← Акыда

Акыда · id 1205

القواعد الكلية في باب القدر

ربيع بن أحمد البيطار

Полный текст (808 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ومنهم من جعله من مراتب التوكل، قال أبو بكر الواسطي ﵀ وسئل عن ماهية التوكل -: "الصبر على طوارق المحن، ثم التفويض، ثم التسليم، ثم الرضا، ثم الثقة" (١). والصواب أن الرضا هو ثمرة التوكل، فالتوكل يكون قبل الفعل، ثم بعد الفعل يكون الرضا (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "والرضا والتوكل يكتنفان المقدور؛ فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه" (٣). ومما يدل عليه قول النبي ﷺ : (أسألك اللهم الرضا بعد القضاء) (٤)، فجعل النبي ﷺ الرضا بعد وقوع المقضي. ويدل عليه أيضًا حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني

стр. 702

واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، ويسمي حاجته (١). فذكر طلب الرضا بعد وقوع المقدور، مع ما في الدعاء نفسه قبل وقوع المقدور من توكل على الله. قال ابن القيم ﵁: "تأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمونُ الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوانُ السعادة" (٢). وأما ما يكون من العبد قبل وقوع المقدور فهو عزم على الرضا لا الرضا نفسه، ولهذا يوجد في الناس من يعزم على الرضا فإذا وقع المقدر انفسخ عزمه ولم يرضَ (٣). وهذه المسألة - مسألة الرضا بالقدر - مما اختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا، وتنوعت فيه مذاهبهم تنوعًا عظيمًا. وتحقيق الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة أصلين: الأصل الأول: التفريق بين الفعل والمفعول. الأصل الثاني: التفريق بين أنواع القضاء الكوني. أما الأصل الأول؛ فسبق بيانه، وأن مذهب أهل السنة جميعًا هو التفريق بين الفعل والمفعول (٤)، وتطبيق هذا الأصل الجليل هنا هو التفريق بين القضاء

стр. 703

الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه، وبين المقضي المفعول المخلوق. فالأول: الرضا به واجب، وهو من الإيمان بالله ربًّا خالقًا إلهًا مدبِّرًا متَّصفًا بكل كمال ومنزَّهًا عن كل نقص. والثاني: لا يطلق القول فيه بنفي ولا إثبات، بل يفصل الكلام في أقسامه، ويعطى كل قسم ما يليق به من حكم، وتفصيله في: الأصل الثاني: وهو أن القضاء الكوني الذي هو المفعول المنفصل نوعان (١): النوع الأول: ما يقضيه الله سبحانه مما يوافق إرادة العبد ومحبته ورضاه من صحة وعافية وغنى ولذة، ونحوها، فهذا الرضا به لازم للعبد بمقتضى الطبيعة التي جبله الله عليها من محبة ما ينفعه ويلتذ به، وإذ كان لازمًا له؛ فليس في الرضا به عبودية في ذات الأمر، بل العبودية فيه بالقيام بشكره، بالاعتراف به في القلب والثناء به على الله واستخدامه فيما يرضي الله سبحانه وعدم الاستعانة به على مساخطه. النوع الثاني: ما يقضيه الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد ومحبته، وهذا على قسمين: القسم الأول: ما ليس للعبد فيه اختيار، وهو المصائب والمحن التي يقدرها الله سبحانه على العبد، سواء كانت بلاءً مجردًا، أو عقوبة على ذنب سابق. وهذا الرضا به مشروع، وهو مستحب على الصحيح وليس بواجب، إذ الواجب هو الصبر، فإذا انضاف إليه الرضا فنور على نور، وإلا فقد أدى العبد بالصبر ما وجب عليه.

стр. 704

وكلا القولين: وجوب الرضا وعدمه قولان لأهل السنة، وهما قولان لأصحاب أحمد وغيرهما (١). ومما يدل على عدم وجوبه: أولًا: أن الإيجاب حكم شرعي، والأحكام الشرعية مبناها على الأدلة لا على الرأي المحض، ولا دليل على الوجوب، إذ لم يأت في كتاب ولا سنة وجوب الرضا، وإنما ذلك في الصبر (٢). ثانيًا: أن النصوص دلت على أن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات، وما كان كذلك فليس بواجب، ولذلك كان الرضا بالقدر على حسب معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته، فتمامه تمامها، ونقصه بحسبها. ومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم" (٣). وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن" (٤). وقال سُليمان الخوَّاص ﵀ (٥): "الصبر دون الرضا؛ الرضا أن يكون

стр. 705

الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر" (١). وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف (٢). واحتج من رأى الوجوب بأمور: أولهما: أن الرضا من لوازم الإيمان بالله ربًّا وإلهًا؛ فهو واجب. وجوابه: أن الرضا بالله ربا وإلهًا واجب، وهذا هو الرضا الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما الرضا بكل ما يخلقه الله ويقدره؛ فلم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا قال به أحد من السلف، بل جاء في النصوص الإخبار عن عدم رضا الله بأشياء مع كونها مخلوقة له سبحانه، كقوله : ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] (٣). ثانيهما: حديث أبي هند الداري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تبارك

