الثالث: إن الله عالم لما هو عليه في ذاته وهو مذهب أبي هاشم من المعتزلة١.
وأما الفلاسفة: الذين يلقبون بالحكماء فقد أنكروا علمه تعالى بالجزئيات وزعموا أنه ـ تعالى ـ يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت٢ وحقيقة هذا القول أنه ـ تعالى ـ لا يعلم شيئاً إذ كل ما في الخارج هو جزئي والأحرى أنهم يلقبون بالجهلاء لا بالحكماء ومذهبهم ظاهر الفساد لبعده عن ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في أنه ـ تعالى ـ قد أحاط علمه بالكليات والجزئيات ولا يخفى عليه شيء.
قال السفاريني٣ ـ رحمه الله تعالى ـ "يجب الجزم بأنه ـ تعالى ـ عالم بعلم واحد وجودي قديم باقٍ ذاتي تنكشف به المعلومات عند تعلقه بها، وإنما قلنا: بأن علمه ذاتي كسائر صفاته ـ تعالى ـ للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها والرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها، والدليل على أن صفاته زائدة على ذاته ورود النصوص بأنه ـ تعالى ـ عال، وحي وقادر ونحوها، وكونه عالماً يعلل بقيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب وقس عليه سائر الصفات"٤ أ. هـ.
وأما الغلاة من القدرية: "فقد أنكروا علمه ـ تعالى ـ بأفعال خلقه حتى يعملوها"٥. توهماً منهم أن علمه ـ تعالى ـ بأفعال خلقه يفضي إلى الجبر وقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة في جميع الأديان، قال العلامة ابن القيم في ذكره لمراتب القدر: "فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة" أ. هـ٦.
стр. 142
وقد دلت السنة والعقل على أن صفة العلم من الصفات الذاتية الثابتة لله .
فقد روى البخاري: في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب..... الحديث١.
وقال ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٢.
"ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا" أ. هـ٣.
والأحاديث الواردة في إثبات صفة العلم كثيرة جداً لو تتبعت وجمعت لتكون منها مصنف كبير.
وأما الدليل العقلي على علمه ـ تعالى ـ فمن وجوه:
أولاً: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بغير علم سابق قال ـ جل شأنه ـ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤. ثانياً: إن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك عن غير علم.
ثالثاً: إن في المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالماً لكان في المخلوقات من هو أكمل منه، وكل علم في المخلوق إنما استفاده من خالقه وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه٥.
стр. 143
وما قدمناه من الآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية والأدلة العقلية كلها نصوص قطعية صريحة في إثبات صفة العلم لله ـ تعالى ـ وكلها تشهد ببطلان مذاهب أهل الأهواء في صفة العلم من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة الذين ينفون هذه الصفة وغيرها من صفات الله ـ جل وعلا ـ وهي أي: ـ تلك الأدلة ـ صفعة على رؤوس الجهمية الذين يجحدون علم الله السابق بخلقه، ويزعمون أن علمه بأفعال عباده قبل كونها يفضي إلى الجبر وهذا من علامة زيغ القلوب والعياذ بالله؛ إذ العلم صفة كاشفة تكشف الأشياء على ما هي عليه ـ فالباري سبحانه ـ يعلم أزلاً ما يكون من عبده المختار من السعادة والشقاوة وما يحصل له من الغنى والفقر، ومن ناحية تحديد عمره وانقضاء أجله ثم كتب ما يعلمه في اللوح المحفوظ فهو كتب ـ سبحانه ـ لا ليجبر أحداً من عباده على حسب ما كتب بل كتب ـ سبحانه ـ لأنه علم في الأزل ما يكون من العبد بمحض اختياره وإرادته، فعلمه ـ تعالى ـ صفة انكشاف للماضي والحاضر والمستقبل وهو معنى قول أهل العلم عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون.
стр. 144
المبحث الثاني عشر: بيان معنى اسمه تعالى "الوكيل "
لقد دلت السورة على أن من أسمائه ـ تعالى ـ "الوكيل".
قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
جاء في النهاية: "في أسماء الله ـ تعالى ـ "الوكيل" هو القيم الكفيل بأرزاق العباد. وحقيقته أنه يستقل بأمر الموكول إليه، وقد تكرر ذكر "التوكل" في الحديث يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلاناً إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه"١.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "وكل" التوكيل: أن تعتمد على غيرك وتجعله نائباً عنك والوكيل "فعيل" بمعنى المفعول قال تعالى ﴿وَكَفَى بِالله وَكِيلاً﴾ ٢ أي اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل لك وعلى هذا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤ أي: بموكل وحافظ لهم كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٥ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٦ أي من يتوكل عنهم والتوكل يقال على وجهين:
стр. 145
يقال: توكلت لفلان بمعنى توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، أو توكلت عليه بمعنى اعتمدته قال : ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١.... إلى أن قال: وربما فسر الوكيل بالكفيل والوكيل أعم لأن كل كفيل وكيل وليس كل وكيل كفيل" أ. هـ٢.
وجاء في القاموس: وكل بالله يكل وأوكل واتكل استسلم إليه ووكل إليه الأمر وكلاً ووكولاً سلمه وتركه أ. هـ٣.
والذي نستفيد من هذه التعاريف اللغوية لاسم الله ـ تعالى ـ: "الوكيل" أنه من تُوْكَلُ إلى علمه وقدرته وحكمته أمور الخلق وشئونهم التي يعجزون عن القيام بها بأنفسهم على الرغم بما قد منحوا به من قوى محدودة الأثر، فالله ـ تعالى ـ يتوكل لهم بها ويتولاها وقد وكل ـ سبحانه ـ إلى نفسه أمر الخلق فخلق السموات والأرض ما بينهما بالحق وتكفل بذلك فأوجده على أبدع نظام وأحسن إتقان، وتكفل بما يحتاجه خلقه من المصالح التي لا طاقة لهم بالعيش إلا بوجودها وقد سبقت إرادته ـ سبحانه ـ بأنه يخلق على هذه الأرض كائنات حية لا تعيش إلا بالماء والهواء فتوكل لها من قبل أن يخلقها، بالهواء والماء كما أنه ـ سبحانه ـ توكل بجعل أجهزة محكمة للأجسام الحية وجعل كل جهاز يؤدي وظيفة خاصة ليحفظ بذلك حياة الإنسان، وتوكل ـ سبحانه ـ بالرزق للأحياء جميعاً من العاقل وغير العاقل، من المؤمن والكافر كما توكل بحفظ حياتهم ولو وكلهم إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا ولقد يغفل الناس عن هذه الحقيقة ويسيرون في هذه الحياة والغفلة تغشاهم حتى إذا ما نزل بهم الضر استيقظوا من غفلتهم تلك ورجعوا إلى ربهم "الوكيل" يكلون إلى قدرته ورحمته وحكمته ما عجزوا عنه من دفع البلاء عن أنفسهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
وما الدعاء المذكور، والمنوه عنه في هذه الآية إلا ثمرة اليقين بأن لهم رباً قادراً رحيماً يكلون إليه كل ما عجزوا عن تدبيره بأنفسهم ويتوكلون عليه فيما أعجزهم أمره وأعيتهم الحيلة فيه، والإنسان مهما أوتي من القوة والعقل والذكاء والفطنة، فإنه عاجز عن
стр. 146
إدراك ما يخفى عليه من أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها لا يدري كيف يقدر الله الأرزاق ولا كيف يسوق الخير ولا كيف يدفع الشر.
ولقد منح الله ـ تعالى ـ الإنسان من القوى ما يستطيع به أن يدبر الأمور الظاهرة التي تبلغها مداركه وتنالها قوته. أما ما وراء ذلك مما لا تناله قوى البشر، ولا تصل إليه مداركهم فعليهم أن يكلوه إلى "الوكيل" ـ سبحانه ـ.
ولذلك وجه الله نبيه محمداً ﷺ بأن يتخذه وكيلاً يتوكل له بين أمور الرسالة وهداية الناس ودفع أذاهم عنه، ونشر الدعوة وإزالة العوائق من طريقها بما يعجز عنه ﷺ بقوة البشرية التي منحه الله إياها.
قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ١.
ولما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل ـ سبحانه ـ أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ٢.
ولما حاول الكافرون فتنة الرسول ﷺ عن بعض ما أنزل الله إليه وساعدهم المنافقون على ذلك وأرادوا أن يخدعوه بقولهم إنه لو أجابهم إلى بعض ما يطلبون لآمنوا به واتبعوه نهاه "الوكيل" ـ سبحانه ـ وهو العليم بنياتهم الخبير ببواطن أمورهم ـ أمره باتباع الوحي الذي أنزل عليه وأن يتوكل عليه ليكفيه أمر فتنتهم ويبصره بما خفي من أمورهم العدوانية.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ٣.
ولقد أخبرنا الله ـ تعالى ـ في كتابه الكريم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حين أخبرهم المنافقون بأن الكفار يجمعون لهم الناس ليحاربوهم ولينكلوا بهم لم يبالوا
стр. 147
ولم يكترثوا بل ازدادوا إيماناً على إيمانهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم على طاغوت الكفر، وأيقنوا بأنهم منتصرون على عدوهم ويفوزون عليه لأنهم قد اتخذوا الله وكيلاً يتولى شؤونهم ويدبر أمر انتصارهم على كل من ناوأهم وناوأ العقيدة الإسلامية التي هي دين الله الذي لا يرتضي ديناً سواه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١.
ومعنى الآية: "أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه بل أخلصوا لله وازدادوا طمأنينة ويقيناً. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. وقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حسب مصدر حسبه: أي كفاه وهو بمعنى الفاعل: أي: محسب بمعنى كافي" أ. هـ٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: عند قوله ـ تعالى ـ: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ . " والشاهد من هذا أن الله ـ تعالى ـ أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل بما كان وكيلاً عليه وإحاطته بتفاصيله ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه ليتمكن من التصرف فيه ومن حفظ لما هو وكيل عليه ومن حكمة ومعرفة بوجوه التصرفات ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك فهو نقص فيها ومن المعلوم المتقرر أن الله ـ تعالى ـ منزه عن كل نقص في أي صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء وكمال قدرته على تدبيرها وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها" أ. هـ٣.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٤.
ففي هذه الآية الكريمة إخبار من الله ـ جل وعلا ـ بأنه الإله الحق وحده لا شريك له وهو الذي خلق كل شيء وهو الوكيل على كل شيء والوكيل كما تقدم هو من توكل إليه
стр. 148
الأمور فنعم الموكول إليه أمرنا وهو الذي يستحق أن يعبد ويقر له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له، ولا والد ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ بمعنى حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
وقد بين موسى ﵊ أن الله شهيد وحفيظ فلا يستطيع أحد أن يعمل عملاً مَّا سواء كان ذلك العمل صالحاً أو سيئاً إلا والله رقيب وشهيد عليه.
قال تعالى حاكياً عنه ذلك بشأن العقد الذي أبرم بينه وبين صهره على رعي غنمه ثماني حجج ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ١.
فهو ـ سبحانه ـ الموكل بالعدل بين المتعاقدين الشهيد عليهما والعليم بعقدهما وما اتفق عليه بينهما.
فهذه الآيات التي قدمنا ذكرها كلها تدل دلالة صريحة واضحة على أن الله ـ تعالى ـ هو الحفيظ لعباده يكلؤهم بحفظه آناء الليل وأطراف النهار، كما دلت على أنه رقيب وشهيد على أعمال عباده لا يخفى عليه من عملهم شيء فعلى العباد أن يتنبهوا لهذا ويفهموه علَّهم يبتعدون عما يقربهم من سخط الله ـ تعالى ـ وغضبه ويفزعون إلى ما يقربهم من رضوان الله ورحمته.
وبعد أن أوردنا الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي أثبتت اسمه ـ تعالى ـ "الوكيل" وبينا أنها دلت على إثبات ذلك الإسم والصفة التي تضمنها صراحة لا تقبل المراء ولا الجدال لوضوح النصوص في ذلك من الكتاب والسنة، ورغم كثرة النصوص الواردة من قرآن وسنة في إثبات اسمه ـ تعالى ـ "الوكيل" فإنه قد وجد من أهل البدع من منع إطلاقه على الله ـ تعالى ـ,
قال أبو الحسن الأشعري ـ رحمه الله تعالى ـ:
"واختلف المعتزلة في "الباري" هل يقال إنه وكيل وإنه لطيف؟ على مقالتين:
١ ـ فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال: إنه وكيل وأنكر قائل هذا القول أن يقول
стр. 149
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضاً: أن يقال "لطيف" دون أن يوصل ذلك فيقال: لطيف بالعباد والقائل بهذا القول "عباد بن سليمان".
٢ ـ ومنهم من أطلق "وكيل" وأطلق "لطيف" وإن لم يقيد اهـ٢.
