و"الخلاص" في لغة العرب. ما أخلصته النار من الذهب والفضة والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع، ويقولون: خالصُه في العشرة صافاه١.
وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً﴾ ٢ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.
وقال تعالى في إخوة يوسف: ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ ٣. أي: انفردوا وتميزوا عمن سواهم. وقال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ٤ أي: لا يشركهم الإناث.
وأما حقيقة الإخلاص في الشرع:
فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "فحقيقة الإخلاص: التبرِّي عن كل ما دون الله تعالى"٥.
وعرَّفه أبو القاسم القشيري٦: بأنه "إفراد الحق ـ سبحانه ـ وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقريب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله "٧.
وقال في موضع آخر: "يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين"٨.
стр. 177
وعرفه العز بن عبد السلام قائلاً: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيماً من الناس ولا توقيراً، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي"١.
وقال سهل بن عبد الله٢: "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله ـ تعالى ـ خالصة"٣.
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض"٤.
وقد ذكر الإمام ابن القيم؛ ما يقارب ثلاثة عشر تعريفاً للإخلاص٥ وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر إلى غير ذلك من أعراض الدنيا٦.
وقد بين ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان قال رحمه الله تعالى:
"فحقيقة الإخلاص": توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالإستسلام المحض للمتابعة، فهذه الأركان الثلاثة هي: أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر فسيره، إما إلى عكس جهة مقصودة، وإما سير المقعد والمقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى الخلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة: فذاك الذي لا يجارى في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم٧
стр. 178
ولأهمية الإخلاص في توحيد العبادة كان أحد ركنيه، والصدق ركنه الآخر.
قال العلامة ابن القيم:
فلو أحدكن واحداً في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
هذا وثاني التوحيد ... توحيد العبادة منك للرحمن
فنقوم بالإخلاص والإحسان ... في سر وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك ... التوحيد كالركنين للبنيان١
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والستة، وكثرت أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
"فهذه الآية فيها توجيه من الله ـ تعالى ـ لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله ـ تعالى ـ بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى"٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٤.
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٥، فلا يمكن أن يكون العمل خالصاً إلا إذا جرد
стр. 179
الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١.
فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباءً منثوراً ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٢، والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله ـ وحده ـ لا شريك له كثيرة جداً في كتاب الله ـ تعالى ـ وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهراً، وباطناً.
والقرآن الكريم عندما يطلق اسم "الإخلاص" لا يريد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه فلا يقصد بعبادته ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا يعبد شجراً، ولا حجراً، ولا شمساً، ولا قمراً، الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعاً فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
وقد أكدت السنة على أهمية الإخلاص في عبادة الله تعالى في أحاديث كثيرة منها:
١ ـ ما رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : عن الرجل يقاتل رياءً ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٤.
فقد بين ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه
стр. 180
رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو يقاتل حمية كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ ـ وروى الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"١.
قال العلامة ابن القيم: "أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلاَّ، ودغلاً، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول"٢.
٣ ـ وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله ـ تعالى ـ زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته.
دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي ... وفيه فقلت: يا رسول الله أخلَّف بعد أصحابي قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ... " الحديث٣.
٤ ـ وأخبر ﵊ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار "قارئ القرآن والمجاهد، والمتصدق بماله"٤.
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله ـ تعالى ـ فكانوا من
стр. 181
أصحاب النار لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك.
كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي تركته وشركه" ١.
فعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله التي يتقرب بها إلى الله ـ جل وعلا ـ وأن يحاول جاهداً أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أمر النية شديد".
وقال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي لأنها تنقلب عليَّ".
وقال يوسف بن أسباط: "تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد".
وقال سهل بن عبد الله التستري: "وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب".
وقال يوسف بن الحسين: "أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"٢ فالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له وبعلل الأعمال، وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابه أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله ـ تعالى ـ وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته كما جاء من حديث أبي هريرة ﵁ أن
стр. 182
رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١.
فصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله ـ تعالى ـ أما العمل إذا كان مقصوداً به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية ويفضح الله سريرة صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله ـ تعالى ـ فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.
برهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٢.
ولا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب قال رحمه الله تعالى: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فاقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله ـ وحده ـ خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد منها شيئاً سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين إلا الله ـ وحده ـ كما قال ذلك الأعرابي للنبي إن مدحي زين، وذمي
стр. 183
شين، فقال ذلك الله ١ فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ اهـ ٣.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور بأن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولا بد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله خالصاً لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاءاً ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاءاً ولا غير دعاء" ٤.
стр. 184
المبحث الرابع: عبودية الدعاء
قبل أن نبدأ بعرض الآيات الواردة في السورة التي تبين أن الدعاء عبادة لا يستحقها إلا الله ـ جل وعلا ـ نذكر معنى الدعاء في اللغة والشرع ليتضح مفهومه أكثر.
أما الدعاء في اللغة:
فقد جاء في الصحاح للجوهري١: "ودعوت فلاناً أي: صحت به واستدعيته ودعوت الله له وعليه دعاءاً، والدعوة المرة الواحدة والدعاء واحد الأدعية" اهـ٢.
وجاء في القاموس: الدعاء الرغبة إلى الله ـ تعالى ـ اهـ٣.
وقال في المصباح: "دعوت الله أدعوه دعاءاً ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله"٤.
وأما الدعاء في الشرع:
فإنه يؤخذ من التعاريف اللغوية وهو: الإتجاه إلى الله ـ تعالى ـ بطلب نفع أو دفع ضر، أو رفع بلاء، أو النصر على عدو، أو نحو ذلك.
فهذا الاتجاه بالسؤال المنبعث من القلب لله ـ تعالى ـ هو روح العبادة ومخها كما ورد بذلك قول المصطفى ﷺ : "الدعاء هو العبادة"٥.
стр. 185
فيتبين من تعريف الدعاء في اللغة والشرع أن الدعاء في الأصل هو الطلب ويطلق على العبادة، وقد دلت السورة على أن الدعاء عبادة وأنه لله ـ وحده ـ لا شريك له في آيتين منها: ـ
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لله أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
فالآيتان الأوليان من هذه الآيات الأربع بين الله تعالى فيهما أن العبد إذا نزل به البلاء وأحاطت به المحن جأر إلى الله وفزع إليه بالدعاء لما تقرر في فطرته أنه لا يكشف ما به من البلاء والمحن إلا الله ـ تعالى ـ الذي أوجده من قبل ولم يك شيئاً، ثم إنهما توضحان ما تنطوي عليه تلك الفطرة، وما يعتريها من التغيرات والتقلبات في حالتي الشدة والرخاء.
فالآية الأولى: وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ الآية يخبر الله تعالى فيها عن كرمه وإحسانه وبره بعبده وقلة شكر عبده على ذلك وأنه حين يمسه الضر من المرض، أو الفقر، أو الوقوع في الكربات يعلم أنه لا ينجيه ولا ينقذه منها إلا الله فيدعوه ملحاً متضرعاً منيباً، ويستغيث به في كشف ما نزل به ويلح في ذلك فإذا ما أنعم الله عليه بكشف ما نزل به من الضر والكرب نسي ذلك الذي دعا الله من أجله ومر كأنه لم يصبه شيء فرجع إلى الشرك بأن جعل لله الأنداد وهم الشركاء والأمثال والأشباه فضل بنفسه وأضل غيره لأن إضلاله لغيره متولد وناتج عن ضلاله. ثم أمر الله نبيه بأن يقول لمن اشتهر بهذا العتو، وهو تبديل نعمة الله كفراً ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فلا ينفعه ما يتمتع به في هذه الدنيا من الأموال وسائر النعم إذا كان المآل هو النار١.
