سِلسِلة إصدارات ومَنْشُورات مَرْكَز البَصَائِر للبَحْث العِلْمِي (١١)
القَوَاعِدُ الكُلِيَّةُ في بَابِ القَدَرِ
في ضَوْءِ مَنْهجِ السَّلَفِ
تَألِيفُ
رَبيع بن أحمَد البيطار
مَركز البَصَائِر للبَحثِ العِلْمِي
стр. 2
نبذة تعريفية بـ مَركز البَصَائِر للبَحثِ العِلْمِيِّ
هو مركز للبحث العلمي في الدراسات الإسلامية يعتني بتحقيق كتب التراث، والتأليف، والترجمة، وغير ذلك، بواسطة مجموعة من الباحثين فى العالم الإسلامي، وفق أعلى معايير الجودة العلمية، - مع إتاحة العمل عن بعد من بلادهم -، ثم نشرها بأسعار مناسبة.
* الأهداف الرئيسية للمشروع:
١ - تحقيق كتب التراث الإسلامي، بعناية تليق بها، بالإضافة للمؤلفات، والكتب المترجمة.
٣ - بيع كتب التراث بأسعار مناسبة.
٤ - إعانة المؤلفين الراغبين في إخراج أعمالهم العلمية مع الاحتفاظ بالحقوق، ومساعدتهم في توزيعها.
٥ - خدمة كتب التراث، والمشاريع الموسوعية بشكل أكبر لكثرة عدد الباحثين الذين يمكن الإفادة من جهودهم في هذا المجال، - لاستخدام نظام العمل عن بعد - بما يمكن المركز من إخراج أعمال كبيرة لا يتيسر إخراجها في كثير من الجهات العاملة في خدمة الدراسات الإسلامية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وآله وصحبه أجمعين
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فإن الله قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بدين قويم لا اعوجاج فيه، ومَنَّ على هذه الأمة بأن أكمله لهم، قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و"هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حقٌ وصدقٌ لا كذبَ فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي" (١).
стр. 4
فما فارق ﷺ الدنيا إلا وقد بيَّن لأمته كل ما تحتاجه في كل باب من أبواب الدين، وقرَّر هذا ﷺ قولًا في مواطن، منها قوله ﷺ : (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (١)، وقوله ﷺ : (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم) (٢).
وقد تقرر هذا الأصل في كلام الصحابة ﵃، ومن ذلك قول سلمان الفارسي ﵃ لما قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: "أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (٣)، وقول أبي ذر ﵁: "تركَنَا رسولُ الله ﷺ وما طائرٌ يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم" (٤).
وكمال الدين شاملٌ له كله، عقائده وشرائعه.
ومن ذلكم باب القدر، فقد بيَّنه الله ورسوله أعظم البيان، وأوضحاه
стр. 5
غاية الإيضاح، فإنه باب عظيم، "الإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان" (١).
وقد رأيت بعد استشارة واستخارة أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة الماجستير بعنوان:
"القواعد الكلية في باب القدر في ضوء منهج السلف" (٢).
* أهمية الموضوع:
ومن كمال هذا الدين أنه جارٍ على أصولٍ مستقيمة وقواعدَ مطَّردة، لا تنخرم ولا يشذ عنها شيء، وهذا من رحمة الله سبحانه بالأمة؛ إذ الإحاطة بكل نصٍ وجزئيةٍ أمرٌ متعذرٌ أو ممتنعٌ، فإذا أمكن وجود أصول عامة تُرَدُّ إليها الجزئيات كان هذا نعمة عظيمة تجعل الأمة في مأمن من الضلال بإذن الله؛ وهذا من وجوه امتنانه سبحانه بإكمال الدين.
فالعناية بالأصول العامة والقواعد الكلية أمر لا تخفى أهميته، فإنه السبيل إلى ضبط العلم وإحكامه، إذ الجزئيات - كما تقدم - مردُّها إلى أصول، فإذا خفي حكم الجزئية رُدَّت إلى أصلها وأُعطيت حكمه.
стр. 6
قال شيخ الإسلام ﵀: "ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب، لهم ولسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولَّد فساد عظيم" (١).
وهذا الأمر يتأكد في باب العقائد أكثر من غيره من الأبواب لأمورٍ منها:
أولًا: أن هذا الباب أجلُّ قدرًا وأعلى منزلةً من غيره.
ثانيًا: أن الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره.
هذا عمومًا، ولباب القدر أهمية خاصة تكمن فيما يلي:
١) كونه ركنًا من أركان الإيمان.
