← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ووجه الدلالة: أنه سبحانه جعل ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سببًا لإصابتهم بالمصيبة، وجعل إرسال الرسول حجة قاطعة لعذرهم في عدم بلوغهم مراده سبحانه، فالمعصية سبب والحجة شرط، فإذا وجد السبب وتحقق الشرط؛ وجد مقتضاهما من العقوبة. وفي هذه الآية حجة كذلك على ثبوت الحسن والقبح قبل الشرع؛ لأن أفعالهم لو لم تكن حسنة وقبيحة لما كانت سببًا للعقوبة (١). قال ابن القيم ﵀: "والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطًا وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه، وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام" (٢). المسألة الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . . مراد أهل السنة بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا في ذاته: أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة، فالحسن سبب للمصلحة، والقبيح سبب للمفسدة، فترتب المصلحة والمفسدة في الفعل عليهما كترتب سائر المسبَّبات على أسبابها، كالرِّي على الشرب، والشبع على الأكل، لكن قد تختلف المصلحة والمفسدة - كسائر المسببات الأخرى - باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن، فالدواء قد يكون نافعًا في حق شخص ضارًّا في حق آخر، ترياقًا في حال، وسمًّا في حال

стр. 737

أخرى، فتخلف المسبب لا يستلزم منه خروج السبب عن اقتضائه لأثره. وأيضًا فكونه ذاتيًّا المراد به أنه وصف للفعل ناشئ عن معنى تضمنه، فالقبح وصف ذاتي للكذب، لأنه متضمن لهدر الحقوق وضياع الأمانات، وفساد معيشة الناس، والحسن وصف ذاتي للعفاف لأنه متضمن حفظ أعراض الناس وأنسابهم، وهكذا. . . (١). ولهذه العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح قسم أهل العلم الأفعال من حيث لزوم الحسن والقبح لها من عدمه إلى قسمين (٢): - ما لا يتغير حسنه وقبحه بحال ولا شخص، كالشرك بالله سبحانه؛ فإنه يقبح من كل أحد وفي كل حال، وكشكر المنعم فإنه حسن من كل أحد وفي كل حال. وضابط هذا القسم أن يكون الفعل واجبًا لنفسه أو محظورًا لنفسه، فالحسن والقبح وصفان لازمان عندئذ، فلا يتغير حكمه ولا يرد الشرع بخلافه. - ما يتغير حسنه وقبحه تبعًا للمصلحة والمفسدة، بتغير الأحوال والأشخاص، فالكذب قبيح في أصله لكنه يحسن إذا كان لدفع شر أكبر منه، كالكذب لدفع القتل عن نبي، وبالمقابل؛ فالصدق حسن في نفسه لكنه يقبح في هذه الحالة. وضابط هذا القسم أن يكون الفعل منوطًا بالمصلحة، فالحسن والقبح فيه عندئذ تابع للمصلحة، حالًا وشخصًا ومكانًا وزمانًا. . . وليس وصفًا لازمًا.

стр. 738

وهذا التغير المنوط بالمصلحة إما أن يرجع إلى صفة الفعل التي بها حسن أو قبح، وإما أن يرجع إلى أمر خارج عنه وهو اختلاف الحال أو الشخص أو الزمان أو المكان. . . (١) قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف، وأن معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنًا في حال قبيحًا في حال" (٢). والحاصل أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، وأنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، وأن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان، والله أعلم.

стр. 739

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف أهل السنة في هذه القاعدة الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية. أما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل لا مدخل له في تحسين شيء ولا تقبيحه، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، فما أمر به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، وما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح. وعند هؤلاء أن الحسن والقبح مستفاد من الشرع لا غير، فلو أمر بالظلم لكان حسنًا، ولو نهى عن البِر لكان قبيحًا. قال الأشعري: "فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه، قيل له: أجل، ولو حسَّنه لكان حسنًا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض" (١). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله أو أباحه لهم" (٢). وقال الباقلاني: "واعلموا أنه ليس تحت وصف فعل المكلف بأنه حسن أو قبيح صفة هو في نفسه عليها يستحقها لذاته وجنسه، أو لمعنى يقوم به، أو لوجه هو في العقل عليه. . . وإنما يجب وصف فعل المكلف بأنه حسن وقبيح: إنه مما حكم الله بحسنه أو قبحه" (٣).

стр. 740

وقال أبو الوَليد البَاجي (١): "ليس في العقل حسنُ حسنٍ ولا حظرُ محظورٍ، ولا إباحة مباح ولا وجوب واجب" (٢). وقال الجويني: "لا يدرك بمجرد العقل حسن ولا قبح على مذهب أهل الحق، وكيف يتحقق درك الحسن والقبح قبل ورود الشرائع مع ما قدمناه من أنه لا معنى للحسن والقبح سوى ورود الشرائع بالذم والمدح، فالحسن إذن على التحقيق هو التحسين، وذلك نفس الشرائع، وكذلك القبح يرجع إلى التقبيح، وهو عين الشرع" (٣). وقال: "ثم من أحكام الشرع: التقبيح والتحسين، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه" (٤). وقال الغزالي: "فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء، بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه، فيكون الحسن والقبح تابعًا للأمر والنهي؛ لا علة ولا متبوعًا" (٥). وقال الآمدي: "مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف

стр. 741

بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح" (١). وقال الإيجي: "القبيح ما نُهي عنه شرعًا، والحسن بخلافه، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدًا إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين، ولو عكس القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر" (٢). واستدل الأشاعرة على مذهبهم بأدلة شرعية وشبه عقلية. أما الأدلة الشرعية؛ فمنها: - قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. - قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. - قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]. وجه الدلالة من هذه الآيات أن الله سبحانه لا يعذب إلا بعد قيام الحجة على الناس بإرسال الرسل وبيان الشرع، فلو كانت الأحكام مدركها العقل للزم أن تقوم الحجة على الخلق بذلك، وللزم أن يستحقوا الثواب والعقاب بدون بعثة الرسل (٣).

