← Акыда

Акыда · id 12059

مباحث العقيدة في سورة الزمر

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (696 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الثاني: الحاكم الجائر المغيِّر لأحكام الله ـ تعالى ـ وقد ذم الله من تلبس بذلك قال ـ تعالى ـ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١. قال العلامة ابن كثير: بعد أن ذكر أنها نزلت فيمن طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى حاكم الجاهلية وغير ذلك قال: "والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا" اهـ٢. وقد أقسم الباري ـ سبحانه ـ بنفسه على عدم إيمان من لم يحكم الرسول ﷺ قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٣. قال العلامة ابن القيم "أقسم ـ سبحانه ـ بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والإعتراض فهنا قد يحكِّم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه، ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والإنقياد إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه، والتسليم أخص من انتفاء الحرج، فالحرج مانع، والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء الحرج حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغاً منه ومن الرضى به والتسليم له، فتأمله وعند هذا يعلم أن الرب ـ

стр. 247

تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الإمتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا؟ اهـ١. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله وهذا يخرج صاحبه من ملة الإسلام إلى الكفر قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢. هذا النوع من أخطر الأمور وأعظمها جرماً على من يحكم بغير ما أنزل الله ويقرر شريعة للناس من عند نفسه ويحرم ما لم يأذن به الله ـ تعالى ـ وهذا من نواقض كلمة التوحيد التي هي الشهادة بأن الله هو الإله الذي تألهه القلوب بالحب والتعظيم والطاعة والإنقياد، ومن أشدها أيضاً مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله فهو المطاع فيما أمر ونهى عنه وزجر، ولو فهم العباد هذا لما بقي لطاغية في الأرض وجود ولما استطاع مخلوق مهما كانت مكانته أن يضع تشريعاً مضمونه الكفر بالله ويكون سبباً في تنحية شرع الله الحكيم ويرفع من شأن القانون الأثيم. والناظر في حال المسلمين اليوم يجد أنهم اهتموا اهتماماً بالغاً بالقوانين البشرية وزهدوا في الأحكام السماوية إلا من رحم الله، ونتيجة لهذا الإنحراف نزل بهم الذل والهوان وتسليط الأعداء فسلبوا أراضيهم وقتلوا شيوخهم وأطفالهم وانتهكوا أعراضهم وذلك بسبب بعد المسلمين عن حكم الله ورسوله وتحكيم ما اخترعته العقول الضالة، أصحابها يعادون الإسلام والمسلمين بكل ما أوتوا من قوة ولنستمع إلى ما ذكره ابن كثير في شأن ما حل بالمسلمين أيام التتار وذلك عند قوله ـ تعالى ـ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣. قال ﵀: "ينكر الله ـ تعالى ـ على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم، وكما يحكم به التتار من سياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم "جنكزخان" الذي وضع لهم الياسق "وهو عبارة عن كتاب مجموع

стр. 248

من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير"١. ولقد وضح لنا الشيخ محمد بن إبراهيم٢ ﵀ تعالى ـ الصور التي إن فعلها الحاكم أخرجته من الملة فقال: الصورة الأولى: إذا جحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله وهو معنى ما روي عن ابن عباس واختاره ابن جرير٣ وجحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن من الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول ﷺ قطعياً فإنه كافر كفراً ينقل عن الملة. الصورة الثانية: إن لم يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أن حكم الله ورسوله حي ولكنه اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس وما استجد لهم من حوادث نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال فهذا لا ريب في كفره لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي زبالة الأذهان وحثالة الأفكار على حكم الحكيم الخبير، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسول الله ﷺ نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك علم ذلك من علمه وجهله من جهله. الصورة الثالثة: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ولكن اعتقد أنه مثله فهذا كالنوعين السابقين كافر كفراً ينقل عن الملة لما في ذلك من تسوية المخلوق بالخالق.

стр. 249

الصورة الرابعة: من اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهو كالذي قبله. الصورة الخامسة: من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله: إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو غيرها من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة. الصورة السادسة: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم" يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به رغبة وإعراضاً عن حكم الله. أما الكفر الذي لا ينقل عن الملة: والذي ورد عن ابن عباس ﵄ بأنه كفر دون كفر وقوله أيضاً: "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه" فذلك مثل أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها الله كفراً" اهـ١. ولخطورة هذا النوع من رؤوس الطواغيت أسهبنا في الكلام حوله إذ الحكم بغير ما أنزل الله قد عم وطم الكثير من الكرة الأرضية إلا من رحم الله ـ تعالى ـ مثل بعض البلدان التي أراد الله لها الخير فتمسكت بكتاب ربها وسنة نبيها فحماه الله من الاضطرابات وعمها الخير والرخاء. النوع الرابع من رؤوس الطواغيت: من اصطاده الشيطان وأحكمه في شراكه فيدعي العلم بالغيب من دون الله ـ تعالى ـ وهذا مما اختص الله به دون غيره. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.

стр. 250

فالعراف والكاهن والرمال والمنجم كلهم محادون لله ورسوله إذ أنهم يدعون العلم بالمغيبات وذلك تكذيب للقرآن والسنة إذ التصريح فيهما بأن علم الغيب من خصائص الألوهية، ومن ادعى علم الغيب فقد أنزل نفسه منزلة الألوهية وكل من ادعى ذلك يعد من المردة أهل الفجور ولو ادعى الصلاح والتقى فإن ذلك كذب وبهتان، لأن التقي الصالح لا يدعي علم الغيب ولا ينازع الله في ربوبيته ولو ادعى هذا لخرج من الإسلام لأن مدعي ذلك كذّب على الله ورسوله فقد قال تعالى لرسوله ﷺ آمراً له بأن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ١. وأن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢. إلى غير ذلك من الآيات التي تجرد علم الغيب لله وحده وتنفيه عن غيره من الأنبياء والمرسلين فضلاً عن غيرهم والذي يتأمل ما عليه القبوريون من الاعتقادات الباطلة في أن الأولياء يعلمون الغيب وأنهم النور الفائض من الله وأن فيهم من صفات الربوبية مثل العلم والقدرة والكرم ولذلك يفزعون إليهم في يسرهم وعسرهم ويحبونهم كما يحب المؤمنون ربهم ويدعونهم كدعاء المؤمنين إلههم لا قوة إلا بالله. النوع الخامس: من رؤوس الطواغيت الذي يعبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣. قال ابن جرير ﵀ تعالى ـ يقول ـ تعالى ـ ذكره: ﴿وَمَنْ يَقُلْ﴾ من الملائكة ﴿إني إله من دون الله فذلك﴾ الذي يقول ذلك منهم ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ يقول: نثيبه على قيله ذلك جهنم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: كما نجزي من قال: من الملائكة إني إله من دون الله جهنم كذلك نجزي ذلك كل من ظلم نفسه، فكفر بالله وعبد غيره. وقيل: عنى بهذه الآية إبليس، وقال قائلون ذلك: إنما قلنا ذلك لأنه لا أحد من

стр. 251

الملائكة قال: إني إله من دون الله سواه. وروي عن ابن جريج وقتادة "أن الآية خاصة بإبليس لأنه دعا إلى عبادة نفسه فنزلت الآية في إبليس"١. والذي نخلص إليه مما قدمنا ذكره أن الطاغوت شامل لكل معبود دون الله وكل رأس ضلال يدعو إلى الباطل ويزينه لمتبعيه كما أنه يشمل كل من نصبه الناس للحكم بينهم فحكم بأحكام الجاهلية المنتنة المضادة لحكم رب العالمين وحكم رسوله الأمين ﷺ ، فالحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت لأنه نصب نفسه منصب الإله المشرع، وهنا يظهر معنى مجاوزة الحد في معنى الطاغوت، فإن الحاكم ملزم بأن يتقيد بأحكام ـ الرب سبحانه ـ التي أنزلها لعبيده وأوضحها لهم فعليه أن يطبقها في غاية من الدقة والتحري سواءاً بسواء فإذا ما عدل عنها وحكم برأيه وهواه فإنه نزل نفسه منزلة الإله المشرع لخلقه وتجاوز حده المحدود له من كونه عبداً لله ينفذ أحكامه إلى إله مشرع يحكم بما يريد فتجاوز حد العبودية إلى منزلة الألوهية فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حده الذي حد له، كما أنه يدخل في معنى الطاغوت الكاهن والساحر وسدنة الأوثان الداعين إلى عبادة المقبورين لأنهم ينسجون من الحكايات المضلة للجهال والموهمة بأن المقبور ونحوه يقضي الحاجات للذين يقصدونه ويتوجهون إليه وأنه فعل كذا وكذا مما هو كذب صريح، أو هو من فعل الشياطين. وبمثل هذه الأكاذيب والأباطيل يوقعون الناس في الشرك الأكبر ولواحقه. "فكل ما صرف الناس عن عبادة ربهم وطاعته فهو طاغوت. فالأوثان والمشاهد والأشجار والقباب التي تعبد من دون الله إنما هي طواغيت لأنها صرفت الكثير من الناس عن عبادة ربهم بحيث صرفوا لها كثيراً من أنواع العبادات وألهوها. وأصل أنواع الطواغيت كلها وأعظمها إبليس فهو الطاغوت الأكبر والعدو الأعظم لأنه يصرف الناس عن عبادة خالقهم ويغويهم فيعبدون غير الله ويسفكون الدماء ويحلون الحرام ويحرمون الحلال نسأله ـ تعالى ـ أن لا يجعل للشيطان علينا سبيلاً"٢.

стр. 252

المبحث العاشر: عبودية الإنابة إن الإنابة نوع من أنواع العبادة لا تصح إلا لله ـ سبحانه ـ ولا يجوز صرفها إلا له وحده لا شريك له، وقبل أن نذكر الآيات الواردة في السورة التي دلت على أن الله ـ تعالى ـ تعبد بها عباده نذكر تعريفها في اللغة والشرع حتى يعرف الإنسان حقيقتها ويوجهها إلى ربه ـ جل وعلا ـ. أما تعريفها في اللغة: فقد جاء في الصحاح للجوهري: "وأناب إلى الله ـ تعالى ـ أقبل وتاب"١ وجاء في القاموس: "وناب زيد إلى الله ـ تاب ـ" اهـ٢. وجاء في المصباح المنير: "وأناب زيد إلى الله ـ تعالى ـ إنابة رجع"اهـ٣. وجاء في اللسان: "وناب فلان إلى الله ـ تعالى ـ وأناب إليه إنابة فهو منيب: أقبل وتاب، ورجع إلى الطاعة، وقيل: ناب لزم الطاعة وأناب تاب ورجع.. إلى أن قال: الإنابة الرجوع إلى الله بالتوبة، وفي التنزيل العزيز: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْه﴾ ٤ أي: راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شيء من أمره"٥ اهـ. ومن هذه التعاريف اللغوية يتبين لنا أن الإنابة هي الإقبال على الله والتوبة إليه.

стр. 253

وأما تعريفها في الشرع: فقد ذكر لها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى تعريفين: فقال: الإنابة هي: عكوف القلب على الله كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال، والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له، والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على الله ـ وحده ـ عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الحنفاء ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ١ فكان حظ قومه العكوف على التماثيل وكان ـ حظه ـ العكوف على الرب الجليل٢. وقال ﵀ معرفاً لها بتعريف آخر: "والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي: تتضمن المحبة، والخشية فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل"٣ اهـ. ولقد دلت سورة "الزمر" على أن الإنابة عبادة لله في ثلاث آيات منها: قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . فهذه الآيات الثلاث دلت على أن الإنابة نوع من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها ـ للباري جل وعلا ـ

стр. 254

فالآية الأولى: هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ الآية: فقد أوضح الله ـ تعالى ـ فيها أن الإنسان الكافر بربه ـ سبحانه ـ عندما ينزل به البلاء والشدة، وتلحقه المضرة إما في نفسه أو ماله، أو ولده فإنه يلجأ إلى الله منيباً إليه ومستغيثاً به ـ وحده ـ ليكشف عنه ما نزل به وأصابه فإذا ما تفضل الله عليه بالنعم، والعطاء والرخاء نسي ـ ربه ـ الذي أناب إليه وقت الشدة ونسي حالته التي كان عليها في حال الشدة فجعل لله الشركاء والأنداد فيعبدهم مع الله أو يخصهم دونه بالعبادة ليضل نفسه وغيره عن دين الحق والتوحيد الذي هو الطريق الموصل إلى الله ـ سبحانه ـ. قال العلامة ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ﴾ بلاء في جسده من مرض، أو عاهة، أو شدة في معيشته وجهد وضيق ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ يقول استغاث بربه الذي خلقه من شدة ذلك ورغب إليه في كشف ما نزل به من شدة ذلك، وقوله: ﴿مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ يقول: تائباً إليه مما كان من قبل ذلك عليه من الكفر به، وإشراك الآلهة والأوثان في عبادته، راجعاً إلى طاعته" اهـ١. وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ . فهذه الآية إخبار من الله ـ جل وعلا ـ أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة الذين أنابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له فانصرفت دواعيهم عن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات والبشرى التي ذكرها الله ـ تعالى ـ لأهل الإنابة لا يعلم وصفها إلا هو وهي شاملة للبشرى في حياتهم الدنيا بالثناء الحسن، وتكلؤهم عناية الله التي يحسون من خلالها أنهم إذا قدموا على ربهم فلهم عنده الكرامة في الدار الآخرة بحيث يحل عليهم رضوانه وبره وإحسانه وأمانه في الجنة، وما أعظمها من كرامة التي لا تساويها أي كرامة. قال العلامة عماد الدين ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة

стр. 255

الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" اهـ١. وأما الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . فهذه الآية تضمنت الأمر من الله ـ تعالى ـ لجميع عباده بالإنابة إليه وحده دون سواه وأن يسلموا له أنفسهم وقلوبهم وينقادوا له انقياداً تاماً ظاهراً وباطناً عن طواعية ورضا قبل أن ينزل بهم العذاب فلا يجدون من ينصرهم من دونه ويدفع عنهم عقابه لأنه لا طاقة لأحد في مواجهة عذاب الله الذي يحل بالمتمردين على أوامر الله ونواهيه. قال العلامة ابن جرير حول قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ "يقول تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة وارجعوا إليه بالطاعة واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وإفراد الألوهية له، وإخلاص العبادة له ... إلى أن قال: قال ابن زيد: الإنابة: الرجوع إلى الطاعة والنزوع عما كانوا عليه ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ يقول: واخضعوا له بالطاعة" اهـ٢. فتبين من الآيات الثلاث الواردة في السورة في شأن الإنابة، أن الإنابة نوع من أنواع العبادة يجب على العبد أن يحققها ويجعلها من خالص حقه ـ تعالى ـ فلا ينيب إلا إلى ربه، ولا يتوب إلا إليه لأن مغفرة الذنوب من حقه ـ تعالى ـ وليس لأحد سواه من ذلك شيء. الإنابة نوعان: النوع الأول: إنابة لرُبوبيته ـ تعالى ـ وهي إنابة كل المخلوقات وهذا النوع مشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ٣ فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع وهذه الإنابة ليس من مستلزماتها الإسلام، بل تجتمع مع الشرك والكفر كما جاء في تمام هذه الآية ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ٤ فهذه حالهم بعد الإنابة.

стр. 256

النوع الثاني: إنابة أولياء الله الموحدين المخلصين المنقادين وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية، ومحبة وهذه تتضمن أربعة أمور: الأمر الأول: محبة الله ـ تعالى ـ. الأمر الثاني: الخضوع له ـ سبحانه ـ. الأمر الثالث: الإقبال عليه دون سواه. الأمر الرابع: الإعراض عما سواه ـ تعالى ـ. ولا يستحق اسم "المنيب" إلا من اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة وتفسير السلف لهذه "اللفظة يدور على ذلك، وفي اللفظة معنى الإسراع، والرجوع والتقدم و"المنيب" إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت، المتقدم إلى محابه"١ اهـ. وعندما نتصفح كتاب الله الذي أنزله الله موعظة للناس وشفاء لما في الصدور وهدى، ورحمة لعباده المؤمنين نجد أن الإنابة أخص وصف أثنى الله به على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وجعلها ـ سبحانه ـ من أبرز صفات عباده الموحدين. قال تعالى في معرض ثنائه على خليله إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ٢. فلقد وصف الله إبراهيم بثلاث صفات في هذه الآية آخرها الإنابة. وقال تعالى عن نبيه داود ﵊: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ ٣. وفي هذه الآية أيضاً: وصف الله نبيه داود ﵊ بثلاث صفات آخرها الإنابة. وقال تعالى حكاية عن نبيه شعيب ﵊: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٤، وأخبر ـ تعالى ـ أن آيته الدالة على ربوبيته وألوهيته إنما يتبصر بها ويتذكر أهلُ الإنابة قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا

стр. 257

مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ﴾ ٢. وقال تعالى مخاطباً نبيه ﵊ وأمته تبع له في ذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣. فقوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ في إعرابها وجهان: الوجه الأول: إما أن تكون منصوبة على الحال من الضمير المستتر في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ إذ الخطاب له ولأمته أي أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤. الوجه الثاني: أن تكون حالاً من المفعول في قوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي فطرهم منيبين إليه فلو تركوا وفطرهم لما حادت عن الإنابة ولكنها تنحرف وتتغير كما فطرت نتيجة للمؤثرات الخارجية. قال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" ٥. وقوله ﵊: "قال الله تعالى خلقت عبادي حنفاء كلهم وأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" ٦. وقال ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً" ٧. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالنفس إذا تركت كانت مقرة لله

стр. 258

بالإلهية محبة له تعبده لا تشرك به شيئاً ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل" اهـ١. ولقد أعلمنا ـ سبحانه ـ أن ثوابه العظيم وجنته التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إنما هي لأهل الخشية والإنابة قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ ٢. ومن علامة إسعاد الله ـ تعالى ـ عبده أن يرزقه الإنابة والرجوع إليه ـ سبحانه ـ، ومن علامة الشقاوة للعبد أن يغويه الشيطان فيكون معجباً بعمله ولا ينيب إلى ربه. روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده من حديث جابر بن عبد الله رضي الله ـ تعالى ـ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة"٣. مراتب الناس في الإنابة: إن الناس على مراتب في إنابتهم إلى الله ـ تعالى ـ وأنهم فيها على درجات متفاوتة، فهم متنوعين في رجوعهم إلى ربهم الذي خلقهم ورزقهم من حيث الدافع لهم وهم أقسام. القسم الأول: من ينيب إلى الله ـ سبحانه ـ بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة منبعها مطالعة الوعيد الذي أعده الله للمخالفين العصاة. والباعث عليها العلم والخشية والحذر. القسم الثاني: من الناس من ينيب إلى الله بالدخول في أنواع العبادات، والكربات فهذا الصنف يسعى بجد واجتهاد لأن فعل الطاعات وأنواع القربات محبب إليه، وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد، والثواب ومحبة الكرامة من الرب ـ سبحانه ـ وهذا الصنف من الناس هم أبسط نفوساً وأشرح من القسم الأول لأن جانب الرجاء ومطالعة

стр. 259

الرحمة والمنة أغلب عليهم وإلا فكل من الفريقين منيب إلى الله بالأمرين معاً ولكن خوف هؤلاء دخل في رجائهم، فأنابوا إلى الله بالعبادات وأنواع القربات والطاعات، ورجاء الفريق الأول اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم إلى الله بترك المخالفات. القسم الثالث: من الناس من ينيب إلى الله بالدعاء والتضرع والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة أنهم شهدوا الفضل والمنة والغنى والقدرة والكرم فأنزلوا بالله حوائجهم وعلقوا به آمالهم فإنابتهم إلى الله من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هي من هذه الجهة، وأما الأعمال التي يعملونها، فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم الإنابة إلى الله عند الشدائد والضراء فقط، فإنابتهم اضطرارية لا إنابة اختيار ورغبة وحالهم كحال الذين قال الله ـ تعالى ـ في شأنهم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢ وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم منصرفة عن الخالق ـ سبحانه ـ معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني صار حائلاً بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها الحق وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى غيره، ولها إليه إنابة مَّا بحسب ما عندها من الإيمان بالله ومعرفتها له، فأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم، وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة فإذا أناب العبد إلى ربه بروحه إنابة صادق المحبة فإن جميع قواه وجوارحه ستكون منيبة إلى الله نبعاً لروحه. فينيب القلب: بالمحبة والتضرع والذل والإنكسار. وينيب العقل: بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها. وتنيب النفس: بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق السيئة والإرادات الفاسدة، فتنقاد لأوامر الله، وتخضع له فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر.

