وجاء في النهاية لابن الأثير: "ومنه الشُّفعة ـ بالضم ـ وهي مشتقة من الزيادة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به كأنه كان واحداً وتراً فصار زوجاً شفعاً"١.
وقال الراغب: "ويطلق لفظ الشفيع والشافع على من طلب شيئاً لغيره لينفعه به أو يضره قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ٢ أي: من انضم إلى غيره وعاونه صار شفعاً له، أو شفيعاً في فعل الخير والشر فعاونه وقواه وشاركه في نفعه وضره"٣.
ومن هذه التعاريف اللغوية السابقة يتبين أن المعنى اللغوي للشفاعة يدخل فيه كل ما دلت عليه مادة ـ الشفع ـ وهو: الازدواج والانضمام إلى الغير في الحصول على أمر ما.
قال في اللسان: "والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع"٤.
وقال الراغب: "الشفع: ضم الشيء إلى مثله والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى ومنه الشفاعة في القيامة"٥.
وقال الحافظ: "الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي: انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرونه"٦.
وأما تعريف الشفاعة في الاصطلاح:
فإنه لا يكاد يخرج عن المعنى اللغوي، إذ المعنى الاصطلاحي للشفاعة هو: ضم الشافع طلبه إلى طلب المشفوع له، فيصبح بذلك شفعاً وهو ضد الوتر.
وعرَّفها بعضهم بأنها: "سؤال الخير للغير"٧.
стр. 282
وقيل: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم"١.
وبهذا نعلم موافقة المعنى الشرعي للشفاعة لمعانيها اللغوية.
وبعد تعريف الشفاعة لغة وشرعاً نقول: إن "سورة الزمر" قد تناولت نوعي الشفاعة المنفية، والمثبتة، كما أوضحت أن المشركين ما أوقعهم في الشرك بالله ـ العظيم ـ إلا تعلقهم بأن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تشفع لهم عنده وتقربهم إلى الله زلفى.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذه ثلاث آيات من السورة الآية الأولى: منها أوضحت أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، والأوثان لكي تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. قال قتادة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي "قالوا ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعوا لنا عند الله".
قال ابن زيد: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقربوننا إلى الله زلفى يوم القيامة"٢ فهذه حال من يتخذ الأولياء والشفعاء من دون الله يزعم أن ذلك يقربه إلى الله زلفى، والحال أن عمله هذا مشاهد عليه بالكفر والكذب محروم من هداية الله تعالى، وأما الآيتان الأخيرتان وهما قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هاتان الآيتان من السورة بينتا بأن الشفاعة تنقسم إلى قسمين:
أـ شفاعة منفية وهي التي ادعاها المشركون وأثبتوها لآلهتهم.
ب ـ شفاعة مثبتة، وهي التي أثبتها الله لأهل الإخلاص فيأذن هو ـ سبحانه ـ لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له، وأمره وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي
стр. 283
التي أبطلها الله في أماكن كثيرة من كتابه سنذكر طرفاً منها فيما يأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ بعد بيان دلالة الآيتين من السورة التي تقدم ذكرها.
فالآية الأولى منهما: وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ . فهذه الآية تضمنت الإنكار لاتخاذ المشركين الشفعاء من دون الله ـ سبحانه ـ حيث زعموا أنها تشفع لهم عند الله من دون أن يأذن أو يأمرهم بذلك والحال أنه لا يمكن أن يشفع أحد عنده ـ تعالى ـ إلا بإذنه وأن يرضى عن المشفوع له فهذان الشرطان الثقيلان لا بد منهما في الشفاعة المقبولة عنده ـ جل وعلا ـ وهذان الشرطان مفقودان فيمن زعمهم المشركون أنهم شفعاؤهم عند الله ـ تعالى ـ وهو ـ سبحانه ـ لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سبباً لإذنه ورضاه بل ذلك من أعظم الأسباب المانعة لرضاه، ومن أعظم الأسباب الجالبة لغضبه ثم أنكر عليهم ثانياً في نفس الآية: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة كما ترونهم جمادات ليس لها قدرة ولا علم بحالكم، أو أموات كذلك لا يملكون الشفاعة وليسوا أهلاً لها.
وأما الآية الثانية: وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
فهذه الآية أمر من الله ـ جل وعلا ـ لنبيه محمد ﷺ : بأن يعلن لجميع العالمين بأن الشفاعة كلها لله فهو المالك لها وليس لمن زعمهم المشركون منها شيء. قال العلامة ابن جرير حول الآيتين السابقتين: "يقول ـ تعالى ذكره ـ: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم وقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد لهم: أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً، ولا يعقلون شيئاً، قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك وتشفع لكم عند الله فأخلصوا عبادتكم لله وأفردوه بالألوهية فإن الشفاعة جميعاً له، لا يشفع عنده إلا من أذن له ورضي له قولاً وأنتم متى أخلصتم له العبادة فدعوتموه وشفعكم ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يقول: له سلطان السموات والأرض وملكها، وما تعبدون أيها المشركون من دونه ملك له. يقول: فاعبدوا
стр. 284
الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئاً ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: ثم إلى الله مصيركم وهو معاقبكم على إشراككم به إن متم على شرككم"أ. هـ١.
وقال البيضاوي: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ الآية، لعلَّه رد لما عسى يجيبون به، وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون وهي تماثيلهم، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ولا يستقل بها٢ وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه بأنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه فيدخل في ذلك ملك الشفاعة فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من دونه كائناً من كان وسيعلمون حقيقة ذلك إذ وقفوا بين يدي الله يتبين لهم أنهم لا يشفعون ويخيب سعيهم في عبادتهم. قال العلامة ابن القيم حول الآية السابقة:
"فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. أ. هـ٣.
والشفاعة التي أثبتها المشركون لأصنامهم صرح القرآن ببطلانها ونفيها في مواضع كثيرة.
قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٤.
قال في تيسير العزيز الحميد: في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم" أ. هـ٥
стр. 285
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ١.
فأخبر أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله ـ سبحانه ـ رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٢ فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور فالشفاعة التي أبطلها الله شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وخلَّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله ـ سبحانه ـ قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٤ وهنا أخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه ـ سبحانه ـ علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة٥.