стр. 742

وأما الأدلة العقلية؛ فمنها: أولًا: أن العبد مجبور في أفعاله، وإذا كان كذلك؛ لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، لأن ما ليس فعلًا اختياريًّا لا يتصف بهذه الصفات بالاتفاق. وهذا الدليل هو الذي اعتمده الرازي (١). ثانيًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الفعل للزم قيام العرَض بالعرَض، وهو باطل، بيان ذلك: أن الحسن أو القبح صفتان للفعل، وهما زائدتان عليه، إذ قد يعقل الفعل ولا يعقل كونه حسنًا أو قبيحًا، وهما وجوديان لأن نقيضيهما عدميان، فإذا كانا ذاتيين للفعل، وهما مع ذلك وصفان وجوديان زائدان ليسا من ماهية الفعل؛ بل قائمان به؛ فيلزم من ذلك قيام العرَض بالعَرض، وهو باطل، فثبت بهذا أن ليس للفعل من ذاته صفة حسن ولا قبح. وهذا الدليل هو الذي اعتمده الآمدي (٢). ثالثًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الأفعال لما كان الفعل حسنًا في حال وقبيحًا في حال والفعل هو هو، مثال ذلك: الكذب لدفع القتل عن نبي، فالكذب حسن في هذه الحال، بينما هو في حاله الأصلي: قبيح، وكذا القتل؛ يحسن إذا كان قصاصًا، ويقبح إذا كان اعتداءً، والكذب والقتل هما هما، فإذا كان الفعل يقبح في حال ويحسن في حال؛ فليس له من نفسه حسن ولا قبح. وأيضًا لو كانا ذاتيين لَلَزم اجتماع النقيضين في شيء واحد، مثال ذلك:

стр. 743

أنه إذا قال واحد: لأكذبن غدًا، فإذا حضر الغد، فإما أن يكذب أو لا. فإن كذب لزم حسن ذلك لكونه مستلزمًا لصدق الخبر، والمستلزم للحسن حسن، وهو قبيح لكونه كذبًا، فاجتمع فيه الحسن والقبح. وإن لم يكذب؛ فهو حسن لأن الكذب قبيح وتركه حسن، وهو قبيح من جهة كذبه فيما أخبر به، فاجتمع فيه كذلك الحسن والقبح، فاجتماع النقيضين موجب لنفي ذاتية الحسن والقبح. وهذا الدليل هو الذي اعتمده أبو المعالي الجويني (١). والجواب عما استدلوا به: أما الآيات؛ فلا دليل لهم فيها على نفي الحسن والقبح في الأفعال، إذ فيها أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا بسوء صنعه إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة، وهذا غير ناف لكون الأفعال المعذَّب عليها قبل البعثة قبيحة في نفسها، ففرق بين ثبوت قبح الشيء واستحقاق العقوبة عليه، بل هذه الآيات دليل عليهم؛ إذ مضمونها أنها قبائح في نفسها، لأنها لو لم تكن قبائح لما كانت سببًا للعقوبة التي حال دونها عدم قيام الحجة، فالآيات دالة على الأصلين: - ثبوت القبح في ذات الأفعال. - أنه لا عقوبة على القبائح إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة (٢). ثم قد تقدم في المطلب الأول من الآيات ما يدل على ثبوت الحسن

стр. 744

والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، فآيات القرآن دالة على المذهب الحق لا على ما ذهب إليه الأشاعرة. وأما الأدلة العقلية: أما الدليل الأول؛ فجوابه من وجوه: الأول: أن هذا يتضمن التسوية بين الأفعال الاضطرارية والأفعال الاختيارية، وهذا باطل بالضرورة، وإذا كان كذلك لم يصح الاستدلال به. الثاني: أنه لو صح الدليل المذكور لَلَزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم الوارد في أفعال العبد يرد في أفعال الله، وهذا باطل. الثالث: أنه لو كان فعل العبد ضروريًّا أو اتفاقيًّا لَلَزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن الفعل الضروري أو الاتفاقي لا يحسنه الشرع ولا يقبحه، لأنه لا يرد بالتكليف به فضلًا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح. الرابع: أن هذا الدليل لو صح لَلَزم بطلان الشرائع والتكاليف جملة، لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، وإذا كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهي بها (١). وأما الدليل الثاني؛ فبطلانه كذلك من وجوه: الأول: أن قيام العرَض بالعرَض أمر واقع غير مدفوع، وهو منقوض بما لا يحصى من المعاني التي توصف بالمعاني، كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة وحركة سريعة وحر شديد ونحو ذلك.

стр. 745

الثاني: أن قيام العرض بالعرض تبعًا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل غير ممتنع، لأن الحال حينئذ أن العرضين جميعًا قائمان بالمحل؛ أحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابعان للمحل. الثالث: أنه لو صح قولكم بأن العرض لا يقوم بالعرض للزم منه بطلان الحسن والقبح الشرعيين، لأنهما كذلك وصفان وجوديان زائدان على الفعل، فالقول فيهما كالقول في الحسن والقبح العقليين (١). وأما الدليل الثالث؛ فمن أفسد الأدلة، وهو منقوض من وجوه: الأول: أننا لا نعني بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال، مثل كون الحركة حركة والسواد لونًا، وإنما نعني بذلك أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها، كترتب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها عليها، فإن ترتب آثار هذه المسببات على أسبابها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل ووجود المعارض، فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لا تخرجه عن كونه مقتضيًا لذلك حتى يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف (٢). الثاني: أن اقتضاء الذات الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين جائز، كاللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن، ويقتضي

стр. 746

المرض بشرط كون الجسم محمومًا ونحوه، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فالحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين، والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر (١). وأما ما مثَّلوا به من حسن الكذب لعصمة دم نبي فهو تمثيل باطل لأمرين: أولًا: أن الكذب في ذاته قبيح لم يخرج عن كونه قبيحًا، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية (٢). ثانيًا: أن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا يخرجه عن كونه قبيحًا لذاته - كما تقدم تقريره - كلحم الخنزير؛ فإن تحريمه ناشئ من ذاته، وتخلف هذا التحريم عند الضرورة لا يوجب عدم اقتضائها للمفسدة التي حرِّم بسببها (٣). وأما ما مثَّلوا به من حسن القتل للحد وقبحه للاعتداء؛ فمردود بكون القتل واحدًا بالنوع، فما كان منه ظلمًا كان قبيحًا، وما كان عدلًا كان حسنًا، فلم يرجع الحسن والقبح فيه إلى واحد بالعين، ونظير هذا: السجود؛ فإنه حسن إن كان لله سبحانه، وقبيح إذا كان لغيره (٤). وأما ما مثَّلوا به من قول القائل: لأكذبن غدًا. . .؛ فمردود باختلاف جهتي الحسن والقبح، فإن القائل إذا كذب كان كذبه قبيحًا بالنظر إلى ذاته

