← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12054

قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية

جودة حسنين جودة

Полный текст (742 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فيه الدولة على ضوء علاقتها بالبيئة وأساسها الطبيعي -أي دراسة الدولة كما هي واقفة في المكان- "وهو الأساس الثابت لأماني الشعوب وآمالها وأمزجتها المتغيرة وهو الذي يحكم مصير الأمم حكما صارما أعمى" وقد اعتبر الدولة كائنا حيا في حركة دائمة يمتد في المكان حتى يبلغ حدوده الطبيعية ثم يتعداها إن لم يجد من جيرانه مقاومة قوية ترده إلى حدوده، والدوافع إلى التوسع تتمثل في كسب الأرض وغزوها لخلق دولة كبرى أما المجتمعات البشرية فتنمو داخل إطارات طبيعية تحتل مواضع معينة من سطح الأرض ومن هنا جاء ارتباط كل مجتمع بمنطقة معينة تتزايد حتما في مساحتها كلما زاد عدد سكانها وتظل تتسع حتى تصطدم بموانع طبيعية وبشرية ولقد كان هذا المبدأ التوسعي أساسا من أسس الجيوبوليتكا Geopolitics الألمانية التي ازدهرت بتشجيع من النازية في الثلاثينات من هذا القرن. وقد تعرضت آراء راتزل في حتمية تأثير البيئة على الإنسان لمعارضة شديدة من قبل بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ فقد أنكر دوركايم Dorkeim على راتزل دراسته لكل تأثيرات البيئة الطبيعية في الحياة الاجتماعية ولعل لوسيان فيفر Lucien Febvre هو أعنف من هاجم الحتميين في كتابه La Terre Et L'evolution والذي عالج فيه منهج علم الجغرافيا وفلسفتها وقدم الأدلة على سطحية الآراء الحتمية واستنتج فيفر من دراساته أنه لا توجد ضرورات وإنما توجد في كل مكان ممكنات والإنسان سيد هذه الممكنات وهو الذي يقضي باستعمالها، وهكذا ظهر مبدأ الإمكانية Possibilism في الجغرافيا. وبالرغم من ذلك فإن الدور الذي قام به راتزل في علم الجغرافيا البشرية يضعه رائدا من روادها -ذلك لأنه شرح موضوعاتها على أساس أصولي لم يسبقه إليه أحد- كما كانت دراساته لأنماط الحياة أساسا اعتمد عليه من جاء بعده ومنهم فيدال دي لابلاش Vidal De La Blache رائد الجغرافية الفرنسية الحديثة عند تعرضه للجغرافية البشرية بالبحث والدراسة. وتعتبر مس إلين سمبل E.Simple أهم تلاميذ راتزل الحتميين وقد أعادت كتابة الجغرافيا البشرية بشكل أكثر تنظيما في كتابها "مؤثرات البيئة الجغرافية، في سنة ١٩١١".

стр. 457

وتؤكد "مس سمبل" أثر العوامل الجغرافية على الإنسان وتقسمها من حيث تأثيرها عليه إلى أقسام ثلاثة: - عوامل جغرافية ذات تأثير مباشر على الإنسان مثل المناخ وأثره على لون الجلد والصفات الجسمانية. - عوامل جغرافية ذات تأثير غير مباشر مثل الموقع الجغرافي وعامل القرب من مراكز الحضارة وعامل العزلة، وهذه تؤدي إلى التقدم الحضاري أو التأخر فالجهل. - عوامل جغرافية تؤثر في النمو الاجتماعي والاقتصادي للإنسان، أي أثر الجغرافيا في مقومات الإنتاج الزراعي والمعدني في الإقليم ومن ثم درجة غناه أو فقره. وصفوة القول: إن دعاة الحتمية الجغرافية -أو البيئيين- قد غالوا في آرائهم غلوا شديدا وجعلوا الإنسان عبدا للبيئة تؤثر فيه وتسيره كما تشاء ولقد ظل هذا المبدأ الجبري سائدا في الفكر الجغرافي حتى القرن التاسع عشر على الرغم من أنه كان قرن هجرات بشرية ضخمة ونشاط استعماري كبير وظهر فيه بجلاء التغيير البيئي الذي أحدثه الإنسان في المناطق المعمورة وخاصة في العالم الجديد.

стр. 458

الإمكانية الجغرافية Possibilism: يعد بول فيدال لابلاش P. Vidal De La Blache رائد الإمكانية الجغرافية التي ترى أن الإنسان ليس عبدا لبيئته كما تنادي المدرسة الحتمية حيث إنه يختار من بين إمكانياتها ما يشاء تبعا لمستواه الحضاري ولذا فإن أنماط النشاط الاقتصادي على سطح الأرض هي نتائج لتفكير الإنسان ومجهوده وحركته الدائبة في إطار بيئته الطبيعية. وقد كتب فيدال دي لابلاش أعظم كتاب له في الجغرافيا البشرية لفرنسا والذي نشر في سنة ١٩١١ وقد شرح فيه جغرافية فرنسا إقليما بأقليم وأوضح كيف أن المظهر الأرضي قد تأثر عبر القرون نتيجة الجهد البشري الذي لعب

стр. 459

دورا هاما في تاريخ فرنسا بل وفي تاريخ أوروبا بأسرها وقد رأى فيدال أن الجغرافيا البشرية هي دراسة المجتمعات الإنسانية دراسة مقارنة واتجه نحو دراسة الفروق بين هذه المجتمعات في ضوء علاقاتها بالبيئة. وفي كتابه عن مبادئ الجغرافيا البشرية Principles De Geogr. Humainc "١٩٢٥" درس فيدال كثافة وتوزيع السكان وأشكال العمران ووسائل الإنتاج ثم المواصلات وذكر بأن هذه الدراسة يمكن تناولها لسببين جوهريين يرجع أولهما إلى التوسع في المعارف البشرية الجغرافية حتى نهاية القرن التاسع عشر وثانيهما يعود إلى ذلك الترابط المعقد بين الإنسان وبيئته ومن ثم تتوطد فكرة الارتباط البيئي - البشري وقد تجلى ذلك في الأفكار الجغرافية الحديثة والتي تجمع على أن ظواهر الجغرافيا البشرية ترتبط في كل مكان بالبيئة وعناصرها الطبيعية. وقد حدا هذا الارتباط لدى فيدال دي لابلاش بتأكيده لمبدأ الوحدة الأرضية كمبدأ أساسي في الجغرافيا تفسر من خلاله ظاهراتها البشرية، كذلك أبرز دور التفاعل البيئي - البشري في ذلك النطاق الواسع من العالم القديم شمال مدار السرطان والذي شهد أشكالا مبكرة من حضارات على نطاق كبير دون غيره من أقاليم الأرض الأخرى حيث كان هذا التفاعل خلاقا لإمبراطوريات أخرى كبرى ولأديان عظمى تتمثل في الإسلام والمسيحية والهندوكية والبوذية وغيرها. وباختصار فقد وضع فيدال لابلاش مناهج بحثه العلمي القائم على أساس أن الجغرافيا هي علم المكان وليس علم الإنسان ولها وهي تستمد معينها كغيرها من العلوم من الكون أن تستفيد من نتائج العلوم الطبيعية الأخرى ولكن عليها رسالة خاصة وهي أن تبين كيف أن الظاهرات الطبيعية والإنسانية التي تدرسها العلوم الأخرى منفصل بعضها عن بعض تتحد في المكان وتؤثر في الإنسان وتتأثر به وبعبارة أخرى تدرس الظاهرات الطبيعية في وحدتها المكانية. ويعد مكسمليان سور m.sorre أحد تلامذة فيدال دي لابلاش البارزين الذي أنجز عملا ضخما في الجغرافيا البشرية ظهر في ثلاثة مجلدات

стр. 460

ظهر الأول منها في سنة ١٩٤٣ والأخير في سنة ١٩٥٢ وذلك تحت عنوان: "أسس الجغرافيا البشرية" fondoment de la geogr. Humaine ويعد من أبرز الدراسات الجغرافية في المدرسة الفرنسية الحديثة وقد كرس الجزء الأول من هذه المجموعة لدراسة الإنسان ككائن يتكيف ويتلاءم مع ظروف بيئته الطبيعية وقد تعرض فيه لدور المناخ على وظائف أعضاء الجسم وكذلك على أصل وظائف الاختلافات الجنسية بين الأجناس ثم درس العلاقة بين الإنسان والأمراض البيئية في ذلك. أما الجزء الثاني من كتابه "في جزئين" فقد كرس لأساليب الحياة الاجتماعية حيث وضع الإنسان في صدر الصورة بكل ما أوتي من قوى الابتكار في قهر الطبيعة وتحويلها إلى ما يعرف بالأكيومين okumene أو النطاق المعمور من الأرض. وليست الوحدة الأرضية عند كل من فيدال دي لابلاش وسور إيكولوجية فحسب بل إنها تطورية كذلك؛ ذلك لأن المجتمع البشري قد استمد تعقيده وتشابكه من ظروف بيئته عندما تخطت مجموعات من البشر حدود الأكيومين أو العالم المعمور فإنهم وسعوا تلك الحدود وبدأوا في استغلال الموارد الاقتصادية في المناطق التي تم كشفها، كما كان الحال في عهد الكشوف الجغرافية فيما بين سنتي ١٥٠٠، ١٩٠٠ وإلى حد قليل من القرن العشرين وعندما تطورت وسائل النقل في العصر الحديث تحققت الوحدة الأرضية بصورة أوضح في انتشار المعرفة والتشابك الاقتصادي بين دول العالم. وقد ذكر هنتنجتون "١٩٣٤" في كتابه مبادئ الجغرافيا البشرية principles of Human Geography مغزى الجغرافيا البشرية ومرماها حيث اتجه إلى دارسة العلاقات الإنسانية البيئية عن طريق دراسة العوامل الطبيعية المختلفة مثل الموقع ومظاهر السطح والتربة والمناخ ثم بعد ذلك الحياة الاقتصادية للإنسان ودرجة التحضر التي وصل إليها في مجتمعاته المختلفة وقد درس مناطق متعددة في الأراضي الحارة والأراضي الموسمية والصحاري والأقاليم الباردة وكذلك أقطار المناخ المعتدل البحري، والتي ذكر أن هذه الأقطار الأخيرة حبتها الطبيعة بعوامل جعلتها في قمة مراتب الحضارة الحديثة في العالم، وفي دراسته التي قام بها كانت الحقائق الجغرافية ترتبط بعضها ببعض في تسلسل منطقي وإن كانت مجردة من النظرة التاريخية الضرورية لتفسير الحاضر وكأن

