المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف المعتزلة والأشاعرة أهل السنة في إثبات الحكمة في أفعال الرب سبحانه.
أما المعتزلة؛ فذهبوا إلى إثبات الحكمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعال الرب سبحانه منها، وإلا للزم العبث عليه، تعالى الله عن ذلك.
قال القاضي عبد الجبار: "إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا لا لوجه تقتضيه الحكمة، وذلك - أي نقص من يفعل لا لغرض - ظاهر في الشاهد" (١).
وقال الشهرستاني: "قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل فعلًا جزافًا؛ فإن وقع خيرًا فخير وإن وقع شرا فشر، بل لا بد وأن ينحو غرضًا ويقصد صلاحًا" (٢).
ومخالفة المعتزلة لعقيدة أهل السنة من وجهين:
الأول: إنكارهم أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وأن الحكمة من الفعل مقصورة على الحكمة الراجعة إلى المخلوق، وهذا بناءً على مذهبهم في نفي صفات الله سبحانه.
فإنهم جعلوا "الحكمة في ذلك [أي الخلق] إحسانه إلى الخلق، والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب، وقالوا: إن فعل الإحسان إلى الغير حسن
стр. 422
محمود في العقل، فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم، ولا قام به فعل ولا نعت" (١).
وعلة ذلك عندهم أن الحكيم من يفعل أحد أمرين، إما أن ينتفع أو ينفع غيره والباري سبحانه لما كان مقدَّسًا عن الانتفاع؛ تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره (٢).
الثاني: أنهم جعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية دلت على اتصاف الرب سبحانه بالحكمة، وأن الحكمة وصفه سبحانه، ولكن المعتزلة لما كانوا ينفون صفات الرب سبحانه فإنهم نفوا اتصافه بالحكمة.
الثاني: أن قولهم: أن الرب سبحانه مقدس عن الانتفاع مجمل، فإن أريد بالانتفاع كون الرب سبحانه محتاجًا لغيره حتى يكمل؛ فباطل، وإن أريد أنه سبحانه يعود عليه وصف من كونه يفعل لحكمة فصحيح، يوضحه:
الثالث: أنه لا يعقل أن يفعل الحكيم فعلًا من غير أن يعود عليه منه حكم؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان.
стр. 423
فكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه - لا عاجلة ولا آجلة -؛ كان عابثًا ولم يكن محمودًا (١).
الرابع: أن الحكمة العائدة إليه سبحانه صفات من جملة صفاته التي تقوم به - كما تقدم - فهو ينصر المؤمنين محبة لهم ولدينه، ويخذل الكافرين غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (٢)، فالحكمة العائدة إليه من صفاته، فلا يكون سبحانه مستكملًا بغيره.
الخامس: أن الإيجاب على الرب سبحانه لا يصح أصلًا، سواء كان موجبه الحكمة أو غيرها، لأن العباد لا يوجبون على الرب سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه تفضُّلًا منه سبحانه - كما سيأتي - وإن كان سبحانه إنما أوجب على نفسه ما أوجب تفضُّلًا لحكمة، إذ الحكمة - كما تقدم - ملازمة لأفعال الله (٣).
وأما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، فليس ثَمَّ حكمة تبعث على الفعل أو مقصودة به، وإنما تترتب عليه، وتحصل عقيبه حصولًا مجردًا عن القصد.
قال الشهرستاني: "مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض، وأصناف الخلق والأنواع، لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة؛ إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث، فلا غرض له
стр. 424
في أفعاله ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه" (١).
وقال أيضًا: "ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح، وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحًا يرتقبه وخيرًا يتوقعه، بل لا حامل له" (٢).
وقال الإيجي: "المقصد الثامن في أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة" (٣).
وقال الآمدي: "القاعدة الثانية: في نفي الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود: مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل، بل الخلق وأن لا الخلق له جائزان، وهما بالنسبة إليه سيان" (٤).
وقال الرازي: "المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بعلة البتة" (٥).
وقال: "مسألة: لا يجوز أن يفعل الله شيئًا لغرض" (٦).
стр. 425
واستدل الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأدلة، منها:
أولًا: أن إثبات الحكمة في أفعاله سبحانه يستلزم أن يكون مستكملًا بغيره، إذ من فعل فعلًا لتحصيل منفعة أو دفع مضرة؛ إما أن يكون تحصيل تلك المنفعة أو دفع المضرة أولى له من عدمه أو لا، فإن كان الأول؛ كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وإن كان الثاني؛ بطل التعليل إذ لا رجحان حينئذ (١).
ثانيًا: أنه لو كان الله سبحانه قد خلق لعلة؛ فإن هذه العلة لا تخلو عن أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة؛ وجب قدم الخلق لقدم علته، وإن كانت محدثة؛ فلا يخلو: إما أن يكون الله أحدثها لعلة أو لا، فإن كان الثاني بطل القول بالتعليل، وإن كان الأول فالقول فيها كالقول في العلة الأولى، فيلزم التسلسل (٢).
ثالثًا: أن كل غرض يفرض أن الله سبحانه يفعل الفعل لأجله، فهو سبحانه قادر على إيجاده ابتداءً فيكون توسيط ذلك الفعل عبثًا، وهو محال (٣).
كما ادعوا أن اللام في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هي لام العاقبة والصيرورة، وليست لام التعليل.
قال الشهرستاني: "وأما الآيات في مثل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة، لا لام التعليل،
стр. 426
كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] " (١).
والجواب على شبهتهم الأولى من وجوه (٢):
الأول: أن القول بأنه ناقص بذاته إما أن يراد به أنه كان عادمًا لكمال كان يجب أن يكون له قبل حدوث المراد، أو يراد أنه عادم لما ليس كمالًا قبل وجوده؟
فإن كان المراد الثاني؛ فلا نقص؛ إذ البحث في كونه كمالًا قبل وجود الفعل، وإن كان الأول فباطل؛ إذ لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه أن يكون عادمًا لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع أن يكون كمالًا قبل حدوثه.
الثاني: أن هذه الحكمة لم تحصل من شيء خارجي عنه، بل تلك الحكمة صفته القائمة به.
الثالث: أن الحكمة المقصودة بفعله سبحانه محبوبة له سبحانه مرادة، وإذا كانت كذلك؛ فحصولها هو الكمال في حقه، وعدمها نقص؛ إذ من كان قادرًا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقًّا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا يقدر على فعله.
الرابع: أن نفي الحكمة هو النقص لا أن إثباتها يستلزم نقصًا، لأن الحكمة كمال - كما تقدم - ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر من لزوم النقص في إثبات ذلك.
стр. 427
الخامس: أن هؤلاء يجوزون على الرب سبحانه فعل كل ممكن، حتى الأمر بالكفر والشرك ونسخ التوحيد، فإذا جازت هذه المرادات من غير أن يكون في إرادتها نقص، فجواز غيرها من باب أولى، وعليه فلا يلزم من كون الحكمة مرادة له نقص.
السادس: أن انتفاء الحكمة في الفعل الاختياري من الحي العالم ممتنع - كما تقدم -، وإنما يتصور هذا في حق زائل العقل بنوم أو جنون أو العابث، والرب سبحانه منزه عن ذلك.
وأما الشبهة الثانية فجوابها من وجوه كذلك (١):
الأول: أن الحكمة يحذى بها حذو الفعل؛ فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها، فالفعل لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديمًا أو حادثًا، فإن أمكن أن يكون قديمًا؛ أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن كان حادثًا؛ كانت الحكمة كذلك.
الثاني: أن النفاة يقرون بقدم كونه مريدًا، ولا يلزم من هذا قدم الإرادة عندهم قدم المراد، فكذلك الحكمة لا يلزم من كونها قديمة قدم الفعل، إذ الباب واحد.
الثالث: أن أهل السنة يقولون: الله سبحانه يفعل لحكمة، وهذه الحكمة محبوبة له مرادة، ثم قد تكون مرادة لذاتها؛ فلا تسلسل، وإما أن تكون مرادة لغيرها، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لذاته قطعًا للتسلسل.
فالقول بتوقف العلة على علة أخرى ممنوع، إذ هو التسلسل الممتنع، وهو
стр. 428
التسلسل في المؤثرين، يوضحه:
الرابع: أن التسلسل المذكور إما أن يكون التسلسل الممتنع، - وهو التسلسل في المؤثِّرين، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى نهاية -، وإما أن يكون التسلسل الجائز - وهو التسلسل في الآثار -، فإن كان جائزًا بطل الإلزام من أصله، وإن كان ممتنعًا فهو مدفوع بانتهاء المرادات إلى مراد لنفسه فينقطع التسلسل.
الخامس: أن نفي الحكمة يستلزم نفي الإرادة، إذ لا يعقل من كون المريد مريدًا إلا لحكمة وغاية، وإذا انتفت الإرادة لزم أن يكون موجبًا بالذات وعلة تامة لمعلوله في الأزل، فيلزم قدم الحوادث المشهودة، وهذا بيِّن البطلان.
وأما الشبهة الثالثة فجوابها من وجوه أيضًا (١):
الأول: أنه لا يلزم من كون الفعل مقدورًا ممكنًا أن تكون الحكمة المقصودة بوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه، إذ وجود الملزوم بدون لازمه محال.
الثاني: أن دعوى العبث في توسط أحد الأمرين مطلقًا باطلة، إذ توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث منها ما يحدثه ليس بعبث بل هو الحكمة.
الثالث: أن قولهم بأن العبث على الله محال يستلزم إثبات الحكمة، لأن العابث من يفعل لا لحكمة ولا لمصلحة.
الرابع: أن يقال: هذه الوسائط إما أن تكون معللة بحكم أخرى فيها مصلحة للفاعل أو للوسائط؛ فليس توسطها حينئذ عبثًا، وإما أن تكون غير معللة بل مرادة لذاتها، ولا مانع يمنع من هذا، ولا يلزم من انتفاء التعليل في
стр. 429
بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع.
الخامس: أن غاية هذه الشبهة أنه قادر على تحصيل تلك الحكم بالوسائط وبدونها، وهذا لا ينافي الحكمة من وجهين:
أولًا: أنه إذا كان الأمران ممكنين في حقه سبحانه فإنما يكون العدول عن أحدهما إلى الآخر عبثًا إذا كانا متساويين من كل وجه، وهذا ما لا سبيل لإثباته، بل لا يمكن لعاقلٍ أن يقول به؛ إذ هو متضمن إنكار الأسباب، وهذا يعود على الشرع والقدر بالإبطال، لأن الأسباب محل الشرع والقدر - كما سيأتي - (١).
ثانيًا: إذا كان الله قادرًا على الأمرين فالكمال فعل كلا الأمرين، فالرب لكماله قادر على تحقيق تلك الحكم بتوسط المخلوق المنفصل، وقادر على خلقها بدون توسط المخلوق، بل بما قام بنفسه من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لها.
وأما دعواهم أن لام التعليل في القرآن هي لام العاقبة؛ فباطل أيضًا من وجوه:
الأول: أن لام العاقبة ينزه الرب سبحانه عنها، فهو العليم القدير، ولام العاقبة لا تكون إلا من عاجز أو جاهل، أما الجاهل فمثاله آل فرعون في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فهم جاهلون بمآل الأمر وثمرته عليهم، وأما العاجز فمثاله قول الشاعر (٢):
لِدُوا للموت وابنوا للخراب … فكلكم يصير إلى تباب
стр. 430
فهم عالمون بهذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها (١).
الثاني: أن لام العاقبة لا يصح أن يكون الفاعل مريدًا للعاقبة فيها، والعبادة فيما مثلوا به من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ مرادة بالاتفاق، فيمتنع على هذا أن تكون اللام فيها للعاقبة ويلزم أن تكون للغاية (٢).
стр. 431
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأفعال العباد
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: "العبد له قدرة على فعله وله مشيئة".
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم".
стр. 432
[المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدة من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: «وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة» (١).
وقال ﵀: «أهل السنة يقولون: إن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة، وهو فاعل لفعله حقيقة» (٢).
وقال ﵀: «ويؤمنون [أي: أهل السنة والجماعة] أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار» (٣).
وقال مرعي الكرمي: «فإن العبد له قدرة وإرادة وفعل حقيقة، يقدر به على فعل ما كلف به وعلى تركه» (٤).] [¬*]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل الكتاب والسنة والإجماع على هذه القاعدة.
أما الكتاب والسنة؛ فقد دلَّا عليها في مواطن كثيرة، ويمكن تقسيم دلالتهما إلى أنواع:
الأول: الآيات والأحاديث الصريحة في إثبات قدرة العبد ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، أي: ذوي قدرة، كما أُثر عن ابن عباس ﵁، وأُثر نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد ﵏ (٥).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. . . إلى أن قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠ - ٢١]، فأثبت قدرتهم على الأولى، ونفاها عن الثانية.
ومنه الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات القوة للعبد، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
وقوله ﷺ للمستحاضة: (وإن قويت على أن تؤخري الظهر
стр. 433
وتعجلي العصر. . . فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك) (١).
وقوله ﷺ : (خذوا من العمل ما تطيقون) (٢).
ومنه أيضًا الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات الاستطاعة للعبد، كقوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله حكاية عن شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
وقوله ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٣).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٦، ٣٧]، وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].
وقوله ﷺ لمن سأله عن الوضوء من لحوم الغنم: (إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ) (٤).
стр. 434
الثاني: الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الكسب للإنسان، كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضرر (١)، ولا يكون كسبًا إلا بالقدرة عليه ومشيئته.
الثالث: الآيات والأحاديث التي فيها إضافة أفعال العباد إليهم، نحو: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، و ﴿يَفْعَلُونَ﴾، و ﴿يَتَّقُونَ﴾، و ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، و ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، وأمثال ذلك وهو أكثر من أن يحصر.
ولا تضاف أفعالهم إليهم حتى يكونوا قادرين عليها، شائين لها.
وبالجملة، فكل نص تضمن إثبات الوسع أو الطاقة أو الملك أو نفي العجز مضافًا إلى العبد، أو الثواب والعقاب على فعله، أو انقطاع عمله بعد موته؛ فهو دليل على قدرة العبد ومشيئته (٢).
وأما الإجماع فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. . . وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله" (٣).
стр. 435
وقال ﵀: "وكذلك جماهير أهل السنة من أهل الحديث والفقه والتفسير والتصوف، لا يقرون بهذه الأقوال المتضمنة للخطأ، بل هم متفقون على أن الله خالق أفعال العباد، وعلى أن العبد قادر مختار يفعل بمشيئته وقدرته والله خالق ذلك" (١).
стр. 436
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي إحدى القاعدتين اللتين تنبني عليهما مسألة خلق الأفعال، وهي المسألة العظيمة في باب القدر، فهذه المسألة لها متعلقان:
- ما يتعلق بالرب ، وهو إثبات خلقه لأفعال عباده واراداتهم وقدرتهم.
- ما يتعلق بالعبد، وهو إثبات أن له قدرة ومشيئة بهما فعل.
ولا بد قبل البدء بتحرير هاتين القاعدتين من التذكير بمقدمات ثلاث تتعلق بها:
الأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ، فجهة فعلها غير جهة خلقها.
فالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.
الثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعل شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.
الثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله هو الذي أقدره على ذلك.
والذي للعبد منها فعله وكسبه الذي يستحق عليه المدح والذم والثواب والعقاب، والذي لله منها العلم والكتابة والمشيئة والخلق.
والله ممدوح على كل ما قدَّر وشاء - إذ له الحكمة البالغة -، والعبد يمدح على حسن فعله ويذم على قبيحه.
стр. 437
وقد سبق بيان هذه المقدمات، والمقصود هنا بيان علاقتها بخلق الأفعال.
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.
الثانية: معنى المشيئة المضافة إليه كذلك.
الثالثة: قدرته ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.
الرابعة: قدرة العبد حقيقية، لها أثر في وجود الفعل.
الخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.
السادسة: ثبوت تأثير القدرة والمشيئة لا يعني الاستقلال بالفعل، بل هما تابعتان لقدرة الله ومشيئته.
المسألة الأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.
المراد بالقدرة المضافة إلى العبد: أي أن الله أعطاه استطاعة يقدر بها على فعل الشيء وتركه، وهذه الاستطاعة هي التمكُّن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل.
وذلك أن الاستطاعة - على ما سيأتي في مبحث مستقل - نوعان:
- سابقة للفعل، وهي المصححة للفعل، وهي المرادة هنا.
- ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة، وهي المختصة بالفاعل.
فالعبد بما أودع الله فيه من صفات وغرائز يقدر على أفعاله، وهذا يكون بحسب ما أعطاه الله من الكمال، والناس متفاوتون في قدراتهم، فمنهم من يقدر على أشياء كثيرة لا يقدر عليها كثيرون، ومنهم من لا يقدر إلا على القليل.
стр. 438
ولكن المقصود هو الكلام على القدرة عمومًا.
والقدرة قرينة الحياة وملزومها، فكل حي فهو قادر على ما أقدره الله عليه من أفعال، ومن لا يقدر على شيء من الأفعال البتة؛ فهو ميت ليس بحي، كما ذكر البخاري عن نعيم بن حماد: "أن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل؛ فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت" (١).
فالذي لا يفعل ليس بحي، والفعل لا يكون إلا بقدرة، فمن لا قدرة له؛ لا حياة له.
والقدرة المرادة هنا هي القدرة الكونية لا الشرعية (٢)، إذ الشرعية أخص منها؛ فكل قادرٍ شرعًا فهو قادرٌ كونًا، وليس كل قادرٍ كونًا قادرٌ شرعًا (٣)، فالأعرج الذي خرج للجهاد قادر على الجهاد كونًا ولكنه غير قادر شرعًا، وهذا من رحمة الشارع وتيسيره على المكلفين.
المسألة الثانية: معنى المشيئة المضافة إلى العبد.
والمراد بها أن للعبد إرادة واختيارًا فيما يقدر عليه، فله إرادة واختيار في الفعل والترك.
وما قيل في الإرادة من جهة استلزام الحياة لها يقال في المشيئة، فلا حياة بغير قدرة ولا حياة بغير مشيئة.
فلا يمكن خلو الإنسان عن المشيئة، فإن الإنسان حساس يتحرك
стр. 439
بالإرادة، فلا بد له من مراد، سواء كان مراد خير أو مراد شر (١).
المسألة الثالثة: قدرة العبد ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.
من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله، ومن المتقرر عندهم كذلك أن صفات ما دونه من المخلوقين كذلك على ما يليق بما جبلوا عليه من نقص وضعف.
ومن ذلك اتصاف العباد بالقدرة والمشيئة؛ فهو بهما لم يخرج عما جبل عليه من نقص، وهما على ما يليقان به، وكذا القدرة والمشيئة المضافتين إلى الرب هما على ما يليق بكماله وعظمته.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ما يوصف الله به ويوصف به العباد؛ يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام" (٢).
المسألة الرابعة: قدرة العبد حقيقية لها أثر في وجود الفعل.
يثبت أهل السنة والجماعة للعبد قدرة على ما تعرفه العرب من كلامها، وهي القدرة التي لها أثر في المقدور، وأما قدرة لا علاقة لها بالمقدور إلا الاقتران العادي، أو كونها علامة عليه فليست قدرة على الحقيقة.
ومعنى أن القدرة لها أثر: أي أنها سبب من الأسباب التي يحصل بها
стр. 440
الفعل، وهذا السبب له أسباب أخرى تعاونه، وموانع تعوقه، لا أن المراد أنها مستقلة بالأثر موجبة له.
فلفظ التأثير يراد به هذين المعنيين: أنها سبب من جملة الأسباب، وأنها علة تامة مستقلة بإيجاد السبب، فالثاني باطل، والأول هو الصواب.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود هنا أن التأثير إذا فُسر بوجود شرط الحادث، أو بسبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار.
وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع؛ فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ندَّ له، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن" (١).
ومما يدل على تأثير قدرة العبد ومشيئته قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فأخبر أنه لا يملك الضر والنفع لنفسه إلا إذا شاء الله، ومفهومه أنه إذا شاء الله ملك لنفسه ذلك، والنفع والضر هما أثر الفعل الحاصل بقدرته ومشيئته، فدل على أن لهما أثرًا في الفعل.
فدلت هذه الآية "على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته" (٢)، فنص على القدرة، والمشيئة قرينتها في ذلك.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
стр. 441
[يس: ١٢]، فـ (آثارهم): آثار أعمالهم من خير وشر، سواء كانت في الحياة أو بعد الممات، والتعبير بالآثار يدل على أن لها أثرًا في وجود العمل.
قال السعدي ﵀: " ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم" (١)، يوضحه:
المسألة الخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.
فالله لكمال حكمته - ربط الأسباب بمسبباتها، وجعل لهذه الأسباب أضدادًا وموانع؛ فلا بد للوصول إلى الفعل من الإتيان بأسبابه ودفع أضدادها.
وهكذا الأمر في أفعال العباد؛ من جملة الأسباب التي تحصل بها: قدرة العبد ومشيئته، ومن لطيف ما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣، ٧٤]، فأخبر بأن مراد الكفار وهو فتنة النبي ﷺ عن الوحي قد انعقدت أسبابه من قبلهم إلى حد أنه قارب الوقوع، إلا أنه لم يقع لوجود المانع، وهو تثبيت الله لنبيه ﷺ .
فقدرتهم ومشيئتهم كانت من جملة أسباب هذه الفتنة، إذ أن الله أضاف الفعل إليهم، فدل على أنه واقع بقدرتهم ومشيئتهم.
стр. 442
وتقرير كون قدرة العبد ومشيئته من أسباب الفعل يعني أنهما - كسائر الأسباب - لا تستقلان بالفعل، بل لا بد من وجود أعوانها ودفع أضدادها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأن قدرة العباد لها تأثير فيها كتأثير الأسباب في مسبباتها، وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب، وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل - مع أن أكثر أسبابه ليست إليه -؛ فقد خرج عن موجب العقل والشرع. . . ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء؛ فقد كابر العقل والحس" (٢).
المسألة السادسة: قدرة العبد ومشيئته تابعتان لقدرة الله ومشيئته.
يثبت أهل السنة والجماعة لله الملك التام والحمد التام، فيثبتون له الحكمة وينزهونه عن الظلم والقبيح، ويثبتون له التصرف المطلق في خلقه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته.
وكل ما في العباد من نعمة؛ قوة وقدرة وإرادة وغيرها؛ فهي من الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 443
وما يثبت للمخلوقات من قدرة ومشيئة وتصرف فهو بإذن الله ، ولا يخرج عما يشاؤه .
فقدرة العباد إنما كانت بإقدار الله لهم، فلا حول لهم ولا قوة إلا به، كما في دعاء الاستخارة: (وأستقدرك بقدرتك. . . فإنك تقدر ولا أقدر) (١)، ففيه سؤال العبد القدرة من ربه القدير، وتعليل ذلك بانفراده بالقدرة على الحقيقة، مع خلو العبد منها إلا أن يقدره على شيء.
وكذا مشيئته هي تابعة لمشيئة الله ، لا تخرج عنها، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠]، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦]، فأثبت لهم مشيئة، وجعلها تابعة لمشيئته متوقفة عليها.
قال الشافعي ﵀: "في كتاب الله المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله؛ يقول الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فأعلم خلقه أن المشيئة له" (٢).
وقال الأشعري ﵀ في "الإبانة": "فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء الله أن نشاءه" (٣).
وقد جمع الله بين إثبات المشيئة النافذة له وحده،
стр. 444
ونفي القدرة عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].
والحاصل أن للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله ومشيئته، والله أعلم.
стр. 445
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة القدرية والجبرية.
فذهبت القدرية إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه.
قال القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك" (١).
وقال أيضًا: "أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك" (٢).
وهم مع قولهم بذلك يقرون بأن الله سبحانه هو الذي أقدرهم عليها، كما تقدم في قول عبد الجبار: "وأن الله أقدرهم على ذلك".
وقد حكى البغدادي وابن حزم عنهم إنكار قدرة الله سبحانه على أفعال العباد (٣)، وحكى الأشعري تنازعهم في قدرته على مثلها (٤).
والواقع أن المعتزلة قالوا باستقلال العبد بالقدرة والمشيئة لأفعاله لقولهم
стр. 446
بأن العباد يخلقون أفعالهم.
وأما الجبرية فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه كالريشة في مهب الريح ليس له من أمره شيء بل هو مجبور على أفعاله.
وقد حكى عامة أصحاب المقالات (١) عن رأسهم الجهم الجبر، وأنه لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده وأنه هو الفاعل، وأن الناس مضطرون إلى أفعالهم وإنما تنسب إليهم على سبيل المجاز كما يقال تحركت الشجرة وسقط الجدار وانخسفت الشمس، حالهم في ذلك حال الجمادات.
وهؤلاء هم الجبرية الخالصة، وأما الجبرية المتوسطة؛ فهم الأشاعرة (٢)، الذين ذهبوا إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل.
وهذا الكسب - كما سيأتي - اختلفت في بيانه عباراتهم اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيه اضطرابًا عظيمًا.
وأما قدرة العبد ومشيئته فمذهبهم أنها غير مؤثرة، ومن أقوالهم في ذلك:
قال الشهرستاني: "لم يثبت شيخنا الأشعري للقدرة الحادثة صلاحية أصلًا، لا لجهة الوجود ولا لصفة من صفة الوجود" (٣).
стр. 447
وقال: "ونجا أبو الحسن ﵀؛ حيث لم يثبت للقدرة أثرًا أصلًا" (١).
وهذا القول هو الذي استقر عليه الأشعري فيما حكاه ابن القيم ﵀ حيث يقول: "والذي استقر عليه قول الأشعري أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه، وتابعه على ذلك عامة أصحابه" (٢).
فعموم الأشاعرة إذن على نفي تأثير القدرة الحادثة.
وكلام المخالفين في هذه المسألة متضمَّنٌ في كلامهم على خلق الأفعال الآتي في المبحث القادم.
стр. 448
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 449
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال يحيى بن سعيد القطان ﵀: "ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة" (١).
وقال أبو ثور ﵀: ". . . وذلك أن الله خالق كل شيء، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فمن زعم أن شيئًا ليس بمخلوق من أفاعيل العباد كان بذلك ضالًا" (٢).
وقال البخاري ﵀: "أفعال العباد مخلوقة" (٣).
وقال ابن أبي عاصم ﵀: "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر. . . وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم" (٤).
стр. 450
وقال الأشعري ﵀: "قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها:. . . وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة" (١).
وقال الصابوني ﵀: "ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدُّون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه" (٢).
وقال العِمْرَاني ﵀ (٣): "ونؤمن بأخبار الصفات. . . وأن الله خلق أفعال العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية" (٤).
وقال ابن الحَاج القفْطي ﵀ (٥): "ولا يلحقك شك ولا ارتياب في أن الله خالق أفعال العباد" (٦).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله
стр. 451
خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم" (١).
وقال الذهبي ﵀: "فالله تعالى خالقنا، وخالق أفعالنا وأدواتنا" (٢).
وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد" (٣).
стр. 452
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
قال ابن القيم ﵀: "وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول والفطر" (١).
وقال ﵀ في النونية (٢):
أَوَليس قد قامَ الدليلُ بأنَّ أفعـ … ــالَ العبادِ خليقةُ الرحمنِ
من ألفِ وجهٍ أو قريبِ الألفِ يحصيـ .... ـها الذي يُعنى بهذا الشَّأْنِ
وأدلة الكتاب والسنة على نوعين، عامة وخاصة:
أما الأدلة العامة: فهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأدلة الدالة على عموم خلق الله لكل شيء، كقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ووجه دلالتها أن أفعال العباد داخلة في عموم الأشياء التي خلقها الله.
القسم الثاني: الأدلة الدالة على تفرد الرب بالملك، كقوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].
ووجه دلالتها أن تفرد الرب بالملك يقتضي ألا يكون في خلقه إلا ما
стр. 453
يريد، وألا يوجد شيء إلا بإيجاده، ومن هنا كان من لم يثبت خلقه لأفعال العباد؛ لم يثبت له تمام الملك (١).
القسم الثالث: الأدلة الدالة على سبق المقادير، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷺ : (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز) (٢).
ووجه دلالتها أن تقدير الله للمقادير يقتضي أنه علمها وكتبها وشاءها وخلقها، وأفعال العباد داخلة في عموم المقادير.
وهذا النوع من الأدلة خنجر في نحر من ينكر خلق أفعال العباد مع إثباته للعلم والكتابة، لذلك قال من قال من السلف: "ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا" (٣).
وأما الأدلة الخاصة: فهي على قسمين: صريحة وغير صريحة.
أما الأدلة الصريحة: فهي كل دليل على خلق الأفعال بصفة خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] سواء كانت (مَا) مصدرية - وهو ضعيف -، أو كانت موصولة - وهو الأصح -، وإن كان الأول أصرح.
والمعنى: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، ووجه الدلالة حينئذ أن هذه الأصنام إنما صارت أصنامًا بصنعتهم وعملهم، فدل على أن
стр. 454
أعمالهم وصنعتهم خلق له ، كما أن الحجارة التي جُعلت أصنامًا خلق له، فلما كان المسبب الذي هو الصنم مخلوقًا له؛ كان السبب وهو فعل العبد مخلوقًا له من باب أولى.
وأما وجه الدلالة على المعنى الأول فظاهر، إذ المعنى حينئذ: والله خلقكم وخلق عملكم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠، ٨١].
ووجه الدلالة أن الله أخبر أنه هو الذي خلق لهم البيوت والسرابيل، وإنما صارت بيوتًا وسرابيل بصنعتهم وعملهم.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢]، فأخبر أنه خلق لهم الفلك، وقد صارت فلكا بعملهم كما أخبر عن نبيه نوح ﵇: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨].
وقوله ﷺ : (إن الله خالق كل صانع وصنعته) (٢).
стр. 455
قال البخاري ﵀: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (١).
ووجه الدلالة فيه كالآية الأولى؛ إن أريد بالصنعة الفعل فظاهر، وإن أريد بها المفعول المصنوع؛ فإنما صار مصنوعًا بفعل المخلوق.
وأما الأدلة غير الصريحة: فهي على أصناف:
الصنف الأول: الأدلة الدالة على أن الله يهدي ويضل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله ﷺ : (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له) (٢).
الصنف الثاني: الأدلة الدالة على أن الله يشرح الصدر ويضيِّقه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الصنف الثالث: الأدلة الدالة على أن الله يحبب الإيمان إلى المؤمنين ويبغِّض إليهم خلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
الصنف الرابع: الأدلة الدالة على أن الله يجعل القلوب قاسية ومخبتة، كقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 456
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
الصنف الخامس: الأدلة الدالة على أن الله يلهم عباده التقوى والفجور، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].
الصنف السادس: الأدلة الدالة على أن الله يعز ويذل، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
الصنف السابع: الأدلة الدالة على أن الله يضحك ويبكي، ويحيي ويميت، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٣، ٤٤].
ومن هذا الباب ما جاء في النصوص من سؤال الله أن يجعل كذا، كقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله ﷺ : (رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا، لك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) (١).
стр. 457
ووجه الدلالة من هذا القسم أن الله أخبر أنه خلق هذه الأشياء في العباد مع كونها من أفعالهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ففي القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم وجوارحهم، وأنه هو ﵎ يحدث من ذلك ما يطول وصفه" (١).
وأما الإجماع فممن حكاه:
- اللالكائي، قال ﵀: "سياق ما فسر من الآيات. . . وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعاتها ومعاصيها" (٢).
- شيخ الإسلام، قال ﵀: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة" (٣).
стр. 458
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة من القواعد العظيمة في القدر وهي مرتبطة ارتباطًا مباشرا بالمرتبة الرابعة من مراتب القدر التي هي الخلق.
ونفي ما تضمنته هذه القاعدة من خلق الله لأفعال العباد نفي لقسط كبير من ملك الله وآياته؛ بل نفي لما هو من محاسن ملكه وأعظم آياته ومخلوقاته (١).
وهذه المسألة هي لب باب القدر، وعنها تشعبت كثير من مسائله.
ولا بد قبل البدء بشرحها من بيان خمس مقدمات هي:
الأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ، فجهة فعلها غير جهة خلقها.
فالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.
الثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعله شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.
الثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم، وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله هو الذي أقدره على ذلك.
قد سبق الكلام على هذه المقدمات الثلاث في المبحث السابق.
стр. 459
الرابعة: إثبات عموم خلقه .
وقد دل على عموم خلقه أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
ونفى عن غيره أن يكون خالقًا لشيء، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣].
ومن أسمائه: الخالق والخلاق، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].
وهذا العموم يدخل فيه أفعال العباد قطعًا، إذ لا موجب لإخراجها عنه، لذلك كان نفاة خلق أفعال العباد مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقًا مع الله ، بل خالقين.
الخامسة: إثبات كمال ملكه .
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله متصف بالملك التام على ما يليق بجلاله وكماله، ومن أسمائه سبحانه: الملك والمالك والمليك.
ومن الأدلة على هذه الأسماء: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على قراءتين: (ملك) و (مالك) (١).
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
стр. 460
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وقوله ﷺ : (يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) (١).
قال الزَّجَّاج ﵀ (٢): "وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والمُلَّاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى" (٣).
وقال الخطابي ﵀: "هو التام الملك، الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك: فهو الخاص" (٤).
وقد أخبر الله أنه الملك على الحقيقة، ومن سواه فلا يملك شيئًا، فقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي