← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إلى غير ذلك من الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، وأما الأحاديث في إثبات القدر عمومًا فكثيرة جدًا (١)، وكذا الآيات والأحاديث الخاصة بكل مرتبة من مراتب القدر، بل كل دليل على التوحيد فهو دليل على القَدَر؛ قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد؛ قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبُه التوحيدَ (٢) " (٣). وذلك أن الإيمان بالقدر له مساسٌ بأقسام التوحيد الثلاثة (٤)، فـ "من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه" (٥). وأما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم؛ ومنهم: - اللالكائي ﵀، فقد قال - بعد حكاية قصة عمر ﵁ مع الجاثَليق (٦) مستدلًّا بها على الإجماع وفي آخرها: "فتفرق الناس وما يختلف في

стр. 37

القدر اثنان" - قال: "فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار فهو في هذه المسألة، فمن خالف قوله فيها فهو معاند مشاقق يلحق به الوعيد، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] " (١). - النووي ﵀، قال: "وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله " (٢). - وقال شيخ الإسلام: "أهل السنة متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير" (٣). - ابن حجر ﵀، قال: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (٤). وأما آثار السلف في هذا فكثيرة أيضًا، ومنها: - أثر علي ﵁ قال: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظانّ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن

стр. 38

ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله" (١). - أثر ابن مسعود ﵁ قال: "لن يجد رجل طعم الإيمان - ووضع يده على فيه - حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث" (٢). - أثر ابن عباس ﵄ قال: "القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحَّد الله تعالى وكذب بالقدر نقضَ التوحيد" (٣). - أثر الحسن ﵀ قال: "من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام" (٤). - أثر زيد بن أسلم ﵀ قال: "القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله " (٥). - أثر مالك ﵀ قال: "ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لكفى بها حجة" (٦). والحاصل أن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف ﵃.

стр. 39

المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر للإيمان بالقدر ثمراتٌ جليلةٌ، تعود على المؤمن بأعظم المنافع، وأكبر المكاسب. ويمكن تقسيمها إلى قسمين: الأول: ثمرات أخروية؛ هي غاية مطلوب المؤمِن، وأسمى مقاصده. الثاني: ثمرات دنيوية؛ هي من عاجل ثواب الله للمؤمن، وكلتاهما محف فضل الله ومنته . أما الثمرات الأخروية: فهي الفوز برضا الله ، ودخول جنته، ولذَّة النَّظر إلى وجهه الكريم، وهذه ثمرة تتحصَّل - بإذن الله - من الإيمان بالأركان السِّتة مجتمعة؛ التي منها الإيمان بالقدر. وأما الثمرات الدنيوية فكثيرة جدًا، ومنها: ١) تحقيق صحة الإيمان، لأن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها - كما تقدم -. ٢) تحقيق العبودية لله والاجتهاد في طاعته، يدلُّ على ذلك: ما رواه جابر ﵁ أن سُرَاقة بن جُعشُم ﵁ قال: يا رسول الله! أخبرنا عن أمرنا كأنا ننظر إليه؛ أبما جرَت به الأقلام وثبتت به المقادير، أو بما

стр. 40

يستأنف؟ قال: (لا بل بما جرَت به الأقلام وثبَتَت به المقادير). قال: ففيمَ العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل ميسر). قال سُرَاقة ﵁: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (١). بيان ذلك: أن المقدور إنما يُنال بالسَّبب الذي نصَبَه الله ليوصَل به إليه، فإذا أتى العبد بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبَق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهاده في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا يدل على جلالة فقه الصحابة، ودِقَّة أفهامهم، وصحَّة علومهم (٢). وما رواه أبو نعامة السعدي قال: "كنا عند أبي عثمان النَّهدي، فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا منِّي بآخره، فقال: ثَبَّتَك الله! كنا عند سلمان فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، قال سلمان: ثَبَّتَك الله تعالى، إن الله تعالى لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج ما هو كائن إلى يوم القيامة، خلق الذكر والأنثى، والشقاوة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، فَمِن عَلَم السعادة فعلُ الخير ومجالسُ الخير، ومن عَلَم الشقاوة فعلُ الشر ومجالسُ الشر" (٣). قال ابن القيم ﵀: "وذلك لأنه إذا كان قد سبَق له من الله سابقة وهيَّأه ويسَّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظمَ من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبَقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها

стр. 41

الله وشاءها وكتبها وقدرها، وهيَّأ له أسبابها لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وَجوده السابق فسبَق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها، فالمؤمن أشد فرحًا بذلك من كون أمره مجعولًا إليه" (١). ٣) تحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضارِّ، إذ يوْقِن المؤمن بالقدر بأنه مقدِّر الأسباب والمسبَّبات. ٤) تحقيق شكر الله وعدم الإعجاب بالنفس عند حصول المطلوب، لأنه إنما حصل بتوفيق الله وفضله بما يسَّره ووفَّق له من أسباب ذلك المراد، كما قال عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، أي: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الذي أَكسَبَنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنَّا، وما كنا لنرشُد لذلك لولا أن أرشَدَنا الله له ووفَّقنا بمنِّه وطَوْله (٢). ٥) دوام انشراح الصدر وطمأنينة القلب في كل حال يكون عليها المرء، سرَّاءَ كانت أم ضراء، فالمؤمن بالقدر في السَّراء شاكر، وفي الضراء صابر، كما بَيَّن ذلك النَّبيُّ ﷺ بقوله: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأَحَد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبَر فكان خيرًا له) (٣).

стр. 42

٦) تسلية النفس وعدم القلق والضَّجر عند فوات المراد أو وقوع المكروه، لأن ذلك إنما كان بقضاء الله وقدره (١)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسَلِّم" (٢). إلى غير ذلك من الثمرات النافعة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه خير مسؤول.

стр. 43

المبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه جاء النهي عن الخوض في القدر في عدة أحاديث مرفوعة، منها: - حديث أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقِئ في وجنتيه الرُّمَّان، فقال: (أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه) (١). - حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفْقَأ في وجهه حبُّ الرُّمَّان من الغضب، فقال: (بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض! بهذا هلكت الأمم قبلكم) قال فقال عبد الله بن عمرو ﵄: ما غَبَطْت نفسي بمجلس تخلَّفت فيه عن رسول الله ﷺ ما غَبَطْت نفسي بذلك المجلس وتخلُّفي عنه (٢). - حديث ثَوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا ذُكِر أصحابي

стр. 44

فأمسكوا، وإذا ذُكِرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِر القدَر فأمسكوا) (١). - حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر) (٢). - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة) (٣). فهذه الأحاديث وما جاء في معناها يُفهم من ظاهرها النهي عن الكلام في القدر، وهذا مشكلٌ لأمور: الأول: أن القدر باب من أبواب العلم الشرعي الذي تُطلب المعرفة به وجوبًا أو استحبابًا، بل هو من أجلِّ أبوابه، فكيف يُنهى عن تعلُّمه؟ الثاني: أنه قد جاء في كثير من النصوص بيان كثير من مسائل القدر، تارة تقريرًا للمعتقد الحق، وأخرى ردًا على المخالفين. الثالث: أن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عن القدر، وخاضوا في معرفته وفي وجوب الإيمان به، فلم يزجرهم عن ذلك القدر، ولم

стр. 45

يترك الجواب عليهم بالقدر الواجب على بيان ذلك (١). الرابع: أن الصحابة ﵃ الذين هم أفهم الناس لمراد الرسول ﷺ قد بيَّنوا هذا الباب للتابعين وأزالوا عنهم الشُّبَه فيه، كما تقدم في قصة ابن الديلمي (٢). الخامس: أن النبي ﷺ قد أخبر في نصوص كثيرة بافتراق أمته، بل رويت عنه ﷺ نصوص خاصة في خروج من يكذِّب بالقدر وذمِّهم والتحذير منهم (٣)، وهذا يقتضي البحث في مسائل القدر لأن الرد عليهم واجب، ولا يتم إلا بذلك. لذا؛ فقد وجَّه أهل العلم ما ورد في الأحاديث السابقة من نهي بعدة توجيهات: الأول: أن النهي محمول على الكلام في القدر بغير علم؛ بل بالظنون والتخرُّصات، وهذا - عدا كونه مفضيًا إلى التنازع والضلال - أمر محرم كما لا يخفى. قال شيخ الإسلام ﵀: "إذ الخوض في ذلك [أي: القدر ومجامعته للشرع] بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم ولهذا نهى النبي ﷺ