стр. 186
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وهذه الآية أيضاً: كسابقتها تبين أن العبد حين يصاب بالشدة والبلاء تقوى صلته بربه في هذه الحال فيدعوه ويضرع إليه أن يزيل عنه ما حل به من الكوارث وينيب إليه إنابة صادقة ويتجلى أمام عينيه الصراط المستقيم ويعلم علم يقين أن كل ما سوى الله من الأنداد والأوثان والأصنام وغيرها من المخلوقات ليس لهم القدرة على كشف ما به، فعند ذلك يلجأ إلى الله ويفيق من ظلمات الجهل وركام الشرك وينقشع عنه كل ما يخالجه من الأوهام الباطلة فيتجه إلى الله بالدعاء الخالص واللجوء الصحيح ويكفر بكل ما سوى الله ـ تعالى ـ من الشركاء والشفعاء المزعومين.
أما إذا ذهب عنه الضر وحل به الرخاء وخوله الله بشتى النعم فإن حاله ينعكس غالباً وهنا يدنس فطرته التي كانت قد استيقظت في حالة الشدة فيلبسها لباس الشرك وينسى توحيده لربه وإنابته إليه وتطلعه إليه في إزالة ما به من الفقر والمرض وسائر أنواع الكرب فيبدأ بالكفر بنعم الله وينسبها إلى نفسه وأنها إنما جاءت إليه لذكائه ودقة حيلته ويكفر بربه الذي هو مصدر كل النعم.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
قال الحافظ ابن كثير: "يخبر تعالى أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى الله وينيب إليه، ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ لعلم الله بي بأنني أستحق ذلك ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا. قال قتادة: على علم عندي قال الله : ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علم الله المتقدم بذلك فهي فتنة أي اختبار: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا يدعون ما يدعون ويقولون ما يقولون" اهـ١.
فيجب على الإنسان أن يعلم أن كل ما به من نعمة فهي من الله ـ تعالى ـ وأنه ليس له حول ولا قوة في جر النفع إلى نفسه أو دفع الضر عنها والإنسان عندما ينسب النعم التي حباه
стр. 187
الله بها إلى نفسه وأنها إنما جاءت إليه بحيلته وذكائه وخبرته الفائقة بوجوه المكاسب لا شك أن ذلك جحد لنعم الله وهو يؤدي إلى الكفر بالمنعم الذي هو الله ـ تعالى ـ مصدر كل النعم، فيجب على العبد أن يعرف المنعم بذلك حتى يكون شاكراً لربه الرازق العليم.
وأما الآيتان الأخيرتان من الآيات المتقدمة وهما قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
فهاتان الآيتان تضمنتا التهديد والوعيد لمن ينسب نعم الله إلى نفسه وأن من زعم ذلك فإنما هو مقتدٍ بقارون الذي اغتر بكثرة ماله، وما أعطاه الله من أصناف النعم فكانت عاقبته النهائية أن خسف الله به وبداره الأرض فلم يجد معيناً ولا نصيراً يمنعه من بأس الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين فقوله تعالى ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية. أوضحت بأنه قد سبق من الأمم من زعم أنما آتاه الله المال لما يعلم الله تعالى من استحقاقه له ولولا أنه خصيص عند الله لما خوله الله تلك النعم فهذه المقالة المبغوضة عند الله ـ تعالى ـ بينت السورة أنها متداولة لدى الجبابرة من سائر الأمم يتوارثها الجاحدون لنعم الله ـ تعالى ـ كما أوضحت أن كسبهم لا يغني عنهم شيئاً من عقاب الله وأن وبال ذلك راجع عليهم كما أوضحت أن الظلمة من المخاطبين سيصيبهم ما أصاب الظالمين من الأمم قبلهم ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قال تعالى مخبراً عن قارون أنه قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.
وكون العبد ينسب نعم الله إلى نفسه وأنها وافته بفضل ما عنده من الحرص والذكاء وشدة الحيلة والعلم بوجوه المكاسب هذا من علامة الخذلان والعياذ بالله، والكفر بالله إذ الكفر بالنعمة كفر بالمنعم.
стр. 188
قال العلامة ابن القيم: " وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي، وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي على علم علمه الله عندي استحق به ذلك وأستوجبه واستأهله، قال الفراء: أي على فضل عندي أني كنت أهله ومستحقاً له إذ أعطيته، وقال مقاتل: يقول على خير علمه الله عندي. وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمان بن داود ﵊ فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله ـ تعالى ـ ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ١.
ولم يقل هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢ يعني: أن سليمان رأى ما أوتيه من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلي به فشكره، وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه. وكذلك قوله ـ سبحانه ـ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ٣ أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه.
والمؤمن يري ذلك ملكاً لربه وفضلاً منه من به على عبده من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده، وله أن لا يتصدق بها. فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئاً هو له يستحقه عليه، فإذا لم يشهد ذلك رأي فيه أهلاً ومستحقاً فأعجبته نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على غيرها فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ٤. فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذ كشف عنه البلاء قوله: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ ، ولو أنه قال: أذهب الله السيئات عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك، بل كان محموداً عليه ولكنه غفل عن المنعم بكشفها ونسب الذهاب إليها وفرح وافتخر فإذا علم الله ـ سبحانه ـ هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه
стр. 189
وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال تعالى: ١.
فأخبر ـ سبحانه ـ أن محلهم غير ق ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها"اهـ٢.
ومما ينبغي أن يعلم أن توسيع الرزق على بعض العباد ليس ذلك دليلاً على أنهم محبوبون عند الله ـ تعالى ـ كما أن تضييقه على بعضهم لا يدل على بغضهم فإن الدنيا يؤتيها الله من يحب ومن لا يحب فتوسيع الرزق إنما هو ابتلاء وامتحان منه ـ سبحانه ـ وتعالى لعبيده لينظر أيشكرونه أم يكفرونه؟ وفي ذلك عبرة للمعتبرين وحجة على المعاندين.
وبعد هذه اللمحة لبيان معنى الآيات الأربع المتقدمة التي جاء في بعضها التنبيه على عبودية الدعاء، نقول: إن الدعاء من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله وقد حث الله في كتابه العزيز على إخلاص الدعاء له وحده لا شريك له وبذلك جاءت السنة التي أوحاها الله إلى نبينا محمد ﷺ .
الدعاء نوعان:
١ ـ دعاء عبادة.
٢ـ دعاء مسألة.
ولفظ الدعاء في القرآن الكريم يراد به هذا تارة، وهذا تارة ويراد به مجموعهما وهما متلازمان كما سنوضح ذلك.