стр. 461

كل مظاهر الحضارة الحالية نشأت دون تراث تاريخي ترتكز عليه ولذلك فإن العمران وأشكاله المتباينة لم يحظ باهتمام كبير في الجغرافيا البشرية والتي لا تقيم وزنا لحرية الاختيار بين الفرص المختلفة التي تقدمها ظروف البيئة الطبيعية وتلك الحرية التي منحتها الطبيعة للفرد دائما حتى في المجتمعات البدائية. وقد عارض هذه الآراء الأمريكية جغرافي ألماني هو أوتومول O. Maul والذي نشر في الثلاثينات أبحاثا في الجغرافيا البشرية ففي كتابه عن جغرافية الإنسان Geography of Man حذف الجغرافيا الاقتصادية تماما، وركز حديثه على موضوعين رئيسيين هما أجناس الإنسان مع الإشارة إلى ظروف تأقلمه والأمراض التي تصيبه ثم الجغرافية السياسية وخاصة الدولة وتركيبها وتعكس هذه الأفكار مفهوم الجيوبوليتيكا الألمانية فيما قبل الحرب العالمية الثانية أي دراسة الدولة ووظائفها لتحقيق ما يعرف بالمجال الحيوي لها وكذلك استطرد في الحديث عن أن طبيعة الدول وامتداد رقعتها الجغرافية وإمكانية التوسع لها والقوى المساعدة على هذا التوسع ومستقبلها كل ذلك يدخل في عداد الجغرافيا البشرية. أما في فرنسا فقد اتجهت الجغرافيا البشرية اتجاها معارضا للمادية الأمريكية والأيديولوجية الألمانية فقد ركز ألبرت ديمانجون أحد الجغرافيين الفرنسيين البارزين على توسيع آفاق الجغرافيا البشرية والارتباط بينها وبين التاريخ والعلوم الاجتماعية أكثر من ارتباطها بالعلوم الطبيعية ولذا فقد اهتم بدراسة الكثير من المشكلات في الجغرافيا البشرية معتمدا على الدراسات الاجتماعية والإثنوغرافية والاقتصادية والتاريخية لغيره من الباحثين. وليس من السهل أن تنحصر الجغرافيا البشرية في علم البيئة "الإيكولوجيا" فقط ذلك لأن هناك كثيرا من مظاهر العلاقة بين البيئة الطبيعية والإنسان تخرج عن دائرة الاهتمام الجغرافي فعلى سبيل المثال ذكر ديمانجون أنه ليس من شأن الجغرافي دراسة أجناس الإنسان بالرغم من ارتباط بعض الأجناس البشرية بمجال البحث الجغرافي في بعض مظاهر الوراثة ولا تسود المؤثرات البيئية والتي يمكن ملاحظتها في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وحتى علم الدم عند بعض الجماعات البشرية ومن بين هذه الملامح والوراثة التي تعد

стр. 462

مستقلة عن البيئة - لون البشرة، وذكر ديمانجون أن مهمة الجغرافي ليست التعامل مع ذلك بل إن الجغرافيا البشرية هي في النهاية دراسة المجتمعات البشرية وعلاقتها بالبيئة. والجغرافيا البشرية على ذلك تدرس المجتمعات لا الأفراد وذلك في المجالات الثلاثة الآتية: ١- دراسة الجنس البشري: أعداده وتوزيعه والاختلافات في مجال الجغرافيا الديموغرافية- والتي تعد فرعا هاما من فروع الجغرافيا البشرية. ٢- دراسة استغلال الأرض وشغلها بواسطة المجتمعات البشرية وذلك ابتداء من أكثر المحلات العمرانية تواضعا حتى أكثر المدن تعقيدا كعنصر هام. ٣- دراسة استخدام الموارد الطبيعية: مثل استغلال النطاقات المناخية الكبرى في العالم بما تحويه من نباتات مزروعة وحيوانات مستأنسة وكذلك استغلال البحار والجبال ودراسة أقاليم الإنتاج الكبرى في العالم وطرق التجارة والنقل، وبمعنى آخر دراسة ما يعرف بالجغرافيا الاقتصادية كفرع هام من فروع الجغرافيا البشرية وانعكاس ذلك كله على أقدار الدول وعلاقاتها فيما يعرف بتحليل القوة السياسية للدولة فيما يعرف بالجغرافيا السياسية. ومع كل ذلك -كما تعود ديمانجون أن يقول- فإن الحقيقة الجغرافية تظل مجردة عن معناها حتى توقع على الخريطة ومن ثم تصبح ذات مغزى قوي وخاصة في علاقاتها بالظاهرات الجغرافية الأخرى ومعنى ذلك أن إظهار الحقيقة الجغرافية على الخريطة يعطي للبحث الجغرافي البشري أساسا قويا ومستندا هاما في تحليله. وأخيرا فإن الجغرافيا البشرية بعكس العلوم الاجتماعية الأخرى لا تقنع بدراسة الحقائق المشاهدة فقط بل تستدير للتاريخ لتستكشف المظهر الأصلي والتطور التاريخي للحقائق ولعل في دراستها للعمران الحضري والريفي ما

стр. 463

يعكس هذا الأسلوب؛ وذلك لأن الجغرافيا تستقي التفسير في تاريخ العمران وتطوره، كذلك فإن دراسة بيئة من البيئات في دولة قديمة تأثرت بالحضارة الأوروبية ليس من اليسير فهمها دون معرفة تاريخ استغلال الأرض وتطوره وإزالة الغطاء النباتي الأصلي بها ومدى التطور الذي طرأ على أساليب الزراعة من عصر لآخر وانعكاس ذلك كله على التغير الاجتماعي الذي طرأ على السكان والذي لا شك قد تأثر بالاحتكاك الحضاري والهجرة والتي لا يمكن اقتفاء آثارها على أرض الواقع فقط ولكن في التاريخ كذلك. وعلى ذلك فإن الجغرافيا البشرية علم يتطلب البحث المتأني وليس التعميم المتعجل وهي لا تسعى إلى سن قوانين تحكم علاقة البشر ببيئتهم بل تعيد تجميع الحقائق وترتيبها تمهيدا لمقارنتها في أقاليم الأرض المختلفة ثم تصل في النهاية إلى تحليل جزئي وحذر للحقائق الجغرافية دون أن تضع فروضا تحدد شكل النتائج.

стр. 464

الفصل الثاني: عناصر البيئة الطبيعة والإنسان المناخ والإنسان مدخل ... الفَصلُ الثَّاني: عَنَاصِر البيئة الطَّبيعّية والإنسَان: أولا- المناخ والإنسان: يعد المناخ من العناصر الطبيعية البارزة التي تؤثر على النشاط البشري وتطوره؛ ذلك لأنه العامل الرئيسي الذي يكون الحياة النباتية ويحدد مظاهر الارتباط النباتي والحيواني في البيئة الطبيعية، ولذا فإن النطاقات المناخية الرئيسية على سطح الأرض تكون الإطارات الرئيسية التي تتمثل بها أوجه النشاط البشري. وتعتمد طبيعة الغطاء النباتي على ظروف درجات الحرارة وقد أثبت علماء الزراعة أن لكل نبات حد أدنى من درجات الحرارة "صفر النمو" يتوقف نموه إذا هبطت الحرارة عن هذا الحد كذلك فإن هناك درجة حرارة مثلى يكون النبات في أقصى درجات حيويته أثناءها، ولذا فإن صفر النمو والحرارة العالية يعتبران من العوامل المحددة لنمو النبات في البيئات الطبيعية المختلفة، وبالرغم من جهود علماء النبات في انتخاب أنواع من الزراعات تقل احتياجاتها الحرارية ومن ثم يتسع مدى زراعتها نحو الشمال القطبي كما هو الحال في الزراعات السوفيتية إلا أن درجات الحرارة ما زالت العنصر المناخي الرئيسي المحدد للقطاعات الزراعية في العالم فالحد الشمالي مثلا للأقاليم التي ينمو بها نخيل البلح يتمشى تماما مع الخط الحراري ٦٥ درجة فهرنهيت "١٩ درجة مئوية" كذلك فإن العامل الرئيسي في تحديد زراعة الكروم هو درجة حرارة الصيف ذلك لأن العنب ينضج فقط في تلك الأقطار التي يزيد متوسط درجة الحرارة بها عن ٥٩ درجة فهرنهيت "١٥ درجة مئوية" في الفترة من أبريل حتى أكتوبر، وتتأثر النباتات بدرجات الحرارة أكثر من تأثر الحيوانات بها ومع وجود استثناءات قليلة فإنه من المستحيل اليوم أقلمة النبات في أماكن يكون النظام الحراري بها مختلفا عن مثيله في البيئة الأصلية للنبات.