ونقول: للجهمية والمعتزلة إن اسمه ـ تعالى ـ "الوكيل" وما دل عليه من صفة للباري ـ جل وعلا ـ فإنه قد ثبت ذلك بالكتاب والسنة وإجماع السلف من هذه الأمة وقد أطلق الله على نفسه اسمه "الوكيل" في محكم كتابه في مواضع كثيرة من كتابه وقد قدمنا طرفاً منها، كما أطلقه عليه رسوله الكريم ﷺ في سنته المطهرة ولا يجوز القول بأن هذا الاسم لا يطلق على الله إلا عند قراءة القرآن فهذا الإسم يطلق على الله دون تقييد.
روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
وروى البخاري أيضاً: عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار "حسبي الله ونعم الوكيل"٤.
فيقال للمعتزلة إن الرسول ﷺ وكذلك إبراهيم الخليل أطلقا اسم "الوكيل" على الله فإبراهيم خليل الرحمن ﵊ كان آخر قوله حين ألقي في النار: "حسبي الله ونعم الوكيل" والرسول ﷺ قالها عندما أرسل أبو سفيان ناساً فأخبروا النبي ﷺ أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولم يقل: لا يطلق اسم الوكيل على الله إلا في القرآن كما قال بذلك بعض المعتزلة ولكن الآراء التي تصدر عن هوى وعن العقل السقيم غالباً ما تلقي بأصحابها في الأخطاء التي تعارض النصوص الظاهرة المشهورة نسأل الله العافية من ذلك.
стр. 150
المبحث الثالث عشر: إثبات صفة اليدين
لقد دلت السورة على أن لله ـ تعالى ـ يدين حقيقتين وهما من صفات الكمال التي اتصف بها ـ سبحانه ـ وقد جاء في السورة الإشارة إلى صفة اليدين في آية واحدة منها: ـ
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة بدأت بنعي حال المشركين الذين لم يعظموا الله حق التعظيم اللائق به حيث عبدوا معه غيره وأشركوه معه في العبادة ثم بينت بأن الأرض كلها قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، ومذهب سلفنا الصالح إثبات القبضة واليمين كما وردت بلا تكييف، ولا تأويل، ولا تحريف، فيجب الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه مع القطع بأنه وصف يليق بجلاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال العلامة ابن كثير: "يقول ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما قدَّر هؤلاء المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قدره وقدرته ... إلى أن قال: "وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف"اهـ٢.
وقد روى الإمام البخاري بإسناده عند هذه الآية إلى عبد الله بن مسعود ﵁
стр. 151
قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضيين على إصبع والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك فضحك رسول ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
هذا الحديث قال فيه المعطلة نفاة الصفات: إنه من كلام اليهودي، وليس من كلام الرسول ﷺ ، واليهود الغالب عليهم التشبيه وقد نهينا عن تصديق أهل الكتاب، أو تكذيبهم وضحك الرسول ﷺ على مقالة الحبر إنما هو من تشبيه اليهود للخالق بالمخلوق، وليس إقرار له بل هو استنكار اهـ٢.
والجواب: أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول الحبر لا من قول الرسول ﷺ فهذا صحيح كما نطق بذلك الحديث.
وأما أنه ﵊ لم يتلفظ بما يؤيد قول الحبر فهذا باطل إذ الثابت عنه ﷺ ما هو أبلغ من ذلك وهو أنه ﵊ ظهر عليه علامة السرور بقول الحبر، ولو كان في قوله نوع تشبيه لله ـ جل وعلا ـ بخلقه لتمعر وجهه ولغضب غضباً شديداً، ولزجر اليهودي وبين للأمة أنه غير صادق فيما قال لأن ذلك طعن لعقيدة الإسلام في صميمها، ولكن ضحكه ﷺ دال على إقراره له، وأن ما قاله مما يؤيده الإسلام ويقره ويقال لهؤلاء النفاة أيضاً: لستم أعرف بحال الرسول ﷺ من الصحابي الراوي لهذا الحديث.
قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: " ... وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق ـ الباري ـ بحضرته مما ليس من صفاته فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضاحكاً تبدو نواجذه تصديقاً وتعجباً لقائله لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"اهـ٣.
стр. 152
وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الله الأرضيين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ١.
وروى ابن خزيمة رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله بإذن الله ﵎ فقال له ربه رحمك ربك يا آدم، وقال له يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى الملأ منهم فقل السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله ﵎ له ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته.... الحديث٢.
هذا الحديث والذي قبله قد يتوهم بعض الناس أن بينهما تعارضاً حيث أن الأول ورد فيه ذكر الشمال، وهذا ينص على أن كلتا يديه ـ سبحانه ـ يمين.
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا ـ جل وعلا ـ يدين كلتاهما يمينان لا يسار لخالقنا إذ اليسار من صفة المخلوقين"٣.
والجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين فعندما نقول: إن كلتا يديه ـ سبحانه ـ يمينان مع ورود الحديث الصحيح لابن عمر الذي جاء فيه ذكر الشمال لا يلزم منه أن اليمين أكمل من الشمال كما هو شأن يدي المخلوق، فالله ـ جل وعلا ـ له الكمال المطلق، وليس للإنسان من الكمال إلا ما منحه إياه خالقه، وبارئه فلا يترتب على قول العلماء كلتا يدي ربنا يمينان استنقاص لشماله ـ سبحانه ـ فهو ـ تعالى ـ منزه ومقدس له المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم"٤.
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 153
رسول الله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله" ١.
وعلى هذا نقول: إن ورود ذكر اليمين والقبضة في الآية، وذكر اليد والكف والأصابع في الأحاديث التي سقناها بعدها زيادة لتوضيح معناها كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن ـ للباري سبحانه ـ يدين حقيقيتين ليستا مجازاً في النعمة٢ والقدرة٣ كما ادعى ذلك الجهمية والمعطلة، وصفة اليدين من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ـ تعالى ـ فيجب الإيمان بها وإثباتها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وقد بين ـ تعالى ـ في مواضع من كتابه أن له يدين خلق بهما آدم وأنهما مبسوطتان بالإنفاق وأن يده فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ . قال تعالى ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ ٤ فهذه الآية بين ـ تعالى ـ فيها أنه قرَّع إبليس ووبخه حين منعه الكبر عن أن يسجد لآدم الذي خلقه الله بيديه.
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٥.
وهذه الآية إخبار من المولى ـ جل شأنه ـ أن اليهود وصفوه ـ تعالى ـ بالبخل حيث قالوا: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فأكذبهم الله ولعنهم على مقالتهم التي تنبئ عما هو متمكن في نفوسهم من الشح عن الإنفاق في وجوه الخير، أما يداه ـ سبحانه ـ فهما مبسوطتان بالإنفاق على عباده كيف يشاء، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء٦ الليل والنهار،
стр. 154
أرأيت ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢ وهذه الآية صرحت بأن لله يداً تكون فوق أيدي المبايعين لرسول الله ﷺ .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣.
إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفرداً، ومثنى، ومجموعاً.
فالمفرد كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٤.
والمثنى كقوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
والمجموع كقوله تعالى: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدي الفعل بالباء إليهما وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فإن كل أحد يفهم من قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٦ وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت، وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٧ و ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة فهو مما باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمر: "إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثاً خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس
стр. 155
بيده، وكتب التوراة بيده"١ فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة" أ. هـ٢.
فابن القيم رحمه الله تعالى أراد بهذا البيان الرد على النفاة الذين يقولون: إذا قلنا: إن اليد في قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٣ صفة نكون قد أثبتنا أيدي كثيرة، أو أننا نقول: بإشراك غير آدم مع آدم في الخاصية وهي أن الله خلقه بيديه كما قال تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ فيرد عليهم بأن بين الآيتين فرقاً من وجهين:
الوجه الأول: أنه أضاف الفعل إليه في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وبين أنه خلق آدم بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الوجه الثاني: أن العرب يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٥ أي: يديهما، وقوله تعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٦ أي قلباكما فكذلك قوله تعالى ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٧.
قال أبو الحسن الأشعري: "فإن قال قائل إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يداً واحدة؟ قيل له ذكر الله أيدي وأراد يدين لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يداً واحدة فقلنا: "يدان" لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر" أ. هـ ٨.
والذي يفهم من هذا أن الله تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهراً أو مضمراً وتارة أخرى يذكر نفسه بصيغة الجمع كقوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ ٩ وأمثال
стр. 156
ذلك ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأنها تدل على العدد المحصور وهو ـ سبحانه ـ منزه عن ذلك١.
وبهذا تبطل شبهة المعطلين القائلين إن اليد قد أفردت في بعض الآيات وجاء بلفظ الجمع في بعضها، فلا دليل لهم في ذلك فإنما يصنع بالاثنين قد ينسب إلى المفرد تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني والمقصود عيناي وأذناي وكذلك الجمع يأتي بمعنى المثنى كما قدمنا ذلك قريباً.
فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قد دلا دلالة قاطعة على أن ـ للباري يدين مختصتين به ذاتيتين له، كما يليق به، وأنه ـ تعالى ـ خلق آدم بيديه دون الملائكة وإبليس.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "احتج آدم وموسى ﵉ فقال موسى لآدم: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى أصطفاك الله بكلامه وخط لك في الألواح بيده أتلومني على أمر قضاه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً" فقال رسول الله: "فحج آدم موسى"٢.
قال ابن خزيمة: فكليم الله موسى خاطب آدم ﵉ شفاهاً أن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه على ما هو مخطوط بين الدفتين من إعلام الله ـ جل وعلا ـ عباده المؤمنين أنه خلق آدم ﵇ بيده٣.
وجاء في حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ... " الحديث٤.
стр. 157
فالحديث نص في إثبات اليدين حقيقة ولو كانتا بمعنى النعمة أو القدرة لقالوا: أنت أبو الناس الذي خلقك الله بقدرته، أو بنعمته.
قال ابن القيم: وهذا التخصيص إنما فهم من قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ فلو كان مثل قوله ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٢ لكان هو والأنعام في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ يوجب له تخصيصاً وتفضيلاً بكون مخلوقاً باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ ٤ خطأ محضاً اهـ٥.
ويجب على المسلم أن يسلك في صفات الله ـ تعالى ـ مسلك السلف الصالح ﵃ أجمعين وهو إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم٦
قال عبد الرحمن بن القاسم: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن ولا يشبه يديه بشيء ولا وجهه بشيء، ولكن يقول: له يدان كما وصف نفسه يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب فإنه ﵎ لا مثيل له ولا شبيه ولكن هو الله لا إله إلا هو"اهـ٧.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى في باب فضل الصدقة "قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها، ولا نتوهم ولا يقال كيف؟ كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية، فأنكروها
стр. 158
وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد وسمع كسمع١.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاءه صفتان من صفاته بلا كيف"٢.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: "وله الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم يقبض، ويبسط ويتكلم ويرضى ويسخط ويغضب ويحب ويبغض ويكره ويضحك ويأمر وينهى ذو الوجه الكريم والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين والقدرة والسلطان والعظمة والعلم الأزلي لم يزل كذلك ولا يزال..... استوى على عرشه فبان من خلقه لا تخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط، وبصره فيم ناقد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
وعقد البيهقي باباً في كتابه "الاعتقاد" ذكر فيه آيات وأحاديث وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين ثم قال: "وهذه صفات طريق إثباتها السمع فنثبتها لورود خبر الصادق بها ولا نكيفها"٤.
وقال الشهرستاني: "واعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله ـ تعالى ـ صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة ... ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية" أ. هـ٥.
стр. 159
وذكر أن من هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني١.
"وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والإهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات"٢.
ومن خلال هذه الأقوال المتقدمة نعرف أن مذهب السلف إثبات يدين حقيقيتين من غير تكييف ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل، ولا يزيلون ألفاظ الشارع عما تعرفه العرب وتضعه عليه بالتأويل الباطل بل يجرون اللفظ على ظاهره، ويكلون كيفيته وكنهه إلى الله ـ تعالى ـ ويقولون: ذلك في جميع الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها الآثار الصحيحة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٣.
وهذا الإجماع الذي نقله ابن عبد البر عن السلف فيه رد على من يقول: أن مذهب السلف هو التفويض في صفات الله ـ تعالى ـ وأن من نسب إليهم ذلك فهو جاهل تماماً لمذهب السلف في هذا الباب والصحيح أن مذهب السلف هو حمل صفات الله الواردة في القرآن والسنة على الحقيقة ولا يفوضون إلا في الكيفية فقط لأنه لا يعلم كنه ذلك إلا ـ هو سبحانه ـ ولأن ذلك مما استأثر الله بعلمه فعبارة السلف "أمروها كما جاءت"٤ لا تدل على
стр. 160
أن مذهبهم التفويض في المعنى، وإنما معنى هذه العبارة هو ما قررنا هنا، والعلم لله ـ تعالى ـ.
ثم إن صفة اليدين ضلت فيها طوائف مختلفة كالمشبهة والمعتزلة والأشعرية.