"والسر في ذلك أن الأمر كله لله تعالى وليس لأحد معه من الأمر شيء وأكرم خلقه سبحانه وأفضلهم عنده ملائكته المقربون ورسله الكرام وهم مع ذلك عبيد محض لا يسبقونه بقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً إلا بعد إذنه، وأمره لهم، ولا سيما يوم القيامة، فالملائكة والأنبياء مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمر الله وإذنه فمن عبدهم واتخذهم شفعاء، وأولياء ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب ـ سبحانه ـ وما يجب له ويمتنع عليه.
стр. 286
والذي أوقع عباد الأصنام، وعباد القبور في طلب الشفاعة من غير الله ـ تعالى ـ هو قياسهم الخالق على المخلوق حيث قاسوه ـ تعالى ـ على الملوك والعظماء في هذه الدنيا حيث يتخذ الشخص من المقربين لديهم من يشفع له عندهم في قضاء الحوائج فهذا هو القياس الفاسد الذي بنى عليه المشركون عبادتهم للأصنام، واتخذوا من دونه الشفعاء والأولياء وهذا من جهلهم بالفارق بين الخالق والمخلوق"١.
الذي يجب على كل مسلم معرفته. فهناك فرق بين الشفاعة عند المخلوقين والشفاعة عنده ـ تعالى ـ ذلك أن الوسائط التي تكون بين الملوك وبين الناس تكون على أحد الوجوه التالية:
الوجه الأول:
أن العظماء من أهل الدنيا بحاجة إلى من يخبرهم بأحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن زعم أن الله لا يعلم أحوال الناس حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين فهو كافر به ـ سبحانه ـ لأنه ـ جل وعلا ـ يعلم السر وأخفى ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
الوجه الثاني:
إن العظماء من أهل الدنيا عاجزون عن تدبير رعيتهم ودفع أعدائهم إلا بأعوان يعاونونهم، وأنصار يكونون مستنداً لهم عند الذلة والعجز، أما الله ـ جل وعلا ـ ليس له ظهير، ولا ولي من الذل، وكل ما في الوجود من الأسباب فهو ـ سبحانه ـ ربه وخالقه وهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله ـ سبحانه ـ لا شريك له في الملك، بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثَّر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.
стр. 287
الوجه الثالث:
إن العظماء من أهل الدنيا قد يكونون غير مريدين نفع رعيتهم والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركهم من الخارج، فإذا خاطبهم من ينصحهم ويعظهم أو من يدلهم ممن يرجونهم ويخافونهم تحركت إرادتهم وهمتهم في قضاء حوائج رعيتهم. فلحاجتهم إليهم يقبلون شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم، ولذا يقبلون شفاعتهم على الكره والرضي.
أما الباري فهو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو ـ سبحانه ـ إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض جعل هذا يحسن إلى هذا وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة"١. ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه كما قدمنا ذلك بخلاف العظماء من أهل الدنيا فإنهم محتاجون والشافع عندهم يكون شريكاً لهم في الملك، وقد يكون مظاهراً لهم على ملكهم ولذا فإنهم يشفعون عند ملوكهم بغير إذنهم، والملوك يقبلون شفاعتهم تارة لحاجتهم إليهم وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم، حتى أنهم يقبلون شفاعة أولادهم وأزواجهم، بل إن أحدهم لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، بل يقبل حتى شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره. فشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا القبيل فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة، والله ـ جل وعلا ـ لا يرجو أحداً، ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد هو الغني ـ سبحانه ـ عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، والمشركون قديماً وحديثاً إنما يتخذون الشفعاء، والأولياء على غرار ما يعهدونه عند المخلوق"٢ وفيما ذكرنا من الفروق كفاية بين الشفاعة الشركية، والشفاعة الشرعية لمن أراد الله تنوير بصيرته، فابتعد عما يدين به المشركون والقبوريون
стр. 288
في الشفعاء والأولياء، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ١.
ولقد حكم الله في كتابه على اتخاذ المشركين الشفعاء والأولياء بالكفر وأنهم كاذبون فيما يزعمون من أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
وهذه الآية من السورة بينت أن غاية المشركين من عبادتهم الأولياء أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وذلك بتحصيل شفاعتهم وهذا من افتراء المشركين الباطل وقد تقدم الكلام على هذه الآية قريباً.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
هذه الآية فيها الإخبار بذم المشركين الذين يعبدون الأصنام التي ليس لديها جلب نفع ولا دفع ضر وأبانت بأن مقصودهم من عبادتها هو الشفاعة عند الله كما أوضحت بأن ذلك شرك بالله العظيم نزه تعالى نفسه عنه.
قال الصنعاني٣ رحمه الله تعالى: "فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركاً ونزه نفسه عنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئاً" اهـ٤.
وقال تعالى مبطلاً للشفاعة الشركية وقاطعاً منافذ الشرك فيها بالكلية ﴿قُلِ ادْعُوا
стр. 289
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١.
هذه الآية قال فيها بعض العلماء: "إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها"٢ يوضح ذلك ما قاله العلامة ابن القيم حولها:
قال رحمه الله تعالى: "فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدت بها عليهم الباب أبلغ سد وأحكمه؟ فإن العابد إنما تعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أحداً وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكاً للأسباب التي ينتفع بها عابداه أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً أو معاوناً له، أو وجيهاً ذا حرمة وقدر، يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت موارده فنفى ـ سبحانه ـ عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض فقد يقول المشرك: هي شريكه للمالك الحق فنفى شركها له.
فيقول المشرك: قد تكون ظهيراً أو وزيراً أو معاوناً فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٣.
ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع وإلى معاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له بها.
وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بغير إذنه؟ ٤.
فتبين مما تقدم أن الشفاعة المنفية التي نفاها الله ـ سبحانه ـ هي الشفاعة الشركية التي زعمها المشركون في آلهتهم أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى ولذلك يطلق القرآن نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة عند الناس ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد أن
стр. 290
يأذن الله لمن يشاء، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه لأنه هو الذي أذن وهو الذي رضي عن المشفوع وهو الذي وفقه للعمل الذي استحق به الشفاعة، أما متخذ الشفيع فهو مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه.
