← Акыда

Акыда · id 12059

مباحث العقيدة في سورة الزمر

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (696 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل الله فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن أحق ما يشتغل به الباحثون، وأفضل ما يتسابق فيه المتسابقون، وأجل ما يتنافس فيه المتنافسون هو دراسة كتاب الله تعالى، ومواصلة البحث فيه، والتعمق في الكشف عن علومه وحقائقه، وإظهار إعجازه، وتجلية محاسنه والدفاع عنه بنفي الشكوك، والريب فيه. فالقرآن الكريم بحر لا يدرك غوره، ولا تنفذُ درره ولا تنقضي عجائبه فما أحق الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تشغل به، وكل ساعة يقضيها الباحث في النظر في كتاب الله، والتأمل فيه، أو في البحث فيما يتصل به فهو في سبيل الله ونصرة لدينه. والقرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ بلفظه ومعناه نقل إلينا بالتواتر المفيد للقطع واليقين، أحكمه فأتقن إحكامه، وفصّله فأحسن تفصيله كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١ لا يتطرق إليه نقض ولا باطل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢. والقرآن العظيم هو المعجزة العظمى التي أوتيها نبينا ﷺ ، وهو الحجة البالغة

стр. 2

الباقية على مر الدهور والعصور تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو ببعضه فباؤوا بالعجز. والقرآن الكريم هو هداية الله لخلقه، وشريعته في أرضه، وهو الكتاب الذي اشتمل على كل ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم في العقائد والأخلاق، وفي العبادات والمعاملات وهو في كل ذلك حكيم كل الحكمة لا يعتريه خلل ولا اختلاف، ولا تناقض قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ١. فلا عجب إذن أن كانت السعادة الحقة لا تنال إلا بالإهتداء بهديه والإلتزام بما جاء به، ولا عجب أن كان مصدراً لشفاء الأمراض التي تعتري النفوس والمجتمعات، فاهتدت به القلوب بعد ضلال وأبصرت العيون بعد عمى، واستنارت به العقول بعد جهالة، واستضاءت به الدنيا بعد ظلمات ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٢ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ ٣. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤. والقرآن الكريم هو الكتاب الذي بين الله فيه وفي سنة رسوله ﷺ للناس، ما يجب له على عباده من إفراده بجميع أنواع العبادة، وإخلاص الدين له وحده لا شريك له أنزله الله ليتمسك العباد بما فيه من أوامر ويجتنبوا الأمور التي نهى عنها، فيجب عليهم الإلتزام بما فيه عقيدة وسلوكاً قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً. وهو الكتاب الذي بين الله فيه العقيدة الصحيحة بأسلوب سهل يفهمه جميع الناس على اختلاف مستوياتهم، فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين "ما وصف الله به

стр. 3

نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى فلم يسأله ﷺ أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه ـ سبحانه ـ أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل، كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة، والملاحم والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف ـ الرب سبحانه ـ نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات نعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً. وهكذا أثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت. ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة فمضى عصر الصحابة ﵃ على هذا١. ونتيجة لتلقي الصحابة العقيدة الصافية النقية من مصدريها الكتاب والسنة، وتمسكهم بها كانوا خير أمة أخرجت للناس، وكانوا مضرب الأمثال في الإيمان والإخاء والعدل والوفاء، والوفاق والوئام، وصاروا علماء حكماء رحماء، وسادة قادة في الحكم والحرب والسيادة لم يوجد لهم من بعدهم مثيل كما أنه لم يوجد قبلهم بعد الأنبياء والمرسلين من يماثلهم، فقد نعم العالم في زمنهم برغد العيش والأمن والسلام حقباً من الزمان في ظل العقيدة الإسلامية، وكانت دولة الإسلام في عهدهم دولة مرهوبة.

стр. 4

الجانب ذل لها كل عدو للإسلام والمسلمين، وكانت تلك الدولة الإسلامية تستمد قوتها من تمسكها بعقيدة التوحيد النقية التي لم تندس بالفلسفة اليونانية، والطرق الكلامية فكانت عقيدتهم صافية نقية كما أخذوها من الكتاب المبين. ومن السنة النبوية الصحيحة التي أوحاها الله إلى نبيه محمد ﷺ فقويت شوكة الإسلام وسيطر سلطان العقيدة على أرجاء المعمورة. ولما حدثت الطرق الكلامية والمذاهب الفلسفية تمزقت الأمة وانقسمت فرقاً وأحزاباً١، فأخذ الضعف ينخر في أمة الإسلام فشيئاً فشيئاً حتى تدهورت العقيدة من نفوس المسلمين، واهتز الإيمان في قلوبهم، وكان لضعف العقيدة عند المسلمين الأثر السيئ في جميع نواحي الحياة، ولقد فهم أعداء المسلمين أن مصدر قوة المسلمين إنما هو في تمسكهم بعقيدتهم، والتزامهم بما في كتاب ربهم فأخذوا يبعدونهم عما في هذا الكتاب من الخير الدنيوي والأخروي بالدعوة إلى عدم تحكيمه واستبداله بقوانين البشر الطاغوتية فكانت حالة المسلمين على ما ترى!! ضعفوا عن الوصول إلى غاياتهم من قيادة الأمم، وهداية الشعوب، يتنازعهم أعداؤهم من جميع الجهات، ويسعون جاهدين لإضعافهم وإذلالهم نتيجة لتخليهم عن هذا الكتاب الذي هو مصدر قوة عقيدتهم، وعزهم، ورفع رايتهم وجمع كلمتهم، فأصبحوا فريسة لأعدائهم ضعفاء مهزومين متذللين لهم ينظرون إليهم بعين الإكبار والإجلال، وهذه الهوة وقع فيها أكثر المسلمين إلا من رحم الله تعالى ولا يمكن أن يعود للمسلمين عزهم ومجدهم إلا بالعودة للتمسك بعقيدتهم المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة إذ لا تصفو عقيدة المسلمين بما طرأ عليها من شوائب الشرك والبدع إلا بالرجوع إلى هذين المصدرين اللذين صلحت بهم الدنيا، وحينئذٍ يعود للمسلمين شأنهم وكما كان للسلف الصالحين الذين حملوا راية الإسلام، وسعوا جاهدين في نشر العقيدة الإسلامية الصافية النقية حتى عمت معظم الكرة الأرضية فنعم الناس في ظلها بالأمن والرخاء والسعادة. فالكتاب العزيز اشتمل على بيان العقيدة الصحيحة وتجليتها، والناظر فيه يجد أن معانيه "دائرة على التوحيد وبراهينه والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما ينزه عنه من