أولاً: المشبهة:
أما المشبهة: أتباع محمد بن كرام السجستاني فقد زعموا: أن يدي الله ـ تعالى ـ جارحتان وعضوان فيهما كفان وأصابع ككفي الإنسان وأصابعه١.
وهذا الزعم باطل شرعاً وعقلاً.
أما شرعاً فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ ٢. ومعنى الآية: أن الله ـ تعالى ـ لا يشبه شيئاً من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه فصفات الباري ـ سبحانه ـ كلها خلاف صفات المخلوقين فهو ـ سبحانه ـ مباين لخلقه له يدان لا كأيدي المخلوقين، وله قدرة لا كقدرة المخلوقين، وله بصر لا كبصر المخلوقين وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. قال ابن كثير: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لله الأَمْثَالَ﴾ أي: لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً٤ فالمشبهة عندما يزعمون أن يدي الله كأيديهم وسمعه كسمعهم وغير ذلك فقد جعلوا لله أمثالاً وأشباهاً ـ تعالى الله ـ عما يقولون علواً كبيراً.
وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٥ يعني هل تعلم ـ للرب ـ مثلاً أو شبيهاً وقال تعالى: ﴿وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٦ وهذه الآية أثبتت الكمال المطلق لله ـ تعالى ـ من جميع الوجوه والمشبهة ساووه بالناقصات ـ تعالى ـ وتقدس عن قولهم علواً كبيراً.
стр. 161
قال نعيم بن حماد: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه"١.
وقال إسحاق بن راهوية: "من وصف الله بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة، وبهذا القول قال كثير من أئمة السلف"٢ حتى قيل إن المشبه عابد صنم والمعطل عابد عدم٣.
وأما بطلان مذهبهم عقلاً:
"فإن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلاً للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب، وما يجوز وما يمتنع.
والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه، وإمكانه، فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك، يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب قدمه، ويجب حدوثه وإمكانه، فيكون كلاً منهما واجب القدم واجب الحدوث واجب الوجود، وما ليس بواجب الوجود يمتنع قدمه، لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين"٤.
فالمشبهة وقعوا في محظور لم يسبقوا إلى مثله حيث شبهوا الخالق بالمخلوق، ومن العجيب أنه لو طلب من المشبه أن يصف روحه التي بين جنبيه كيف هي؟ لقال: إنه عاجز عن ذلك فإذا كان يعجز عن وصف مخلوق ويتجرأ على تشبيه الخالق، فإن ذلك من المحادة لله ورسوله.
ولو قيل له أيضاً: "إن الله أخبر عما في الجنة من المطاعم والملابس والمناكح فهل هي كالموجودات في الدنيا؟ لسارع إلى الإجابة بأنها لا تتفق معها إلا في الاسم فقط، ولقال: وبينهما من المباينة ما لا يعلمه إلا الله".
стр. 162
ومن هنا يعرف المؤمن بعظمة الله وجلاله أن المشبهة عموماً عقولهم في غطاء عن صفات الله التي تليق به ـ سبحانه ـ، ومذهبهم فاسد خارج عن نطاق الشرع والعقل مع اعترافهم وإقرارهم بذلك إذ أنهم يثبتون المباينة والفروق بين المخلوقات ولا يدركون المباينة العظمى بين الخالق والمخلوق ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً١.
ثانياً: مذهب المعتزلة والأشعرية:
زعمت المعتزلة أن صفة اليدين مجاز في النعمة، والقوة وقال أفراخهم الأشعرية: إن صفة اليدين المراد بها القدرة قال عبد الجبار بن أحمد٢ عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.
والمراد بذلك أن نعمتيه مبسوطتان على العباد وأراد به نعمة الدين والدنيا والنعمة الظاهرة والباطنة وقد يعبر باليد عن النعمة فيقال: "لفلان عندي يد" اهـ٤.
وقال أيضاً عند قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ قالوا: فأثبت لنفسه اليدين، وهذا يدل على كونه جسماً، والجواب عنه أن اليدين هاهنا بمعنى القوة وذلك ظاهر في اللغة يقال ما لي على هذا الأمر يد أي: "قوة"٦.
فعبد الجبار هذا يعد من أكابر علماء المعتزلة، وهذه التأويلات التي ذكرها لصفة اليدين من التأويلات الباطلة، وهي عين التحريف الذي ذم الله عليه أهل الكتاب الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
وأما الأشعرية فقد أفصح عن مذهبهم "عبد القاهر بن طاهر البغدادي" حيث قال: في صفة اليدين "وتأولهما بعض أصحابنا على معنى القدرة ... وذلك صحيح على
стр. 163
المذهب إذ أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء ولذلك قال في آدم ﵇ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ووجه تخصيصه آدم بذلك أن خلقه بقدرته لا على مثال سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام" اهـ١.
وقال البيجوري: فالسلف يقولون لله وجه ويد وأصابع لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد من الوجه الذات، وباليد القدرة والمراد من قوله بين أصبعين من أصابع الرحمن "بين صفتين من صفاته وهاتان الصفتان القدرة والإرادة"٢.
وهذه التأويلات المتقدمة للمعتزلة والأشعرية لصفة اليدين بالنعمة والقدرة والقوة تأويلات باطلة بعيدة عن الصواب بمسافات بعيدة ويرد على الفريقين من وجوه:
الوجه الأول: إن الأصل في الكلام الحقيقة، فدعوى المجاز مخالف للأصل.
الوجه الثاني: أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى.
الوجه الثالث: إن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز. ألا ترى إلى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، فلو كان مجازاً في القدرة أو النعمة لم يستعمل منه لفظ يمين وقوله في الحديث: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" ٥.
فلا يقال: هذه يد النعمة، أو القدرة، وقوله "يقبض الله سماواته بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك"٦ فههنا هز وقبض، وذكر يدين، ولما أخبر ﷺ جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقاً للصفة لا تشبيهاً لها.
الوجه الرابع: أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية، ولا يستعمل إلا مفرداً،
стр. 164
أو مجموعاً، كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أيادي، وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقة.
الوجه الخامس: أن ليس في المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية، بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعاً﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢ وقد يجمع الله النعم كقوله ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٣ وأما أن يقول: خلقتك بقدرتين وبنعمتين فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله ﷺ .
الوجه السادس: أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد هنا القدرة فإنه يبطل تخصيص آدم فإنه وجميع المخلوقات حتى ـ إبليس ـ مخلوق بقدرة الله.
الوجه السابع: أن هذا التركيب المذكور في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه ـ سبحانه ـ ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه٤.
