← Акыда

Акыда · id 12059

مباحث العقيدة في سورة الزمر

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (696 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مكان شبه أجاب عنها أهل السنة ووضحوا بطلانها من ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ١. على أنه ـ تعالى ـ في كل مكان ولا يخلو منه مكان فهو استدلال باطل وتفسير لكتاب الله ـ تعالى ـ بغير المراد منه فالآية: معناها إله من في السموات، وإله من في الأرض وهو على عرشه، وعلمه محيط بالعرش وما دون العرش، ولا يخلو مكان من علم الله ولا يمكن أن يكون علمه في مكان دون مكان بل إنه ـ تعالى ـ قد أحاط بكل شيء علماً فهذا هو المعنى الصحيح للآية. قال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ مبيناً بطلان استدلالهم بالآية السابقة على أن الله في كل مكان. فقلنا لما أنكرتم أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، وفي كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة ـ الرب ـ شيء فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة ـ الرب ـ شيء وقد أخبرنا أنه في السماء ... إلى أن قال ـ رحمه الله تعالى ـ: أليس تعلمون أن إبليس مكانه والشياطين مكانهم فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد، وإنما معنى قول الله ـ جل ثناؤه ـ ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٣ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان فذلك قوله ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤.

стр. 37

وقال ابن كثير١: حول الآية: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية.. القائلين ـ تعالى ـ عن قولهم علواً كبيراً بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٢. ومن الآيات التي احتج بها الجهمية على أن الله في كل مكان قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. ويقال لهم: إن معنى الآية ليس كما فهمتم منها بل معناها المراد منها أنه ـ تعالى ـ حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق عرشه بعلمه لأن علمه ـ سبحانه ـ محيط بجميع خلقه، وبصره نافذ فيهم لا يحجب علمه وبصره شيء ولا يستطيعون التواري منه بشيء وهو عالٍ على عرشه بائن من خلقه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٤ لأنه ـ سبحانه ـ لا يبعد عليه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض فهو ـ سبحانه ـ رابعهم وخامسهم وسادسهم بعلمه المحيط بكل شيء كما بينت الآية ذلك بفاتحتها وخاتمتها"٥. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجاً من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها":

стр. 38

١ـ إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه. ٢ـ وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفراً أيضاً حين زعم أنه دخل في مكان وحش وقذر رديء. ٣ـ وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه، ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة. أ. هـ١. كذلك استدلوا على أنه ـ تعالى ـ في كل مكان: بما رواه الترمذي٢ في سننه من حديث الحسن٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نبي الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ : هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال هذا العنان٤ هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" والحديث طويل وفيه: لو أنكم دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة٦. هذا الحديث أفاض البحث حوله العلامة ابن القيم وبين أن العلماء انقسموا فيه إلى طائفتين.

стр. 39

طائفة: قبلت الحديث على اعتبار أن سنده ثابت إلى الحسن. وطائفة ثانية: رفضت الحديث بالكلية على اعتبار أن الحديث منقطع وأن الحسن لم ير أبا هريرة فضلاً عن أن يسمع منه، واكتشفوا فيه علة أخرى وهو أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني رواه عن معمر عن قتادة عن النبي ﷺ فكان الحديث على هذا مرسلاً، والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه على قولين: قيل: إن المعنى يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت فلا يعزب عنه شيء وهذا القول حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم١. وقالت طائفة أخرى: بل هذا المعنى اسمه ـ تعالى ـ المحيط، واسمه الباطن فإنه ـ سبحانه ـ محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ٢، وإحاطته ـ تعالى ـ تقتضي علوه وفوقيته على جميع خلقه بالذات فلو دلي بحبل لسقط في قبضته وهو فوق عرشه والحديث لم ينص على أنه يهبط على جميع ذاته فهذا لم يقله أحد البتة. والتأويل الأول: الذي ذكره الترمذي بيّن ابن القيم أنه من تصرفات الجهمية. قال ﵀: قال شيخنا٣: "هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته، فإنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلاً ونقلاً وفطرة"٤. فالجهمية لا دليل لهم على دعواهم التي مضمونها التنقيص لله ـ جل وعلا ـ لا من الكتاب ولا من السنة. وإن استدلوا بآيات من القرآن فإنهم يفسرونها بغير المراد منها، وإن أتوا بأحاديث تكون غير صحيحة، وأحياناً تكون لا وجود لها في كتب الحديث المعتمدة بالكلية، وحاصل ما تقدم أن علو الله ـ تعالى ـ على خلقه ثابت بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، بل نطقت بذلك جميع الكتب السماوية المنزلة على رسله، وجميع أهل

стр. 40

السموات ومؤمنو أهل الأرض من الجن والإنس، أتباع الرسل، وشهدت بذلك الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، كما فعلت بطائفة الجهمية الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين فأطاعوا الشيطان وابتعدوا عما يريده الرحمن، فجميع الخلق إلا من خذله الله يشهدون بأن خالقهم وفاطرهم، ومعبودهم الذي يألهونه، ويفزعون إليه ويدعونه رغباً ورهباً هو فوق كل شيء عالٍ على جميع خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم، وما هم عليه لا يخفى منه خافية، ومن لم يعتقد ذلك فهو ضال عن سواء السبيل.

стр. 41

المبحث الثالث: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق لقد دلت السورة على أن القرآن منزل من الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفاته تعالى، وصفاته ـ تعالى ـ كما هو معلوم ليست مخلوقة في عدة آيات: قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . هذه سبع آيات من السورة، الخمس الآيات الأولى منها دلت على أن القرآن منزل من الله ـ تعالى ـ غير مخلوق كما تضمنت الرد على القائلين بخلق القرآن، وهم المعتزلة وترد قول القائلين أن المراد من النزول نزول الملك الذي بلّغه إلى الرسول، وليس المراد به القرآن الذي هو صفة من صفات الله ـ تعالى ـ كما قال ذلك الرازي١.

стр. 42

ووجه الرد عليهم بالآيات الخمس الأولى: أنها صرحت بتنزيل وإنزال الكتاب الذي هو القرآن بواسطة الرسول الملكي فهو منزل من الله وهو كلامه حقيقة. وأما الآية السادسة: وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ . بين الله ـ تعالى ـ فيها أنه مثّل للمشركين من كل مثل من أمثال الأمم الخالية في هذا القرآن تخويفاً منه، وتحذيراً ليتعظوا ويتذكروا علّهم ينزجرون عما هم عليه من التكذيب بالرسول والكفر بالله تعالى. وأما الآية السابعة: وهي قوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . قال السيوطي١ حول هذه الآية: "فيها الرد على من قال بخلق القرآن"٢. وروى اللالكائي والآجري٣ بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قال غير مخلوق٤. فتلك الآيات من السورة دلت على أن القرآن منزل غير مخلوق وكما هو معلوم أن الإيمان بالكتب ركن من أركان الإيمان الستة، ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله ـ تعالى ـ حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا

стр. 43

إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف"١. وهذا ما يجب اعتقاده في القرآن ولا يجوز العدول عنه بحال. قال الصابوني: "ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول ﷺ : ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٢. وكما قال ـ عز من قائل ـ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣. وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته ... إلى أن قال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم لا تقبل شهادته ولا يعاد إن مرض ولا يصلى عليه إن مات ولا يدفن في مقابر المسلمين ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه٤. هذا الذي ذكره الصابوني ـ رحمه الله تعالى ـ معتقد أهل السنة والجماعة في كتاب الله ـ تعالى ـ وهو ما كان عليه السلف الصالح حيث كانوا على عقيدة واحدة في كتابه ـ تعالى ـ وهو القول بأنه كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق. قال العلامة ابن القيم: "وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام ـ وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيماناً ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة"٥.