стр. 465

ويؤدي تتابع الفصول إلى تنظيم دورة الحياة النباتية ووجود مهن وتحركات سكانية مترتبة عليها حيث يرتبط بذلك العمل الزراعي تبعا لأوقات نمو النبات المختلفة وتخضع حركة الرعاة من وإلى المرتفعات الجبلية عبر السهول الدنيا لدورة التغير في الحياة النباتية هي الأخرى. ولما كانت درجات الحرارة هي العنصر الحيوي في توزيع النباتات فمن الواضح أن نموها يعتمد بالدرجة الأولى على كمية الإشعاع الشمسي خلال السنة أو بمعنى آخر على عدد الأيام الدفيئة، ومن هنا فإن الأقاليم المناخية الكبرى وهي الباردة والمعتدلة والحارة ذات مغزى كبير في جغرافيا النباتات. وتتأثر درجة الحرارة بعدة عوامل أبرزها موقع المكان بالنسبة لدوائر العرض Latitude وارتفاع المكان عن سطح البحر ثم الموقع بالنسبة للبحار والمحيطات ويعد الموقع الفلكي "بالنسبة لدوائر العرض" المؤثر في تحديد الزاوية التي تسقط بها أشعة الشمس على سطح الأرض وكذلك في تحديد طول الليل والنهار في فصول السنة المتعاقبة فعند خط الاستواء تسقط أشعة الشمس عمودية على الأرض في معظم أيام السنة، أما بالقرب من الدوائر القطبية فإن هذه الأشعة تسقط مائلة جدا وخاصة في نصف السنة الشتوي ويترتب على ذلك أن يكون المتوسط السنوي لما يصيب الأرض من الأشعة عند خط الاستواء أكبر منه في العروض الأخرى ويزداد الفرق كلما بعدنا عن خط الاستواء حتى إن نصيب البلاد الواقعة عند دائرة عرض ٤٠ درجة شمالا أو جنوبا يعادل ٣/٤ نصيب البلاد الواقعة عند خط الاستواء١. كذلك فإنه يلاحظ أن ما تستفيده الأرض من أشعة الشمس يتوقف على طول النهار الذي يتوقف بدوره على الموقع بالنسبة لدوائر العرض، فمن الثابت أن طول النهار يزداد على حساب الليل في فصل الصيف والعكس في فصل الشتاء، وتزداد هذه الظاهرة بوضوح بالابتعاد عن خط الاستواء ولهذا فإنه على الرغم من أن المتوسط السنوي لما يصيب الأرض من أشعة الشمس عند القطب صغير في جملته بالنسبة للعروض الأخرى فإنه يكون في الفترة من أول

стр. 466

يونيه إلى منتصف يوليه أكبر منه في أي منطقة أخرى في العالم ويرجع هذا إلى أن الشمس تستمر ظاهرة طول هذه الفترة دون انقطاع، ولكن ليس معنى ذلك أن القطب يكون في هذه الفترة أشد حرارة من أي بقعة أخرى؛ وذلك لأن معظم الحرارة المكتسبة من الشمس تستنفد في صهر طبقات الجليد السميكة التي تغطي المناطق القطبية بدلا من أن تعمل على سرعة رفع درجة حرارة الهواء١. وعلى ذلك فإن النهار يتزايد بالاتجاه نحو القطبين حيث يصل طوله إلى ١٤ ساعة و ٣٤ دقيقة عند دائرة عرض ٤٠ درجة، ١٥ ساعة و ٤٥ دقيقة عند دائرة عرض ٥٠ درجة و ١٧ ساعة و ٤٤ دقيقة عند خط عرض ٦٠، أما عند دائرة عرض ٦٨.٣٠ درجة فيصل إلى ٢٤ ساعة في الصيف، ويسرع الضوء من نمو النباتات في المناطق الباردة فعلى سبيل المثال فإن الشعير الربيعي ينضج في مائة يوم وسبعة أيام في جنوب السويد بينما يحتاج إلى ٨٩ في اللابلاند Lapland وذلك بالرغم من انخفاض الحرارة في المنطقة الأخيرة، ويرجع ذلك إلى طول فترة الإشعاع بها. كذلك فإن القمح الربيعي يحتاج في منطقة الإلزاس عند دائرة عرض ٤٨.٣٠ درجة إلى مدة قدرها ١٤٥ يوما بين البذر والحصاد في الوقت الذي يحتاج فيه فقط إلى ١١٤ يوما في منطقة سيكبوتن Skibotten عند دائرة عرض ٦٩.٣٠ درجة شمالا، ويمكن تفسير هذا الفرق في طول فترة الإنبات إذا أدركنا أن فترة الإلزاس وهي ١٤٥ يوما تكون جملة ساعات النهار خلالها ١٧٩٥ ساعة مقابل ٢٤٨٦ ساعة في فترة الـ ١١٤ يوما في منطقة اللابلاند وعلى ذلك فإن طول فترة الضوء في المناطق القطبية تعوض من نقص الموسم الدفيء بها وقد أدرك الزراع في كل من الاتحاد السوفيتي والشمال الكندي ذلك في محاصيلهم التي يزرعونها في فصل النمو.

стр. 467

المناخ وجسم الإنسان: يتأثر الإنسان -ككائن حي- بعناصر المناخ وأهمها الضغط الجوي والإشعاع الشمسي ودرجة الحرارة والرطوبة والرياح، ويعد التغير في الضغط الجوي أقل أهمية بالمقارنة مع باقي العناصر ذلك لأن التغيرات في الضغط

стр. 468

البارومتري قرب مستوى سطح البحر لا يترتب عليها أي تغيرات فيزيولوجية ظاهرة في الإنسان، ويتفاوت ارتفاع قمة عمود الزئبق في البارومتر بين ٩٥٠ - ١٠٥٠ ملليبارا إلا أن تناقص الضغط الجوي بالارتفاع يؤثر على الإنسان تأثيرا مباشرا فعلى ارتفاع ٥٣٠٠ متر "١٧٥٠٠ قدم" ينخفض الضغط إلى نصف ما هو عليه عند سطح البحر حيث يصل إلى ٥٠٠ ملليبار، أما على ارتفاع ٩٠٠٠ متر "٣٠.٠٠٠ قدم" فإن الضغط الجوي يصبح ما بين ثلث وربع مثيله عند سطح البحر. وبالرغم من قلة مساحة الأراضي المرتفعة إلا أن هناك شعوبا قليلة استوطنت مثل هذه المناطق كما هو الحال في مرتفعات الإنديز في بيرو، وكذلك في التبت حيث تعيش بعض الجماعات على ارتفاعات تصل إلى ٤٥٠٠ متر "١٥٠٠٠ قدم" أو تزيد وأحيانا تصل القطعان التي يرعاها سكان هذه المناطق إلى ٥٥٠٠ متر "١٨٠٠٠ قدم". ومن المعروف أن الإنسان إذا ارتفع من سطح البحر إلى ارتفاع ٣٠٠٠ متر "١٠٠٠٠ قدم" فإنه يصاب بدوار الجبل Mountain Sickness وبضيق في التنفس والصداع وبالإعياء وإذا ارتفع عن ذلك بكثير فإنه يصاب بانهيار تام قد تعقبه الوفاة ولقد كان الاعتقاد السائد قديما أن وفاة الإنسان في الجبال العالية مرجعه سكنى هذه الجبال بالأشباح الشريرة إلى أن فسر أحد القساوسة السبب الحقيقي وراء ذلك في سنة ١٥٩٠ ومنذ ذلك الوقت أثبتت التجارب أن دوار الجبل ينشأ من النقص في الأوكسجين كذلك أكدت أنه في ارتفاعات معينة فإن الجسم البشري يستطيع أن يتلاءم نسبيا مع النقص في الأوكسجين ولعل في سكان المكسيك والإنديز مثال على ذلك. أما درجة الحرارة فهي عنصر مناخي هام مؤثر في حياة الإنسان فتبلغ حرارة الجسم البشري الطبيعية ٣٧ درجة مئوية "٩٨.٤ ف" سواء هبطت درجة حرارة الهواء المجاور إلى -٦٨ درجة مئوية "-٩٠ درجة ف" كما في شمال سيبيريا أو ارتفعت إلى ٦٠ درجة مئوية "١٤٠ فهرنهيت" كما في الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية. وفي الأقاليم المناخية قاسية البرودة يكون الكساء أمرا ضروريا بالرغم من أنه ليس كذلك في المناطق الباردة نوعا كما هو الحال في جماعات الأكالوف Alacaluf البدائية في أقصى جنوب شيلي والذين يعيشون عراة في مناطق تتراوح درجة الحرارة بها بين -٤

стр. 469

مئوية "٢٥ درجة ف"، ٩ درجات مئوية "٤٨ ف" في نطاق الرياح الغربية الأنتاركتيكية وقد تلاءمت هذه الجماعات فسيولوجيا مع درجات الحرارة المنخفضة، ويحتوي الغذاء عند هذه الجماعات كما هو الحال في جماعات الإسكيمو على كمية من الشحوم التي يحصلون عليها من الحيتان وغيرها من الحيوانات وهم في ذلك يهضمون كمية من الشحوم تستحيل على غيرهم من الأجناس الأخرى كما يستهلكون الأغذية التي تعطيهم أكبر قدر من الطاقة الحرارية وتتميز أجسامهم بتراكم الشحوم فيما تحت الجلد وعلى ذلك فإن الجماعات البشرية التي تعيش في المناخ البارد جدا استطاعت أن تتأقلم مع درجات الحرارة المنخفضة السائدة في بيئتها. ويرى بعض الأنثروبولوجيين ومن بينهم بكستون Buxton أن الأنف الطويلة ذات الفتحات الضيقة التي تميز بعض الجماعات البشرية التي تعيش في المناطق الباردة والجافة تقوم بوظيفة هامة في تدفئة وترطيب الهواء المتنفس قبل أن يصل إلى الرئتين. من ذلك يبدو أن النشاط البشري والطاقة الجسمانية تتأثران بالمناخ تأثيرا كبيرا فالحرارة العالية والرطوبة الشديدة لا تساعدان على العمل كذلك فإن الهواء الحار مع الرطوبة المنخفضة تؤذي الجلد وتؤدي إلى تشققه وينتج عنها جفاف الحلق والأنف وتزيد من قابلية الإنسان لنزلات البرد، ولذلك فإن أنسب رطوبة هي التي تتراوح بين ٤٠ - ٦٠% كذلك فإن هناك الأمراض التي تكثر في بيئات معينة كالحشرات والأوبئة في البيئات الحارة الرطبة مثل الملاريا والحمى الصفراء والكوليرا والتيفود والدوسنتاريا بسبب البعوض والذباب وكذلك مرض النوم الذي تسببه ذبابة تسي تسي في المناطق الاستوائية والمدارية أما في المناطق الباردة فتكثر أمراض الرئة والأنفلونزا ويتعرض جسم الإنسان لخطر النزلات الشعبية وأمراض الحنجرة والقلب وغيرها. ويختلف توزيع الطاقة البشرية الجسمانية والذهنية في جهات العالم المختلفة باختلاف الأقاليم المناخية التي يعيش فيها ولا يمكن تجاهل أثر المناخ البارد نوعا في النشاط الفكري والجسماني إلى حد ما وأثر المناخ الحار الرطب في بعث الخمول وانحطاط الطاقة الذهنية والجسمانية.

стр. 470

وقد حدا ذلك ببعض الباحثين إلى إعطاء أهمية عظمى في أثر المناخ في تطور الحضارة البشرية ومنهم السورث هنتنجتون Huntington الذي توصل إلى نتائج هامة يمكن تطبيقها على نواحي النشاط البشري -بعد أن أجرى دراساته بين العمال والطلبة في شرق الولايات المتحدة وكندا- وهذه النتائج هي: ١- أن الإنسان يصل إلى أقصى درجات النشاط الجسماني إذا كانت درجة الحرارة تتراوح بين ٦٠ - ٦٥ درجة فهرنهيت أي بين ١٥ - ١٨ مئوية ويصل إلى أقصى درجات النشاط الذهني إذا كانت درجة الحرارة خارج المساكن تصل إلى ٣٨ درجة ف ومع حدوث بعض الصقيع ليلا. ٢- أن المناخ الذي يسير على وتيرة واحدة يقلل من النشاط الجسماني كذلك التغيرات المفاجئة في المناخ. ٣- أن ارتفاع نسبة الرطوبة يزيد من النشاط البشري إذا ما كان المناخ باردا أما إذا كان المناخ حارا فهي تبعث على الكسل وانحطاط الجهد. ٤- أن الطقس الإعصاري يزيد من الرغبة في العمل والقدرة عليه على ألا تكون تغيرات الطقس فجائية. وقد دلت دراسات هنتنجتون أن هناك أربع مناطق يتمثل فيها المناخ الأمثل من حيث النشاط البشري وهي: شمال شرق الولايات المتحدة والجزر البريطانية وغرب أوروبا وجزر اليابان والجزيرة الجنوبية لنيوزيلندا وكولومبيا البريطانية بكندا. على أن دراسة المناخ والنشاط البشري والحضارة أساسه درجة تناسب المناخ للنشاط البشري فدراسة أثر المناخ في تطور الحضارة المصرية مثلا لا يجب أن يقارن بمناخ إنجلترا بل يجب دراسة درجة ملاءمة المناخ بمصر لسكانها من ناحية النشاط والصحة والقوة الاقتصادية وكذلك فإن التطور الحضاري مختلف في الماضي عما هو عليه في الوقت الحاضر حيث تكثر الإمكانيات التي تجعل الإنسان يقي نفسه شرور الطبيعة إلى حد كبير.

стр. 471

ثانيا- الحياة النباتية والإنسان: تتميز النباتات بخاصية أساسية وهي قدرتها على امتصاص العناصر الغذائية من الهواء والتربة وتحولها بعد ذلك إلى غذاء للإنسان، وحتى تصبح المادة غير العضوية غذاء للإنسان فلا بد أن تمر خلال النبات، ولذلك فقد كتب فيدال دي لابلاش الجغرافي الفرنسي المشهور قائلا: "إن النباتات وحدها هي القادرة على سحب العناصر الغذائية من الهواء، لذا فإنها تشبه مصنعا حيا للغذاء"١. وتقوم المملكة النباتية بعد المملكة الحيوانية بالغذاء ولذا فإن الحياة النباتية الطبيعية في قطر ما تتناسق مع أنواع الحيوانات بها وكذلك فإن أنماط الحياة وخاصة بين المجتمعات البدائية ترتبط بكل من الحياتين النباتية والحيوانية وتتأثر بالتالي بالظروف المناخية السائدة بها. وأيضا فإن نطاقات الغطاء النباتي التي تغطي مساحة من سطح الأرض تفوق مساحة المناطق الجرداء والجليدية تتمشى مع أنماط الحياة البشرية بصفة عامة وهذه القطاعات الطبيعية الرئيسية تعد نطاقات بشرية إلى حد كبير وفي كل منها حياة الإنسان تتعرض لقوى البيئة الطبيعية المتمثلة في النظام المناخي والارتباط بين الحياتين النباتية والحيوانية ويستطيع الإنسان أن يغير في هذه العناصر الطبيعية بقدر ما أوتي من قوة ذاتية متمثلة في إمكانياته وأساليبه التي ابتكرها لهذا الغرض، وتلائم المجتمعات البشرية المختلفة ظروف حياتها مع ظروف بيئاتها ولكنها رغم ذلك لا تملك قدرة التغيير الكامل لهذه البيئة ولعل في دراسة المجتمعات البشرية في العالم الجديد قبل مجيء الأوروبيين إليه ما يؤكد التطابق بين الأقاليم الطبيعية وأنماط الحياة بين الشعوب ذات الأساليب البدائية فعلى كلا جانبي الاستواء كان هناك تماثل بل وأنماط مكررة لأشكال الحضارات الوثيقة الارتباط بالظروف المناخية ففي فيوردات بتاجونيا وكولومبيا البريطانية كانت هناك جماعات تمارس صيد الأسماك، وكذلك كانت هناك جماعات صيد الجاموس البري في البراري والغوناق "حيوان ثديي أمريكي من فصيلة الجمل" في البمبا وجماعات زراع الذرة في الأقاليم المدارية وشبه المدارية وزراع الكاسافا في الإقليم الاستوائي.

стр. 472

وبصفة عامة فإن سطح الأرض يمكن أن ينقسم إلى المناخ المداري الحار والمناخ الجاف والمعتدل والبارد وذلك منذ أن بدأ المناخ الحالي يسود الأرض -أي منذ فترة العصر الحجري الحديث- وهذه الفترة في تاريخ الإنسان أعقبت العصر الحجري القديم والذي كان المناخ فيه مختلفا وكذلك أنماط الحياة وأساليبها، وقد انتهى العصر الحجري القديم في وقت كان المناخ فيه باردا وتميز في أوروبا بامتداد الغطاء الجليدي وفي صحاري العالم القديم بظروف مناخية تتصف بالرطوبة التي ساعدت على نمو الإستبس في مناطق واسعة تعد صحراوية وقاحلة اليوم. ولم تبدأ المدنيات القائمة على الزراعة في أقاليم العالم في وقت واحد فقد ظهرت متأخرة في العروض العليا في إسكنديناوه ويذهب بعض العلماء إلى أن البرونز كان معروفا للمصريين القدماء منذ حوالي ٥٠٠٠ سنة قبل الميلاد في الوقت الذي لم يبدأ فيه العصر البرونزي في السويد مثلا حتى القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد وبين بعض الجماعات في شرق سيبيريا فإن عصر البرونز لم يبدأ إلا في أوائل العصر المسيحي١. وكقاعدة عامة، فقد كان التطور بطيئا في بعض مظاهر الحضارة مثال ذلك أن استخدام الحديد يرجع إلى القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد في السويد بينما كان مألوفا في إيطاليا منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ويرى هنتنجتون أن هناك تغيرات مناخية كبيرة قد طرأت على امتداد التاريخ البشري ويستدل على ذلك باختفاء بعض المدن في جنوب غرب آسيا مثل تدمر التي كانت مزدهرة حتى بداية العصر المسيحي وهي اليوم أطلال بالية في الصحراء كذلك فإن هناك مدنا رومانية أخرى وخاصة تلك التي شيدت على أطراف الصحراء الأفريقية تحولت إلى أطلال لعدة عوامل أبرزها تغير الظروف المناخية، بل إن هنتنجتون يرجع الثورة الزراعية التي حدثت في إيطاليا حوالي سنة ٢٠٠ ق. م إلى تناقص كمية الأمطار مما ترتب عليه نقص في محصول القمح وهجرة كثير من الريفيين إلى المدن. بل إنه يربط بين التغيرات المناخية والأحداث التاريخية الكبرى مثل ثورة العبيد والاضطرابات ثم غزو البرابرة والتي ترجع

стр. 473

كلها إلى تدهور المراعي في آسيا مما ترتب عليه هجرة الشعوب الجائعة نحو المناطق الأقل جفافا ولكن هذه الآراء تلقى الكثير من المعارضة من بعض الباحثين. وتعتبر الحياة النباتية من العوامل الطبيعية المؤثرة في حياة الإنسان ذلك لأنها تؤثر في إنتاج الإقليم الاقتصادي وتحدد نوع الحرفة التي يقوم بها الإنسان وطريقة ومستوى معيشته فمناطق الحشائش صالحة تماما للرعي كما أنها صالحة للزراعة إذا ما أمكن حرق الحشائش بعكس الحال في مناطق الغابات التي تقل صلاحيتها للزراعة ونلاحظ أنه حيث يرتقي الإنسان وترتقي حضارته فإن عناصر البيئة الحضارية سرعان ما تغير الحياتين النباتية والحيوانية وعلى نطاق واسع فالمحاصيل المزروعة والمراعي الصناعية تحل محل النبات الطبيعي وتحل الحيوانات المستأنسة محل كثير من الحيوانات البرية. وعلى الرغم من أن الإنسان قد أزال أجزاء من الغطاء النباتي الطبيعي في معظم بقاع العالم سواء لإحلال الزراعة محلها أو لأي غرض آخر فإن أهميتها بالنسبة للإنسان أهمية كبيرة إذا ما أدركنا أن استهلاكه من الأخشاب في أغراض البناء أو صناعة الأثاث أو في مد السكك الحديدية وصناعة السفن وغيرها في تزايد مستمر تبعا لتزايد أعداده كذلك يمكن أن تظهر الأهمية الكبرى للحياة النباتية إذا أدركنا أن ما يستهلكه العالم من لحوم وجلود وأصواف يأتي في معظمه من المناطق ذات المراعي الطبيعية التي تربى عليها قطعان ضخمة من الماشية والأغنام كما هو الحال في الأمريكتين واستراليا ونيوزيلند. وقد يكون الغطاء النباتي حائلا للتقدم البشري في كثير من الأحيان حيث تعوق الغابات الكثيفة طرق النقل المتنوعة التي يصعب مدها فيها مثل طرق السيارات أو السكك الحديدية كما يبدو في حوض الكونغو والأمازون واللذين ما زالا حتى الآن مناطق طرد بشري وتسود بهما حرف بدائية كالصيد والجمع وغير ذلك فقد قامت مناطق الغابات بدور الحماية للجماعات المستضعفة في مواجهة الجماعات القومية فمناطق غابات الكونغو كانت ملجأ للأقزام التجئوا إليها تحت ضغط جماعات الزنج السودانيين وجماعات البانتو. وقد ترتب على المظهر الطبيعي في مناطق الغابات أنها قليلة السكان بصفة عامة ولا يعيش فيها سوى بعض الجماعات البدائية قليلة العدد والتي يتناقص عددها في معظم الأحيان كذلك يسكن هذه الغابات بعض عمال قطع الأخشاب والصناعات القائمة عليها أو جمع منتجات الغابة.