فأما دعاء العبادة: فهو التقرب إلى الله ـ تعالى ـ بأنواع العبادات من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج وغيرها خوفاً من عقاب الله وطمعاً في رحمته وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يرغب في حصول مطلوبه ويخاف على فواته هو سائل لما يطلبه بامتثال أمر الله ـ تعالى ـ.
стр. 190
وأما دعاء المسألة: فهو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه ومن يملك الضر والنفع هو المعبود حقاً، والمعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر١.
ولقد أنكر ـ الباري ـ سبحانه ـ على الذين يعبدون غيره ممن لا يملكون لعابديهم ضراً ولا نفعاً، وكثر أسلوب الإنكار في القرآن الكريم من أجل هذا.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ ٢.
فهذه الآية تضمنت الإنكار الشديد على عباد الأصنام والأنداد والأوثان وبداية الآية كما هو مشاهد أمر موجه للنبي ﷺ بأن يقول لعموم العابدين لغير الله ـ تعالى ـ من سائر بني آدم بما فيهم النصارى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، أما الله ـ جل وعلا ـ فإنه يسمع أقوالكم ويعلم أحوالكم فلم تعدلون عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه؟ ٣.
وقال تعالى زيادة في الإنكار على الذين يعبدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ٤ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ٦ وغيرها من الآيات كثير كلها تنفي عن المعبودين من دون الله النفع والضر القاصر والمتعدي فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم ضراً ولا نفعاً فالمعبود يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى على طريق الخوف، والرجاء دعاء العبادة ومن هذا يعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة يتضمن دعاء العبادة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٧.
стр. 191
فهذه الآية اشتملت على نوعي الدعاء وفسرت بهما معاً.
فقيل: أعطيه إذا سألني.
وقيل: أثيبه إذا عبدني١.
وكلا التفسيرين متلازمان "وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعاً فتأمله فإنه موضع عظيم النفع قل من يفطن له وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعداً هي من هذا القبيل"٢.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٣.
وهذه الآية فيها قولان للمفسرين:
الأول: قيل لولا دعاؤكم إياه.
الثاني: قيل لولا دعاؤه إياكم إلى عبادته٤.
فعلى القول الأول: يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، وعلى القول الثاني: يكون المصدر مضافاً إلى المفعول. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى ـ الأول٥ وعلى هذا فالمراد بلفظ الدعاء في الآية نوعا الدعاء وهو في دعاء العبادة أظهر والمعنى أي: ما يعبأ بكم لولا أنكم تعبدونه عبادة تستلزم طلبه وسؤاله.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦.
وهذه الآية أيضاً تضمنت نوعي الدعاء معاً إلا أنها في دعاء العبادة أظهر ولذلك جاء
стр. 192
التعقيب بعد الأمر بالدعاء فيها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
وقد روى الترمذي بإسناده إلى النعمان بن بشير رضي الله ـ تعالى ـ عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها دلت دلالة صريحة على أن نوعي الدعاء بينهما تلازم كما قدمنا ذلك قريباً، فينبغي للإنسان أن يكون على معرفة بهذا وأن يحققه جيداً حتى يستطيع الرد على القبوريين الذين يدعون أهل القبور من دون الله ـ تعالى ـ ويحتجون على من أنكر عليهم فعلهم ذلك بأن الدعاء الذي أمر الله بأن يكون خالصاً له وحده لا شريك له إنما هو دعاء العبادة وليس المسألة ويزعمون أن قوله ـ تعالى ـ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُو مَعَ الله أَحَداً﴾ ٢. أي لا تعبدوا مع الله غيره، والرد عليهم سهل ويسير فيقال لهم: سلمنا لكم جدلاً أن المراد به دعاء العبادة لكن لا يمنع ذلك من أن يدخل فيه دعاء المسألة لأن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة ويقال لهم أيضاً: إن الله ـ تعالى ـ أمر عباده بأن يدعوه دعاء مسألة في مواضع كثيرة من كتابه. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ فهذه الآية واضحة في دعاء المسألة، ويؤيد ذلك سبب نزولها وهو أنه ﷺ كان يدعو ربه فيقول مرة: "يا الله"، ومرة "يا رحمن" فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عبد الله عباس ﵄: "سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعوه مثنى مثنى"، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ٤ ومعنى هذه الآية الكريمة: الأمر للنبي ﷺ بأن يقول للمشركين الذين أنكروا صفة الرحمة لله المانعين من تسميته
стр. 193
"بالرحمن" ﴿ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي لا فرق بين دعائكم له باسم "الله" أو باسم "الرحمن" فإنه ذو الأسماء الحسنى.
وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١.
وهذه الآية تضمنت إرشاداً من الله لعباده بأن يدعوه تضرعاً وتذللاً لأن الدعاء فيه صلاح دنياهم وأخراهم، كما أنها تتناول نوعي الدعاء لكنها ظاهرة الدلالة في دعاء المسألة المتضمن دعاء العبادة ولهذا أمر ـ سبحانه ـ بإخفائه وإسراره٢. وقوله تعالى في هذه الآية ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فسر الاعتداء بتفسيرين:
١ ـ قيل: المراد إنه لا يحب المعتدين في الدعاء كالسائل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك. وقد جاء في سنن أبي داود رحمه الله تعالى عن عبد الله بن معقل أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء"٣.
وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة يكون بسؤال الله ما لا يجوز له سؤله كسؤاله العون على المعصية، وتارة يسأل الله سؤالاً لا يفعله كطلب الخلود إلى يوم القيامة أو يدفع عنه لوازم البشرية بأن يرفع عنه الحاجة إلى الطعام والشراب أو يطلعه على الغيب أو يجعله في المعصومين، أو يطلب من الله الولد من غير زوجة وغير ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله.
التفسير الثاني للآية: قيل الاعتداء برفع الصوت في الدعاء٤.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الآية تكون أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء في الدعاء هو المقصود بها فهو من جملة المراد: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٥ في كل شيء دعاء
стр. 194
كان أو غيره كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١ وعلى القول بعموم الآية فإن من أعظم الاعتداء أن يدعي غير الله تعالى من المخلوقين سواء أكان الدعاء يوجه إليه مباشرة أو يدعون الله بهم كل ذلك اعتداء لا يحبه الله تعالى، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها ومن الاعتداء أن يدعو الإنسان ربه ﵎ وهو غير مظهر للتضرع والتذلل فيكون دعاء هذا كدعاء المستغني المدل على ربه وهذا من الاعتداء الذي لا يحبه الله لمنافاته دعاء العبد المتذلل فمن لم يسأل ربه مسألة مسكين متضرع خائف فهو من المعتدين. كذلك من الاعتداء عبادة الله بما لم يشرعه ولا أذن فيه أو يثني على الله بما لم يثن به على نفسه. فذلك من الاعتداء في دعاء الثناء والعبادة وهو شبيه الاعتداء في دعاء المسألة والطلب قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين:
أحدهما: محبوب للرب ـ سبحانه ـ وهو الدعاء تضرعاً وخفية.