النوع الثاني: الشفاعة المثبتة:
ذكرنا فيما تقدم أن السورة دلت على نوعي الشفاعة، المنفية، والمثبتة وتقدم الكلام على الشفاعة المنفية وهي التي أثبتها المشركون لآلهتهم الباطلة وذكرنا أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
هذه الآية من السورة دلت على الشفاعة المثبتة.
فالآية كما قدمنا قريباً دلت على أن الشفاعة كلها لله تعالى لأن الأمر كله له وبيده ـ سبحانه ـ وكل شفيع يخافه ولا يقدر أي مخلوق كائناً من كان أن يشفع عنده بدون إذنه مهما كانت مكانته، فإذا أراد ـ سبحانه ـ رحمة عبد من عبيده أذن للشفيع أن يشفع عنده رحمة بالاثنين فله ـ سبحانه ـ ملك السموات والأرض من الذوات والأفعال والصفات فالواجب على جميع العباد أن يطلبوا الشفاعة من مالكها ويخلصوا في الطلب علَّهم يحصلون على نصيب من ذلك.
وسنبين هنا حقيقة الشفاعة المثبتة وحكمها ثم نختم ذلك بذكر أنواعها:
حقيقة الشفاعة المثبتة:
لقد قيد القرآن الكريم الشفاعة المثبتة بشرطين:
الشرط الأول: إذن الله تعالى للشافع بالشفاعة قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ﴾ ١.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢ وعلى هذين الشرطين فليس في مكانة الملائكة، أو أي مخلوق مَّا سوغ المشركون عبادته من دون الله ممن لا يملك النفع والضر. أن يشفع عند الله إلا بإذنه، ولا
стр. 291
يأذن الله بالشفاعة إلا عند رضاه عن المشفوع له، والله لا يرضى عن المشركين الذين قامت عليهم الحجة بدعوة التوحيد، فلم يستجيبوا ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١.
حكمها:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً ووجودها سمعاً بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ وأمثالهما ويخبر الصادق ﷺ وقد جاءت الآثار والتي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج والمعتزلة، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤ وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٥ وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار" اهـ٦.
قال القاضي عبد الجبار عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٧. يدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي ﷺ ، ولا ينصره لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع
стр. 292
الشفاعة للمؤمنين أيضاً ولو كان النبي ﷺ يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى فكان لا يصح أن يقول تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ولما صح أن قول ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقد قبلت شفاعته ﷺ فيهم، ولما صح أن يقول: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لأن قبول الشفاعة وإسقاط العقاب إلى المغفرة أعظم من كل فداء لهم عما قد استحقوه من المضرة، بل كان يجب أن تكون الشفاعة فداء لهم عما قد استحقوه من حيث تزول بها ولمكانها، ولما صح أن يقول: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه" أ. هـ١. ونحن نقول له إن ذلك غير صحيح وأن مذهبك هذا ومذهب أتباعك من المعتزلة ظاهر الفساد والبطلان لمخالفته الكتاب والسنة وإجماع الأمة في ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر.
قال البيضاوي حول الآية السابقة التي استدل بها عبد الجبار بن أحمد على نفي الشفاعة "وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم" اهـ٢.
ويرد على المعتزلة والخوارج الذين نفوا الشفاعة من وجوه:
١ ـ إن الشفاعة ثابتة بالقرآن والأخبار المتواترة.
٢ ـ الإجماع: من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول، ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور الأخبار الواردة فيها وإطباقهم على صحتها، وقبولها لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل السنة وفساد مذهب المعتزلة والخوارج٣.
٣ ـ إن أهل العلم قد جمعوا بين الآيات الواردة في نفي الشفاعة وبين الآيات الدالة على إثبات الشفاعة، بأن الآيات الواردة في نفي الشفاعة والشفيع المراد بها الشفاعة للكفار٤
стр. 293
والشفاعة المنفية هي التي تطلب من الأصنام والأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراَ.
أنواع الشفاعة المثبتة:
اختلف العلماء في شفاعاته ﷺ يوم القيامة كم هي؟ فذكر النقاش١ في تفسيره أن للنبي ﷺ ثلاث شفاعات: الشفاعة العامة، وشفاعته في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. وقال ابن عطية٢: في تفسيره، والمشهور أنهما شفاعتان فقط العامة وشفاعة في إخراج المذنبين وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر القاضي عياض٣ إن للنبي ﷺ خمس شفاعات٤.
وذكر القرطبي أن للنبي ﷺ ست شفاعات٥ وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" أن للنبي ﷺ ثلاث شفاعات وقد ذكر شارح الطحاوية أن أنواع الشفاعة في الآخرة ثمانية أنواع منها ما هو خاص بالنبي ﷺ وهذه الأنواع هي٦:
النوع الأول:
الشفاعة العامة: وهي التي يتدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون.
стр. 294
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جيشاً كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود"٢.
وروى الترمذي في سننه وحسنه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ .
قال: هي الشفاعة٣.
فالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى لتفسير النبي ﷺ الآية الواردة فيه بذلك.
جاء في لوامع الأنوار ما نصه: شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة لكن هذه الشفاعة العظمى مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر إذ هي للإراحة من طول الوقوف حتى يتمنون الإنصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار ...
وقد التمس بعض العلماء الحكمة في إلهام الناس التردد إلى غير النبي ﷺ قبله ولم يلهموا المجيء إليه لأول وهلة أن ذلك إظهار لفضله ﵊ وشرفه على رؤوس الخلائق فصلوات الله وسلامه عليه"٤.
النوع الثاني:
شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع ليدخلوا الجنة.
النوع الثالث:
شفاعته ﷺ في أقوام أمر بهم إلى النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها.
стр. 295
ومما يستدل به لهذين النوعين قوله ﷺ : "يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول: إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء اعمدوا موسى ﷺ الذي كلمه الله تكليماً. فيأتون موسى ﷺ فيقول: لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى ﷺ لست بصاحب ذلك فيأتون محمداً ﷺ . فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق" قال قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب! سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً" قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس١ في النار" ٢.
قال الحافظ بعد أن ذكر النوع الثالث من أنواع الشفاعة: "ودليل الثالثة حديث حذيفة عند مسلم: ونبيكم على الصراط يقول: "رب سلم سلم"٣.
النوع الرابع:
شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة.