٢) أنه محل عناية عظيمة في نصوص الكتاب والسنة.
٣) كونه من الأبواب التي اشتد فيها الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم.
٤) أن له أثرًا كبيرًا ومباشرا في سلوك المسلم في كافة أحواله.
* أسباب اختيار الموضوع:
اخترت هذا الموضوع لأسباب عدَّة، هي:
١) ما تقدم من أهميته، فهو موضوع جدير بالعناية به والكتابة فيه.
٢) جمع القواعد المتعلقة بهذا الباب في كتاب واحد ليسهل الرجوع إليها والاستفادة منها.
стр. 7
٣) بيان عقيدة أهل السنة في هذا الباب من خلال شرح هذه القواعد، والرد على المخالفين لهم.
٤) أن هذا الموضوع لم يفرد بتأليف مستقل.
٥) الرغبة في الاستفادة الخاصة من البحث.
* الدراسات السابقة:
لم أقف - فيما اطَّلعت عليه - على مؤلَّف في هذا الموضوع، نحى هذا المنحى نفسه، من جمع القواعد وشرحها، والرد على المخالفين فيها.
وإنما وقفت على مؤلفات:
- إما في باب القدر عمومًا، ككتاب: "القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه" للشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، نشرة دار النشر الدولي، (١٤١٤ هـ)، وكتاب: "الإيمان بالقضاء والقدر" للشيخ محمد إبراهيم الحمد، نشرة دار ابن خزيمة، الرياض، (١٤١٦ هـ).
- أو في مسائل جزئية فيه، ككتاب: "أفعال العباد بين أهل السنة ومخالفيهم" عبد العزيز بن أحمد الحميدي، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، قسم العقيدة، وكتاب: "الهدى والضلال: دراسة قرآنية" أماني عبد الله الطويلي، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود.
- أو في جهود إمام من الأئمة في تقريره، ككتاب: "جهود شيخ الإسلام في توضيح الإيمان بالقدر" تامر محمد محمود متولي، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية، قسم العقيدة.
стр. 8
* خطة البحث:
سرت في هذا البحث وفق خطة اشتملت على: مقدمة، وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة، ثم فهارس فنية.
المقدمة: اشتملت على الافتتاحية، وأهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجه.
التمهيد: مقدمات مهمة في القدر، وضمنته أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء، وتحته ثلاث مطالب:
المطلب الأول: تعريف القدر في اللغة.
المطلب الثاني: تعريف القدر في الشرع.
المطلب الثالث: الفرق بين القدر والقضاء.
المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه.
المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر.
المبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه.
الفصل الأول: القواعد العامة المتعلقة بالقدر، وتحته تسعة مباحث:
المبحث الأول: "القدر سِرٌّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
стр. 9
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن لله ورسوله ﷺ "، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثالث: "الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الرابع: "علم الله سبحانه شامل لكل شيء"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
стр. 10
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الخامس: "علم الظهور لا ينافي علم لله السابق"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث السادس: "من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث السابع: "ما كتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير وما كتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 11
المبحث الثامن: "ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك العكس، وما لا فلا"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث التاسع: "الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بأفعال الله ، وتحته خمسة مباحث:
المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 12
المبحث الثاني: "كل ميسر لما خلق له"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الرابع: "قدر الله - الذي هو فعله - لا شَرَّ فيه بوجه من الوجوه"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الخامس: "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل"،
стр. 13
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأفعال العباد، وتحته مبحثان:
المبحث الأول: "العبد له قدرة على فعله وله مشيئة"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
стр. 14
الفصل الرابع: قواعد متعلقة بمسائل متفرقة، وتحته عشرة مباحث:
المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
стр. 15
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
стр. 16
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
стр. 17
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك"، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
الخاتمة: لخصت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس: وهي كما يأتي:
١) فهرس الآيات القرآنية.
٢) فهرس الأحاديث النبوية.
٣) فهرس الآثار.
٤) فهرس الأعلام.
٥) فهرس الأشعار.
٦) فهرس الفرق.
٧) فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة.
٨) فهرس المصادر والمراجع.
٩) فهرس الموضوعات.
стр. 18
* منهج البحث:
اتبعت في هذا البحث المنهج الآتي:
١) الرجوع إلى المصادر الأصيلة في جمع مادة البحث.
٢) التقيد بالألفاظ الشرعية.