стр. 5

سمات النقص، وعلى الإيمان بالرسل وذكر براهين صدقهم، وأدلة صحة نبوتهم، والتعريف بحقوقهم، وحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي، وما يختص بالنوع الإنساني منه من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه، ويقدم عليه، وعلى الإيمان باليوم الآخر، وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص، وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور، ولا رخاء، ولا راحة، ولا فرح وفصَّل ذلك أتم تفصيل وأبينه، كما اشتمل على تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره"١. وهكذا اشتمل القرآن العظيم على بيان وحدانية الخالق وتفرده بصفات الكمال والجلال، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل الكرام، وحث الناس على الإيمان بالبعث والمعاد. ووجه العقول والأنظار إلى النظر في الأنفس وما فيها من عجائب وأسرار ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٢ كما وجهها إلى النظر في الآفاق والآيات الكونية علويها وسفليها، ظاهرها وخفيها وعما تنطوي عليه من حكمٍ، وما أودع الله فيها من خواص وسنن وأفاض في ذلك في غير ما آية وسورة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ ِلأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٤ ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ٥ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ

стр. 6

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١ إلى غير ذلك من الآيات التي لا يحصيها العد. وبالجملة فكتاب الله قد اشتمل على كل ما يسعد الإنسان ويحتاج إليه في أمر دينه ودنياه، وما من مشكلة تعرض للأمة الإسلامية إلا وقد وضع لها حلاً وعلاجاً يتناسب معها، ولكن المسلمين لما أعرضوا عنه وجعلوه وراء ظهورهم، وقفوا أمام مشكلاتهم حائرين مع أن هذا الكتاب المبين قد أبان لهم كل خير، ووضع لهم جميع أسباب النجاة وأعظم سبب يكفل لهم سعادتهم في الدنيا والآخرة هو تمسكهم بالعقيدة السلفية الصحيحة وإخلاصهم العبادة له ـ وحده لا شريك له ـ إذ هي الغاية التي خلق الله الخليقة من أجلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ ومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام جميعهم من لدن نوح إلى نبينا محمد ﷺ دعوا أقوامهم إلى توحيد الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤ فالتوحيد هو العماد الأول في حياة الإنسان ولذلك زخر القرآن بآياته وسوره بالدعوة إلى عقيدة التوحيد وإخلاصها لله ـ وحده لا شريك له ـ فلا نجاة ولا سعادة، ولا فوز ولا فلاح لأحد من العباد إلا بتحقيق عقيدة التوحيد طبقاً لما في الكتاب المبين وسنة نبيه الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وقد اخترت أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة "العالمية الماجستير" مباحث العقيدة في ﴿سورة: الزمر﴾ . سبب اختياري لهذا الموضوع: إن سبب اختياري لسورة "الزمر" لتكون موضوع رسالتي هذه ذلك لأنها من أكثر سور القرآن شمولاً لكثير من مباحث العقيدة الإسلامية، وهي من السور المكية٥ التي

стр. 7

عالجت قضايا العقيدة على سبيل التفصيل، فقد تناولت الحديث عن التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الأسماء والصفات وذلك بذكر الكثير من صفات الله تعالى وإثباتها له كما يليق بجلاله، وتوحيد الألوهية: وذلك بذكر الكثير من أنواع العبادة التي لا يستحقها إلا الله تعالى، وتوحيد الربوبية: وذلك بذكر الكثير من دلائله المحسوسة التي يلمسها العباد ويشاهدونها في حياتهم، واشتملت أيضاً: على بيان ما يناقض التوحيد وينافيه وهو الشرك بالله العظيم، وذلك بذكر الفرق بين المشرك والموحد وأصل الشرك في بني الإنسان، وذم الإنسان الذي يجعل لله أنداداً، وبيان أن الشرك محبط للعمل وأن صاحبه من الخاسرين. ثم انتقل الحديث فيها إلى وجوب الإيمان بالملائكة، والكتب والأنبياء والرسل، كما تناولت الحديث عن الإيمان بالقدر بذكر مراتبه الأربع، ثم ختم الحديث فيها عن وجوب الإيمان باليوم الآخر الذي يكون فيه المصير النهائي للمؤمنين والكافرين حيث بين الله في خاتمتها أن الجنة دار المتقين، وأن النار دار الكافرين الذين عبدوا غير الله وأشركوا معه غيره في العبادة فهي دارهم وبئس المصير. ومن هذا يعلم أن السورة تكاد تكون مقصورة من أولها إلى آخرها على الإهتمام بالإيمان بالله تعالى وأنه المعبود بحق دون سواه، وأنه المتفرد بصفات الكمال والجلال، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل عليهم الصلاة والسلام، والإيمان بالقدر والبعث والمعاد، وأن هناك حياة أخرى خيراً من هذه الحياة فإذا ما آمن العباد بهذه العقائد سهل عليهم بعد تلقي تعاليم الشريعة الغراء والإلتزام بها علماً وعملاً وسلوكاً فمن أجل هذه المباحث المتقدمة التي عرضت لها "سورة: الزمر" أحببت أن تكون موضوعاً لرسالتي هذه، ولأن من أجل الأعمال وأفضلها الإشتغال بدراسة كتاب الله تعالى وفهم معانيه وتدبر آياته، وذلك من أحب الأعمال إلى الرب جل وعلا وأعظمها أجراً لأنه كلام الله، وكل عمل يتصل بهذا الكتاب من أجل خدمته وتبيينه للناس ليعملوا به فهو قربة يتقرب به إلى الله تعالى، فإنه ليس شيء أنفع للعباد في معاشهم ومعادهم وأقرب إلى نجاتهم من الإلتزام بما في هذا الكتاب المبين عقيدة وعملاً.

стр. 8

منهج البحث: إن المنهج الذي اتبعته في إعداد رسالتي هذه هو كالآتي: أولاً: حصرت مباحث العقيدة التي اشتملت عليها "سورة: الزمر" وجمعت الآيات التي تتعلق بكل مبحث على حدة، وجعلت لها عنواناً يتناسب مع ما تدل عليه، ثم بينت وجه دلالتها على المسألة الإعتقادية مستعيناً في ذلك بأقوال أهل العلم الذين لهم جهود في توضيح العقيدة الإسلامية من علماء التوحيد من سلفنا الصالح كما استعنت بأقوال بعض المفسرين المتقدمين والمتأخرين وشراح الحديث. ثانياً: أحياناً أكرر الآية الواحدة من "سورة: الزمر" تحت أكثر من عنوان وذلك لاشتمالها على أكثر من مسألة من مسائل العقيدة فأضطر إلى إعادتها، وتكرارها في مباحث كثيرة من مباحث الرسالة. ثالثاً: أذكر القول الحق في المسألة الإعتقادية وأذكر ما يخالفه غالباً مع بيان الرد عليه. رابعاً: رتبت الموضوعات التي وردت في هذه الرسالة على حسب ترتيب أركان الإيمان الستة الواردة في حديث عمر بن الخطاب والمشهور بحديث جبريل الطويل١ ولم أرتبها على حسب ورودها في السورة غير أنني قدمت موضوع الإيمان بالقدر على الإيمان باليوم الآخر لأن من المناسب موضوعياً أن يكون اليوم الآخر هو نهاية المطاف في هذه الرسالة. خامساً: التزمت عند النقل من أي مرجع، أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع في الفهرست. سادساً: بينت مواضع الآيات التي وردت في الرسالة من غير "سورة: الزمر" بذكر اسم السورة ورقمها في الهامش أما آيات "سورة: الزمر" فلم أذكر رقمها وإنما أذكر عقب الآيات الواردة في كل مبحث أنها من "سورة: الزمر".

стр. 9

سابعاً: عزوت الأحاديث التي أوردتها في الرسالة إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعتمدة بذكر الجزء والصفحة في الهامش مع بيان درجة الحديث من خلال أقوال المحدثين إن كان الحديث من غير الصحيحين في الغالب. ثامناً: ترجمت للأعلام الذين جرى نقل شيء من كلامهم في الرسالة. تاسعاً: شرحت المفردات الغريبة التي وردت في بعض الأحاديث مستعيناً في ذلك بكتب غريب الحديث ومعاجم اللغة، وشروح الحديث ثم ختمت الرسالة بالفهارس الآتية: فهرس الأعلام المترجم لهم مرتبة ترتيباً هجائياً. فهرس المصادر والمراجع مرتبة كذلك. فهرس الموضوعات. خطة البحث: لقد قسمت البحث إلى مقدمة، وثلاث أبواب، وخاتمة، وتشتمل المقدمة على بيان اشتمال القرآن على كل ما يسعد الإنسان في دنياه وأخراه، وعلى بيان اهتمام القرآن بالتوحيد والعقيدة الإسلامية كما تشتمل على سبب اختياري لهذا الموضوع، والمنهج الذي سرت عليه في البحث، وهذه الخطة التي بني عليها هذا البحث. الباب الأول دلالة السورة على الإيمان بالله تعالى وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: دلالة السورة على توحيد الأسماء والصفات ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات. المبحث الثاني: إثبات صفة العلو والفوقية. المبحث الثالث: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.

стр. 10

المبحث الرابع: إثبات صفة العزة. المبحث الخامس: إثبات صفة الحكمة. المبحث السادس: تنزيه الله تعالى من نسبة الولد إليه. المبحث السابع: إثبات صفتي الوحدانية والقهر. المبحث الثامن: إثبات صفتي الرحمة والمغفرة. المبحث التاسع: إثبات صفة الغنى لله تعالى. المبحث العاشر: إثبات صفة الرضا. المبحث الحادي عشر: إثبات صفة العلم. المبحث الثاني عشر: بيان معنى اسمه تعالى "الوكيل". المبحث الثالث عشر: إثبات صفة اليدين. الفصل الثاني: دلالة السورة على توحيد العبادة. ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف توحيد العبادة. المبحث الثاني: وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد العبادة. المبحث الثالث: أهمية الإخلاص في توحيد العبادة. المبحث الرابع: عبودية الدعاء. المبحث الخامس: عبودية الخوف. المبحث سادس: عبودية الرجاء. المبحث السابع: انقسام العبودية إلى عامة، وخاصة. المبحث الثامن: الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل. المبحث التاسع: بيان الطاغوت الذي أوجب الله على عباده أن يجتنبوه. المبحث العاشر: عبودية الإنابة.

стр. 11

المبحث الحادي عشر: عبودية التوكل. المبحث الثاني عشر: الشفاعة نوعان منفية، ومثبتة. المبحث الثالث عشر: الرسل بعثوا للدعوة إلى توحيد الله بتوحيد العبادة. الفصل الثالث: دلالة السورة على توحيد الربوبية: ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية. المبحث الثاني: دلائل توحيد الربوبية من السورة. المبحث الثالث: إقرار المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بوجود الله تعالى. المبحث الرابع: الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية. الفصل الرابع: ما جاء في السورة بشأن الشرك ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف الشرك. المبحث الثاني: أنواع الشرك. المبحث الثالث: أصل الشرك في بني الإنسان. المبحث الرابع: ذم الإنسان على جعله أنداداً لله تعالى. المبحث الخامس: الفرق بين المشرك والموحد. المبحث السادس: التحذير من الشرك وبيان أنه محبط للعمل. الباب الثاني دلالة السورة على الإيمان بالملائكة والكتب، والرسل، والقدر وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: دلالة السورة على الإيمان بالملائكة وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الملائكة، ومن أي شيء خلقوا؟.

стр. 12

المبحث الثاني: ذكر بعض أعمال الملائكة. الفصل الثاني: دلالة السورة على الإيمان بالكتب وفيه مبحثان: المبحث الأول: كيفية الإيمان بالكتب السابقة. المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالقرآن. الفصل الثالث: دلالة السورة على الإيمان بالأنبياء والرسل وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما. المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالأنبياء السابقين. المبحث الثالث: كيفية الإيمان بمحمد ﷺ . المبحث الرابع: ما يجب للرسل، وما يجوز عليهم. المبحث الخامس: موضوع الرسالات السماوية. الفصل الرابع: دلالة السورة على الإيمان بالقدر ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، ومعنى الإيمان به. المبحث الثاني: بيان المبتدعة الذين نازعوا في القدر والرد عليهم. المبحث الثالث: مراتب القدر. المبحث الرابع: ما يتعلق بالهداية والضلال. الباب الثالث دلالة السورة على الإيمان باليوم الآخر وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: مباحث في اليوم الآخر قبل دخول الجنة، أو النار وهي: المبحث الأول: النفخ في الصور. المبحث الثاني: بعث الموتى من قبورهم.

стр. 13

المبحث الثالث: عناية القرآن بإثبات البعث. المبحث الرابع: أرض المعشر. المبحث الخامس: كتاب الأعمال. المبحث السادس: جزاء الأعمال يوم القيامة. الفصل الثاني: النار دار الكافرين ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: كيفية دخول أهل النار النار. المبحث الثاني: أبواب جهنم. المبحث الثالث: خزنة جهنم. المبحث الرابع: إحاطة النار بأهلها وشدة عذابها. المبحث الخامس: صفات أهل النار. المبحث السادس: أبدية النار ودوام عذابها. الفصل الثالث: الجنة دار المتقين ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: كيفية دخول أهل الجنة الجنة. المبحث الثاني: أبواب الجنة. المبحث الثالث: خزنة الجنة. المبحث الرابع: أرض الجنة. المبحث الخامس: صفات أهل الجنة. المبحث السادس: غرف الجنة، وقصورها، وأنهارها. المبحث السابع: أبدية الجنة ودوام نعيمها. المبحث الثامن: وجوب الإيمان بالعرش وهو سقف الجنة. وأما الخاتمة: فقد ضمنتها أهم النتائج التي توصلت إليها في الرسالة.

стр. 14

الباب الأول: دلالة السورة على الإيمان بالله تعالى الفصل الأول: دلالة السورة على توحيد الأسماء والصفات المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات ... المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات هو: أن يعتقد العبد اعتقاداً جازماً أن ما أخبر الله في كتابه من أوصافه العليا، وأسمائه الحسنى، وكذا ما جاءت به الأحاديث الصحيحة من أسمائه وصفاته هي على ما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه. جاء في لوامع الأنوار: "وتوحيد الصفات أن يوصف الله ـ تعالى ـ بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ نفياً، وإثباتاً فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه ـ ويثبتون له ـ ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء ولا في الآيات، فإنه تعالى ذم الملحدين في أسمائه وآياته" أ. هـ ١. ولا يعرف الإنسان ربه إلا بمعرفته بصفاته وأسمائه، فإذا ما تم له معرفة ذلك عرف ـ ربه جل وعلا ـ وحينئذ يسأل ربه ويدعوه بأسمائه الحسنى كما أمر الله بذلك في محكم كتابه حيث قال: ـ عز شأنه ـ: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤.

стр. 15

وقد عرف السلف ربهم ومعبودهم عن طريق معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي أثبتها لنفسه في كتابه ـ العزيز ـ وأثبته له رسوله ﷺ في سنته الشريفة. قال الصابوني١: مبيناً عقيدة السلف في أسماء الله ـ تعالى ـ وصفاته "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم يشهدون لله ـ تعالى ـ بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ـ جلّ وعلا ـ ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه فيقولون: إنه خلق آدم بيده كما نص ـ سبحانه ـ وتعالى عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف، والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه واتبعوا قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح. من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة، والقول والكلام والرضا والسخط والحياة واليقظة والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله ـ تعالى ـ وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل" أ. هـ٤.

стр. 16

ومن قبل الصابوني قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي١ مقرراً عقيدة السلف في صفات الله ـ تعالى ـ: "الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٢. يعلم سر خلقه وجهرهم ويعلم ما يكسبون، نحمده بجميع محامده، ونصفه بما وصف به نفسه ووصف به الرسول فهو الله، الرحمن الرحيم قريب مجيب مريد ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣ الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء له الأمر من قبل ومن بعد و ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٥ يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، يقبض ويبسط ويتكلم ويرضى، ويسخط ويغضب، ويحب ويبغض، ويكره ويضحك، ويأمر وينهى. ذو الوجه الكريم، والسمع السميع والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين، والقدرة والسلطان والعظمة والعلم الأزلي، لم يزل كذلك ولا يزال، استوى على عرشه فبان من خلقه لا تخفى عليه منهم خافية علمه بهم محيط وبصره بهم نافذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦. فبهذا الرب نؤمن وإياه نعبد وله نصلي ونسجد فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله وليس معبوده بإله كفرانه لا غفرانه" أ. هـ٧. هذا هو منهج السلف في تعرفهم على ربهم وهو معرفته لهم عن طريق معرفة أسمائه وصفاته التي أتصف بها كما نطق بها كتابه الكريم ونطقت بها سنة رسوله الأمين ﷺ ، يدعونه ـ تعالى ـ بها ويتعبدونه بذكرها.

стр. 17

وهناك أمور ينبغي أن تعلم نحو أسمائه ﵎: الأمر الأول: أن أسماءه ـ تعالى ـ لا تدخل تحت حصر ولا يحويها عدد١ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وأبدله مكانه فرجاً" ٢. وأما ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن لله تسعاً وتسعين اسماً ـ مائة إلا واحدة ـ من أحصاها دخل الجنة" ٣ فليس المراد منه حصر الأسماء وإنما المراد الإخبار بأن من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، وقد اختلف العلماء في معنى الإحصاء، وأقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد بالإحصاء حفظها مع اعتقاد ما دلت عليه والعمل بذلك"٤. الأمر الثاني: إن من أسماء الله ـ تعالى ـ ما لا يطلق على الرب ـ سبحانه ـ إلا مقترناً بمقابله، إذ لو أطلق عليه وحده أوهم نقصاً ـ تعالى الله عن ذلك ـ فمن تلك الأسماء المانع يذكر مع المعطي، والضار يذكر مع النافع، والقابض يذكر مع الباسط، والمذل يذكر مع المعز، والخافض يذكر مع الرافع، فمثل هذه الأسماء تطلق على الله مع ذكر مقابلها٥. الأمر الثالث: هناك بعض الأفعال أطلقها ـ البارئ سبحانه ـ على نفسه وهي تدل على صفات الله تعالى تليق به، ولا يجوز أن يشتق له أسماء من تلك الصفات.

стр. 18

مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ١. ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ ٢ ومثل قوله تعالى: ﴿وإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٣. ونحو ذلك من الآيات فهذه الصفات تتضمن مدحاً وكمالاً ـ للبارئ سبحانه ـ لكن لا يجوز أن يقال: الله مخادع، ماكر، مستهزئ، ولا يقال: الله يستهزئ، ويخادع ويمكر على سبيل الإطلاق دون ذكر الاستهزاء والمخادعة، والمكر بأعدائه٤. الأمر الرابع: أن دلالة أسمائه ـ تعالى ـ حق على حقيقتها مطابقة، وتضمناً والتزماً، فدلالة اسمه "الرحمن" على ذاته مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمناً، وعلى الحياة وغيرها التزاماً وهكذا سائر أسمائه ـ تعالى ـ فإن الله ﵎ هو الإله وما سواه عبيد، وهو الرب وما سواه مربوب، وهو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماء الله ـ تعالى ـ غيره، كما زعم ذلك أهل الأهواء لكانت مخلوقة مربوبة محدثة معرضة للفناء، إذ كل ما سواه ـ سبحانه ـ فانٍ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في معرض بطلان قول القائلين بأن صفات الله ـ تعالى ـ غيره لأن مسمى اسم "الله" يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات. ولهذا لا يقال: "صفات الله زائدة عليه ، وإن قيل: الصفات زائدة على الذات لأن المراد زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة، والله هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة فليس "اسم الله" متناولاً لذات مجردة عن الصفات أصلاً، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد٥ ﵀ في مناظرة الجهمية٦ لا

стр. 19

نقول: الله وعلمه، والله وقدرته والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد"١.

стр. 20

المبحث الثاني: إثبات صفة العلو والفوقية إن أول ما افتتحت به "سورة: الزمر" هو إثبات صفة العلو والفوقية ـ للباري جل وعلا ـ وذلك في خمس آيات منها: قال تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهِ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . وقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الخمس دلالة واضحة على إثبات علو الله ـ تعالى ـ وأنه فوق المخلوقات جميعها، لأن نزول الشيء يكون من أعلى إلى أسفل. فالآية الأولى: من تلك الآيات المتقدمة هي قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فيها إخبار منه ـ تعالى ـ بأن مبدأ تنزيل القرآن كائن منه ـ جل وعلا ـ ومن عنده ﵎. وأما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... ﴾ الآية.

стр. 21

أخبر تعالى بأنه أنزل الكتاب الذي هو القرآن على نبيه ﷺ من عنده بالحق الذي لا مرية فيه ولا شك. وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ... ﴾ الآية فقد دلت على علو الله ـ تعالى ـ لأن التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل كما تضمنت وصف القرآن المنزل من عنده ـ تعالى ـ بثلاثة صفات هي: كونه متشابهاً أي: يشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة ويصدق بعضه بعضاً في المعنى ويماثله وكونه "مثاني" حيث ثنى الله فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام. قال قتادة١ "ثنى الله فيه الفرائض والقضاء والحدود"٢. وكونه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم أي: تقشعر منه جلود الأبرار الذين يخشون ربهم لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد. وأما الآية الرابعة فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ... ﴾ الآية. فقد بين تعالى بأنه أنزل كتابه على رسوله من عنده ـ تعالى ـ فالآية دلت على علوه ـ تعالى ـ كما دلت أيضاً: أنه ـ تعالى ـ أنزل هذا الكتاب لجميع الخلق من الجن والإنس لينذرهم به، وأن من اهتدى منهم فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن ضل فإنما يعود وبال ضلاله عليه، وأن الرسول ﷺ ليس بموكل على هدايتهم، وإنما هو نذير عليه البلاغ، وعلى الله الحساب. وأما الآية الخامسة: وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... ﴾ الآية. فقد تضمنت أمراً من الله ـ جل وعلا ـ لجميع عباده بأن يتبعوا ما أمرهم به ـ تعالى ـ في كتابه الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وبذلك دليل على علوه ـ سبحانه ـ.

стр. 22

قال العلامة ابن جرير١: "فإن قال قائل: ومن القرآن شيء أحسن من شيء قيل له: القرآن كله حسن وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، وأحسنه أن تأتمروا لأمره وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه ـ أي العمل ـ فذلك وجهه" أ. هـ٢. فهذه الآيات الخمس من الآيات المحكمة التي أثبتت علو ـ الباري سبحانه ـ على جميع خلقه وأنه ﷻ في السماء أي: "العلو" لا كما يزعمه أهل الباطل من الجهمية المعطلة من أنه ـ تعالى ـ في أسفل الأرضين، بل هو ـ تعالى ـ في السماء كما أخبر بذلك عن نفسه في مواضع كثيرة من كتابه، وأكد ذلك رسوله ﷺ في سنته المطهرة. قال ابن خزيمة٣ ـ رحمه الله تعالى ـ: "إن الرب ـ جل وعلا ـ في السماء لا كما قالت الجهمية المعطلة أنه في أسفل الأرضيين فهو في السماء" أ. هـ٤. وقد وردت آيات كثيرة في الكتاب العزيز كلها تدل دلالة قطعية على إثبات علوه ـ تعالى ـ على خلقه وأنه ليس تحت الأرض ولا في كل مكان كما يزعم ذلك أهل الزيغ والباطل ومن تلك الآيات ما يلي: أحدها: أنه صرح بفوقيته المقترنة بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات. قال تعالى: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.

стр. 23

ففي الآية الثانية إعلام من الله ـ تعالى ـ بأنه فوق ملائكته، وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأخبرنا بأن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم والمعطلة يزعمون أن المعبود ـ سبحانه ـ تحت الملائكة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ثانياً: ذكره تعالى الفوقية مجردة عن الأداة: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ١ وهذه الآية فيها الإخبار منه ـ تعالى ـ بأنه فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات. ثالثاً: إخباره تعالى بعروج الملائكة والروح إليه. قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٢ فقد أخبرنا ـ تعالى ـ في هذه الآية بأن الملائكة تعرج إليه، والعرج يكون من الأسفل إلى الأعلى. رابعاً: التصريح منه ـ تعالى ـ بالصعود إليه: قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٣. والمفهوم من هذه الآية أن الرب ﷻ فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة فتصعد إلى الله كلمته، لا كما تزعمه المعطلة الجهمية أنه تهبط إليه الكلمة الطيبة كما تصعد إليه وتأويلهم هذا يدل على تردي عقولهم وسوء فهمها لكتاب الله ـ تعالى ـ. خامساً: تصريحه تعالى برفع بعض المخلوقات إليه كرفعه لعيسى ﵊. قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٤ فمن المستحيل أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها، أو إلى أي مكان أخفض وأنزل فيقال: رفعه الله إليه، لأن الرفع في لغة العرب الذين بلغتهم خاطبنا الله لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق. سادساً: تصريحه ـ تعالى ـ بعلوه المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً، وقدراً، وقهراً قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٥.

стр. 24

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. وقوله ـ عزَّ شأنه ـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ . ٢ فالعلي: هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه. علو الذات: كونه فوق جميع المخلوقات. علو القدر: فله من كل صفات الكمال أعلاها. علو القهر: فهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير٣. "وإذا كانت صفة العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا تستلزم نقصاً ولا توجب محذوراً ولا تخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً فنفي حقيقتها يكون عين الباطل، والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلاً فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله إلا بذلك فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده"٤. سابعاً: تخصيصه بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ٦ ففرَّق ـ سبحانه ـ في هاتين الآيتين بين من له عموماً وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصاً. ثامناً: تصريحه تعالى بأنه في السماء:

стр. 25

قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ١. فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله ـ تعالى ـ في السماء فلا تقبلان جدلاً ولا تأويلاً لأن "من" فيهما لا يمكن أن يراد بهما سوى ـ الرب جل شأنه ـ لا ملكه ولا أمره كما يزعم ذلك المعطلة النفاة. وفي في الآيتين إما أن تكون بمعنى الظرفية، ويكون المراد بالسماء العلو. وإما أن يراد بها معنى "على" ويكون المراد بالسماء المبنية. وليس في هذا خلاف عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة، ولا يجوز الحمل على غير ذلك. تاسعاً: تصريحه تعالى بأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه. قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢. واللغة العربية التي خاطبنا الله بها وفهمها العرب الفصحاء تبين بأن تدبير أمر السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض والمعروف عند العرب أن المعارج هي المصاعد. عاشراً: إخباره ـ تعالى ـ عن فرعون أنه حاول الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره به ممن أنه ـ سبحانه ـ فوق السموات قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ٣. فالذي ينفي العلو من الجهمية فهو فرعوني، والذي أثبته فهو موسوي محمدي. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: "ففي هذه الآية بيان بين، ودلالة ظاهرة أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة الله بأنه

стр. 26

فوق السماء فمن أجل ذلك أمر ببناء الصرح ورام الإطلاع وكذلك نمروذ فرعون إبراهيم، اتخذ التابوت والنسور ورام الإطلاع إلى الله لما كان يدعو إبراهيم إلى معرفته في السماء"١. الحادي عشر: من الأدلة الدالة على علوه تعالى إخباره ـ تعالى ـ بأنه استوى على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته وقد ذكر هذه الصفة في كتابه في مواضع سبعة من كتابه، ومن العجيب أن الله ـ تعالى ـ ما يذكر هذه الصفة إلا وهي مقرونة بما ببهر العقول من صفات جلاله وكماله فهي صفة من صفات المدح التي مدح الله بها نفسه ـ سبحانه ـ وإليك المواضع التي ذكرت فيها صفة الاستواء الدالة على علوه ـ تعالى ـ. ١ـ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. فهل لأحد أن يتجرأ وينفي هذه الصفة التي دلت على الجلال والكمال اللهم إلا من كان من أهل الزيغ والضلال. ٢ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٣. ٣ـ قال تعالى: ﴿الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٤. ٤ـ قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥. ٥ ـ قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ

стр. 27

عِبَادِهِ خَبِيراً * الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ١. ٦ ـ وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢. ٧ ـ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣. فهذه سبعة مواضع في كتاب الله ـ تعالى ـ أثبت الله ـ تعالى ـ لنفسه فيها صفة الاستواء، وهي تدل دلالة واضحة وصريحة على علوه تعالى فوق جميع مخلوقاته، كما تدل على أنه ـ تعالى ـ مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل. قال العلامة ابن القيم٤ رحمه الله تعالى: " واستواءه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجاً إلى ما يحمله، أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه فهو الغنى عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به ـ سبحانه ـ وتعالى، بل كان ـ سبحانه ـ ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما"٥. أ. هـ

стр. 28

وقال عثمان بن سعيد الدارمي بعد أن ساق كثيراً من الآيات الدالة على علو الله ـ تعالى ـ راداً على الجهمية ومبيناً بطلان مذهبهم في إنكار صفة العلو: " أقرت هذه العصابة ـ يعني الجهمية ـ بهذه الآيات بألسنتها وادعوا الإيمان بها، ثم نقضوا دعواهم بدعوى غيرها، فقالوا: الله في كل مكان لا يخلو منه مكان قلنا قد نقضتم دعواكم بالإيمان باستواء الرب على عرشه إذا ادعيتم أنه في كل مكان فقالوا: تفسيره عندنا: أنه استولى عليه وعلاه. قلنا فهل من مكان لم يستول عليه ولم يعله حتى خص العرش من بين الأمكنة بالاستواء عليه؟. وكرر ذكره في مواضع كثيرة من كتابه فأي معنى إذاً لخصوص العرش إذا كان عندكم مستوياً على جميع الأشياء وكاستوائه على العرش ﵎ هذا محال وباطل في الكلام"١. أ. هـ. فلو كان ـ الباري في كل مكان على حسب زعم الجهمية لجعل كل شيء دكاً فإنه حين سأله كليمه موسى ﵇ أن يريه ينظر إليه قال له: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. قال ابن خزيمة في معنى هذه الآية "أفليس العلم محيطاً يا ذوي الألباب أن الله لو كان في كل موضع ومع كل بشر وخلق كما زعمت ـ الجهمية ـ المعطلة لكان متجلياً لجميع أرضه سهلها ووعرها وجبالها وبراريها ومفاوزها ومدنها وقراها وعمارتها وخرابها وجميع ما فيها من نبات وبناء لجعلها دكاً كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكاً" أ. هـ٣. وبالجملة فظاهر القرآن يدل على إثبات علو الله ﵎ وأنه على عرشه الذي هو أعلى المخلوقات وهو ـ سبحانه ـ بائن من خلقه ويغنينا في ذلك التنزيل ولا حاجة لنا إلى تأويل المكذبين به في أنفسهم ويتسترون عن ذلك باسم التأويل وليس هو تأويلاً، وإنما هو تحريف وتعطيل وتبديل.

стр. 29

والقاري للكتب التي ألفت في أسباب نزول آيات القرآن يجد أن الصحابة الذين فسروا كتاب الله ـ تعالى ـ وبينوا أحكامه، وفرائضه وحدوده، يقولون: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام، ولا من خلف بل كل الآيات والسور يذكرون أنها نزلت من فوق لا من تحت الأرض، ولا خرجت منها. وقد بين النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الله ـ تعالى ـ متصف بصفة العلو والفوقية ومن تلك الأحاديث ما يلي: ١ ـ حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية١ فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة ـ وأنا رجل من بني آدم ـ فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظَّم ذلك عليّ فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ادعها: فدعوتها فقال لها أين الله؟ قالت في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة"٢. فهذا الحديث من أنصع الأدلة وضوحاً على إبطال مذهب الجهمية وهو صفعة قوية لأهل التعطيل على رؤوسهم حيث شهد الرسول ﷺ للجارية بالإيمان حين وجّه لها سؤالين اختبر بهما إيمانها، ولما نجحت في الإجابة عليهما، وبالأخص السؤال الأول حيث أجابت بأن الله ـ تعالى ـ في السماء فرضي ﵊ إجابتها وأقرها عليها وشهد لها بالإيمان، وفي الحقيقة أن إجابة تلك الجارية لا يستطيع أن يجيب بها جهمي، ومن يدور في ركابه لما حل في قلبه من الإعتقاد الفاسد لأنه يعتقد أن الله ـ جل وعلا ـ في كل مكان ولو سألت معطلاً وقلت له أين الله؟ لقال: لا يسأل عن الله بأين. قال عثمان بن سعيد الدارمي بعد سياقه لحديث معاوية بن الحكم السلمي:"ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله في السماء دون الأرض فليس بمؤمن ولو كان عبداً فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة إذ لا يعلم أن الله في السماء"٣. أ. هـ. لو كان الله في الأرض كما يدعيه ضلال الجهمية لأنكر عليها الرسول ﷺ وعلّمها،

стр. 30

ولكنها علمت به فصدقها وشهد لها بالإيمان، ولو كان الله في الأرض لم يتم لها إيمان حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء. ٢ـ ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات"١. وهذا دليل واضح وصريح في أن الله ـ تعالى ـ عالٍ فوق سمواته وعلى جميع مخلوقاته وعلى هذا تلقت أم المؤمنين زينب ﵂ عقيدتها من النبي ﷺ . ٣ـ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قسمة الذهب الذي بعث به علي ابن أبي طالب من اليمن قال النبي ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني الوحي صباحاً ومساءاً" ٢. فقد بين ﷺ بأنه أمين من في السماء والذي في السماء والمشار إليه إنما هو الله ـ تعالى ـ لو كان الجهمية يعلمون، ولربهم ينزهون، ولقد تتلمذ الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ على رسول الله ﷺ في دينهم وعقيدتهم، ونطقوا بما نطق به الكتاب والسنة من أن الله تعالى في السماء وأقوالهم في أن الله ـ تعالى ـ في السماء كثيرة جداً٣، واعتقادهم في أنه ـ تعالى ـ في السماء إنما تلقوا ذلك عن الرسول ﷺ وبلغوه إلى من وراءهم من التابعين لهم بإحسان فقد كان القول بأن الله ـ تعالى ـ في السماء متداولاً بينهم موقنين به. قال الحافظ ٤ وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي٥ قال: كنا والتابعون

стр. 31

متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"١. فالصحابة والتابعون أجمعوا على أن الله ـ تعالى ـ عالٍ على عرشه فوق سمواته وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية٢ ـ رحمه الله تعالى ـ: قال أبو عمر بن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ في التمهيد: "وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا: في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٣ هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج به"٤ أ. هـ. فابن عبد البر ينقل إجماع الصحابة والتابعين على أنه عالٍ على جميع خلقه ولم يحدث القول بأن الله في كل مكان إلا الجهمية وقولهم لا قيمة له لأنه لا عبرة بخلافهم ولا يحتج بقولهم لأنهم ضلال مارقون. ولذلك كفرهم الأئمة الأربعة وضللوهم، وبدعوهم، وحكموا عليهم بالكفر إن لم يرجعوا عن دعواهم بأن الله ـ تعالى ـ ليس في السماء. فقد جاء عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة٥ عمن

стр. 32

يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وعرشه فوق سمواته فقلت: إنه يقول: أقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ٢. وقال الإمام مالك بن أنس "الله في السماء وعلمه في كل مكان" ٣ وروى اللالكائي٤ في كتاب "السنة" عن جعفر بن عبد الله: جاء رجل إلى مالك بن أنس ٥ فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموْجدته من مقالته وعلاه الرّحضاء٧ قال: وأطرق القوم وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأخرج"٨. وأما الإمام الشافعي٩ فقد أثر عنه أنه قال: "السنة التي أن عليها ورأيت عليها

стр. 33

الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما إقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء"١. وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال عنه يوسف بن موسى القطان شيخ أبي بكر الخلال قال: قيل لأبي عبد الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: "نعم هو على عرشه لا يخلو شيء من علمه"٢، وكلام الأئمة وغيرهم في إثبات صفة العلو للباري ـ جل وعلا ـ كثير، وكلهم مجمعون على القول بعلو الله وفوقيته على جميع خلقه اتباعاً لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة والتابعين. وكما تقرر إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، كذلك دلت الفطرة والعقل على علوه ـ تعالى ـ وفوقيته. "أما الفطرة فإنه قد تقرر في فطر بني آدم علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم ذكورهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، وحتى الكفار منهم يعلمون يقيناً بأنه ـ تعالى ـ عالٍ على جميع المخلوقات إذ كل من دعى الله منهم فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى العلي الأعلى لا إلى أسفل"٣. وكم من إنسان إذا أراد جلب ما ينفعه، أو كشف ما يضره شخص ببصره إلى السماء إضافة إلى رفع يديه إلى جهة العلو إلى من يعلم السر وأخفى فيتوجه إليه بقلبه لعلمه أن المعبود ـ سبحانه ـ فوقه، وأنه إنما يدعى من أعلى لا من أسفل، وليس الإنسان وحده فحسب هو الذي عرف أن الله يدعى من أعلى لا من أسفل بل الحيوانات قد عرفت أن الله ـ تعالى ـ في السماء أي ـ جهة العلو ـ ولذلك فإنها ترفع رأسها عند الجدب والقحط تستمطر ربها وفي هذا إبطال لقول الجهمية أن الله في كل مكان فقد أخرج الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو

стр. 34

بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه١ وأقره الذهبي٢ وفي "كتاب الزهد" للإمام أحمد "خرج سليمان بن داود ﵉ يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"٣. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأحرى بهذه النملة وأخواتها من النمل أن يكونوا أعرف بالله من الجهمية"٤ وفي هذا بيان واضح أن الحيوانات تعرف أن الله إنما يدعى من أعلى كما يعرف ذلك المؤمنون، وهذا ما فطر الله عليه خلقه أجمعين وهذه ضرورة يحس بها الإنسان والحيوان. ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان!! فقال الشيخ أبو جعفر: "أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنة، ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى وقال: حيَّرني الهمذاني حيرني! أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو"٥.

стр. 35

وقال أبو الحسن الأشعري١: بعد أن ساق كلاماً كثيراً يريد منه إثبات أن الله ـ تعالى ـ مستو على عرشه فوق سمواته قال ﵀: "ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض"٢. وأما دلالة العقل على ذلك فنقول: إن العقل قد دل على أن الله عال على جميع خلقه من وجو: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر. الثاني: أنه ـ تعالى ـ لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجاً عن ذاته والأول باطل. أما أولاً: فبالاتفاق، وأما ثانياً: فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس، والقاذورات ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً. والثاني: يقتضي كون العالم واقعاً خارج ذاته، فيكون منفصلاً فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول. الثالث: أن كونه ـ تعالى ـ لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجوداً، إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعيّن الثاني فلزمت المباينة٣. وللجهمية في إنكارهم صفات الله وقولهم أن الله في كل

стр. 36

مكان شبه أجاب عنها أهل السنة ووضحوا بطلانها من ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ١. على أنه ـ تعالى ـ في كل مكان ولا يخلو منه مكان فهو استدلال باطل وتفسير لكتاب الله ـ تعالى ـ بغير المراد منه فالآية: معناها إله من في السموات، وإله من في الأرض وهو على عرشه، وعلمه محيط بالعرش وما دون العرش، ولا يخلو مكان من علم الله ولا يمكن أن يكون علمه في مكان دون مكان بل إنه ـ تعالى ـ قد أحاط بكل شيء علماً فهذا هو المعنى الصحيح للآية. قال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ مبيناً بطلان استدلالهم بالآية السابقة على أن الله في كل مكان. فقلنا لما أنكرتم أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة ـ الرب ـ شيء فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة ـ الرب ـ شيء وقد أخبرنا أنه في السماء ... إلى أن قال ـ رحمه الله تعالى ـ: أليس تعلمون أن إبليس مكانه والشياطين مكانهم فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد، وإنما معنى قول الله ـ جل ثناؤه ـ ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٣ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان فذلك قوله ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤.

стр. 37

وقال ابن كثير١: حول الآية: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية.. القائلين ـ تعالى ـ عن قولهم علواً كبيراً بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٢. ومن الآيات التي احتج بها الجهمية على أن الله في كل مكان قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. ويقال لهم: إن معنى الآية ليس كما فهمتم منها بل معناها المراد منها أنه ـ تعالى ـ حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق عرشه بعلمه لأن علمه ـ سبحانه ـ محيط بجميع خلقه، وبصره نافذ فيهم لا يحجب علمه وبصره شيء ولا يستطيعون التواري منه بشيء وهو عالٍ على عرشه بائن من خلقه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٤ لأنه ـ سبحانه ـ لا يبعد عليه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض فهو ـ سبحانه ـ رابعهم وخامسهم وسادسهم بعلمه المحيط بكل شيء كما بينت الآية ذلك بفاتحتها وخاتمتها"٥. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجاً من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها":

стр. 38

١ـ إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه. ٢ـ وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفراً أيضاً حين زعم أنه دخل في مكان وحش وقذر رديء. ٣ـ وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه، ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة. أ. هـ١. كذلك استدلوا على أنه ـ تعالى ـ في كل مكان: بما رواه الترمذي٢ في سننه من حديث الحسن٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ : هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال هذا العنان٤ هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" والحديث طويل وفيه: لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة٦. هذا الحديث أفاض البحث حوله العلامة ابن القيم وبين أن العلماء انقسموا فيه إلى طائفتين.

стр. 39

طائفة: قبلت الحديث على اعتبار أن سنده ثابت إلى الحسن. وطائفة ثانية: رفضت الحديث بالكلية على اعتبار أن الحديث منقطع وأن الحسن لم ير أبا هريرة فضلاً عن أن يسمع منه، واكتشفوا فيه علة أخرى وهو أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني رواه عن معمر عن قتادة عن النبي ﷺ فكان الحديث على هذا مرسلاً، والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه على قولين: قيل: إن المعنى يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت فلا يعزب عنه شيء وهذا القول حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم١. وقالت طائفة أخرى: بل هذا المعنى اسمه ـ تعالى ـ المحيط، واسمه الباطن فإنه ـ سبحانه ـ محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ٢، وإحاطته ـ تعالى ـ تقتضي علوه وفوقيته على جميع خلقه بالذات فلو دلي بحبل لسقط في قبضته وهو فوق عرشه والحديث لم ينص على أنه يهبط على جميع ذاته فهذا لم يقله أحد البتة. والتأويل الأول: الذي ذكره الترمذي بيّن ابن القيم أنه من تصرفات الجهمية. قال ﵀: قال شيخنا٣: "هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته، فإنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلاً ونقلاً وفطرة"٤. فالجهمية لا دليل لهم على دعواهم التي مضمونها التنقيص لله ـ جل وعلا ـ لا من الكتاب ولا من السنة. وإن استدلوا بآيات من القرآن فإنهم يفسرونها بغير المراد منها، وإن أتوا بأحاديث تكون غير صحيحة، وأحياناً تكون لا وجود لها في كتب الحديث المعتمدة بالكلية، وحاصل ما تقدم أن علو الله ـ تعالى ـ على خلقه ثابت بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، بل نطقت بذلك جميع الكتب السماوية المنزلة على رسله، وجميع أهل

стр. 40

السموات ومؤمنو أهل الأرض من الجن والإنس، أتباع الرسل، وشهدت بذلك الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، كما فعلت بطائفة الجهمية الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين فأطاعوا الشيطان وابتعدوا عما يريده الرحمن، فجميع الخلق إلا من خذله الله يشهدون بأن خالقهم وفاطرهم، ومعبودهم الذي يألهونه، ويفزعون إليه ويدعونه رغباً ورهباً هو فوق كل شيء عالٍ على جميع خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم، وما هم عليه لا يخفى منه خافية، ومن لم يعتقد ذلك فهو ضال عن سواء السبيل.
следующие страницы →