стр. 474

ثالثا: العوامل الفيزيوغرافية والإنسان: تلعب العوامل الفيزيوغرافية في البيئة الطبيعية دورا بارزا في أنماط النشاط البشري وتوجيهها فبالرغم من أن المناخ يؤثر بدوره في تحديد الأقاليم الرئيسية التي تضم أنماطا مختلفة من الحياة البشرية فإن العوامل الفيزيوغرافية هي المؤثر الرئيسي في تباين استغلال الأرض وفي اختلاف الدور الذي يقوم به الإنسان في هذا الصدد. وتعد مظاهر السطح من العناصر الطبيعية للبيئة الجغرافية حيث توجه العمران البشري فيها وتحد من امتداده حينا أو اتساعه أحيانا والناظر إلى خريطة توزيع السكان مثلا يلمس أن جزءا كبيرا من سطح الأرض ما زال غير معمور. حتى النطاق المعمور فإن توزيع السكان به غير متساوٍ وتبلغ مساحة اليابس ١٤٨ مليون كيلو متر مربع وهو لا يشغل أكثر من ٢٨% من سطح الأرض أما الباقي فيغطيه الماء. وتختلف مساحات القارات اختلافا جوهريا توضحه الأرقام التالية: القارة المساحة بالكيلو متر المربع آسيا ٤٥.٦٠٠.٠٠٠ أفريقيا ٣٠.٦٠٠.٠٠٠ أمريكا الشمالية ١٧.٩٠٠.٠٠٠ أمريكا اللاتينية ٢٤.٣٠٠.٠٠٠ أوروبا ٩.٨٠٠.٠٠٠ استراليا ٨.٥٠٠.٠٠٠ القارة المتجمدة الجنوبية "انتاركتيكا" ١١.٤٠٠.٠٠٠ الجملة ١٤٨.١٠٠.٠٠٠ وبصفة عامة، فإن أشكال سطح الأرض الرئيسية تتمثل في السهول والتلال والهضاب ثم الجبال -وتختلف الآراء في تعريف كل منهما تعريفا

стр. 475

دقيقا- إلا أن ما يهمنا هو مدى تأثيرها في أوجه النشاط البشري، وتعتبر السهول ذات التربة الخصبة والمناخ المعتدل أكثر الجهات ملاءمة لنشاط السكان ومن ثم فإنهم يتركزون بها أكثر من أي مظهر تضاريسي آخر كما هي الحال في السهول الوسطى في أمريكا الشمالية وسهول البمبا في أمريكا الجنوبية والسهل الأوروبي الشمالي وسهل الجانج والسند في الهند والباكستان والسهل الصيني الشمالي، وقد نتج هذا التركز عن عوامل متعددة توفرت في هذه السهول أهمها سهولة زراعتها وجودة تربتها وملاءمتها لإنتاج كثير من المحاصيل كذلك فإن استواء السطح في المناطق السهلية يسهم في سهولة النقل وامتداد طرق المواصلات المختلفة. وليس معنى ذلك أن وجود السهول في منطقة ما قرين بتركز السكان فيها ذلك لأن هناك سهولا فسيحة في معظم قارات العالم لا تتوفر فيها عوامل الاستقرار البشري مثل السهول القطبية في شمال أمريكا الشمالية وفي آسيا. كذلك في السهول الصحراوية الجافة كما هي الحال في وسط استراليا وجنوب الصحراء الكبرى وكذلك فإن هناك قطاعات من السهول الرطبة الحارة التي لا تشجع على التركز البشري مثل سهول الأمازون وبعض سهول وسط أفريقيا الاستوائية. وتتعدد مظاهر التأثير التي تحدثها التضاريس على المظهر الحضاري في البيئة وذلك للترابط الكبير بين العناصر الطبيعية -فهناك علاقة وثيقة بين مظاهر السطح والمناخ يبدو ممثلا في الارتفاع- حيث تقل درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كلما ارتفعنا ١٥٠ مترا وتظل تنخفض بالارتفاع حتى تصل إلى خط الثلج الدائم الذي يحدد بداية الثلج الدائم والذي يكون إيذانا باختفاء الحياة النباتية والحيوانية، كذلك تعتبر الجبال من عوامل سقوط المطر حيث تكثر الأمطار على الجوانب الجبلية المواجهة للرياح المحملة بالأبخرة وتقل على الجوانب المقابلة التي تقل بها الأمطار قلة مفاجئة إن لم تكن مناطق قارية جافة. وتختلف المناطق المرتفعة في جذبها للسكان من حيث موقعها بالنسبة لخط العرض ومن حيث ظروف المناخ السائدة بها؛ ذلك لأن الحياة النباتية تختلف هي الأخرى حسب الارتفاع السائد الذي يؤثر في درجات الحرارة والرطوبة وتعتبر الجبال جزرا نباتية تختلف عن المناطق المحيطة بها اختلافا كبيرا كذلك فإن الحياة النباتية تتدرج على المرتفعات نتيجة لعامل الارتفاع

стр. 476

فقد توجد نباتات معتدلة بل ونباتات المناطق الباردة فوق الجبال المدارية وعلى كل هذه الظواهر الطبيعية تتوقف حياة الإنسان ففي الجهات الحارة تعتبر المناطق المرتفعة أكثر جذبا للتركز البشري من مناطق السهول التي تكون حرارتها ورطوبتها عاليتين وقد شهدت كثير من المناطق المرتفعة في الأقاليم المدارية تركزا سكانيا منذ وقت طويل تمثل في مرتفعات اليمن وهضبة الحبشة والمكسيك وبيرو كما أن مرتفعات كينيا وتنزانيا جذبت إليها بعض الأوروبيين فاستوطنوا أجزاء كبيرة منها. وإذا كانت السهول الخصبة التربة والمعتدلة المناخ قد جذبت إليها السكان منذ القدم وتركزوا بها وكونوا في معظمها حضارات متعددة فإن الجبال قد جذبت إليها أعدادا من السكان ليقوموا بحرفة التعدين بها، ذلك لأن المناطق الجبلية هي أهم المناطق التضاريسية ثراء في معادنها والتي قد تبدو أحيانا ظاهرة على السطح وبخاصة على جوانب الأودية نتيجة لعوامل التعرية المختلفة وقد أسهم ذلك في خلق حرفة التعدين بهذه المناطق كما هو الحال في جبال الأبلاش شرق أمريكا الشمالية والروكي غربها وكذلك في جبال الإنديز في أمريكا حيث يعدن النحاس في شيلي وبيرو والقصدير في بوليفيا ومعظم المعادن في مصر توجد في المناطق الجبلية في الصحراء الشرقية أو شبه جزيرة سيناء. وتعد التربة -ذلك الغلاف السطحي لقشرة الأرض الأصلية- العنصر الأساسي في تباين وتطور أنماط الحياة وإن كان الإنسان لم يدرك تركيبها وخصائصها إلا حديثا جدا والنوعان الرئيسيان من التربة تلك المكونة محليا نتيجة عوامل التفتت الصخري والتحلل العضوي وتلك المنقولة من أماكن أخرى بواسطة عوامل التعرية وتشتق التربات الأولى -أي المحلية التكوين- طبيعتها من الصخور الأصلية المكونة لها ومن التغيرات التي طرأت عليها إلا أنها غالبا ما تكون رملية أو فقيرة وتتعرض للانجراف بسرعة إذا ما كانت مشتقة من الجرانيت. أما إذا كانت من أصل بركاني أو جيري فإنها تميل إلى أن تكون صلصالية وثقيلة ولكنها غنية في عناصر خصوبتها وفي المناطق الحارة تسود تربة اللاتريت الحمراء المشتقة من الصخور المحلية وتتصف بفقرها في الخصوبة لنقص المواد العضوية بها. أما التربة المنقولة عن طريق المياه الجارية أو الجليد أو الرياح فإنها غالبا

стр. 477

ما تتكون من خليط صخري وتكون أغنى وأحسن بصفة عامة من التربات المحلية وتتمثل التربات المنقولة في المراوح الفيضية Alluvial Fans والسهول الفيضية وقد لعبت دورا خطيرا في تاريخ العمران البشري في العالم حيث ساعدت على قيام الزراعة والاستقرار بها ونشأة الحضارات القديمة والحديثة على السواء ولعل في وادي النيل في مصر والجانج في الهند واليانجتسي والهوانجهو في الصين المثل الواضح على ذلك. وعلى العموم فإنه يمكن القول بأن استغلال الإنسان للأرض يتباين بدرجة كبيرة بتباين طبيعة التربة بها، وقد بذلت محاولة تقدير تقريبي لنسبة التربة الصالحة للزراعة في العالم في الوقت الحاضر، فوجد أنها تصل في أوروبا إلى ٥٠% من سطحها وفي أمريكا الجنوبية إلى ٢٥% وفي أمريكا الشمالية وأفريقيا ٢٠% لكل منهما وفي استراليا ١٠% ولكن هذا التقدير يعد أوليا ويمكن أن تزداد هذه النسب دون شك لأن هناك تربات جيدة في مناطق الإستبس والغابات في قارات العالم المختلفة لم تعرف بعد ويمكن استغلالها في الزراعة بطبيعة الحال كذلك فإن الوسائل العلمية الحديثة في الزراعة يمكن أن تحسن من خصائص التربات الفقيرة وبالتالي تزيد من رقعة الأراضي الصالحة للزراعة ولا ريب في أن هناك مناطق من التربات الجيدة في عالم اليوم تعرضت للتعرية وفقدت خصوبتها بسبب حماقة الإنسان وسوء استخدامه للأرض في بعض المناطق، ففي الولايات المتحدة فقدت مساحات واسعة من الأراضي خصوبتها بسبب الزراعة الكثيفة والاستغلال المدمر في البرازيل استنزفت خصوبة مناطق شاسعة بسبب زراعة البن وأصبحت أرضا عقيمة ومن الواضح اليوم لكل الجغرافيين وعلماء الزراعة أن تدمير التربة الخصبة في كثير من مناطق العالم يكون واحدا من أكثر الأخطار الجسيمة التي ليس من السهل علاجها في ضوء المعارف الحالية للبشر، ولقد كانت تعرية التربة من العوامل المسئولة عن تدهور واختفاء حضارات مزدهرة مثل حضارة قبائل المايا Maya في أمريكا الوسطى، وربما أيضا بعض الحضارات الهندية والملاوية في الشرق الأقصى، ومن هنا فإن المشكلات المتعلقة بالتربة تبدو ذات أهمية في الجغرافية البشرية. وتمثل الجبال مناطق من نوع خاص ذات مناخ مميز يؤثر في الحياتين

стр. 478

النباتية والبشرية، وهناك أنماط من الحياة البشرية المتشابهة على الجبال وذلك بالرغم من تباعدها الجغرافي بعضها عن بعض من ناحية وعدم ارتباطها جنسيا من ناحية أخرى، وفي الواقع فإن الجبال تعد بيئات يبدو فيها بصرامة تأثير التضاريس والمناخ كقوى طبيعية غير عادية في مثل تلك المناطق الصغيرة نسبيا ومن ثم توجه باستمرار ردود الأفعال البشرية حيالها. وقد وجد أن درجة الحرارة في غرب أوروبا تتناقص بمعدل درجة مئوية واحدة كلما ارتفعنا ١٥٠مترا، ومن هنا فإن النطاقات النباتية تتتابع الواحدة تلو الأخرى على منحدرات الجبال، وتنتهي المنطقة الدنيا "السفلى" التي تعد امتدادا للأراضي المنخفضة عند أقدام المنحدرات الجبلية عند ارتفاع يتراوح بين ٢٦٠٠ - ٣٠٠٠ قدم فوق سطح البحر وفي وسط سويسرا مثلا تتوقف زراعة الشعير بعد خط كنتور ٢٦٠٠ قدما وفوق هذه الارتفاعات تبدأ النطاقات الجبلية فيوجد غطاء غابي في بادئ الأمر حيث تكون الأمطار غزيرة، ويختلف منسوب الارتفاع الذي يختفي عنده هذا الغطاء تبعا لدرجة تعرض المنحدر لعناصر المناخ فيصل إلى ٤٠٠٠ قدم في مرتفعات الفوج في فرنسا، ٧٥٠٠ قدم في البرانس الشرقية ويلي النطاق الغابي هذا حشائش ألبية حيث تتميز الأحوال المناخية بالجفاف والبرودة ولكنها مشمسة وتتغطى الأرض بالحشائش التي تزينها الأزهار في الربيع وتسود في هذا النطاق حشائش المرتفعات الصيفية التي تقصدها القطعان من الأراضي المنخفضة تحتها وأخيرا تتوج الجبال غطاءات ثلجية دائمة، التي يتراوح ارتفاع خطها الدائم -وهو متوسط الارتفاع الذي لا يتعرض الثلج الواقع فوقه للذوبان- من جبل إلى آخر فيصل هذا الخط إلى ارتفاع ٩٠٠٠ قدم على المنحدرات الشمالية للبرانس، ٩٨٠٠ قدم في مون بلان Mont Blan وعلى ذلك فإن من يتسلق الجبال في أوروبا يستطيع أن يرى هذه النطاقات بوضوح على ارتفاعات مناسبة كما لو كان في رحلة إلى المناطق القطبية، وفي نطاق منها توجد أنماط بشرية ونباتية خاصة. وجدير بالذكر هنا أن النطاق الأدنى يتعرض لمشكلات من النطاقات التي تعلوه مثل انصراف المياه وجرف التربة واتجاهها نحوه وهبوط كتل صخرية إليه بفعل عوامل التعرية وغير ذلك. وعلى ذلك فإن البيئة الطبيعية على السلاسل الجبلية تتطلب أنماطا خاصة من الحياة.

стр. 479

أما الجزر فإن لها سماتها المميزة كبيئة جغرافية منعزلة وساعدت هذه العزلة على بناء أشكال قديمة ومستوطنة من الحياة بها سجلها كثير من الباحثين من أشهرهم دارون مثلا في جزر جالا باجوس Galapagos وكذلك الحال في أنماط الحياة البشرية المميزة لشعوب الجزر بخاصة المكتشفة حديثا مثل سكان جزر كارولين الذين ما زال معظمهم يعيش في العصر الحجري ومن ناحية أخرى فإن الجزر تعد معزلا وملجأ للكثير من الجماعات المستضعفة ومن ثم فإنها تتحول إلى بوتقات بشرية تجمع خليطا من الشعوب التي تتجمع لتكون مجتمعات صغيرة متحدة ومن أبرز الأمثلة على ذلك جزيرة تريستان دا كونها Tristan da Cunha الصغيرة في جنوب الأطلنطي التي استطاع ٢٠٠ من سكانها أن ينجحوا في خلق مظهر من الأحوال المحلية التي سرعان ما استوعبت القادمين الجدد إليها، وكذلك كانت فورموزه ملجأ لأسرة المنج Maing الحاكمة أثناء الاضطرابات السياسية في القرن السابع عشر وقبل أن تصبح حصنا للقومية الصينية في مواجهة الشيوعية كذلك كانت سيلان ملجأ للبوذيين المطرودين من الهند. وتساعد الجزر على تهيئة ظروف الاستقرار البشري الذي يحميه البحر آنذاك مما يساعد سكانها على استغلال مواردها الطبيعية سواء على أرضها أو في بحرها المجاور وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. أما البحر - الذي يحيط بكل قارات الأرض اليابسة ويخترقها بعمق في بعض أجزائها- فيكون بيئة طبيعية هو الآخر، وإن كانت بيئة قاسية من الصعب معايشتها. إلا أنه يسهم في خلق أشكال من الحياة به فهو يمثل مخزنا للغذاء -كما وصفه بعض الباحثين- استطاع الإنسان أن يستغله منذ أزمان سحيقة كما أنه كان طريقا ركبه الإنسان منذ مراحل حضارته المبكرة. فقد شهد بحر إيجة مثلا ملاحة ساحلية منذ فترة ترجع إلى الألف الثالثة قبل الميلاد كذلك فإن معرفة وانتشار الكثير من المخترعات خلال العصرين الحجري والبرونزي جاءت إلى سواحل البحر بادئة من سواحل إيجة واستمرت حتى وصلت إلى بريطانيا. وفي المحيط بحر الشمال وكذلك في المياه المحيطية باليابان وعلى شطوط نيوفولاند توجد مناطق غنية بثروتها السمكية، التي تغذت عليها الشعوب على امتداد قرون عديدة. ونتيجة لذلك فقد أدى استغلال البحر إلى خلق مهن تعكس في الواقع الظروف الطبيعية في الأقاليم الساحلية.

стр. 480

الباب الثامن: سكان العالم الفصل الأول: توزيع السكان في العالم مدخل ... الفَصلُ الأول: توزيع السّكان فِي العالم: يتوزع سكان العالم البالغ عددهم ٤٤٩٢ مليون نسمة في سنة ١٩٨١ على سطح اليابس الذي تبلغ مساحته ١٤٣ مليون كيلو متر مربع، ويتباين توزيعهم من قارة إلى أخرى بل وفي داخل القارة الواحدة حيث تتميز بعض المناطق بتركز سكاني شديد والبعض الآخر بندرة سكانية واضحة، وكقاعدة عامة فإن توزيع السكان على سطح الأرض يعد توزيعا غير متجانس سواء في التوزيع العددي المطلق أو في نسبته أو كثافته. وتوضح الأرقام التالية صورة التوزيع السكاني على مستوى القارات سنة ١٩٨١: القارة عدد السكان بالمليون %من سكان العالم آسيا "بدون الاتحاد السوفيتي" ٢٦٠٨ ٥٨.١ أوروبا "بدون الاتحاد السوفيتي" ٤٨٦ ١٠.٨ أفريقيا ٤٨٦ ١٠.٨ أمريكا اللاتينية ٣٦٦ ٨.١ أمريكا الشمالية ٢٥٤ ٥.٧ الأوقيانوسية ٢٣ ٠.٥ الاتحاد السوفيتي ٢٦٨ ٦.٠ الجملة ٤٤٩٢ ١٠٠% ويبدو من هذه الأرقام أن معظم سكان العالم يتركزون في العالم القديم، حيث تضم قارتا آسيا وأوروبا مجتمعتين ما يصل إلى ٧٠% من سكان العالم، بل إن قارة آسيا بمفردها تضم أكثر من النصف، أما أوروبا بما فيها الاتحاد

стр. 481

السوفيتي فيعيش فيها عدد يفوق مثيله في العالم الجديد ويقطن أفريقيا عشر سكان العالم، أما العالم الجديد -أي الأمريكتين- فيعيش به نحو ١٤% فقط. ويبدو التباين في توزيع السكان وكثافتهم على مستوى الدول بوضوح، ففي قارة آسيا بما فيها الاتحاد السوفيتي، توجد خمس دول يعيش بها ٢٢٠٨ مليون نسمة -أي نصف سكان العالم بأسره سنة ١٩٨١، وهذه الدول هي جمهورية الصين الشعبية "٩٨٥ مليون نسمة" والهند "٦٨٨ مليون" والاتحاد السوفيتي "٢٦٨ مليون" وإندونيسيا "١٤٩ مليون" واليابان "١١٨ مليون"، وعلى النقيض تماما من ذلك فإن قارة أفريقيا يعيش بها ٤٨٦ مليون نسمة يتوزعون على ٥٥ دولة وهم دول القارة وبمتوسط حسابي يصل إلى حوالي ٨ ملايين نسمة فقط للدولة الواحدة، وكقاعدة عامة فإنه في الوقت الذي يتركز فيه نصف سكان العالم في الدول الخمس المذكورة سالفا، فإن النصف الآخر يتوزع على ١٩٥ دولة ووحدة سياسية من دول العالم. ونورد هنا الدول العشرين الأولى في حجم السكان في العالم سنة ١٩٨١: الدولة عدد السكان بالمليون ١- الصين الشعبية ٩٨٥ ٢- الهند ٦٨٨ ٣- الاتحاد السوفيتي ٢٦٨ ٤- الولايات المتحدة ٢٣٠ ٥- إندونيسيا ١٤٩ ٦- البرازيل ١٢١ ٧- اليابان ١١٨ ٨- بنجلاديش ٩٣ ٩- باكستان ٨٩ ١٠- نيجيريا ٨٠ ١١- المكسيك ٦٩ ١٢- ألمانيا الغربية ٦١ ١٣- إيطاليا ٥٧ ١٤- بريطانيا ٥٦