٣) الحرص على تدعيم البحث بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم.
٤) الحرص على استيعاب القواعد في هذا الباب، بذكر كل ما نص عليه أهل العلم أنه قاعدة، باللفظ أو بالمعنى.
٥) عزو الآيات القرآنية، بذكر اسم السورة ورقمها، مع كتابتها بالرسم العثماني.
٦) عزو الأحاديث النبوية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه، وإلا عزوته إلى مظانِّه من كتب السُّنة، مع ذكر حكم أهل العلم عليه.
٧) الترجمة للأعلام غير المشهورين الواردة أسماؤهم في البحث ترجمة موجزة.
٨) التعريف بالفرق والطوائف والأماكن والبلدان والقبائل، وكل ما يحتاج إلى تعريف.
٩) شرح المصطلحات العلمية والكلمات الغريبة.
١٠) الالتزام بعلامات الترقيم، وضبط ما يحتاج لضبط.
١١) تذييل البحث بفهارس فنِّيَّة تُسهِّل الاستفادة منه، على النحو المبين في الخطة.
стр. 19
شكر وتقدير
أحمد الله سبحانه وأشكره أولًا، إذ هو مولى كل نعمة، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، حمْدَ من حمْدُه نعمةٌ منه تستوجب حمدًا جديدًا، أحمده حمدًا مزيدًا وشكرًا مديدًا.
ثم أثنِّي بالشكر لوالدي الكريمين، ممتثلًا أمر الرب سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وفقهما الله لكل خير، وصرف عنهما كل شر، وختم لهما بالصالحات من الأعمال.
ثم أشكر شكرًا كبيرًا شيخي الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي، الذي تفضَّل بالإشراف على هذه الرسالة - وذلك من عظيم مِنَّة الله تعالى عليَّ -، والذي لم يبخل علي بعلم ولا وقت ولا جهد ولا خبرة ولا تجربة، مع ما هو عليه من خلق رفيع وأدب جمٍّ، فجزاه الله عني كل خير، ولست أقول هذا مبالغة ولا تقليدًا، بل هو ما علمته عنه وشاهدته منه.
كما أشكر القائمين على الجامعة الإسلامية لما يسر الله سبحانه على أيديهم من الانتساب لهذه الجامعة العريقة، ثم ما يسره من إتمام مرحلة الماجستير من الدراسات العليا.
وأخص بالشكر: كلية الدعوة وأصول الدين، التي أتممت في قسم العقيدة منها هذه المرحلة، ووجدت فيها العون على طلب العلم.
وليس يفوتني أن أشكر كلية الحديث والدراسات الإسلامية، التي تخرجت منها في المرحلة الجامعية.
كما أشكر الشيخين الكريمين: الأستاذ الدكتور عبد القادر محمد عطا
стр. 20
صوفي، والدكتور صالح بن محمد العقيل، اللذين تفضَّلا مشكورين بمناقشة هذه الرسالة.
وأشكر أيضًا كل من أعانني على إتمام الرسالة من مشايخي وإخواني، جزاهم الله عني خيرًا، والحمد لله أولًا وآخرًا.
* * *
стр. 21
التمهيد
مقدمات مهمة في القدر
وتحته أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء.
المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه.
المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر.
المبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه.
стр. 22
المبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء
المطلب الأول: تعريف القدر في اللغة:
القَدَر: مصدر قَدَرَ يَقْدُرُ قَدَرًا، وقد تُسكَّن دالُه، وقَدَرتُ الشيء أَقْدِرُه وأَقْدُرُه، وقدَّرته أُقَدِّره: بمعنى، من التقدير.
ومادة (قَدَرَ) ترجع إلى أصل واحد يدلُّ على مَبْلَغ الشيء وكُنهه ونهايته؛ فالقَدَر: مبلغُ كلِّ شيء (١).
ويأتي القدر في اللغة على معان كثيرة منها: موافَقَة الشيء الشيء، وتهيئته، وتدبير الأمر، وقياس الشيء بالشيء، والقضاء، والحكم، والطاقة، والملك، والغنى واليسار والقوة، والعظمة، والشرف، والتزيين، وتحسين الصورة.
قال الأزهري: "قال [الليث]: وإذا وافَقَ الشيء الشيء، قلت: جاء قَدَرُه" (٢).
وقال: "وقال الليث: قدَّرتُ الشيء، أي: هيَّأته" (٣).
