معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، ولا سبيل إلى تقرير المعنى الحق ورد المعنى الباطل إلا بالرجوع إلى لفظ شرعي صحيح، وهذا اللفظ هو (الجبل)، فلا يقال: الله جبر العباد، ولا يقال: لم يجبرهم، وإنما يقال: جَبَل العباد.
وبيان ذلك: أن لفظ الجَبْر - الذي هو بمعنى الإكراه والقهر (١) - يراد به معنيان مختلفان (٢):
الأول: إلزام الإنسان بخلاف رضاه، إما بإكراهه على فعل ما لا يريده، أو بمنعه مما يريده، ثم قد يكون هذا الإلزام بحق، وقد يكون بباطل.
ومثال هذا القسم: إجبار الولي المرأةَ - التي تحت ولايته - على النكاح بغير رضاها، أو عضلها ومنعها عن الكفء.
الثاني: خلق الإرادة في قلب العبد وجعله مريدًا لذلك مختارًا محبًّا له راضيًا به، وخلقه متصفًا بهذه الصفات.
стр. 317
ومن ذلك قول قتادة ﵀: "الجبار: جبر خلقه على ما يشاء" (١)، وقول محمد بن كعب القرظي ﵀: "إنما يسمى الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد" (٢).
والجبر بهذا المعنى تصح إضافته إلى الله ، بل لا يقدر عليه غيره، فهو المتفرد بالخلق وتدبير العباد وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه كقلب واحد، يقلبها كيف شاء، فمعنى هذا الجبر: القهر والقدرة، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن قهره وقدرته أنه يجعل العبد محبًّا مريدًا فاعلًا لما يشاؤه منه، إما مع محبته واختياره، وإما مع بغضه وكرهه.
والجبر من الله على هذا المعنى - مختص به - كما تقدم -، وهو مبني على عدله ، وصادر عن علمه الشامل وحكمته البالغة (٣)، وأما على المعنى الأول فلا يصح أن يوصف به الله ، لأن الذي يكره غيره على خلاف ما يريد؛ هو عاجز في الحقيقة عن جعله مريدًا للفعل محبًا له راضيًا به، والله على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء.
فلأجل هذا الاشتباه في معنى الجبر منع الأئمة من إطلاق القول بالنفي أو الإثبات فيه، وعدلوا عنه إلى اللفظ الشرعي الصحيح وهو: الجبْل.
стр. 318
كما روى الخلال عن بقية ﵀ قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه".
وقال الأوزاعي: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ ، إنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق (١) " (٢).
فالزبيدي نفى الجبر بناء على المشهور من معناه وهو الإكراه، وأما الأوزاعي فلم يثبته ولم ينفه، بل منع من إطلاقه وعدل عنه إلى ما ذَكر، ولهذا كان جواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، مع كون جوابيهما من أحسن الأجوبة (٣).
وروى الخلال كذلك (٤) عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله جبر العباد؟ فقال: "هكذا لا تقول" وأنكر هذا، وقال: "يضل من يشاء ويهدي من يشاء".
وروى أيضًا عنه (٥) قال: "سمعت بعض المشيخة تقول: سمعت
стр. 319
عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكره سفيان الثووي: جبر، وقال: الله جبل العباد"، قال أبو بكر المروذي: "أظنه أراد قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس" (١).
وعدول الأئمة إلى لفظ (الجبل) له ثلاثة أسباب:
الأول: شرعيته، فالجبل لفظ جاء به النص، كما في حديث أشجّ عبد القيس ﵁ المتقدم.
الثاني: سلامته من الاشتباه والإجمال، فالمعاني التي يدور عليها هذا اللفظ كلها يصح إضافتها إلى الله .
الثالث: شموله للمعنى الدال على المراد، وهو أن الله يخلق إرادات عباده للخير والشر، ويطبعهم على ذلك، ويجعلهم فاعلين مريدين لما يشاؤه منهم.
وهذا الباب له ارتباط وثيق بباب الهدى والإضلال، فالله يخلق الهدى في قلب عبده المؤمن وييسره لليسرى، ويخلق الضلال في قلب الفاجر، وييسره للعسرى.
ولهذا عدل الإمام ﵀ كما تقدم - عن لفظ الجبر إلى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وقال زيد بن أسلم ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: "ما جبلوا عليه من شقوة وسعادة" (٢).
стр. 320
فجميع ما يقوم به العبد من أفعال الخير؛ فإنما قام بها لهداية الله له إليها، وجميع ما يقوم به من خلاف ذلك فهو لإضلال الله له، وعدم توفيقه للخير.
