← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]. الرابع: ذكر المفعول له؛ وهو علة للفعل المعلل به، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. السادس: ذكر (من أجل) وهو من صرائح التعليل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. السابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله للتعليل مجردة عن معنى الترجي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

стр. 387

قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فـ (لعل) في هذا كله قد أخلصت للتعليل، والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين. الثامن: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له، تارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا. فالأول كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠]. والثاني كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]. والثالث كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] (١). التاسع: تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه، كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره،

стр. 388

كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٧]. الحادي عشر: إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩]. الثاني عشر: إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين، وأن حكمته وعدله يأبى ذلك. أما الأول فكقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وأما الثاني فكقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. الثالث عشر: أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ونواهيه وزواجره، ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. الرابع عشر: إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه،

стр. 389

فيذكر هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه، تنبيهًا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. الخامس عشر: إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير، ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. السادس عشر: إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم كما في قوله حاكيًا عن نبيه هود: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، والثاني قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، ووصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم هو كونه يقول الحق ويفعل الصواب، فلا يقول إلا ما يحمد عليه، لا يفعل إلا ما يحمد عليه لكونه حقًّا وعدلًا وصدقًا وحكمةً في نفسه. السابع عشر: حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله، وأمره عباده بحمده، وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها

стр. 390

الحمد، فهو يحمد على نفس الفعل، وعلى قصد الغاية الحميدة به، وعلى حصولها، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. الثامن عشر: إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق لهم ما في السموات وما في الأرض، وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة ليتم نعمته عليهم، ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه، فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان لم يكن منعمًا في الحقيقة ولا محسنًا؛ إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان، وهذا غني عن التقرير. يوضحه أنه سبحانه حيث ذكر إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونًا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق الخلق وشرع الشرائع لأجلها، كقوله في آخر سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فهذا في الخلق، وقال في الشرع في أمره باستقبال الكعبة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق

стр. 391

للإحسان وأمر بما أمر لذلك. التاسع عشر: اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيء، وذلك لا يتحقق إلا بأن يقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به، فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كان رحمة، ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها. العشرون: جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه، وإن كان السائل لا يعلمها، كما أجاب الملائكة لما قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فأجابهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ولو كان فعله مجردًا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم من أن يسألوا هذا السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة. الحادي والعشرون: إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣]، فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون به - وهو سماع الفهم - بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم، وبأن فيهم مانعًا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر،

стр. 392

فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه، والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح (١). وأما الإجماع؛ فممن نقله: - شيخ الإسلام، قال ﵀: "وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السلف" (٢). وقال ﵀: "ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أن الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها؛ فقوله فاسد مخالف للكتاب والسنة واتفاق السلف" (٣). - ابن القيم، قال ﵀: "وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه، والغايات المحمودة في أفعاله، فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم" (٤). - ابن الوزير، قال ﵀ في سياق كلامه على الحكمة: "فلو ادعى مدع إجماع المتأخرين مع إجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك [أي على إثبات الحكمة]؛ لما بعد عن الصواب، والله الهادي" (٥).

стр. 393

وأما دلالة الفطرة؛ فحكاها غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وابن الوزير (٣). وتقريرها: أن كل أحد يجد في نفسه ضرورة أن هذا الكون فيه من الحكم والمصالح ما لا يمكن حصره، وذلك أنه يرى هذا الوجود حوله "شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل، ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو استنفد عمره لم يحط علمًا بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل" (٤). ومن مشهور ذلك ما حصل لخديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف في قصة ابتداء الوحي، ففيه قولها ﵂ للنبي ﷺ : "كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٥). فاستدلت على أن الله لا يخزيه بأن من جعله الله متصفًا بهذه

стр. 394

الأخلاق، فحكمته تأبى أن يخزيه، وهذا الفهم منها لم يكن بوحي إذ لم يكن ثَمَّ وحي، بل إنما كان بفطرتها التي فطرها الله عليها (١). ومن هذا الباب أيضًا: أن الخلق مفطورون على التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وهذه هي حقيقة الحكمة، إذ الحكمة - كما سيأتي - وضع الشيء في موضعه، وهذا مبني على مرتبتين: تمييز وتنزيل، والتمييز راجع في الحقيقة إلى التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والتنزيل تابع للتمييز. قال ابن القيم ﵀: "وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجميع بينهما" (٢). وأما دلالة العقل؛ فمن وجوه أشهرها (٣): دلالة التخصيص والترجيح، وتقريرها أن الممكن لا بد له من مرجح لوجوده على عدمه، وإلا لم يوجد. فلا بد مع القدرة على إيجاده من إرادة ترجح وجوده على عدمه، وهذه الإرادة لا بد أن تكون لحكمة وإلا لم تكن إرادة، فلا يعقل إرادة بغير حكمة، فآل الأمر إلى أن الحكمة هي المرجح. فيلزم على إنكار الحكمة لوازم باطلة، لأن نفيها نفي للإرادة، وبالتالي

стр. 395

نفي للفعل، أو القول بالترجيح بدون مرجح، أو القول بالعبث عليه ، وكل ذلك باطل. قال المقبلي ﵀: "الحجة على وجوب تعليل أفعاله تعالى بالحكم هو لزوم العبثية لعدم القول به، وألا يقع الفعل. . . ولزوم أن نظام العالم ومحاسن الشريعة اتفاقية، فهذه ثلاث حجج عقلية، كل منها أكبر من أختها" (١). وسيأتي مزيد كلام على هذه المسألة قريبًا (٢).