стр. 706

وتعالى: من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي؛ فليلتمس ربًّا سواي) (١). وجوابه: أنه ضعيف جدًّا؛ في إسناده سعيد بن زياد: متروك (٢)، ثم هو مخالف لما دلت عليه النصوص مما تقدم آنفًا. ثالثها: أن من لم يرض بقضاء الله فقد سخطه، إذ لا واسطة بينهما. وجوابه: أن هذه الدعوى غير مسلَّمة، لأن الفرق ثابت - كما تقدم - بين قضاء الله الذي هو فعله، والمقضي المفعول، ففعل الله يُرضى ولا يُسخط، والمفعول يسخط من وجه ويرضى من وجه، فيجتمع فيه الأمران لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء المر؛ يكون مبغوضًا من جهة مرارته وسوء طعمه، لكنه مرضي من جهة كونه سببًا في الشفاء (٣). ومن هنا يتضح الجواب على السؤال المشهور، وهو كيف يجتمع الرضا بالقدر مما لا يلائم العبد من محن ومصائب مع كراهيتها؟ فهذا القضاء المكروه هو مكروه من جهة تألمه به، ومرضي من جهة إفضائه إلى ما يحبه ويلتذ به، وسواء كان هذا في أمور الدنيا، كالمثال المتقدم آنفًا، أو في أمور الآخرة، كالجهاد؛ فإنه مكروه لما يقتضيه من جهد وبلاء وخسائر في الأنفس والأموال، وغير ذلك، ومحبوب من جهة إفضائه إلى رضوان الله والجنة، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا

стр. 707

تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ومن أجل هذا كان كل قضاء يقضى للمؤمن فهو خير لما يفضي إليه، إذ لا يخلو هذا القضاء عن أن يكون سراء أو ضراء، فالسراء يشكر عليها، والضراء يصبر عليها، ولهذا قال النبي ﷺ : (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير - وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (١). القسم الثاني: ما للعبد فيه اختيار، وهو ما يُقدَّر على العبد مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان. فهذا لا يجوز الرضا به، بل يجب كراهيته وسخطه، لأنه مبغوض لله سبحانه مكروه، والواجب بغض ما يبغضه الله كما يجب حب ما يحبه. وقد ذم الله سبحانه من رضي بما أسخطه فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]. قال شيخ الإسلام ﵀: "فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى عنه ويعاقب أصحابه؛ فهو عدو لله لا ولي لله، وهو يصد عن سبيل الله وطريقه، ليس بسالك لطريقه وسبيله" (٢). وبهذا التفصيل يزول اللبس في هذه المسألة العظيمة، وسر الصواب فيها

стр. 708

ونُكتته أن للرضا بالقدر تعلقين: - تعلق بالرب تقديرًا؛ علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا، فكل قضاء من هذه الجهة مرضي وجوبًا، إذ هو من الرضا بالله ربًّا وإلهًا. - تعلق بالعبد، فلا يطلق الرضا فيه ولا ينفى، بل يفصل في أقسامه ويعطى كل قسم ما يليق به نفيًا أو إثباتًا (١). ومما ينبغي أن يعلم أن ثمة أمور - مما صورته الشكوى من القدر - فعلها جائز ولا ينافي الرضا بالقدر ما لم يقترن به شيء مِمَّا يحرم أو يكره، ومنها: الإخبار المجرد بالمصيبة، أو التألم منها، أو حكايتها لمن يرجى منه المعونة في دفعها ونحو ذلك. ومن الأدلة على ذلك: قوله عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. وقوله سبحانه عن لوط ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]. وقوله ﷺ لعائشة: (بل أنا وارأساه) (٢). وقوله ﷺ لعبد الله ﵁ لما سأله: إنك لتوعك وعكًا شديدًا: (أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) (٣).

стр. 709

فهذا كله يدل على جواز ذلك بشرطه، وأما إذا اقترن به شيء من التظلم أو التبرم أو نحو ذلك فيكون محرمًا. ولعدم الرضا بالقدر صور كثيرة منها: النياحة على الميت، والحلق ونحوهما مما يكون عند موت أحد، وكذا الجزع والقنوط، والحسد، وتمني الموت لضر دنيوي، وغير ذلك، وجماعها وأسُّها: تسخُّط القلب على ما قدَّره الله وقضاه، إذ كل من الرضا والسخط من عمل القلب. والحاصل أن الرضا بالقدر فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام، والله أعلم.

стр. 710

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. الرضا بقضاء الله الذي هو فعله، وكذا الرضا بالمصائب والبلاء مما اتُّفق عليه، وإنما الخلاف في الرضا بالمعاصي والآثام، فقد غلط في ذلك طائفتان (١): القدرية المعتزلة؛ فقد قالوا: إن الرضا بالقدر من أعظم المقامات، فلو كانت المعاصي بقضائه لكان ينبغي أن يُرضى بها، والرضا بالكفر والفسوق والعصيان لا يجوز باتفاق المسلمين، فعُلِم أن هذه ليست بقضائه. فحملهم قولهم بعدم الرضا بالمعاصي على إخراجها عن أن تكون من قضائه. ومما يبين ذلك من كتبهم أنهم جعلوا من أدلتهم على نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد أن الرضا بالقضاء واجب، وأفعال العباد فيها الظلم والقبيح، فوجب ألا تكون مرادة ولا مخلوقة له سبحانه. قال القاضي عبد الجبار: "وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا" (٢)، فالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (٣).

стр. 711

وقال أيضًا: "فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة" (١). فهؤلاء وقعوا في شبهة تلازم القضاء والرضا، فما وافق القدر فهو مرضي، وما خالفه فهو غير مرضيٍّ. ولا تلازم في حقيقة الأمر فقد يقضي الله سبحانه ما لا يرضاه كالكفر والفسوق والعصيان، وقد يرضى بما لم يقضه كإيمان أبي جهل. وضلال المعتزلة في هذا مركب من انحرافهم في ثلاث مسائل: الأولى: نفي انقسام الإرادة إلى شرعية وكونية. الثانية: نفي التفريق بين الفعل والمفعول. الثالثة: نفي انقسام القضاء إلى كوني وشرعي. أما المسألة الأولى؛ فقد تقدم بيان الصواب فيها والرد على مخالفة المعتزلة فيما سبق، وأنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة، وأن الله سبحانه قد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، وقد يريد شرعًا ما لم يرده كونًا، وكذا المسألة الثانية؛ مضى تفصيل القول فيها. وأما المسألة الثالثة: فإن النصوص قد دلت بالاستقراء على التفريق بين القضاء الشرعي والكوني، وإذا ثبت ذلك لم يعد هناك ما يشكل في إثبات كون المعاصي بقدر الله وخلقه. وهذه هي حقيقة مخالفة المعتزلة هنا؛ فإنهم أصابوا في أنه لا يجوز الرضا

стр. 712

بالمعاصي، لكنهم أخطؤوا في جعل ذلك دليلًا على عدم إرادة الله سبحانه وخلقه لها، وقد تقدم في مبحث خلق الأفعال ما يبطل مذهبهم. وذهب غلاة الجهمية إلى أن الرضا بالقضاء قربة وطاعة؛ والمعاصي بقضاء الله؛ فيجب الرضا بها، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر. فقد اجتمع لهم أربع شبه حادت بهم عن طريق الحق في هذه المسألة هي: أولًا: عدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة وظنهم أن كل ما شاءه الله سبحانه فقد أحبه، فعندهم أن المعاصي محبوبة للرب سبحانه. ثانيًا: اعتقادهم أن الله سبحانه أمر بالرضا بها. ثالثًا: نفيهم للحسن والقبح العقليين. رابعًا: قولهم بالجبر ونفي فعل العبد. فتركب لهم من اجتماع هذه البلايا رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والاستسلام للقدر والذهاب معه حيث كان (١)، حتى جعلوا الرضا: "ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" كما نقل عن أبي سُليمان الدَّاراني (٢).

стр. 713

والرضا عند الصوفية ثلاث درجات: الأول: رضا العامة وهو الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، وهذا قطب رحى الإسلام وهو يطهر من الشرك الأكبر ويصح بثلاثة شروط: - أن يكون الله أحب الأشياء إلى العبد. - وأولى الأشياء بالتعظيم. - وأحق الأشياء بالطاعة. الثاني: الرضا عن الله وبهذا نطقت آيات التنزيل وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر، وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص، ويصح كذلك بثلاثة شروط: - استواء الحالات عند العبد. - سقوط الخصومة مع الخلق. - الإخلاص في المسألة والإلحاح. الثالثة: الرضا برضا الله تعالى؛ فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضا، فيبعثه على ترك الحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز، ولو أُدخل النار (١)، وهذا هو الفناء عن شهود السوى. فكمال الرضا عندهم بترك الحكم وإسقاط التمييز، وقد صدَّر الهروي هذا الباب بتعريف للرضا مشتمل على هذا، فقال: "والرضا اسم للوقوف الصادق حيثما وقف العبد، لا يلتمس متقدمًا ولا متأخرًا ولا يستزيد مزيدًا ولا يستبدل حالًا، وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص

стр. 714

وأشقها على العامة" (١). ومذهب هؤلاء باطل ببطلان ما بنوه عليه، ويزيده بطلانًا أمور: الأول: أن حقيقة الرضا فعل ما يرضي الله سبحانه، ورضا ما يرضاه وسخط ما يسخطه، كما قال النَّصرابَاذي: (٢) "من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه" (٣). وقال القشيري ﵀: "واعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أُمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا؛ كالمعاصي، وفنون محن المسلمين" (٤). الثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على أن الله سبحانه لا يحب الفسوق والكفر ولا يرضاه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]. فكيف يؤمر العبد بالرضا بما سخطه الله سبحانه؟! الثالث: أن الأدلة قد دلت على التفريق بين قضاء الله سبحانه الذي هو فعله وبين المقضي المفعول، فالرضا المطلق إنما هو في فعل الله سبحانه، وأما المفعول المنفصل ففيه تفصيل تقدم.