قال ابن خزيمة في صدد رده على الجهمية المؤولين لليد بالنعمة "وزعمت الجهمية والمعطلة أن معنى قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمتاه، وهذا تبديل لا تأويل والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق البارئ ولله يدان لا أكثر منها كما قال لإبليس لعنه الله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥ فأعلمنا الله ـ جل وعلا ـ أنه خلق آدم بيديه فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلاً لكلام الله" اهـ٦.
وقال العلامة أبو الحسن الأشعري: "وقد اعتل معتل بقول الله
стр. 165
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ١ الأيدي القوة أن يكون معنى قوله "بيدي" بقدرتي وقيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه آخرها أن "الأيد" ليس بجمع لليد لأن جمع يد التي هي النعمة "أيادي" وإنما قال ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فبطل بذلك أن يكون معنى قوله "بيديَّ" معنى قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وأيضاً فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقول مخالفنا وكاسر لمذاهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فيكيف يثبتون قدرتين" اهـ ٢.
وخلاصة القول مما تقدم في هذا المبحث أن لله ـ تعالى ـ يدين حقيقيتين تليقان بجلاله، وأن ما ورد في شأن اليد من الإمساك والطي والقبض والبسط والحثيات والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها وأنه مسح ظهر آدم بيده إلى غير ذلك مما ورد في شأنها يدل دلالة واضحة على أنها يد حقيقة، كما أخبر بذلك ـ جل وعلا ـ وأن تأويلها بالقدرة، أو النعمة تأويل ظاهر البطلان ٣.
стр. 166
الفصل الثاني: دلالات السورة على توحيد العبادة
المبحث الأول: تعريف توحيد العبادة
...
المبحث الأول: تعريف توحيد العبادة
هو إفراد الله ـ تعالى ـ بأفعال عباده التي تعبدهم بها كالنحر، والنذر، والدعاء والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والخشوع والخشية والإستعاذة، والإستعانة، والإستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة التي شرعها الله وأمر بها عباده١.
ومعناه: بعبارة أخرى: أن يعتقد الإنسان الإعتقاد الجازم بأن الله ـ سبحانه ـ هو الإله الحق، ولا إله غيره، وإفراده ـ سبحانه ـ بالعبادة وبيان ذلك أن الإله هو المألوه٢ أي المعبود. والعبادة في اللغة هي الإنقياد والتذلل، والخضوع يقال: طريق معبد أي: مذلل٣ وقد عرفها بعض أهل العلم "بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع والخوف"٤.
قال العلامة ابن القيم:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
بالأمر قال الله قال رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان٥
فلا بد في عبادة الله من أن يجتمع الأمران، فلا يكفي أحدهما في عبادته، بل يجب
стр. 167
على الإنسان، أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة، والذل التام إلا الله وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفه الشامل لمعنى العبادة:
"العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة، والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار اليتيم والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضاء بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله" اهـ٢.
ومن هذا التعريف الجامع لمعنى العبادة التي هي حق الله على عباده يتبين أنه لا بد للعبادة من أمرين:
الأمر الأول: هو أن يلتزم العبد بما أمر الله به ودعت إليه رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وبهذا الأمر يكون معنى العبادة الطاعة والخضوع إذ الذي لا يستسلم لأمر الله ويحرم ما حرم الله فلا يكون عبداً ولا عابداً لله ـ تعالى ـ.
الأمر الثاني: أن يكون هذا الإلتزام صادراً عن قلب ممتلئ بمحبة ـ الباري سبحانه ـ إذ أنه ليس في هذا الوجود من يستحق المحبة الكاملة إلا الله ـ جل وعلا ـ لأنه ـ سبحانه ـ هو الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه وأسبغ عليه النعم الظاهرة والباطنة وتوحيد الإلهية أساسه إخلاص العبادة لله وحده في باطنها وظاهرها بحيث لا يكون شيء منها لغيره ـ سبحانه ـ فيجب على المرء أن يخلص لله جميع أنواع العبادة من المحبة، والخوف، والرجاء، والدعاء، والتوكل، والطاعة، والتذلل، والخضوع، وأن يتوجه بها لله وحده دون سواه.
стр. 168
المبحث الثاني: وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد العبادة
لقد وردت آيات كثيرة في السورة كلها توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي. فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ .
هذه الآيات الكريمة من السورة تقرر أنه ـ سبحانه ـ هو الذي يستحق أن توجه له العبادة بجميع أنواعها الإعتقادية والقولية والعملية وليس لأحد سواه كائناً من كان أي شيء من أنواع العبادة، كما تقرر أن أي نوع من أنواع العبادة لم يوجه لله، أو وجه له، ولكن فيه شركة لغيره معه، فإنه باطل، وغير مقبول، لأن الله ـ تعالى ـ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، وأن من عمل أي عملٍ لله، وأشرك معه فيه غيره من المخلوقين كائناً من كان فإن الله يتركه وشركه، لأنه ـ سبحانه ـ أغنى الشركاء عن الشرك.
فالآيات المتقدمة عددها ثمان آيات كلها دلت على وجوب إفراد الله ـ تعالى ـ بتوحيد العبادة وتجريدها له وحده دون سواه.
стр. 169
فالآية الأولى: منها هي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ فهذه الآية أمر من الله ـ جل وعلا ـ لنبيه محمد ﷺ بأن يخلص لله جميع دينه من العبادات الظاهرة والباطنة، وأن يفرد الله بها وحده، ويقصد بها وجهه ولا يتطلع إلى أي مقصد آخر، وأمته تبع له في ذلك، وإن كان الخطاب موجهاً له أصلاً وذاتاً فالخطاب موجه إلى كل مكلف من العباد.
قال العلامة ابن جرير حول هذه الآية: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ :
"يقول تعالى ذكره: فاخشع لله يا محمد بالطاعة، وأخلص له الألوهية وأفرده بالعبادة ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكاً كما فعلت عبدة الأوثان" اهـ١.
وقال ابن كثير: أي: "فاعبد الله ـ وحده ـ لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له ـ وحده ـ وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد"٢.
وأما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فهي تقرير للأمر في الآية السابقة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فكما أنه ـ سبحانه ـ له الكمال المطلق، وله التفضل كله على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الذي صفي من كل شوائب الشرك صغيرها، وكبيرها، وهذا هو الدين الذي ارتضاه لنفسه وارتضاه لرسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وأمرهم به لأنه يتضمن التأله لله في حبه ورجائه، وخوفه، والإنابة إليه في العبودية، والرجوع إليه في تحصيل جميع المطالب لعباده، ومتى كانت العبادة خالصة لله كانت سبباً لصلاح القلوب وتزكيتها وتطهيرها أما إذا كانت ملوثة بالشرك فإن الله بريء منها، وليس له فيها شيء فهو الغني عن عبادة شابها شرك لأنه ـ سبحانه ـ أغنى الشركاء عن الشرك الذي هو مفسد للقلوب والأرواح ومشقٍ للنفوس في الآخرة والأولى.