стр. 396

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. مسألة الحكمة والتعليل من أجل مسائل باب القدر، بل من أجل مسائل الدين كله، وما من شيء من أحكام الدين والدنيا إلا وله تعلق بهذه المسألة. قال شيخ الإسلام ﵀: "هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التي تكلم فيها الناس، وأعظمها شعوبًا وفروعًا، وأكثرها شبهًا ومحارات؛ فإن لها تعلقًا بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في خلقه وأمره، فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة، فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه، وكذلك الشرائع كلها: الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر وبمسائل الصفات والأفعال، وهذه جوامع علوم الناس" (١). وقال مرعي الكرمي ﵀: "وهذه المسألة؛ مسألة غايات أفعال الله ونهاية حكمته مسألة عظيمة، لعلها أجل المسائل الإلهية" (٢). وقبل الشروع في بيان هذه المسألة لا بد من التعريف بالحكمة في اللغة، وكذا التعريف بالعلة، لأن الحكمة كثيرًا ما يعبر عنها بالعلة (٣).

стр. 397

الحِكْمَة في اللغة: من حكم يحكم حكمًا، ومادة (حكم) أصل واحد يدل على المنع (١)، قال جرير (٢): أبني حنيفة أحكموا سفهاءَكم … إنِّي أخاف عليكمُ أن أغضبا أي امنعوهم. وقد ذكر أهل اللغة للحكمة معانٍ مرجعها إلى هذا الأصل؛ فقيل: الحكمة العدل، لأنها تمنع من الظلم. وقيل: الحكمة العلم، لأنها تمنع من الجهل. وقيل: الحكمة الحلم، لأنها تمنع من السفه والطيش. وقيل: الحكمة الإتقان، لأنها تمنع من الفساد. وفسرت الحكمة كذلك بما يمنع من السوء والشر، ففسرت بالنبوة وبالقرآن (٣)، وذلك أن هذه الأمور تمنع من الشر الذي هو عبادة غير الله ، لذلك قال الراغب أن (حَكَمَ): "أصله: منَع منعًا لإصلاح" (٤). الحكمة في الشرع: اختلفت عبارات أهل العلم - سلفهم وخلفهم - في معنى الحكمة في الشرع، فمن ذلك: قال مجاهد ﵀: "الإصابة في القول والفعل". وقال مالك بن أنس ﵀: "الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع

стр. 398

له"، وقال: "الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له". وقال ابن زيد ﵀: "الحكمة العقل في الدين". وقال قتادة ومجاهد - رحمهما الله -: "الحكمة هي الفقه في القرآن" (١). وقال ابن قتيبة ﵀: "الحكمة هي العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيمًا حتى يجمعهما" (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: "ولا ريب أن الحكمة هي العلم والعمل بها، كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره من الأئمة" (٣). وقال ﵀: "الحكمة هي معرفة الحق والعمل به" (٤). وقال ابن القيم ﵀: "والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح، وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما، وأوصلا إلى غايتيهما" (٥). وقال ابن الوزير ﵀: "العلم بأفضل الأعمال، والعمل بمقتضى ذلك العلم" (٦). وقيل غير ذلك، وعند تأمل هذه الأقوال يرى أنها على قسمين: الأول: تفسير الحكمة بالأمر العلمي، كالعلم بالدين والعقل فيه.

стр. 399

الثاني: تفسيرها بمجموع العلم والعمل، وهذا هو الصواب، وبناءً على هذا فالحكمة مبناها على أمرين: - العلم بدقائق الأمور، والتمييز بينها، ومعرفة ما يخص كل معين منها. - العمل بمقتضى ذلك العلم، وتنزيله على الواقعة المعينة. هذا هو المراد بالحكمة على وجه العموم. وأما العِلَّة في اللغة، فهي: من علَّ، وعلَّ في لغة العرب ترجع إلى ثلاثة أصول: الأول: التكرر أو التكرير، ومنه العَلَل، وهي الشربة الثانية، يقال: عَلَلٌ بعد نَهَلٍ، فالنّهَل: الشربة الأولى، والعَلَل: الشربة الثانية. الثاني: العائق يعوق، ومنه قولهم: لا تعدم خرقاء علة، أي عائقًا تتعلل به. الثالث: المرض والضعف، يقال: عل المريض فهو عليل (١). وهذا الأصل هو - عند التأمل - فرع عن الأصل السابق، إذ المرض والضعف هو من جملة العوائق التي تعوق المرء عن وجهته. ومما ذكر في معنى العلة: أنها السبب، يقال هذه علته: أي سببه (٢). وهذا المعنى هو الأنسب للمعنى الاصطلاحي للعلة. وأما العلة في هذا الباب: فيراد بها ما يراد بالحكمة، فتطلق على أنها مرادف اصطلاحي لها كما تقدم.

стр. 400

والكلام على عقيدة أهل السنة في الحكمة في مسائل: المسألة الأولى: مرادهم بالحكمة، وشمولها للشرع والقدر. ما مضى في تعريف الحكمة في الشرع هو من حيث العموم، وأما في حق الله فتتضمن أمرين: الأول: الإحكام والإتقان لما يفعله . الثاني: صدور فعله عن غايات حميدة وحكم عظيمة. وكلا هذين النوعين هو في الشرع والقدر؛ فخلقه في غاية الإحكام والإتقان، وهو صادر عن حكمة بالغة وغاية حميدة، وكذا الشرع هو في غاية الإحكام، وهو معلل بغايات حميدة. فها هنا أربعة أمور: - إحكام في الخلق. - إحكام في الشرع. - علل حميدة للخلق. - علل حميدة للشرع. فالأمران الأول والثاني لا خلاف فيهما، فكل المسلمين يقرون بأن سبحانه قد أحكم خلقه وشرعه، فهما في غاية الكمال والإتقان. وهذا الإحكام هو دليل على الحكمة؛ إذ لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت انتفى الإحكام (١).