وقال: "والتقدير على وجوه من المعاني: أحدِهما: التروِيَة والتفكير في تسوية أمرٍ وتهيئته، والثاني: تقديره بعلاماتٍ تقطِّعه عليها، والثالث: أن تنويَ
стр. 23
أمرًا بعَقدك؛ تقول: قدَّرتُ أمرَ كذا وكذا، أي: نويته وعقدتُ عليه.
ويقال: قَدّرْتُ لأمر كذا وكذا أقدُرُ له وأقدِرُ له قَدْرًا، إذا نظرتُ فيه ودبَّرتُه وقايَستُه. . . وقال شمِر: يقال: قدَرتُ، أي: هيّأت، وقدَرتُ، أي: أطقْتُ، وقَدَّرْتُ، أي: وقَّتُّ وقدَرتُ: ملكْتُ" (١).
وقال ابن سيده: "القَدْر: القضاء والحكم؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: أي الحكْم" (٢).
وقال الفيروزآبادي: "القَدَر محرَّكة: القضاء والحكْم ومَبْلَغ الشيء، ويُضَمُّ كالمقدار والطاقة كالقَدْر فيهما. . . والقَدْر: الغنى واليسار والقوّة" (٣).
وقال الزَّبيدي: "والقَدْر: التعظيم، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: ما عظَّموا الله حق تعظيمه. والقَدْر: تدبير الأمر، يقال: قدَرَه يقدِره - بالكسر - أي: دبَّرَه. والقَدْر: قياس الشيء بالشيء يقال: قدَره به قدْرًا، وقدَّره، إذا قاسه. ويقال أيضًا: قَدَرت لأمر كذا أقدِرُ له: بهذا المعنى. . . والقَدْر: الشرف، والعظمة، والتَّزيين، وتحسين الصورة" (٤).
هذه هي المعاني اللغوية التي ذكرت لكلمة "القدر".
стр. 24
المطلب الثاني: تعريف القدر في الشرع:
تنوعت عبارات أهل العلم في بيان معنى القدر في الشرع.
- فقال شيخ الإسلام ﵀: "وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه" (١).
- وقال النووي ﵀: "ومعناه: أن الله ﵎ قدَّر الأشياء في القِدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها " (٢).
- وقال ابن القيم ﵀: "فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته" (٣).
- وقال ابن كثير ﵀: "هو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها" (٤).
- وقال ابن حجر ﵀: "المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجَدَ ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدَثٍ صادرٌ عن علمه وقدرته وإرادته" (٥).
- وقال السَّفاريني ﵀: "القدر عند السلف: ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدر مقادير الخلائق وما يكون من
стр. 25
الأشياء قبل أن تكون في الأزل" (١).
وهذه التعريفات متقاربة فيما بينها، إلا أن بعضها أشملُ من بعضٍ وأكثرُ دقةً وتفصيلًا، وأشملُها وأدقُها - مع الإيجاز - تعريف شيخ الإسلام ﵀، فإنه اشتمل على مراتب القدر الأربع، مع التنبيه على مطابقة المقضي الواقع بمشيئته للعلم السابق والكتابة المتقدمة، وأن المرتبتين الأولتين سابقتان للمقدور، وأن الأخيرتين مقارنتان له (٢)، والله أعلم.
стр. 26
المطلب الثالث: الفرق بن القدر والقضاء:
قبل بيان الفرق بينهما يحسُن أن يُعرَّف معنى القضاء لغةً.
فالقضاء: مصدر قَضى يَقْضي قَضَاءً، بالمدِّ ويُقصر؛ وهو في اللغة على ضروب من المعاني؛ كلُّها تَرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامِه، فكل ما أحكم عمله أو أتم أو ختم أو أدي أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضي.
ومن معانيه كذلك: القطع والفصل والصنع والتقدير والحتم والأمر والوصية والعهد (١).
وأما الفرق بينه وبين القدر:
فقبل تحرير الفرق بينهما لا بد من التنبيه على أمرين:
١) أن الخلاف في هذه المسألة يسير ولا يترتب عليه كبير أثر.
٢) أن مجال البحث إنما هو القضاء الكوني القدَري، لا الدِّيني الشرعي.
قد اختلف أهل العلم في الفرق بينهما على قولين:
القول الأول: أنه لا فرق بينهما، أي هما مترادفان، فالقضاء هو القدر، والقدر هو القضاء؛ فإن القدر في اللغة مرجعه إلى مَبْلَغ الشيء وكُنهه ونهايته، والقضاء مرجعه إلى انقطاع الشيء وتمامِه كذلك.
وأيضًا هما كذلك في لسان الشرع؛ فإن الشارع يستعمل أحدهما مكان الآخر، فقد استعملهما جميعًا في التقدير السابق، كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
وهما كذلك في كلام السلف، ومن ذلك:
стр. 27
- قول الحسن بن علي ﵄: "قُضي القضاء، وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا" (١).
- قول الحسن البصري ﵀: "جفَّ القلم، ومضى القضاء، وتمَّ القدر، بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وبسعادة من عمل واتقى، وبشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالتَّبْرئة من الله للمشركين" (٢).
فهذان الإمامان قد عبَّرا بالقضاء مكان القدر؛ مما يدل على أنه لا فرق بينهما عندهم.
وأيضًا هما كذلك في لسان الناس؛ فإنهم ما يزالون يقولون: هذا قدر الله، وهذا قضاء الله، وهذا قضاء الله وقدره.
القول الثاني: أن بينهما فرقًا، وقد اختلف أصحاب هذا القول في ماهية هذا الفرق، فقال بعضهم: الفرق هو أن القدر سابق على القضاء؛ فالقدر هو ما قدَّره الله في الأزل أن يكون على ما سبق به علمه، والقضاء هو وقوع ذلك المقضي على وفق ما قُدِّر سابقًا.
قال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع" (٣).
وقال مرعي الكرمي ﵀: "القدر عبارة عن سبق علم الله تعالى
стр. 28
بالمقدور. . . والقضاء عبارة عن خلق الله تعالى لذلك المقدور" (١).
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].
قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها" (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فرغ من خلقهن سبعَ سمواتٍ في يومين (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي: فُرِغ منه؛ فأُدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ (٤).
وقيل العكس، أن القضاء سابق على القدر.
قال الكَفوي ﵀: "القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد. . . والقدر هو تفصيل هذا
стр. 29
الحكم" (١).
وقال الجُرجَاني ﵀ (٢): "والفرق بين القدر والقضاء: هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها" (٣).
وقال: "القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال" (٤).
وقال ابن حجر ﵀: "وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلِّي الإجمالي في الأزل، والقدَر جزئياتُ ذلك الحكم وتفاصيلُه" (٥).
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
قال ابن عباس ﵄: " ﴿أَجَلًا﴾: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: الآخرة" (٦).
стр. 30
وهذا في القدر السابق بلا إشكال، ولذلك قال ابن كثير ﵀ بعد حكاية هذا القول عن ابن عباس وغيرِه: "وقول الحسن في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: ما بين أن يموت إلى أن يبعث: وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص؛ وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام؛ وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
قال ابن كثير ﵀: "يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرةً واحدةً فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد" (٢).
والأظهر في ذلك والله أعلم أن القضاء والقدر من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت (٣)، وهذا هو جواب ما جاء في النصوص من إطلاق القضاء مكان القدر.
فإذا اجتمعا؛ فيراد بالقدر: التقدير السابق، ويراد بالقضاء: وقوع المقضي على وفق ذلك التقدير.
ومع ذلك فهما متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر.
قال الخطابي ﵀: "وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك
стр. 31
أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (١).
стр. 32
المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه
الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، وأصلٌ عظيمٌ من أصوله التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، كما في حديث جبريل ﵇ الطويل وفيه: قال فأخبرني عن الإيمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره) (١).
وقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ثبوت القدر ووجوب الإيمان به.
فمن أدلة الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
قال القرطبي ﵀: "أي قدَّر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوٍ وغفلةٍ، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة، فهو الخالق المقدِّر" (٢).
- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].
стр. 33
قال ابن كثير ﵀: "وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه" (١).
- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدَّرناه وقضيناه" (٢).
وسبق قول ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها" (٣).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
ومن أدلة السنة:
- حديث جبريل المتقدم (٤).
- حديث جابر ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما
стр. 34
أخطأه لم يكن ليصيبه) (١).
- حديث علي ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع؛ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) (٢).
- حديث أبي الدرداء ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لكل شيء حقيقة؛ وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه) (٣).
- حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني) (٤).
стр. 35
- عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشِيت أن يُفسِد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبَيَّ بن كعب ﵁ فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشِيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قُبِل منك حتى تؤمن بالقدر؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن متَّ على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أُبَيٌّ، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة.
فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال، وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله.
فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قبِله منك حتى تؤمن بالقدر كله؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار) (١).