стр. 715

الرابع: أن غاية العبادة التي يفعلها العبد الزحزحة عن النار ودخول الجنة بما فيها من نعيم وأعلاه رؤية الجبار ﷻ ، وهذا مطلوب جميع المؤمنين وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون، كما في حديث أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل: (كيف تقول في الصلاة؟) قال: "أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دَنْدَنتك ولا دَنْدَنَة معاذ" فقال النبي ﷺ : (حولها ندندن) (١). الخامس: أن الله سبحانه أمرنا بالعمل بمقتضى ما أمر وترك ما نهى عنه، فالواجب هذا، وما وقع في قدر الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد من مصائب وذنوب فالواجب مدافعته بما أمكن، قال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود من ذلك أن كثيرًا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب وما قدره من الأمور التي ينهى عنها، فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ويظنون أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم، وهذا جهل وضلال قد يؤدي إلى الكفر والانسلاخ من الدين؛ فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان" (٢).

стр. 716

وهذا القول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وما ذكروه في تعريف الرضا وفي درجاته متعقب من وجوه، منها: أولًا: جعلهم الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، رضا العامة، وأدنى درجات الرضا غير صحيح، إذ الرضا بالله ربًّا هو أصل الرضا بالقضاء، ومشتمل عليه، فمن الرضا بالله ربًّا: الرضا بما يقدره من مصائب، وهكذا. والرضا بالله ربًّا من المقامات العالية في الإيمان، كما سبق في الحديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (١). ثانيًا: جعلهم الرضا ترك الدعاء والسؤال بالنجاة من النار، وهذا باطل؛ فإن الرضا الشرعي الصحيح لا يتضمن ترك مشروع من واجب أو مستحب، ولا فعل محرم، فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن سؤال الله سبحانه الجنة والاستعاذة به من النار من أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين (٢).

стр. 717

المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك" وتحته مطلبان: المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. المسألة الثالثة: شرح القاعدة. المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.

стр. 718

المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك" المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة: وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم. قال ابن قتيبة ﵀: "وإنما يقبح كل قبيح بنهي الله تعالى عنه، ويحسن الحسن بأمر الله به، خلا أشياء جعل الله في الفطر استقباحها كالكذب والسعاية والغيبة والبخل والظلم وأشباه ذلك" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال رسول" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة" (٣).

стр. 719

المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة. يمكن تقسيم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين: القسم الأول: الأدلة على أن العقل يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها، وهي أنواع: الأول: إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠، ١١]، وقال في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]، فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الشرع بحسنها وقبحها. وكذلك قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم عنها (١). الثاني: أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٢].

стр. 720

فلو لم تكن هذه الأفعال قبيحة إذ ذاك؛ لما كان للأمر بالاستغفار والتوبة منها معنى (١). الثالث: أمره سبحانه المشركين بالتعقل والتفكر والتذكر ونحوها للانتباه من غفلة ما هم عليه من الشرك والكفر. كما قال : ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]، و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، و ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]. فلولا أن قبح ما هم عليه من الكفر يدرك بالعقل لما كان لأمرهم بالرجوع إلى عقولهم معنىً (٢). الرابع: إخباره سبحانه بأنه أرسل النبي ﷺ بالأمر بما هو طيب وحسن والنهي عما هو خبيث وقبيح. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فأخبر سبحانه بأن رسوله يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر، ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث، ولو كان هذا المعروف والمنكر والطيب والخبيث إنما اكتسب هذه الصفات بأمره الشرع ونهيه؛ لكان معنى الآية: يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، ويحل لهم ما أحله، ويحرم عليهم ما حرمه، وهذا

стр. 721

باطل ينزه عنه كلام الله وكلام رسوله ﷺ (١). ومثله قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أفعال حسنة في ذاتها، لم تكتسب الحسن من أمر الشرع بها، والفحشاء والمنكر والبغي أفعال قبيحة قبل نهي الشرع عنها، ولو لم تكن كذلك للزم أن يكون المعنى: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه، وهو باطل كما تقدم. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨، ٢٩]. إذ لو كان حسن القسط، وقبح الفاحشة مستفادًا من الأمر والنهي فحسب لكان المعنى: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وإنما يأمر بما أمر به، وهذا لغو ينزه الرب عنه. الخامس: إخباره سبحانه بأنه لا يسوي بين البصر والعمى، والحياة والموت، والظلمات والنور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]. فلو لم يكن في البصر صفة تقتضي حسنه ولا في العمى صفة تقتضي

стр. 722

قبحه؛ لما كان لنفي التسوية بينهما معنى، وقس على ذلك فيما ذُكر (١). السادس: ضربه سبحانه الأمثال لعباده على حسن توحيده وقبح الشرك به بأشياء يعلمون حسنها وقبحها بعقولهم، كما قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]. وقال : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] (٢). فلو كان ما ضرب به المثل من الحسن والقبح متوقفًا على تحسين الشرع وتقبيحه لكان هذا استدلالًا بموضع النزاع، فكأنه قال لهم: أضرب لكم مثلًا على حسن التوحيد بما حسنته من سلم العبد لسيده، وعلى قبح الشرك بما قبحته من تشارك الجمع في عبد، وهذا باطل. السابع: تعليله سبحانه نهيه عن أشياء لكونها فاحشة في نفسها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فذكر وصف الفحش عند ذكر الحكم وهو الحرمة، فدل على أنه علة له. وأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ

стр. 723

إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فعلل التحريم بكون ذلك فاحشة في نفسه، ولو لم يكن في نفسه فاحشة لم يصح تعليل الحكم به، لأن الوصف عندئذ يستفاد من الحكم الذي هو أمر الشرع، فيكون متأخرًا عنه فلا يصح أن يكون علة له. ثم يقال أيضًا: العلة يجب أن تغاير المعلول، فلو كان معنى كونها فاحشة هو معنى كونها منهيًّا عنها؛ للزم أن تكون العلة عين المعلول وهذا محال (١). ومن هنا كان من نفى التحسين والتقبيح العقليين ناف للحكمة، إذ لا وصف حينئذ يكون به الفعل حسنًا أو قبيحًا، والحكمة منشؤها من صفة الشيء؛ فلا حكمة حينئذ (٢). وأما ما أثبته نفاة التحسين والتقبيح من حسن الشرائع فمعزول عن الحكمة، إذ منشؤه عندهم ذات الأمر والنهي، لا صفة في المأمور اقتضت ذلك، فلو أمر بالشرك ونهى عن التوحيد لحَسُن ذلك عندهم، ومعلوم أن هذا لا يمكن وقوعه لما في وقوعه من منافاة لحكمة الله سبحانه ووحدانيته، ولكن هؤلاء جوزوا فرض وقوعه لأنهم سدوا على أنفسهم باب التعليل. ولذلك فإن إثبات الحكمة من أعظم الأدلة الشرعية العقلية على ثبوت الحسن والقبح العقليين. القسم الثاني: الأدلة على أن من الأشياء ما لا يعلم قبحه بالعقل بل

стр. 724

بالشرع، وهي نوعان: الأول: ما جاء من تحسين وتقبيح في الشارع لما لا صفة فيه تقتضي للعقل تحسينه أو تقبيحه. كحسن كون صلاة الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا وقبح كونهما على خلاف ذلك. الثاني: ما جاء من نصوص في تحسين ما قبح في العقل، أو تقبيح ما حسن في العقل لحالة أو شخص معين. كإباحة أو استحباب أو إيجاب الشرع لما قبح في العقل للضرورة، كالميتة للمضطر، أو الكذب لحفظ الدم ونحوه، أو للحاجة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذا في معاشرة النساء.

стр. 725

المسألة الثالثة: شرح القاعدة. مسألة التحسين والتقبيح من مسائل الدين العظام، التي من خالف الحقَّ فيها؛ خالفه الحقُّ في مسائل أخرى جليلة. الحُسْن لغةً: ضد القبح، يقال حسَن الشيء وحسُن، يحسُن حسنًا، فهو حاسَنٌ وحَسَنٌ وحُسَانٌ وحَسَّانٌ. والتحسين مصدر الفعل المضعف: حسَّن، يقال: حسَّن الشيء تحسينًا، إذا زينه (١). والقبح نقيضه، يقال: قبح فلان يَقْبُح قَبَاحَةً وَقُبْحًا وقبوحًا وقباحًا وقبوحةً، فهو قبيح. والتقبيح كالتحسين مصدر المضعَّف: قبَّح الشيء تقبيحًا، أي: أبعده ونحَّاه عن الخير (٢). والكلام على هذه القاعدة في مسائل: الأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح. الثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع، وبين الثواب والعقاب عليها. الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . .

стр. 726

المسألة الأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح. مراد أهل السنة بالتحسين والتقبيح أن الأفعال مشتملة على أوصاف تكون بها حسنة أو قبيحة، وهذه الأوصاف ذاتية لهذه الأفعال، ولكونها ذاتية؛ فإن العقل يدركها، ويحكم بها، ولا يتوقف إدراكها على ورود الشرع بحسنها وقبحها. وذلك أن الحسن والقبح عندهم يرجعان إلى كون الشيء نافعًا وضارًّا، أو ملائمًا ومنافرًا؛ فالحسن هو النافع أو الملائم، والقبيح هو الضار أو المنافر. والحسن والقبح بهذا المعنى لم يختلف في كونه يعلم بالعقل حتى عند نفاة التحسين والتقبيح، وإنما الخلاف في كون هذا الحسن والقبح سببًا للذم والعقاب أو المدح والعقاب بذاته، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع به. فها هنا معنيان ذُكرا للحسن والقبح: الأول: الموافقة والمخالفة، فالموافق هو الملائم النافع الحسن، والمخالف هو المنافر الضار القبيح. الثاني: كون الشيء سببًا للمدح والذم والثواب والعقاب، فالحسن: ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل، والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل. وقد ذكر بعضهم معنى ثالثًا، وهو كون الشيء صفة كمال وصفة نقص، وليس بصواب، لأمرين: ١) أن هذا المعنى لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، وإنما ذكره الرازي (١)، وسلفه فيه الفلاسفة.

стр. 727

٢) أنه راجع إلى المعنى الأول في حقيقة الأمر، لأن الكمال موافق نافع ملائم، والنقص مخالف منافر ضار (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم، وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل" (٢). وقال أيضًا: "والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائمًا للإنسان وبعضها منافيًا له إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح، فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء. وتنازعوا في الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سببًا للذم والعقاب هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع؟ وكان من أسباب النزاع أنهم ظنوا أن هذا القسم مغاير للأول وليس هذا خارجا عنه؛ فليس في الوجود حسن إلا بمعنى الملائم، ولا قبيح إلا بمعنى المنافي، والمدح والثواب ملائم والذم والعقاب مناف، فهذا نوع من الملائم والمنافي. يبقى الكلام في بعض أنواع الحسن والقبيح لا في جميعه، ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق كالظلم والكذب ونحو ذلك" (٣).

стр. 728

وأما الحسن والقبيح الشرعيان: فهما المأمور والمنهي، فما أمر به فهو حسن، وهو متضمن للمدح والثواب، وما نهي عنه فهو قبيح، وهو متضمن للذم والعقاب (١). والحسن والقبح في الأشياء أمران وجوديان، وليسا عدميين، لأنهما صفتان ثبوتيتان، فالحسَن حسُن لصفة أوجبت حسنه، والقبيح قبُح لصفات أوجبت قبحه، وهذه أمور وجودية، وكل منهما إنما حصل لعدم نقيضه، فلما كان نقيضه عدميًّا وجب أن يكون هو وجوديًّا (٢). ومن هنا كانت الأفعال عند أهل السنة ثلاثة أقسام: الأول: ما علم حسنه أو قبحه بالعقل قبل ورود الشرع، وهو ما كان مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة للعالم والظلم مشتمل على مفسدة لهم، فحسن العدل وقبح الظلم يعرف بالعقل لكن لا يلزم من هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة أو مذمومًا إلا إن يرد بذلك الشرع. الثاني: ما توقفت معرفة حسنه وقبحه على الشرع، فصفة الحسن والقبح هنا استفيدت من الشرع ولا مدخل للعقل فيها. الثالث: ما كان من قبيل الامتحان، وهذا مرجعه إلى الشرع، والحسن فيه عائد إلى نفس الأمر لا إلى المأمور به؛ إذ المأمور به غير مراد، فالأمر لما اشتمل عليه من مصلحة وحكمة حسن من الشارع، وما اشتمل عليه المأمور به من

стр. 729

قبح فإنه غير مراد ولا مطلوب له، كأمر الله سبحانه إبراهيم بذبح ولده (١). ومسألة التحسين والتقبيح قائمة على أصول ثلاثة، من لم يحكمها لم يستقر له فيها قدم، وهي (٢): الأول: أن أفعال الله سبحانه معللة بالحكم والغايات الحميدة. الثاني: أن هذه الحكمة هي وصفه سبحانه، ويشتق له منها اسم. الثالث: أن الإرادة الإلهية نوعان: إرادة كونية مرادفة للمشيئة، وإرادة شرعية مرادفة للمحبة. وقد سبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة في مبحثين سابقين (٣)، والمقصود بيان علاقة هذه الأصول بمسألة التحسين والتقبيح وكيف انبنت عليها. أما الأصل الأول: فحاصله أن إثبات التعليل في أفعاله تعالى يتضمن إثبات أوصاف تكون مناطًا للعلة، ومرجع هذه الأوصاف إلى الحسن والقبح، فالرب سبحانه يفعل الحسن لأنه يحبه، ويترك القبيح لأنه يبغضه، إذ المحبة هي الغاية الأولى والعلة الكلية التي يفعل لأجلها (٤). وأيضًا فإن التفصيل في أنواع الأفعال من حيث الحسن والقبح مبني على التفصيل في مسألة الحكمة؛ فما كان فيه حكمة في نفسه؛ فحسنه عقلي، ثم قد

стр. 730

ينضاف إلى ذلك الأمر به فيكون حسنه مع ذلك شرعي، وما لم يكن فيه حكمة ثم أمر به فحسنه شرعي، وما كان فيه منافاة للحكمة وأُمر به فهو من قبيل الامتحان، والحسن فيه في الأمر فيه لا في المأمور؛ إذ نفس الفعل ليس مقصودًا للآمر. قال شيخ الإسلام ﵀: "إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة، ومن الآمر تارة، ومن مجموعهما تارة" (١). وأما الأصل الثاني: فلأن الله سبحانه له الكمال كله؛ كمال الذات وكمال الصفات والأسماء وكمال الأفعال، وهو منزه سبحانه عن كل ما يضاد هذا الكمال. ومن صفات الكمال له سبحانه: الحكمة، فهو الحكيم والحكمة وصفه، فليس له فعل خارج عن الحكمة، بل الحكمة وصف لازم لأفعاله . ومما ينزه عنه سبحانه: ما يضاد هذه الصفة، وهو خلو الفعل عن حكمة يحسن لأجلها فعله، إذ ما خلا عن الحكمة أحد فعلين: - ما اشتمل على خلافها. - ما خلا منها ومن خلافها. فما اشتمل على الحكمة هو الحسن، وما اشتمل على خلافها هو القبيح، وما خلا من الحكمة وخلافها هو العبث، والله موصوف بالحكمة، ومنزه عن القبيح والعبث. فإثبات حكمة ترجع إليه سبحانه اسمًا ووصفًا يتضمن إثبات حسن وقبح تنشأ عنهما الحكمة في الفعل والترك، لأن الله لا يتصف إلا بالكمال.

стр. 731

وأما الأصل الثالث: فلأن الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح يحبها الله سبحانه ويرضاها، ثم قد تتعلق بها مشيئته سبحانه فتوجد، وقد لا تتعلق بها مشيئته سبحانه لكون حصولها يفوت مصلحة أكبر منها فتعدم. والأفعال القبيحة التي هي منشأ القبائح يبغضها الله سبحانه ولا يرضاها، لكن قد تتعلق بها مشيئته لاستلزامها لحكمة أعظم منها فتوجد. فمشيئته سبحانه مقرونة بالحكمة، فما اقتضت الحكمة وجوده وجد وإن كان في أصله قبيحًا، وهو بوجوده لم يخرج عن كونه كذلك في نفسه، وإنما الحسن بما اشتمل عليه وجوده من وجوه الحكمة. وما اقتضت الحكمة عدمه عدم، وإن كان في أصله حسنًا، ولم يخرجه عدمه عن كونه حسنًا في ذاته، والحسن في عدمه بما استلزمه عدمه من حكمة أعظم من وجوده. وبهذا التفصيل في الإرادة يتضح المذهب الحق في هذه المسألة. ولم يثبت هذه الأصول مجتمعة إلا أهل السنة، ولذلك لم يجد التناقض إلى مذهبهم من سبيل، وأما مخالفوهم؛ فمنهم من نفاها جميعًا، ومنهم من أثبت الأول فقط. المسألة الثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها. من المتقرر أن الوجوب والحرمة والثواب والعقاب وما جرى مجراهما إنما يتلقى من الشرع، إذ لا سبيل للعقل إلى ذلك، وإلا لاستغنى الناس بعقولهم عن الشرع، وهذا باطل.

стр. 732

فها هنا أمران: أحدهما: أن الأحكام والأوصاف الشرعية إنما تتلقى من الشارع دون غيره. الثاني: أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد. أما الأمر الأول: فهو مقتضى شهادة التوحيد، وهو أصل من أصلين يقوم عليهما توحيد العبادة، وهما: أن لا يُعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد دل عليه جملة عظيمة من النصوص، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقوله ﷺ : (عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافًا شديدًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات؛ فان كل بدعة ضلالة) (١).

стр. 733

وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتكم؛ كل بدعة ضلالة" (١). وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]: "أخلصه وأصوبه"، قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة" (٢). وقال أبو البركات نعمان الألوسي ﵀: "وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله تعالى بما سنح له وأحبه، بل لا يعبده إلا بما كان عبادة لله عند الله تعالى" (٣). وأما الأمر الثاني: فقد تقدم الكلام عن شيء منه فيما مضى (٤)، وحاصله أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد وصول الحجة الرسالية إليه. ومن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قال قتادة ﵀: "إن الله ﵎ ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبرٌ، أو يأتيه من الله بينة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه" (٥). وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ

стр. 734

الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وحديث الأسود بن سريع ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (١). إذا تبين هذا؛ عُلم أنه لا تلازم بين كون الشيء قبيحًا في نفسه، وبين المؤاخذة به، لأن المؤاخذة حكم يتلقى من الشرع، فقبل وروده لا مؤاخذة عليه، وإذا كانت المؤاخذة على ما قبح في الشرع متوقفة على وصول الحجة؛ فمن باب أولى ألا تكون المؤاخذة على ما قبح عقلًا قبل ورود الشرع. وهذه المسألة هي التي خفيت على مخالفي أهل السنة فظنوا أن ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع مستلزم لأن يحاسبوا عليها، فأنكره بعضهم والتزمه آخرون، ولو وفَّوا هذه المسألة حقها لما كان ثَمَّ خلاف ولعادت مسألة التحسين والتقبيح اتفاقية وفاقية لا خلافية (٢). فإن قيل: ما فائدة كون الشيء في نفسه قبيحًا إذا لم يكن ثم عقاب عليه؟

стр. 735

فالجواب من وجوه: الأول: أن الله فطر عباده على استحسان الحسن وبغض القبيح، فلو لم تكن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة لما أمكنهم التفريق بينها حبًّا وبغضًا، وهذا مما لا تقوم معه معايشهم، إذ الحسن والقبح ضدان في اللغة والعقل، فإذا لم يعرف حسن الأفعال من قبحها لم يتوجه الحب والبغض إلى شيء منها، فلا تتوجه حركاتهم إلى أحدهما - إذ الحركات مرجعها إلى المحبة وخلافها كما تقدم - مع ضرورة الناس إلى أحد هذين الضدين الموصوفين بالحسن والقبح. الثاني: أن فاعل القبيح قبل ورود الشرع معيب منقوص، ليست حاله كحال من لم يفعله، وإن قدر أنه لن يعاقب عليه، فقد عاب الله سبحانه على المشركين أفعالهم القبيحة في جاهليتهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، فذم آباءهم لفعلهم الشرك قبل البعثة، ولم يكتف بذم الفعل نفسه (١). الثالث: أن فعل القبيح - على الصواب - سبب للعقوبة، وإن لم يعاقب به لانتفاء شرط الحجة، وذلك أن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الحسن وقبح القبيح، فهم بمخالفتهم لما أودع الله في فطرهم من ذلك متسببون في العقوبة مستحقون لها، لكن انتفاء الشرط الذي هو الحجة منع من وجوبها (٢). ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].

стр. 736

ووجه الدلالة: أنه سبحانه جعل ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سببًا لإصابتهم بالمصيبة، وجعل إرسال الرسول حجة قاطعة لعذرهم في عدم بلوغهم مراده سبحانه، فالمعصية سبب والحجة شرط، فإذا وجد السبب وتحقق الشرط؛ وجد مقتضاهما من العقوبة. وفي هذه الآية حجة كذلك على ثبوت الحسن والقبح قبل الشرع؛ لأن أفعالهم لو لم تكن حسنة وقبيحة لما كانت سببًا للعقوبة (١). قال ابن القيم ﵀: "والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطًا وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه، وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام" (٢). المسألة الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . . مراد أهل السنة بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا في ذاته: أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة، فالحسن سبب للمصلحة، والقبيح سبب للمفسدة، فترتب المصلحة والمفسدة في الفعل عليهما كترتب سائر المسبَّبات على أسبابها، كالرِّي على الشرب، والشبع على الأكل، لكن قد تختلف المصلحة والمفسدة - كسائر المسببات الأخرى - باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن، فالدواء قد يكون نافعًا في حق شخص ضارًّا في حق آخر، ترياقًا في حال، وسمًّا في حال

стр. 737

أخرى، فتخلف المسبب لا يستلزم منه خروج السبب عن اقتضائه لأثره. وأيضًا فكونه ذاتيًّا المراد به أنه وصف للفعل ناشئ عن معنى تضمنه، فالقبح وصف ذاتي للكذب، لأنه متضمن لهدر الحقوق وضياع الأمانات، وفساد معيشة الناس، والحسن وصف ذاتي للعفاف لأنه متضمن حفظ أعراض الناس وأنسابهم، وهكذا. . . (١). ولهذه العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح قسم أهل العلم الأفعال من حيث لزوم الحسن والقبح لها من عدمه إلى قسمين (٢): - ما لا يتغير حسنه وقبحه بحال ولا شخص، كالشرك بالله سبحانه؛ فإنه يقبح من كل أحد وفي كل حال، وكشكر المنعم فإنه حسن من كل أحد وفي كل حال. وضابط هذا القسم أن يكون الفعل واجبًا لنفسه أو محظورًا لنفسه، فالحسن والقبح وصفان لازمان عندئذ، فلا يتغير حكمه ولا يرد الشرع بخلافه. - ما يتغير حسنه وقبحه تبعًا للمصلحة والمفسدة، بتغير الأحوال والأشخاص، فالكذب قبيح في أصله لكنه يحسن إذا كان لدفع شر أكبر منه، كالكذب لدفع القتل عن نبي، وبالمقابل؛ فالصدق حسن في نفسه لكنه يقبح في هذه الحالة. وضابط هذا القسم أن يكون الفعل منوطًا بالمصلحة، فالحسن والقبح فيه عندئذ تابع للمصلحة، حالًا وشخصًا ومكانًا وزمانًا. . . وليس وصفًا لازمًا.

стр. 738

وهذا التغير المنوط بالمصلحة إما أن يرجع إلى صفة الفعل التي بها حسن أو قبح، وإما أن يرجع إلى أمر خارج عنه وهو اختلاف الحال أو الشخص أو الزمان أو المكان. . . (١) قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف، وأن معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنًا في حال قبيحًا في حال" (٢). والحاصل أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، وأنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، وأن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان، والله أعلم.

стр. 739

المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم. خالف أهل السنة في هذه القاعدة الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية. أما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل لا مدخل له في تحسين شيء ولا تقبيحه، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، فما أمر به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، وما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح. وعند هؤلاء أن الحسن والقبح مستفاد من الشرع لا غير، فلو أمر بالظلم لكان حسنًا، ولو نهى عن البِر لكان قبيحًا. قال الأشعري: "فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه، قيل له: أجل، ولو حسَّنه لكان حسنًا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض" (١). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله أو أباحه لهم" (٢). وقال الباقلاني: "واعلموا أنه ليس تحت وصف فعل المكلف بأنه حسن أو قبيح صفة هو في نفسه عليها يستحقها لذاته وجنسه، أو لمعنى يقوم به، أو لوجه هو في العقل عليه. . . وإنما يجب وصف فعل المكلف بأنه حسن وقبيح: إنه مما حكم الله بحسنه أو قبحه" (٣).

стр. 740

وقال أبو الوَليد البَاجي (١): "ليس في العقل حسنُ حسنٍ ولا حظرُ محظورٍ، ولا إباحة مباح ولا وجوب واجب" (٢). وقال الجويني: "لا يدرك بمجرد العقل حسن ولا قبح على مذهب أهل الحق، وكيف يتحقق درك الحسن والقبح قبل ورود الشرائع مع ما قدمناه من أنه لا معنى للحسن والقبح سوى ورود الشرائع بالذم والمدح، فالحسن إذن على التحقيق هو التحسين، وذلك نفس الشرائع، وكذلك القبح يرجع إلى التقبيح، وهو عين الشرع" (٣). وقال: "ثم من أحكام الشرع: التقبيح والتحسين، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه" (٤). وقال الغزالي: "فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء، بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه، فيكون الحسن والقبح تابعًا للأمر والنهي؛ لا علة ولا متبوعًا" (٥). وقال الآمدي: "مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف
следующие страницы →