فالحاصل أن الله خلق عباده وطبعهم على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته، مع ما اتصف به من علم شامل وحكمة بالغة، والله أعلم.
стр. 321
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
لما كانت هذه القاعدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببابي خلق الأفعال والهدى والإضلال؛ فإن المخالف فيهما مخالف فيها على وجه الإجمال، إلا أن هذه القاعدة مختصة ببيان أن الرب سبحانه يخلق الاختيار والمشيئة في قلب العبد ويجعله شائيًا مختارًا محبَّا.
وهذا القدر خالف فيه عموم المخالفين لأهل السنة، فلم يقروا به، بل هم إزاء ذلك فريقان:
- من ينكر أن يكون الله خالقًا لإرادة العبد أو مشيئته، ويجعلُ العبد هو المختار الشائي بمعزل عن مشيئة الرب وقدرته، وهم القدرية المعتزلة من شايعهم.
- من يزعم أن الله سبحانه قد أجبر العبد على فعله، وأنه لا مشيئة له ولا اختيار؛ بل هو كالريشة في مهب الريح، وهؤلاء الجبرية الخلص وهم الجهمية.
ويلحق بهم من زعم أن العبد كاسب لفعله، وهؤلاء الجبرية المتوسطة وهم الأشاعرة، والأولون يقولون بالجبر على المعنى النفي عن الرب سبحانه وهو الذي بمعنى الإلزام بما لا يرضاه الأخر، كإجبار الرجل على ترك طعام أو فعل قبيح لا يرضى بفعله.
فالمخالفون دائرون بين هذين الأمرين: الجبر المنفي عن الرب سبحانه، وضده من نفي مشيئة الرب وقدرته، وأما إثبات مشيئة للعبد واختيار مخلوق لله سبحانه في قلب العبد يحمله به على فعل ما يريد هو سبحانه؛ فلم يثبته غير أهل السنة، وسيأتي بإذن الله في مبحثي أفعال العباد تفصيل أقوال هؤلاء المخالفين وردها.
стр. 322
وفي هذه القاعدة مسألة أخرى سبق الكلام عليها المبحث الثاني من الفصل الأول، وهي مسألة توقيف الكلام في القدر على النصوص الشرعية، ومنه الالتزام بالألفاظ الشرعية وعدم العدول عنها إلى ألفاظ مجملة محتملة لحق وباطل، ويخالف فيها أهل البدع من المتكلمين على ما تقدم.
стр. 323
المبحث الثاني: "كل ميسر لما خلق له"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 324
المبحث الثاني: "كل ميسر لما خلق له"
هذه القاعدة أصل جامع في باب القدر، تنتظم مسائل القدر والشرع والسبب والمسبب.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
هذه القاعدة هي نص حديث للنبي ﷺ كما سيأتي -، وقد تتابع أهل العلم على تقريرها.
стр. 325
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].
ومن السنة: حديث علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة). قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية (١).
стр. 326
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي نص حديث النبي ﷺ ، ولها تعلق مباشر بعدد من أبواب القدر، من أهمها: باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال.
وهي على وجه العموم قد انتظمت الشرع والقدر والسبب والمسبب (١).
كما أن لها تعلقًا متينًا بالقاعدة السابقة: "الله جبل العباد على ما شاء"، وذلك أن جبل الله للعباد - كما تقدم - خلْقُ ذواتهم وأفعالهم، ومن ذلك خلق إراداتهم من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وهذا مشتمل على التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى، فتكون هذه القاعدة أخص منها.
ولهذا وضع بعض أهل العلم لفظ (التيسير) مكان لفظ (الجبل)، بديلًا للفظ (الجبر) المبتدَع، كما صنع الإمام ابن القيم ﵀ (٢).
وأما ارتباطها بباب الهدى والضلال، فلأن التيسير لليسرى - في الحقيقة - هو الهدى، والتيسير للعسرى هو الضلال.
وأما ارتباطها بباب الحكمة، فلأن الله يعلم المحل الذي يصلح لفضله وكرامته وعطائه، من المحل الذي لا يصلح لذلك، وحكمته تأبى وضع الشيء إلا في المكان الذي يصلح له، فالله علم من بعض خلقه صلاحيتهم لفضله فيسرهم لأسباب السعادة، وعلم من بعضهم عدم ذلك فيسرهم لخلافها.