وأما الآية الثالثة: فهي قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ فهذه الآية أيضاً: فيها الأمر من الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ بأن يقول للمشركين من قومه: إن الله أمره أن يعبده مفرداً له الطاعة دون كل ما يدعى من دونه من الآلهة والأنداد التي يعبدها المشركون.
стр. 170
قال ابن كثير: "وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله ـ وحده ـ لا شريك له"١.
وأما الآية الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
وهذه الآية أيضاً: فيها أمر من الله ﷻ لنبيه محمد ﷺ بأن يكون أول المسلمين من أمته. قال أبو عبد الله القرطبي٢: "وكذلك كان فإنه كان أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام، وحطمها وأسلم لله وآمن به ودعا إليه ﷺ " اهـ٣.
والحال كما أخبر به القرطبي فإنه ﵊ كان سباقاً إلى امتثال أمر الله لأنه الداعي للخلق إلى ربهم فيقتضي أن يكون أول منفذ لأمر الله ومطبقاً له، وأول من يسلم وجهه لله، وهذا الأمر لا بد من وقوعه منه ﵊ وكذلك لا بد أن يكون من ادعى أنه من أتباعه فلا بد من الإسلام في جميع الأعمال الظاهرة والإخلاص لله في جميع الأعمال الظاهرة والباطنة.
وأما الآية الخامسة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ .
هذه الآية أيضاً: نصت على أن الله أمر نبيه ﷺ أن يعلن لكفار قريش أنه لا يعبد إلا لله العبادة الخالصة ويفرده وحده بالطاعة.
قال ابن جرير حول هذه الآية: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ "قل يا محمد لمشركي قومك: الله أعبد مخلصاً، مفرداً له طاعتي، وعبادتي لا أجعل له في ذلك شريكاً ولكني أفرده بالألوهية، وأبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة" اهـ٤.
وأما الآية السادسة: فهي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
стр. 171
هذه الآية: سمتها التهديد والوعيد الشديد لمن خذل نفسه وأصر على كفره وإشراكه بالله ـ تعالى ـ بعبادته ما سواه من الأحجار وغيرها من المعبودات التي عبدت من دون الله، فلم يستجب لأوامر الله التي تقضي بإفراده ـ سبحانه ـ بالعبادة التي هي خالص حقه على عباده.
كما تضمنت التبرِّي ممن حاله كذلك, وبينت الخسارة التي تلحق أهل الإشراك وتحل بهم في الآخرة وتلك الخسارة هي خسارة الأنفس والأهل يوم القيامة حيث يتفارقون فلا يلتقون سواءً ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أمر بهم إلى النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور.
قال عبد الله بن عباس ﵄: "وليس من أحد إلا وقد خلق له زوجة في الجنة فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله"١.
وقال ابن زيد: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: "هؤلاء أهل النار خسروا أنفسهم في الدنيا وخسروا الأهلين، فلم يجدوا في النار أهلاً، وقد كان لهم في الدنيا أهل".
وقال مجاهد: "غبنوا أنفسهم وأهليهم قال: يخسرون أهليهم فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم، ويخسرون أنفسهم فيهلكون في النار فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما"٢ وهذا هو الخسران الظاهر البين الذي لا يصل في درجته أي خسران وسيحل بهم هذا الخسران عقوبة لهم على إشراكهم بالله العظيم حيث عبدوا معه من لا يستحق العبادة، وطأطئوا رؤوسهم لمخلوقين مثلهم لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً، ولا حياة ولا نشوراً، وبذلك حل بهم خسران ليس مثله خسران، وهو خسران دائم لا ربح بعده ولا سلامة.
وأما الآية السابعة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ هذه الآية تضمنت استنكاراً بليغاً صدع به الرسول ﷺ بعد أن أمره الله ـ تعالى ـ به، وهو أن يقول للمشركين الذين طلبوا منه أن يعبد آلهتهم أو يكف عن تحقيرها: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ
стр. 172
اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
قال عبد الله بن عباس ﵄: "إن قريشاً دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجلاً بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكف عن شتم إلهتنا ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة. قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. َلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد. ُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وأنزل ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١.
وهذا العرض من المشركين ينبئ عن فرط جهلهم وسخافة عقولهم حيث ظنوا أن القضية مساومة، ولم يدركوا أن أمر العبادة والعقيدة هو أمر الله وحده، وليس للرسول ﷺ من ذلك شيء، وإنما الأمر في ذلك لله وحده لا شريك له، فهو ـ سبحانه ـ الآمر الذي لا راد لأمره وهو الذي يحكم فلا معقب لحكمه، فيتضح من هذا أنه لا التقاء بين التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وبين الشرك الذي امتلأت به قلوب المشركين، وخيم على عقولهم لأنهم ليسوا على دين وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون بتوجيههم العبادة التي هي لله على عباده إلى من لا يستحقها من المخلوقات والجمادات بدعوى أنها تقربهم إلى الله زلفى وليس كذلك، وإنما تزيدهم عن الله بعداً، ومن النار قرباً.
وأما الآية الثامنة: فهي قوله تعالى: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ .
قال العلامة ابن جرير: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته بل الله فاعبد دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته، والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان" اهـ٢.
وقال ابن كثير: " ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك" اهـ٣.
وبهذه الآيات المتقدمة يتبين لنا أن توحيد الألوهية هو أول الدين وآخره وباطنه
стр. 173
وظاهره، وهو أول دعوة المرسلين وآخرها، ومن أجله خلق الله الخلق قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
قال العلامة ابن القيم: "إن الله ـ سبحانه ـ إنما خلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهو غاية الخلق والأمر، ونفيه كما يقول أعداؤه: هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه وهو ـ سبحانه ـ يحب أن يعبد ويطاع، ولا يعبأ بخلقه شيئاً لولا محبتهم له، وطاعتهم له، ودعاؤهم له، وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك، وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثاً وباطلاً وسدى، وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين، والإله الحق، فإذا خرج عن أحب الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة، وصار كأنه خلق عبثاً لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكاً ودغلاً، فإذا راجع ما خلق له، وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة ـ الرب ـ له فإن الله يحب المتطهرين"اهـ٢.