стр. 260

وينيب الجسد: في الأعمال ويقوم بها فرائض وسنناً على أكمل الوجوه فلم يبق في العبد عضو ولا جارحة إلا وأناب إنابته الخاصة فعند ذلك لم يبق في العبد المنيب هذه الإنابة عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها وإن كانت عذبة في مبادئها فإنها عذاب في عواقبها"١. وخلاصة القول مما تقدم أن من المقطوع به يقيناً أنه لا يوجد في الخلق أجمعين من يعطي، أو يمنع، أو ينفع، أو يضر إلا بإذن الله ولا من يسعد أو يشقي إلا الله، فعلى هذا يكون من غير المعقول ولا المقبول أن ينيب العبد إلى غير الرب رغبة، أو رهبة، خوفاً أو طمعاً، ولو حصل ذلك كانت الإنابة إلى غير الله ـ سبحانه ـ وتعالى باطلاً وشركاً، وكان من أناب إلى ذلك الغير ابتغاء حصول خير منه، أو خائفاً من سخطه أو عقابه فقد أشرك مع الله غيره فيما هو من خالص حقه . نسأل الله السلامة من ذلك.

стр. 261

المبحث الحادي عشر: عبودية التوكل قبل أن أذكر دلالة السورة على عبودية التوكل أذكر تعريفه في اللغة والاصطلاح كما هو الشأن في المباحث التي تقدمت ولكي يفهم الإنسان ـ التوكل ـ الذي فرضه الله على جميع عباده وأمرهم أن يخلصوه له وحده لا شريك له. أما تعريفه في اللغة: فقد جاء في الصحاح: "التوكل إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التكلان، واتكلت على فلان في أمري إذا اعتمدته١. وفي اللسان: المتوكل على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره وذكر فيه عن ابن سيدة أنه قال: "وكل بالله، وتوكل عليه، واتكل استسلم إليه، وتكرر في الحديث ذكر التوكل، يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به ووكلت أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكل فلان فلاناً إذا استكفأه أمره ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، ووكل إليه الأمر سلَّمه، ووكله إلى رأيه وكلاً ووكولاً تركه" اهـ٢. وجاء في المصباح المنير: "وكلت الأمر إليه "وكلاً" ووكولاً فوضته إليه، واكتفيت به..... وتوكل على الله اعتمد عليه ووثق به"ا. هـ٣. وأما تعريفه اصطلاحاً: فمن خلال معرفة التوكل في اللغة نعرف حقيقة التوكل اصطلاحاً فالتوكل على

стр. 262

الله: هو الثقة به، والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به في كل شأن، والإيقان بأن قضاءه نافذ والسعي فيما لا بد منه من المطعم والملبس والمسكن والاحتراس من العدو مطلوب كما هو منهج الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. قال العلامة ابن القيم معرفاً التوكل: "هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه، وثقته به، فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء، كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء، وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء فقول العبد: توكلت على الله، مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله: "تبت إلى الله" وهو مصر على معصيته مرتكب لها" اهـ١. ولقد دلت السورة على أن التوكل عبادة تعبد الله به عباده وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه في آيتين منها: قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . هاتان الآيتان: من السورة بينتا أن الله تعالى هو الكافي وهو الذي يتوكل عليه وحده لا شريك له. فالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الآية بين الله تعالى فيها بأنه سيكفي عبده ورسوله محمداً ﷺ كل ما أهمه في أمر دينه ودنياه ويدفع عنه كل من أراده بسوء كائناً من كان وما دام الله هو الكافي لعبده فمن الضلال والغنيّ أن يخوفه المشركون بأصنامهم وأوثانهم أن تناله بسوء إذ أنها جمادات لا تقدر على جلب نفع أو دفع ضر بحال من الأحوال.

стр. 263

قال ابن جرير: "اختلف القراء في قراءة ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وقرأ عامة قرّاء الكوفة ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عِبادَهُ﴾ على الجمع بمعنى أليس الله بكاف محمداً وأنبياءه من قبله ما خوفهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء.... وبعض قراء الكوفة ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ على التوحيد بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمداً ... إلى أن قال: قال ابن زيد في قوله ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ قال: بلى، والله ليكفينه الله ويعزه وينصره كما وعده" أ. هـ١. وقال ابن كثير: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم ﴿عِِبادَهُ﴾ يعني: أنه ـ تعالى ـ يكفي من عبده وتوكل عليه"أ. هـ٢. وقال أبو عبد الله القرطبي "وقراءة العامة ﴿عَبْدَهُ﴾ بالتوحيد يعني محمداً ﷺ يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿عِِبادَهُ﴾ وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم" أ. هـ٣. وأما قوله تعالى في الآية الثانية: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أمر الله نبيه بأن يقول: للمشركين بعد أن تبين بالدليل القاطع على أنه وحده المعبود وأنه الخالق لجميع المخلوقات النافع الضار وحده وأن غيره عاجز من جميع الوجوه عن الخلق والنفع والضر مستجلباً كفايته ومستدفعاً مكر المشركين وكيدهم ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه يعتمد المعتمدون في جلب المصالح ودفع المضار فالله هو الذي بيده وحده الكفاية هو حسبي سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به. قال ابن جرير: "فقل حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها إياه أعبد وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه فإنه الكافي وبيده الضر والنفع لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع. ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يقول: على الله يتوكل من هو متوكل وبه فليتق لا بغيره" أ. هـ٤. وقال الرازي: حول الآية: "وإذا ثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة لله كافية، وكان الاعتماد عليه كافياً وهو المراد من قوله:

стр. 264

﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإذا ثبت هذا الأصل لم يلتفت العاقل إلى تخويف المشركين فكان المقصود من هذه الآية هو التنبيه على الجواب فما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله ـ تعالى ـ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أ. هـ١. ومما تقدم يتبين لنا أن المشركين لو حكموا عقولهم في شأن أصنامهم لعرفوا أن تخويفهم الرسول ﷺ بها لا قيمة له ولا معنى، إذ هم يعلمون أنها لا تقدر على جلب النفع ولا تدفع الضر بحال ولذلك جاء الوحي الإلهي بأنه لا كافي إلا الله، ولا قادر على كل شيء سواه، ولا عالم بكل شيء غيره، وبذلك كان التوكل على غير الله باطلاً وشركاً فالسورة بينت بأن الكفاية لله وحده والاعتماد عليه دون سواه لأنه القادر على كل شيء، والمحيط بكل شيء علماً. ولقد فرض الله التوكل على عباده وأوجب عليهم أن يخلصوه له وحده لا شريك له لأنه من أفضل العبادات ومن أجل مقامات الدين ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنون ومما يدل على فرضيته أن الله ـ تعالى ـ أمر به في مواضع كثيرة من كتابه المنزل على رسوله ﷺ . قال ـ تعالى ـ ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢. قال ابن القيم: فجعل التوكل على الله شرطاً في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه. أ. هـ٣. قال صاحب قرة عيون الموحدين٤ حول شرحه للآية السابقة "وأراد المصنف بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة فإن تقديم المعمول يفيد الحصر فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية" أ. هـ٥. ومما دل على فرضية التوكل أن المولى ـ سبحانه ـ جعله من شروط صحة الإسلام والإيمان، والمفهوم من ذلك انتفاء الإسلام، والإيمان عند عدم التوكل قال الله تعالى فيما

стр. 265

حكاه عن نبيه موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢. فهاتان الآيتان دلتا على أن صحة الإسلام والإيمان متوقفة على صحة التوكل. وقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ٣. وهذه الآية فيها الأمر بالتوكل على الله، وأردف هذا الأمر بما هو الموجب للتوكل والمصحح له وذلك ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فإن العبد إذا اتبع الحق وسار عليه كان مقتضى ذلك تحقيق مقام التوكل على الله والاكتفاء به، والإيواء إليه دون سواه فإنه ـ تعالى ـ هو الحق وهو ولي الحق وناصره وكافي من قام به، فعلى صاحب الحق أن يقوي توكله على الله، ولا يخاف لأنه على الحق، ويقتدي بالرسل الكرام الذين قال الله عنهم ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ٤ فتعجبوا من تركهم التوكل على رب العالمين وقد منَّ عليهم بالهداية، وأخبروا بأن ذلك لا يكون أبداً وهذا من أبرز الأدلة على أن الهداية والتوكل متلازمان. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥ "في هذه الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة، وعلى أنه فرض، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك"أ. هـ٦. ولقد جمع الله في كتابه العزيز بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية، وما ذلك إلا لتأكيد عبودية التوكل على كل إنسان، وليعلم أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.

стр. 266

أما الجمع بين التوكل والعبادة فقد ورد في كتاب الله ـ تعالى ـ في مواضع سبعة. أحدها: في أم القرآن قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١. ثانيها: ما حكاه الله من نبيه شعيب ﵇ ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ﴾ ٢. ثالثها: ما حكاه الله عن أوليائه وعباده المؤمنين حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٣. رابعها: قول الباري ـ سبحانه ـ مخاطباً خاتم الأنبياء والمرسلين ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ٤. خامسها: قوله تعالى: ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٥. سادسها: قوله ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٦. سابعها: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٧. فهذه سبعة مواضع جمع الله فيها بين الوسيلة والغاية فالوسيلة هي التوكل والغاية هي الإنابة، فإن الإنسان لا بد له من غاية يطلبها، ووسيلة توصله إلى تلك الغاية، وأشرف غاية للإنسان وأجها في هذه الحياة هي أن يعبد ربه وينيب إليه، ومن أعظم الوسائل التي لا وسيلة سواها البتة أن يتوكل العبد على الله ويستعين به، ولا سبيل له إلى تحقيق عبودية الله والإنابة إليه إلا بهذه الوسيلة.

стр. 267

وأما الجمع بين التوكل والإيمان فكقوله ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. وقوله: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "فذكر اسم الإيمان هنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد" أ. هـ٣. وأما الجمع بين التوكل والإسلام: فمثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٤. ومثال الجمع بين التوكل والتقوى: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٥. وأما اقتران التوكل بالهداية ففي قول رسل الله عليهم الصلاة والسلام لأممهم ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ٦. فالعبد إذا سلك طريق الحق والهدى يكون قوياً في توكله على ربه ـ تبارك تعالى ـ ومن اعتمد على ربه كفاه كلما أهمه وما لم يهمه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧ "أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد". وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون، وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية

стр. 268

عليه فإن الحسب والكفاية لله ـ وحده ـ كالتوكل والتقوى والعبادة قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ففرق بين الحسب والتأييد فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفروده بالحسب فقال تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢. ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب ـ تعالى ـ لهم بذلك فكيف يقوله لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه قد أفردوه بالحسب ولم يشركوا بينه وبين رسوله ﷺ هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ ٣. وتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٤ وجعل الحسب وحده فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله بل جعله خالص حقه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ ٥ ولم يقل وإلى رسوله بل جعل الرغبة إليه ـ وحده ـ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٦ فالرغبة، والتوكل والإنابة، والحسب لله ـ وحده ـ كما أن العبادة والتقوى والسجود لله ـ وحده ـ والنذر والحلف لا يكون إلا له "أ. هـ٧. أقسام التوكل على الله ـ تعالى ـ: التوكل على الله ـ تعالى ـ نوعان: أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية. وهذا النوع وإن لم تكن غايته المطلوبة عبادة لأنها محض حق العبد إلا أن التوكل على الله في حصولها عبادة لأن العبد أنشأها لمصلحة دينه ودنياه.

стр. 269

الثاني: "التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه. فغاية هذا النوع عبادة، وهو في نفيه عبادة فإن العبد استعان بالله على ما يرضيه فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين فمن تركه فقد ترك شطر دينه، وبين هذين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله ـ تعالى ـ فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية. ومتى توكل عليه من النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه، فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل، فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم"١. وأما التوكل على غير الله ـ تعالى ـ فهو أيضاً نوعان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالذين يتوكلون على الأموات والغائبين في رجاء تحقيق المطالب من الرزق والنصر والحفظ والشفاعة فهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة النصوح. الثاني: التوكل على الأحياء الحاضرين من ولاة الأمور ونحوهم فيما لهم قدرة عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهذا شرك حتمي في الأسباب العادية الظاهرة، وهو أيضاً نوع شرك أصغر. والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان أخاه في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه ولكن ليس الإعتماد عليه في حصول ما وكل فيه بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها ولا يعتمد عليه بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبب"٢. وللتوكل على الله ـ تعالى ـ فضل عظيم وثواب جزيل في الدنيا والآخرة وقد جاء في الكتاب والسنة الكثير من ذلك. فمن فضائله أن صاحبه موسوم بمحبة الباري وأكرم بمقام موسوم

стр. 270

صاحبه بمحبة الله قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١، ومن أحبه الله ـ تعالى ـ ناله كل خير، ومن أبغضه فأي خير يناله؟ ومن فضائله أن الله ـ تعالى ـ ضمن الكفاية لمن توكل عليه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ ومن كان الله حسبه وكافيه ومراعيه فقد ظفر بفوز عظيم، فالله وحده هو الذي تطلب منه الكفاية ـ وحده ـ ومن طلبها من غيره له الخيبة والخسران. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والتوكل عليه هو الإستعانة به فمن يتق الله مثال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن يتوكل عليه مثال ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٣ وقال: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ٤ ... إلى أن قال: وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه وفي هذا بيان التوكل على الله من حيث أن الله يكفي المتوكل عليه كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ خلافاً لمن قال: ليس في التوكل إلا التفويض والرضا" أ. هـ٥. وعلى هذا نقول: فمن كفاه الله ـ تعالى ـ ووقاه فلا يكون هناك سبيل لعدوه في أن يطمع في الإضرار به، أو التنكيل به لأنه جعل الله ملجأه ومعاذه فهو الذي يكفيه كل مهمة ويصرف عنه كل بلية. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأخبر: أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاءاً معلوماً، وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته فقال ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ ٦. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ ٧ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ

стр. 271

يُسْراً﴾ ١ ... ثم قال في التوكل ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره، وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه لأن العبد إذا علم ذلك وتحققه معرفة: صارت حالة التوكل قطعاً على من هذا شأنه لعلمه بأن الأمور كلها موكولة إليه، وأن العبد لا يملك شيئاً منها" اهـ٣. ومن فضائله أنه من صفات أولياء الله وخاصته وهم المؤمنون به حقاً: وفي مقدمتهم أنبياء الله ورسله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤ فهذه الآية فيها دليل على انحصار المؤمنين الكمل فيمن تلبس بهذه الصفة. قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: "المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ . يقول: تصديقاً. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره. أ. هـ٥. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يبين بأن المؤمنين لا يعتمدون بقلوبهم إلا على ربهم ويفوضون إليه جميع أمورهم، فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يرغبون إلا إليه مع يقينهم بأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه صاحب التصرف في الملك وحده والمستحق للعبادة دون سواه. وقال في فتح المجيد: "وفي الآية وصف المؤمنين حقاً بثلاث مقامات من مقامات الإحسان وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان، وحصول أعماله الباطنة والظاهرة" اهـ٦.

стр. 272

وقال تعالى في وصفه رسله وأنبياءه بالتوكل عليه: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ١ دلت هذه الآية على أن الجمع بين التوكل والهداية من تحقق الإيمان، ومصيبة الإنسان إما من عدم الهداية وإما من عدم توكله على الله، كما دلت أيضاً على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كان حالهم التوكل على الله وحده، والقرآن مملؤ بذكر التوكل إما أمراً به، وإما إخباراً عن خاصة الله وأوليائه وهم المؤمنون بأنهم حققوا عبودية التوكل، وقد أمر الله نبيه وخاتم رسله بالتوكل عليه في مواضع كثيرة من كتابه وسماه المتوكل كما روى ذلك البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ٢ قال في التوراة: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ٣ ولا سخاب٤ بالأسواق ... " الحديث٥. وقد أخبر النبي ﷺ عن السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب بأن لهم النصيب الأوفر في تحقيق مقام التوكل. روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب. هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" ٦. قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا الحديث: "إن النبي ﷺ جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء هو دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيَّرون وعلى ربهم يتوكلون، والطِّيرة نوع من الشرك، ويتوكلون

стр. 273

على الله وحده لا على غيره وتركهم الإسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على الله" اهـ١. وجاء في قرة عيون الموحدين عقب قوله ﷺ : "هم الذين لا سيسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" أي: لا يطلبون الرقية من أحد ولا يكتوون إذا كان فيهم ما يشتفي بالكي منه، ولا يتطيرون، والطيرة شرك فتركوا الشرك رأساً ولم يُنزلوا حوائجهم بأحد فيسألوه الرقية فما فوقها وتركوا الكي، وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله وتفويضهم أمورهم إليه، وأن لا تتعلق قلوبهم بشيء سواه في ضمن ما دبَّره وقضاه، فلا يرغبون إلا إلى ربهم، ولا يرهبون سواه، ويعتقدون أن ما أصابهم بقدره واختياره لهم فلا يفزعون إلا إليه وحده في كشف ضرهم قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ ٢ فالحديث بيّن فيه النبي ﷺ أن السبعين الألف حققوا مقام التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله وهو: أن يفرد ـ سبحانه ـ بالعبادة وحده لا شريك له، ومن أبرز صفاتهم الإيمانية التي اتصفوا بها أنهم لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتشاءمون بالطيور كما كان يفعله أهل الجاهلية، وأنهم يتوكلون على ربهم ويعتمدون عليه في جميع أمورهم. وجاء في تيسير العزيز الحميد عند قوله: "وعلى ربهم يتوكلون" ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الإلتجاء إليه والإعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضى به رباً وإلهاً والرضى بقضائه بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء. اهـ٣. وقد حث النبي ﷺ على إفراد الله ـ تعالى ـ بعبودية التوكل وأنه لا يعتمد العبد إلا على الله ـ وحده ـ لا شريك له. روى الشيخان بإسنادهما إلى ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم

стр. 274

إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون"١. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵂ قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: قوله: "وقالها محمد ﷺ ... الخ" وذلك بعد ما كان من أمر أُحُد ما كان بلغ النبي ﷺ وأصحابه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي ﷺ ومعه جماعة من الصحابة حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع إلى مكة ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد المدينة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمرَّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣. "وروى الترمذي في جامعه عن عمر مرفوعاً: لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً"٤. ومعنى هذا أنه لا بد من الحركة والسعي في طلب الرزق فقد بين الرسول ﷺ أن الطير تصبح جائعة ضامرة البطون ليس في حواصلها شيء من الطعام وترجع آخر النهار وقد امتلأت بطونها من رزق الله ـ تعالى ـ فالذي يجلس في بيته، أو في مسجده ويظن أن رزقه سيأتيه وهو متلبس بالعجز والكسل هذا إنسان جهل ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في شأن التوكل.

стр. 275

وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله توكلت على الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: هديت ووقيت وكفيت ـ فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي ... ؟ " ١. وبالجملة فإنه ورد الكثير من النصوص في الكتاب والسنة في بيان فضل التوكل على الله وإخلاصه لله ـ وحده لا شريك له ـ فما على العبد إلا أن يسعى جاهداً في تحقيق عبودية التوكل ويفوض أمره إلى الله ويعتمد عليه وحده ويحسن ظنه بربه، وعلى قدر حسن ظن العبد بربه ورجائه له يكون توكله عليه، وذلك لأن حسن الظن بالله يدعو العبد إلى التوكل عليه، ولا يمكن حصول التوكل على من ساء ظنه به، ولا يمكن التوكل على من لا يرجوه. ولا يتحقق التوكل إلا بأمرين: أحدهما: علم القلب ومعناه: أن يكون موقناً بكفاية الله الذي توكل عليه وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غير الله لا يقوم مقامه في ذلك بحال فلا بد من معرفة الرب ـ تعالى ـ ومعرفة صفاته من القدرة والكفاية والقيومية وانتهاء جميع الأمور إلى علمه ـ تعالى ـ وصدورها عن مشيئته وقدرته، فهذه المعرفة هي أول خطوة يحقق بها العبد عبودية التوكل، فلا يتصور التوكل ممن أنكر صفات الله ـ تعالى ـ كما لا يمكن أن يكون ممن يعتقد بأنه يقع في ملك الله ما لا يشاء إذن فلا يحصل التوكل إلا ممن أثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ دون تكييف أو تعطيل، فالذي يقول إن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه، أو يقول أن الله ليس فاعلاً باختياره، وليس له إرادة ومشيئة ولا تقوم به صفة من أين يصح توكله؟ إذن لا بد للعبد أن يكون على علم ومعرفة بالرب وما يليق به من صفات جلاله وعظيم سلطانه حتى يصح توكله، ويكون قوياً. الأمر الثاني: الذي يتحقق به التوكل. عمل القلب، ومعناه: أن يسكن إلى وكيله ويطمئن إليه ويفوضه ويسلم الأمر إليه ويرضى بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه فبالأصلين المذكورين يتحقق التوكل، وهما لبه، وإن كان التوكل داخلاً في عمل القلب من ناحية علمه بالله ـ تعالى ـ قال الإمام

стр. 276

أحمد: "التوكل عمل القلب١ ولكن لا يتحقق إلا بالعلم: إذ العلم إما شرط فيه وإما جزء من ماهيته، والمقصود إن القلب متى كان على الحق تعظم طمأنينته ووثوقه بالله، وإذا كان منحرفاً مائلاً إلى الباطل علماً وعملاً، أو أصيب بأحدهما فإن ثقته واطمئنانه بالله معرَّضان للزوال فيكون لا ضمان له عند الله ولا عهد له عنده"٢. نعوذ بالله من ذلك. التوكل والأسباب: إن التوكل على الله تعالى لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عملٍ يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه فالله قد ربط المسببات بأسبابها. بل إن الإنسان ينساق إلى الأخذ بالأسباب بمقتضى فطرته وبمقتضى التكليف الشرعي فإذا قال الإنسان أنا متوكل على الله في تحصيل رزقي ولم يتخذ الأسباب التي توصله إلى ذلك وتحقق له مطلبه فهو مخالف للفطرة ومخالف لشرع الله الذي جاء الأمر فيه باتخاذ الأسباب قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤. وقال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ ٦ وغيرها من الآيات كثير في الأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله في إتمام الأمور التي يسعى العبد في تحصيلها لأن التوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول.

стр. 277

قال ابن القيم: فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به" اهـ١. وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين ربط المسببات بأسبابها، فلا يجوز للإنسان تعطيلها مهما أمكنه القيام بها، فإذا فعلها عبودية يكون قد أتى بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة. وتحقيق التوكل موقوف على القيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطلها لم يصح توكله، كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنياً، كما أن من عطلها يكون توكله عجزاً، وعجزه توكلاً لله٢ فالتارك للأسباب المطلوبة منه شرعاً وعقلاً ويقول: إن كان قضي لي وسبق في الأزل حصول الولد فإنه آت لا محالة ولو لم أتزوج فهذا لا شك أنه يكون موقع إنكار الناس بل ربما يقال فيه إنه ليس من جملة العقلاء وأن البهائم أفهم منه فإن الواقع المشاهد من حال الحيوان أنه يسعى في تحصيل رزقه بالهداية العامة التي منحها الله جميع خلقه. جاء في فتح المجيد: عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوباً بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً ولا عجزه توكلاً بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. اهـ٤. ومما تقدم نجزم بأنه لا يجوز التخلي عن الأسباب بحال لأن ذلك ممنوع عقلاً وشرعاً وحسَّاً فالرسول ﷺ هو سيد المتوكلين وإمام المتقين عندما خرج من مكة استأجر دليلاً ليدله على الطريق وكان الدليل مشركاً على دين قومه٥ وحضر غزوة أحد بين درعين،

стр. 278

ولم يذكر أنه حضر الصف قط عرياناً١ وكفى به ﷺ قدوةً في تحقيق عبودية التوكل وبيان كيفيته، وكان ﵊ يدخر لأهله قوت سنة٢ وكان إذا خرج مسافراً للجهاد أو للعمرة أو للحج حمل معه الزاد وكذلك الصحابة ﵃، وهم أولو التوكل حقاً، ومن جاء بعد الصحابة ووفقه الله بأن وصل إلى القمة في التوكل إنما اشتم رائحة توكلهم من مسافة بعيدة، أو عثر على أثر من غبارهم، فحال النبي ﷺ ، وحال أصحابه هي الميزان الذي يقوم به حال من بعدهم، وعلى ضوء ذلك تعرف الأحوال الصحيحة من السقيمة، ولا يفوتنا أيضاً أن نقول: إن التوكل الذي كان في قلوب الصحابة كان سبباً في تبصير القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحده جميع العباد، فملئوا بتوكلهم القلوب هدى وإيماناً، وكانت هِمَمُهم عالية فكان أحدهم لا يصرف قوة توكله واعتماده على الله في أمر يحصل عليه بأقل حيلة وسعي، وإنما كانوا يتوكلون في الأمور العظيمة مثل فتح البلدان، والنصر على الأعداء، وتوطيد عقيدة التوحيد في كل مكان فرضي الله عنهم وأرضاهم٣، وعلى ضوء هذا نقول: إن من يطعن في متخذي الأسباب مع التوكل فإنما يطعن بالدرجة الأولى في نبي الهدى ﷺ وصحابته من بعده، ومن طعن في أولئك فليتهم نفسه بأنه على غير ملة الإسلام. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عند شرحه لحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه بعض الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٤ أي كافيه وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سبباً لكن لكونه سبباً مكروهاً لا سيما المريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه

стр. 279

مشروعاً كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" أ. هـ١ والذي نخلص إليه مما تقدم أن التوكل عبادة تعبد الله به عباده وأمرهم جميعاً بأن يخلصوه له وحده لا شريك له، وأن التوكل لا يتنافى مع الأسباب لأن الشرع أثبت الأسباب والمسببات وحكم على قول من أنكرها بالبطلان والفساد فالشرع جاء بالأمر بالتداوي٢، ولا ينافي ذلك توكل الإنسان على ربه لأن التداوي من الأسباب المشروعة التي أباحها الله ـ تعالى ـ بل لا يكمل للعبد توحيده إلا بمباشرة الأسباب التي جعلها الله مقتضية لمسبباتها كوناً وشرعاً، وتعطيل الأسباب يقدح في التوكل، كما يقدح في أمر الله وحكمته البالغة، فالإنسان يتوكل على الله في كل أموره مع مباشرة الأسباب ولا يعتمد عليها بل يجعل قلبه متعلقاً بربه الذي له الفضل في إيجاد السبب والمسبب.

стр. 280

المبحث الثاني عشر: الشفاعة نوعان: منفية ومثبتة لقد جاء في السورة أن الأمر الوحيد الذي أوقع المشركين في الإشراك بالله ـ تعالى ـ إنما كان نتيجة تعلقهم بأن معبوداتهم التي يوجهون لها العبادة من دون الله تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى، كما أوضحت أن الشفاعة نوعان شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، وقبل إيراد الآيات التي وردت في السورة لبيان ذلك نبين حقيقة الشفاعة في اللغة، والاصطلاح. أما الشفاعة في اللغة: فقد جاء في الصحاح للجوهري: "الشفع خلاف الوتر وهو خلاف الوتر تقول: كان وتراً فشفعته شفعاً.... واستشفعته إلى فلان، أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفَّعت إليه في فلان فشفعني فيه تشفيعاً"١. وفي القاموس: "الشفع خلاف الوتر وهو الزوج وقد شفعه كمنعه ... إلى أن قال: وعين شافعة تنظر نظرين، وشفعت لي الأشباح بالضم أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري وانتشاره" أ. هـ٢. وجاء في اللسان: "الشفع خلاف الوتر وهو الزوج تقول: كان وتراً فشفعته شفعاً وشفع الوتر من العدد شفعاً صيَّره زوجاً"٣.

стр. 281

وجاء في النهاية لابن الأثير: "ومنه الشُّفعة ـ بالضم ـ وهي مشتقة من الزيادة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به كأنه كان واحداً وتراً فصار زوجاً شفعاً"١. وقال الراغب: "ويطلق لفظ الشفيع والشافع على من طلب شيئاً لغيره لينفعه به أو يضره قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ٢ أي: من انضم إلى غيره وعاونه صار شفعاً له، أو شفيعاً في فعل الخير والشر فعاونه وقواه وشاركه في نفعه وضره"٣. ومن هذه التعاريف اللغوية السابقة يتبين أن المعنى اللغوي للشفاعة يدخل فيه كل ما دلت عليه مادة ـ الشفع ـ وهو: الازدواج والانضمام إلى الغير في الحصول على أمر ما. قال في اللسان: "والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع"٤. وقال الراغب: "الشفع: ضم الشيء إلى مثله والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى ومنه الشفاعة في القيامة"٥. وقال الحافظ: "الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي: انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرونه"٦. وأما تعريف الشفاعة في الاصطلاح: فإنه لا يكاد يخرج عن المعنى اللغوي، إذ المعنى الاصطلاحي للشفاعة هو: ضم الشافع طلبه إلى طلب المشفوع له، فيصبح بذلك شفعاً وهو ضد الوتر. وعرَّفها بعضهم بأنها: "سؤال الخير للغير"٧.

стр. 282

وقيل: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم"١. وبهذا نعلم موافقة المعنى الشرعي للشفاعة لمعانيها اللغوية. وبعد تعريف الشفاعة لغة وشرعاً نقول: إن "سورة الزمر" قد تناولت نوعي الشفاعة المنفية، والمثبتة، كما أوضحت أن المشركين ما أوقعهم في الشرك بالله ـ العظيم ـ إلا تعلقهم بأن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تشفع لهم عنده وتقربهم إلى الله زلفى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذه ثلاث آيات من السورة الآية الأولى: منها أوضحت أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، والأوثان لكي تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. قال قتادة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي "قالوا ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعوا لنا عند الله". قال ابن زيد: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقربوننا إلى الله زلفى يوم القيامة"٢ فهذه حال من يتخذ الأولياء والشفعاء من دون الله يزعم أن ذلك يقربه إلى الله زلفى، والحال أن عمله هذا مشاهد عليه بالكفر والكذب محروم من هداية الله تعالى، وأما الآيتان الأخيرتان وهما قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هاتان الآيتان من السورة بينتا بأن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: أـ شفاعة منفية وهي التي ادعاها المشركون وأثبتوها لآلهتهم. ب ـ شفاعة مثبتة، وهي التي أثبتها الله لأهل الإخلاص فيأذن هو ـ سبحانه ـ لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له، وأمره وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي

стр. 283

التي أبطلها الله في أماكن كثيرة من كتابه سنذكر طرفاً منها فيما يأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ بعد بيان دلالة الآيتين من السورة التي تقدم ذكرها. فالآية الأولى منهما: وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ . فهذه الآية تضمنت الإنكار لاتخاذ المشركين الشفعاء من دون الله ـ سبحانه ـ حيث زعموا أنها تشفع لهم عند الله من دون أن يأذن أو يأمرهم بذلك والحال أنه لا يمكن أن يشفع أحد عنده ـ تعالى ـ إلا بإذنه وأن يرضى عن المشفوع له فهذان الشرطان الثقيلان لا بد منهما في الشفاعة المقبولة عنده ـ جل وعلا ـ وهذان الشرطان مفقودان فيمن زعمهم المشركون أنهم شفعاؤهم عند الله ـ تعالى ـ وهو ـ سبحانه ـ لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سبباً لإذنه ورضاه بل ذلك من أعظم الأسباب المانعة لرضاه، ومن أعظم الأسباب الجالبة لغضبه ثم أنكر عليهم ثانياً في نفس الآية: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة كما ترونهم جمادات ليس لها قدرة ولا علم بحالكم، أو أموات كذلك لا يملكون الشفاعة وليسوا أهلاً لها. وأما الآية الثانية: وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فهذه الآية أمر من الله ـ جل وعلا ـ لنبيه محمد ﷺ : بأن يعلن لجميع العالمين بأن الشفاعة كلها لله فهو المالك لها وليس لمن زعمهم المشركون منها شيء. قال العلامة ابن جرير حول الآيتين السابقتين: "يقول ـ تعالى ذكره ـ: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم وقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد لهم: أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً، ولا يعقلون شيئاً، قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك وتشفع لكم عند الله فأخلصوا عبادتكم لله وأفردوه بالألوهية فإن الشفاعة جميعاً له، لا يشفع عنده إلا من أذن له ورضي له قولاً وأنتم متى أخلصتم له العبادة فدعوتموه وشفعكم ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يقول: له سلطان السموات والأرض وملكها، وما تعبدون أيها المشركون من دونه ملك له. يقول: فاعبدوا

стр. 284

الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئاً ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: ثم إلى الله مصيركم وهو معاقبكم على إشراككم به إن متم على شرككم"أ. هـ١. وقال البيضاوي: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ الآية، لعلَّه رد لما عسى يجيبون به، وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون وهي تماثيلهم، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ولا يستقل بها٢ وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه بأنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه فيدخل في ذلك ملك الشفاعة فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من دونه كائناً من كان وسيعلمون حقيقة ذلك إذ وقفوا بين يدي الله يتبين لهم أنهم لا يشفعون ويخيب سعيهم في عبادتهم. قال العلامة ابن القيم حول الآية السابقة: "فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. أ. هـ٣. والشفاعة التي أثبتها المشركون لأصنامهم صرح القرآن ببطلانها ونفيها في مواضع كثيرة. قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٤. قال في تيسير العزيز الحميد: في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم" أ. هـ٥

стр. 285

وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ١. فأخبر أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله ـ سبحانه ـ رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٢ فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور فالشفاعة التي أبطلها الله شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وخلَّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله ـ سبحانه ـ قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٤ وهنا أخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه ـ سبحانه ـ علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة٥. "والسر في ذلك أن الأمر كله لله تعالى وليس لأحد معه من الأمر شيء وأكرم خلقه سبحانه وأفضلهم عنده ملائكته المقربون ورسله الكرام وهم مع ذلك عبيد محض لا يسبقونه بقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً إلا بعد إذنه، وأمره لهم، ولا سيما يوم القيامة، فالملائكة والأنبياء مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمر الله وإذنه فمن عبدهم واتخذهم شفعاء، وأولياء ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب ـ سبحانه ـ وما يجب له ويمتنع عليه.
следующие страницы →