قال القاضي عياض: "وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول"٤. ودليل هذا النوع: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس فلما أخبر أبو موسى
стр. 296
رسول الله ﷺ فرفع يديه وقال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" ١.
وحديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ دعا لأبي سلمة بعدما توفي فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه" ٢.
النوع الخامس:
شفاعته ﷺ في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
ويستدل لهذا النوع بما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ويدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب" فقال رجل: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم قال: "اللهم اجعله منهم" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم قال: "سبقك بها عكاشة" ٣.
ووجه الدلالة منه دعاؤه لعكاشة بن محصن أن يجعله من أولئك السبعين ألفاً فدعاؤه ﷺ شفاعة له.
النوع السادس:
الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه كشفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ودليل هذا النوع ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه"٤.
قال القرطبي: بعد أن ذكر هذا النوع فإن قيل: فقد قال ـ تعالى ـ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٥ قيل له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة
стр. 297
الموحدين الذين يخرجون ويدخلون الجنة" أ. هـ١.
وقال الحافظ: "لعله تنفعه شفاعتي" ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي واستشكل قوله ﷺ : "تنفعه شفاعتي" بقوله ـ تعالى ـ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وأجيب بأنه خص ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ ، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث والمراد بها في الآية الإخراج من النار وفي الحديث "المنفعة بالتخفيف"أهـ٢.
النوع السابع:
شفاعته ﷺ في أن يؤذن لأهل الجنة في دخولها ومن أدلة هذا النوع ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعاً" ٣.
وفي حديث آخر عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" ٤.
النوع الثامن:
الشفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن دخل النار فيخرجون منها وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث الكثيرة٥.
ورغم تواترها فقد خالف في ثبوتها الخوارج والمعتزلة ممن قل علمه منهم ينكرها لجهله بكثرة الأحاديث الواردة فيها.
стр. 298
وأما من علم تلك الأحاديث منهم فإنكاره لها إنما هو عناد واستكبار عن الحق واسترواح لهذه البدعة المنكرة، واتباع للهوى.
وهذه الشفاعة يشارك فيها النبي ﷺ الملائكة والنبيون والمؤمنون وأدلة هذا النوع كثيرة جداً.
فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ١ ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا، فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض....." الحديث وفيه أنهم يأتون آدم فيطلبون منه أن يشفع لهم. فيحيلهم على إبراهيم وإبراهيم يحيلهم على موسى وموسى يحيلهم على عيسى، وعيسى يحيلهم على الرسول ﷺ فيأتونه فيقول: "أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وأشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فانطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، أرفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل". قال:
стр. 299
فلما خرجنا من عند أنس وقلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن، وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه؟
فحدثنا بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه؟ فقلنا له لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو يومئذ جميع، منذ عشرين سنة فما أدري، أنسي، أم كره أن تتكلوا؟ فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم به، قال: "ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله". فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله"١.
فهذا الحديث: وأمثاله من الأحاديث الواردة في شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته بلغت مبلغ التواتر ورغم ذلك فقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة، فخالفوا في ذلك، لجهلهم بصحة الأحاديث، وعناداً ممن علم ذلك واستمر على بدعته، وهذه الشفاعة، تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون٢ أيضاً.
للحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً قال: "فيقول الله ـ تعالى ـ شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط" ٣.
قال شارح الطحاوية: "ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال:
فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا. والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر.
стр. 300
وأما أهل السنة والجماعة، فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حداً كما في الحديث الصحيح حديث "الشفاعة" "إنهم يأتون آدم ثم نوحاً، ثم إبراهيم ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى ﵇: "اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي: أمتي، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم انطلق فأسجد، فيحد لي حداً"١ ذكرها ثلاث مرات" أ. هـ٢.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي الشفاعة التي تعلق بها المشركون الذين اتخذوا من دون الله، الشفعاء، والأولياء، فعاملهم الله بنقيض قصدهم من شفعائهم. وأما الشفاعة المثبتة التي أثبتها القرآن فهي التي يفوز بها الموحدون والتي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله لأبي هريرة ﵁ حين سأله عنها: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"٣.
فتأمل كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك، وذلك عكس ما عند المشركين: حيث زعموا أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، وقد أبطل الله هذا الزعم في كتابه وسنة رسوله ﷺ بأنه لا تطلب الشفاعة إلا منه ﵎ ولا يعبد إلا هو ـ سبحانه ـ ولا ولاء إلا له ـ جل وعلا ـ والمتأمل لحديث أبي هريرة السابق يرى أنه قلب المفهوم الذي يتصوره المشركون، وأبان للناس أجمعين مسلمهم وكافرهم أن سبب الشفاعة الوحيد هو تجريد التوحيد، وحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع وبالله التوفيق، وهو المستعان.
стр. 301
المبحث الثالث عشر: الرسل بعثوا للدعوة إلى توحيد الله بتوحيد العبادة
من أجل توحيد الألوهية أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب فما من رسول أرسله الله إلى العباد إلا كان هذا التوحيد أساس دعوته وجوهرها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وأخبرنا ـ سبحانه ـ في محكم كتابه عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب أنهم جميعاً دعوا أقوامهم إلى توحيد العبادة.
فقال نوح ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ فهذه دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك.
وقال هود ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤ وقال شعيب ﵊ لقومه ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥ وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٦ وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء إبراهيم ﵊: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
стр. 302
مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن يوسف ﵊: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وأما المسيح الذي زعم النصارى أنه ابن الله أو هو الله، أو ثالث ثلاثة فقد كان من أشد الناس عبودية لله تعالى، ولم يستنكف أن يكون عبداً لله فإنه قال: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٣.
وأما كليم الله موسى ﵊ فإنه واجه بني إسرائيل بإنكار بليغ ومؤثر في النفس حين طلب منه بنو إسرائيل أن يجعل لهم إلهاً فأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وقد حكى الله في كتابه عن يعقوب ﵊ أنه اختبر بنيه عن الإله الذي يعبدونه من بعده قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٥.
وأما مسك الختام وبدر التمام محمد بن عبد الله عليه من الله أزكى الصلاة والسلام فإنه صارح اليهود والنصارى بما أمره الله به قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
стр. 303
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١.
فالله أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، وخلق السموات والأرض ليعرفه العباد ويعبدوه ويوحدوه ويكون الدين كله لله والطاعة كلها له ـ وحده لا شريك له ـ، ويفردوه بتوحيد الألوهية.
فتوحيد الألوهية هو حقيقة دين الإسلام فقد كانت الشهادتان أول ركن من أركانه، ولذلك قال ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً" متفق عليه٢.
وقال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ... " الحديث٣ فتوحيد العبادة هو أول واجب على المكلف لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لمن لم يعرف ما بعث الله به رسوله ﷺ من معاني القرآن والسنة فهو أول واجب كما قال ﷺ : "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ٤ وهو آخر ما يخرج به من الدنيا كما قال ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٥ بل إن أول وصية في القرآن وأول أمر فيه هو الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة كل ما سواه، ومن سواه من الآلهة المزعومة سواءً كان من الجن أو أي مخلوق آخر فروح الإسلام وقطب رحاه الذي يدور عليه هو توحيد الله ـ تعالى ـ بتوحيد العبادة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٦.
стр. 304
وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وقال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
ومن هذه الآيات والأحاديث المتقدمة يتبين بطلان زعم بعض المتكلمين بأن غاية التوحيد هو: أن الله واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له٣ لأن التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ليس هو هذه الأمور الثلاث التي ذكروها، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ، ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله، وهو عبادة الله وحده، فمن عبد الله، لم يشرك به شيئاً فقد وحده، ومن عبد دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلاً بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد حتى لو أقر بأن الله وحده خالق كل شيء وهو "التوحيد في الأفعال" لكان مشركاً، وهذه حال مشركي العرب الذي بعث الرسول إليهم ابتداء وأنزل القرآن ببيان شركهم ودعاهم إلى توحيد الله وإخلاص الدين له"٤.
стр. 305
الفصل الثالث: دلالة السورة على توحيد الربوبية
المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
...
المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
معنى الرب في اللغة:
الرب في اللغة: يطلق على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، والمتمم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله ـ تعالى ـ وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا ... ومنه حديث أبي هريرة "لا يقل المملوك لسيده ربي"١ كره أن يجعل مالكه رباً له لمشاركة الله تعالى في الربوبية فأما قوله تعالى ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ٢ فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٣ أي: الذي اتخذته إلهاً. وأما الحديث في ضالة الإبل "حتى يلقاها ربها"٤ فإن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أرباباً لها ومنه حديث عمر ﵁"رب الصريمة ورب الغنيمة"٥ وقد كثر ذلك في الحديث٦. وجاء في الصحاح للجوهري: "رب كل شيء: مالكه"، والرب اسم من أسماء الله ولا يقال: في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حلِّزة:
وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء
стр. 306
والرباني: المتأله العارف بالله ـ تعالى ـ وقد قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ١ ورببت القوم سستهم أي: كنت فوقهم. قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن. ورب الضيعة: أي أصلحها وأتمها. ورب فلان رباً ورببه، وترببه بمعنى أي: رباه. اهـ٢.
وجاء في المفردات في غريب القرآن: "الرب: في الأصل من التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام يقال: ربه ورباه ورببه.... فالرب مصدر مستعار للفاعل ولا يقال: الرب مطلقاً إلا على الله ـ تعالى ـ المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ٣ ... وبالإضافة يقال: له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبها" اهـ٥.
المعنى الإصطلاحي لتوحيد الربوبية:
هو إفراد الله بأفعاله: كالخلق والرزق، فلا بد من الاعتقاد الجازم بأنه ـ تعالى ـ الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، القادر المقتدر، مالك الملك الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال العلامة ابن القيم: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترفوا بصفة الإلهية فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعاً بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة، والتوكيل، والرجاء، والخوف والحب، والإنابة والإخبات، والخشية، والتذلل، والخضوع إلا له،
стр. 307
وههنا افترق الناس وصاروا فريقين فريقاً مشركين في السعير، وفريقاً موحدين في الجنة، فالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم" اهـ١.
وقال في تيسير العزيز الحميد معرفاً توحيد الربوبية: "هو الإقرار بأن الله ـ تعالى ـ رب كل شيء ومالكه، وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد له وحده"٢.
وجاء في لوامع الأنوار: "توحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى"٣.
وقال محمد صديق حسن خان في كتابه "الدين الخالص" مبيناً معنى "توحيد الربوبية" ومعناه: "أن الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكاً بل هم مقرون به" اهـ٤.
والذي نخلص إليه من تعريفات أهل العلم لتوحيد الربوبية أنه لا بد من الاعتقاد الجازم بأن الله ـ تعالى ـ هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربى جميع الخلق بأصناف نعمه، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا بهم وصدقوا بما جاؤوا به من عند ربهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة.
стр. 308
المبحث الثاني: دلائل توحيد الربوبية من السورة
لقد ذكر الله في سورة "الزمر" الكثير من دلائل توحيد الربوبية فقد بين أنه تعالى الخالق للسموات والأرض وما بينهما، وأنه ـ سبحانه ـ هو الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان بحيث إذا ذهب هذا خلفه الآخر، وهو الذي سخر الشمس والقمر لتهيئة مصالح العباد ومنافعهم، وهو الذي خلق بني آدم من نفس واحدة وهو آدم ﵇، وهو الذي خلق لهم الأزواج الثمانية من الأنعام التي تعتبر أكثر الحيوانات نفعاً لبني الإنسان، وهو الذي يرعاهم بلطفه وعنايته وهم في الأرحام في ظلمات ثلاث وهو الذي ينزل المطر من السماء وينبت النبات، وهو ـ سبحانه ـ المتصرف في شؤون خلقه بالإحياء والإماتة واليقظة والنوم، وبسطه ـ تعالى ـ الرزق لمن يشاء وتضييقه على من يشاء، ثم بينت السورة في ختام تلك الدلائل أن مقاليد السموات والأرض بيده ـ سبحانه ـ تلك هي دلائل توحيد الربوبية في السورة وسأتحدث عن كل واحد منها بحديث خاص حتى يتبين وجه دلالتها على ربوبية الخالق وأنه ـ سبحانه ـ المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وإلى بيان تلك الأدلة مرتبة:
١ ـ خلق السموات والأرض:
لقد دلت السورة على أن خلق السموات والأرض من أعظم الآيات الدالة على ربوبيته ـ تعالى ـ والتعرف عليه ـ سبحانه ـ في آيتين منها: قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ ... ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ .
إن خلق السموات والأرض وإبداعهما على هذه الصورة من أعظم الآيات الدالة على ربوبية الله، والتعرف عليه ـ سبحانه ـ فقد أوضح الحق ـ سبحانه ـ بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 309
وَالأَرْضَ بِالْحَقِ﴾ أنه خالقهما بالحق المتجرد عن اللهو والعبث، وبث فيهما من الحكم العظيمة التي يتجلى بعضها لعباده المتفكرين المتدبرين في خلقهما.
وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ فهذه الآية فيها أمر للنبي ﷺ : بأن يدعو الله وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض وفطرها على غير مثال سابق قال ابن جرير الطبري عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ﴾ يقول تعالى ذكره معرفاً خلقه حجته عليهم في توحيده، وأنه لا تصلح الألوهية إلا له: "خلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بالعدل ـ وهو الحق ـ منفرداً بخلقها لم يشركه في إنشائها وإحداثها شريك ولم يعنه عليها معين"١. فالإله الحق الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق وينشئ السموات والأرض، وليس ذلك في مقدور أحد سوى رب العالمين الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون سواه، فالسموات جعلها الله سقفاً محفوظاً تتألف من سبع طبقات وفيها من مخلوقات الله العجيبة ما الله بها عليم يحكمها نظام متقن تسير على وفقه، وذلك النظام هو النظام الإلهي الرباني الذي يحافظ على سيرها العام دون أن يحصل فيها خلل أو فطور قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ٢ وقد تحدث العلامة ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" عن آيات الله الدالة على وجوده وقدرته وحكمته في خلقه السموات وإبداع صنعها وما هي عليه من حيث السعة والعظم، وحسن خلقها وبنائها كما أوضح بأنها أشمل للعجائب التي دلت على وجود الخالق ـ سبحانه ـ وأن دلالتها على وجود الله ـ تعالى ـ أوضح من دلالة المخلوقات الأخرى، ثم قرر أنه لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات.
قال رحمه الله تعالى: "فالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخباراً عن عظمها وسعتها، وإما إقساماً بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشاداً للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه ـ سبحانه ـ بخلقها على ما أخبر به
стр. 310
من المعاد والقيامة، وإما استدلالاً منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالاً منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها؟ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ ، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ، و ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ ، وهي الكواكب التي تكون خنساً عند طلوعها جوار في مجراها وسيرها عند غروبها فأقسم بها في أحوالها الثلاثة، ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر وهو ـ سبحانه ـ يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره ولهذا يعظم هذا القسم كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ " اهـ١. وقال في موضع آخر: " فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها؟ من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علواً كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له"اهـ٢.
فلقد أوضح ابن القيم دلالة خلق السموات على أن للعالم خالقاً حكيماً عليماً قدره أحسن تقدير ونظمه أحسن نظام ولقد حث القرآن الكريم في غير ما آية على التفكر في خلق السموات والأرض وبين أن الذي أقامها وأمسكها إنما هو الخالق القادر على كل شيء المستحق للعبادة وحده دون سواه. قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٣ وقال ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ٤
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ٥ أفلا ينظرون من رفع السماء بلا عمد يرونها وهي بعيدة المدى لا علاقة من فوقها ولا عمد
стр. 311
تحتها تسندها ولا يدخل في حساب الخلق نجومها؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ١. فهو سبحانه قيوم السموات والأرضيين فلا قيام لهما ولا استقرار إلا به .
وأما خلق الأرض وما فيها من الجبال والهضاب والسهل والوعر والرمل والبحار والأنهار وما في باطنها من المعادن وغيرها من المنافع الظاهرة والباطنة التي تساعد الإنسان على بناء حياته لأدلة واضحة على إبداع الخلاق الحكيم وقد نبه الله عباده في غير ما آية إلى النظر والتفكر في الأرض. قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ٢.
فالأرض مليئة بالعبر والعظات لأهل اليقين. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٣ أفلا ينظرون؟ من بسط الأرض ودحاها وجعلها بساطاً ممتداً في الطول والعرض ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ ٤ تثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ويتمتع بخيراتها الإنسان؟ إنه الله ... فلا شيء يخلق نفسه.
وقد أثنى الله ـ تعالى ـ على عباده الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، وبين الثمرة التي تحصل لهم نتيجة تفكرهم وتدبرهم في خلق السموات والأرض فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ ِلأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٥.
فتأمل أولي الألباب في خلق ربهم للسموات والأرض وما احتويا عليه من الآيات الدالة على قدرة الباري أكسبهم الثمرة المطلوبة وتلك الثمرة هي أنهم
стр. 312
يذكرونه ـ سبحانه ـ في جميع حالاتهم قياماً، وقعوداً وعلى جنوبهم، ثم أيقنوا وآمنوا بأن الرب لم يخلق هذه المخلوقات عبثاً ولذلك نزهوه عن العبث فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ .
فتفكرهم في هذا الكون الفسيح علويه وسفليه نقلهم إلى الإيمان بما وراء هذا الكون وهو الدار الآخرة ولذلك تضرعوا إلى الله أن يقيهم عذاب النار الذي يوجب لصاحبه الخزي والعار فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
وقد ذم الله المعرضين عن التفكر فيما خلق الله من المخلوقات في السموات والأرض فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير: "أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها" أ. هـ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله، ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، ـ فسبحان الواحد الأحد ـ خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك"٤.
стр. 313
فالسموات والأرض مليئة بالآيات البينات والحجج الواضحات التي تهدي الإنسان وتدله على أن وراء هذا الكون خالقاً حكيماً مدبراً، هو المستحق أن يعبد وحده دون سواه.
٢ ـ تعاقب الليل والنهار:
إن تعاقب الليل والنهار المشار إليه في السورة بقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ بإدخال أحدهما على الآخر وتداخلهما من أعجب آيات الله، وبدائع صنعه، ولذلك يعيد الباري ـ سبحانه ـ ذكرهما في القرآن ويبديه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ ٢ وقوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ ٣.