الثاني: مكروه له مسخوط وهو الاعتداء، فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير وهو لا يحب فاعله ومن لا يحبه الله فأي خير يناله ... إلى أن قال فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعاً وخفية، ومعتد بترك ذلك. اهـ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
والآيات كثيرة جداً في إثبات دعاء المسألة المتضمن دعاء العبادة ويكفينا منها هذا القدر الذي قدمنا ذكره وكلها فيها الرد الواضح على من ينكر عبودية دعاء المسألة ويكابر مناصرة لدعاء الموتى من أهل القبور، بزعمه أن الدعاء الوارد في القرآن إنما المراد به دعاء العبادة، ليسوغوا لأنفسهم سؤال غير الله ـ تعالى ـ ودعاء أهل القبور، وقد اعتبر القرآن دعاء غير الله ـ تعالى ـ من أبلغ الضلال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً
стр. 195
وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١. فالآية الأولى بينت أنه لا أضل ممن يدعو أحداً من دونه كائناً من كان وأن المدعو ليس لديه استجابة لما طلب منه من ميت أو غائب أو صنم أو وثن فالداعي لغير الله حظه من ذلك الخسران والخيبة، وأما الآية الثانية فقد بينت أنه إذا كان يوم القيامة فإن المعبود من دون الله يتبرأ ممن عبده ومن عبادته بل ينقلب له عدواً.
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فدلت أيضاً: أي الآية على أن دعاء غير الله عبادة له وأن الداعي له في غاية الضلال، وقد وقع من هذا الشرك في هذه الأمة ما طم وعم حتى أظهر الله من يبينه بعد أن كان مجهولاً عند الخاصة والعامة إلا من شاء الله ـ تعالى ـ وهو في الكتاب والسنة في غاية البيان لكن القلوب انصرفت إلى ما زين لها الشيطان" اهـ٢.
وهو كما قال ﵀ تعالى ـ فإن الشيطان زين لبعض المسلمين دعاء أهل القبور واللجوء إليهم عند الشدائد والإستغاثة بهم في الملمات، والناظر بعين البصيرة لما عليه القبوريون في أغلب الأقطار الإسلامية يقطع يقيناً بأنهم بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم فبدلاً من إتيانهم القبور للدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية لهم تجدهم يدعونهم ويسألونهم مطالب لا يقدر عليها إلا الله ـ تعالى ـ أو يدعون الله ـ تعالى ـ بهم بقصد القربى وأنهم يشفعون لهم عند الله ـ تعالى ـ ونسوا أن المقصود من زيارة القبور أمران:
الأمر الأول: تذكُّر الآخرة والإعتبار والإتعاظ وقد أشار إلى ذلك المصطفى ﵊ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكر الآخرة" ٣ وهذا من إحسان الحي إلى نفسه.
الأمر الثاني: الإحسان إلى الميت بالدعاء له بالرحمة والمغفرة كما كان يفعله ﷺ فإنه كان إذا زار أهل البقيع يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٤.
стр. 196
هذه هي الزيارة المشروعة التي يؤديها أهل التوحيد، وأما زيارة الذين أشربت قلوبهم بعبادة غير الله فإنهم يزعمون أن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومنزلة عند الله ـ تعالى ـ لا يزال تأتيه الألطاف من قبل الله ـ تعالى ـ وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وقربها منه يحصل لها الفيض من روح ذلك المزور ويكتسب من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس شعاع لمرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل، وقالوا لا تتم الزيارة إلا إذا توجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت وعكف بهمته إليه ووجه قصده وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره وكلما كان جمع همته وقلبه عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه به، والذي قرر هذه الزيارة الشركية على هذا النحو ابن سيناء والفارابي وغيرهما١ وهذا ما كان عليه عباد الكواكب وعباد الأصنام، ومن ثم تسلسل هذا الاعتقاد الباطل إلى عباد القبور فاتخذوها أعياداً، وعلقوا عليها الستور، فأوقدوا السرج عليها، وبنوا عليها المساجد والقباب وهذا ما قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحو أثره كلية وسد كل ذريعة تفضي إليه ولما عرف المشركون قصده وقفوا في طريقه وناقضوه في قصده وكان ﷺ في شق وهم في شق ولذلك كان القرآن ينزل بتكفيرهم ولعنهم وإباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء بالرد عليهم وإبطال كل معتقد لهم في ذلك.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله٢ بعد أن بين دعاء العبادة ودعاء المسألة:
"إذا تبين ذلك فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئاً من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين، وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة، وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا الله وهم مشركون ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعاً"٣.
стр. 197
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ـ تعالى ـ.
منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له ... " الحديث١.
وروى الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٢.
وإذا كان الدعاء من أجل العبادات وأكرمها على الله فهلاً ـ يعقل أولئك القبوريون الذين ينادون أهل القبور ويستغيثون بهم ويطلبون منهم المطالب التي لا يملكها إلا الله من جلب النفع ودفع الضر؟ وهلا ينتهي أولئك الضلال الذين يدعون أنهم أولياء فيقفون في طريق العوام يزينون لهم دعاء الأموات والإستغاثة بهم فيضلونهم ويصدونهم عن سبيل الله بل وصل الحد بمن يدعي الولاية أنه يضمن لتابعيه دخول الجنة والنجاة من النار وقد قال تعالى مخاطباً سيد الأولين والآخرين: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ فأين هؤلاء الجهلة من هذه الآية؟ فإذا كان سيد الأولين والآخرين لا يقدر على إنقاذ من حقت عليه كلمة العذاب فكيف يدعي أولئك العصاة أنهم يملكون ذلك فالواجب على كل مكلف أن يعرف ما لربه من الواجب عليه وأن يخلص له الدين حتى يكون من عباده الموحدين وليعلم أن ربه أوحى إلى نبيه بأن يأمر أمته أن يسألوا الله من فضله الذي عطاؤه لا ينفد وخزائنه ملآى لا تنضب كما في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٣. فلا يسأل إلا الله ولا يدعى إلا هو وحده لا شريك له لأن غير الله لا يقدر على الإعطاء والمنع
стр. 198
ورفع الضرر وجلب النفع لأن ذلك من خصائص الرب وقد حصر الرسول ﷺ العبادة في الدعاء فقال ﵊: "الدعاء هو العبادة" ١.
جاء في عون المعبود أي: "هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائماً بوجوب العبودية معترفاً بحق الربوبية عالماً بنعمة الإيجاد"٢. فهذه الأحاديث التي قدمنا ذكرها تدل على أن دعاء غير الله من ميت وغائب وحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع ودفع الضر أو تحويله هو الشرك بعينه بل ذلك من الشرك الأكبر إذ أن الداعي إنما يدعو الله إذ انقطع أمله مما سوى الله وذلك هو خلاصة التوحيد فمن دعا غير الله ـ تعالى ـ أو ناداه فقد سوى بينه وبين الله ـ تعالى ـ وذلك عين الشرك.
والناظر لحال بعض المسلمين اليوم من الذين ينادون أهل القبور ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم، ويذبحون لهم وينذرون لهم فإنه يرثي حالهم ويعلم تدهور العقيدة الصحيحة في قلوبهم، والموجب لهم ذلك أنهم عن كتاب ربهم معرضون وعن سنة رسوله ﷺ غافلون، وبسبب ذلك فعلوا فعل المشركين الذين كانوا يدَّعون أنهم ما يعبدون الآلهة إلا لكي تشفع لهم عند الله، وهذا ما وقع فيه جهلة المسلمين من الخضوع والتذلل عند القبور، ويطلبون من أصحابها مطالب لا يقدر عليها إلا الله تعالى. .