стр. 401

وكذا التعليل في شرعه ليس فيه خلاف بين المسلمين (١)، إلا ما كان من نفاة القياس (٢)، وخلافهم فيه غير معتبر (٣)، على أن بعضهم لا ينفي أصل التعليل، بل يقول بالقياس المنصوص على علته (٤). بل لا يمكن فقيهًا أن يتكلم في الفقه وأصوله إلا بإثبات التعليل في الشريعة (٥). وأما التعليل في الخلق فهو موضع النزاع، ومذهب أهل السنة فيه - على ما سيأتي بيانه - أن لله في خلقه حكمًا عظيمة لأجلها سبحانه فعل وخلق. قال الإمام ابن القيم ﵀ (٦): والحكمة العليا على نوعين أيـ … ــضًا حُصِّلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه … نوعان أيضًا ليس يفترقان

стр. 402

إحكام هذا الخلق إذ إيجاده … في غاية الإحكام والإتقان وصدوره من أجل غايات له … وله عليها حمد كل لسان والحكمة الأخرى فحكمة شرعه … أيضًا وفيها ذانك الوصفان غاياتها اللائي حُمِدن وكونها … في غاية الإتقان والإحسان وللحكمة - المرادة في هذا البحث - أوصاف: الأول: أنها ملازمة لأفعال الله ، فلا يخلو فعل من أفعاله من حكمة حميدة. الثاني: أنها المرجح للفعل أو الترك. الثالث: أنها مطلوبة بفعله ، أي أنها مرادة له ، فلم تقع اتفاقًا أو تبعًا. الرابع: أنها القصد الأصلي والأولي له ، والفعل وسيلة إليها. الخامس: أنها محبوبة له . السادس: أنها متعلق محبته وحمده والثناء عليه من خلقه. السابع: أنها مظهر من مظاهر اتصافه بصفات الكمال. قال ابن القيم ﵀ معرفًا الحكمة: "هي الغاية التي يفعل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودها أولى من عدمها" (١). وقال: "وهي الغاية المحبوبة له، المطلوبة، التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل

стр. 403

وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها" (١). أما ملازمتها لأفعال الله وعدم خلوها منها؛ فلأنها - كما سيأتي - من الصفات الذاتية التي لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها، فخلو فعل من أفعاله منها نقص في ذاته ينزه عنه. وهذا شامل للشرع والقدر كما تقدم، وشامل أيضًا للدارين (٢). ويقال أيضًا: قد ثبت أن الله عالم مريد، وهذا من لوازم ذاته ، والحكمة لازمة للعلم وللإرادة، أما لزومها للإرادة: فلأنه لا إرادة بدون حكمة - كما سيأتي قريبًا -، وأما لزومها للعلم: فلأن العلم موجب لترك القبيح لما فيه من القبح، وفعل الحسن لما فيه من الحسن، وهذه هي حقيقة الحكمة، وخلاف ذلك بفعل القبيح وترك الحسن جهل ينزه الله عنه. فإذا ثبت كون الحكمة لازمة للعلم والإرادة، وهما لازمان للذَّات الإلهية؛ فالحكمة لازمة لها أيضًا (٣). وأما كونها المرجح للفعل أو الترك؛ فلأن الإرادة والقدرة بمجردهما لا يخصصان معينًا على معين، لأن نسبتهما إلى جميع المتماثلات سواء، فلا بد من مرجح للفعل، وهذا المرجح لا يكون إلا الحكمة (٤). ووجوب أن يكون هذا المرجح هو الحكمة هو لأن الفاعل المريد إنما

стр. 404

يرجح مرادًا على مراد بما ينضم إلى إرادته من محبة هذا المراد، أو محبة ما يؤول إليه، فلا يعقل أن يرجح المراد إذا استوى عنده وجوده وعدمه، بل لا بد أن يكون وجوده أولى عنده من عدمه (١)، وهذه هي حقيقة الحكمة. وليس معنى انضمام الحكمة إلى الإرادة أن الإرادة كانت ولا حكمة، ثم انضمت الحكمة إليها، بل المعنى أن الإرادة لا تستقل بنفسها بل لا بد معها من حكمة. فالإرادة تابعة للحكمة، فكل ما يشاء الله وجوده فإنما شاءه لحكمة، وأوجده لحكمة، فالفعل وجودًا ومشيئة - قبل ذلك - إنما كان لحكمة، فصارت الحكمة هي الباعث والقصد الأول لكل فعل؛ لمشيئته أولًا، ثم لإيجاده. قال الألوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]: " ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ أي: نوجد وما نكوِّن شيئًا من تلك الأشياء ملتبسًا بشيء من الأشياء ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي إلا ملتبسًا بمقدار معين تقتضيه الحكمة، وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير المتناهية، فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به؛ لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به" (٢). وكل من الحكمة والإرادة متلازمان؛ أما استلزام الإرادة للحكمة فلأنه

стр. 405

لا فعل حاصل بإرادة مجردة عن الحكمة، فإن هذا غير معقول - ولو عُقل لكان سفهًا وعبثًا - (١)، ولا حكمة حاصلة بدون إرادة، إذ لا فعل حينئذ، والفعل هو مُظهر الحكمة. وقد دلت الأدلة - كما تقدم - على أنه يفعل لأجل هذه الحكمة، فدل على أنها هي المرجح، لأنها محبوبة له ، والمحبة هي الغاية والحكمة العليا التي لأجلها كان كل شيء (٢). وأما كونها مطلوبة بفعله ؛ فمعناه أنها لم تقع اتفاقًا، كما لو رمى رجل حجرًا من نافذة فأصاب أفعى في الطريق يتضرر بها الناس فقتلها. وليست تبعًا للفعل؛ حصلت عقيبه حصولًا مجردًا عن إرادة الفاعل، بل هي مرادة للفاعل مقصودة له. وذلك أن الحكمة إنما تتصور في حق من عمل شيئًا لشيء يريد بفعله الحكمة الناشئة عن فعله، وأما من لم يفعل شيئًا لشيء فلا يتصور في حقه الحكمة (٣). والقول بنفي قصد الله للحكمة يلزم منه وصفه بالنقص، فإن من فعل فعلًا ليس وجه الخير فيه هو مراده، وليس وجه الشر أيضًا هو مراده؛ فليس وصفه بالخير أقرب من وصفه بالشر، ومن كان هذا حاله هو للنقص أقرب منه للكمال، لأن أفعاله أشبهت أفعال الأطفال والسفهاء والمجانين، بل هي أنقص منها؛ لأن أفعال هؤلاء لم تخل من موافقة شهوة لهم؛

стр. 406

فلم تتجرد في حقهم من كل داع، وتجردت في حق الأول من كل داع (١). وقصد الحكمة من عدمها هو محل الخلاف بين المسلمين في التعليل؛ فليس أحد من المسلمين إلا ويقر بالحكمة - إذ هذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر - لكن الكلام في هذه هل هي مقصودة للفاعل، أم أنها حصلت اتفاقًا أو تبعًا، يوضحه: أنها القصد الأصلي والأولي له ، والفعل إنما هو وسيلة إليها. يبينه أن الحكمة صفة ذاتية له ، وهو سبحانه لم يتصف بها لكونه فعل ما فيه حكمة، بل هي صفة لازمة له أزلًا وأبدًا، لأنه هو الكامل وكماله ذاتي ليس متوقفًا على فعله، ليس كالمخلوق الذي إنما يكمل بفعله، فالله كمل ففعل، والمخلوق فعل فكمل، وشتان ما بين الكمالين (٢). فالله أراد الحكمة ابتداءً، والفعل هو المظهِر لها والسبب في إبرازها، وحكمته تقتضي حصول الأشياء بأسبابها، فعادت الإرادة الأصلية للحكمة. وتقدم قريبًا أن الحكمة سابقة للفعل ومشيئته، وأنها بذلك هي القصد الأول. وأما كونها محبوبة لله ، فلأن حكمته كسائر صفاته - محبوبة له، فالله يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها وموجبها، لأن ذلك من لوازم كماله (٣).

стр. 407

فالحكمة التي هي صفته محبوبة له، وكذا أثرها وموجبها في الخلق محبوب له. وأما كونها متعلق محبته وحمده والثناء عليه؛ فمن وجهين: الوجه الأول: أن متعلق محبة الله وحمده أمران (١): الأول: كماله في ذاته. الثاني: فعله لما يستحق عليه الحمد والثناء. ومن ذلك حكمته سبحانه، يحمد الله عليها لاتصافه بها وعود حكمها عليه، ويحمد كذلك على أثر هذه الصفة العظيمة، وهو ما في الوجود من الحكم والغايات الحميدة التي هي أصل منافع المخلوقين وسعادتهم. "فالحمد لازم الحكمة" (٢)، و"وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع" (٣)، فيكون نفي الحكمة نفيًا لحمده، نفيًا كليًّا عند من ينفي نوعي الحكمة، ونفيًا دون ذلك لمن ينفي الحكمة العائدة إليه ويثبت الأخرى. الوجه الثاني: أن إثبات الحكمة هو ملجأ أهل الإيمان لما يشاهدونه في الوجود من الشرور، وذلك أن المخلوقات على صنفين: - ما خيره ظاهر. - ما شره هو الظاهر.

стр. 408

فأما ما خيره ظاهر، كانتصار الدين ورفعته، وذل الكفر وانحطاطه؛ فالنفوس منه على برد ويقين، يطالعون فيه آلاء الله وحكمته، وعظم فضله ورحمته ومنته على خلقه. وأما ما شره ظاهر، كتغلب الكفار على المسلمين، وحصول الذلة والمهانة والقتل لأولياء الله ؛ فقد يقع في بعض النفوس منه شيء، ويكون مدخلًا للشيطان عليها منه؛ يشككها في كمال ربها وما وعد به من نصرة الأنبياء وأتباعهم، وكسر أعدائهم، فيعمل بذلك على تبغيض الله إلى خلقه، وصرفهم عن صراطه المستقيم. فيقابل أهل القرآن وعسكر الإيمان هذه الوساوس والتشكيكات بالإيمان بحكمة الله ، وأن له في تقدير هذه الشرور من الغايات الحميدة ما يستحق عليه أعظم الحمد وأجل الثناء، فلولا الإيمان بالحكمة وجعلها أصلًا محكمًا يرد إليه ما خفي وتشابه؛ لما تحقق الحب لله والثناء عليه، فصار للحكمة خصوصية من بين سائر صفات الكمال في ذلك. فالله سبحانه "لما اشتملت عليه صفاته من الكمال، وأسماؤه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابه. . . لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد" (١). وهذا يوضح المراد بكونها مظهرًا من مظاهر اتصافه بصفات الكمال، بل هي من أعظمها. ونفي الحكمة نفي لأفعال الله ، إذ الحكمة هي الغاية، والفعل