стр. 44

هذا هو واقع الصحابة فقد كان مجتمعهم مجتمعاً سليماً من الشوائب والانحرافات المشؤومة، ولم يحدث القول بخلق القرآن إلا الجهمية من المعتزلة، وهو من أعظم الفتن التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريحها، وكان أول من أحدث القول بخلق القرآن هو "الجعد بن درهم"١ سنة أربع وعشرين ومائة هجرية، ولما هلك أخذ الراية من بعده "الجهم بن صفوان" سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية. ولما بدأ القرن الثالث الهجري تولى نشر هذه البدعة بشر بن غياث المريسي سنة ثماني عشرة ومائتين هجرية، ثم تلقاها أحمد بن أبي دؤاد سنة أربعين ومائتين هجرية وزينها للمأمون حتى اعتنقها، وحمل الناس عليها وأكرههم على اعتقادها، وحذى حذوه من بعده أخوه المعتصم والواثق. وفي زمن هؤلاء الثلاثة الخلفاء العباسيين نزلت المحنة والبلاء بعلماء أهل السنة والجماعة الذين ثبتوا في اعتقادهم على منهج السلف وردوا كيد المعتزلة في نحورهم ببيان الحق في كلام الله ـ تعالى ـ حتى أن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ ضرب في هذه المحنة كي يحصلوا منه على أدنى كلمة توافق مذهب الإعتزال فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، فثبت ـ رحمه الله تعالى ـ على التمسك بعقيدة السلف الصالح حتى كان سبباً في حفظ العقيدة السلفية الصحيحة التي حماها الله من التلوث ببراثن الجهمية المعتزلة، وبيّن ﵀ بموقفه ذلك بطلان ما دبره الجهمية والمعتزلة من الكيد للإسلام، فبلّغ الأمة فساد قولهم بأن القرآن مخلوق، ولم ترتفع تلك الفتنة وهي فتنة القول بخلق القرآن إلا في زمن المتوكل سنة أربع وثلاثين ومائتين٢، وبسبب تلك المحنة التي امتحن فيها أئمة الإسلام، وثبت فيها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل تنازع الناس في القرآن نزاعاً كبيراً،

стр. 45

فانقسموا إلى طوائف مختلفة في صفة الكلام حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي بهذا الاسم أخذاً من الكلام في هذه المسألة وسأذكر هنا الأقوال المذكورة عن الفرق في صفة الكلام بطريقة مختصرة: مذهب السلف: قالوا: إن الكلام صفة لله كسائر الصفات الأخرى، وهي صفة ذات وفعل، يتكلم متى شاء وكيف شاء، وهو حروف وأصوات يسمعها من يشاء من مخلوقاته، وإن كلامه وصوته ليس كصوت المخلوقين وكلامهم فهو قديم النوع حادث الأفراد. كما أنهم أجمعوا على أن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله تعالى لا من الشجر أو الحجر، أو من غير ذلك كما زعمت الجهمية والمعتزلة لأنه لو سمع من غير الله ـ تعالى ـ لكان بنو إسرائيل أفضل ذلك منه، فإنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى لكونهم سمعوا من موسى ﵇ وهو على زعمهم إنما سمع من الشجرة، وهو غير معقول. وكذلك لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتاً وحرفاً، وليس معنى في النفس، فإنه لو كان معنى في النفس كما زعمت الكلابية والأشاعرة والماتريدية لم يكن ذلك تكليماً لموسى ﵇ ولا هو شيءٌ يسمع١. فالقرآن عند أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً كلام الله ـ تعالى ـ ووحيه، وتنزيله فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته، وأنه غير مخلوق بحروفه ومعانيه فهو كلام الله ـ تعالى ـ حقيقة ويضاف الكلام إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً، ومؤدياً، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، كما يزعم ذلك الكلابية، والأشاعرة. مذهب الفلاسفة: قالوا: "إن كلام الله هو عبارة عما يفيض من العقل الفعَّال أو من غيره على النفوس الفاضلة الزكية، بحسب استعدادها، فأوجب لها ذلك الفيض تصورات، وتصديقات

стр. 46

بحسب ما قبلته منه، ولهذه النفوس عندهم ثلاث قوى، قوة التصور، وقوة التخيل، وقوة التعبير، فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها، وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس، فتتصور المعقول صوراً نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان، وهو عندهم كلام الله ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك كله من القوة الخيالية الوهمية"١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فيقولون هذا القرآن كلام الله وهذا الذي جاءت به الرسل كلام الله، ولكن المعنى أنه فاض على نفس النبي ﷺ من العقل الفعَّال، وربما قالوا: إن العقل هو جبريل الذي ليس على الغيب بضنين أي: بخيل لأنه فيَّاض. ويقولون إن الله كلم موسى من سماء عقله، وأن أهل الرياضة والصفا يصلون إلى أن يسمعوا ما سمعه موسى كما سمعه موسى٢. وهذا المذهب: من أبعد المذاهب عن الحق والصواب إذ مضمونه أن كلام الله ـ تعالى ـ من الوهم والخيال ليس له وجود في الخارج إذ أنهم يزعمون: أن موسى سمع كلام الله من سماء عقله أي: بكلام لم يسمعه من خارج. وهذا مناقض للكتاب والسنة وإنكار لربوبية الخالق ، والكتاب والسنة دلا بوضوح على أن الله ـ تعالى ـ أوحى إلى رسوله ﷺ وإلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، والوحي كان إما بتكليم الله لهم بلا واسطة، أو يوحي إليهم بواسطة الملك الذي يأمره الله بتبليغ الوحي إلى النبي الذي اصطفاه الله لتبليغ رسالته إلى عباده من الجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٣. فهذه الآية دلت على أن الوحي إلى الرسل كان حقيقة ولم يكن تخييلاً يتخيله الرسول كما زعم ذلك الفلاسفة المارقون ومن جرى في ركابهم من المتكلمين فدعواهم ذلك من أبطل الباطل.