стр. 482

١٥- فرنسا ٥٤ ١٦- فيتنام ٥٥ ١٧- الفلبين ٤٨ ١٨- تايلاند ٤٨ ١٩- تركيا ٤٦ ٢٠- مصر ٤٣ ويعيش في هذه الدول العشرين أكثر قليلا من ثلاثة مليارات من السكان أي ما يعادل ثلاثة أرباع سكان العالم، أما الربع الباقي من السكان فيتوزع على حوالي ١٨٠ دولة ووحدة سياسية أخرى. وتبين الأرقام التالية التوزيع الكلي لعدد دول العالم حسب فئات الحجم السكاني لها: الفئة بالمليون عدد الدول ٢٥٠ مليون نسمة فأكثر ٣ ١٠٠ - ٢٥٠ ٤ ٥٠ - ١٠٠ ٨ ٢٥ - ٥٠ ١٥ ١٠ - ٢٥ ٢٦ ٥ - ١٠ ١٧ ١ - ٥ ٤٤ أقل من مليون ٧٢ الجملة ١٩٩ وإذا كانت دول العالم تتباين حسب حجم السكان بكل منها فإنها تختلف أيضا حسب مستوى التقدم الحضاري الذي يعكسه متوسط نصيب الفرد من الخدمات والدخل القومي، ويمكن أن ينقسم العالم -بصفة عامة- في هذا المجال إلى قسمين غير متساويين أحدهما يتمثل في الدول المتقدمة Developed Countries والآخر في الدول النامية -أو دول العالم الثالث- Developing Countries

стр. 483

ويتوزع سكان العالم على هذين النمطين بالصورة التالية سنة ١٩٧٩: سكان الدول المتقدمة ١٢٣٨ مليون نسمة بنسبة ٢٥.٥% سكان الدول النامية ٣٢٩٢ مليون نسمة بنسبة ٧٤.٥% ومعنى ذلك أن الدول المتقدمة يعيش بها نحو ربع سكان العالم بينما الدول النامية تحظى بالنسبة الكبرى حيث يعيش بها ثلاثة أرباع سكان العالم.

стр. 484

مقاييس كثافة السكان وتوزيعهم مدخل ... مقاييس كثافة السكان وتوزيعهم: يهتم دارس السكان بمعرفة حجم السكان في مساحة محددة؛ وذلك بهدف تحليل صورة التوزيع السكاني في الدولة أو في الإقليم أو المحافظة أو حتى المركز الإداري؛ وذلك لأن توزيع السكان لا يتوزع بانتظام في المجتمعات المختلفة، ويرتبط ذلك بعدد من العوامل الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والتي يختلف كل منها في أهميته النسبية من مكان لآخر، وتتداخل هذه العوامل مع بعضها البعض في شكل مترابط ومعقد في معظم الأحوال في تحديد تركز السكان في مجتمع ما وتشتتهم في مجتمع آخر حتى يبدو سكان منطقة ما نتاجا للتفاعل بين النظم الحضارية وباقي النظم الأخرى في المجتمع. ويلجأ الباحث السكاني في محاولة للوصول إلى تحديد رقم معين يبين العلاقة العددية بين السكان والمساحة التي يعيشون فيها إلى استخدام بعض المقاييس البسيطة على النحو التالي:

стр. 485

أ- الكثافة الحسابية أو الخام Crude Density: وهي أبسط أنواع المقاييس المستخدمة في دراسات السكان وتعني ببساطة جملة عدد السكان في وحدة مساحية معينة وتأخذ بذلك الصيغة التالية: جملة عدد السكان في منطقة ما المساحة الكلية لهذه المنطقة مثال: كثافة السكان في مصر سنة ١٩٧٦= ٣٨٢٢٨٠٠٠ = ٣٨ نسمة في الكيلو متر المربع ١٠٠١٤٤٩

стр. 486

وهذا النوع من الكثافة الخام لا يعطي إلا فكرة بسيطة عن مدى تركز السكان في الإقليم، وتتناسب فائدته تناسبا عكسيا مع حجم المساحة الأرضية فكلما كبرت المساحة كلما كان مدلول الكثافة الخام سطحيا وعاما، ومن هنا فإن قيمتها تبدو في مقارنة المناطق الصغيرة المساحة والمتجانسة في ظروفها الطبيعية والاقتصادية مثل مقارنة كثافة السكان في قرى مصر أو مراكزها وأقسامها الإدارية أو محافظاتها في وادي النيل والدلتا حيث تكون الفروق البيئية والبشرية قليلة، وعلى العموم فإن كثافة السكان الخام لا يمكن النظر إليها على أنها مقياس ضغط سكاني حيث إنها لا تعبر عن علاقات وظيفية بين السكان والمساحة التي يشغلونها ومن ثم فهي ذات أهمية قليلة في دراسة العلاقة بين السكان والموارد.

стр. 487

ب- الكثافة الفيزيولوجية Physiological Density: أدت العيوب المرتبطة بالكثافة الخام للسكان إلى محاولة تنقية كل من البسط أو المقام في هذه النسبة أو تنقيتهما معا، ومن ثم محاولة قصر المقام على الأراضي المأهولة بالسكان فقط دون اعتبار للأراضي غير المسكونة أو الخالية من السكان، وبهذا يمكن حساب كثافة السكان في الأراضي الزراعية فقط والتي تعرف بالكثافة الفيزيولوجية وتكون صيغتها حينئذ كالتالي: جملة عدد السكان في منطقة ما مساحة الأراضي الزراعية في هذه المنطقة ٣٨٢٢٨٠٠٠ مثال: الكثافة الفيزيولجية في مصر سنة ١٩٧٦: = = ٣٥٥٨٠ ١٠٧٤ نسمة في الكيلو متر المربع. ومن هنا فإن حساب الكثافة الفيزيولوجية يستبعد تماما الأراضي الصحراوية والأراضي البور التي لم تستغل في الزراعة ومعنى ذلك أننا ننسب حجم السكان إلى مساحة الأرض الزراعية المنتجة وليس إلى المساحة الكلية للارض أيا كانت. والكثافة الفيزيولوجية تفوق الكثافة الخام للسكان دائما وتعد مصر من

стр. 488

الأمثلة التقليدية على ذلك في الدراسات السكانية، حيث يسكن ٩٩% من جملة سكانها البالغ عددهم ٣٨٢٢٨٠٠٠ نسمة -في تعداد ١٩٧٦- في مساحة تصل إلى ٣٥٥٨ كيلو مترا مربعا أي بنسبة ٣.٥% من جملة مساحتها التي تبلغ ١.٠٠١.٤٤٩ كيلو مترا مربعا، ولذلك فإن الكثافة الخام لسكان مصر تصل إلى ٣٨ نسمة في الكيلو متر المربع، بينما تقفز الكثافة الفيزيولوجية إلى ١٠٧٤ نسمة في الكيلو متر المربع، وتعد في الواقع من أعلى الكثافات في دول العالم. وليس ذلك فقط بل إنها في تزايد مستمر كما تبين الأرقام التالية في الجدول رقم"١". جدول رقم"١" كثافة السكان في مصر سنة الكثافة الخام الكثافة الفيزيولوجية التعداد نسمة في الكيلو متر المربع نسمة في الكيلو متر المربع ١٨٨٢ ٧ ١٩٦ ١٨٩٧ ١٠ ٢٨٠ ١٩٠٧ ١١ ٣٢٥ ١٩١٧ ١٣ ٣٧١ ١٩٢٧ ١٤ ٤١٠ ١٩٣٧ ١٦ ٤٦٦ ١٩٤٧ ١٩ ٥٤٦ ١٩٦٠ ٢٦ ٧٣٣ ١٩٦٦ ٣٠ ٨٤٥ ١٩٧٦ ٣٨ ١٠٧٤ ورغم أهمية الكثافة الفيزيولوجية فإنه ينبغي التعامل معها بحذر ذلك لأن الأراضي غير الزراعية -والتي لا تدخل في المقام- قد تكون مستغلة في أوجه نشاط اقتصادي آخر مثل التعدين أو الغابات أو المراعي وغير ذلك وبالإضافة إلى ذلك فإن الأراضي الزراعية التي ينسب إليها عدد السكان تتباين في قدراتها الإنتاجية سواء في نوع المحاصيل المنزرعة وقيمتها وعدد المواسم الزراعية في السنة الواحدة وغير ذلك، كذلك فإن السكان يختلفون مهنيا وثقافيا

стр. 489

وحضاريا مما يصعب معه الوصول إلى صورة دقيقة للعلاقة بين توزيع السكان والأرض الزراعية، ومع ذلك فإن الكثافة الفيزيولوجية تعد تطويرا للكثافة الخام وتعطي صورة أفضل لهذه العلاقة.