стр. 409

وسيلة إليها، فنفي الغاية نفي للوسيلة، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (١). فالحكمة مشاركة لسائر الصفات في دلالتها على كمال الرب ، وتختص الحكمة من ذلك بحظ وافر على ما تقدم بيانه. المسألة الثانية: الحكمة هي اللفظ الشرعي، وأما لفظ العلة والغرض ونحوها فهي ألفاظ مجملة. معنى الحكمة معنى شرعي جاء التعبير عنه في الشرع بهذا اللفظ (الحكمة)، وقد سبق عند عرض أدلة الحكمة سياق ما يبرهن ذلك. إلا أن هذا اللفظ الشرعي استُبدل بألفاظ أخرى مثل العلة، والغرض، والغاية، والباعث، والمعنى، والسبب، والقصد، والهدف، والمرمى. وهذه الألفاظ فيها ملحظان: الأول: أن الشارع لم يعبر بها. الثاني: أن هذه الألفاظ - عن آخرها - لا تخلو من إجمال، فهي مشتملة على حق وباطل. والواجب التعبير عن المعاني الشرعية بالألفاظ الشرعية ما أمكن. قال شيخ الإسلام ﵀: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية؛ فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا" (٢). وقال ﵀: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق

стр. 410

الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بُيِّنت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (١). وقد تطلق بعض هذه الألفاظ في أحد موطنين: الأول: في محاججة الخصوم، فيخاطبون بما يعرفونه من مصطلحات. الثاني: حيث أمن اللبس، وعرف مراد المتكلم (٢). المسألة الثالثة: أهل السنة يثبتون ما تضمنه معنى الحكمة اسمًا لله وصفة. أهل السنة يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من الأسماء والصفات، ومن ذلك إثباتهم لصفة الحكمة، وكذا اسمه الحكيم والحَكَم. وصفة الحكمة صفة ذاتية، بمعنى أن الله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي كذلك شرعية عقلية، بمعنى أنها عُلمت بالشرع وبالعقل. فمن أسماء الله الحكيم والحَكَم، قال ابن كثير ﵀: "الحكيم: في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله" (٣).

стр. 411

وأما الحكم فمعناه: الحاكم، أي الذي إليه الحكم، ورُد إليه فيه الأمر (١). واسم الله الحكيم يتضمن معنى اسم الحكم وزيادة، فهو متضمن لمعنيين: معنى الحكم، ومعنى الإحكام للخلق أي الإتقان، وكل منهما شامل للشرع والقدر. قال ابن القيم ﵀ (٢): وهو الحكيم وذاك من أوصافه … نوعان أيضًا ما هما عدمان حكمٌ وإحكامٌ وكل منهما … نوعان أيضًا ثابتا البرهان وأهل السنة سائرون في إثباتهم الحكمة لله على أصولهم، من أنه ليس كمثله شيء؛ فحكمته تليق به لا تشابه ما ثبت منها للمخلوق، فلله منها أعظم الكمال الذي يختص به فلا يشاركه فيه أحد، وللمخلوق من ذلك ما يليق بضعفه ونقصه. قال ابن القيم ﵀: "كل ما خلقه وأمر به خلقه فيه حكمة بالغة وآيات باهرة، لأجلها خلقه وأمر به، ولكن لا نقول: إن لله تعالى في خلقه وأمره كله حكمة مماثلة لما للمخلوق من ذلك، ولا مشابهة له، بل الفرق بين الحكمتين كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذاتين، فليس كمثله شيء في وصفه ولا في فعله ولا في حكمة مطلوبة له من فعله، بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظمُ فرق وأبينُه وأوضحه عند العقول والفطر" (٣).

стр. 412

ويتبَع ذلك أنهم يفسرون الحكمة بمعناها الذي عرف بالشرع وبلسان العرب، ولا يفسرونها بما يعرفونه - أو يتوهمونه - في المخلوق، فإن هذا من أعظم الجناية في التعامل مع الله ؛ فإن في ذلك تشبيهًا لله بخلقه (١)، فلا يفسرونها بتحصيل اللذة، أو دفع الهم والحزن ونحو ذلك. المسألة الرابعة: حكمة الله نوعان: - حكمة هي صفته ، وهي كما تقدم صفة ذاتية معنوية له . - حكمة مخلوقة هي أثر اتصافه بالحكمة. فيقال: الحكمة صفة الله ، ويقال: من حكمة الله نزول المطر، وخلق البحار ونحو ذلك، وذلك أن اسم الصفة - الذي هو الحكمة هنا - يراد اسم المصدر، ويراد به كذلك متعلقها وهو مسمى المفعول، فالله حكيم بالحكمة التي هي صفته ، وما يخلقه من الحكم هو أثر تلك الحكمة (٢). وقد سبقت الإشارة إلى الفرق بين الفعل والمفعول (٣). المسألة الخامسة: الحكمة التي هي الغاية بفعله منها ما يعود إليه ، ومنها ما يعود إلى خلقه. يقرر أهل السنة ما دلت عليه نصوص الشرع، من أن الحكمة التي

стр. 413

يفعل الله لأجلها نوعان (١): - حكمة تعود إليه ، يحبها ويرضاها. - حكمة تعود إلى المخلوقين، يفرحون ويلتذون بها. وهذا شامل للأمور الشرعية والكونية. فأما الحكمة التي تعود إليه فالكلام فيها مبني على مسألة عظيمة من مسائل الصفات، وهي أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، وقد سبق الكلام عليها فيما مضى (٢)، والمقصود منها هنا أن الله متصف بالحكمة، فالحكمة وصفه، ويفعل لحكمة، فقيام الحكمة به يقتضي أن يعود إليه حكمها، وهذا واضح جدًا، ونفي حكمها في الحقيقة نفي لأصلها، ومجموع ذلك نفي لاستحقاقه الحمد، ونفي لاتصافه بالكمال، فيلزم من أثبت له الحكمة أن يثبت أنه يعود إليه حكمة من أفعاله. فإنه لا يعقل في الحكيم إلا الذي يفعل لحكمة تعود إليه، بل لا يعقل أن يفعل المختار فعلًا بدون حكمة تعود إليه، أو أن تكون الحكمة وعدمها بالنسبة إليه سواء، ولو تصور وجوده؛ فهو سفيه عابث ليس بحكيم (٣). إذا تقرر هذا فما هي الحكم التي تعود إليه من أفعاله؟ الحكمة التي تعود إليه سبحانه هي في الحقيقة صفات من جملة صفاته التي تقوم به.

стр. 414

وبيان ذلك أن هذه الصفات هي في مقام التعليل لأفعاله ، فينزل الغيث رحمة بعباده، وينصر رسله محبة لهم ولدينهم، ويهلك أعداءه غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (١)، لذا فإن إثبات حكمة تعود إليه لا يستلزم أن يكون مستكمَلًا بغيره، لأن هذه الحكم هي صفاته. وهذه الحكم كلها مرجعها إلى صفة المحبة، لأن الله يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها وموجباتها في المخلوقات - كما تقدم (٢) -، وأفعاله التي تتضمن الحكمة - هي عن أسمائه وصفاته. قال شيخ الإسلام ﵀: "وكل فاعل بالإرادة؛ فإرادته تستلزم محبة عامة لأجلها فعل، فالحب أصل وجود كل موجود، والرب تعالى يحب نفسه، ومن لوازم حبه نفسه أنها محبة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله فهو يريده لغاية يحبها، فالحب هو العلة الغائية التي لأجلها كان كل شيء" (٣). لذلك كان الانحراف في فهم صفة المحبة، وعدم التفريق بينها والمشيئة هو أصل الضلال في هذا الباب، قال شيخ الإسلام ﵀: "فلو أثبتوا [أي الجهمية والمعتزلة] أنه سبحانه يحب ويفرح بحصول محبوبه - كما أخبر به الرسول -؛ تبين لهم حكمته، وتبين أيضًا أنه يفعل الأفعال لحكمة" (٤). وأما الحكمة التي تعود إلى المخلوقين؛ فهي أثر تلك الحكمة العائدة إليه

стр. 415

سبحانه من محبته ورحمته وإحسانه وكرمه وسائر الحكم التي هي صفاته كما تقدم، فهذه الصفات تطلب أثرها وتقتضيه، وهذا الأثر هو الحِكم التي تعود على المخلوقين من حصول منافعهم وتحقق مصالحهم، ودفع الشرور عنهم. ولهذا كانت الأمور العامة التي يفعلها الله لحكمة عامة، ورحمة عامة (١)، وهذه الحكمة العامة لا يلزم تحققها في كل معين، بل قد تتضمن هذه الحكم ضررًا لبعض المخلوقات، ومثال ذلك إرسال الرسل فإن فيه من الحكم والمصالح العامة ودفع الشرور ما لا يحيط به إلا الله ، ومع هذا فقد تضمنت شرورًا بالنسبة لبعض المخلوقين، كفرعون وأبي جهل وأمثالهم، فلا يلزم تحقق هذه المصالح في كل معين. وهذه الشرور مغمورة في جانب المصالح الحاصلة، ثم هي ليست شرورًا محضة بل هي مشتملة على حكم وغايات، هي باعتبارها خير ومصلحة (٢). المسألة السادسة: حكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق. من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وأن الله لا يحيط عبادُه به علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالطمع مقطوع من الإحاطة بصفاته لا من جهة أصل المعنى -، ومن ذلك الحكمة، فلا يمكن أحدًا من الخلق أن يدرك تفاصيل حكمة الله في خلقه وأمره، وما اطلعنا عليه من تفاصيل هذه الحكمة سواء بالوحي أو بغيره لا يساوي شيئًا في

стр. 416

جانب ما لم نطلع عليه. ومما يبين ذلك؛ أن الحكمة - كما تقدم - مبناها على أمرين: علم بدقائق الأمور، وعمل بمقتضى ذلك العلم. والإحاطة بعلم الله مما أخبر الله ورسوله ﷺ بانتفائه، بل هو مما يُعلم اضطرارًا، لذا فقد ربط العلامة ابن القيم ﵀ بين انتفاء الإحاطة بتفاصيل الحكمة في كل شيء، وبين انتفاء الإحاطة بعلمه فقال: "ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع، مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها، وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس، وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك" (١). ويكفي الإنسان فيما لم يدرك تفاصيله الإيمان المجمل بحكمة الله وأنه لا يخلو منها شيء من الشرع ولا القدر، ويستدل على ما خفي منها بما ظهر. قال ابن القيم ﵀: "وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره وشرعه؛ فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام؛ أن تضمَّنَتَه حكمة بالغة - وإن لم يعرفوا تفصيلها - وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، فيكفيهم في ذلك الإسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة، التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم" (٢).

стр. 417

ومعرفة الحكم والغايات في شرع الله وقدره من أعظم ما يزيد اليقين والإيمان، لذا فقد أمر الله بالتفكر والتدبر في آياته الكونية والشرعية وما تضمنته من حكم وغايات، قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال : ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. المسألة السابعة: ترتبط بالحكمة عدة مسائل في باب القدر، ومنها: مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة خلق الأفعال، ومسألة الهداية والإضلال، ومسألة الأسباب، ومسألة الاستطاعة، ومسألة تكليف ما لا يطاق، ومسألة الرضا بالقدر، ومسألة دخول الشر في القضاء، وهذا بيان بعضها: أما مسألة التحسين والتقبيح؛ فالكلام فيها كان فرعًا عن الكلام في الحكمة والتعليل (١)، وقد تباينت مذاهب الناس فيها تبعًا لتباينها في هذه المسألة. والمقصود هنا بيان علاقة التحسين والتقبيح العقليين بمسألة الحكمة، فمن نفى الحكمة - وهم الجهمية والأشاعرة كما سيأتي -؛ نفى التحسين والتقبيح العقليين، وجعل معرفتهما سمعية فقط، ومن أثبتهما - وهم أكثر الناس من المسلمين وغيرهم -؛ أثبت التحسين والتقبيح العقليين. وذلك أنه لا يمكن القول بالتعليل إلا بالقول بأن الأشياء متضمنة للحسن والقبح في ذاتها، وإلا فلو خلت الأشياء من صفات بها تحسن وتقبح لما أمكن تعليل فعلها، بل يكون فعلها راجعًا لمحض المشيئة.

стр. 418

ومن هنا كان كل دليل يدل على تعليل أفعال الله فهو دليل على الحسن والقبح العقليين، فإثبات الحكمة متضمن لإثبات التحسين والتقبيح العقليين. وبالعكس؛ فإثبات التحسين والتقبيح العقليين يستلزم إثبات التعليل، إذ معنى تضمن الشيء لما يكون به حسنًا أو قبيحًا، يقتضي أن فعل الحسن كان لحسنه، وترك القبيح كان لقبحه، وهذه هي حقيقة التعليل (١). ووجه آخر: وهو أن الحكمة قد تكون في المأمور به، وقد تكون في الأمر، وقد تكون في كليهما، فالعدل والإحسان إلى الخلق وصلة الرحم ونحو ذلك فيه منفعة وحكمة فيما لو فعله العبد بدون الأمر به، فإذ أمر به صار فيه حكمتان: حكمة في نفسه، وحكمة في الأمر، وهذا هو الغالب على الشريعة. وأما ما ليس فيه حكمة في نفسه؛ ثم أمر به الشارع؛ صارت الحكمة فيه بالأمر لا في نفس المأمور؛ فإنه لا حكمة فيه، مثال ذلك أمر الله سبحانه لإبراهيم بذبح إسماعيل، فذات الذبح لا حكمة فيه ولا مصلحة، لذلك لم يكن مرادًا لله سبحانه، وإنما المراد له امتثال الأمر من إبراهيم، وهو الذي فيه مصلحة، فلما حصل الامتثال أُمر بعدم الذبح وبشر بأنه قد صدَّق الأمر وامتثله (٢). فالأول - الذي فيه حكمة في نفسه وإن لم يأت الأمر به -: حسنه عقلي. والثاني - وهو ما فيه حكمة في نفسه وأتى الأمر به -: حسنه عقلي وشرعي. والثالث - وهو ما أمر به مما لا حكمة فيه في نفسه -: فهذا امتحان

стр. 419

وابتلاء، والحسن فيه إنما هو في الأمر به لا في ذاته. فالتفصيل الواقع في مسألة التحسين والتقبيح مبني على التفصيل في الحكمة، والله أعلم. وأما مسألة خلق الأفعال؛ فالكلام فيها كان سببًا في الكلام في مسألة الحكمة، إذ أن من لم يثبت للعبد قدرة ولا اختيارًا، بل جعله مجبورًا على أفعاله - وهم الجهمية والأشاعرة - لم يثبت الحكمة، وذلك لأن جبر العبد على الذنب ثم عقوبته عليه ظلم ينافي العدل والحكمة في بدائه العقول. أما منافاته للعدل فظاهرة. وأما منافاته للحكمة، فإن عقوبة من أكره على المعصية وضع للشيء في غير موضعه، وبناءً على ذلك فإثبات الجبرية للحكمة نقض لأصلهم في الجبر، وإذا انتقض أصلهم في الجبر انتقض مذهبهم في كل مسائل القدر وبان تناقضهم، ففرارًا من هذا المأزق نَفَوا التعليل في أفعاله ، وأنه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة. وبالمقابل؛ فإثبات القدرة والاختيار للعبد يقتضي أن إثابة المطيع إنما هي لطاعته، وعقوبة العاصي إنما هي لمعصيته، وهذا يقود إلى إثبات التعليل من طريقين: الأول: أن إثابة المطيع لطاعته، وعقوبة العاصي لمعصيته هي حقيقة الحكمة، لأنها وضع للشيء في موضعه الذي يناسبه. الثاني: أن ذلك يقتضي إثبات الحسن في الطاعة، والقبح في المعصية، وثبوت الحسن والقبح يستلزم التعليل كما تقدم.

стр. 420

ومن هذا يتبين أن إثبات الحكمة هو من أهم المطالب في باب القدر، إذ الإيمان بالقدر مداره على أصلين: إثبات القدر وخلق الله لأفعال العباد، وإثبات الحكمة له ، وهما متلازمان أشد ما تكون الملازمة، فلا إيمان بقدر إلا بإثبات الحكمة، ولا يمكن إثبات الحكمة إلا بإثبات القدر. وكل من القدر والحكمة والشرع أصول آخذ بعضُها برقاب بعض، لتشمل الدين كله، ولا يتأتى اجتماعها إلا على أصول سلف الأمة، والله المستعان. قال ابن القيم ﵀: "والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم - لكمال ميراثهم لنبيهم - آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم" (١). والحاصل أن لله في كل ما قدره وقضاه حكم عظيمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعاله من الحكمة، والله أعلم.

стр. 421

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف المعتزلة والأشاعرة أهل السنة في إثبات الحكمة في أفعال الرب سبحانه. أما المعتزلة؛ فذهبوا إلى إثبات الحكمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعال الرب سبحانه منها، وإلا للزم العبث عليه، تعالى الله عن ذلك. قال القاضي عبد الجبار: "إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا لا لوجه تقتضيه الحكمة، وذلك - أي نقص من يفعل لا لغرض - ظاهر في الشاهد" (١). وقال الشهرستاني: "قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل فعلًا جزافًا؛ فإن وقع خيرًا فخير وإن وقع شرا فشر، بل لا بد وأن ينحو غرضًا ويقصد صلاحًا" (٢). ومخالفة المعتزلة لعقيدة أهل السنة من وجهين: الأول: إنكارهم أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وأن الحكمة من الفعل مقصورة على الحكمة الراجعة إلى المخلوق، وهذا بناءً على مذهبهم في نفي صفات الله سبحانه. فإنهم جعلوا "الحكمة في ذلك [أي الخلق] إحسانه إلى الخلق، والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب، وقالوا: إن فعل الإحسان إلى الغير حسن

стр. 422

محمود في العقل، فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم، ولا قام به فعل ولا نعت" (١). وعلة ذلك عندهم أن الحكيم من يفعل أحد أمرين، إما أن ينتفع أو ينفع غيره والباري سبحانه لما كان مقدَّسًا عن الانتفاع؛ تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره (٢). الثاني: أنهم جعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه. وما ذهبوا إليه باطل من وجوه: الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية دلت على اتصاف الرب سبحانه بالحكمة، وأن الحكمة وصفه سبحانه، ولكن المعتزلة لما كانوا ينفون صفات الرب سبحانه فإنهم نفوا اتصافه بالحكمة. الثاني: أن قولهم: أن الرب سبحانه مقدس عن الانتفاع مجمل، فإن أريد بالانتفاع كون الرب سبحانه محتاجًا لغيره حتى يكمل؛ فباطل، وإن أريد أنه سبحانه يعود عليه وصف من كونه يفعل لحكمة فصحيح، يوضحه: الثالث: أنه لا يعقل أن يفعل الحكيم فعلًا من غير أن يعود عليه منه حكم؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان.

стр. 423

فكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه - لا عاجلة ولا آجلة -؛ كان عابثًا ولم يكن محمودًا (١). الرابع: أن الحكمة العائدة إليه سبحانه صفات من جملة صفاته التي تقوم به - كما تقدم - فهو ينصر المؤمنين محبة لهم ولدينه، ويخذل الكافرين غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (٢)، فالحكمة العائدة إليه من صفاته، فلا يكون سبحانه مستكملًا بغيره. الخامس: أن الإيجاب على الرب سبحانه لا يصح أصلًا، سواء كان موجبه الحكمة أو غيرها، لأن العباد لا يوجبون على الرب سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه تفضُّلًا منه سبحانه - كما سيأتي - وإن كان سبحانه إنما أوجب على نفسه ما أوجب تفضُّلًا لحكمة، إذ الحكمة - كما تقدم - ملازمة لأفعال الله (٣). وأما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، فليس ثَمَّ حكمة تبعث على الفعل أو مقصودة به، وإنما تترتب عليه، وتحصل عقيبه حصولًا مجردًا عن القصد. قال الشهرستاني: "مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض، وأصناف الخلق والأنواع، لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة؛ إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث، فلا غرض له

стр. 424

في أفعاله ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه" (١). وقال أيضًا: "ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح، وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحًا يرتقبه وخيرًا يتوقعه، بل لا حامل له" (٢). وقال الإيجي: "المقصد الثامن في أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة" (٣). وقال الآمدي: "القاعدة الثانية: في نفي الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود: مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل، بل الخلق وأن لا الخلق له جائزان، وهما بالنسبة إليه سيان" (٤). وقال الرازي: "المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بعلة البتة" (٥). وقال: "مسألة: لا يجوز أن يفعل الله شيئًا لغرض" (٦).

стр. 425

واستدل الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأدلة، منها: أولًا: أن إثبات الحكمة في أفعاله سبحانه يستلزم أن يكون مستكملًا بغيره، إذ من فعل فعلًا لتحصيل منفعة أو دفع مضرة؛ إما أن يكون تحصيل تلك المنفعة أو دفع المضرة أولى له من عدمه أو لا، فإن كان الأول؛ كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وإن كان الثاني؛ بطل التعليل إذ لا رجحان حينئذ (١). ثانيًا: أنه لو كان الله سبحانه قد خلق لعلة؛ فإن هذه العلة لا تخلو عن أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة؛ وجب قدم الخلق لقدم علته، وإن كانت محدثة؛ فلا يخلو: إما أن يكون الله أحدثها لعلة أو لا، فإن كان الثاني بطل القول بالتعليل، وإن كان الأول فالقول فيها كالقول في العلة الأولى، فيلزم التسلسل (٢). ثالثًا: أن كل غرض يفرض أن الله سبحانه يفعل الفعل لأجله، فهو سبحانه قادر على إيجاده ابتداءً فيكون توسيط ذلك الفعل عبثًا، وهو محال (٣). كما ادعوا أن اللام في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هي لام العاقبة والصيرورة، وليست لام التعليل. قال الشهرستاني: "وأما الآيات في مثل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة، لا لام التعليل،
следующие страницы →