стр. 47

"والأصل الذي قادهم إلى هذا عدم الإقرار بالرب الذي عرَّفت به الرسل ودعت إليه وهو القائم بنفسه المباين لخلقه العالي فوق سمواته، فوق عرشه الفعَّال لما يريد بقدرته ومشيئته العالم بجميع المعلومات القادر على كل شيء فهم أنكروا ذلك كله"١. مذهب الجهمية: أما مذهب الجهمية في صفة الكلام فإنهم قالوا: إن كلامه ـ سبحانه ـ مخلوق، ومن بعض مخلوقاته ليس قائماً بذاته ـ سبحانه ـ فالكلام بدأ من هذه المخلوقات وليس من الله ولا يقوم بالله كلام ولا إرادة وأنه ـ سبحانه ـ كلّم موسى بكلام خلقه في الشجرة، وكلّم جبريل بكلام خلقه في الهواء٢. قال أبو الحسن الأشعري: "وزعمت الجهمية كما زعمت النصارى لأن النصارى زعمت أن كلمة الله حواها بطن مريم، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة وكانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقاً من المخلوقين كلم موسى، وأن الشجرة قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٣. وقال البغدادي وهو يذكر بعض الأمور التي اتفقت عليها الجهمية فقال: "وقال: أي ـ جهم ـ بحدوث كلام الله ـ تعالى ـ كما قالت القدرية ولم يسم الله ـ تعالى ـ متكلماً به" أ. هـ٤. وقال البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ: "وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم، والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يخلق، وقالت الجهمية: هو كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه"٥.

стр. 48

ولقد ذكر ابن قتيبة ـ رحمه الله تعالى ـ: مذهب الجهمية في صفة الكلام فقال: "وقالوا: في كلام الله إنه مخلوق"١. وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي "باب الاحتجاج للقرآن" أنه غير مخلوق ثم ذكر حشداً كبيراً من الأدلة على عدم خلق القرآن ثم قال: "ففي هذا بيان بين أن القرآن خرج من الخالق لا من المخلوقين، وأنه كلام الخالق لا كلام المخلوقين" أ. هـ٢. فهذا هو مذهب الجهمية الزنادقة في كلام الله ـ تعالى ـ حيث يزعمون أن القرآن كلام الله على سبيل المجاز وهو مخلوق، وقولهم هذا ظاهر البطلان لمخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. مذهب المعتزلة: أما المعتزلة أفراخ الجهمية فقد قالوا: "إن كلام الله ـ تعالى ـ مخلوق، خلقه الله منفصلاً عنه، وهو حرف وصوت وأن موسى سمع كلاماً أحدثه الله في الشجرة، ولم يسمع كلام الله حقيقة"٣. قال عبد الجبار بن أحمد مبيناً مذهبه ومذهب إخوانه من أهل الاعتزال في القرآن: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله ـ تعالى ـ ووحيه، وهو مخلوق محدث أنزله الله على نبيه ليكون علماً ودالاً على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام" أ. هـ٤. وقال في كتابه "المغني" " اختلف الناس في ذلك "الكلام" والذي يذهب إليه شيوخنا أن كلام الله من جنس الكلام المعقول في الشاهد، وهو حروف منظومة، وأصوات مقطعة، وهو عرض يخلقه الله ـ سبحانه ـ في الأجسام علو وجه يسمع ويفهم معناه ويؤدي الملك ذلك إلى الأنبياء ﵈ بحسب ما يأمر به ويعلمه صلاحاً ويشتمل على الأمر والنهي وسائر الأقسام ككلام العباد".

стр. 49

وقال أيضاَ: "ولا خلاف بين أهل العدل في أن القرآن مخلوق محدث مفعول لم يكن، ثم كان وأنه غير الله وأنه أحدثه بحسب مصالح العباد، وهو قادر على أمثاله وأنه يوصف بأنه مخبر به، وقائل، وآمر، وناه من حيث فعله وكلهم أنه متكلم به" أ. هـ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً وجه تقارب مذهب المعتزلة والجهمية ووجه افتراقهما: "فمذهبهم ـ أي المعتزلة ـ ومذهب الجهمية في المعنى سواء، لكن هؤلاء يقولون: هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلما حقيقة، وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلم، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام ولا مريد إلا من قامت به الإرادة، ولكن معنى كونه ـ سبحانه ـ متكلماً عندهم، أنه خلق الكلام في غيره" أ. هـ٢. والقرآن والسنة يقرران بطلان مذهب المعتزلة من أساسه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣. ووجه الدلالة من الآية: أن الله ـ تعالى ـ خلق كل شيء بقوله "كن" ولو كانت "كن" مخلوقة لأدى ذلك إلى أن مخلوقاً خلق مخلوقاً آخر وهذا من القول المستحيل الذي لا يقول به أحد قط. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤. وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله فرَّق بين خلقه وأمره فالمراد بالخلق في الآية هو المخلوقات، والمراد بالأمر في الآية القرآن فالآية دلت على إبطال قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق إذ الأمر ما يكون به الخلق.

стр. 50

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١. ووجه الدلالة من الآية: أن الله ـ تعالى ـ بين أن القول منه وما كان منه فليس مخلوقاً. وروى اللالكائي بإسناده إلى وكيع بن الجراح أنه قال: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق فقيل له: يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ولا يكون من الله شيء مخلوق"٢. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ ٣. وجه الدلالة من هذه الآية: أن المخلوقات كلها نافدة وفانية، أما كلمات الله ـ تعالى ـ فلا تنفد ولا تفنى ولذلك يقول الباري ـ سبحانه ـ عندما تفنى الخلائق كلها لمن الملك اليوم؟ فيجيب ﴿لله الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ ٤. وروى ابن جرير الطبري بإسناده إلى الحسن البصري في الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ قال: لو جعل شجر الأرض أقلاماً، وجعل البحور مداداً وقال: إن من أمري كذا ومن أمري كذا لنفد ماء البحور وتكسرت الأقلام"٥. وقال الرسول ﷺ : "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك فأين ملوك الأرض ... " ٦ الحديث.

стр. 51

فهذا الحديث والآيات قبله فيها الرد الواضح الصريح على المعتزلة القائلين بأن كلام الله مخلوق لأن كلام الله صفة من صفاته، وصفاته كذاته ليس شيء من ذلك مخلوق والذي حمل المعتزلة على القول بأن القرآن مخلوق منفصل عن الله ـ تعالى ـ خلقه في غيره. قالوا: "إنما قلنا ذلك لأنا إنما استدللنا على حدوث العالم بحدوث الأجسام، وإنما استدللنا على حدوثها بقيام الحوادث بها وأن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فلو قلنا إنه تقوم به الصفات والكلام لزم قيام الحوادث به لأن هذه الأعراض حادثة". وهذا الكلام المحدث المبتدع جعلوه أصلاً لهم في نفي صفات الله ـ تعالى ـ وظنوا أنهم ينصرون به الإسلام، ويضرون به أعداءه، ولكن لا الإسلام نصروا ولا أعداءه كسروا وإنما النتيجة التي حصلت لهم من وراء هذا الأصل الباطل أن سلطوا على أنفسهم علماء الشرع والعقل، فعلماء الشرع قالوا لهم: إنكم خالفتم بقولكم هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلماء الفلسفة قالوا لهم: إنكم خالفتم بقولكم هذا المعقول رغم أن المعتزلة أعرف من الفلاسفة بعلوم الدين وأولئك أجهل منهم بالشرع والعقل في الإلهيات، ففتحوا على أنفسهم مدخلاً دخلوا عليهم منه، ونقموا عليهم بسبب مخالفتهم للعقل١. وأما استدلال المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢. ويقولون: "إن القرآن داخل في عموم "كل" لأنه شيء فيكون مخلوقاً فهذا مما يعجب له العقلاء، إذ أنهم يزعمون أن أفعال العباد غير مخلوقة لله ـ جل وعلا ـ وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم "كل"، وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفات الله ـ تعالى ـ به تكون الأشياء المخلوقة إذ المخلوقات تكون بأمره ـ سبحانه ـ كما تقدم ذلك، ومن قال: بأن صفات الله ـ تعالى ـ مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرهما فهذا من الكفر الصريح لأن علمه ـ تعالى ـ شيء وحياته شيء وقدرته شيء،