стр. 490

أنماط التوزيع السكاني في العالم مدخل ... أنماط التوزيع السكاني في العالم يبدو واضحا من دراسة خريطة توزيع السكان في العالم أنها تتباين تباينا كبيرا من قارة لأخرى "الشكل التالي"، كذلك فإن مدى التباين في داخل القارة الواحدة كبير هو الآخر، ففي أمريكا الشمالية توجد أكثف المناطق في وسط شرقها، وفي أمريكا الجنوبية توجد في منطقة البمبا وجنوب شرق البرازيل وبعض نويات العمران في المرتفعات الغربية وفي أفريقيا تتمثل بؤرات التركز السكاني في مصر ونيجيريا أما في أوروبا فإن الإقليم الشمالي الغربي بها هو أكثف الأقاليم على الإطلاق خاصة في تلك المساحة الممتدة من الجزر البريطانية إلى وسط ألمانيا وتتمثل مناطق الكثافة العالية في الاتحاد السوفيتي في منطقة أوكرانيا، أما آسيا فإن أقاليمها الشرقية والجنوبية تعد أكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان، وفي استراليا يعيش معظم السكان في الجنوب الشرقي قرب السواحل. وبالرغم من أن العالم يمكن تقسيمه إلى عدة مناطق متفاوتة في درجة الكثافة والتوزيع العددي للسكان بها، إلا أنه يمكن النظر إلى صورة التوزيع السكاني على الأرض من خلال نطاقين رئيسيين أحدهما يتميز بالتشتت والتبعثر والآخر بالتركز والازدحام، وفيما بينهما توجد مناطق انتقالية تعد امتدادا لكلا النطاقين.

стр. 491

أقاليم التوزيع السكاني المبعثر: تعد المناطق الجافة والغطاءات القطبية والجبال المرتفعة والغابات الكثيفة أقاليم التبعثر السكاني على خريطة العالم فتبدو الصحاري مناطق بيضاء شاسعة على خريطة السكان لندرة المياه وبالتالي ندرة الحياتين النباتية والحيوانية وهناك إقليمان صحراويان شاسعان في نطاق الرياح التجارية في كل من نصفي الكرة وإن كانت صحراء النصف الشمالي أكبر بكثير من مثيلتها

стр. 492

في النصف الجنوبي. ولا يتوزع السكان في هذه الصحاري إلا في جيوب منعزلة حيث تتوفر المياه كما في مصر، التي تبدو كواحة طويلة تعتمد على شكل "١٤٧" توزيع السكان في العالم

стр. 493

مياه النيل وهي بالرغم من كثافة السكان العالية بها فإنها لا تمثل إلا منطقة ضئيلة للتركز السكاني في الصحاري؛ ذلك لأن الصحاري بصفة عامة تعد أقل مناطق العالم كثافة للغاية حتى إن بعض مناطقها تصل الكثافة بها إلى فرد واحد لكل عشرة كيلو مترات مربعة ومع ذلك ففي بعض الواحات يتركز السكان بدرجة عالية من الكثافة لا تتمشى مع مواردها المحلية، ويحدث ذلك عندما توجد المياه بكميات وفيرة. وتساعد الأمطار التي تسقط في بعض المناطق الجافة على قيام حياة رعوية تمد أعدادا قليلة من السكان باحتياجاتهم الرئيسية، ففي إستبس القرغيز تتفوق أعداد الحيوانات على عدد السكان وحتى على حواف الصحراء الاسترالية فإن القطعان الضخمة من الأغنام التي تزيد على ٥٠.٠٠٠ رأس لا تتطلب سوى عمل حوالي ١٥ شخصا فقط. وفي بعض الحالات القليلة يجذب استخراج المعادن السكان إلى قلب الصحراء حيث تنشأ مدن صغيرة تعدينية في هذه البيئة القاحلة وحيث يعتمد العاملون في هذه المدن على جلب احتياجاتهم من الغذاء والماء من خارج هذه البيئة. وقد ساعد التعدين على خلق مدن صحراوية وتضخمها مثل تعدين الذهب في الصحراء الاسترالية "كالجورلي" والولايات المتحدة "كربيل كريك Cripple Creek" كذلك في قلب صحراء شبه الجزيرة العربية ساعد استخراج النفط على قيام مراكز عمرانية مشابهة تعتمد على الخارج. أما البرودة فإن تأثيرها على توزيع السكان أقل من الجفاف ومع ذلك فإن شعوب القنص والصيد البدائية في النطاق القطبي قليلة العدد وتقل أعدادهم بالاتجاه شمالا حتى إن عددا قليلا من الإسكيمو الذين يصيدون عجول البحر لديهم القدرة على اختراق الأصقاع الشمالية حتى خط عرض ٥٤ - ٨١ شمالا. أما في نصف الكرة الجنوبي فإن العمران البشري يبتعد كثيرا عن القطب الجنوبي حيث تبتعد تيراد لفويجو عن القارة المتجمدة الجنوبية بحوالي ٦٠٠ أو ٨٠٠ كيلو متر. وتتمثل مناطق التركز البشري في الشمال البارد لدى بعض الجماعات مثل الإسكيمو واللاب والصامويد وغيرها، ولا يتجاوز عدد السكان شمال خط عرض ٦٥ درجة شمالا مليون نسمة فقط وتبلغ مساحة النطاق القطبي وشبه القطبي

стр. 494

قرابة ٢٧ مليون كيلو متر مربع، ومن هذا النطاق ألاسكا ومساحتها ١.٦ مليون كيلو متر مربع وسكانها ١٣٠.٠٠٠ نسمة وشمال كندا ومساحتها ٦ ملايين كيلو متر مربع وسكانه أقل من ١٠٠.٠٠٠ نسمة وجرينلندا ومساحتها ٢.٢ مليون كيلو متر مربع وسكانها ٢٥.٠٠٠ نسمة والنطاق القطبي السوفيتي ومساحته ٦ ملايين كيلو متر مربع وسكانه قرابة نصف مليون نسمة وانتاركتيكا في الجنوب ومساحتها ١٢ مليون كيلو متر مربع ولا يسكنها إلا عدد محدود من علماء الأرصاد الجوية وبعض رجال القواعد العسكرية ومعنى ذلك أن حوالي ٢٠% من جملة مساحة اليابس لا يقطنه سوى ٠.٠٢% من جملة سكان العالم١. وترجع ندرة السكان في النطاقات القطبية إلى قسوة مناخها وعدم ملاءمة الظروف الفسيولوجية للجسم البشري في الأحوال العادية فهذه المناطق تعد أقاليم شتاء دائم ولا يتعدى أكثر الشهور حرارة بها ١٠ درجات مئوية فوق الصفر وتظل الحرارة من - ٣٠ درجة إلى - ٦٠ درجة مئوية في معظم شهور السنة. أما في الجبال فيقل عدد السكان بالارتفاع، ولذا فإن الجبال الشاهقة غير معمورة دائما فلا يعيش في هضبة التبت سكان على مستويات أعلى من ١٥٠٠٠ قدم وفي سويسرة فإن المناطق التي تعلو على ٣٣٠٠ قدم لا تحوي سوى ٥% فقط من جملة سكان البلاد والمناطق التي تزيد على ٥٠٠٠ قدم لا يعيش بها سوى ٠.٥% من السكان. وفي البيئة الباردة فإن عدد السكان يتناقص في مناسيب ارتفاعات أقل من البيئات الأخرى ففي سكوتلاند وويلز تبدأ ندرة السكان على ارتفاع عدة مئات من الأقدام عن سطح البحر وعلى ذلك فإن الجبال تتباين في دورها في توزيع السكان حسب العروض التي توجد بها حيث يتركز السكان في المناسيب التي تلائم ظروفها الطبيعية معيشتهم وقد يكون استخراج المعادن من المناطق الجبلية المرتفعة سببا في جذب السكان وتركزهم في هذه المرتفعات ففي بيرو يتم استخراج المعادن الثمينة في مدينة سيرودي باسكو Cerro de Pasco "١٤٢٧٠ قدم وبوتوسي Potosi "١٣٣٥٠ قدم" وأورورو Ouroro "١٢٣٥٠ قدم".

стр. 495

كذلك فإن هناك مناطق جبلية لعبت دورا هاما في جذب اللاجئين إليها وأدى ذلك إلى ارتفاع الكثافة السكانية بصورة غير عادية كما في جبال القبائل في الجزائر وجبال الألب الترانسلفانية ومع كل ذلك فإنه رغم جذب الجبال في بعض الأقاليم للسكان فإنها تدخل ضمن المناطق المبعثرة على خريطة السكان في العالم. أما المناطق الغابية فيصعب إقامة مراكز عمرانية بها وكانت غابات النطاق المعتدل خالية من السكان يوما ما، واليوم فإن غابات الأمازون الشاسعة لا يوجد بها إلا عدد قليل للغاية من السكان نسبيا بالمقارنة مع المناطق المرتفعة الخالية من الغابات والتي تتراوح كثافة السكان بها من ٨٠ - ١٠٠ نسمة في الميل المربع، ويمكن ملاحظة نفس التناقض في الفلبين حيث تكون الجبال المغطاة بالغابات غير مسكونة بينما تكون السهول الخالية من الغابات والتي تسود فيها الزراعة كثيفة السكان. وتتميز كل هذه الأقاليم المبعثرة السكان بملمح مشترك هو العمران غير المنتظم ذو النمط المشتت Sporadic ومثل هذا التبعثر يجعل من الحديث عن الكثافة أمرا غير ذي معنى وذلك لأن هناك مساحات واسعة غير مسكونة على الإطلاق، بينما توجد نقط صغيرة هي التي يتركز فيها السكان وأحسن الأمثلة على ذلك تلك البؤرات الكثيفة السكان الممثلة في الواحات المبعثرة في صحاري أفريقيا وغرب آسيا وهذه مناطق تتصف بمزايا تعوضها عن الجفاف البيئي فهي ذات تربات خصبة فيضية منقولة أو محلية وبمناخ مشمس ودافئ أو بتوافر مورد للمياه وهي سمات يتميز بها نطاق الواحات الذي يمتد من البنجاب حتى بكتريانا "Bactriana" شمال أفغانستان وفي غرب آسيا من العراق حتى ساحل سوريا ولبنان "الهلال الخصيب" وفي مصر التي عرفت الزراعة منذ عهود قديمة وشهدت ثورة اقتصادية في القرن التاسع عشر تمخضت عنها زيادة ضخمة في عدد السكان من ٤.٤ مليون نسمة سنة ١٨٤٦ إلى ١٤ مليونا ١٩٢٧ ثم إلى ٣٨ مليونا ١٩٧٦.
следующие страницы →