وعندما يشاهد الإنسان الذي عرف العقيدة الصحيحة بعض المفتونين من القبوريين الذين ينادون أهلها الذين لا يملكون لغيرهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يتساءل عن الذي جعلهم يعضون على فعلهم ذلك المنكر الشنيع الذي يجعل فاعله هو وعبدة الأصنام على حد سواء في دعوتهم غير الله ـ تعالى ـ والسبب الذي دفعهم إلى ذلك يتمثل في الأمور الآتية:
١ ـ جهلهم أولاً: بحقيقة ما أرسل الله به رسوله ﵊، بل جهلهم بما دعا إليه جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من تحقيق التوحيد، وقطع كل صلة تؤدي إلى
стр. 199
الشرك بالله العظيم فكان حظهم من ذلك قليلاً، فدعاهم الشيطان إلى تلك الفتنة لأنه لا يوجد عندهم من العلم ما يدحضون به دعوته فاستجابوا لدعوته بقدر ما عندهم من الجهل وعصموا بحسب ما عندهم من العلم.
٢ ـ ومن الأسباب التي جعلتهم يدعون أهل القبور الأحاديث المكذوبة المختلفة التي وضعها على الرسول ﷺ أمثال عباد الأصنام من القبوريين لمناقضة دين الإسلام وزعزعة العقيدة المحمدية من النفوس مثل حديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" وأمثال هذه الأكاذيب التي تناقض قواعد الدين، وضعها المشركون، وراجت عند الجهلة من بعض المسلمين، فالرسول ﷺ ما بعث إلا لقتل من حسن ظنه بالأحجار وتجنيب الأمة فتنة القبور.
٣ ـ ومن الأسباب التي جعلت القبوريين يصرفون عبودية الدعاء لغير الله ـ تعالى ـ الحكايات المكذوبة لأصحاب تلك القبور مثل: أن فلاناً استغاث بالقبر الفلاني في شدة نزلت به، فخلص منها، وفلاناً دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلاناً نزل به ضر فرجا صاحب القبر الفلاني فكشف ضره، وعند سدنة القبور من الأكاذيب والأساطير الباطلة الشيء الكثير، وهم من أكذب الناس على الأحياء والأموات ونفوس بني آدم مفطورة بحب من يقضي حوائجها ويزيل ضروراتها، فعندما يسمعون أن القبر الفلاني ترياق مجرّب والشيطان يتلطف في دعوة المضطر المحترق القلب، فقد يجيب الله دعوتهم ابتلاء أو امتحاناً، فالجاهل عندما تحصل له إجابة الدعوة يظن أن لذلك القبر تأثيراً في إجابة الدعاء، والله ـ سبحانه ـ يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ولو كان كافراً ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ١.
"فليس كل من أجاب الله دعوته يكون راضياً عنه، ولا محباً له ولا راضياً بفعله، فإنه ـ سبحانه ـ يجيب دعوة البر والفاجر والمؤمن والكافر"٢.
وقد تعلق القبوريون ببعض الأحاديث، وظنوا: أنها دليل يجيز لهم ما يفعلونه عند القبور، ومن تلك الأحاديث ما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه
стр. 200
بإسنادهما إلى عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني قال: " إن شئت أخرت ذاك فهو خير" وفي رواية "وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ وشفعني فيه ... " الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي١.
هذا الحديث ضعفه بعض العلماء بحجة أن في إسناده أبا جعفر.
قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وليس الخطمي"٢ فظنوا أنه أبو جعفر الرازي، ودرجة الرازي صدوق ولكنه سيء الحفظ"٣.
والصواب أنه: "أنه أبو جعفر الخطمي حيث أن الإمام أحمد نسبه في إحدى روايات الحديث بأنه الخطمي، ونسبه في أخرى فقال: المدني"٤.
فالحديث صحيح، وإنما الكلام في الزيادة التي تنسب إلى عثمان بن حنيف مع الرجل في زمن خلافة عثمان وسيأتي الكلام عليها قريباً.
فلقد تعلق القبوريون بقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي".
وقالوا: لو أن دعاء غير الله شرك لم يعلمه النبي ﷺ هذا الدعاء الذي فيه المناداة لغير الله.
والجواب: أن يقال إن شبهتكم هذه باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أن الضرير كان مجيئه إلى النبي ﷺ لأجل أن يدعو له بدليل قوله في الحديث: "ادع الله أن يعافيني" فيجب أن تفهم هذه الفقرة أولاً، وقبل كل شيء حتى يعرف الفرق بين طلب الضرير من النبي ﷺ ، وتوجهه بدعائه مع حضوره، وبين دعاء الجهلة للأموات، والسجود لهم ولأضرحتهم، والتوكل عليهم واللجوء إليهم في الشدائد
стр. 201
وخطابهم بالحوائج من الأمكنة القريبة والبعيدة، فالضرير طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ويشفع له، وهذا نوع من التوسل المشروع، وهو التوسل بدعاء أهل الصلاح والتقى فأين هذا من دعاء غير الله والإستغاثة به.
الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ أمر ذلك الضرير أن يدعو الله بنفسه ويسأله قبول شفاعة النبي ﷺ وهذا من أوضح الأدلة على أن دعاء غير الله شرك بالله العظيم، فالمخلوق لا يدعى من دون الله سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، أو رجلاً صالحاً لأنهم لا يقدرون على النفع والضر إذ ذلك خاص برب العالمين بدليل أن النبي ﷺ لم يقدر على شفائه إلا بعد دعاء الله له.
الوجه الثالث: أن قوله في الحديث "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" لا يدل على جواز سؤال الغائب، ولا على جواز سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا فاطر السموات والأرض، لا من طريق العبارة ولا من طريق الإشارة، ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذباً لأنه لا يخلو الأمر من حالين: إما أن يكون ذلك الضرير سأل النبي نفسه، وهذا سؤال للمخاطب فيما يقدر عليه، وهو أن يدعو له وهذا لم ينكره أحد لأنه أمر جائز لا محذور فيه.
وإما أن يكون توجه بالنبي ﷺ دون سؤاله أن يدعو له فهو لم يسأل منه، وإنما سأل من الله سواء كان متوجهاً بدعائه كما هو لفظ الحديث، أو كان متوجهاً بذاته ﵊، وهو القول الضعيف، لأن التوجه بذوات المخلوقين، والإقسام بهم على الله من البدع المنكرة التي لم تؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة الكرام، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة الدين عليهم رحمة الله أجمعين"١.
ومن حججهم التي احتجوا بها على جواز التوجه إلى القبور ودعاء أهلها ما أخرجه الطبراني من قصة الرجل مع عثمان بن عفان ﵁، من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته، فكان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال عثمان: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم
стр. 202
إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي لي حاجتي ... الخ١.
قال الذين تعلقت قلوبهم بدعاء غير الله من الأموات أهل القبور: هذا دليل على جواز دعاء غير الله من غائب وميت وصالح لأن عثمان بن حنيف علم الرجل أن يدعو الرسول بعد موته وناداه فقضيت حاجته.
وهذه القصة باطلة متناً وسنداً.
"أما من ناحية المتن فهي تدل بتركيبها، وترتيبها على أن هناك من وضعها واختلقها، وأن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف برئ منها لأنه يعلم أن التوسل المشروع إنما يكون بدعاء الشخص المتوسل به لا بذاته كما هو المعهود عند من يجهل حقيقة التوسل المشروع.
ثم إن المعروف من حياة عثمان قبل الخلافة وبعدها أنه كان ليناً رقيقاً عطوفاً كثير الاهتمام بمصالح المسلمين العامة والخاصة، ولم يثبت أنه أهمل أحداً من قضاء حاجته بل إنه كان يتتبع احتياجات المسلمين دون أن يعلموا ذلك فضلاً عن أن شخص يدخل على عثمان ويتردد عليه مراراً، ولم يسأله عن حاجته فهذا بعيد جداً، فلا يليق بمكانة الخليفة عثمان بن عفان ﵁، ولا بمكانة من دونه من الصحابة"٢.
وأما من ناحية سند هذه القصة فهو ضعيف لأن فيها شبيب بن سعيد قال الذهبي في الميزان: "شبيب بن سعيد صدوق يغرب"٣.
وقال ابن عدي٤: "كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه، وأرجو أنه
стр. 203
لا يتعمد. فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس، فكأنه شبيب آخر يعني يجود" اهـ١.
وهذا الكلام لابن عدي يفيد أن شبيباً هذا لا بأس بحديثه إذا كان من رواية ابنه أحمد عنه، ويكون شبيب يروي عن يونس.
والسبب في ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل "هو أنه كان لديه كتب يونس بن يزيد فهو إذا حدث منها أجاد، وإذا حدث من حفظه وقع في الوهم"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد أن ساق قصة ابن حنيف: "فهذه الزيادة فيها عدة علل: إنفراد هذا بها أي: شبيب ـ عن من هو أكبر منه وأحفظ، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث منكرة، ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك فى كونها ثابتة فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه" اهـ٣.
وبهذا نعرف أن هذه القصة لا تصح لانهيارها متناً وسنداً.
ومن حجج القبوريين التي يحتجون بها على دعائهم غير الله ما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة بإسناده إلى ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن لله حاضراً سيحبسه" ٤
هذا الحديث غير صحيح لأن في سنده ـ معروف ـ بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر ـ قال ابن عدي: "منكر الحديث قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة" اهـ٥.
فهذه الأخبار الثلاثة موجودة في كتب مشهورة، وكما مر معنا بأن حديث الأعمى صحيح لا غبار عليه، ولكنه ليس في محل النزاع بل بعيد عنه.
стр. 204
وأما قصة عثمان بن حنيف، والحديث الذي عند ابن السني لم يحظيا بالصحة بل هما باطلان، وما جاء به القبوريون بعد ذلك فإنما هو من اختلاقهم أنفسهم مثل حديث "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور: وقد تقدم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، ولم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة"١.
فالأخبار التي يضعها القبوريون في جواز دعاء أهل القبور والإستغاثة بهم يعرف كذبها بمجرد مرورها على السامع لأن لفظها ليس عليه رونق، وجمال الألفاظ النبوية.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الدعاء من أوضح صور العبادة، فلا يجوز أن يصرف لغير الله ـ تعالى ـ لأنه حق من حقوقه على عباده فبالدعاء يظهر ذل العبودية ويعرف العبد عزة الربوبية، وهذا هو الغرض المقصود من جميع أنواع العبادات ذلك أن العبد حينما يقدم على الدعاء فإنه لا يقدم عليه إلا إذا عرف من نفسه أنه محتاج إلى ما يطلبه من ربه ﵎ ويعرف أنه عاجز عن تحصيل مقصده إلا بعون الله له على ذلك فإذا علم أن الله يسمع دعاءه، ويعلم حاجته، وأنه له القدرة على دفع تلك الحاجة فهو الإله الرحيم الذي تقتضي رحمته قضاء حاجات عباده ومن هنا كان المقصود من جميع التكاليف الشرعية معرفة ذل العبودية، وعزة الربوبية والدعاء انتظم تحته الأمران ولذلك كان الدعاء من أعظم أنواع العبادات فلا يجوز أن يدعى غيره من المخلوقين أياً من أنواع الدعاء، لا دعاء العبادة ولا دعاء المسألة، ومن فعل ذلك فهو مشرك بالله العظيم، كذلك لا يجوز الدعاء عند الأضرحة والقبور، فإن ذلك وسيلة إلى الشرك، وجعلها أنداداً من دون الله ـ تعالى ـ، ولا يجوز أن يدعى الله بأحد من خلقه، أو يقسم به عليه، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر ذلك كله أئمة الدين ٢، عليهم رحمة الله أجمعين.
стр. 205
المبحث الخامس: عبودية الخوف
الخوف في اللغة: الفزع.
قال في القاموس: "خاف يخاف خوفاً ومخافة وخيفة بالكسر ... فزع"١ وجاء في اللسان: الخوف الفزع خافه يخافه خوفاً وخيفة ومخافة٢.
وأما تعريف الخوف شرعاً:
فقد عرفه العلامة ابن القيم بقوله: "الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر الخوف" اهـ٣.
ومقصودنا الذي نريده هنا هو: أن الإنسان لا يخاف خوف السر إلا من الباري ، ومعنى خوف السر أن يخاف العبد من غير الله ـ تعالى ـ أن يصيبه منه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، فإذا وقع الإنسان في شيء من هذا فإنه وقع في الشرك الأكبر٤ لأنه اعتقد حلول الضرر به الذي لا يقدر عليه إلا الله ـ تعالى ـ من غيره الذي هو عاجز أن يفعل به ذلك.
فالضار والنافع إنما هو الله ـ تعالى ـ لأنه هو الذي يملك ذلك أما غيره فليس له من ذلك شيء، وقد جاء في السورة أن الخوف عبادة لا يستحقها إلا الله ـ تعالى ـ فلا خوف ولا رهبة إلا منه ـ تعالى ـ.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
стр. 206
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة فيهما بيان أن الخوف لا يكون إلا من الله ـ تعالى ـ لأنه وحده القادر على جلب النفع للعبد، ودفع الضر عنه، أما غيره فلا يملك من ذلك شيئاً فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هذه الآية بينت أن الرسول ﷺ مأمور أن يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى الله ـ تعالى ـ فيما أمره به من إخلاص العبادة والطاعة له ـ وحده ـ لا شريك له وكون الرسول ﷺ يخاف عذاب يوم عظيم الذي هو يوم القيامة ذلك اليوم الذي يعظم هوله ويشتد خطره لهو من أبلغ الزجر لغيره، إذ غيره ﷺ يجب أن يعظم خوفه من باب أولى لأنه ـ تعالى ـ قد أخبرنا في محكم كتابه أنه قد غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ١.
وقد ذكر القرطبي: في تفسيره عن سعيد بن المسيب وأبي حمزة ٢ الثمالي "أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فكان هذا الخطاب موجهاً للرسول ﷺ من قبل أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"٣.
وأما قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية.
ففيها إخبار من الله ـ جل وعلا ـ بأنه الكافي لعبده العابد له وحده لا شريك إذا صدق في التوكل عليه وفيها أيضاً: بيان أن المشركين كانوا يخوفون الرسول ﷺ بما يعبدون من دون الله من الأوثان والآلهة الباطلة أن تصيبه بأذى لأنه أعلن البراءة منها وعاب عبادتهم إياها وتوجيههم العبادة لمن ليس له حق فيها وجهلوا أنه ﷺ قد أوى إلى ركن شديد، وعلم بأنها لا تقدر على شيء من تلك المزاعم التي اختلقوها وهي زعمهم بأن آلهتهم ستصيبه بأذى، أو تخبِّله إلى غير ذلك من المزاعم التي نسبوها إليها، ولكنه ﷺ تصدى لها وبين بطلان عبادتهم لها حتى أرسى قواعد العقيدة الصحيحة، وبين
стр. 207
لهم أن الذي يملك النفع ويدفع الضر إنما هو الله ـ وحده ـ ومن كان ذلك شأنه هو الجدير بأن يعبد وحده، وتوجه له العبادة الخالصة دون سواه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى حول قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ﷺ ، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلاً وضلالاً"١.
وقال الرازي: "جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وذكره بلفظ الاستفهام، والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك ... إلى أن قال: لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف عبثاً وباطلاً" اهـ٢.
فعلى الإنسان أن يصدق الله ـ تعالى ـ في الإلتجاء إليه ويخلص عبودية الخوف له وحده لا شريك له، ويحذر دعوة أهل الأهواء الذين يصدون عن سبيل الله فإذا صدق في ذلك مع الله، فإنه عند ذلك لا يخاف إلا الله ـ تعالى ـ ويقوي إيمانه، وثقته بالله، مهما خوفه أهل الباطل بالتخويفات الباطلة، فإنه لا يكترث بها لأنه يعلم أن الله كافيه كل الأخطار التي تحيط به، وليعلم كل عبد أن الخوف فرضه الله على جميع عباده بدون استثناء.
قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
قال ابن القيم حول هذه الآية: "ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين جنده وأولياءه لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان، وتخويفه ونهانا أن نخافهم، والمعنى عند جميع المفسرين يخوفهم بأوليائه، قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم" اهـ٤. فالآية دلت على أن إخلاص الخوف من الفرائض، وأنه
стр. 208
شرط في إيمان الإنسان وأن العبد إذا فقد الخوف من الله ـ تعالى ـ فقد الإيمان الواجب نسأل الله السلامة من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ١.
وهذه الآية فيها الأمر بإخلاص الخوف لله ـ تعالى ـ وكما أنه تعالى جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ جعل كذلك الخوف لأهل الأعمال الصالحة إشارة منه ـ تعالى ـ أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل الصالح.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ٣.
فهذه الآيات ثناء من الله ـ تعالى ـ على الخائفين منه، ومدح لهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
روى الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه عن عائشة ﵂ قالت قلت: يا رسول الله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ٤.
فالله ـ سبحانه ـ قد وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن تردَّ عليهم إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً"٥.
стр. 209
وقد بين العلامة ابن القيم الفرق بين الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة فقال: "الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة".
فالوجل: رجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته.
والخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
والخشية: أخص من الخوف، فإن الخشية للعطاء بالله تعالى قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ فهي خوف مقرون بمعرفة، وقد قال ﷺ : "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ... الحديث" ٢.
"وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد "الرغبة" التي هي: سفر القلب في طلب المرغوب فيه ... إلى أن قال ﵀ وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال تعظيم مقرون بالحب، فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية"اهـ٣.
ولقد مدح الله رسله بأنهم لا يخشون أحداً سواه. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ ٥ "أي: أفغير الله أيها الناس تتقون: أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه"٦.
وقال تعالى في شأن الملائكة المقربين واصفاً لهم بتحقيق عبود ية الخوف:
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٧.
стр. 210
فالخوف عبادة جليلة تعبد الله به جميع عباده من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر عباده المؤمنين.
وقد بين بعض العلماء أن الخوف أربعة أنواع:
أحدها: خوف السر وهو أن يخاف الإنسان من غير الله ـ تعالى ـ أن يصيبه بأي أذى من مرض، أو فقر أو قتل ونحو ذلك ويعتقد أن ما أصابه بذلك إلا بقدرته ومشيئته، وسواء زعم أن ذلك من باب الكرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال فهذا النوع لا يجوز أن يعلق بغير الله ـ تعالى ـ بحال من الأحوال لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن جعل مع الله نداً يخاف منه هذا الخوف فقد أشرك بالله العظيم إذ هذا معتقد المشركين في أصنامهم وآلهتهم ولذلك فإنهم كانوا يخوفون بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى في شأن إمام الحنفاء إبراهيم ﵇ عندما خوفه قومه بآلهتهم أن تصيبه بسوء: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
هذه الآيات تبين لنا موقف إبراهيم ﵇ تجاه تخويف قومه له بآلهتهم المزعومة فقد خوفوه أنها تصيبه بأذى فبين لهم أن آلهتهم أقل وأحقر من أن تضر من جحد عبادتها وكفر بها ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ثم رد الأمر إلى مشيئة الباري ـ سبحانه تعالى ـ لأنه هو الذي يُخاف ويرجى فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ وهذا الاستثناء يسمى عند النحاة استثناء منقطعاً ومعنى ذلك لا أخاف من تلك الآلهة التي تخوفونني بها فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة لكن إذا شاء الله أن ينالني بشيء لا رادّ لذلك لأن الله ـ تعالى ـ له المشيئة النافذة وقد وسع كل شيء علماً أما آلهتكم لا تشاء، ولا تعلم فيما ترى من الأولى أن يُخاف ويُعبد أهو ـ سبحانه ـ أم آلهتكم التي زعمتموها آلهة من عند أنفسكم؟ ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتدركون ما أنتم عليه من الإشراك لمن لا مشيئة له ولا علم مع من له المشيئة المطلقة والعلم التام وهو الله ـ تعالى ـ ثم استرسل الخليل ﵇ في دحض دعواهم من أن
стр. 211
آلهتهم ستصيبه بسوء وجعل دعواهم من أعظم الأدلة على فساد قولهم وبطلان مذهبهم وبين لهم بطلان إلهيتها وأن عبادتهم لها ستكون مضرة عليهم فقال:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كيف يتسرب الخوف إلى قلبي من أوثانكم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله في عبادته آلهة أخرى فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف أهو فريق الموحدين أم فريق المشركين؟
فلقد صدر الحكم بين الفريقين من عند أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي لا أصح من حكمه فقال ـ عز شأنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك١ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فكان الحكم من قبل الله ـ تعالى ـ أن الهدى والأمن لأهل التوحيد، وحكم لفريق الشرك بالضلال والخوف بعكس ما حكم به لأهل التوحيد، وبذلك علت حجة أبينا إبراهيم على قومه كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ وقال تعالى في قصة هود ﵇ عندما خوفه قومه بالآلهة: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ٣. هاتان الآيتان بين الله فيهما موقف هود ﵇ من مقالة قومه له حينما نصح لهم في الدعوة إلى توحيد الله وتصديقه وخلع الأوثان والتبرؤ منها ولما أيقنوا أن هوداً لا يتركهم من الدعوة إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له حينذاك كان قولهم ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه أصابك منها خبل وجنون فكان جواب هود ﵇ لهم جواب من وثق بربه واعتمد عليه وأصبح لا يكترث بأي تخويف كان من غير الله ـ تعالى ـ فقال لهم: إني أشهد الله على نفسي، وأشهدكم أيضاً أيها القوم أنني بريء من هذه الآلهة التي أشركتموها مع الله في العبادة من دونه ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ يقول: اعملوا كل حيلة أنتم وآلهتكم في ضري
стр. 212
ومكروهي ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أي: لا تؤخرون ذلك، ثم انظروا ما عسى أن تنالوني به من السوء أنتم وآلهتكم، فإبراهيم وهود ﵉ بينا أن خوف السر لا يكون إلا من الله وهو الذي بعث الله النبيين من أجله، وهذا النوع من الخوف هو ما وقع فيه القبوريون في زمننا هذا، فإنهم يخافون الصالحين وطواغيتهم كما يخافون الله بل أشد، بل إنه وصل الحد بهم إذا وجبت اليمين على أحدهم، فإنه يحلف بالله إيماناً لا حد لها سواء كان كاذباً، أو صادقاً الأمر عنده سيان، وإذا طلب منه اليمين بصاحب القبر لم يحلف إن كان كاذباً وما ذلك إلا لأنه يعتقد أن الضرر الذي يلحقه من صاحب القبر أسرع وأقرب فالتعظيم في قلبه لذلك الولي أقوى من تعظيمه لله بكثير، وهذه الحال لم يصل إليها المشركون الأولون، بل غاية الأمر عندهم أنهم كانوا يحلفون بالله جهد أيمانهم.
النوع الثاني: من أنواع الخوف أن يترك العبد ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد لأعداء الله وليس هناك أي عذر سوى أنه يخاف غير الله من بني الإنسان ولقد نهى الله عن هذا بقوله ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقرن أحدكم نفسه إذا رأى أمر الله فيه مقال أن يقول فيه فيقال له يوم القيامة ما منعك أن تقول فيه فيقول يا رب خشيت الناس قال: فأنا أحق أن تخشى" ٢.
فالحديث يبين أن أحق من يخشى إنما هو الله ـ تعالى ـ.
النوع الثالث: خوف الوعيد الذي توعد الله به العاصين قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ٥ وهذا النوع يعتبر من
стр. 213
أعلى مراتب الإيمان فالخوف الحقيقي هو الذي يكون حائلاً بين المرء وبين حرمات الله تعالى.
النوع الرابع: الخوف الطبيعي كخوف العدو والحيوان المفترس وخشية الإصابة بالحرق، أو الغرق، فهذا الخوف طبيعي في الإنسان وهذا النوع لا يذم عليه العبد١ وهو المراد بقوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٢ فإذا اتضح هذا للإنسان فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ إنما معناه: أنه يوهم أولياء الله أن الموالين له أهل بأس وشدة وهو غير صادق في ذلك، ولذلك فإن الله تعالى أرشد عباده بقوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلا يجوز الإصغاء لإيهام الشيطان وتسويله، بل الواجب على المؤمنين أن يعلموا أن الله كافيهم وناصرهم على أولياء الشيطان وأمرهم بقتالهم وبين أن كيد الشيطان ضعيف.
قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ٣.
فكلما قوي إيمان العبد ذهب من قلبه خوف أولياء الشيطان وإذا ضعف إيمانه فإن خوف أولياء الشيطان يقوى في قلبه فيجب على العبد أن لا يخاف إلا الله وحده وأن يخلص ذلك لوجهه ـ تعالى ـ دون سواه، بل جعل الله ذلك شرطاً من شروط الإيمان كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"وبعض الناس يقول يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك، وهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحداً لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله، فإن من لا يخاف الله أخس وأذل أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى الله عنه" اهـ٥.
стр. 214
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ ١ دلت هذه الآية على أن خشية الله وحده دون أحد من خلقه من علامة صحة إيمان العبد بربه ﵎.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "ولم يخش إلا الله. يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصية سوى الله"اهـ٢.
وكما دل القرآن على أن الخوف عبادة يجب إخلاصها لله ـ تعالى ـ كذلك دلت السنة على أن الخوف لا يكون إلا من الله، ولا يصرف لأحد سواه فلا خوف ولا خشية إلا منه ـ جل وعلا ـ.
وروى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: صنع النبي ﷺ شيئاً فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال:: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" ٣.
هذا الحديث بيّن ما يجب أن يكون عليه العبد المسلم وهو أن يكون على معرفة بالله أولاً: وقبل كل شيء، فإذا عرف الله، واستقرت معرفته في قلبه هنالك يكون من أشد عباد الله خشية منه ومحبة له وإنابة إليه .
وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ٤.
وكذلك كان ﷺ أخشى عباد الله على الإطلاق وأعلمهم بما يتقي من الأمور، وقد أكرمه الله بذلك، وهذا الإخبار منه ﷺ تعليماً للأمة أن تقتدي به ﵊، فالخوف من الله ـ تعالى ـ له فضل عظيم عند الله تعالى يورث العبد رحمة الله وعفوه.
روى البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر
стр. 215
رجلاً فيمن سلف، أو فيمن كان قبلكم قال كلمة يعني أعطاه الله مالاً وولداً فلما حضرت الوفاة قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب قال: فإنه لم يبتئر، أو لم يبتئز١ عند الله خيراً وإن يقدر الله عليه يعذبه فانظروا إذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني، أو قال فاسحكوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني فيها فقال نبي الله ﷺ فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي ففعلوا ثم أذروه في يوم عاصف فقال الله كن فإذا هو رجل قائم قال الله أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال مخافتك أو فرق منك٢ قال: "فما تلافاه أن رحمه عندها وقال مرة فما تلافاه غيرها"٣.
فهذا الحديث دل على أن العبد إذا أخلص العبادة لله ولم يبتغ بها أحداً سواه وأخلص الخوف لله ـ جل وعلا ـ أورثه ذلك مغفرة الله ـ تعالى ـ ورحمته، فعلى الإنسان أن لا يخاف إلا ربه العلي الكبير، أما ما سواه فلا يخاف منه لأنه لا يستطيع أن يضره إلا بإذن الله ـ تعالى ـ ولا يقدر على نفعه إلا بما كتبه الله له فالفضل كله عائد إلى الله ـ تعالى ـ بداية ونهاية.
وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ في قصة خسوف الشمس على عهد الرسول ﷺ حيث صلى بهم صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركوعان ثم انصرف إلى الناس وقد انجلت الشمس ووعظهم موعظة بين لهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته وأرشدهم أنهم إذا رأوا ذلك دعوا الله تعالى وكبروه وصلوا وتصدقوا.
ثم قال: "يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"٤.
فقد بين لنا الرسول ﷺ أن أمته لو تعلم ما يعلم من عظيم قدرة الله وشدة انتقامه من العصاة الفاسقين لتركوا الضحك، ولما حصل منهم إلا في النادر لشدة غلبة الخوف والحزن الذي يعلو قلوبهم.