стр. 46

أصحابه عن التنازع فيه" (١). وقال ﵀: "وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بيَّنه الله ورسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد تكلم بما يظنه علمًا إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه ويكون كلامًا بلا علم" (٢). الثاني: أن النهي محمول على ضرب النصوص بعضها ببعض، ومعارضة حق بحق، فإن ذلك يقتضي التكذيب بأحد الحقين أو الاشتباه والحيرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق. ويشهد لهذا: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ المتقدم، وفي لفظ آخر: أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج كأنما فُقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "بهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ها هنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا" (٣) (٤). الثالث: أن النهي محمول على التنازع المفضي إلى التفرق والفتنة، ويشهد لهذا

стр. 47

حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه) (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "وقد كرِه النبي ﷺ من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق؛ فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان. . ." (٢). الرابع: أن النهي محمول في طائفة من تلك الأحاديث على مجاراة المبتدعة في القدر، والكلام فيه على أصولهم، على وجه يؤدي إلى إثارة الشر والشك، كأن يقال: كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها وعذَّب عليها؟ ويشهد لذلك: حديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم: (أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة) (٣) (٤). الخامس: أن النهي محمول على التألِّي على الله والتكلف في تعيين قدره بغير وحي منه، كأن يقال: يغفر الله لفلان ولا يغفر لفلان، ويرزق الله فلانًا ولا يرزق فلانًا، ونحو ذلك (٥).

стр. 48

السادس: أن النهي محمول على تكلُّف البحث عما طوى الله عنا علمه ولم يخاطبنا به (١)، كتكلُّف البحث في تعليل أفعال الله ، وكونه أحيا وأمات، وأضل وهدى، ونحو ذلك، قال شيخ الإسلام في تائيته (٢): وأصل ضلال الخلق من كل فرقة … هو الخوض في فعل الإله بعلةِ فإنهمُ لم يفهموا حكمة له … فصاروا على نوع من الجاهليةِ ويدل عليه قوله ﷺ : (أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟) (٣). السابع: أن النهي محمول على من ليس من أهل العلم بهذا الشأن، فلا يؤمن على من هذا حاله أن ينحرف إذا خاض فيه (٤). والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا تنافيَ بين هذه الأقوال، ولا مانع من حمل النهي عليها جميعًا. وأما الخوض في القدر بحق على جهة التعلم والتعرُّف لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به بعد معرفته على الوجه المشروع؛ فإن هذا لم ينهَ عنه الشرع (٥)؛ بل هو مطلوب مأمور به؛ لأن ما يبحثه أهل العلم - من أهل السنة والجماعة - في هذا الباب مستفاد من نصوص الكتاب والسنة؛ وعليه فالبحث فيه هو من جملة تدبر النصوص والتَّفقُّه فيها؛ ولا ينازع أحد في مشروعية ذلك.

стр. 49

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وكذا تعلمه ردًا على المخالفين ودفعًا لشبهاتهم. ويؤيد ما سبق - مع ما تقدم إيراده على ما يُفهم من ظاهر أحاديث النهي -: - أثر ابن عباس ﵄ في خروج عمر ﵁ إلى الشام؛ وفيه: "فنادى عمر في الناس: إني مُصَبِّح على ظهر فأصبِحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدَر الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفِرُّ من قدَر الله إلى قدَر الله. أرأيت لو كانت لك إبِل هبطت واديًا له عُدْوَتان؛ إحداهما خَصِبة، والأخرى جَدْبة أليس إن رعيت الخَصِبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجَدْبة رعيتها بقدر الله؟ " (١). فأنكر أبو عبيدة على عمر ﵄ إرادته الانصراف رغبة في نجاته ومن معه من المسلمين محتجًّا عليه بأن الوباء لا يصيب إلا من قدَّر الله أن يصيبه، وأنه لا ينجو منه من قدَّر له أن لا يصيبه، وأجاب عمر ﵁ بأن انصرافه ليس هروبًا مما قد قُدِّر عليه، وإنما رجوعًا عما يخاف أن يكون قد قُدِّر عليه من الوباء إن وصل، إلى ما يرجو أن يكون قد قُدِّر له من السلامة إن رجع (٢). فهذه المناظرة بينهما في القدر والأسباب دليل على جواز ذلك، ولهذا قال ابن عبد البر ﵀: "وفيه دليل على إثبات المناظرة والمجادلة عند الخلاف في

стр. 50

النوازل والأحكام، ألا ترى إلى قول أبي عبيدة لعمر رحمهما الله تعالى: تفر من قدر الله؟ فقال: نعم أفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، ثم قال له: أرأيت، فقايسه وناظره بما يشبه في مسألته" (١). - ويدل عليه كذلك: ما رواه مسلم عن أبي الأسود الدِّئَلي قال: "قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم، قال فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزُر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ ". . . الحديث (٢). ففي هذا الحديث يناظر عمران ﵁ أبا الأسود ﵀ في هذا الباب ليعلمه، وليمتحن عقله وفهمه. قال القاضي عياض ﵀: "وفيه جواز كلام أهل العلم في هذا الباب، وتحاججهم ومناظرتهم لإظهار الحجج، لا للجدل، والمراد المغالبة (٣) " (٤).

стр. 51

- ويدل عليه كذلك: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى؛ فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ : فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى) (١). قال ابن عبد البر ﵀: "في هذا الحديث من الفقه إثبات الحِجاج والمناظرة، وإباحة ذلك إذا كان طلبًا للحق وظهوره" (٢). ومع ذلك فلا بد للباحث في هذا الباب من تقديم النية الحسنة واستحضار الإخلاص لله ، وأن يكون القصد من البحث الوصول إلى الحق، مع التمسك الشَّديد بأصول أهل السنة والجماعة في الاستدلال، والحذر من القول على الله بغير علم. وهذا وإن كان مطلوبًا من الباحث في كل ما يدرسه من مسائل الاعتقاد إلا أنه في هذا الباب أشد تأكدًا. ومن نفيس كلام ابن الوزير ﵀ قولُه - بعد أن تعرض لهذه المسألة ووجَّه ما ورد فيها من النهي -: "ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاء العقلاء لا يكون إلا مصحوبًا بحسن النية، وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقف على القول بغير دراية، والفكر الطويل،

стр. 52

وتحري الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها وتطَلُّب المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصر فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة" (١). وبهذا يتبين أن ما جاء في النصوص من النهي عن الخوض في القدر ليس على إطلاقه، وإنما هو محمول على أحوال وأوصاف خاصة، والله أعلم.

стр. 53

الفصل الأول: القواعد العامة المتعلقة بالقدر وتحته تسعة مباحث: المبحث الأول: "القدر سِرّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه". المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ ". المبحث الثالث: "الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق". المبحث الرابع: "علم الله سبحانه شامل لكل شيء". المبحث الخامس: "علم الظهور لا ينافي علم الله السابق". المبحث السادس: "من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك". المبحث السابع: "ما كتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير وما كتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات". المبحث الثامن: "ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك العكس، وما لا فلا". المبحث التاسع: "الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال".

стр. 54

المبحث الأول: "القدر سِرّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 55

المبحث الأول: "القدر سِرٌّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه" مضى في المبحث السابق - آخر مباحث التمهيد - إشارة إلى بعض ما يتعلق بهذه القاعدة كوجه من الوجوه التي يحمل عليها ما ورد في النهي عن الخوض في القدر (١)، وفي هذا المبحث أتعرض لدراسة هذا الأمر بصفته قاعدة مستقلةً من القواعد في باب القدر. وكان البدء بهذه القاعدة المهمة والتي تليها لأنه لا بد للباحث من استصحابهما معه في دراسته لكل مسائل القدر. المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. جاءت هذه القاعدة مقرَّرة في كلام السلف بنحو هذه الألفاظ. فعن علي ﵁ أنه قال لمن سأله عن القدر: "سِرّ الله فلا تكَلَّفه" (٢). وعن طاووس ﵀ أنه قال لرجل: "إن القدر سِرّ الله فلا تدخلن فيه" (٣).

стр. 56

بل قد رُوِي هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فرُوي من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: (لا تكلَّموا بشيء من القدر فإنه سِرّ الله، فلا تفشو سِرّ الله)، ولكنه ضعيف (١). ومن حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه: (لا تُفشوا في الكلام - يعني القدر - فإنه سِرّ الله)، وهو ضعيف أيضًا (٢). ومن حديث عائشة ﵂، ولفظه: (القدر سِرّ الله، من تكلم به يسأله عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم به لم يسأل عنه)، وهو ضعيف كذلك (٣). وهذا المعنى - وهو كون القدر سِرّ الله فلا يُتَعمَّق فيه - معنى صحيح، تتابع أهل العلم عليه سواء بهذا اللفظ أو بما يقاربه من المعاني. قال عليُّ بن المدِيني ﵀ (٤): "والكلام في القدر وغيره من السنة

стр. 57

مكروه، ولا يكون صاحبه - وإن أصاب السنة بكلامه - من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالإيمان" (١). وقال الطحاوي ﵀: "وأصل القدر سِرّ الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك ملَك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك، نظرًا وفكرًا ووسوسةً، فإن الله تعالى طوَى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب؛ كان من الكافرين" (٢). وقال البربهاري ﵀: "والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق لأن القدر سِرّ الله" (٣). وقال الآجري ﵀: "لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر؛ لأن القدر سر من سر الله ، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به" (٤). وقال أبو المظَفَّر السَّمعاني ﵀: "القدر سِرّ من سِرّ الله وعلم من

стр. 58

علمه، ضربت دونه الأستار، وكُفَّت عليه الأزرار، واختص الله به علام الغيوب" (١). وقال البغوي ﵀: "والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أن الله خلق الخلق فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلًا" (٢). فهؤلاء الأئمة أطلقوا هذه الكلمة أصلًا كُلِّيًا في باب القدر، مُنَزَّلًا منزلة الدليل على وجوب ترك الخوض فيه - على ما سبق توجيهه - (٣) والله أعلم.

стр. 59

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. يمكن تقسيم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين: عامة وخاصة. أما الخاصة: فقد سبق في المبحث الرابع من التمهيد سياق ما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة والكلام عليها بما أغنى عن إعادته هنا (١). وأما العامة: فهي الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الخوض فيما لا علم للإنسان به، ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. قال محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. . . ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم" (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. قال السعدي ﵀: "في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتَّجَرِّي على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه" (٣).

стр. 60

وأولى ما يدخل في ذلك الكلام في أصول الدين عمومًا بغير علم، وفي القدر على وجه الخصوص لارتباطه الوثيق بأقسام التوحيد الثلاثة، وللنهي الوارد فيه على وجه الخصوص.

стр. 61

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. هذه القاعدة تقرر أصلًا مهمًّا وهو النهيُ عن التكلف والتعمق في باب القدر، وتركُ إعمال العقل فيه بمعزل عن نصوص الشرع. وتضمنت أيضًا التنبيه على أن الطمع مقطوع عن إدراك حقيقته، لأن الله أخفاها عنا، فلا سبيل لنا لمعرفتها وقد أخفاها الله . ومعنى كون القدر سِرّ الله: أي الجانب الخفي منه هو السِّر لا كله، إذ القدر له جانبان: الجانب الأول: جانب ظاهر أمرنا بتعلمه ومعرفته، وهو ما خوطبنا به في الشرع إيمانًا به؛ علمًا وعملًا، وهو أن نعلم ونؤمن أن الأمور كلها بتقدير الله وأن الله سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه كتب كل شيء في اللوح المحفوظ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه. ونعلم كذلك سائر المسائل المندرجة تحت هذه الأصول؛ كأن نعلم أن الخير والشر من الله، وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ووفقهم لأعمال صالحة رضيها؛ أمرهم بها فوفَّقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها وأثابهم الجنة عليها، تفضُّلًا منه ورحمة، وخلق النار وخلق لها أهلًا، أحصاهم عددًا، وعلم ما يكون منهم، وقدَّر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها، غير ظالم لهم ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به.

стр. 62

فكل هذا وأشباهه من علم القدر الذي لزم الخلق علمه والإيمان به، والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. الجانب الثاني: جانب خَفِيٌّ أمرنا بالإيمان به والتسليم لله فيه، وعدم الخوض فيه نظرًا وفكرًا ووسوسةً. فهذا الجانب مما اختص به سبحانه ولم يطلع عليه أحدًا، لا ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًا مرسَلًا (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا قال بعض علماء السلف: (إن الله علم علمًا علَّمه العباد، وعلم علمًا لم يعلِّمه العباد، وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد) (٢)، ورووا في قصة سؤال موسى وعيسى وعزير ربنا ﵎ عن سِرّ القدر، وأنه لو أراد أن يُطاع لأطيع، وقد أمر أن يطاع وهو مع ذلك يُعصى. ومضمون السؤال لو أردت هذا لكان واقعا لأنك قادر عليه، فما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، ثم قد أمرت به والأمر يستلزم محبته وطلبه، فهلا كان المحبوب المطلوب قد أُريد وقوعه، فأوحى الله تعالى إليهم: أن هذا سِرّي فلا تسألوني عن سِرّي، وأن المسيح قال للحواريين: القدر سِرّ الله فلا تكلَّفوه (٣) " (٤).

стр. 63

والخوض في كُنْه حقيقته خوض في كُنْه حقيقة صفات الله ؛ لأن مبناه على صفات الله: العلم والمشيئة والخلق والحكمة وغيرها. فإذا لم يمكنا الاطلاع على علم الله ومشيئته وخلقه وحكمته فكيف يمكننا الاطلاع على القدر؟ قال علي بن المديني ﵀: "وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء، ثم عرضت كلام عبد الرحمن هذا على يحيى بن سعيد فقال: لم يبقَ بعد هذا قليل ولا كثير" (١). وهذا كلام متين جدًا، يظهر فيه ما اختص الله به السلف من مزيد الفهم وعمق العلم وكثرة البركة في الكلام، فهذه الثلاثة من باب واحد، فإذا امتنع العلم بعلم الله وكتابته امتنع العلم بالقدر، لأن القدر مبناه عليهما - مع صفات أُخَر -. وقال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلامه السابق -: "والمقصود التنبيه على أن العقول تعجز عن إدراك كُنْه الغاية المقصودة بالأفعال، كما تعجز عن كُنْه إدراك حقيقة الفاعل" (٢). والبحث في هذا الجانب هو البحث في تعليل أفعال الله على التفصيل، أي تكلف البحث عن العلة فيما يقدره الله ، وكونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيى، وأضل وهدى (٣)، ونحو ذلك.

стр. 64

ويدخل تحت هذا: الخوض في مسائل القدر الأخرى، كمسألة خلق الأفعال، والإرادة، والتحسين والتقبيح ونحوها، ومن هنا يعلم أن سائر المخالفين لأهل السنة في القدر خائضون في القدر الخوض المنهي عنه. ولهذا الخوض صور، منها: أولًا: ضرب النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بعضها ببعض، وتفسيرها بمعزل عن النصوص الأخرى المفسرة لها، وعن فهم السلف، والأصول الثابتة المقررة عند أهل العلم، فيأتي الخائض فينتزع آية من كتاب الله أو جملة من حديث النبي ﷺ بدون النظر فيما يفسرها من سياق أو نص آخر ونحو ذلك، ثم يصادم بها أصلًا شرعيًّا، أو معنى صحيحًا. ثانيًا: إعمال الأقيسة العقلية الفاسدة في فهم هذا الباب، وتقديمها على النصوص وفهم السلف، كمنطق اليونان. وإنما الواجب في هذا الباب وغيره: الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ﵏، كما قال السمعاني ﵀: "سبيل معرفة هذا الباب: التوقيف من قبل الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد المعقول، فمن عدل عن التوقيف في هذا الباب؛ ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب" (١). قال ابن رجب ﵀: "والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى. ويقع التجادل في ذلك. . .

стр. 65

ومنها الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية: كقول القدرية لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالمًا، وقول من خالفهم إن اللهَ جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك" (١). ومعنى التعمُّق: التنطُّع والتكلُّف، والمُتَعَمِّق: المُبالِغ في الأمر المتشَدِّد فيه، الذي يطلب أقصى غايته (٢). والتعمق في هذا الجانب والخوض فيه كان السبب في ضلال من ضل في هذا الباب وانحرافه، قال شيخ الإسلام ﵀ في تائيته في القدر (٣): وأصل ضلال الخلق من كل فرقة … هو الخوض في فعل الإله بعلةِ فإنهمُ لم يفهموا حكمة له … فصاروا على نوع من الجاهليةِ فأصل ضلال الفرق جميعها هو طلبهم للعلة في أفعال الله سبحانه؛ لِمَ خلق كذا، ولِمَ يخلق كذا؟ ولمَ أفقر فلانًا، وأغنى فلانًا؟ ونحو ذلك. وقال الزهري ﵀: "القدر رياض الزندقة؛ فمن دخل فيه هَمْلَج (٤) " (٥). والخوض في القدر - مع كونه منهيًّا عنه - لا يُجدي على صاحبه شيئًا، بل لا يزيده إلا ضلالًا وتحيُّرًا وتهوُّكًا.

стр. 66

قال ابن بطة ﵀: "والناظر فيه [أي الجانب الخفي] كالناظر في عين الشمس؛ كلما ازداد فيه نظرًا ازداد فيه تحيُّرًا، ومن العلم بكيفيتها بُعدًا" (١). وقال ابن عبد البر ﵀: "والقدر سِرّ الله، لا يُدرك بجدال، ولا يشفى منه مقال، والحِجَاج فيه مُرتَجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسرِ شيء وغَلقه، وقد تظاهرت الآثار وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار، بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] " (٢). وهو كذلك سوء أدب مع الله وجرأة عليه، إذ كيف يليق بالمخلوق الضعيف القاصر في علمه وحكمته أن يتطَلَّب ما اختص به الرب الكامل في ذاته وصفاته؟! وهو كذلك انشغال عن المأمور به إلى أمر نُهي عنه. قال المناوي ﵀: "وطلب سِرّ الله تعالى منهي عنه، لما فيه من سوء الأَرَب وعدم الأدب، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سِرّ ما لا يجوز سِرّه" (٣). ثم ليُعلم أن جَعْل الله سبحانه هذا الجانب سرًّا هو رحمة منه بعباده ولطف بهم، ليستقيم لهم التكليف، ولئلَّا يفتتنوا ويفتروا عن العمل، ويتكلوا على مصير الأمر في العاقبة؛ فيكونوا بين أمن أو قنوط، فرحمهم الله،

стр. 67

وعلَّقهم بين الخوف والرجاء ليمتحنهم، وليميز خبيثهم من طيبهم، ولله الحجة البالغة (١). ولهذا قال بعض أهل العلم: سِرّ الله ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها (٢). والحاصل أن للقدر جانبًا خفيًّا اختص الله بعلمه، فلا يجوز لنا البحث عنه ولا الخوض فيه، وهذا هو محل القاعدة وموضوعها، والله أعلم.

стр. 68

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. هذه القاعدة - كما تقدم - أصل عظيم من الأصول التي يجب القيام بها حتى يستقيم الاعتقاد الحق في باب القدر، وهذه القاعدة مبناها على مسألة الحكمة؛ إذ الخوض في القدر هو البحث في تعليل أفعال الله، فمن أثبت الحكمة وآزر هذا الإثبات بالعمل بمقتضى هذه القاعدة نجا وأفلح، ومن خاض في القدر فقد ركب المحظور، فإذا انضم إلى ذلك نفي الحكمة والتعليل فهي الحالقة. ولم يجتمع هذان الأصلان إلا لأهل السنة والجماعة بخاصة، وأما سواهم فهم مخالفون فيهما بين مستقل ومستكثر. ولما كانت مخالفتهم جميعًا من نفس الباب، وهو الخوض في القدر؛ فسأعرض وجه مخالفة كل طائفة، ثم أتبع ذلك برد عام عليهم. فقد خاض الأَشَاعرة (١) في القدر، وتشعبت بهم الطرق في باب الحكمة والتعليل، وخلصوا إلى إنكار حكمة الله سبحانه، وأنه تعالى يفعل لمحض

стр. 69

المشيئة وصرف الإرادة، وأنكروا الأسباب، وبناءً على هذا أنكروا ثبوت صفات في الأفعال بها تحسُن وتقبُح، وجوزوا أن يأمر الله بالكفر والشرك والفسوق وأنواع المخالفات، وأن ينهى عن الإيمان والتوحيد وصنوف الطاعات، وهذا مبني عندهم أيضًا على إنكار ما دلت عليه النصوص من انقسام الإرادة إلى كونية وشرعية (١). وخاض المعْتَزلة (٢) ومن وافقهم في القدر بالباطل، وكان من ثمار هذا الخوض أن أنكروا أن تكون لله سبحانه حكم يرجع إليه منها وصف ويشتق له منها اسم، بل لم يثبتوا إلا حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه، وقالوا باستحقاق المكلفين للثواب والمدح على فعل ما حسن في العقل، واستحقاقهم للذم والعقاب على فعل ما قبح في العقل ولو لم يرد بذلك نص. ثم وقعوا نتيجة خوضهم هذا فيما هو أشد، إذ قاسوا الله سبحانه بخلقه، فأوجبوا اللطف والصلاح والأصلح ونحو ذلك، فاجتمع فيهم نوعان من الخوض المحرم: - الخوض في أفعال الله سبحانه في التعليل.

стр. 70

- قياس أفعال الله سبحانه على أفعال خلقه، فيحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم، فالمعتزلة مشبهة في الأفعال جهمية في الصفات (١). وهذا النوع الثاني وقع فيه الأشاعرة أيضًا، فإنهم ما جوزوا أمر الله بالقبيح ونهيه عن الحسن إلا لما انقدحت في أنفسهم مقالة المعتزلة، فأخذت من نفوسهم مأخذًا، فهرعوا إلى إنكارها، على طريقتهم في مقابلة المعتزلة بالضد، فهما طرفا نقيض في هذا الباب. وخاض الصُّوْفية (٢) هذا الخوض المحرم، وكان من ثمراته عليهم أن أخذوا من معين الأشاعرة نفسه، وهو معين الجَهْم بن صَفْوان (٣) الذي غلا في

стр. 71

الجبر فزعم أن العبد مجبور على فعله، وهو كالريشة في مهب الريح، وأنكر الحكمة، بل هو أول من أنكرهها، وزعم أن المشيئة هي عين الإرادة، فكل ما شاءه فقد أحبه. وستأتي حكاية مذاهب المخالفين لأهل السنة في كل مسألة من هذه المسائل في محلها من البحث إن شاء الله، وإنما المقصود التنبيه على أن الخوض المحرم في القدر جرَّهم إلى مقالات باطلة ومذاهب منحرفة عن مراد الله والرسول؛ فها هنا أمران أصل وفرع، فالأصل هو الخوض المحرم، والفرع هو آحاد تلك المسائل. وأما الرد على هذا الأصل وبيان بطلانه فمن وجوه: أولها: أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت - كما تقدم - على أن الخوضَ في القدر على هذا النحو محرمٌ. الثاني: أن أقوال السلف من الصحابة والتابعين - كما تقدم أيضًا - دلت على حرمة هذا الخوض أيضًا، فاجتمع الكتاب والسنة مع فهم السلف على ذلك، فماذا بعد ذلك من حجة. الثالث: أن الخوض في القدر على هذا النحو هو خوض فيما ليس للعقل فيه مدخل، وما ليس للعقل فيه مدخل، ولا للشرع فيه مدخل؛ فالطرق إليه مسدودة، والخوض فيه تهوُّر وتهوُّك. الرابع: أن انخرام مذهبكم في القدر كله وكذا في أبواب أخرى من الدين إنما كان بسبب هذا الخوض المحرم، في حين أن من سلم منه سلم له مذهبه واطرد، فهذا يدل على بطلان هذا الخوض، إذ هذا فرع عن ذاك كما تقدم.

стр. 72

المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ -" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 73

المبحث الثاني: "الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ورسوله ﷺ " هذه القاعدة تمثل منهجًا مؤصَّلًا للكلام في باب القدر، وأنه ليس بالظنون والتخرُّصات؛ بل إنما يتلقى من مشكاة الوحي المبين، ومن كلام رسوله الأمين ﷺ . المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال الإمام ابن القيم ﵀: "ولما كان الكلام في هذا الباب [يريد باب القدر]- نفيًا وإثباتًا - موقوفًا على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره؛ كان أسعد الناس بالصواب فيه من تلقَّى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهَوِّكين، وتشكيكات المتكلِّمين، وتكلُّفات المتنطِّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين؛ فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ وجمعَتْ وفرَّقَتْ وأوضحَتْ وبيَّنَتْ وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن" (١).

стр. 74

وكون الكلام في القدر موقوفًا على نص الشارع أمرٌ متقررٌ عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة. قال أبو المظفَّر السمعاني: "قد ذكرنا أن سبيل معرفة هذا الباب [أي باب القدر] التوقيف من قبل الكتاب والسنة؛ دون محض القياس ومجرد المعقول، فمن عدَل عن التوقيف في هذا الباب؛ ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب" (١). فتوقيف هذا الباب هو أصل كُلِّي يستصحبه الناظر فيه حتى يكون - بإذن الله - في مأمن من الضلال والقول فيه بغير علم.

стр. 75

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. دل على هذه القاعدة الأدلة العامة على النهي عن القول والجدال في الدين بغير علم، وكذا الأدلة على وجوب اتباع ما جاء به النبي ﷺ دون غيره. فمن أدلة النوع الأول: - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. قال ابن كثير ﵀: "ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" (١). - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]. فنهى عباده عن اتباع خطوات الشيطان، مبينًا لهم أن من مكائده في إغوائهم أن يأمرهم بالقول على الله بغير علم، فدل على تحريمه. قال ابن كثير ﵀: "أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا" (٢). - وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].
следующие страницы →