стр. 36
إلى غير ذلك من الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، وأما الأحاديث في إثبات القدر عمومًا فكثيرة جدًا (١)، وكذا الآيات والأحاديث الخاصة بكل مرتبة من مراتب القدر، بل كل دليل على التوحيد فهو دليل على القَدَر؛ قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد؛ قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبُه التوحيدَ (٢) " (٣).
وذلك أن الإيمان بالقدر له مساسٌ بأقسام التوحيد الثلاثة (٤)، فـ "من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه" (٥).
وأما الإجماع:
فقد حكاه غير واحد من أهل العلم؛ ومنهم:
- اللالكائي ﵀، فقد قال - بعد حكاية قصة عمر ﵁ مع الجاثَليق (٦) مستدلًّا بها على الإجماع وفي آخرها: "فتفرق الناس وما يختلف في
стр. 37
القدر اثنان" - قال: "فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار فهو في هذه المسألة، فمن خالف قوله فيها فهو معاند مشاقق يلحق به الوعيد، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] " (١).
- النووي ﵀، قال: "وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله " (٢).
- وقال شيخ الإسلام: "أهل السنة متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير" (٣).
- ابن حجر ﵀، قال: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (٤).
وأما آثار السلف في هذا فكثيرة أيضًا، ومنها:
- أثر علي ﵁ قال: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظانّ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن
стр. 38
ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله" (١).
- أثر ابن مسعود ﵁ قال: "لن يجد رجل طعم الإيمان - ووضع يده على فيه - حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث" (٢).
- أثر ابن عباس ﵄ قال: "القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحَّد الله تعالى وكذب بالقدر نقضَ التوحيد" (٣).
- أثر الحسن ﵀ قال: "من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام" (٤).
- أثر زيد بن أسلم ﵀ قال: "القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله " (٥).
- أثر مالك ﵀ قال: "ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لكفى بها حجة" (٦).
والحاصل أن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف ﵃.
стр. 39
المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر
للإيمان بالقدر ثمراتٌ جليلةٌ، تعود على المؤمن بأعظم المنافع، وأكبر المكاسب.
ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: ثمرات أخروية؛ هي غاية مطلوب المؤمِن، وأسمى مقاصده.
الثاني: ثمرات دنيوية؛ هي من عاجل ثواب الله للمؤمن، وكلتاهما محف فضل الله ومنته .
أما الثمرات الأخروية: فهي الفوز برضا الله ، ودخول جنته، ولذَّة النَّظر إلى وجهه الكريم، وهذه ثمرة تتحصَّل - بإذن الله - من الإيمان بالأركان السِّتة مجتمعة؛ التي منها الإيمان بالقدر.
وأما الثمرات الدنيوية فكثيرة جدًا، ومنها:
١) تحقيق صحة الإيمان، لأن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها - كما تقدم -.
٢) تحقيق العبودية لله والاجتهاد في طاعته، يدلُّ على ذلك:
ما رواه جابر ﵁ أن سُرَاقة بن جُعشُم ﵁ قال: يا رسول الله! أخبرنا عن أمرنا كأنا ننظر إليه؛ أبما جرَت به الأقلام وثبتت به المقادير، أو بما
стр. 40
يستأنف؟ قال: (لا بل بما جرَت به الأقلام وثبَتَت به المقادير). قال: ففيمَ العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل ميسر).
قال سُرَاقة ﵁: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (١).
بيان ذلك: أن المقدور إنما يُنال بالسَّبب الذي نصَبَه الله ليوصَل به إليه، فإذا أتى العبد بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبَق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهاده في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا يدل على جلالة فقه الصحابة، ودِقَّة أفهامهم، وصحَّة علومهم (٢).
وما رواه أبو نعامة السعدي قال: "كنا عند أبي عثمان النَّهدي، فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا منِّي بآخره، فقال: ثَبَّتَك الله! كنا عند سلمان فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، قال سلمان: ثَبَّتَك الله تعالى، إن الله تعالى لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج ما هو كائن إلى يوم القيامة، خلق الذكر والأنثى، والشقاوة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، فَمِن عَلَم السعادة فعلُ الخير ومجالسُ الخير، ومن عَلَم الشقاوة فعلُ الشر ومجالسُ الشر" (٣).
قال ابن القيم ﵀: "وذلك لأنه إذا كان قد سبَق له من الله سابقة وهيَّأه ويسَّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظمَ من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبَقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها