← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فإذا عُرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة. والنبي ﷺ لم يرد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، الإخبار بأحكام الدنيا وحال أطفال الكفار، وإنما أراد بيان الحقيقة التي خلقوا عليها (١). وسبب الخلاف: أن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس، فكل مولود خلقه الله على الفطرة، وكفره إنما حصل بعد ذلك من الناس. فأراد الأئمة منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، فصاروا يتأولونه بتأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه، فكان مقصودهم صحيحًا، لكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح، وبعضها ضعيف (٢). وأما الأقوال الأخرى في معنى الفطرة فهي خمسة: القول الأول: أن المراد بالفطرة في الحديث: الخلقة التي خُلق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد: خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، قالوا: والفاطر الخالق وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقد الكفر أو

стр. 282

الإيمان بعد البلوغ إذا ميز (١). وقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول عن طائفة من أهل الفقه والنظر دون تسمية، ورجحه على غيره من الأقوال، واختاره كذلك: الطحاوي (٢)، والقرطبي (٣). ومن الأدلة عليه: أولًا: قوله ﷺ : (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) (٤)، قالوا: شبَّه قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم يطرأ عليها النقص بعد بقطع آذانها وأنوفها. ويدل على ذلك المعنى اللغوي، فالفطرة السلامة والاستقامة، والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم. ثانيًا: أنه لو كان الأطفال قد فطروا على شيء على الكفر أو الإيمان في ابتداء أمرهم ما انتقلوا عنه أبدًا، والمشاهد بخلاف ذلك. ثالثًا: أن الله قد أخبر بأن الطفل يولد ولا معرفة له بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ومن كان كذلك استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. رابعًا: أن الله قد أخبر أن الإنسان إنما يجزى بعمله كما قال:

стр. 283

﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وإنما يكون ذلك إذا بلغ، لذا فقد أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا، وإذا تعلق الأمر بالبلوغ امتنع أن يكون الكفر والإيمان حاصل قبله. خامسًا: أن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، فهذا يدفع كون المراد بالفطرة: الإسلام (١). سادسًا: لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب أن يحكم للطفل إذا ولد من بين أبوين كافرين بحكم الإسلام ما دام طفلًا، فلا يرثهما ولا يرثانه، ولوجب ألا يصح استرقاقه ونحو ذلك (٢). والجواب عن هذا القول أن يقال: القول بأن: "كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، أي خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك". إن أُريد بالفطرة فيه مجرد التمكن من المعرفة والقدرة عليها من غير إرادة لها فهذا ضعيف من وجهين: الأول: أن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حين يُسأل عمن مات صغيرًا. الثاني: أن النبي ﷺ علل النهي عن قتل أولاد المشركين بكونهم على الفطرة، فإذا كانت الفطرة هي مجرد القدرة، والقدرة في الكبير أكمل منها في

стр. 284

الصغير، فوجب أن تعصم دماء المشركين البالغين من باب أولى، وهذا باطل. وإن أُريد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها أيضًا؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان (١). وأما القول: "وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّزوا". فجوابه أن يقال: إن أُريد بهذا أنهم خُلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر؛ فهذا فاسد لوجهين: الأول: أنه لا فرق حينئذ بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فعليه كان ينبغي أن يذكر الإسلام كذلك. الثاني: أن الفطرة على قولهم قابلة للمدح والذم على السواء، وما كان كذلك لم يستحق مدحًا ولا ذمًا لذاته، والفطرة ممدوحة لذاتها في الشرع لأن النبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه النقص الحاصل لها بالجدع، ولأن الله أمر بلزومها كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وهذا هو

стр. 285

الذي يشعر به ظاهر الكلام. وإن أُريد به أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر بما فيها من قبول واستعداد، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فيقال لهم: هذا القبول والاستعداد، هل هو كاف في حصول المعرفة، أم أن حصولها يتوقف على مؤثر خارجي، فإن كان الأول فقولهم صحيح، وإن كان الثاني فهو باطل لوجهين: الأول: أن هذا المؤثر يمكن أن يوجد تارة وينعدم أخرى، وإذا انعدم انعدمت المعرفة، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ عمم الفطرة في جميع بني آدم، ولأنه لم يذكر لموجب المعرفة شرطًا، بل ذكر موانعه. الثاني: أن هذا المؤثر الخارجي يمتنع أن يكون مؤثرًا بذاته، وإنما هو سبب، فعندئذ إن وجب حصول المعرفة فإنما وجبت بالسبب وإن فقدت فلعدمه، وهذا فاسد؛ لأن في الفطرة قبول الكفر والإنكار إذا وجد من يعلمها ذلك، فلا فرق حينئذ بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار، لأن في الفطرة قوة قابلة لكم منهما وحصول أحدهما متوقف على السبب الخارجي، وهذا باطل (١). وأما جواب ما استدلوا به من أدلة: الدليل الأول: جوابه أن يقال: هذا دليل على أن الفطرة هي الإسلام، لأنه شبه التهويد والتنصير بتغيير الخلقة، فدل على أن ضدهما - وهو الإسلام -

стр. 286

هو الخلقة الأولى، يوضحه أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا بل اقتصر على ذكر ما يمنعها دون ذكر شرط لها؟ الدليل الثاني إلى السادس: جوابه ما تقدم في الرد المجمل في المعنى المراد بكون المولود على الفطرة. القول الثاني: أن المراد بالفطرة في الحديث: البَدْأَة التي ابتدأهم عليها؛ فالله قد ابتدأهم للحياة والموت والشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم واعتقادهم (١). وهذا القول رواية عن أحمد تركها (٢)، وهو قول ابن المبارك (٣)، وهو المفهوم من صنيع مالك في الموطأ (٤). ومن الأدلة عليه: أولًا: أن الفطرة في كلام العرب البَدْأَة، والفاطر: المبدئ والمبتدئ، ومنه أثر ابن عباس ﵄: "لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها" (٥). فوجب أن يكون المراد بها هنا: ما ابتدأه الله عليه من السعادة والشقاوة وغير ذلك مما يصير إليه.

стр. 287

ثانيًا: قوله : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠] عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: "إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا" (١). وعن أبي العالية ﵀ قال: "عادوا إلى علم الله فيهم" (٢). وعن محمد بن كعب ﵀ قال: "من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه؛ وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، ومن ابتدئ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه؛ وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم" (٣). ثالثًا: قول علي ﵁: "جبار القلوب على فطراتها، شقيها وسعيدها" (٤). والجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه، وهو ضعيف لوجوه: الأول: أنه يلزم عليه أن كل مخلوق من إنس وجن وشجر وحجر فهو

стр. 288

مخلوق على الفطرة، لأنها كلها صائرة إلى ما سبق في علم الله لها، وهذا باطل لأن النبي ﷺ خصصه ببني آدم. الثاني: أن النبي ﷺ ذكر تغيير الأبوين للفطرة، ولو كان المراد بها ما سبق في علم الله للمولود لم يكن لذكر التغيير معنى، لأن الأبوين حينئذٍ لم يغيِّرا الفطرة، بل فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، والنبي ﷺ مثل ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، فيبين أن أبويه غيَّرا ما ولد عليه. الثالث: أنه لو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين التهويد والتنصير، وبين تلقين الإسلام وتعليمه وبين تعليم سائر الصنائع فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم. الرابع: أن النبي ﷺ خص الفطرة في حال الولادة، ولو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص. الخامس: أنه جاء عن النبي ﷺ ما يدل أن المراد بالفطرة الإسلام كما تقدم، وهذا يرد كون الفطرة هي القدر السابق (١). وأما جواب ما استدلوا به من أدلة: الدليل الأول: جوابه أن يقال: كون الفطرة في اللغة البداءة لا ينافي أن يولد المولود على فطرة الإسلام، فيكون المراد: أن المولود يبتدئ أمره أن يكون على الفطرة، ثم التغيير قد يطرأ عليها فيما بعد.

стр. 289

وتفسير البداءة في الحديث بالبداءة بالسعادة والشقاوة لا يُسَلم، مع الاتفاق على سبق السعادة والشقاوة. الدليل الثاني: جوابه أن يقال: هذه الآية في إثبات علم الله والقدر السابق، لا في الفطرة. وما نقل عن ابن عباس ومحمد بن كعب وأبي العالية وما يتضمنه من إثبات القدر فهذا حق، لكن ليس ما ذهبوا إليه هو المراد بها (١). الدليل الثالث: جوابه أنه ضعيف لا يثبت عن علي ﵁ (٢). القول الثالث: أن المراد بالفطرة في الحديث: أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرهًا لا طوعًا (٣). وهو قول إسحاق بن راهويه كما يأتي النقل عنه، والأزهري (٤). ومن الأدلة عليه: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى

стр. 290

أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. قال إسحاق بن راهويه: "أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال: انظروا، ألا تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم" (١). وروى السدي (٢) عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قالوا: "لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذَّر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك قوله أصحاب اليمين والشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم قالوا: بلى، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قالوا فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه". ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا

стр. 291

وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. ثالثًا: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠]. رابعًا: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (١). قال إسحاق ﵀: "وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زاكية (٢)؟ فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرًا" (٣). وقال ﵀: "فلو ترك النبي ﵇ الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جُبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم النبي ﷺ حكم الطفل في الدنيا فقال: (أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) يقول: أنتم لا تعرفون ما طُبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين أُلحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما، وأما إيمان ذلك وكفره - مما يصير إليه - فعلم ذلك إلى الله، ويُعلم ذلك فضل الخضر موسى (٤) إذ أطلعه الله

стр. 292

عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم" (١). خامسًا: حديث عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) (٢). والجواب عن هذا القول أن يقال: إن أريد بكونه مفطورًا على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان: أن الله قد سبق في علمه أنهم ينكرون ويعرفون، ويكفرون ويؤمنون فهذا حق، لكن ليس هو المراد بالحديث. وإن أريد أن الإنكار والمعرفة، والكفر والإيمان كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما هو ظاهر قول إسحاق فإن كان هذا حقًا فهو مؤكد لكونهم وُلدوا على المعرفة والإنكار، وهذا مؤكد كذلك لكونهم ولدوا حنفاء أو على الملة. وأما القول بأنهم انقسموا إلى طائع وكاره فهذا مشكل لأن الآثار في هذا الباب تدل على التسوية بين الناس في الإقرار. وإن ثبت فلا يقدح في كون المولود مفطورًا على المعرفة بربه، لأن فيه أن المعرفة عامة، لكن منهم من أقر بها كارهًا، وكرهه لا يقدح في صحة معرفته، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره لكن لا يقر به إلا كارهًا.

стр. 293

على أن هذا لا يسلم لأن الله جعل هذا الإقرار حجة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، ولو كان فيهم كاره لاحتج بأنه قال ذلك كرهًا، فلا تقوم عليه الحجة (١). وأما جواب ما استدلوا به من أدلة: الدليل الأول: جوابه ما تقدم آنفًا. الدليل الثاني: جوابه هذه الآية ليست في الفطرة بل هي في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لدليل ما تقدم من أن الله احتج بالإقرار الأول عليهم. الدليل الثالث: تقدم الكلام عليه، وأن الآية هي في إثبات علم الله والقدر السابق، لا في الفطرة. الدليل الرابع: فالمراد به كتب وختم، وهذا من طبع الكتاب وهو من التقدير، وأما الإقرار الوارد في الآية فليس طبعًا، لأنه ليس بتقدير. وسبب إشكال هذا اللفظ عليهم أن كثيرًا من الناس يستعمل الطبع في الطبيعة التي بمعنى الجبلة والخلقة (٢). وفي توجيه هذا الحديث أربعة مسالك: الأول: أن هذا الغلام بالغ، ويدل عليه قراءة ابن عباس ﵄ للآية:

стр. 294

"وأما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين" (١). وهو مدفوع بأنه ورد في بعض ألفاظ قصة موسى مع الخضر قوله ﷺ : (ولو أدرك) (٢)، وهذا دليل على أنه لم يدرك بعد، وكذا قوله ﷺ : (فمر بصبي يلعب مع الصبيان) (٣). الثاني: أن يقال لعل التكليف في تلك الشريعة يكون قبل الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تمييزه، إما عمومًا أو في التوحيد ومعرفة الله كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه. الثالث: أنه قُتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، فيكون من باب قتل الصائل. الرابع: أن كفر الصبي كان ظاهرًا وليس من باب الغيب، وعليه فلا إشكال، ولا يَرِد ما قاله إسحاق ﵀ (٤). الدليل الخامس: جوابه: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن المولود يفطر على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، وإنما فيه أنه لا يشهد لكل معيَّن من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق أن أطفال المؤمنين في الجملة في الجنة، كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم في الجنة ولا يشهد لمعيَّن بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ (٥).

стр. 295

القول الرابع: أن المراد بالفطرة في الحديث: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذَّر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول. قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع تصديقًا بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف (١). وهو قول أبي بن كعب ﵁، وحماد بن سلمة - كما يأتي النقل عنهما -، وابن قتيبة (٢)، وابن بطة (٣). ومن الأدلة عليه: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].

стр. 296

عن أبي بن كعب ﵁ قال: "جمعهم جميعًا فجعلهم أزواجًا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، قال: فإني سأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا برسلي وصدقوا بوعدي، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي. قال فأخذ عهدهم وميثاقهم. . . قال: وهو قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] " (١). عن حجاج بن المنهال قال: سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) قال: "هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، حيث قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى" (٢). والجواب عن هذا القول أن يقال: هذا القول موافق للقول الراجح الذي عليه جمهور السلف، وليس بينهما تنافٍ، إلا أنه اشتمل على زيادة عليه، وهي أن ذلك كان قبل الولادة حين استخرجوا من صلب آدم. وقولهم "وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان": صحيح، لأن الإيمان الشرعي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وأما المعرفة

стр. 297

والإقرار الحاصلان بالفطرة فلا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، بل يتوقف ذلك على إرسال الرسل، فمن سلمت فطرته عن المعارض فآمن فله الثواب، ومن لا فكفر فعليه العقاب. القول الخامس: أن المراد بالفطرة في الحديث: ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها، سواء كانت حالًا واحدة لا تنتقل، أو حالًا بعد حال، أي ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء؛ فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنًا، وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرًا، وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه، وقد يكون مؤمنًا حتى يموت على الإيمان، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم (١). ومن الأدلة عليه: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]. أي: حالًا بعد حال، على ما سبق لهم في علم الله. عن مجاهد قال: قال ابن عباس: " ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حاد، قال هذا نبيكم ﷺ " (٢). ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا

стр. 298

ويموت مؤمنًا) (١). والجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أنهم ولدوا على ما سبق في علم الله أنهم يصيروا إليه، وهو راجع إلى القول الثاني، وتقدم الرد عليه. وما استدلوا به من أدلة إنما يدل على هذا القدر، على أن حديث أبي سعيد لا يصح تفرد به علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف كما تقدم (٢). قال ابن عبد البر ﵀: "وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، والله أعلم" (٣). هذه هي أقوال أهل السنة في معنى الفطرة (٤)، والله أعلم. فإذا علم أن كل مولود من بني آدم يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، وأن الصواب في معنى الفطرة أنها الإسلام؛ فالناس معها على صنفين: الأول: من عاش حتى بلغ، وهم قسمان: - من اختار الإسلام على الكفر. - من اختار الكفر على الإسلام. الثاني: من مات قبل البلوغ، وهم قسمان كذلك: - من كان من أبوين مسلمين، وهم: أطفال المسلمين.

стр. 299

- من كان من أبوين كافرين، وهم: أطفال المشركين. فالصنف الأول لا إشكال فيه من جهة معارضة الفطرة، لأنهما بلغا الاختيار، ثم الفطرة سلمت عن المعارض في الأول فوقع موجبها، ولم تسلم في الثاني فانتفى موجبها. وأما الصنف الثاني؛ فالقسم الأول لاحق بالقسم الأول من الصنف الأول، وحكي الإجماع عليه (١). وأما القسم الثاني: فهو محل الإشكال. وصورة هذا الإشكال: أن أولاد المشركين ولدوا على الفطرة، فهم عليها حتى تعرب عنهم ألسنتهم، فإذا ماتوا كان القياس أنهم من السعداء لكونهم على الإسلام، فإذا لم يكونوا كذلك؛ فكيف يقدر الله الشقاء على من لم يعرب عنه لسانه مع كونه على فطرة الإسلام؟ وقد وُجدت نصوص يفهم منها أنهم أشقياء، مثل حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (٢). والجواب الجامع على هذا الإشكال هو قول النبي ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وفي لفظ: (الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم) (٣).

стр. 300

فالله الذي خلقهم هو أعلم بهم، ويعلم ما كانوا سيكونون عليه لو بلغوا، ولهذا فالصواب في مسألة أطفال المشركين أن يجاب فيها بجواب رسول الله ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين)، فلا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من العلم فيهم إذا كلفوا يوم القيامة في العرصات. وهذا قول جميع أهل السنة والحديث حكاه الأشعري عنهم في كتابي الإبانة والمقالات (١)، وحكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في الرد على ابن قتيبة (٢). وقد جاءت بذلك الأحاديث، ومن ذلك: حديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربعة

стр. 301

كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرمًا، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليهم ملكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا ثم يقول: اقتحموها. فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا؛ حقت عليه كلمة العذاب) (١). وروي نحو هذا أيضًا من حديث أنس وأبي سعيد الخدري ومعاذ بن جبل ﵃ (٢). فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة ليظهر علم الله فيهم. وفي أطفال المشركين مذاهب أخر ليس هذا محل بسطها ومناقشتها (٣)، إلا أن هذا القول هو الذي تعضده الأدلة الصحيحة، وهو أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث، وهو الذي تدل عليه الأصول المعلومة بالكتاب والسنة (٤). وبهذا الجواب يزول الإشكال، ويظهر أنه لا تنافي بين تقدير الشقاء على بعض أولاد المشركين وبين كونهم على الفطرة، والله أعلم.

стр. 302

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. لم يخالف في ثبوت الفطرة، وكون الرب سبحانه خلق عباده عليها أحد من المنتسبين للإسلام، وإنما اختلفوا في تفسير هذه الفطرة، وبعض الخلاف واقع في تفسيرها بين أهل السنة - كما تقدم -. فذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه. فهم متفقون على أنه لا يولد أحد على الإسلام ولا على ضده، بل المسلم أحدث لنفسه الإسلام والكافر أحدث لنفسه الكفر، ولكن الله دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما وأقدرهما قدرة تصلح للضدين، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان منه (١). قال القاضي عبد الجبار: "فإن قيل: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)؟ قلنا: هذا الخبر يدل على صحة ما نذهب إليه ولا تعلق لكم بهذا الخبر، ففيه أن كل مولود يولد على الفطرة، ومن مذهبكم أن بعض المولودين يولدون على الفطرة والبعض الآخر يولدون على الكفر، فكيف يصح قولكم ذلك؟ وفيه أيضًا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، ومن مذهبكم أنه تعالى المتولي كل ذلك، وأنه على الحقيقة يهوده ويمجسه وينصره. ثم نقول: إن المراد بالخبر أن أبويه يلقنانه اليهودية والنصرانية

стр. 303

والتمجس لا أنه يصير ذلك" (١). ومذهبه هذا ومذهب أسلافه كان سببًا لتفسير بعض السلف لحديث الفطرة بالقدر السابق، قال شيخ الإسلام ﵀: "وإنما قال الأئمة ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة؛ لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه الله على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس. . . فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية" (٢). وقول المعتزلة باطل من وجوه ثلاثة: أولهما: أن القرآن قد دل على أن المراد بها الدين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وقد فهم أبو هريرة ﵁ هذا منها، ففي الصحيحين عنه أنه قال بعد روايته للحديث: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣). الثاني: أن النبي ﷺ بيَّن أن المراد بالفطرة الإسلام، كما في حديث الأسود بن سريع المتقدم وفيه قوله ﷺ : (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام) (٤).

стр. 304

وكما في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (١). وقد أوَّل القاضي عبد الجبار المراد بالفطرة في الآية إلى "أنه خلق جميع العباد للطاعة والقيام بالدين، على خلاف ما تقوله المجبرة، وذلك أن فطرة الله هي دينه لأنه خلقهم لأجلها وفطرهم لها، فلما فطر الخلق لذلك وصف نفس الدين بأنه فطرة" (٢)، وتأويله هذا مردود بتصريح النبي ﷺ بكون الفطرة الإسلام، وبإجماع السلف - ومنهم الصحابي أبو هريرة ﵁ صاحب الحديث - على أن المراد بها في الآية: الإسلام (٣)، وقد تقدمت الأدلة على ترجيح كون المراد بالفطرة الإسلام (٤). الثالث: أن مبناه على إنكارهم أن الله سبحانه يهدي ويضل، وإنكارهم أن يكون للرب سبحانه على العبد المطيع نعمة خاصة أعانه بموجبها على الطاعة، وهذان المذهبان باطلان - كما سيأتي في موضعه - فما بني عليهما فهو باطل. وإنكار المعتزلة كون العبد مفطورًا على الإسلام، وتأويلهم لأحاديث الفطرة جرَّهم إلى القول بأن معرفة الله سبحانه ليست فطرية، بل هي حاصلة بالنظر، ولذلك أوجبوا النظر، وجعلوه أول الواجبات. قال القاضي عبد الجبار: "إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله

стр. 305

عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر" (١). وهذا الوجوب عنده عيني، حيث يقول: "الغرض بقولنا إن النظر أول الواجبات: أنه أول واجب لا ينفك أحدٌ من المكلفين عنه" (٢). وقد تابع المعتزلة على هذا الأصل: الأشاعرةُ؛ إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في: هل أول واجب هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو أول النظر، أو المعرفة (٣). وكل من النظر والقصد إليه حكيا عن الأشعري (٤). وهذا الخلاف بينهم لفظي كما بيَّنه التفتازاني: "اختلفوا في أول الواجبات، فقيل معرفة الله تعالى لأنها الأصل، وقيل النظر فيها أو القصد إليه لتوقفها عليه، والحق أنه إن قيد الواجب بما يكون مقصودًا في نفسه فالأول، وإلا فالثاني" (٥). وممن قرر ذلك أيضًا الرازي (٦) والبيجوري (٧)، واشتط بعضهم فزعم أن أول واجب على العبد الشك، كما ذهب إليه الغزالي (٨)، وأبو هاشم

стр. 306

الجبائي من المعتزلة (١). وقد أنكر مقالةَ الأشاعرة هذه بعضُ أئمتهم، يقول الشهرستاني: "فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها - على صانع حكيم عالم قدير، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك" (٢)، فهو يرى أن معرفة الله فطرية لا تحتاج إلى نظر واستدلال. وممن أنكر هذه المقالة أيضًا: أبو جعفر السُّمْنَاني (٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد نقل القدوة أبو محمَّد بن أبي جَمْرة (٤) عن أبي الوليد

стр. 307

الباجي عن أبي جعفر السمناني - وهو من كبار الأشاعرة - أنه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب" (١). وإنما قال ذلك لكون هذا القول لا يتوافق مع أصول الأشعرية القاضية بأنه لا واجب إلا بالشرع (٢). والقول بإيجاب النظر وأن معرفة الله غير فطرية باطل من وجوه: الأول: أن النصوص الشرعية دلت على فطرية المعرفة وأنها لا تتوقف على النظر، ومن ذلك ما تقدم في أدلة الفطرة. الثاني: أن الدعوة إلى عبادة الرب سبحانه كانت أول ما يدعو الرسل إليهم أقوامهم، كما أخبر بذلك الله عنهم في كتابه، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] و [هود: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] و [هود: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] و [هود: ٨٤] ونحوها من الآيات.

стр. 308

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. الثالث: أن النبي كان يأمر رسله الدعاة بالبداءة بالتوحيد، مثل ما في حديث معاذ في بعث النبي له إلى اليمن، فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا نحو اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا؛ فاخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك؛ فخذ منهم وتَوَقَّ كرائم أموال الناس) (١). الرابع: أن إنكار فطرية المعرفة لم يؤْثر عن أحد من أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها. فتحصل أن هذا القول محدَث لا أصل له في النصوص وكلام السلف، بل قد اتفق السلف على خلافه. قال شيخ الإسلام ﵀ عنه: "ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا

стр. 309

غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم، وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال، بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم، بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة" (١).

стр. 310

الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بأفعال الله - وتحته خمسة مباحث: المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء". المبحث الثاني: "كلٌ ميسرٌ لما خلق له". المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّة عن الظلم مع قدرته عليه". المبحث الرابع: "قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه". المبحث الخامس: "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل".

стр. 311

المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 312

المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء" هذه أولى القواعد المتعلقة بأفعال الله ، وتتضمن بيان خلق الله لإرادات عباده، وجعلهم راضين بها مختارين لها. المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال الزَّبيدِي ﵀ (١): "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق، ويجبل عبده على ما أحبه" (٢). وقال الأوزاعي ﵀: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل" (٣).

стр. 313

وقال سفيان الثوري ﵀: "الله جبل العباد" (١).

стр. 314

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] فأخبر أنه خلق الإنسان على هذه الصفة. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. ومن السنة: حديث أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع - وكان في وفد عبد القيس - قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي ﷺ ورِجْله، قال: وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عَيْبَتَه (١) فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، قال: يا رسول الله، أنا أتخلَّق بهما، أم الله جَبَلني عليهما؟ قال: (بل الله جَبَلك عليهما)، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله (٢).

стр. 315

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. الجَبْلُ في اللغة مأخوذ من مادة (جَبَل)، يقال: جَبَل الله الخلق يجبُلهم جَبْلًا، أي: خلقهم، وجُبل الإنسان على هذا الأمر أي طُبع عليه، وجِبِلَّة الشيء: طبيعته وأصله وما بُني عليه (١). وهذا المعنى اللغوي هو المراد في لسان الشرع، فمعنى جبْل الله للعباد: خلْقُهم؛ ذواتهم وأفعالهم، وما أودعه في نفوسهم من طبائع وصفات. لكن المقصود في هذه القاعدة شيء خاصٌّ من هذا العموم، وهو خلق الله لإرادات عباده من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وأما خلق الأفعال فسيأتي الكلام عليه مفصَّلًا في قاعدةٍ مستقلةٍ. وسبب الكلام في هذه المسألة عند الأئمة ﵏ هو أن القدرية - الذين أنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه هو خالق أفعال العباد - ألزموا مخالفيهم بالقول بأن الله يجبر العباد على أفعالهم، فالتزم بعض من ناظرهم من أهل السنة إطلاق الجبر في حق الله ، ونفاه بعضهم وأطلقوا أن الله لا يجبر العباد على أفعالهم، فأنكر الأئمة - كما سيأتي - ذلك على الطائفتين (٢). وأصل الجواب في هذه المسألة هو أن لفظ (الجبر) لفظ مجمل، يراد به

стр. 316

معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، ولا سبيل إلى تقرير المعنى الحق ورد المعنى الباطل إلا بالرجوع إلى لفظ شرعي صحيح، وهذا اللفظ هو (الجبل)، فلا يقال: الله جبر العباد، ولا يقال: لم يجبرهم، وإنما يقال: جَبَل العباد. وبيان ذلك: أن لفظ الجَبْر - الذي هو بمعنى الإكراه والقهر (١) - يراد به معنيان مختلفان (٢): الأول: إلزام الإنسان بخلاف رضاه، إما بإكراهه على فعل ما لا يريده، أو بمنعه مما يريده، ثم قد يكون هذا الإلزام بحق، وقد يكون بباطل. ومثال هذا القسم: إجبار الولي المرأةَ - التي تحت ولايته - على النكاح بغير رضاها، أو عضلها ومنعها عن الكفء. الثاني: خلق الإرادة في قلب العبد وجعله مريدًا لذلك مختارًا محبًّا له راضيًا به، وخلقه متصفًا بهذه الصفات.

стр. 317

ومن ذلك قول قتادة ﵀: "الجبار: جبر خلقه على ما يشاء" (١)، وقول محمد بن كعب القرظي ﵀: "إنما يسمى الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد" (٢). والجبر بهذا المعنى تصح إضافته إلى الله ، بل لا يقدر عليه غيره، فهو المتفرد بالخلق وتدبير العباد وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه كقلب واحد، يقلبها كيف شاء، فمعنى هذا الجبر: القهر والقدرة، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن قهره وقدرته أنه يجعل العبد محبًّا مريدًا فاعلًا لما يشاؤه منه، إما مع محبته واختياره، وإما مع بغضه وكرهه. والجبر من الله على هذا المعنى - مختص به - كما تقدم -، وهو مبني على عدله ، وصادر عن علمه الشامل وحكمته البالغة (٣)، وأما على المعنى الأول فلا يصح أن يوصف به الله ، لأن الذي يكره غيره على خلاف ما يريد؛ هو عاجز في الحقيقة عن جعله مريدًا للفعل محبًا له راضيًا به، والله على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء. فلأجل هذا الاشتباه في معنى الجبر منع الأئمة من إطلاق القول بالنفي أو الإثبات فيه، وعدلوا عنه إلى اللفظ الشرعي الصحيح وهو: الجبْل.

стр. 318

كما روى الخلال عن بقية ﵀ قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه". وقال الأوزاعي: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ ، إنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق (١) " (٢). فالزبيدي نفى الجبر بناء على المشهور من معناه وهو الإكراه، وأما الأوزاعي فلم يثبته ولم ينفه، بل منع من إطلاقه وعدل عنه إلى ما ذَكر، ولهذا كان جواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، مع كون جوابيهما من أحسن الأجوبة (٣). وروى الخلال كذلك (٤) عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله جبر العباد؟ فقال: "هكذا لا تقول" وأنكر هذا، وقال: "يضل من يشاء ويهدي من يشاء". وروى أيضًا عنه (٥) قال: "سمعت بعض المشيخة تقول: سمعت

стр. 319

عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكره سفيان الثووي: جبر، وقال: الله جبل العباد"، قال أبو بكر المروذي: "أظنه أراد قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس" (١). وعدول الأئمة إلى لفظ (الجبل) له ثلاثة أسباب: الأول: شرعيته، فالجبل لفظ جاء به النص، كما في حديث أشجّ عبد القيس ﵁ المتقدم. الثاني: سلامته من الاشتباه والإجمال، فالمعاني التي يدور عليها هذا اللفظ كلها يصح إضافتها إلى الله . الثالث: شموله للمعنى الدال على المراد، وهو أن الله يخلق إرادات عباده للخير والشر، ويطبعهم على ذلك، ويجعلهم فاعلين مريدين لما يشاؤه منهم. وهذا الباب له ارتباط وثيق بباب الهدى والإضلال، فالله يخلق الهدى في قلب عبده المؤمن وييسره لليسرى، ويخلق الضلال في قلب الفاجر، وييسره للعسرى. ولهذا عدل الإمام ﵀ كما تقدم - عن لفظ الجبر إلى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. وقال زيد بن أسلم ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: "ما جبلوا عليه من شقوة وسعادة" (٢).

стр. 320

فجميع ما يقوم به العبد من أفعال الخير؛ فإنما قام بها لهداية الله له إليها، وجميع ما يقوم به من خلاف ذلك فهو لإضلال الله له، وعدم توفيقه للخير. فالحاصل أن الله خلق عباده وطبعهم على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته، مع ما اتصف به من علم شامل وحكمة بالغة، والله أعلم.
следующие страницы →