ومن أجل هذا النوع من أنواع التوحيد ـ توحيد الألوهية ـ انقسم الخلق إلى مؤمنين وكافرين.
قال شيخ الإسلام: "وهذا التوحيد هو الفارق يبن الموحدين والمشركين وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة فمن لم يأت به كان من المشركين"٣.
стр. 174
المبحث الثالث: أهمية الإخلاص في توحيد العبادة
لقد دلت السورة على أهمية الإخلاص في أربع آيات:
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ... ﴾ .
هذه الآيات الأربع من السورة فيها بيان أهمية الإخلاص في توحيد العبادة، وكما نرى أن الأمر بالإخلاص جاء مشفوعاً بالأمر بالعبادة، لأن الإخلاص هو روح العبادة وعمودها الذي تقوم عليه، فالعبادة بدون إخلاص عبادة مردودة على صاحبها لأنها لم توجه إلى الله ـ وحده ـ لا شريك له، ومتى شاب العبادة قصد غير الله ـ تعالى ـ اعتبرت لاغية لا قيمة لها، ولا فائدة منها سوى التعب لصاحبها لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
فالآيات الأربع دلت على وجوب الإخلاص في العبادة.
فالآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يعبد الله تعالى عبادة مصحوبة بالإخلاص وأمته تبع له في هذا الأمر والأمر دال على الوجوب فيجب عليهم أن يخلصوا دينهم لله ويبعدوا أنفسهم عن كل شوائب الشرك.
وأما الآية الثانية من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
قال القرطبي: "أي: الذي لا يشوبه شيء"١.
стр. 175
وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله"١ وعلى هذا التفسير يكون معنى الآية ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.
وقال العلامة ابن كثير: " ﴿ألا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله ـ وحده ـ لا شريك له"اهـ٢.
وأما الآية الثالثة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
فهذه الآية أيضاً: أمر بعبادة الله ـ تعالى ـ العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.
وأما الآية الرابعة: فهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ وهذه الآية إخبار بأنه ﵊ أمر بأن يخص الله ـ تعالى ـ وحده بالعبادة مخلصاً له دينه ولا يعبد أحداً غيره فقوله ﴿اللهَ أَعْبُدُ﴾ يفيد الحصر أي: لا أعبد أحداً غير الله تعالى.
فالسورة بينت من خلال تلك الآيات الأربع أهمية الإخلاص ودلت على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته ربه لتكون عبادته مقبولة عند الله ـ تعالى ـ، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية فإنه ينبغي للمرء معرفته كي يعينه ذلك على تحقيقه في توحيده ربه ـ جل وعلا ـ في جميع الأعمال.
ونذكر تعريفه هنا تسهيلاً لفهمه، وإدراكاً لمعناه:
معنى الإخلاص في اللغة:
جاء في المصباح المنير: "خلص الشيء من التلف" من باب ـ قعد ـ "وخلاصاً" و"مخلصاً" سلم ونجا و"خلص" الماء من الكدر صفا، و"خلصته" بالتثقيل ميزته من غيره اهـ٣. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب "الإخلاص" على الزبد إذا خلص من اللبن والثفل.
стр. 176
و"الخلاص" في لغة العرب. ما أخلصته النار من الذهب والفضة والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع، ويقولون: خالصُه في العشرة صافاه١.
وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً﴾ ٢ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.
وقال تعالى في إخوة يوسف: ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ ٣. أي: انفردوا وتميزوا عمن سواهم. وقال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ٤ أي: لا يشركهم الإناث.
وأما حقيقة الإخلاص في الشرع:
فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.
جاء في المفردات لغريب القرآن: "فحقيقة الإخلاص: التبرِّي عن كل ما دون الله تعالى"٥.
وعرَّفه أبو القاسم القشيري٦: بأنه "إفراد الحق ـ سبحانه ـ وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقريب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله "٧.
وقال في موضع آخر: "يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين"٨.
стр. 177
وعرفه العز بن عبد السلام قائلاً: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيماً من الناس ولا توقيراً، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي"١.
وقال سهل بن عبد الله٢: "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله ـ تعالى ـ خالصة"٣.
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض"٤.
وقد ذكر الإمام ابن القيم؛ ما يقارب ثلاثة عشر تعريفاً للإخلاص٥ وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر إلى غير ذلك من أعراض الدنيا٦.
وقد بين ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان قال رحمه الله تعالى:
"فحقيقة الإخلاص": توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالإستسلام المحض للمتابعة، فهذه الأركان الثلاثة هي: أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر فسيره، إما إلى عكس جهة مقصودة، وإما سير المقعد والمقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى الخلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة: فذاك الذي لا يجارى في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم٧
стр. 178
ولأهمية الإخلاص في توحيد العبادة كان أحد ركنيه، والصدق ركنه الآخر.
قال العلامة ابن القيم:
فلو أحدكن واحداً في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
هذا وثاني التوحيد ... توحيد العبادة منك للرحمن
فنقوم بالإخلاص والإحسان ... في سر وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك ... التوحيد كالركنين للبنيان١
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والستة، وكثرت أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
"فهذه الآية فيها توجيه من الله ـ تعالى ـ لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله ـ تعالى ـ بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى"٣.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٤.
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٥، فلا يمكن أن يكون العمل خالصاً إلا إذا جرد
стр. 179
الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١.
فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباءً منثوراً ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٢، والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله ـ وحده ـ لا شريك له كثيرة جداً في كتاب الله ـ تعالى ـ وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهراً، وباطناً.
والقرآن الكريم عندما يطلق اسم "الإخلاص" لا يريد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه فلا يقصد بعبادته ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا يعبد شجراً، ولا حجراً، ولا شمساً، ولا قمراً، الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعاً فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
وقد أكدت السنة على أهمية الإخلاص في عبادة الله تعالى في أحاديث كثيرة منها:
١ ـ ما رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : عن الرجل يقاتل رياءً ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٤.
فقد بين ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه
стр. 180
رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو يقاتل حمية كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ ـ وروى الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"١.
قال العلامة ابن القيم: "أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلاَّ، ودغلاً، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول"٢.
٣ ـ وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله ـ تعالى ـ زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته.
دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي ... وفيه فقلت: يا رسول الله أخلَّف بعد أصحابي قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ... " الحديث٣.
٤ ـ وأخبر ﵊ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار "قارئ القرآن والمجاهد، والمتصدق بماله"٤.
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله ـ تعالى ـ فكانوا من