стр. 747

وحسنًا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول، وإذا لم يكذب كان صدقه حسنًا بالنظر إلى ذاته قبيحًا بالنظر إلى تضمنه كذب الخبر الأول، فجهة الحسن فيه مختلفة عن جهة القبح فيه (١). وأما المعتزلة؛ فمذهبهم مقابل لمذهب الأشاعرة، فقد ذهبوا إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل. والأفعال عندهم بحسب معرفة طريق حسنها وقبحها ثلاثة أقسام: الأول: ما طريق معرفته ضروري يعلمه العاقل بالاضطرار، ولا يفتقر فيه إلى السمع، وهو أصول المقبحات والمحسنات والواجبات، وهو من جملة كمال العقل، إذ أنه لو لم يكن معلومًا بالعقل لصار غير معلوم أبدًا، لأن النظر والاستدلال لا يتأتى إلا ممن هو كامل العقل، ولا يكون كذلك إلا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء ليتوجه عليه التكليف. ويدخل فيه كل ما تمحض فيه وجه المصلحة أو وجه المفسدة. مثال ذلك: العلم بقبح الظلم وقبح كفر النعمة وقبح الجهل، وحسن أضدادها. وهذا القسم غير محتاج في معرفة حسنه وقبحه إلى السمع، لأن عليه دليلًا معلومًا من جهة العقل، إذ يمكنه أن ينظر فيه فيعرف المدلول. الثاني: ما طريق معرفته مكتسب، ويعرف بالنظر والاستدلال، وهو ما لم تتمحض فيه جهة المصلحة أو جهة المفسدة. ومثاله: الكذب النافع، أو الصدق الضار.

стр. 748

الثالث: ما طريق معرفته السمع ولا مدخل للضرورة في شيء منه. مثاله: حسن الصلاة والصيام، وقبح الزنا والخمر. وقد أشار إلى هذا التقسيم: القاضي عبد الجبار (١)، وذكر نحوًا منه أبو الحسين البصري المعتزلي فقال: "اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل: إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل. - وأما المعلومة بالعقل فقط: فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفًا على العلم به، كالمعرفة بالله وبصفاته وأنه غني لا يفعل القبيح. . . - فأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل: فهو كل ما كان في العقل دليل عليه ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، كالعلم بأن الله واحد لا ثاني له في حكمته. . . وكذلك وجوب رد الوديعة والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد. - فأما ما يعلم بالشرع وحده: فهو ما في السمع دليل عليه دون العقل، كالمصالح والمفاسد الشرعية وما له تعلق بهما. أما المصالح والمفاسد الشرعية فهي كالأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة نحو كون الصلاة واجبة وشرب الخمر حرامًا وغير ذلك. . . وأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية؛ فهي طرق الأحكام الشرعية كالأدلة والأمارات وأسباب هذه الأحكام وعللها وشروطها" (٢).

стр. 749

والأمور المعروفة حسنًا وقبحًا بالشرع تعرف بالعقل إذا عُرف اشتمالها على مصلحة أو مفسدة. قال القاضي عبد الجبار: "فإذا عرفنا في شيء من الأشياء أنه مفسدة بالشرع عرفنا قبحه بالعقل، كما إذا عرفنا أن في شيء من الأشياء دفعًا للضرر عرفنا وجوبه عقلًا" (١). فالشرع عندهم كاشف عن الحسن والقبح فيما أُمر به ونُهي عنه، فلم يعطِ ما كشف عن حسنه حسنًا ليس فيه، كما لم يعطِ ما كشف عن قبحه قبحًا ليس فيه. وأما ما عرف حسنه وقبحه بالضرورة أو الاستدلال فالشرع مؤيد لما عُلم بالعقل من حسنه وقبحه. قال القاضي عبد الجبار: "وإنما يكشف السمع من حال هذه الأفعال عما لو عرفناه بالعقل لعلمنا قبحه أو حسنه. . . ولذلك نقول: إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه، وإنما يكشف عن حال الفعل على طريق الدلالة كالعقل" (٢). وقال أيضًا: "واعلم أن النهي الوارد عن الله يكشف عن قبح القبيح لا أنه يوجب قبحه، وكذلك الأمر يكشف عن حسنه لا أنه يوجبه" (٣). بل جعلوا أمر الشارع ونهيه مقتضى الحسن والقبح، فالفعل حسن فأمر به، وقبح فنهى عنه، فالأمر والنهي كاشفان عن حسن وقبح حاصلين قبل الفعل. وبناءً على إدراك العقل عندهم للحسن والقبح في الأفعال؛ فإنهم قالوا

стр. 750

بأنه يدرك الحكم المترتب عليهما من غير توقف على الشرع، وقالوا باستحقاق الثواب والعقاب والمدح والذم على ذلك، ومن هنا قالوا بأن من لم تبلغه الدعوة؛ فهو مكلف من الله تعالى بما ركَّب فيه من عقل يدرك الحسن والقبح. قال القاضي عبد الجبار: "فصل في بيان كيفية ما يستحق بالقبيح من الأحكام: أما الذم فإنه يستحق به إذا كان قبيحًا، وفاعله يعلمه كذلك أو يتمكن من كونه عالمًا به، وأن يكون مخلّى بينه وبينه، فمتى فعله والحال هذه استحق الذم، وإنما شرطنا كونه قبيحًا لأن العقل يشهد بأن الفعل إذا لم يكن كذلك لم يحسن ذم فاعله عليه، بل يقبح ذلك، فلا بد من اعتبار قبحه" (١). وقال في أثناء كلامه على النبوات من "شرح الأصول الخمسة" - بعد أن بيَّن أن ما أتت به الرسل إنما هو تفصيل لما تقرر جملته في العقل -: "يبين ما ذكرناه أن اختلاف الطريق لا يقدح في حصول ما كان طريقًا إليه، فسواء علمنا عقلًا أن هذا الفعل مصلحة وذلك مفسدة، أو علمناه سمعًا؛ فإنه في الحالين جميعًا نعلم وجوب هذا وقبح ذلك" (٢). وقد اختلف المعتزلة فيما بينهم في الجهة المحسنة والمقبحة على أقوال (٣): الأول: أن الحسن إنما يحسن لوجه، ككونه نفعًا مفعولًا بالنفس أو بالغير، أو كونه مستحقًّا، أو كون الكلام صدقًا، أو أمرًا بالحسن ونهيًا عن القبيح، ونحو هذه الوجوه.

стр. 751

كما أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه، ككونه ضررًا على النفس، أو عبثًا، أو أمرًا بقبيح ونهيًا عن حسن، ونحو ذلك. وهذا قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم (١). الثاني: أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه من الوجوه المعقولة التي متى ثبتت اقتضت قبحه، وأما الحسن فإنه يحسن إذا انتفت عنه وجوه القبح، لذلك لا يصح أن تعلم الحسن حسنًا إلا مع العلم بانتفاء وجوه القبح عنه. وهو اختيار كثير من المتأخرين، ومنهم القاضي عبد الجبار (٢). الثالث: أن القبيح يقبح لوقوعه على وجه، وأما الحسن فيحسن للأمرين: وقوعه على وجه، وانتفاء وجوه القبح عنه. وهو اختيار أبي هاشم في بعض المواضع (٣). وبناءً على ما ذهبوا إليه من تحسين العقل وتقبيحه، وكونه يوجب الحسن ويحرم القبيح، وبناءً على كونهم مشبهة في الأفعال؛ فقد ذهب المعتزلة إلى أن أوجبوا على الرب سبحانه "رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه" (٤). قال القاضي عبد الجبار: "ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه،

стр. 752

وأن أفعاله كلها حسنة" (١). ومعنى الوجوب عندهم: "ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، أو للإخلال به تأثير في استحقاق الذم" (٢). ومن ذلك: أولًا: وجوب اللطف: المراد باللطف عندهم: هو: "كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح" (٣). وقيل: "ما يدعو إلى فعل الطاعة على وجه يقع اختيارها عنده، أو يكون أولى أن يقع عنده" (٤). وقيل: "هو كل حادث جنس يختار عنده ما تناوله التكليف من واجب أو ندب، أو يكون المكلف عنده إلى اختياره أقرب" (٥). واللطف عند المعتزلة باعتبار فاعله ثلاثة أقسام (٦): الأول: ما يكون من فعل الله تعالى، فالله سبحانه لطيف بعباده بإجماع المسلمين.

стр. 753

وللفعل حتى يكون لطفًا من الله سبحانه شروط هي: ١) أن يكون هذا الفعل بعد التكليف وقبل حصول الفعل المكلَّف به من العبد، فلا يسمى فعله تعالى قبل التكليف لطفًا وإن دعا إلى الطاعة لأنها لم تجب بعد، وكذلك فعله بعد قيام العبد بما كلف به لا يسمى لطفًا. ٢) أن يكون معلومًا للمكلف بحيث يدفعه إلى الطاعة ويقربه إليها، أو ممكن العلم له وإن لم يعلمه لانشغاله أو إعراضه. ٣) أن يكون بينه وبين التكليف تعلق ومناسبة ليكون أدعى للتأثر به. ٤) أن لا يكون متقدمًا على فعل العبد بكثير حتى يلاحظ ارتباطهما وتعلقهما ببعض. ٥) أن لا يشتبه بالتمكين، لأن التمكين لا يحدث الفعل بدونه إطلاقًا، أما اللطف فهو لا يعدو أن يكون داعيًا إلى الفعل. الثاني: ما يكون من فعل المكلَّف نفسه، فإن المكلَّف يمكن أن يلطف لنفسه فيما هو مكلف به من الله سبحانه، فإذا أراد فعل طاعة كالصلاة فإنه يمكنه أن يفعل أفعالًا تقربه من فعلها، كالذهاب إلى المسجد ومصاحبة الأتقياء ونحو ذلك. الثالث: ما يكون من غير فعل الله تعالى وغير فعل المكلف. واللطف الواجب عند المعتزلة هو اللطف المتأخر عن التكليف، أما اللطف المتقدم والمقارن للتكليف فليس بواجب، أما المتقدم فلا يجب لأنه إنما يصدر لإزاحة علة التكليف، وإذا كان متقدمًا فلا تكليف حتى يحتاج لإزاحة علة باللطف، وأما المقارن فلأنَّ أصل التكليف لا يجب فكذلك ما هو تابع له.

стр. 754

قال القاضي عبد الجبار: "فاعلم أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقًا، ولا وجه لذلك، بل يجب أن يقسم الكلام ويفصل، فنقول: إن اللطف إما أن يكون متقدمًا للتكليف، أو مقارنًا له، أو متأخرًا عنه، ولا رابع. فإن كان متقدمًا فلا شك في أنه لا يجب، لأنه إذا كان لا يجب إلا لتضمنه إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك حتى يجب هذا اللطف لمكانه، وأيضًا فإنه إذا جرى مجرى التمكين، ومعلوم أن التمكين قبل التكليف لا يجب، فكذلك اللطف، وإذا كان مقارنًا له فلا شبهة أيضًا في أنه لا يجب، لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب - بل القديم تعالى متفضل به مبتدأ - فلأن لا يجب ما هو تابع له أولى، فصح أن مراد المشايخ بذلك الإطلاق ما ذكرناه" (١). واستدل المعتزلة على إيجابهم اللطف على الله سبحانه بأدلة منها: أولًا: أن المكلِّف وهو الله تعالى يلزمه أن يلطف بالمكلَّف وهو العبد حتى يعرضه للمنفعة، وليتم للمكلِّف قصده وغرضه. قال القاضي عبد الجبار: "إن المكلِّف يلزمه للتكليف السابق أن يلطف للمكلَّف، كما يلزمه أن يقدره ويمكنه" (٢). ثانيًا: أن منع اللطف نقض لغرض المكلِّف الذي هو الإتيان بالمأمور، ونقض الغرض قبيح. قال القاضي عبد الجبار: "فالذي يدل على صحة ما اخترناه من المذهب

стр. 755

هو أنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح؛ فلا بد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض على غرضه" (١). والرد على هذين الدليلين من وجوه: الأول: أن الإيجاب من العباد على الله سبحانه لا يصح مطلقًا، وهو مناف لكمال الرب سبحانه وتفرده بالربوبية والملك. الثاني: أن الأدلة قد دلت على ثبوت الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية كما تقدم سابقًا (٢)، فليس كل ما أمر الله سبحانه به يريد كونه ووجوده، بل قد يأمر الله سبحانه بما لم يرده كونًا، وقد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، فلا يلزم من أمر الله سبحانه عبده بالطاعة أن يكون مريدًا لوقوعها حتى يجب عليه أن يلطف به، وحتى يكون منعه نقضًا لغرضه - على التنزل بوجوب اللطف عليه -. الثالث: أن أصل التكليف عندهم فضل من الله سبحانه - كما تقدم آنفًا - وعندهم أن اللطف المقارن لا يجب لأنه من توابع أصل التكليف، فكذلك اللطف المتأخر عن التكليف ينبغي أن يكون على تأصيلهم غير واجب لأنه تابع لأصل التكليف إذ هو كما قال عبد الجبار: "زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته" (٣). كما استدلوا بأدلة شرعية (٤) غاية ما تدل عليه إثبات لطف الرب سبحانه

стр. 756

بعباده، لكنها لا تتضمن ما أرادوا الاستدلال بها عليه وهو وجوب اللطف على الله سبحانه. ثانيًا: وجوب الصلاح والأصلح. المعتزلة متفقون على وجوب الصلاح على الله سبحانه، لكنهم تنازعوا في وجوب الأصلح عليه سبحانه، هل يجب في الدين فقط، أم في الدين والدنيا؟ قال الشهرستاني: "واتفقوا [أي المعتزلة] على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف، وسموا هذا النمط: عدلًا" (١). فذهب معتزلة بغداد إلى أنه يجب على الله سبحانه فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، وأنه لا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن في الصلاح في العاجل والآجل، بل عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده، وقالوا: بأنه يجب على الله سبحانه خلق الخلق، وتكميل عقول المكلَّفين وإزاحة عللهم، وقالوا: كل ما ينال العبد في الحال والمآل فهو الأصلح له، حتى جعلوا خلود الكفار في النار أصلح من خروجهم منها. وذهب معتزلة البصرة إلى وجوبه في الدين فقط، وقالوا: لا يجب على الله سبحانه ابتداء الخلق، لكنه إذا خلق العقلاء وكلفهم؛ وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه، ورعاية الصلاح والأصلح في حقهم بأتم وجه وأبلغ غاية (٢).

стр. 757

ثالثًا: وجوب إرسال الرسل. هذه المسألة تتفرع عن المسألتين السابقتين، فقد أوجب المعتزلة على ربهم سبحانه إرسال الرسل لأنه لطف للمبعوث والمبعوث إليهم (١). قال القاضي عبد الجبار: "إنه قد قرر في عقل كل عاقل وجوب دفع الضرر عن النفس، وثبت أيضًا أن ما يدعو إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنه واجب لا محالة، وما يصرف عن الواجب ويدعو إلى القبيح فهو قبيح لا محالة، إذا صح هذا، وكنا نجوز أن يكون في الأفعال ما إذا فعلناه كنا عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وفيها ما إذا فعلناه كنا بالعكس من ذلك، ولم يكن في قوة العقل ما يعرف به ذلك، ويفصل بين ما هو مصلحة ولطف وبين ما لا يكون كذلك؛ فلا بد أن يعرفنا الله تعالى حال هذه الأفعال كي لا يكون عائدًا بالنقص على غرضه بالتكليف، وإذا كان لا يمكن تعريفنا ذلك إلا بأن يبعث إلينا رسولًا مؤيَّدًا بعلم معجز دال على صدقة؛ فلا بد أن يفعل ذلك، ولا يجوز له الإخلال به" (٢). بل عندهم أن الله سبحانه إذا علم أن صلاح المكلفين في بعثة شخص واحد بعينه؛ فإنه يجب عليه أن يبعثه بعينه ولا يعدل عنه إلى الغير، وإذا علم أن صلاحهم في بعثة رجلين وجب بعثهما جميعًا، وكذا إذا علم أن صلاحهم في بعث جماعة وجب عليه أن يبعث الكل (٣).

стр. 758

والرد على المعتزلة في هذه المسألة متضمن في الرد عليهم في مسألة اللطف والصلاح والأصلح، لأنها منهما، وقد تقدم ذلك. رابعًا: وجوب العوض عن الآلام. يوجب المعتزلة على الرب سبحانه العوض عن الآلام. والعوض عندهم: "كل منفعة مستحقة لا على طريق التعظيم والإجلال" (١). ووجوب هذا العوض عندهم يكون في حالتين: الأولى: إذا كان الألم من الله تعالى لا لذنب أو إخلال بواجب من العبد، بأن يكون الألم ابتداء من الله تعالى، أما إذا استحقه العبد بشيء من ذلك فلا يجب على الله تعالى. الثانية: إذا كان الإيلام من مكلف لم يصرفه الله تعالى عن إلحاق الألم بالمجني عليه، وكذلك لم يكن له حسنات يعوض بها الذي لحقه الألم. ولهم تفصيل في الكلام على الآلام الحاصلة من جهة العباد، وكذلك تفصيل في المستحق للعوض، وفي المستحَقِّ عليه (٢). ولهم شبه يتعلقون بها في ذلك منها: أولًا: أن ترك العوض قبيح لكونه ظلمًا، والله سبحانه منزه عن القبيح (٣). ثانيًا: أنه لا يحسن في الشاهد إيلام الإنسان بدون تعويضه بمنفعة أكبر،

стр. 759

أو دفع ضرر أعظم، فكذلك في الغائب (١). ثالثًا: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) (٢). والجواب عن هذه الشبه من وجوه: الأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب على الرب عز شأنه، إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه. الثاني: إجماع أهل الأديان - كما تقدم قبل - منعقد على أن الرب سبحانه منزه عن الظلم، وهذا الظلم مقدور له سبحانه، لكنه لا يفعله، فما يفعله سبحانه لا يمكن أن يكون ظلمًا، لما اتصف به من العدل والحكمة والرحمة، حتى إنه سبحانه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم كما جاء في الحديث (٣). الثالث: أن لله سبحانه من الحكم في هذه الآلام ما أطلعنا على شيء منه، وما أخفاه عنا كثير مقارنة بما أطلعنا عليه، فلو قدر خلو المتألم نفسه من عوض لما كان هذا قادحًا في حسن أفعال الله سبحانه وحكمته، إذ له سبحانه في الفعل حكم أخرى يحسن لأجلها. الرابع: أن قياس الغائب على الشاهد باطل، وكذا قياس الخالق على المخلوق.

стр. 760

الخامس: أن غاية ما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه يدل على عظم عدل الرب سبحانه وسعة رحمته وحكمته، وأن ذلك شامل حتى للبهائم، وليس فيه ما يدل على وجوب العوض على الرب سبحانه. خامسًّا: الثواب والعقاب. الثواب عند المعتزلة: "هو النفع المستحق على سبيل الإجلال والتعظيم" (١). واتفق المعتزلة على وجوب الثواب عليه سبحانه، لكنهم اختلفوا في وجه الوجوب. فأوجبه البصريون في مقابل التكليف؛ فهو مختص بالمكلفين. قال القاضي عبد الجبار: "فاعلم أنه تعالى إذا كلفَنا الأفعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدًّا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به، وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله" (٢). بينما أوجبه البغداديون منهم من حيث الجود (٣). قال أبو القاسم البلخي منهم: "إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك بل للجود" (٤). وهذا قول متناقض، إذ كيف يكون جودًا وتفضلًا مع كونه واجبًا؟ (٥).

стр. 761

وأما إيجابهم الثواب على الله على جهة الاستحقاق؛ فغير صحيح، إذ الله سبحانه هو الذي تفضل بإثابة المطيع، وتفضل قبل ذلك بأن وفقه للعمل وصرف عنه الموانع، ثم حفظه له من الحبوط، فله الفضل كله، بل لو عذب الله سبحانه أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وليس شيء من أعمال بني آدم - حتى الرسل - ثمنًا لجنة الله سبحانه، وإنما المعول في ذلك كله على فضل الله سبحانه وجوده وكرمه. وأما العقاب؛ فالقول بإيجابه قول معتزلة بغداد، قالوا يجب على الله سبحانه أن يعذب من ارتكب كبيرة ومات غير تائب منها، ولا يجوز لله تعالى أن يعفو عنه. قال القاضي عبد الجبار: "اعلم أن البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله تعالى أن يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محالة، وقالت: لا يجوز أن يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالًا في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لا يجب إلا من حيث الجود، وليس هذا قولهم في العقاب، فإنه يجب فعله بكل حال" (١). ومما تعلقوا به من شبه في هذا: قولهم إن عدم عقوبة العاصي يؤول إلى التسوية بين المطيع والعاصي وهذا ظاهر القبح، وقولهم إن ترك العقوبة على المعصية يغري بارتكابها والإقامة عليها. وما ذهبوا إليه باطل من وجوه: الأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب عليه سبحانه.

стр. 762

الثاني: أن العقاب على المعصية حق له سبحانه، فله أن يسقطه تفضُّلًا منه سبحانه. الثالث: أنه العفو عن المعصية لا يستلزم التسوية بين العاصي والطائع، لأن درجة الطائع أعلى، ولو قدِّر أن يتساويا في الدرجة بتفضل الله على العاصي فلا يقبح هذا، وإنما يقبح إذا تضمن هضمًا لحق الطائع، وهو ما يتنزه الله عنه. وفي الختام أنقل كلمة فذَّة لشيخ الإسلام في نفي الإيجاب على الله سبحانه، يقول ﵀: "وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه وحرم على نفسه، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره؛ فهو جاهل في ذلك" (١). وأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، وأن العقل قد يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين أو لصفة، فيدرك القبح المناسب لترتب حكم الله سبحانه بالمنع من الفعل على وجه ينتهض مع الإتيان به سببًا

стр. 763

للعقاب، ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب بفعله والعقاب بتركه، وهذا مما اتفقت عليه الماتريدية (١). إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع بعد اتفاقهم على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح من القول بالوجوب على الله ، واتفاقهم على أن ما ورد به السمع من وعد الرزق والثواب على الطاعة ونحوه ذلك محض فضل وتطوُّل منه سبحانه. فذهب أبو منصور الماتريدي وعامة مشايخ سمرقند ومشايخ العراق إلى أن من الأفعال ما يدرك العقل حكم الله سبحانه فيه، ومنها ما لا يدرك فيه ذلك، فما يدرك العقل حكمه: وجوب الإيمان بالله ووجوب تعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه كالكذب والسفه، ووجوب تصديق النبي ﷺ ، وما يدرك العقل حكمه هو القليل بالنسبة إلى ما لا يدركه. واستدلوا بما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: "لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض" (٢)، وقوله: "لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم" (٣). وذهب ماتريدية بخارى إلى أن إدراك أحكام الأفعال موقوف على ورود الشرع، وأن العقل لا يستقل بدرك شيء من ذلك، بل لا يمتنع عندهم عقلًا

стр. 764

أن لا يأمر الله سبحانه بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنًا، كما لا يمتنع أن لا ينهى عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحًا، ومناط ذلك عندهم أن الله سبحانه لا ينتفع بالطاعة كما لا يتضرر بالمعصية، وإذا كان كذلك؛ فلا يمتنع أن لا يكلف الله سبحانه عبادَه بمقتضى ما تدركه عقولهم من حسن وقبح. والفرق بين قول أبي منصور ومن تبعه وبين قول المعتزلة من وجهين: الأول: أن هؤلاء يقولون إن الموجب لمقتضى الحسن والقبح اللذين يدركهما العقل هو الله سبحانه، والعقل عندهم لا يعدو كونه آلة وسببًا عاديًّا، بينما الموجب لذلك عند المعتزلة العقل. الثاني: أن ما يوجب العقل حكمه عندهم قليل بالنسبة لما لا يوجبه، بخلاف المعتزلة. والفرق بين قول ماتريدية بخارى وقول الأشاعرة من وجهين كذلك: الأول: أن هؤلاء يثبتون الحسن والقبح الذاتيين، بينما ينفيهما الأشاعرة. الثاني: أن هؤلاء يقولون: إن الله سبحانه قد لا يأمر بمقتضى الحسن، لكنه لا يأمر بمقتضى القبح (١)، وأما الأشاعرة فيجوزون عقلًا الأمر بالقبح. فتحصل من هذا أن قول الماتريدية مباين لقولي الأشاعرة والمعتزلة. وقول الماتريدية أقرب إلى قول أهل السنة من قول غيرهم. أما ماتريدية بخارى فيخالفون أهل السنة في قولهم بأن العقل لا يدرك مقتضى الحسن والقبح في الأفعال مطلقًا، وبقولهم إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه.

стр. 765

أما مخالفتهم الأولى فمردودة من وجهين: الأول: ما تقدم من أدلة في إثبات الحسن والقبح العقليين، ومن ذلك: - إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم. - أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه (١). فهذان النوعان من الأدلة يدلان على أن العقل يدرك مقتضى ما أدركه من الحسن والقبح على وجه الإجمال، فالعقل يدرك أن الشرك بالله قبيح ويدرك كذلك حكم هذا القبيح أنه ممنوع حرام. الثاني: ما تقدم من أدلة على أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد. كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وحديث الأسود بن سريع ﵁ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]. فبين سبحانه أن ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سبب لإصابتهم بالمصيبة، وبين أن ذلك مشروط بقيام الحجة، فالمعصية سبب والحجة شرط.

стр. 766

فجعله سبحانه القبيح سببًا للعقوبة دليل على أن العقل يدرك حرمته، وإلا لما كان سببًا، إذ إدراك العقل شرط في العقوبة بعد ورود الشرع، فمن باب أولى أن يكون شرطًا لذلك قبل وروده (١). فالصواب أن العقل قد يدرك مقتضى ما أدركه من حسن وقبح على سبيل الإجمال. وأما مخالفتهم الثانية، وهي قولهم: إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه، فمردودة من وجوه: الأول: امتناعها شرعًا وواقعًا، والشرع لا يأتي بما يخالف مقتضى العقل الصريح. الثاني: أن تعليلهم بأن الله لا تضره معصية كما لا تنفعه طاعة لا يصح، بل هو حجة عليهم، لأن الله لم يأمر عباده بالإيمان لينتفع هو بذلك، بل هو غني حميد، فانتفاعه بالطاعة وتضرره بالمعصية ليس مناطًا وعلة لأمره بالعبادة حتى يجوَّز نفيه لانتفاء النفع والضرر - مع كونه منتف أصلًا -. وأما أبو منصور ومن تابعه، فيخالفون أهل السنة في القول بوجوب ذلك قبل البعثة، وأن من لم يأت بذلك قبل البعثة فهو غير معذور. وهذا لا يصح؛ فإن مرتكب القبيح وإن كان ناقصًا معيبًا كما تقدم ومستحقًّا للعقوبة بقيام سببها؛ فإنه لا يتحقق ذلك إلا بوجود شرطه وهو بلوغ الحجة، فمن لم تبلغه الحجة لا يعذب لفعله القبيح. وأما ما ذكروه عن أبي حنيفة فيحتاج إلى إثباته، فإن ثبت فلا يخلو: إما أن

стр. 767

يكون له محمل حسن يحمل عليه، أو لا؛ فلا يُعارض ما ثبت بالكتاب والسنة برأي أحد كائنًا من كان. وقد جاء عن أبي حنيفة نفسه ما يدل على موافقته ﵀ لما ذهب إليه أبو منصور وأتباعه؛ ففي أحد الألفاظ عنه: "لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه، أما في الشرائع فمعذور حتى تقوم عليه الحجة" (١)، ففرق ﵀ بين الإيمان بالله وبين سائر الشرائع، فجعل العبد معذورًا في الشرائع دون الإيمان بالله سبحانه. وقد فهم هذا من كلام أبي حنيفة جمع من أهل العلم من أتباعه ممن ذهب إلى هذا وعلى رأسهم أبو منصور إمام المذهب - كما سبق - والله أعلم.

стр. 768

الخاتمة في ختام هذا البحث؛ أحمد الله سبحانه وأشكره على ما منَّ به من نعم، وما وفَّق إليه من خير، ثم إني أجمل أهم ما توصلت إليه من نتائج في نوعين: عام وخاص. أما النتائج العامة، فهي على النحو الآتي: * أهمية باب القدر ووجوب العناية به وضبطه، إذ هو باب دقيق، وفي ضبطه فوائد عظيمة على العبد في دينه ودنياه. * باب القدر وثيق الصلة بأبواب الاعتقاد الأخرى، وهو مرتبط ارتباطًا مباشرا بأقسام التوحيد الثلاثة. * مباحث باب القدر مترابطة ومتداخلة فيما بينها بحيث يصعب الفصل بينها، وهي منسجمة متآلفة غاية التآلف. * وسطية أهل السنة والجماعة في باب القدر بين الطوائف المخالفة؛ فهم وسط بين الجبرية والقدرية. * قول أهل السنة في باب القدر قول منضبط جارٍ على أصول مستقيمة غير منخرمة، وذلك من توفيق الله سبحانه لهم لسلوك طريق الكتاب والسنة وطريق السلف، وتوفيقه لهم للعدول عما سوى ذلك. * وبالمقابل؛ فإن مذهب أهل البدع كلهم في باب القدر منخرم لا يطرد، وهو بجملته مردود بالنص وبالعقل وبالفطرة. وأما النتائج الخاصة؛ ففي النقاط الآتية: * حرمة الخوض الباطل في القدر، وهو ما كان على سبيل التعمق

стр. 769

والتقعر، أو السؤال عن العلل في أفعال الله سبحانه، ونحو ذلك، خلافًا لما عليه سائر أهل البدع. * باب القدر توقيفي لا يخرج فيه عما جاء في الكتاب والسنة، خلافًا لأهل البدع. * للقدر أربع مراتب يقوم عليها وهي: الإيمان بعلم الله سبحانه الشامل، وكتابته سبحانه للمقادير، ومشيئته جل وعلا، وخلقه لكل شيء. وذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة، وأثبت المعتزلة مرتبتي العلم والكتابة، ونفوا مرتبتي المشيئة والخلق. * شمول علم الله سبحانه لكل شيء، لما كان، ولما سيكون، ولما لم يكن لو كان كيف يكون. وخالف في ذلك القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء، والفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات. * ما ثبت في النصوص من علم الله سبحانه بالأشياء بعد وجودها لا ينافي علمه السابق بها. وخالف في ذلك: القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، والجهم بن صفوان الذي ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، والأشاعرة والماتريدية الذين ذهبوا إلى أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم. * من علم الله سبحانه ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك. وخالف في ذلك المتكلمون الذين ذهبوا إلى أن العلم ليس سببًا لوجود

стр. 770

المعلوم، بل هو تابع له على ما هو عليه ولا تأثير له فيه، والفلاسفة الذين ذهبوا إلى أن علم الله سبحانه سبب في وجود المعلوم، وأن هذا العلم بمجرده هو الموجب لوجود المخلوقات، وليس للمشيئة والقدرة في ذلك مدخل. * المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة، ولا يقعان في علم الله سبحانه ولا في اللوح المحفوظ، وهما خاصان بالكلمات الثلاث: السعادة والشقاوة والآجال، والأرزاق دون غيرها من المقادير. وخالف في ذلك الصوفية الذين أنكروا المحو والإثبات، وأولوا ما جاء في النصوص من أدلة عليه، والرافضة الذين قالوا بوقوع المحو والإثبات في علم الله سبحانه. * قدرة الله شاملة لكل شيء، ومشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وجواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى. وخالف في هذا المعتزلة، فذهبوا إلى أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه. * لا تعارض بين سبق القدر بالشقاوة والضلال على عبد مع كونه مفطورًا على الإسلام. وخالف المعتزلة في ذلك فذهبوا إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه. * الله طبع خلقه على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته.

стр. 771

وخالف في ذلك عموم القدرية والجبرية. * الله سبحانه هو الميسر عباده لما شاء من يسر أو عسر، وذلك بإلهامهم هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته سبحانه. وخالفهم في ذلك القدرية المعتزلة؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين. * الظلم مقدور للرب سبحانه، لكنه لكمال عدله وحكمته ورحمته لا يفعله. وذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن، وذهبت القدرية المعتزلة إلى الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال. * الشر لا يضاف إلى الله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما يقع في مفعولاته المنفصلة، وهو مع ذلك شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي فلا وجود له أصلًا. وخالف في ذلك المعتزلة، فقد أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه، وجعلوا الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا. * لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من الحكمة، وله في كل ما قدره

стр. 772

وقضاه حكم عظيمة. وخالف في ذلك المعتزلة، فأنكروا أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وجعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه، وخالف الأشاعرة فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة. * للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله سبحانه ومشيئته. وخالف في ذلك القدرية المعتزلة فذهبوا إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه، وخالف الجبرية، فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه مجبور على أفعاله، وذهب الأشاعرة إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل. * الله خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة لهم ومشيئة. وخالف في ذلك الجبرية والقدرية على نحو ما تقدم آنفًا. * كل ما أراده الله سبحانه شرعًا فهو يحبه، وليس كل ما أراده كونًا يحبه، وأمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه، ولا يستلزم خلقه وتكوينه. وذهب المعتزلة إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه، وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما

стр. 773

لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به، وهذا بعد اتفاقهم على أمرين: على نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية، وعلى أن المراد بالإرادة المحبة. * الاستطاعة نوعان، سابقة للفعل، وهي التمكن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل، ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة. وذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله، وذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير، وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة لفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه. * إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، ولا بد فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، لكن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع. وذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل، وذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، إذ لا يجب على الله سبحانه عندهم شيء ولا يقبح منه شيء، وذهبت المعتزلة إلى أن عدم جواز تكليف ما لا يطاق. * الله خلق المسبَّبات وجعل أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته. ولم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب.

стр. 774

* الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها لكن تأثيرها ناقص غير تام، وإثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له. وذهب الفلاسفة إلى أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وأما المعتزلة فأقروا في الجملة بالصواب، لكنهم خالفوا في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك. * الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه. وخالف في ذلك الأشاعرة فأنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء بعد هداية الفضل من الله سبحانه أو في الضلال، وخالف المعتزلة فذهبوا إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى والإضلال من الله سبحانه على وجوه تصرفهما عن المعنى المراد. * الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة دينية أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، فضلًا منه سبحانه وحكمة ورحمة وعلمًا. وخالف في ذلك القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية. * لا حجة للعبد في سبق المقادير على اقتراف الآثام وركوب الخطايا. وهذا مما اتفق عليه أهل الإسلام، ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم. * الرضا بالقدر ليس شيئًا واحدًا، بل فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن

стр. 775

كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام. وخالف في ذلك المعتزلة فجعلوا الرضا بالقضاء محملًا لإخراج المعاصي عن قضائه، إذ لو كان قدرها للزم الرضا بها، وقابلهم غلاة الجهمية فذهبوا إلى وجوب الرضا بالمعاصي لكونها من قدر الله، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر. * الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، لكن لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، ثم من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. وذهب الأشاعرة إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، وذهب المعتزلة إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل لا غير، وفرعوا على ذلك وجوب اللطف والصلاح والأصلح ووجوب إرسال الرسل ووجوب العوض عن الآلام، ووجوب الثواب والعقاب، وذهب الماتريدية إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، لكن اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع. والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →