أو أثر المناخ في ركود عادات الشعوب الشرقية وتعقد معتقداتها. وقد ظلت هذه الأخطاء عالقة في الأذهان بعد ذلك حتى القرن العشرين لدى البيئيين المحدثين بين ما لديهم من معلومات علمية عن المناخ وبين ما ورثوه من آراء مونتسكيو مما أدى إلى استنتاجات سطحية متناقضة تبدأ بالإنسان وتنتهي به دون الاهتمام بالأرض التي يحيا عليها، أي إن هؤلاء الكتاب الذين
стр. 454
تأثروا بآراء مونتسكيو نظروا إلى المجتمعات البشرية والبيئة الجغرافية وربطوا بينها بعلاقات سببية دون سابق دراسة أو تحليل ومن ثم فكان هدفهم هو التبرير لا التعليل ومن هنا جاء خطؤهم.
ويرجع الفضل لهمبولت ورتر في وضع أسس الجغرافيا فقد أكد مبدأ الارتباط بين العناصر الثلاثة الكبرى: الهواء والماء والأرض في تفسير الحقائق وتطورها ومركباتها من ناحية وتوزيع الظاهرات وانتشارها في إطار مكاني من ناحية أخرى وكان لدراسات "ورتر" دور في استفادة الجغرافيا من العلوم الأرضية والعلوم الإنسانية حيث ارتبطت الجغرافيا بعلوم الجيولوجيا والنبات والمتيورولوجيا "المناخ" والتاريخ والديموغرافيا "علم السكان" والإحصاء وغيرها.
ولم تجد هذه الآراء العلمية الخالصة في العلاقات بين الإنسان وبيئته من يرددها وسط تيار من الحتمية شديد وعلى الأخص بعد ظهور نظرية دارون في القرن التاسع عشر والتي ذكرها في كتابه "أصل الأنواع" Origin Of Species سنة ١٨٥٩ حيث تفسر هذه النظرية العلمية تطور الكائنات تفسيرا طبيعيا وتبين أن العلاقة بين الكائن الحي والبيئة هي علاقة ملاءمة وتكيف وأن هذه الملاءمة علمية مادية حتمية لا يملك الكائن الحى إزاءها شيئا بل إن البيئة تختار الأفراد الذين تتلاءم صفاتهم مع ظروفها اختيارا طبيعيا وتترك غيرهم للفناء، وأن البقاء للأصلح "ملاءمة مع البيئة" التي اعتبرها دارون قوة عارمة تشكل الكائنات الحية حسب ظروفها الطبيعية.
ولقد حاول بعض علماء الاجتماع وبعض الفلاسفة أمثال لبلاي Leplay وديمولان Demolin أن يؤكد مبدأ الحتمية الجغرافية البيئية، حيث رأى الأول أن البيئة تحدد نوع العمل، وأن العمل يحدد ولو جزئيا نظام المجتمع وقد ينطبق ذلك على العمل الزراعي بينما يختلف الأمر اختلافا جوهريا عن العمل داخل المدن الذي يعتمد على السكان اعتمادا رئيسيا ولا تحدده البيئة الطبيعية كما هو الحال في الريف مثلا الذي ترتبط حياته بالظروف الطبيعية ارتباطا كبيرا.
أما ديمولان فقد كتب مؤلفه "كيف خلق الطريق النمط الاجتماعي ١٩٠١
стр. 455
-١٩٠٣"، والذي أكد في مقدمته أن العامل الأول لتباين السكان المنتشرين على سطح الأرض هو الطريق الذي تسلكه الشعوب وهو الذي خلق الجنس والطراز الاجتماعي معا وذكر في الجزء الثاني من كتابه أنه لو أعاد التاريخ نفسه فلن يتغير فيه شيء لأنه سيكون استجابة لنفس مقتضيات البيئة الطبيعية.
ويعتبر فردريك راتزل Ratzel الألماني مؤسس علم الجغرافيا البشرية في العصر الحديث ويعد كتابه "جغرافية الإنسان" Anthropogeoraphy من أشهر مؤلفاته، حيث تناول بالدراسة في جزئيه الأول والثاني "١٨٨٢، ١٨٩١" ثلاثة موضوعات رئيسية هي:
١- أنماط توزيع البشر على أساس العدد والسلالة والقومية واللغة والدين.
٢- شرح وتفسير هذه التوزيعات بالرجوع إلى عناصر البيئة الطبيعية.
٣- النتائج المباشرة للبيئة على الأفراد والمجتمع.
وكانت البيئة عنده طبيعية بحتة حيث أسهب في الحديث عن دور الأنهار والجبال والجزر والسواحل والصحاري في النشاط البشري.
وقد حاول في هذا الكتاب أن يضع حدودا للمعمور واللامعمور من حيث علاقتها بالطرق والمواقع الطبيعية ودرس العوامل التي تتحكم في توزيع الإنسان وتطوره حضاريا فذكر أن المناخ يحدد المراكز الكبرى للحضارة في المنطقة المعتدلة وأن الجبال تقوم كتخوم وملاجئ ولم يحدث إلا نادرا أن وقفت عقبة في سبيل الإنسان وأن المسطحات المائية أهم العقبات في طريق الرجل البدائي بيد أنها تعتبر أهم الطرق الطبيعية عندما يتقن الإنسان فن الملاحة أما الأنهار والمستنقعات فتقف في طريق التوسع وإن كانت المستنقعات تصلح كمناطق لجوء واحتماء مثلها في ذلك كمثل الغابات تعيش في وسطها جماعات سكانية مختلفة.
وقد أعقب راتزل كتابه هذا بكتاب آخر عن الجغرافيا السياسية ودرس
стр. 456
فيه الدولة على ضوء علاقتها بالبيئة وأساسها الطبيعي -أي دراسة الدولة كما هي واقفة في المكان- "وهو الأساس الثابت لأماني الشعوب وآمالها وأمزجتها المتغيرة وهو الذي يحكم مصير الأمم حكما صارما أعمى" وقد اعتبر الدولة كائنا حيا في حركة دائمة يمتد في المكان حتى يبلغ حدوده الطبيعية ثم يتعداها إن لم يجد من جيرانه مقاومة قوية ترده إلى حدوده، والدوافع إلى التوسع تتمثل في كسب الأرض وغزوها لخلق دولة كبرى أما المجتمعات البشرية فتنمو داخل إطارات طبيعية تحتل مواضع معينة من سطح الأرض ومن هنا جاء ارتباط كل مجتمع بمنطقة معينة تتزايد حتما في مساحتها كلما زاد عدد سكانها وتظل تتسع حتى تصطدم بموانع طبيعية وبشرية ولقد كان هذا المبدأ التوسعي أساسا من أسس الجيوبوليتكا Geopolitics الألمانية التي ازدهرت بتشجيع من النازية في الثلاثينات من هذا القرن.
وقد تعرضت آراء راتزل في حتمية تأثير البيئة على الإنسان لمعارضة شديدة من قبل بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ فقد أنكر دوركايم Dorkeim على راتزل دراسته لكل تأثيرات البيئة الطبيعية في الحياة الاجتماعية ولعل لوسيان فيفر Lucien Febvre هو أعنف من هاجم الحتميين في كتابه La Terre Et L'evolution والذي عالج فيه منهج علم الجغرافيا وفلسفتها وقدم الأدلة على سطحية الآراء الحتمية واستنتج فيفر من دراساته أنه لا توجد ضرورات وإنما توجد في كل مكان ممكنات والإنسان سيد هذه الممكنات وهو الذي يقضي باستعمالها، وهكذا ظهر مبدأ الإمكانية Possibilism في الجغرافيا.
وبالرغم من ذلك فإن الدور الذي قام به راتزل في علم الجغرافيا البشرية يضعه رائدا من روادها -ذلك لأنه شرح موضوعاتها على أساس أصولي لم يسبقه إليه أحد- كما كانت دراساته لأنماط الحياة أساسا اعتمد عليه من جاء بعده ومنهم فيدال دي لابلاش Vidal De La Blache رائد الجغرافية الفرنسية الحديثة عند تعرضه للجغرافية البشرية بالبحث والدراسة.
وتعتبر مس إلين سمبل E.Simple أهم تلاميذ راتزل الحتميين وقد أعادت كتابة الجغرافيا البشرية بشكل أكثر تنظيما في كتابها "مؤثرات البيئة الجغرافية، في سنة ١٩١١".
стр. 457
وتؤكد "مس سمبل" أثر العوامل الجغرافية على الإنسان وتقسمها من حيث تأثيرها عليه إلى أقسام ثلاثة:
- عوامل جغرافية ذات تأثير مباشر على الإنسان مثل المناخ وأثره على لون الجلد والصفات الجسمانية.
- عوامل جغرافية ذات تأثير غير مباشر مثل الموقع الجغرافي وعامل القرب من مراكز الحضارة وعامل العزلة، وهذه تؤدي إلى التقدم الحضاري أو التأخر فالجهل.
- عوامل جغرافية تؤثر في النمو الاجتماعي والاقتصادي للإنسان، أي أثر الجغرافيا في مقومات الإنتاج الزراعي والمعدني في الإقليم ومن ثم درجة غناه أو فقره.
وصفوة القول: إن دعاة الحتمية الجغرافية -أو البيئيين- قد غالوا في آرائهم غلوا شديدا وجعلوا الإنسان عبدا للبيئة تؤثر فيه وتسيره كما تشاء ولقد ظل هذا المبدأ الجبري سائدا في الفكر الجغرافي حتى القرن التاسع عشر على الرغم من أنه كان قرن هجرات بشرية ضخمة ونشاط استعماري كبير وظهر فيه بجلاء التغيير البيئي الذي أحدثه الإنسان في المناطق المعمورة وخاصة في العالم الجديد.
стр. 458
الإمكانية الجغرافية Possibilism:
يعد بول فيدال لابلاش P. Vidal De La Blache رائد الإمكانية الجغرافية التي ترى أن الإنسان ليس عبدا لبيئته كما تنادي المدرسة الحتمية حيث إنه يختار من بين إمكانياتها ما يشاء تبعا لمستواه الحضاري ولذا فإن أنماط النشاط الاقتصادي على سطح الأرض هي نتائج لتفكير الإنسان ومجهوده وحركته الدائبة في إطار بيئته الطبيعية.
وقد كتب فيدال دي لابلاش أعظم كتاب له في الجغرافيا البشرية لفرنسا والذي نشر في سنة ١٩١١ وقد شرح فيه جغرافية فرنسا إقليما بأقليم وأوضح كيف أن المظهر الأرضي قد تأثر عبر القرون نتيجة الجهد البشري الذي لعب
стр. 459
دورا هاما في تاريخ فرنسا بل وفي تاريخ أوروبا بأسرها وقد رأى فيدال أن الجغرافيا البشرية هي دراسة المجتمعات الإنسانية دراسة مقارنة واتجه نحو دراسة الفروق بين هذه المجتمعات في ضوء علاقاتها بالبيئة.
وفي كتابه عن مبادئ الجغرافيا البشرية Principles De Geogr. Humainc "١٩٢٥" درس فيدال كثافة وتوزيع السكان وأشكال العمران ووسائل الإنتاج ثم المواصلات وذكر بأن هذه الدراسة يمكن تناولها لسببين جوهريين يرجع أولهما إلى التوسع في المعارف البشرية الجغرافية حتى نهاية القرن التاسع عشر وثانيهما يعود إلى ذلك الترابط المعقد بين الإنسان وبيئته ومن ثم تتوطد فكرة الارتباط البيئي - البشري وقد تجلى ذلك في الأفكار الجغرافية الحديثة والتي تجمع على أن ظواهر الجغرافيا البشرية ترتبط في كل مكان بالبيئة وعناصرها الطبيعية.
وقد حدا هذا الارتباط لدى فيدال دي لابلاش بتأكيده لمبدأ الوحدة الأرضية كمبدأ أساسي في الجغرافيا تفسر من خلاله ظاهراتها البشرية، كذلك أبرز دور التفاعل البيئي - البشري في ذلك النطاق الواسع من العالم القديم شمال مدار السرطان والذي شهد أشكالا مبكرة من حضارات على نطاق كبير دون غيره من أقاليم الأرض الأخرى حيث كان هذا التفاعل خلاقا لإمبراطوريات أخرى كبرى ولأديان عظمى تتمثل في الإسلام والمسيحية والهندوكية والبوذية وغيرها.
وباختصار فقد وضع فيدال لابلاش مناهج بحثه العلمي القائم على أساس أن الجغرافيا هي علم المكان وليس علم الإنسان ولها وهي تستمد معينها كغيرها من العلوم من الكون أن تستفيد من نتائج العلوم الطبيعية الأخرى ولكن عليها رسالة خاصة وهي أن تبين كيف أن الظاهرات الطبيعية والإنسانية التي تدرسها العلوم الأخرى منفصل بعضها عن بعض تتحد في المكان وتؤثر في الإنسان وتتأثر به وبعبارة أخرى تدرس الظاهرات الطبيعية في وحدتها المكانية.
ويعد مكسمليان سور m.sorre أحد تلامذة فيدال دي لابلاش البارزين الذي أنجز عملا ضخما في الجغرافيا البشرية ظهر في ثلاثة مجلدات
стр. 460
ظهر الأول منها في سنة ١٩٤٣ والأخير في سنة ١٩٥٢ وذلك تحت عنوان: "أسس الجغرافيا البشرية" fondoment de la geogr. Humaine
ويعد من أبرز الدراسات الجغرافية في المدرسة الفرنسية الحديثة وقد كرس الجزء الأول من هذه المجموعة لدراسة الإنسان ككائن يتكيف ويتلاءم مع ظروف بيئته الطبيعية وقد تعرض فيه لدور المناخ على وظائف أعضاء الجسم وكذلك على أصل وظائف الاختلافات الجنسية بين الأجناس ثم درس العلاقة بين الإنسان والأمراض البيئية في ذلك. أما الجزء الثاني من كتابه "في جزئين" فقد كرس لأساليب الحياة الاجتماعية حيث وضع الإنسان في صدر الصورة بكل ما أوتي من قوى الابتكار في قهر الطبيعة وتحويلها إلى ما يعرف بالأكيومين okumene أو النطاق المعمور من الأرض.
وليست الوحدة الأرضية عند كل من فيدال دي لابلاش وسور إيكولوجية فحسب بل إنها تطورية كذلك؛ ذلك لأن المجتمع البشري قد استمد تعقيده وتشابكه من ظروف بيئته عندما تخطت مجموعات من البشر حدود الأكيومين أو العالم المعمور فإنهم وسعوا تلك الحدود وبدأوا في استغلال الموارد الاقتصادية في المناطق التي تم كشفها، كما كان الحال في عهد الكشوف الجغرافية فيما بين سنتي ١٥٠٠، ١٩٠٠ وإلى حد قليل من القرن العشرين وعندما تطورت وسائل النقل في العصر الحديث تحققت الوحدة الأرضية بصورة أوضح في انتشار المعرفة والتشابك الاقتصادي بين دول العالم.
وقد ذكر هنتنجتون "١٩٣٤" في كتابه مبادئ الجغرافيا البشرية principles of Human Geography مغزى الجغرافيا البشرية ومرماها حيث اتجه إلى دارسة العلاقات الإنسانية البيئية عن طريق دراسة العوامل الطبيعية المختلفة مثل الموقع ومظاهر السطح والتربة والمناخ ثم بعد ذلك الحياة الاقتصادية للإنسان ودرجة التحضر التي وصل إليها في مجتمعاته المختلفة وقد درس مناطق متعددة في الأراضي الحارة والأراضي الموسمية والصحاري والأقاليم الباردة وكذلك أقطار المناخ المعتدل البحري، والتي ذكر أن هذه الأقطار الأخيرة حبتها الطبيعة بعوامل جعلتها في قمة مراتب الحضارة الحديثة في العالم، وفي دراسته التي قام بها كانت الحقائق الجغرافية ترتبط بعضها ببعض في تسلسل منطقي وإن كانت مجردة من النظرة التاريخية الضرورية لتفسير الحاضر وكأن