وأما ارتباطها بباب الأسباب، فلأن الله يعلم الأمور على ما هي عليه؛
стр. 327
فهو يعلم أن السعيد يسعد بأسباب السعادة التي هي الأعمال الصالحة، والشقي يشقى بأسباب الشقاء وهي الأعمال السيئة، فمن كان سعيدًا يُسِّر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقيًا يُسِّر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له (١).
وقول النبي ﷺ : (كل ميسر لما خلق له)، أجاب به في عدة مواطن على سؤال تكرر من عدد من الصحابة ﵃، ومضمون هذا السؤال: هو أنه إذا كان قد سبق القدر بالسعادة والشقاوة، فما فائدة العمل؟ فمن كتبه الله من أهل السعادة فسيصير لها، ومن كتبه من أهل الشقاوة فكذلك سيصير لها.
فأجاب النبي ﷺ بهذا الأصل الكلي المتضمن لأصول أربعة:
الأول: إثبات الأسباب، ببيان أن كلًّا من السعادة والشقاوة إنما تنال بأسبابها.
الثاني: إثبات القدر السابق، وأنه لا تنافي بينه وبين كون الإنسان له قدرة على فعله وله اختيار.
الثالث: أن هذا عام في كل مخلوق، بدلالة لفظ: (كلّ).
الرابع: أن من الناس من خلق للسعادة، ومنهم من خلق للشقاء، فلم يخلقوا كلهم للسعادة ثم منهم من اختار الشقاء.
وقد ورد حديث أبي حميد الساعدي ﵁ بلفظ: (أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسرٌ لما كتب له منها) (٢).
стр. 328
فعليه يكون هذا الحديث عامًا في أمور الدنيا والآخرة، ويكون التيسير من الله للعبد شاملًا لتيسيره لأسباب آخرته ومآله، ولتيسيره لأسباب دنياه ومعاشه.
ومعنى تيسير الله للعبد: أي تهيئته وصرفه وتسهيله، أي أن الله يُلهم عبده العمل الذي قدره له ويُهيئ له أسبابه (١).
وهذا التيسير نوعان - كما في الحديث -:
- تيسير لليسرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، وأصل اليسرى: الخَلَّة والحالة السهلة النافعة المهيأة للعبد، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة، وذلك يتضمن التيسير للخير وأسبابه، فتصير خصالهما مَذلَّلة له منقادة لا تستعصي عليه (٢).
وقد ذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب:
الأول: إعطاء العبد ما أمره الله به، وهذا متضمن فعل العبد لجميع ما أمر الله به، من اعتقاد وقول وعمل، ويدل على العموم حذفه للمفعول، فلم يعين مفعولًا بعينه بل أطلق.
стр. 329
الثاني: التقوى، وهي فعل المأمور وترك المحظور.
الثالث: التصديق بالحسنى، وهو التصديق با لإيمان وجزائه، وعلى هذا تدور تفاسير السلف للحسنى (١).
وعند التأمل يلاحظ عود هذه الأسباب الثلاثة إلى سبب واحد وهو التقوى، فالعمل بالمأمور من قول أو عمل أو اعتقاد مع اجتناب ضده هو حقيقة التقوى، ويدخل في ذلك التصديق بخبر الله ، ومن ذلك التصديق بما وعد الله من ثواب دنيوي جزئي، أو أخروي كامل.
لذلك فقد علق الله التيسير عليها وحدها في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، والله أعلم.
والتيسير لليسرى يختلف قوة وضعفًا بحسب تحقيق العبد لهذه الأسباب.
- تيسير للعسرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]، العُسرى: هي الخَلَّة والحالة العسرى، وذلك بالعمل بالمعاصي، وهذا يتضمن التيسير للشر وأسبابه.
وقد ذكر في مقابل ما ذكره من أسباب التيسير لليسرى - ثلاثة أسباب للتيسير للعسرى:
الأول: البخل وعدم إعطاء ما أُمر به العبد.
стр. 330
الثاني: الاستغناء وترك التقوى.
الثالث: التكذيب بالحسنى.
والتيسير للعسرى - كذلك - يختلف قوةً وضعفًا بحسب قيام العبد بأسبابه، حتى يصل إلى التعسير المطلق الذي تنسدُّ معه كل أبواب الخير، وتفتح كل أبواب الشر، عياذًا بالله .
وكل من (اليسرى) و (العسرى) فُسِّرتا بالجزاء وأسبابه، ففسرت اليسرى بالجنة وبالخير، وفسرت العسرى بالنار والشر (١).
لذا، فإن للتيسير في كل منهما يكون للجزاء وسببه، مع دفع معارضه، بحسب وجود أسباب كل منهما.
والمراد بقول النبي ﷺ في الحديث: (لما خُلق له) أي لما قدره الله وكتبه أن يصير إليه من سعادة وشقاوة، وجنة ونار، فمن خلقه للسعادة يسره لها ولأسبابها فضلًا منه ، ومن خلقه للأخرى يسره لها ولأسبابها عدلًا منه ، وهو الحكيم في كل ما يقوله ويفعله.
والمقصود أن الله سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا، والله أعلم.
стр. 331
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
يخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة من يخالفهم في باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال؛ لما تقدم من العلاقة بينها وبين هذه القاعدة، إذ هذه القاعدة من القواعد الجامعة في باب القدر.
فهذا المعنى الذي تضمنته القاعدة وهو كون الرب سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا؛ إنما أقر به أهل السنة فقط.
والمخالفة البارزة مخالفة القدرية المعتزلة؛ فإنهم لما كانوا يرون أن الله سبحانه لا يضل أحدًا ولا يهديه؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين، لكن التيسير لليسرى يكون بألطاف من الله - مع ذلك - تحمل على الطاعة، والتيسير للعسرى يكون بالحرمان من تلك الألطاف.
قال القاضي عبد الجبار: "المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أعلمها وبين لها الفجور لتجتنب ذلك، والتقوى لتُقدِم عليها" (١).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]: "المراد باليسرى: الثواب العاجل والآجل، وبالعسرى: العقاب العاجل والآجل. . . ويحتمل أن يكون المراد فيمن صدق بالحسنى: تيسيره للألطاف التي لأجلها يثبت على الإيمان، وفيمن كذب الحسنى تيسيره لأمور
стр. 332
لأجلها يفضل الثبات على ما هو عليه" (١).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]: "ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما" (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]: "فسنهيؤه لها، من يسَّر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله ﵇: (كل ميسر لما خلق له) والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها".
وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]: "فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدَّه" (٣).
وما ذهبوا إليه باطل، إذ أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على ثبوت هداية الله لخلقه وإضلالهم، وسيأتي ذكر شبه المعتزلة والرد عليها في مبحث الهدى والضلال، كما سيأتي في مبحث النعمة الخاصة ذكر مرادهم باللطف والتوفيق والرد عليه بإذن الله.
стр. 333
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 334
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه"
هذه القاعدة من القواعد المهمة في باب القدر، والبحث فيها هو في حقيقة الظلم الذي ينزه الله عنه، وأنه داخل تحت قدرته .
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال ابن قتيبة ﵀: "وعدْل القول في القدر: أن تعلم أن الله عدل لا يجور" (١).
وقال ابن عبد البر ﵀: "وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة" (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فعُلم أن الله قادر على ما نزَّه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله. . . فعُلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله؛ لأنه حرمه على نفسه، وهو سبحانه منزَّه عن فعله مقدس عنه" (٣).
وقال أيضًا: "ومعلوم أن الله سبحانه حَكَمٌ عَدْلٌ لا يضع الأشياء إلا
стр. 335
مواضعها، ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعًا لذاته، بل هو ممكن لكنه لا يفعله لأنه لا يريده، بل يكرهه ويبغضه؛ إذ قد حرَّمه على نفسه" (١).
وقال أيضًا: "فهذا الظلم الذي حرَّمه على نفسه هو ظلم بلا ريب، وهو أمر ممكن مقدور عليه، وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته واختياره لأنه عادل ليس بظالم" (٢).
стр. 336
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
أما أدلة الكتاب: فهي أنواع:
الأول: نفيه الظلم عن نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مواضع من كتاب الله (١).
وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
النوع الثاني: نفيه إرادته له: كقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١].
النوع الثالث: تأمينه العباد منه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
النوع الرابع: إخباره عن نفسه باتصافه بخلافه وهو العدل، تارة بالإخبار بالقيام به كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 337
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وتارة بالإخبار بالحكم به كما في قوله : ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٥٤]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وغير ذلك.
النوع الخامس: نفيه التسوية بين الطائعين والعاصين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وأما أدلة السنة: فحديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. . .) (١).
وفي هذا الحديث نوع آخر من الأدلة على نفي الظلم غير ما تقدم في أنواع أدلة القرآن، وهو: تحريمه سبحانه الظلم على نفسه.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه
стр. 338
تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة؛ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) (١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابٌ أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا) (٢).
стр. 339
وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها) (١).
وحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (٢).
стр. 340
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة أصل عظيم يتعلق بالدين كله من أوله إلى آخره، قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الأصل - وهو عدل الرب - يتعلق بجميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل في ذلك" (١).
ولمادة (ظَلَمَ) في اللغة أصلان صحيحان:
الأول: من الظُّلْمة، وهي خلاف النور، وجمعه ظُلَم وظلمات، والظلام اسم لها، يقال: أظلم المكان إظلامًا، فهو مظلم.
الثاني: من الظُّلْم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم يظلم ظلمًا، ومنه المثل السائر: من أشبهْ أباه فما ظَلَم (٢).
قال الأصْمَعيَ ﵀ (٣): "ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه".
وقد ذُكر للظلم معان أخرى ترجع إلى هذا الأصل:
فقيل: الميل عن القصد، ومنه قولهم: الزم هذا الصوب ولا تظلم منه
стр. 341
شيئًا، أي لا تَجُر عنه.
وقيل: النقصان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، أي: ما نقصونا شيئًا بما فعلوا، ولكن نقصوا أنفسهم (١)(٢).
وأما الظلم في الشرع فيرجع إلى الأصل اللغوي الثاني، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو نوعان:
أولهما: الظلم في حق المخلوق، وهو قسمان:
القسم الأول: ظلم النفس، وهو على حالتين:
الأولى: ظلمها بتحميلها ما لا تطيق، بمشروع كصلاة ونحوها، أو بمباح كلهو ونحوه.
الثانية: ظلمها بالذنوب والمعاصي، وهذا على ضربين:
- ظلم أكبر، بالشرك الأكبر.
- ظلم أصغر، بالذنوب التي دون الشرك.
القسم الثاني: ظلم الغير، بالاعتداء على دمه أو ماله أو عرضه، ونحو ذلك.
ثانيهما: الظلم في حق الخالق، والكلام عليه من خلال مسائل ثلاث:
الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
الثانية: تنزه الله عن الظلم.
الثالثة: قدرة الله على الظلم.
стр. 342
المسألة الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
تفسير أهل السنة والجماعة للظلم موافق للسان العربي الذي نزل به القرآن العزيز، فيقولون: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ويفسرون الظلم المنفي عن الله بما يرجع إلى هذا المعنى، ولهم في تفسيره أقوال، وهذه الأقوال هي في الحقيقة صور الظلم الممكن وقوعها، وهي:
الأول: أن ينقص من حسنات العامل، أو يزاد عليه من سيئات غيره.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، لا يخاف ظلمًا: بأن يحمل من سيئات غيره، ولا هضمًا: بأن يبخس شيئًا من حسناته.
قال ابن عباس ﵄: "لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته" (١)، وجاء هذا التفسير عن عدد من السلف: مجاهد وقتادة والحسن رحمهم الله تعالى (٢).
الثاني: عقوبة من لم يذنب.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]، يبين لهم هذا المؤمن أن هذا العقاب لم يكن ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولكنه
стр. 343
أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بالخبر في مواضع من كتاب الله (٢)، وبالإنشاء في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
الثالث: أن ينقص ثواب العمل.
وجاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
يخبر أنه يلحق بالمؤمن ذريته الذين اتبعوه على الإيمان فيرفعهم إلى درجته وإن لم يعملوا مثل عمله لتقر بهم عينه، ثم أخبر أنه لا يظلمه فلا ينقص لأجل ذلك من عمله شيئًا.
قال سعيد بن جبير ﵀ في قوله : ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: "وما ظلمناهم" (٣)، ومثله عن قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (٤).
المسألة الثانية: تنزه الله عن الظلم.
تنزيه الله عن الظلم هو مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه (٥)، وقد تقدم تفسير الظلم ومعناه عند أهل السنة والجماعة.
стр. 344
وقد دل على تنزه الله عن الظلم - مع الإجماع - الكتاب والسنة والعقل.
وقد تقدمت دلالة الكتاب والسنة على ذلك، وأما دلالة العقل، فمن وجوه:
الأول: أن الظلم نقص وعيب بإجماع العقلاء من جميع الأمم، والله منزه عن النقص، فوجب أن يكون الله منزهًا عن الظلم.
الثاني: أن العدل - وهو نقيض الظلم - صفة كمال ومدح، فوجب أن يكون الله متصفًا بها؛ لأنه أحق وأولى بكل كمال (١).
الثالث: أن الظلم شر بالإجماع، والشر ليس إليه ، كما أخبر النبي ﷺ بذلك (٢).
الرابع: أن الله سمى ووصف نفسه بما يدل على تنَزُّهه عن الظلم.
ومن ذلك: تسميته نفسه بالحكم والحاكم والحكيم، ووصف نفسه بالحكمة.
وأصل الحكم: المنع، وأوّل ذلك الحُكْم بمعنى المَنْع من الظُّلْم، ومن هنا قيل للحاكم بين الناس حاكم: لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكومة: رد الرجل عن الظلم (٣).
стр. 345
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، قال ابن كثير ﵀: "أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يَجُور ولا يَظلم أحدًا؟ " (١).
ومنه تسميته نفسه بالسلام، ومن معانيه: الذي سلِم خلقه من ظلمه (٢).
ومنه تسميته نفسه بالمؤمن، ومن معانيه: الذي أمَّن خلقه من أن يظلمهم (٣).
ومنه تسميته نفسه بالمتكبِّر، ومن معانيه: الذي تكبَّر عن ظلم عباده (٤).
قال ابن القيم ﵀: "فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه" (٥).
ومعنى تحريم الظلمِ الواردُ في حديث أبي ذر ﵁: المنع، أي منعت نفسي من الظلم، وهذا المنع هو حق أوجبه الله على نفسه تفضلًا وتكرمًا بحكم وعده، وبما كتبه على نفسه من تحريم الظلم، وبموجب أسمائه وصفاته، لا أنه يجب عليه كما يجب على المخلوق (٦).
стр. 346
المسألة الثالثة: قدرة الله على الظلم.
تقدم في المبحث الثامن من الفصل الماضي بيان شمول قدرة الرب لكل شيء، وأنه يدخل في ذلك ما عُلم أنه لا يفعله، وتقدم كذلك بيان كون الممتنع ليس بشيء أصلًا بإجماع أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم، فأغنى عن إعادته هنا (١).
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الظلم ممكن مقدور لله ، وليس هو بممتنع، وقد دل على ذلك:
أولًا: تمدحه بتركه وعدم إرادته، ولو لم يكن مقدورا له لما كان لذلك التمدح معنى؛ لأن الأمر الذي لا يُقدر عليه لا يصح أن يُمدح الممدوح بتركه أو عدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها (٢).
بل لم يكتف الله بالإخبار بنفي الظلم وأنه حرمه على نفسه ولم يرده، حتى نوَّع الأدلة على ذلك ما بين تأمين العباد منه، ونفيه التسوية بين الطائع والعاصي؛ وهذا كله يدل على أن الظلم مقدور له.
ثانيًا: أن الله أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته؛ فلا يصح أن يقال: حرمت على نفسي خلق مثلي، ونحو ذلك من المحالات، لأن المعنى حينئذ: أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا لي لا أفعله.
стр. 347
وهذا المعنى باطل، فهو مع خلوه من معنى يستفيده السامع، ليس فيه مدح ولا ثناء، وخطاب الله ورسوله ينزه عن إرادة مثل هذا المعنى (١).
ثالثًا: أن القدرة على الظلم صفة كمال وضدها نقص، والله متصف بالكمال ومنزه عن النقص، فوجب أن يكون قادرًا عليه.
رابعًا: أن الله أثبت لنفسه الملك والحمد؛ الملكَ بكونه على كل شيء قدير، والحمدَ بأنه عادل لا يظلم، فمن نفى قدرته على الظلم فقد نفى ملكه، وكذب بما أخبر به عن ذلك، كما أن من نفى عدله وأثبت قدرته فقد أثبت له حمدًا بلا ملك (٢).
ومما يجب أن يُعلم أن أهل العلم قد نبَّهوا على مسألة مهمة، وهي أن الظلم المنفي عن الله ليس هو الظلم المنفي عن الخلق (٣).
ومحل البحث فيما ظهر لي هو الصورة الثالثة من صور تفسير الظلم؛ لأن الظلم المنفي عن الله هو - كما تقدم تفسيره - ثلاث صور:
الأولى: أن ينقص من حسنات العامل أو يزيد عليه من سيئات غيره.
الثانية: أن يعاقب من لم يذنب.
الثالثة: أن ينقص ثواب العمل.
وذلك أن المعنى المنفي في الصورتين الأولى والثانية واحد سواء أضيف إلى الخالق أو إلى المخلوق، لكن للخالق من ذلك ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به.
стр. 348
وأما الصورة الثالثة فالمعنى مختلف، لأن المخلوق إنما يكون ظالمًا للعامل إذا استوفى منه المنفعة ثم هضمه أجره، فالأمر بينهما معاوضة؛ عمل مقابل الأجرة، وأما بالنسبة لله فالأمر مختلف، لأن إثابة المطيع فضل منه وإحسان وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن الله غني عن العباد وأعمالهم، فلو أطاعوه كلهم أو عصوه كلهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا ولم يزد.
وقد أخبر النبي ﷺ بأن الأعمال ليست عوضًا لدخول الجنة، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لن ينجي أحد منكم عمله)، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله، قال: (ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) (١).
وأيضا فالله هو الذي أقدر العامل عل العمل ووفقه له ودفع عنه موانعه، ثم مَنَّ عليه بعد ذلك بأن حفظ له العمل من الحبوط، فالفضل له أولًا وآخرًا.
والحاصل أن الله يقدر على الظلم، إلا أنه لكمال عدله وإحسانه لا يفعله، والله أعلم.
стр. 349
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
تقدم أن تنزيه الله عن الظلم مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه.
فذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، ومثل كون الشيء موجودًا معدومًا، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن.
قال البَاقِلاني (١): "الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما يكون كذبًا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا" (٢).
وقال الغزالي: "الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فحلى ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى، أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، فلا يتصور من الإنسان أن يكون ظالمًا في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع، فيكون ظالمًا بهذا المعنى، فمن
стр. 350
لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره، ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره؛ كان الظلم مسلوبًا عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك؛ فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات" (١).
وقال الآمدي: "الظلم وكل صفة منقصة مسلوبةٌ عنه لامتناع اتصافه بها، وذلك على نحو سلب الظلم والعبث عن الحيوانات والجمادات وغير ذلك من النباتات؛ إذ الظلم يتصور ممن يصادف تصرفه ملك غيره من غير علمه، أو مخالفة من هو داخل تحت تصرفه وحكمه، وذلك كله منفي عن الباري تعالى" (٢).
وقال ابنُ المنيِّر (٣): "ولا معنى للظلم إلا التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والعباد ملك الله تعالى، فكيف يتصور حقيقة الظلم منه" (٤).
وقال الإيجي: "وتصرفه تعالى فيما هو ملكه كيف كان لا يكون ظلمًا" (٥).
واحتج الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما منتف عن الرب سبحانه؛ إذ كل
стр. 351
ما سوى الله سبحانه ملك له، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: أن الصواب في تعريف الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه - كما تقدم بيانه - لا ما ذكروا، وحصرهم للظلم في التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الواجب طاعته لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا لغة، بل قولهم مردود بالكتاب والسنة واللغة.
الثاني: أن دعوى امتناع الظلم منه سبحانه غير صحيحة، بل الظلم ممكن إلا أن الله تنزَّه عنه، وقد تقدم بيان ذلك (١).
الثالث: أن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة مبني على مذهبهم الباطل في التحسين والتقبيح، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ولا مدخل للعقل في ذلك، فعندهم لو أمر الشارع بالزنا والكفر لحسن ذلك، ولو نهى عن التوحيد والعفة لحسن ذلك لأمر الله ، وعلى مذهبهم الباطل في نفي الحكمة والتعليل، وسيأتي بيان ضلالهم في هذين البابين، وما بُني على باطل فهو باطل.
الرابع: أن التصرف في ملك الغير وكذا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته ليس بظلم دائمًا، بل قد يكون هو العدل، وهذا بيِّن، ويدل للأول: ما جاء في الشرع من الحجر على مال السفيه؛ فإنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وليس ظلمًا باتفاق العقلاء بل عدل ومنفعة.
ويدل للثاني: حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ
стр. 352
سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا له، ثم قال أوقدوا نارًا فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف) (١)، فقد بيَّن النبي ﷺ وجوب الخروج عن الطاعة إذا كانت في غير المعروف.
ولا مجال للأشعرية بأن ينازعوا بأن هذه الأحكام ثبتت في الشرع، لأن الأول ممدوح عقلًا قبل ورود الشرع لتضمنه حفظ مال السفيه، والثاني كان فعل الصحابة فيه صائبًا قبل ورود الشرع، بدليل استدلالهم بالعقل، ثم جاء إقرار النبي ﷺ لهم.
فهذان دليلان ومثالان على أن التصرف في ملك الغير ومخالفة الآمر قد يكونان عدلًا لا ظلمًا.
وذهبت القدرية المعتزلة إلى أن الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.
стр. 353
وإنما كان الله سبحانه منزَّهًا عن الظلم عندهم لأن الظلم غير مراد له سبحانه، فهو - عندهم - لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان ولا خلقه، بل العباد أحدثوا ذلك بغير مشيئته، فلما أحدثوا هذه المعاصي استحقوا العقوبة عليها، فعقوبتهم عندئذٍ ليست ظلمًا.
فالإحداث ليس فعله، والعقوبة عليه عدل، ليست بظلم.
وفرَّعوا على هذا أيضًا إنكار هداية الرب سبحانه لخلقه وإضلالهم، لأنه عندهم إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، وكذلك إذا اختص بعض عباده بالإعانة دون بعض كان ظالمًا.
قال القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الظلم كل ضرر لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا استحقاق ولا الظن، للوجهين المتقدمين، ولا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور به، ولا يكون في الحكم من جهة غير فاعل الضرر" (١).
فشروط الظلم عندهم:
١) أن يكون ضررًا لا نفع فيه ولا دفع ضرر؛ إذ لا يكون ظالمًا من كلف أجيرًا بعمل مضر به في مقابل أجرة يحصل له بها نفع معلوم.
ولا يكون ظالمًا من أضر بأحد مضرة لدفع مضرة أكبر منها، كما يقطع الطبيب اليد المتآكلة إبقاء لحياة المريض.
٢) أن يكون ضررًا غير مستحق، إذ لا يكون ظالمًا من أضر بعقوبة من يستحق هذه العقوبة، كذم الفاسق والكاذب، فإنهما مستحقان للذم.
٣) أن يكون الضرر ليس من جهة المضرور به، إذ ليس بظالم من دفع
стр. 354
صائلًا بضربه والإضرار به، لأنه ضرر من جهة المضرور به.
وهذا الشرط يمكن دخوله فيما تقدم، إذ المدفوع مستحق لأن يدفع ضره.
٤) أن يكون الضرر من جهة غير فاعل الضرر، فلو أن الله سبحانه أمات صبيًا ألقي به في النار لا يكون ظالمًا له، لأن هذه الإماتة كأنها في هذا الحكم من غير جهة الله سبحانه.
وعرَّفه القاضي عبد الجبَّار أيضًا مقابلًا له بضده: "وقد عُلم أن الظلم هو ما يفعله بغيره من المضار القبيحة، فيجب أن يكون العدل ما يفعله الفاعل بغيره من المضار الحسنة وما يجري مجراها" (١).
ولا فرق في هذا بين أن يكون النفع ودفع الضر ظنيًّا أو معلومًا (٢).
وهذا المعنى هو المقصود في حق الله عندهم، فالقاضي يعرف العدل في حق الله فيقول: "ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة" (٣).
وقال أيضًا: "وأما في الاصطلاح، فإذا قيل إنه تعالى عدل؛ فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخلُّ بما هو واجب عليه" (٤).
وقولهم ما يفعله الفاعل بغيره مبني على قولهم في الحكمة وأنها راجعة إلى المخلوق ولا يعود لله منها وصف، إذ ما يفعله الفاعل بنفسه لا يوصف بكونه
стр. 355
عدلًا ولا ظلمًا، قال القاضي عبد الجبار: "فصل في بيان وصف الفعل بأنه عدل وحكمة وما يتصل بذلك.
اعلم أن الذي يختص بهذه الصفة من الأفعال كل فعل فعله لينتفع المفعول به على وجه يحسن أو يضر به، وأما ما يفعله الفاعل منا بنفسه لمنفعة أو دفع مضرة فإنه لا يوصف بذلك" (١).
فمما تقدم يظهر أن المعتزلة أحسنوا في إثبات قدرة الرب على الظلم، ولكنهم أخطؤوا في مسألتين:
الأولى: في حقيقة الظلم، فإنهم عرفوه بناءً على تشبيه أفعال الله بأفعال الخلق، وأنه يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم.
الثانية: جعلهم هذا دليلًا وحاملًا على إنكار خلق الله سبحانه لأفعال العباد، لأنه - بزعمهم - إذا كان خالقًا لها ثم عذبهم على القبيح منها فهو ظالم، وفي ذلك يقول القاضي: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب إن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (٢).
ولا شك في بطلان ما ذهبوا إليه في المسألتين، أما الثانية؛ فلأنه لا يلزم من كون الله خالقًا لأفعال العباد أن يكونوا غير فاعلين لها، أو أن يكونوا مجبورين عليها، بل للعبد قدرة ومشيئة على فعله والله خالقه وخالق قدرته ومشيئته وفعله، وسيأتي في مبحثي خلق الأفعال الرد عليهم في هذا.