"فالله تعالى هو الذي يحول ضياء النهار إلى ظلام الليل ليتمكن الإنسان من الحصول على الهدوء والسكينة حتى يرتاح من إرهاق العمل ومشقة السعي، وحتى يستجمع قواه ويجدد نشاطه ليواصل سعيه من جديد إذا ما جاء النهار وولي الظلام"٤.
وفي ذلك عبر ودلالات واضحة على ربوبية الله ـ تعالى ـ وتصرفه في الكون كيف يشاء.
وعند التأمل في مقادير الليل والنهار نجدها على غاية المصلحة والحكمة وأن مقدار الليل والنهار على لو زاد على ما قدر له أو نقص لفاتت المصلحة واختلفت الحكمة بذلك بل جعل الله لهما مقداراً معيناً وهو أربعة وعشرون ساعة ويتقارضان الزيادة بينهما فما يزيد في أحدهما من الآخر يعود الآخر فيسترده منه وفي ذلك قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ٥ وفي الآية قولان:
أحدهما: أن المعنى يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك وضياء هذا في مكان
стр. 314
ظلمة الآخر فيدخل كل واحد منهما في موضع الآخر وعلى هذا القول تكون الآية عامة في كل ليل ونهار.
الثاني: أنه يزيد في أحدهما ما ينقصه من الآخر فما ينقص منه يلج في الآخر لا يذهب جملة وعلى هذا القول فالآية تكون خاصة ببعض ساعات كل من الليل والنهار في غير زمن الاعتدال فهي خاصة في الزمان وفي مقدار ما يلج في أحدهما من الآخر١. ولا تنافي بين القولين فكلاهما حق.
وعلى كل فاختلاف الليل والنهار وزيادة أحدهما ونقصان الآخر من أظهر الأدلة على تصرفه سبحانه في هذا الكون وذلك وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة وذاك هذا أخرى، وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره، وهو الله سبحانه وتعالى٢.
٣ ـ تسخير الشمس والقمر لتهيئة مصالح العباد ومنافعهم:
إذا تأمل الإنسان بفكر عميق وعقل متدبر في بعض جزئيات هذا الكون المسخر لمصالحه والتي عليها استقرار حياته كفاه ذلك دليلاً واضحاً وحجة بينة على أن هذا الكون مخلوق لخالق حكيم قدير ومن جزئيات هذا العالم تسخير الشمس والقمر المشار إليه في السورة بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ .
إن الشمس والقمر عليهما يترتب قوام حياة البشرية وحياة جميع المخلوقات من حيوان ونبات.
قال الرازي: والثابت اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ الأجل المسمى يوم القيامة لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر﴾ ٣ والمراد من هذا التسخير
стр. 315
أن هذه الأفلاك تدور كدورات المنجنون١ على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوى السماء كطي السجل للكتب. أ. هـ٢.
وقال العلامة ابن القيم: ثم تأمل هذا الفلك الدوّار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وكيف يدور على هذا العالم هذا الدوران الدائم إلى آخر الأجل على هذا الترتيب والنظام وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد وما في ضمن ذلك من مصالح ما على الأرض من أصناف الحيوان والنبات وهل يخفى على ذي بصيرة أن هذا إبداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم ولهذا خاطب الرسل أممهم مخاطبة من لا شك عنده في الله وإنما دعوهم إلى عبادته وحده لا إلى الإقرار به. أ. هـ٣.
فتعاقب الليل والنهار ناتج عن طلوع الشمس وغروبها فلولا تسخيره سبحانه الشمس والقمر والليل والنهار بصورة منظمة محكمة بلغت النهاية في التنظيم والإبداع لتعطل أمر العالم بأسره فلقد ذلل الله الشمس والقمر وسيرهما في أفلاكهما سيراً سريعاً متوازناً بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتطام أو اصطدام بينهما، وقد عد الله ذلك من آياته قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٤.
فالليل والنهار يتعاقبان على حد معلوم وقدر مقسوم كل منهما يتعقب الآخر مسرعاً في طلبه ويتغلب على المكان الذي كان فيه والشمس والقمر يدوران والنجوم الثابتة والسيارة كل في فلك يسبحون بسير مقدر ونور مقرر، وانتظام دقيق، وحركة محسوبة وترابط عجيب تبعاً لسنن إلهية مقررة، فلو قدر للشمس أن لا تغيب لحميت الأرض بدوام شروقها ولهلك كل من عليها من حيوان ونبات فكان طلوعها بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا. وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم. وقد
стр. 316
أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
فخص سبحانه النهار بذكر البصر لأنه محله وفيه سلطانه وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لأن سلطان السمع يكون بالليل وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار لأنه وقت هدوء الأصوات وخمود الحركات٢.
وهناك فوائد أخرى مترتبة على حركة الشمس والقمر أشار إليها سبحانه بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
"فالخلق بأسرهم بحاجة ماسة إلى معرفة الحساب الذي لا غناء لهم في مصالحهم عنه فعليه تتوقف معرفة أعمارهم والآجال المضروبة للديون والإجارات والمعاملات والعدد وغير ذلك فلولا حلوك الشمس والقمر في المنازل وتنقلهما فيها منزلة بعد منزلة لم يعلم شيء من ذلك"٤.
فالحركة الدائبة للشمس والقمر قائمة على النظام والإتقان والتقدير الإلهي الذي شمل كل مخلوقات الله تعالى ذلك الكون منظم منسق وانتظامه مرتبط بإرادة الله وقدرته كما أن استمراره على هذه الحالة منوط باختيار الله تعالى ومشيئته قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧.
فليس هناك فوضى أو عبث وإنما هو إتقان وتقدير إلهي والنظام المتمثل في هذا
стр. 317
الكون يدركه عقل الإنسان بسهولة ويسر لأنه لا يحتاج إلى كد ذهن أو إعمال فكر لأنه خطاب موجه من العليم بنفوس البشر جميعاً فاقتضت الحكمة الإلهية مخاطبة الناس كافة بآيات هذا الكون الفسيح وما فيه من عجائب المخلوقات ولقد أحسن من قال:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملأ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل١
فدلائل ربوبية الخالق ماثلة في كل ما يحيط ببني الإنسان على مختلف حواسهم، نشرها الباري بينهم لكي يقرؤوها فيعبدوه ويوحدوه دون سواه.
٤ ـ خلقه تعالى بني آدم من نفس واحدة:
قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذه الآية من السورة بين الله تعالى فيها أنه خلق بني آدم الذين لا يحصي عددهم إلا هو ـ سبحانه ـ من أب واحد وهو آدم ﵇ حيث كان خلقه في المرحلة الأولى منفرداً، ثم خلق له الباري ـ سبحانه ـ زوجة من نفسه وجسمه وهي حواء في سورة نادرة ليس لها مثيل بين المخلوقات٢، فخلقه تعالى البشرية على هذا النحو من أعظم الأدلة الدالة على إبداع المبدع الحكيم والمدبر العليم، وخلقه ـ تعالى ـ بني آدم من نفس واحدة فيه لفت أنظارهم إلى مبدأ خلقهم وأن البشرية على اختلاف تنوعها بين الذكورة والأنوثة، وعلى اختلافها في العرق والعنصر وتباينها في اللغة واللون، فإن مرجعها إلى مصدر واحد وإلى منشأ واحد كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ ٣.
قال ابن جرير حول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ "يعني بقوله تعالى ذكره: احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به
стр. 318
ثم وصف تعالى ذكره نفسه: بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد وعرف عباده كيف كان مبدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض" أ. هـ١.
فإنشاء جميع البشر على كثرتهم الهائلة من نفس واحدة آية بينة على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته وذلك من نعم الله على عباده فيجب عليهم أن يشكروا تلك النعمة وهي خروجهم من العدم إلى الوجود ويفردوه ـ سبحانه ـ بالعبادة وحده لا شريك له.
٥ ـ تذكير العباد بمرحلة التكوين في الأرحام:
لقد جاء التذكير في السورة لبني آدم بأطوار خلقهم التي يمرون بها وتمر بها الحيوانات عند خلقها مع التفاوت في تلك الأطوار وقد أحيطت بظلمات متعددة في البطون، والأرحام، والمشايم، والسلي تحت العناية الربانية كما أبانت بأن الذي يفعل بهم ذلك إنما هو الله الذي له السلطان المطلق على جميع خلقه، والذي له الملك الحقيقي ظاهراً وباطناً فلا معبود بحق إلا هو فلا ينبغي لأي إنسان أن ينصرف عن عبادته وعن إخلاص العبودية له ـ وحده لا شريك له ـ إذ هو الذي خلقهم من العدم وحباهم بأصناف النعم الظاهرة والباطنة وليس في مقدور أي أحد أن يفعل لهم من ذلك شيئاً مهما كانت منزلته وعلت مكانته.
قال تعالى مذكراً عباده بمرحلة تكوينهم في بطون أمهاتهم في الظلمات الثلاث: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ . قال قتادة والسدي: " ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً"٢.
وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يبتدئ خلقكم أيها الناس في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق وذلك أنه يحدث فيها نطفة، ثم يجعلها علقة، ثم مضغة ثم عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً، ثم ينشئه خلقاً آخر فتبارك الله وتعالى فذلك خلقه إياكم خلقاً من بعد خلق"٣.
стр. 319
وقال ابن كثير: "يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق أي: قدركم في بطون أمهاتكم يكون أحدكم أولاً نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين"١.
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "إن الإنسان إذا فكر في خلقه من أي شيء ابتدأ وكيف دار في أطوار الخلقة طوراً بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقيناً أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة وينقيه من نقص إلى كمال علم بالضرورة أن له صانعاً قادراً عالماً مريداً إذ لا يتصور حدوث الأفعال المحكمة من طبع، لظهر آثار الاختيار في الفطرة وتبين آثار الأحكام والإتقان في الخلقة فله تعالى صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها" أ. هـ٢.
وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية "أن أحسن ما يستدل به على ربوبية الخالق هو الاستدلال بخلق الإنسان نفسه كما كرر ذلك كتاب الله إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ ٣. ثم بما يحدثه في هذا الوجود من آثار" أ. هـ٤.
والحال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذ أن خلق الإنسان من أعظم الآيات الدالة على وجدود ـ الخالق سبحانه ـ ومن أعظم الآيات الدالة على عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته وإحسانه ورحمته، ولما كان خلق الإنسان من أوضح الأدلة على وجود ـ الباري جل وعلا ـ ومن أقرب الأدلة وضوحاً للإنسان نفسه أن نجد أن الله ـ تعالى ـ دعا جميع عباده إلى أن يتفكروا وينظروا بعين البصيرة في مبدأ خلقهم، وفي أطوار هذا الخلق والمراحل التي مروا بها حتى صاروا بشراً ينتشرون على هذه الأرض. قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا
стр. 320
نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢
فهاتان الآيتان فيهما شرح لكيفية خلق الإنسان فقد بين الله فيهما أن أصل خلق الإنسان الأول وهو آدم ﵇ كان من طين. ثم بين ـ تعالى ـ أنه خلق نسل آدم من تلك النطفة، التي مرت بأطوار مختلفة ففي البداية كانت نطفة ثم صارت علقة، ثم صارت مضغة، ثم صارت عظاماً، فكسيت تلك العظام لحماً إلى أن صار بشراً سوياً، وذلك من أعظم الأدلة الدالة على قدرة الله المهيمنة على كل شيء، ومن رحمته تعالى أنه هيأ لتلك النطفة الأسباب التي أوصلتها إلى مستقرها وقرارها المكين الذي يناسبها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة، وهي قطرة من ماء مهين، ضعيف لو مرت بها ساعة ـ أي لحظة ـ من الزمان فسدت وأنتنت، كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب، منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها، واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها ... وكيف قدر اجتماع ذينك المائين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قراراً مكيناً لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه، ثم قلب تلك النطفة إلى علقة حمراء مباينة للنطفة، ثم جعلها مضغة لحم، مباينة للعلقة في شكلها ولونها وحقيقتها، ثم تحويل تلك المضغة عظاماً مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة كل المباينة في الشكل والهيئة والقدر والملمس، ثم كيف قسمت تلك النطفة الحمراء إلى تلك الأجزاء المتشابهة، وبالمقدار المناسب لكل عضو، ثم اتجاه كل جزء أو خلية إلى مكانها المناسب في وقتها وأوانها وعلى حسب الحاجة إليها فمنها ما يتجه إلى إنشاء العظام.