стр. 52

فيدخل في العموم الذي تتضمنه "كل" فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن ـ تعالى الله ـ عما يقولون علواً كبيراً"١. قال ابن القيم ﵀ تعالى: "احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله ـ تعالى ـ ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ " ونحو ذلك من الآيات، فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص، يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه. قال ابن عقيل٢ في الإرشاد: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله قال: لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقاً لكل شيء وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلاً تحت الخبر قال: ولو أن شخصاً قال: لا أتكلم اليوم كلاماً إلا كان كذباً لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكوراً في قوله تعالى في قصة مريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ ٣. وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها فقولها "فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً" به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلاً تحت الخبر وإلا كان قولها هذا مخالفاً لنذرها" أ. هـ٤. "فقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ التي استدل بها المعتزلة على خلق القرآن آية عامة في جميع الخلق لا يخرج عنها شيء من هذا الوجود أعيانه وأفعاله، وحركاته وسكناته، ولا يخصص بذات الله ـ تعالى ـ وصفاته إذ الباري ـ سبحانه ـ خالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له ـ تعالى ـ ونفس اللفظ في الآية قد فرّق بين الخالق ـ سبحانه ـ وبين المخلوق، وصفاته ـ تعالى ـ داخلة في مسمى اسمه ـ تعالى ـ فإن لفظ الجلالة "الله" اسم للإله

стр. 53

ـ تعالى ـ الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة عيب ونقص ومثال، والخلق قسمان: أعيان وأفعال وهو ـ سبحانه ـ الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال"١. ويقال للمعتزلة أيضاً: إن عموم "كل" في كل مقام بحسبه ويتبين ذلك بالقرائن، وبرهان ذلك قوله ـ تعالى ـ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٢ ومساكن قوم عاد شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح وذلك لأن المراد تدمر كل شيء قابل للتدمير بواسطة الريح. وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ والمراد من كل شيء تحتاجه الملوك، ومثل هذا يفهم من قرائن الكلام، فمراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها ولهذا نظائر كثيرة والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي كل شيء مخلوق وكل موجود سوى ـ الباري ـ فهو مخلوق فيدخل في هذا العموم أفعال العباد قطعاً ولم يدخل في هذا العموم الخالق ـ تعالى ـ وصفاته ـ تعالى ـ ليست غيره لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ـ تعالى ـ ملازمة لذاته المقدسة، ولا يتصور انفصال صفاته ـ تعالى ـ عنه بحال"٤. كما يقال لهم أيضاً: كيف يصح أن يتكلم الله بكلام قائم بغيره ولو جاز ذلك للزم أن يكون كل كلام أحدثه في الجمادات كلامه! وكذلك الكلام الذي خلقه في الحيوانات يكون كلامه، ولا يكون هناك فرق بين نطق وأنطق، وإنما قالت الجلود ﴿أَنْطَقَنَا اللهُ﴾ ٥ ولم تقل: نطق الله بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً، أو كذباً، أو كفراً، أو هذياناً ـ تعالى الله ـ عما يقوله المعتزلة والجهمية علواً كبيراً، وهذا ما قاله الاتحادية فقد قال ابن عربي: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه

стр. 54

ولو صح هذا لكان قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١ من كلام الله كما أن الكلام المخلوق في الشجرة على زعمهم كلام الله وهذا من باطل القول وزوره إذ الرسل عليهم الصلاة والسلام أخبروا الناس وأفهموهم أن الله نفسه هو الذي تكلم والكلام قائم به لا بغيره ولذلك عاب الله على من يعبد إلهاً لا يتكلم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢، ولا يحمد شيء بأنه متكلم ويذم بأنه غير متكلم إلا إذا كان الكلام قائمان به" أ. هـ٣. وأما استدلالهم ـ المعتزلة ـ بقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ٤ على خلق القرآن فهو استدلال ظاهر الفساد فإن الفعل "جعل" إذا كان بمعنى "خلق" فإنه يتعدى إلى مفعول واحد كقوله ـ سبحانه ـ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ٥ وإذا كان يتعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ٦. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ٧. وللمعتزلة أدلة أخرى غير هذه الأدلة ولكن بحمد الله ـ تعالى ـ لقد بين علماء السلف عدم وجهة استدلالهم بها وأن تعلقهم بها لا يساعد على دعواهم في القول بخلق القرآن. مذهب الكلابية: لقد ذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه إلى أن القرآن عبارة عن حكاية معنى قائم بنفسه لا يتعلق بقدرته ـ تعالى ـ ومشيئته وأنه لازم لذاته ـ جل وعلا ـ كلزوم الحياة

стр. 55

والقدرة والعلم وأنه لا يسمع على الحقيقة، وليس له حرف ولا صوت، وهو أربعة معاني في نفسه الأمر، والنهي، والخبر والاستخبار، فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع وذلك المعنى هو المتلو المقرؤ، وهو غير مخلوق والأصوات والحروف هي تلاوة العباد وهي مخلوقة، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندهم لأنها حادثة، والله لا يقوم به حادث عندهم وقالوا: إذا لو قلنا أنه بقدرته ومشيئته لزم أن يكون حادثاً فيلزم أن يكون مخلوقاً، أو قائماً بذات ـ الرب ـ فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث، لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وتسلسل الحوادث ممتنع، إذ التفريع على هذا الأصل١. فمذهب الكلابية أن القرآن العربي ليس عندهم كلام الله وإنما كلامه المعنى الذي قام بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه ـ محمداً ـ فعبر عنه بالقرآن العربي وكما هو معلوم مذهب ظاهر البطلان. مذهب الأشاعرة: أما مذهب الأشاعرة فقد قالوا: الكلام عبارة عن معنى واحد قائم بنفسه وهو صفة أزلية قديمة، ليس بصوت ولا حرف، وهو عين الأمر، وعين النهي، وعين الخبر، وعين الاستخبار، الكل من أمر واحد ليس له أنواع ولا أجزاء فإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً وإن عبر عنه بالعربية فهو القرآن. وقالوا: تسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً، وأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله حقيقة بل سمع ما يدل عليه٢. قال البغدادي: "كلام الله عندنا أمر ونهي وخبر ووعد ومن فوائد وجوهه العموم،

стр. 56

والخصوص، والمجمل، والمفسر، وفي أحكام ناسخ ومنسوخ، ولا ينسخ كلامه، لأنه لا يجوز عدمه ورفعه وقراءة كلامه بالعربية قرآن، وقراءته بالعبرانية توراة وبالسريانية إنجيل والقراءة غير المقروء لأن المقروء كلام الله وليست القراءة كلامه"١. فالقرآن عند الأشاعرة كلام نفسي لأن الكلام ينقسم إلى قسمين: كلام نفسي وهو كلام الله فذلك قديم، وكلام لفظي وهو حادث مخلوق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ في رده على مذهبهم هذا: فالكلام القديم النفساني الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو؟. بل ولا تصورتموه وإثبات الشيء فرع عن تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة لا يذكر في بيانها شيئاً يعقل بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس ... " أ. هـ٢. وقال أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ: "وأما قول الأشاعرة أن الكلام عبارة عن معنى واحد فهو باطل لأنه يقال لهم: "هل سمع موسى ﵇ جميع المعنى، أو بعضه فإن قالوا: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر. وإن قال: بعضه فقد قال: يتبعض وكذلك كل من كلمه الله، أو أنزل إليه شيئاً من كلامه، ولما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٣. أو قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وأمثال ذلك فهل هذا جميع كلامه، أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه فهذا مكابرة وإن قال: بعضه فقد اعترف بتعدده وكذلك أن معنى آية الكرسي ليس معنى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٤ ولا معنى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ٥، ولا معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٦

стр. 57

وبهذا المذهب الأشعري قال الماتريدية في صفة الكلام١. ثم إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في صفة الكلام بعيد كل البعد عن مذهب السلف وقريب كل القرب من مذهب الجهمية والمعتزلة كما صرح الإيجي بذلك حيث قال: "قالت المعتزلة أصوات، وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل، أو النبي، وهو حادث، وهذا لا ننكره، لكنا نثبت أمراً وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس"٢ فلقد صدق العلماء في تسميتهم أفراخ المعتزلة". مذهب الكرامية: أما الكرامية فقد قالوا: إن كلام ـ الباري سبحانه ـ حروف وأصوات وأنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات ـ الرب تعالى ـ تكلم به بعد أن لم يكن متكلماً وأنه لا مانع أن توجد الحوادث للصانع ـ جل وعلا ـ بعد أن تكلم، فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع كوجود الأفعال، وكذلك إن الكلام ممتنع أن يكون مخلوقاً في غيره والله ـ تعالى ـ متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثاً كان بعد أن لم يكن"٣. وذكر البزدوي مذهب الكرامية فقال: "وعند الكرامية الله ـ تعالى ـ متكلم على الحقيقة بكلام حادث قائم به، وأنهم يجوزون حدوث الأشياء بالله ـ تعالى ـ"٤. وقول هؤلاء الكرامية مشتمل على حق وباطل فإثباتهم كلاماً وفعلاً حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل هذا حق، وأما زعمهم أن ـ الباري جل وعلا ـ تكلم بعد أن لم يكن متكلماً فهذا عين الباطل، لأن الكلام من صفات الكمال، وهو ـ سبحانه ـ متصف بصفات الكمال أزلاً وأبداً.

стр. 58

مذهب السالمية: أما السالمية فقد قالوا: إن صفة الكلام من الصفات القديمة القائمة بذات ـ الرب جل وعلا ـ لم يزل ولا يزال، لا يتعلق بقدرته ومشيئته، ومع ذلك يقولون: بأنه حروف وأصوات وسور وآيات، سمعه جبريل منه، وسمعه موسى بلا واسطة ويسمعه ـ سبحانه ـ من يشاء، وإسماعه نوعان بواسطة، وبغير واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضاً بل هي مقترنة الباء مع السين مع الميم في آن واحد لم تكن معدومة، في وقت من الأوقات، ولا تعدم بل لم تزل قائمة بذاته ـ سبحانه ـ قيام صفة الحياة والسمع والبصر١. ثم إنهم اختلفوا في الأصوات المسموعة هل هي من القارئ أم لا؟. فذهب جمهورهم إلى أن تلك الأصوات المسموعة من القارئين. وقال قوم: بأن الصوت يسمع من القارئ ثم قد يقولون تارة أن القديم نفس الصوت المسموع من القارئ. وبعضهم يقولون: "إنه يسمع من القارئ صوت قديم، ومحدث" أ. هـ٢. مذهب الاتحادية والحلولية: أما الاتحادية والحلولية فقد زعموا: بأن كل كلام في الوجود كلام الله نظمه، ونثره، حقه وباطله، سحره وكفره، خيره، وشره، فكل ذلك عين كلام الله ـ تعالى ـ القائم به، وهذا المذهب بنوه على أصلهم الذي أصلوه وهو اتحاد الخالق بالخلق وأن الله ـ سبحانه ـ هو عين الوجود، فصفاته هي صفات الله، وكلامه هو كلام الله، وأصل هذا المذهب، إنكار مباينة الله لخلقه وعلوه واستوائه على عرشه، ولما أصلوا لأنفسهم القول بأن الله في كل مكان وأنه ـ سبحانه ـ غير مباين لهذا العالم بل هو عين هذا العالم فله حينئذٍ كل اسم حسن وقبيح وكل صفة كمال ونقص، وكل كلام حق وباطل نعوذ بالله من ذلك.

стр. 59

وهذا قول ابن عربي، وابن الغارضي وابن سبعين والتلمساني ومن جرى في ركابهم١. تلك هي أقوال الناس ومذاهبهم في صفة الكلام، وهي الأقوال التي قيلت في القرآن الكريم، ومما لا شك فيه أن القول الذي يجب على المسلم أن يدين الله به هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله ... وأنه ـ تعالى ـ يتكلم بصوت كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح وليس ذلك كأصوات العباد لا صوت القارئ، ولا وغيره وأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله فكما لا يشبه علمه وقدرته، وحياته، علم المخلوق وقدرته، وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه ولا صوت ـ الرب ـ يشبه صوت العبد"٢. فهذا المذهب هو المذهب الحق لموافقته الوحي الإلهي الذي هو الفيصل الحاسم عند التنازع والاختلاف.

стр. 60

المبحث الرابع: إثبات صفة العزة لقد أثبتت السورة صفة العزة ـ للباري سبحانه ـ في ثلاث آيات: ـ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ فاسمه ـ تعالى ـ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الوارد في هذه الآيات الثلاث يشتق منه صفة "العزة"، وهي من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ـ تعالى ـ فالعزيز اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ وقد جاء في اشتقاقه وجوه: الأول: أن يكون بمعنى لا مثيل له ولا نظير من "عز" الشيء بكسر العين في المضارع ومنه يقال: عز الطعام في البلد إذا تعذر وجوده عند الطلب، وإذا سمي الشيء الذي يعسر وجود مثله "بالعزيز" فبأن يسمى الشيء الذي يمتنع عقلاً أن يكون له نظير "بالعزيز" من باب أولى. الثاني: أن يكون بمعنى الغالب الذي لا يغلب من "عزيعز" بضم العين في المضارع أي: غلب يغلب ومنه قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ١ أي غلبني وتقول العرب: "من عزيز" أي: من غلب سلب فإذا قيل: لمن غلب مع جواز أن يصير مغلوباً أنه "عزيز" فالغالب الذي يمتنع أن يصير مغلوباً، والقاهر الذي يستحيل أن يصير مقهوراً أولى أن يسمى "بالعزيز".

стр. 61

الثالث: أن يكون بمعنى الشديد "القوي" يقال: عزيعز، بفتح العين في المضارع إذا اشتد وقوي ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ ١ أي شددنا وقوينا وإذا سمي "القوي" الذي قد يضعف، والقادر الذي قد يعجز "بالعزيز" فلأن يسمى "القادر" الذي يستحيل في حقه العجز "عزيزاً" من باب أولى. الرابع: أن يكون بمعنى "المعز" على وزن "فعيل" بمعنى "مفعل" كالأليم بمعنى المؤلم وعلى كل فعلى المعنى الأول يرجع إلى التنزيه، وعلى المعنى الثاني والثالث يعود إلى صفة الذات، وهي القدرة. وعلى المعنى الرابع يرجع إلى صفو "الفعل"٢. وقد ورد هذا الاسم الشريف في مواضع كثيرة من كتاب الله ـ تعالى ـ وكثرة تكراره دليل ناصع على إثبات صفة "العزة" لله تعالى ثبوتاً قطعياً يليق بجلاله ـ سبحانه ـ من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تحريف، ولا عبرة بمن نفى الصفة وأثبت الاسم كما هو مذهب المعتزلة٣ ولا قيمة لمن نفى الأسماء والصفات كما هو مذهب الجهمية٤ النفاة، ومذهبهم في الحقيقة يؤدي إلى القول بالعدم المحض وهو من أفسد المذاهب. فصفة العزة ثابتة بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإن رغمت أنوف الجهمية والمعتزلة، وإليك بعض الآيات في ذلك: قال تعالى: ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ فكل من له نوع بصيرة يعلم أن القوة والغلبة في الحقيقة ـ للباري وحده ثم لمن أفاضها عليه من رسله، والصالحين من عباده ـ وعزته تعالى ـ غلبته وقهره لأعدائه، وعزة رسوله ﷺ إظهار دينه على كل الأديان، وعزة عباده المؤمنين، نصره لهم على أعدائهم

стр. 62

فالمؤمنون لهم من العزة بقدر ما معهم من الإيمان وحقائقه فإذا حصل لهم نقص من العلو والعزة فبسبب ما فاتهم من حقائق الإيمان علماً وعملاً، ونصرهم وتأييدهم موقوف على قيامهم بتكميل مراتب الإيمان وواجباته. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ وقوله ـ سبحانه ـ ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ وقال ـ جل شأنه ـ ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ وقال ـ سبحانه ـ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ٤ وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٥ وقد قرن ـ سبحانه ـ بين وصف العزة والحكمة بقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٦. ومعنى ـ العزيز ـ الغالب كل شيء والذي ذل ـ لعزته ـ كل عزيز والممتنع فلا يغلبه شيء وهو ـ سبحانه ـ رب العزة وبيده وحده "العزة" يعز بها من يشاء، ومن يريد العزة فلا مصدر لها سوى "العزيز" ـ سبحانه ـ قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فلِلِهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ ٧ وقد توعد الله المنافقين الذين يلتمسون "العزة" عند الكافرين الذين اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين بالعذاب الأليم فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ ٨. ولقد جاء اسمه ـ تعالى ـ "العزيز" مقترناً بأسماء أخرى من أسمائه ﵎ ولاقترانه ذلك أسرار دقيقة، ومعاني بديعة فقد اقترن باسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" في عدة مواضع ذكرنا بعضها قريباً قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٩ فاقترانه بهذا الاسم

стр. 63

يفيد أنه الغالب الذي لا يعجزه شيء ـ سبحانه ـ وهو الحكيم في أقواله وأفعاله جميعاً يضع الأشياء في محالها التي تناسبها مناسبة تامة. كما اقترن باسمه ـ تعالى ـ "ذو انتقام" عدة مرات مثل قوله ـ تعالى ـ ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ١ واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي يقدر على أن ينتقم ممن يستحق الانتقام منه بمنتهى العدل منه ـ سبحانه ـ. واقترن باسم القوي في أكثر من موضع في كتاب الله ـ تعالى ـ مثل قوله ـ سبحانه ـ ﴿وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ ٢ واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه ـ سبحانه ـ ذو القوة التي لا تغلب فبقوته ـ سبحانه ـ وعزته يوقع بمن يشاء من عقوبته ولا معقب لما يريده ـ جل وعلا ـ وجاء مقترناً باسمه ـ تعالى ـ: "الحميد" في عدة مواضع مثل قوله ـ تعالى ـ ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٣. واقترانه به يفيد أنه ﵎ العزيز الغالب الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع "المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدرة، وأمره ونهيه، الصادق في خبره"٤ وهو المحمود على كل حال. واقترن باسمه ـ تعالى ـ "الرحيم" أكثر من عشر مرات واقترانه به يفيد أنه مع عزته وغلبته وقوته ـ سبحانه ـ رحيم بخلقه ومعنى ذلك أنه لا يعجل العقوبة على من عصاه بل يؤجله وينظره ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. وقد جاء أيضاً مقروناً باسمه ـ تعالى ـ "العليم" واقترانه به يفيد أنه العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف ـ العليم ـ بكل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وكثير ما إذا ذكر الله الليل والنهار، والشمس، والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٥ فهو ـ سبحانه ـ العزيز الذي من عزته انقادت له كل هذه المخلوقات العظيمة فجرت مذللة بأمره

стр. 64

حيث لا تتعدى ما حده الله لها، ولا تتقدم عنه، ولا تتأخر العليم، الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والأوائل والأواخر، كما أنه ـ العزيز ـ الذي قهر الخلائق فأذعنوا له، والعليم بجميع الأشياء، والعليم بأقوال المختلفين وعما ذا صدرت، وعن غاياتها وسيجازي كلاً بما علمه فيه١. وقد جاء اسمه ـ تعالى ـ "العزيز" مقترناً باسمه ـ تعالى ـ "الغفور" قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٢ وباسمه ـ تعالى ـ "الغفار" قال تعالى حكاية عن كليمه موسى ﵇: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار﴾ ٣ واقترانه بهما يفيد أنه مع عزته وغلبته لكل خلقه فإنه ـ سبحانه ـ يغفر جميع الذنوب صغيرها وكبيرها لمن تاب إليه وأقلع عن ذنوبه ويلاحظ هنا أن اسم "العزيز" اقترن باسم "الغفور" و"الغفار" وكل منهما صيغة مبالغة على وزن "فعول" و"فعال" مما يدل على كثرة غفره ـ سبحانه ـ للتائبين المنيبين إليه وورد مقروناً باسمه ـ تعالى ـ "المقتدر" مرة واحدة في كتاب الله ـ تعالى ـ وذلك في قوله ـ عز شأنه ـ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر﴾ ٤ واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه ـ العزيز ـ الغالب الذي إذا أخذ المكذبين أخذهم أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء ـ٥ وورد مقترناً باسمه ـ تعالى ـ "الوهاب" مرة واحدة في القرآن ومعناه: أنه ـ سبحانه ـ العزيز الغالب القاهر الذي لا يرام جنابه يعطي بغير حساب، ويعطي ما يريد لمن يريد عطاءً منه وتفضلاً من خزائن رحمته التي لا تنفد قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ ٦ كما اقترن مرة واحدة باسمه ـ تعالى ـ "الجبار" قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ ٧. واقترانه بهذا الاسم يفيد أنه "العزيز" القاهر الغالب الذي لا

стр. 65

يوجد له نظير هو العظيم صاحب العظمة والجبروت ويجوز أن يكون من ـ جبر ـ إذا أغنى الفقير وجبر الكسير١ وقيل الجبار الذي لا تطاق سطوته. فجميع الآيات التي قدمنا ذكرها أدلة قطعية واضحة على إثبات صفة ـ العزة ـ التي هي من صفات ذاته ـ سبحانه ـ التي لا تنفك عنه. وصفة العزة لها ثلاث معان: ١ ـ عزة الدال عليها من الأسماء "القوي المتين". ٢ ـ عزة الإمتناع فإنه الغني فلا يحتاج إلى أحد ولن يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه. ٣ ـ عزة القهر والغلبة لكل الكائنات، وقد ذكر هذه المعاني الثلاثة العلامة ابن القيم رحمة الله عليه حيث قال: ـ وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذو السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب ... لم يغلبه شيء هذه صفتان وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان٢ أما من حيث إضافتها إلى الله ـ جل وعلا ـ فإنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: من باب إضافة الصفة إلى الموصوف كما في قوله ـ تعالى ـ حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ فالآية أوضحت أن إبليس عرف صفة العزة وأثبتها لله ـ تعالى ـ وأنكرها أهل التعطيل من جهمية ومعتزلة مكابرة وعناداً كما أن الآية دلت على جواز الحلف بصفة ـ العزة ـ وغيرها من الصفات مثلها كما دلت على أن صفاته ـ تعالى ـ ليست مخلوقة لأن الحلف بالمخلوق شرك بالله العظيم وكذلك الاستعاذة به.

стр. 66

القسم الثاني: إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه وهي: العزة المخلوقة التي يعز بها أنبياءه وعباده الصالحين وهي ما يحصل لهم من النصر والتأييد وغلبة الأعداء، وقدمنا ما يدل على ذلك من القرآن١. وحيث قلنا: إن القرآن دل على إثباته صفة العزة في كثير من آياته كذلك السنة دلت على ما دل عليه القرآن فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك"٢. وروي أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل يخالف الله وجهه عن النار قبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها قال الله له هل عسيت إن فعلت أن تسأل غيره؟ قال لا وعزتك فيقدمه الله ـ تعالى ـ إليها، ومثل له ذات ظل وثمر فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها قال الله هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ قال لا وعزتك فيقدمه الله إليها فيمثل له شجرة أخرى ذات ظل وثمر وماء فيقول: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها وأشرب من ماءها فيقول الله هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره فيقدمه الله ـ تعالى ـ إليها...." الحديث٣. وروى أبو داود٤ في سننه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قدمت على رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد أن يبطلني فقال رسول الله ﷺ : "اجعل يدك اليمنى عليه

стр. 67

ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات" ففعلت فشفاني الله ـ١. وروى البخاري: بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" ٢. وروى البخاري أيضاً: من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ "تقول جهنم قطٍ، قط٣ وعزتك" ٤. فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ أن جهنم تحلف بعزة الله ـ جل وعلا ـ وهو دليل واضح على إثبات هذه الصفة، كما أنه دليل على جواز الحلف بعزة الله، وغيرها من الصفات مثلها، يجوز الحلف بها. والذي نخلص إليه مما تقدم من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية صحيحة يتبين لنا أن الله ـ تعالى ـ أثبت لنفسه صفة العزة كما أثبتها له أنبياؤه ورسله وملائكته كما قال جبريل ﵇ حين رأى الجنة وما أعد فيها لأهلها: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ... " الحديث٥ كما أثبتها له عباده المؤمنون الموحدون ولم ينكرها إلا من أشرب قلبه بمذهب التعطيل من الجهمية والمعتزلة فصفة العزة ثابتة لله ـ تعالى ـ بالأدلة القطعية التي لا تقبل المراء ولا الجدال فلا يمكن أن يكون أحد من الخلق معتزاً إلا به ﵎. ولا عزة لأحد إلا هو مالكها ـ جل وعلا ـ ومن يريد العزة فليطلبها من الله، ولا يمكن أن ينالها أحد إلا بطاعته ـ ربه وسبحانه وتعالى ـ ولذلك أثبتها الله لرسوله ولعباده وأوليائه المؤمنين الذين أخلصوا له العبادة وأطاعوه حق الطاعة طمعاً في ثوابه وفراراً من عقابه والتزموا نهج الكتاب والسنة، واتبعوا ما عليه سلف الأمة في إثبات صفات الله ـ تعالى ـ التي نطق بها الكتاب ونطقت بها السنة وأذاعها السلف في جميع الأمة، وبعد هذه الأدلة

стр. 68

القاطعة المقنعة لا يبقى أي مدخل لمن يقول: إن الله ـ عزيز ـ بلا عزة ـ قدير ـ بلا قدرة لأن هذه الأدلة الجمة تبطل زعمهم، وترد مقالتهم الباطلة كما ترد مذهب الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات، كما تبين فساد قول القائلين بتأويل صفاته ـ تعالى ـ بمعان غير واردة، أو فرق بينها بأن أثبت بعضها على ما يليق بالله ـ تعالى ـ وادعى وجوب تأويل البعض الآخر كما فعل ذلك بعض الطوائف١ وهو تصرف خاطئ، ولا شك أن أدلة الكتاب والسنة وإجماع المؤمنين من هذه الأمة كل ذلك صفعة لهم على رؤوسهم وإبطال لكل انتحالاتهم فعلى كل الفرق التي ضلت في صفات الله ـ تعالى ـ تبعاً للهوى والرأي الفاسد أن ترجع إلى الصواب وتؤمن بما جاء في الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، من الإيمان بالأسماء والصفات وتبتعد عن التمثيل، والتعطيل وعن التحريف، والتكييف ومن ثم لا يترتب على ذلك أي محذور يتصورونه بأفكارهم الضيقة لأنه ـ تعالى ـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.

стр. 69

المبحث الخامس: إثبات صفة الحكمة لقد دلت السورة على إثبات صفة الحكمة ـ للباري جل وعلا ـ في أول آية منها: قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" دل على صفة الحكمة ـ للرب ﷻ ، واسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" مأخوذ من الحكمة وله معنيان: أحدهما: بمعنى القاضي العدل الحاكم بين خلقه بأمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري وله الحكم في الدنيا والآخرة. الثاني: أنه المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد١. قال ابن القيم رحمة الله عليه: الحكمة حكمتان علمية، وعملية فالعلمية الإطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقاً وأمراً وقدراً، أو شرعاً. والعملية: وضع الشيء في موضعه"٢. قال الزجاج٣: الحاكم والحكم واحد كالواسط، والوسط وأصل الحكم المنع،

стр. 70

ومنه الحكمة لأنها تمنع الفرس من التمرد، وكذا الحكمة تمنع الرجل عن السفاهة، ومنه الحكم لأنه يمنع الخصمين عن التعدي ومنه قولهم "في بيته يؤتى الحكم"١. فاسمه ـ تعالى ـ الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في مواضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه فإنكار ذلك إنكار لهذا الإسم ولوازمه، وكذلك سائر أسمائه الحسنى"٢. "فأسماء ـ الرب ﵎ دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدحٍ ولا كمال، ولساغ وقوع أسماء الإنتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال: "اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم واللهم أعطني فإنك أنت الضار والمانع ونحو ذلك"٣. فصفة الحكمة من صفاته ـ تعالى ـ القائمة به كسائر صفاته الأخرى من السمع، والبصر والقدرة، والإرادة والعلم، والحياة والكلام وهذه الحكمة هي التي أمر لأجلها وخلق لأجلها، وقدر لأجلها . والحكمة نوعان: أحدهما: حكمة في خلقه وهي نوعان: الأول: إحكام هذا الخلق وإيجاده في غاية الإحكام والإتقان. الثاني: صدوره لأجل غاية محمودة مطلوبة له ـ جل وعلا ـ وهي التي أمر لأجلها، وخلق لأجلها. النوع الثاني: الحكمة في شرعه وهي تنقسم إلى قسمين أيضاً: الأول: كونها في غاية الإحسان والإتقان. الثاني: صدورها لغاية مطلوبة وحكمة عظيمة يستحق عليها الحمد.

стр. 71

وقد أشار إلى هذه الأنواع العلامة ابن القيم حيث قال: والحكمة العليا على نوعين ... أيضاً حصلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضاً ليس يفترقان إحكام هذا الخلق إذ إيجاده ... في غاية الإحكام والإتقان وصدوره من أجل غايات له ... وله عليها حمد كل لسان والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضاً وفيها ذلك الوصفان غاياتها اللاّتي حمدن وكونها ... في غاية الإتقان والإحسان١ وأوجد كل شيء على أدق نظام، وأحكم إتقان، خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلقه من تفاوت ولا فطور زين السماء الدنيا بمصابيح وجعلها رجوماً للشياطين وأنبت من الأرض نباتاً يسقى بماء واحد، ويحيط به جو واحد، وتحتضنه تربة واحدة، ولكن منه الحلو اللذيذ السائغ والمر الكريه الذي تتقزز منه النفوس، خلق من الماء كل شيء حي. ونوع الأحياء المتفقة في أصلها أنواعاً لا يدركها حصر ولا يحصيها عد، وفي كل شيء في السماء والأرض آية بينة شاهدة على إتقانه ـ سبحانه ـ لما صنع ويكفينا آية أنه خلق هذا الإنسان الذي ألهمه اختراع الكثير من الآيات والأجهزة الدقيقة، وغير ذلك من الأمور المخترعة ـ فسبحان ربنا ـ إنه هو الحكيم العليم. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" بمعنى ذي الحكمة الذي بعلمه وحكمته يضع الأشياء في مواضعها فقد وضع ـ الحكيم العليم سبحانه ـ كل شيء في الموضع الذي لا يصلح إلا له، ولا يليق إلا به، ولو اجتمع علماء الدنيا بأسرها على اختلاف تخصصهم في العلوم على أن يضعوا شيئاً مما وضعه أحكم الحاكمين في مكان خير من مكانه لضل سعيهم وباؤوا بالخسران في مسعاهم، فليفكر الإنسان في كل أعضائه فهل يجد لعضو من أعضائه مكاناً خيراً من المكان الذي وضعه فيه أحسن الخالقين؟. كما عليه أن يفكر في أن الله وضع للحيوان الذي يعيش في البحر أعضاء توائم حياته في الماء ووضع لحيوان البر ما يناسبه ولطير الهواء ما يلزمه، ولحشرات الأرض ما به تتم

стр. 72

حياتها، وليس المقصود هنا حصر مظاهر حكمة الله فيما خلق من المخلوقات، وإنما نقصد بهذا أن نلفت نظر القائلين بأن الله لم يخلق الخلق لحكمة ـ تعالى الله ـ عن ذلك علواً كبيراً، ومن أراد الإطلاع بتوسع على مظاهر حكمة الله في خلقه "فليقلب" كتاب مفتاح دار "السعادة" لابن القيم فإنه جمع فيه من مظاهر حكمة الله في خلقه ما لا يتسع له هذا المقام. وإذا نظرنا إلى تفسير اسمه ـ تعالى ـ "الحكيم" من حكم على الشيء بأنه كذا، أو ليس كذا، فإنه لا يستطيع أحد أن يحكم على الأشياء بخواصها ومميزاتها، ومنافعها، ومضارها إلا الله ـ تعالى ـ لأنه ـ وحده العليم ـ بظواهر الأشياء وبواطنها ومزاياها ومثالبها لأنه خالقها، والعليم بأسرارها، الخبير بخفاياها فحكمه ـ تعالى ـ عليها أصدق الحكم قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. فصفة الحكمة أثبتها الله ـ تعالى ـ لنفسه في أكثر من ثمانين موضعاً في كتابه الدال عليها اسمه ـ تعالى ـ الحكيم وهي كما قدمنا قريباً قائمة به كسائر صفاته الأخرى وهذا ما يجب اعتقاده في هذه الصفة. قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. قال العلامة ابن كثير: أي: "العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء، ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام"٣. وقال تعالى مثبتاً لنفسه صفة الحكمة المقرونة بصفة العزة: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ ٥.

стр. 73

وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ففي هذه الآية شهد ـ تعالى ـ لنفسه بالألوهية والوحدانية، ثم بين بأنه موصوف بالعزة والحكمة. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٣. وفي هاتين الآيتين أخبر ـ تعالى ـ عن نفسه بأنه موصوف بصفة الحكمة والعلم. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤. وفي هذه الآية الكريمة وصف الله نفسه بأنه العلي على جميع خلقه الحكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه. والآيات الواردة في إثبات صفة الحكمة كثيرة فهو ـ سبحانه ـ حكيم في خلقه وتدبيره وأمره ونهيه وشرعه، وقدره، وأهل السنة مجمعون على أنه ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: " أجمع المسلمون على أن الله ـ تعالى ـ موصوف بالحكمة، ولكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكن كل مريد حكيماً، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة

стр. 74

والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة١ فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية وإنما تنازع في ذلك طائفة من نفاة القدر وغير نفاته، وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده معلوم" أ. هـ ٢. وقد أنكر ـ سبحانه ـ على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤. هاتان الآيتان: دلتا على أن التسوية بين المختلفين حكم سيء ينزه ـ الباري جل وعلا ـ عنه ولم ينكره ـ تعالى ـ من جهة أنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه، وأنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله، ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة، فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر، ولا المحسن كالمسيء، ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه ـ تعالى الله ـ عن فعله، ومن هذا أيضاً: إنكاره ـ سبحانه ـ على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم، ولا يعاقبهم، وإن هذا الحسبان باطل، والله متعال عنه لمنافاته لحكمته، وكماله كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٥

стр. 75

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "أي مهملاً لا يؤمر ولا ينهى"١. وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي فهو ـ سبحانه ـ خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب في الآخرة. فأنكر ـ سبحانه ـ على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين، ومثله قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢. فنزه نفسه ـ سبحانه ـ: "وباعدها عن هذا الحسبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته" أ. هـ٣. فالله تعالى ـ لا يخلق شيئاً إلا لحكمة بالغة قد تغيب عن فهم الإنسان وقد يعييه إدراكها: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوات وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٥. وللناس في صفة الحكمة آراء ثلاثة: ١ ـ زعم الأشاعرة٦ والفلاسفة أن الله ـ تعالى ـ لا يفعل شيئاً لغرض وليس له غاية
следующие страницы →