← Тараджим

Тараджим · id 12062

محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

ابن المبرد

Полный текст (1 019 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... مقدمة إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى صحبه الهداة المهتدين وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين. أما بعد: فإنّ الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه، قد أرسل محمّداً ﷺ رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد فاستجاب له وآمن بدعوته ناس من قومه أشرق نور الإيمان في قلوبهم، فانجلت عنها ظلمة الشرك، فأبصروا الحق الذي دعاهم إليه. فما زال النبي ﷺ يغذيهم بالقرآن والحكمة، ويزكيهم بالعمل الصالح حتى صار هذا الدين أعظم ما يكون في قلوبهم، وصار الرسول ﷺ أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وعشيرتهم وأموالهم بل وأنفسهم، فناصروه في دعوته وتحملوا معه سبيل الله أقصى ما يمكن أن يتحمله بشر - غير الأنبياء - من أجل العقيدة، ذلك الجيل الربَّاني الذي آمن بالنبي ﷺ وآزره ونصره هم صحابته الكرام الذين اختصّهم الله وشرّفهم بصحبة نبيه وإقامة شرعه. كان مجتمعهم طرازاً فريداً، ونسيجاً وحيداً، لم يكن في أتباع الأنبياء مثلهم، لهم القدح المعلى من كل فضيلة، والسهم الأعلى من

стр. 2

كل مكرمة، فهم أهل لكل محبة وتعظيم وإكرام وتقدير، من كل من جاء بعدهم من هذه الأمة، وأهل لأن يقتدى بهم، ويتمسك بطريقتهم وهديهم، فإنّ الدين ما كانوا عليه، ولا شكّ أنّهم أفضل الخلق بعد النبي ﷺ ، وأن معرفة أحوال هؤلاء الصحابة وما اتصفوا به من أخلاقٍ ساميةٍ وصفاتٍ نبيلةٍ، ينير الطريق أمام المؤمن الذي يريد الاقتداء بسنة النبي ﷺ وسيرة أصحابه. وأمر آخر يستوجب العناية بسيرهم، وهو أنهم هم الذين نقلوا إلينا الإسلام نقلاً صحيحاً، لذلك وجبت العناية بأخبارهم وأحوالهم وسيرهم، حتى لا يجد أعداء الإسلام سبيلاً إلى الطعن فيه بواسطة الطعن في نقلته. وقد أثنى الله على أصحاب نبيه ﷺ في آيات كثيرة من كتابه، منها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٧٤] . وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] . وشهد لهم النبي ﷺ بأنّهم خير القرون حيث قال: "بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه" ١.

стр. 3

وقد نشأت فرقة في الإسلام لا تقر بهذه الفضائل لهؤلاء الصحابة فكفّروا الصحابةَ إلاّ نفراً يسيراً منهم، وتقربوا إلى الله بسبّهم وشتمهم، وجعلوا ذلك من أقرب القربات، وأحسن الطاعات. ولم تزل هذه الفرقة سادرة في غيها، وماضية في ضلالها، تنمو بالخفاء حتى قامت لهم دولة تحمي مذهبهم، وتدعو إليه، ونشطت جهودهم في ذلك، فصاروا ينشرون الكتب والرسائل التي تتضمن من المخازي سبّ أصحاب النبي ﷺ وتكفيرهم لجمهورهم، واتخذوا الطعن فيهم وسيلة للطعن في كثير من أحكام الإسلام، وصاروا يُلَبِّسُون بذلك على كثير من المسلمين. وقد تصدى العلماء قديماً وحديثاً للردّ على تلك الافتراءات بنشر فضائل الصحابة وسيرهم وأخبارهم، وممن اعتنى بذلك العلامة ابن عبد الهادي حيث أفرد لكل واحد من العشرة كتاباً مستقلاً، ومنها كتابه: (محض الصّواب في فضائل عمر بن الخطّاب) . وقد رأيت الحاجة ماسّة إلى المشاركة في نشر فضائل الصحابة، وبيان مكانتهم الرفيعة من هذا الدين، دفاعاً عنهم، وحماية لحرمتهم من جهة، وصيانة للدين من التحريف والتغيير من جهة أخرى، وحماية لعقائد المسلمين وحفظاً لقلوبهم من أن يقع فيها غل لأصحاب النبي ﷺ ، وصيانة لألسنتهم من أن يجري عليها ما فيه انتقاص من سبّ وشتم أو ذكر لهم بغير ما هم أهل له.

стр. 4

أسباب اختيار العمل في هذا الكتاب: ١- الرغبة في المشاركة في المسيرة المباركة لإحياء التراث الإسلامي العظيم، وإظهار ما هو حبيس المكتبات حتى يسهل للجميع الاطلاع عليه. ٢- مكانة مؤلف الكتاب بين العلماء، وتحصيله في العديد من الفنون، فدراسة كتابه فيها فوائد جمة وفرائد غير خفية على أهل العلم وطلبته. ٣- قيمة الكتاب العلمية؛ إذ الكتاب غزير في مادته، فهو يحتوي على كثير من الأحاديث النّبوية والآثار المروية عن عمر ﵁. ٤- المساهمة في إظهار كتب فضائل الصحابة لاسيما الخلفاء الراشدين، وعرضها على الناس في هذا الزمان الذي كثر فيه الطعن في الصحابة من الرافضة وغيرهم. ٥- اهتمام المؤلف بانتقاء الأخبار، وعدم الاكتفاء بسرد الروايات حيث يعقب، ويذكر الفوائد، ويورد الصحيح. ٦- نقل المؤلف عن أصول ضاعت ولم تصل إلينا. ٧- لهذه الأسباب كلّها وقع اختياري على هذا الكتاب لهذا العالم الجهبذ، علماً بأني قد بذلت جهدي في خدمة الكتاب تحقيقاً ودراسةً، وإنني لأرجو أن أكون قد وفيت - أو قاربت - بالصورة التي تخدم الكتاب. ويقتضي هذا البحث بطبيعته أن يتكون من مقدّمة، وقسمين: القسم الأوّل: الدراسة: وتشتمل على: ١- عصر المؤلّف من الناحية السياسية والدينية والعلمية (نظرة إجمالية) .

стр. 5

٢- حياة المؤلّف، وضمنته: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ونسبته، ومولده، وعائلته، ومهنته، ووفاته. ٣- السيرة العلمية للمؤلّف وتشتمل على: طلبه للعلم، ورحلاته، ومكانته العلمية، وثناء العلماء عليه، وعقيدته في الأصول، ومذهبه في الفروع، وشيوخه، وتلاميذه، ومؤلّفاته. ٤- التعريف بالكتاب وضمنته: أوّلاً: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته للمؤلّف. ثانياً: موضوع الكتاب ومباحثه. ثالثاً: منهج المؤلّف في الكتاب. رابعاً: موارد المؤلّف في الكتاب. خامساً: المآخذ على الكتاب. سادساً: قيمة الكتاب العلمية. سابعاً: وصف النسخة الخطية، مع نماذج مصورة منها. القسم الثاني: التحقيق. وعملي فيه على النحو الآتي: أ- تحقيق النص وضبطه. ب- أثبت ما في حاشية الأصل في الأصل؛ لأن المؤلّف ﵀ قام بمراجعة النسخة التي كتب بخط يده وأضاف عليها. ج- وضعت ما وقع من زيادة على نص الأصل، بين معقوفتين كبيرتين [] .

стр. 6

د- وضعت أسماء الكتب الواردة في الأًصل بين قوسي تنصيص. هـ- اتبعت الرسم الإملائي الحديث، فقمت بحذف (همزة الوصل) ، في (ابن) إن وقعت بين علمين فبعضهم يكتبها وبعضهم لا يكتبها، وأنا لم أكتبها بين علمين إلاّ إذا كانت في أوّل السطر. وكذلك أثبت (الألف الوسطية) مثل: (خالد) ، و (سفيان) ، والحارث) ، حيث وردت محذوفة في كثير من المواضع وأنا أثبتها، وكذلك راعيت قواعد الهمزة المتوسطة والهمزة المتطرفة. و رسمت الآيات القرآنية بالرسم العثماني، ووضعتها في المتن بين القوسين المزهرين، وعزوتها إلى أماكنها في المصحف الشريف، مع أنها وردت بخط نسخ عادي. ز- خرجت الأحاديث النبوية، فإن كانت في البخاري ومسلم اكتفيت بذلك وإلاّ اجتهدت في البحث عنها في المصادر الحديثية الأخرى، واجتهدت أن أقف عليه، وأوردت كلام العلماء عن الحديث أو الأثر إن وقفت عليه. ح- أجتهد في تخريج النقول والآثار وإرجاعها إلى مظانها في الكتب. ط- إذا وجدت اختلافاً في بعض ألفاظ الحديث أو الأثر بين المخطوطة والأصل الذي نقل منه أشرت إلى ذلك الاختلاف إذا كان له أهمية. ي- عزوت الأشعار إلى قائليها من دواوينهم. ك- ترجمت للأعلام الواردة أسماؤهم في المتن بترجمة موجزة، فإن كان

стр. 7

من أهل الكتب الستة فإني أكتفي بالتهذيب والتقريب أو أحدهما وإن لم يكن رجعت إلى مظان ترجمته في كتب التراجم. ل- شرحت المفردات الغريبة الواردة في النص باقتضاب. م- حددت مواضع البلدان والأماكن باقتضاب. ن- وضعت الجمل الاعتراضية بين شرطتين قصيرتين، كما راعيت علامات الترقيم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. س- وضعت فهارس تفصيلية للآيات والأحاديث، والآثار، والأشعار، والأعلام، والأماكن، والأبواب. وفي ختام هذه المقدمة أحمد الله وأشكره وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه، على ما أنعم علي به ووفقني إليه، وأسأله عزوجل أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته. واعترافاً بالفضل لأهله أتقدم بخالص شكري وتقديري لأستاذي الفاضل المشرف على الرسالة، الدكتور أكرم بن ضياء العمري - حفظه الله - الذي لم يدخر جهداً في إبداء توجيهاته القيمة، وملحوظاته السديدة، فجزاه الله عني خير الجزاء. كما لا يفوتني بهذه المناسبة أن أشكر جميع من أسهم معي في إخراج هذه الرسالة، بتوجيه أو تشجيع، وأخص بالذكر الدكتور عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي. كما أشكر جميع القائمين على الجامعة الإسلاميّة وعلى رأسهم مدير الجامعة د/ عبد الله بن صالح العبيد؛ على ما يبذلونه من جهد في خدمة العلم وطلابه الذين وفدوا إليها من مشارق الأرض ومغاربها، وأسأل الله جلت قدرته أن يوفقهم لبذل المزيد من الجهد لما فيه رفعة الإسلام وخير المسلمين.

стр. 8

وأشكر أيضاً جميع القائمين على عمادة البحث العلمي على سعيهم في طبع هذا الكتاب ونشره ضمن منشورات العمادة، فجزاهم الله خير الجزاء. وبعد: فقد بذلت في عملي هذا قصارى جهدي، فإن أصبت فهو من فضل الله علي وتوفيقه لي، وأما الخطأ فهو واقع مني، فأسأل الله الرحيم أن يتجاوز عني، ويغفر لي، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ووسيلة لمرضاته. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمّد وعلى آله أجمعين.

стр. 9

الدراسة ... ١- الحياة السياسية والدينية والعلمية أ- الحياة السياسية: ولد يوسف بن الحسن بن عبد الهادي سنة ثمان مئة وأربعين (٨٤٠هـ) ، وتوفي سنة تسع ومئة (٩٠٩هـ) ، وهذه الفترة الزمنية التي عاشها ابن عبد الهادي كانت في عصر دولة المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر والشام والحجاز - وهو عصر الدولة الثانية من حكم المماليك -، ومدة هذا العصر ثمان وثلاثون ومئة سنة، من سنة أربع وثمانين وسبع مئة إلى سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة (٧٨٤-٩٢٢هـ) ، وهؤلاء الجراكسة من بلاد شرق البحر الأسود وبحر الخزر١؛ وكانت تلك المناطق آنذاك مسرحاً للصراع بين قوى متعددة، وهذا الصراع حمل عدداً كبيراً من أبناء الجراكسة على دخول سوق النخاسة٢، ونقلوا إلى مصر، فأكثر السلطانُ المنصور قلاوون من شراء هؤلاء المماليك، وأسكنهم إلى جواره في القلعة، وهي مكان معروف في القاهرة، فنسبوا إليها حيث عرفوا بـ: (المماليك البرجية) ، وحرص على تربيتهم تربية دينية وعسكرية، ليضمن الحفاظ على السلطنة له ولأبنائه من بعده؛ وبعد مدة كثر عدد هؤلاء الجراكسة، وأصبح منهم أمراء وقادة، فاستطاعوا أن يتسلموا السلطة وأن يحكموا البلاد. وتعاقب ملوك هذه الدولة حتى بلغوا أكثر من اثنين وعشرين سلطاناً٣،

стр. 10

بدأوا بالسلطان سيف الدين برقوق الذي قام بانقلابه على المماليك البحرية واستولى على السلطة، وانتهوا بالسلطان الأشرف طومان بك - أو طومان باي - الذي قتل على أيدي العثمانيين سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة (٩٢٢هـ) ، واختلفت سنوات حكمهم بين الطول والقصر، ولم يتجاوز أحدهم في حكمه خمسة وثلاثين يوماً، وكان أطولهم حكماً هو السلطان برقوق (٧٨٤-٨٠١هـ) ١. وقد عاصر ابن عبد الهادي منهم ثمانية عشر سلطاناً وهم على النحو الآتي: الأشرف برسباي، العزيز يوسف، الظاهر جقمق، المنصور عثمان، الأشرف إينال، المؤيد أحمد، الظاهر خشقدم، الظاهر بلباي، الظاهر تمربغا خير بك، الأشرف قايتباي، الناصر محمّد، قانصوه، الناصر محمّد للمرة الثانية، الظاهر قانصوه، جانبلاط، العادل طومان باي، الأشرف قانصوه. وجميع هؤلاء من الجراكسة ما عدا خشقدم فهو رومي يوناني٢. وقد اختلفوا في مقدرتهم على الحكم، وقدراتهم من حيث الشخصية والعلم، أو الجهل والدهاء والسذاجة، والظلم أو العدل، ومما يروى من مظالمهم وطيشهم أن السلطان الناصر محمّد بن الأشرف قايتباي كان شاباً طائشاً متهوراً يتصرف تصرفات قبيحة حمقاء، إذ كان يهجم على نساء الناس لاغتصابهن.

стр. 11

يقول ابن إياس: "وصار ينزل في المراكب ببركة الرطلي ويطوف البركة هو وأولاد عمه، وإن رأى امرأة جميلة في بيتها هجم عليها وطلع لها من الطاق وأخذها غصباً وضرب زوجها بالمقارع في وسط بيته"١. واضطربت الأسواق بشغب المماليك الذين يسمون (الجلبان) ، وقد طم فسادهم وعم في هذا العصر، وصاروا أذى للناس في كل مكان، وغطت مساوئهم أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر حتى سقطت دولتهم على أيدي العثمانيين٢. وقد اشتهر عصرهم هذا بأحداث سياسية كثيرة شغلت السلاطين والنواب عن القيام بما يجب عليهم تجاه دينهم وأمتهم، فقد تعرضت دولة المماليك في مصر والشام لكثير من الفتن والثورات الداخلية، ومعظم هذه الفتن من المماليك أنفسهم لوجود تيارات متباينة ينتسب كل تيار إلى أحد السلاطين كالظاهرية، والناصرية، والمؤيدية وغيرها٣. كما اشتهر عصرهم هذا بالمؤامرات وكثرة الدسائس التي تحاك في الظلام ضد أعدائهم أو ضد بعضهم، الآباء ضد الأبناء، والأبناء ضد الآباء، والزوجات ضد الأزواج، والأولاد ضد الأمهات، والأمهات ضد فلذات الأكباد، وعرف عهد المؤيد شيخ المحمودي باستخدام السم للتخلص ممن يراد التخلص منه، فقد دس السم لابنه ولخطيب مسجده٤.

стр. 12

ويلاحظ أن السلاطين الخمسة الأواخر الذين عاصرهم ابن عبد الهادي كانت نهايتهم هي القتل، فقد خلع الظاهر قانصوه، وقتل جانبلاط، وخنق العادل طومان باي، وقتل الأشرف قانصوه١. ولأجل هذه الفوضى السائدة بين المماليك وما يحصل بينهم من فتن واغتيالات شغلتهم عن رعيتهم، جعل الأعراب يغيرون على البلاد وبخاصة المدن كالقاهرة ودمشق وكانت علاقتهم في الغالب بالسلطان في القاهرة ونائب دمشق علاقة عداء أدت إلى حصول الكوارث والفتن. فقد ثار العرب من بني حرام وبني وائل في الشرقية فسير لهم السلطان تجريدة٢. وهجموا على مدينة القاهرة حتى وصلوا إلى حي الحسينية ونهبوا الدكاكين وسلبوا أثواب الناس، واستمر الحال على ذلك من بعد صلاة العصر إلى المغرب فرجعوا من حيث جاءوا٣. وفي سنة ست وتسع مئة (٩٠٦هـ) زاد شرّهم وقطعوا الطريق على الحجاج والتجّار، حتى نودي في دمشق بالجهاد ضدهم، وفي السنة التي بعدها سنة سبع وتسع مئة (٩٠٧هـ) وصلوا إلى أطراف دمشق ونهبوها، فخرج عليهم نائب دمشق ومعه مقدم البقاع ناصر الدين الحنش، ثم تتالت الهجمات عليهم، وهكذا كانت الحرب سجالاً ولم تحسم بأي حال٤. وربما تكون هذه الثورات، والانتفاضات في أطراف القاهرة ودمشق أو في

стр. 13

الصعيد احتجاجاً أو اعتراضاً أو رفضاً لحكم المماليك وأساليبهم في سياسة البلاد١. ولا شكّ أنّ هذا عمل غير مشروع. ومن الأمور الجديرة بالاهتمام فتنة (الدوادار اقبردي) سنة ثلاث وتسع مئة (٩٠٣هـ) ، وهي من الفتن الكبيرة التي وقعت في دمشق في آخر حياة ابن عبد الهادي، وقد تفاقم شرّه وحاصر الصالحية وتوعدهم بالكبس والقتل والحرق والنهب وهم في أراجيف منه، وكتب لأهلها كتاباً يتوعدهم فيه. وقد وقف ابن عبد الهادي من هذه الفتنة موقف علماء الملة المجاهدين حيث قال بعد أن ذكر رسالة (الدوادار آقبردي) : "فسألني أهل الصالحية في الذهاب إليه فامتنعت"، وكتب له جواباً على رسالته مطولاً توعد فيه كل من أراد الأذى لأهل الصالحية٢. وتعد الصالحية البيئة الخاصة التي نشأ فيها ابن عبد الهادي، ولذا يمكن التعريف هنا بهذه المدينة إبّان عصر المؤلّف، فالصالحية تقع في سفح جبل قاسيون، أنشأها بنو قدامة المقادسة سنة أربع وخمسين وخمس مئة، عندما هاجروا من بيت المقدس إلى دمشق٣، وقد قام بنو قدامة ببناء دور لهم، وشرعوا في بناء المدرسة العمرية، وهي أوّل مدرسة بنيت في الجبل، وتتابع البناء حولها، وقد ساعد على توسع الصالحية السلطان نور الدين ثم الملوك الأيوبيون، حيث قاموا ببناء عدة مدارس ومساجد٤. وأصبحت الصالحية في العصر المملوكي مدينة مستقلة، فابن بطوطة الذي

стр. 14

زارها سنة ست وعشرين وسبع مئة (٧٢٦هـ) قال عنها: "هي مدينة عظيمة لها سوق لا نظير لحسنه، وفيها مسجد جامع ... "١. ويصفها القلقشندي وصفاً رائعاً فيقول: "مدينة الصالحية ممتدة في سفح الجبل تشرف على دمشق وضواحيها، ذات بيوت ومدارس، وربط، وأسواق، وبيوت جليلة ... "٢. وأكثر أهلها حنابلة من بيت المقدس٣، وهي الآن حي من أحياء دمشق. ب- الحياة الدينية: لقد عانى المجتمع الإسلامي انقسامات وخلافات مذهبية أدت إلى صور من الصراع السياسي والعسكري بين الدويلات التي اتخذت نحلاً مختلفة، مدعية أنها على الطريق الأقوم وغيرها على طريق الضلال. وكان الصراع الشديد في تاريخ الأمة الإسلامية بين اتجاهين هما: اتجاه الحق، اتجاه أهل السنة الذين هم متمسكون بعلوم القرآن والسنة، ويعدون السنة وعلوم الحديث مكملين للقرآن فلا بد من الاعتناء بهما كالاهتمام بالقرآن الكريم. والاتجاه الثاني: وهو اتجاه الشيعة وهو مبني على الخرافة، وقد غلب على القرن الرابع فقد أيدته دولتان قويتان: دولة البويهيين في المشرق ودولة العبيديين في المغرب ومصر، ولم يلبث أن ضعف هذا الاتجاه بتغلب السلاجقة على المشرق٤، وهم من أهل السنة، ثم دولة صلاح الدين الأيوبي فالمماليك في الشام ومصر وهي دول سنية كذلك.

стр. 15

وعليه فقد حافظت دولة المماليك على الاتجاه السني بشكل عام ولم تسمح بظهور أي أثر شيعي في الفكر الإسلامي. فالغالبية العظمى في بلاد الشام هم من أهل السنة والجماعة ومنهم الحكام العسكريون (المماليك) ورجال الدين، بالإضافة إلى من يسمون العامة. وكانوا جميعاً برغم الاختلافات العديدة بينهم وبرغم تضارب مصالحهم يشكلون مجتمعاً إسلاميّاً واحداً، وبالرغم من أنهم لم يكونوا جميعاً يطبقون تعاليم الإسلام بحذافيرها. وكان هناك فئات قليلة لا أثر لها في المجتمع المملوكي إلا في الحالات النادرة، وهم: أوّلاً: الشيعة: انتشر التشيع في بلاد الشام منذ أيام الدولة العبيدية بمصر والشام، ورغم محاربة المماليك لهذه الأفكار إلا أنه بقيت طائفة من الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية -، وكانوا يقيمون في دمشق غربي باب توما، وكان لهم مسجد على يمين الداخل من باب توما١، أظهروا فيه: (البدع) فاستاء الناس منهم، ورفعوا الأمر للسلطان في القاهرة وورد المرسوم في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة (٨٩٢هـ) بهدم المسجد٢. وكانوا يقيمون احتفال الأوّل من محرّم والعاشر منه عند قبر (الست زينب) ، وهناك يختلط الرجال بالنساء وتكون المفاسد٣.

стр. 16

وهناك الإسماعيلية ولهم عدة قرى بالشام وهي: الرصافة، والخوابي، والقدموس، والكهف، والمنيقة، والقلعة، وتنتشر هذه بين نيابتي دمشق وطرابلس، وتسمى قراهم بـ: (قلاع الدعوة) ١. الدروز: وكانوا يقيمون فيما يسمى اليوم جبل لبنان. النصيرية: أتباع محمّد بن نصير البصري النميري (ت: ٢٧٠هـ) ، وهؤلاء يعيشون في منطقة عرفت بهم، وهي منطقة جبال النصيرية في اللاذقية٢. ثانياً: أهل الذمة: كان يقيم في قرية جوبر قرب دمشق وفي القسم الجنوبي الشرقي من المدينة طوائف من اليهود، في حين يقيم النصارى في شرقي البلد بالإضافة إلى انتشارهم في العديد من قرى النيابة٣. أما النصارى: فقد كانوا في نيابة دمشق يضمون فئتين هما: الملكانية: وهؤلاء يدينون بالولاء للبابا، وهم الذين يعرفون بالكاثوليك. اليعقوبية: وهم الشرقين، ومذهبهم منتشر أيضاً في مصر والحبشة٤. وقد ألزم النصارى بوضع العمامة الزرقاء وألزم السامرة٥ بوضع العمامة الحمراء، وذلك بإشارة وزير من المغرب قدم إلى مصر فانتقد الحرية الزائدة التي كان يتمتع بها أهل الذمة الذين رآهم يلبسون أفخر الملابس ويستخدمون في أجل

стр. 17

المناصب. وهذا يدل على التساهل من حكام المماليك في تطبيق أحكام أهل الذمة، ويبدو أن كلامه كان له أثر عند بعض حكام المماليك ولاسيما (ركن الدّين الجاشنكير) الذي بادر إلى عزلهم من الوظائف الحكومية، ثم أغلقت كنائسهم، وكتب بذلك إلى جميع نواب السلطة، فجمع النصارى واليهود في دمشق ومنعوا ركوب الخيل والبغال، ونودي بإلزامهم بشعار أهل الذمة١. على أن هذه الإجراءات الشديدة سرعان ما خففت وأعيد استخدام اليهود والنصارى في المناصب الحكومية وبقي الزيّ، بل كان اليهود يتولون المناصب الهامة في مصر والشام، فكان هناك كاتب سامري، أي: جابي ضرائب ويعرف بابن إبليس السامري، وكان يلح في الطلب على المسلمين ومن أراد تأخيره منهم أو مسامحته بجبي المال يقطع عنه الطلب مقابل أخذه نصف المبلغ المستحق له شخصياً، ثم يشطب اسمه من قائمة الطلب، والناس معه في الذل والهوان، ولاسيما متولي الأوقاف، وأكثر الناس يتوددون إليه، وهو لا يزداد إلا طغياناً٢. وكان معلم دار الضرب في دمشق يهوديّاً، وكان مع ذلك معززاً ومكرماً، وهو الذي وصفه ابن طولون بأنه: "عدو الله وعدو رسوله وعدو المسلمين الذي أهلك النقدين". بل وصلت الجرأة عندهم في بعض الأحيان إلى إعلان دينهم وإيذاء المسلمين فقد جاء جماعة من نصارى الحبشة وعددهم ثلاثة آلاف نفس ودخلوا القدس لزيارة كنيسة القيامة، وكان رئيسهم يجلس على كرسي من ذهب، وأمر بضرب الناقوس، فوافق وقت الأذان، فلم يسمع الآذان،

стр. 18

ومقصودهم من ذلك إظهار دين النصرانية في تلك الأماكن الشرقية، فأنكر عليهم شخص واستغاث بالمسلمين وأنكر ذلك، فضربه النصارى بالأسلحة. قال ابن طولون: "وأراح الله البلاد والعباد من حكام السوء مما حل بالإسلام والمسلمين"١. إضافة إلى هذه الطوائف والديانات التي تعيش بين المجتمع المملوكي كان المجتمع في ذلك الوقت مليئاً بالبدع والخرافات، فهناك الموالد التي تقام بمناسبة مولد النبي ﷺ وغيره، وما يقع فيها من المفاسد والقبائح ما لا يمكن شرحه حتى أبطلوا قراءة القرآن لأجل التهتيك٢. وذكر الحافظ ابن حجر: "أنه وجد في صبيحة يوم المولد مئة وخمسون جرة من جرار الخمر فارغات، هذا إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد والزنى ... "٣. وانتشرت الصوفية في ذلك الوقت ووقع من أهلها كثير من الأعمال المنافية للإسلام، فهناك من يأكل٤ الحشيش، ومنهم من لا يتورع عن فعل الجرائم الأخلاقية والشعوذة٥. وكثر الدجالون والمدعون المضللون، فمنهم من زعم أنه النبي ﷺ واجتمع عليه العامة، ومنهم من تكلم من وراء حائط ففتن الناس واعتقدوا أن المتكلم من الجن أو الملائكة، ووصفه ابن العطار قائلاً: يا ناطقاً من جدار وهو ليس يُرى ... اظهر وإلا فهذا الفعل فتانُ

стр. 19

لم يسمع الناس للحيطان ألسنةً ... وإنما قيل للحيطانِ آذانُ١ كما كان المجتمع المملوكي يعج بالانحراف الأخلاقي٢، وكان القتل هو أعظم الجرائم المؤرقة لكثير من الناس، وقد ذكر ابن عبد الهادي أن الفتوى بجواز قتل العوانية٣ قد فتح باباً واسعاً للشر حيث أغرى بعض الفقهاء للذعر٤ بأنه يجوز قتل أعوان الظلمة، فصار من في قلبه من أحد شيء إما يقتله أو يغريهم، ويعطيهم دراهم فيقتلونه ويحتجون بأنه عوني، فحصل بذلك فساد كثير. قال الشيخ ابن عبد الهادي: "فسئلت عن هذه المسألة مرتين، فأجبت في الأولى بجواب مختصر نحو الكراسة، وفي الثانية بمطول نحو الثلاثين كراساً وسميته: (الذعر في أحوال الزعر) ٥، ومحطهما عدم الجواز، وأنه لا يجوز لأحد إغراؤهم"٦. وبين ﵀ أنه لا يجوز قتل هؤلاء الزعران باعتبارهم أعوان الظالمين، لأنه لو جاز ذلك فجواز قتل الظالمين أحق وأولى٧.

стр. 20

ج- الحياة العلمية: كان العصر المملوكي من أنشط العصور العلمية وأهمها، فقد ظهر فيه طائفة من علماء الإسلام الذين جمعوا أشتات العلوم ونبغوا في مختلف الفنون، كانوا هم أصحاب الفضل في ضم شتات العلم في أسفار أشبه بدوائر المعارف الحديثة؛ لما اشتملت عليه من مؤلّفات متنوعة لعلوم مختلفة. ولا أدل على ذلك من تلك الكتب التي وصلت إلينا من ذلك العصر، ولا تزال دور الكتب في جميع أنحاء العالم مشحونة بمئات المخطوطات التي ترجع إلى ذلك العصر١. ويعود ذلك النشاط العلمي إلى أسباب منها: ١- المدارس ودور التعليم الأخرى: امتاز عصر السلاطين المماليك بالبلاد الشامية والديار المصرية ببناء المدارس، وتوسع السلاطين في بناء المدارس، فأنشئت العديد من المدارس التي درس فيها كبار العلماء الذين زخر بهم ذلك العصر والذين نبغوا في مختلف الفنون الإسلامية٢. وكان عدد مدارس دمشق إحدى وستين ومئة مدرسة، ومن هذه المدارس مدارس فقهية للمذاهب الأربعة، فقد كان للأحناف: اثنتان وخمسون مدرسة، وللمالكية أربع مدارس، وللشافعية ثلاث وستون مدرسة، وللحنابلة إحدى عشرة مدرسة منها المدرسة العمرية المشهورة التي أنشأها أبو عمر بن قدامة المقدسي الحنبلي (ت: ٦٠٦هـ) ، وهي أكبر المدارس في دمشق؛ لأنها اشتملت على ثلاث مئة وستين خلوة، تخرج فيها عدد كبير من العلماء، ودرس بها أئمة

стр. 21

أعلام منهم يوسف بن عبد الهادي. ولم يقتصر التدريس على المدارس فحسب بل شمل المساجد، والخوانق١، والزوايا٢، وغيرها٣. ٢- كثرة المكتبات في المدارس: كانت مدارس دمشق من القرن السابع إلى الحادي عشر مليئة بخزائن الكتب الوافية بغرض إفادة المدرسين والطلاب٤، ومن أعظم تلك المكتبات ما احتوته خزائن المدرسة العمرية، حيث احتوى عدة خزائن للكتب الموقوفة من عدة أناس أعظمها كتب السيد الحسيني، ومنها كتب الشيخ قوام الدين الحنفي، وكتب الشمس البانياسي، وكتب جمال الدين ابن عبد الهادي، وكتب البدري، وفي هذه الكتب مصحف يقال إنه بخط الإمام عليّ رضي الله عنه٥.

стр. 22

٣- الأوقاف على المدارس ودور التعليم: كانت الأوقاف هي المصدر الرئيسي لتمويل الحركة العلمية، وكان يساهم فيها الأمراء والشعب على حد سواء، وقد توسعت في عصر المماليك حتى شملت قسماً كبيراً من الأراضي والعقارات داخل دمشق وخارجها١. وقد حرص السلاطين المماليك وغيرهم ممن أنشأ المدارس على استمرارها في أداء رسالتها في نشر العلم وتعليم الأمة، واهتموا بنظام الأوقاف، فمن خلاله يتم تأمين الموارد المالية اللازمة، تجبي للنفقة على تلك المدارس وغيرها من دور العلم٢. ومن هذه الأوقاف تجبي الأموال الكثيرة وتصرف على المدارس ومن فيها من مدرسين وموظفين وطلاب٣. كما ساعد نظام الأوقاف على فتح أبواب العلم للفقراء، إذ تكفلت تلك الأوقاف بتدريسهم وتأمين الطعام والشراب والسكن والعلاج لأولئك الطلاب٤. وقد اتسعت أوقاف هذه المدرسة وخيراتها، وقل سنة من السنين تمضي إلا ويصير إليها وقف حتى صار من كل أنواع البر لها"٥.

стр. 23

ولا شك أنه متى كان الوقف كبيراً وثابتاً لتلك المدارس فإنه يمكنها من أداء رسالتها على الوجه الأكمل. فما سبق يعطي صورة واضحة للحركة العلمية التي كانت في ذلك العصر مما أدى إلى وجود عدد كبير من العلماء والمؤلفين، وخير دليل على ذلك كتب التراجم لعلماء هذا العصر، كـ: (النجوم الزاهرة) لابن تغري بردي (ت: ٨٧٤هـ) ويقع في خمسة عشر مجلداً، و (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) للسخاوي (ت: ٩٠٢هـ) ، ويقع في اثني عشر مجلداً. ومع هؤلاء العلماء وفي هذا الجو نشأ ابن الهادي وتلقى عن خيرة علماء ذلك الوقت في الفقه والحديث والتاريخ واللغة، ومما لا شك فيه أن من ينشأ في جو مثل هذا الجو المليء بالعلماء وطلاب العلم المتنافسين في تحصيله بشتى الوسائل، لا بد أن ينال من ذلك حظّاً وافراً، ولذا فإن المؤلف قد تأثر بهذه البيئة العلمية وأصبح من خيرة علماء ذلك العصر.

стр. 24

٢- حياة المؤلّف اسمه ونسبه: هو: العلامة يوسف بن الحسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمّد بن قدامة بن مِقْدام بن نصر بن فتح١ بن حديثة٢ بن محمّد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمّد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب٣ القرشي العَدويُّ العُمريُّ، دمشقيٌّ صالحيُّ الأصل، حنبليُّ المذهب٤. كنيته ولقبه: يكنى: أبا المحاسن، وأبا عمر أيضاً. ويُلَقَّبُ: جمال الدين بن بدر الدين بن شهاب الدين، واشتهر

стр. 25

بـ: (ابن المَبْرِد) ، وهو لقب جدِّه شهاب الدين أحمد، لقبه بذلك عمه، قيلَ: لقوَّته، وقيل: لخُشُونَة يده. وهو بفتح الميم وسكون الباءِ الموحّدة كذا ضبطها ابن الغَزِّي١. وكذا قال ابن طولون: (ابن المَبْرِد) بفتح الميم وسكون الباء الموحدة، كذا أملاني هذا النَّسب من لفظه وأنشدني: من يطلب التعريف عني قد هُدي ... فاسمي يوسفُ وابنُ نجلِ المَبْردِ وأبي يُعرفُ باسمِ سبط المصطفى ... والجدُّ جَدّي قد حَذَاهُ بأحمدِ٢ نسبته: ينسب المؤرخون أبا المحاسن إلى عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء وأحد العشرة المبشرين بالجنة. كما يقولون: القرشي العدوي، نسبة إلى قريش أشرف القبائل، وعدي ابن كعب أحد بطونها. ثم يقولون: الدمشقي الصالحي: فالدمشقي نسبة إلى دمشق إحدى المدن الإسلاميّة المشهورة في الإسلام وعاصمة الشام التي أنجبت كثيراً من علماء الإسلام. والصالحي: نسبة إلى قرية كبيرة في لحف قاسيون، وأكثر أهلها حنابلة أصلهم من بيت المقدس٣. والمقدسي: نسبة إلى بيت المقدس.

стр. 26

مولده: ذكرت معظم المصادر التي ترجمت للحافظ أن ولادته كانت في دمشق في غرة محرم سنة أربعين وثمان مئة (٨٤٠هـ) وبه قال ابن العماد١،وابن الملا٢،وجزم به الغزي٣، وكذا نقل جار الله بن فهد عن النعيمي٤، في: (تاريخه العنوان) . وبه أيضاً جزم تلميذه ابن طولون الدمشقي قال: "مولده بالسهم الأعلى بصالحية دمشق سلخ سنة أربعين وثمان مئة (٨٤٠هـ) ٥، وهذا ما اختاره الكتاني٦ والزركلي٧. وذهب السخاوي إلى أن ولادته كانت في سنة بضع وأربعين٨. وأما ابن الغزي فقد حددها بسنة إحدى وأربعين وثمان مئة (٨٤١هـ) ٩، وبه قال الشطي١٠. أسرته: ينتمي ابن عبد الهادي إلى أسرة عريقة في الفضل والعلوم الشرعية والدين، ذات جذورٍ

стр. 27

راسخة بشرفي العلم والنسب، فهو ينتمي إلى آل عبد الهادي أحد فروع آل قدامة بن مقدام، فجده الأعلى عبد الهادي بن يوسف بن محمّد بن قدامة بن مقدام، ومحمّد بن قدامة هو أخو الشيخ أحمد ابن قدامة والد الإمام موفق الدين١. وهؤلاء وأولئك أسرٌ علمية متعددة، تولّوا القضاء والتدريس والفتوى وأفادوا الناس وحملوا مشعل الحضارة في بلاد الشام وغيرها دهراً، وارتحل إليهم الطلاب من عامة بلاد الشام والعراق والحجاز واليمن ومصر ونجد، واشتهروا بخدمة الكتاب والسنة، وكثرت تآليفهم الجيدة النافعة٢. إذاً فأسرة الشيخ يوسف تنتمي إلى بيت آل عبد الهادي الذي تخرج من مدرسته رجال علماء عرفوا بالدين والعلم والصلاح والزهد والورع، ونساء فضليات حَمَلنَ العلم، وساهمنَ في نشره وتبليغه. وهذه تعريفات موجزة لبعض أعلام هذه الأسرة: ١- العلامة المحدث شمس الدين محمّد بن أحمد بن عبد الهادي المقرئ الفقيه النحوي، أخذ عنه خلق كثير، وعني بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل، وله ثمانية وسبعون كتاباً منها: (تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق) ، و (الصارم المنكي في الرد على السبكي) وغيرهما. توفي سنة أربع وأربعين وسبع مئة، ولم يتجاوز أربعين سنة٣. ٢- حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي، بدر الدين،

стр. 28

أخذ عن زين الدين عبد الرحمن بن سليمان ووالده، قرأ (مختصر الخرقي) وتفقه بأحمد بن يوسف والشيخ تقي الدين. توفي في شهر رجب سنة تسع وتسعين وثمان مئة بالصالحية، وهو والد يوسف ابن عبد الهادي١. ٣- أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن شهاب الدين، قرأ (المقنع) ، واشتغل على السُّبكي في الفرائض فأجادها، له مؤلّفات كثيرة، منها: (شرح على الخرقي ولم يكمله، والترشيح في فضل التسبيح) . توفي سنة خمس وتسعين وثمان مئة. وهو أخو المؤلّف لأبويه. وألف في أخباره كتاباً سماه: (تعريف الغادي بفضائل أحمد ابن عبد الهادي) ٢. ٤- عبد الجليل بن محمّد عبد الهادي العمري الفلكي المتوفى سنة سبع وثمانين وألف بالمدينة النبوية٣. ٥- الفاضلة الجليلة عائشة بنت أحمد بن عبد الهادي، مسندة الدنيا، انفردت بالرواية عن الحجار وغيره، وروى عنها الحافظ ابن حجر، توفيت سنة ست عشرة وثمان مئة٤. مهنته: أفنى ابن عبد الهادي عمره في العلم تعلماً وتعليماً، ولأجل المكانة العلمية الرفيعة التي حازها بين علماء عصره بدمشق في علم الحديث، وسعة باعه

стр. 29

واطلاعه في العلوم الأخرى، تأهل لتولّي التدريس في أكبر مدارس دمشق وهي المدرسة العمرية١. وإلى جانب قيامه بالتدريس كان كثير الكتابة والإفتاء، فمعظم مؤلفاته بخط يده ولأجل ذلك قال: لقد سود الحبر الأصابع من يدي ... لكثرة ما أعتاده بالكتابة٢ وكان يفتي بعد أن توفرت فيه شروط المفتي، وله مجموع من الفتاوى٣. قال ابن الغزي: "ودرس وأفتى ... "٤. وقال جميل الشطي: " ... وأفنى عمره بين علم وعبادة وتصنيف وإفادة"٥. وذكر السخاوي أنه ناب في القضاء٦، ولم أجد من ذكر هذا ممن ترجم له من علماء الحنابلة، وكذا تلميذه ابن طولون. وفاته: بعد حياة حافلة بالتعلم والتعليم والتأليف وبعد عمر بلغ (٦٩) سنة توفي يوسف بن عبد الهادي يوم الاثنين السادس عشر من المحرم سنة تسع وتسع مئة، على قول معظم المترجمين له وهو قول معاصره النعيمي (ت: ٩٢٧هـ) ٧.

стр. 30

وذكر حاجي خليفة أنه توفي سنة ثمانين وثمان مئة١، وتابعه على هذا إسماعيل البغدادي٢. وهذا القول مردود بما صرح به ابن عبد الهادي نفسه حيث ذكر في كتابه: (صب الخمول على من وصل أذاه إلى أولياء الله) أنه فرغ تأليفه سنة ثلاث وتسع مئة، وكذا قوله في تلميذه: (ابن الملاح) : إنه قرأ عليه كتابه (تهذيب النفس) وأنهاه في مجلس يوم الأربعاء ثالث شهر المحرم من شهور سنة تسع وتسع مئة. وانفرد جميل العظيم بقوله: "إنه توفي سنة تسع عشر وتسع مئة"٣. ولعله سهو منه أو تحريف من الطابع. ولما توفي اجتمع في جنازته خلق كثير وكانت حافلة، ودفن بتربة الباب الصغير بالصالحية بسفح جبل قاسيون٤.

стр. 31

٣- السيرة العلمية للمؤلّف طلبه العلم: نشأ ابن عبد الهادي منذ صغره في مدينة دمشق وسط جو علمي في عصر يعج بالعلماء، والبيت الذي ترعرع فيه ابن الهادي في بلدته بيت علم وصلاح كما أسلفنا عند ذكر أسرته١. وقد بدأ ابن عبد الهادي طلبه للعلم مبكراً كغيره من أبناء عصره، فتعلم مبادئ القراءة في الكتاتيب، وتفقه بأبيه وجده، ثم عكف على طلب العلم فقرأ القرآن وكذا الحديث على جماعة من شيوخ عصره وفي مدارس دمشق٢، وما زال مجدّاً في الطلب حتى سمع من كبار علماء دمشق، عند ذلك اشتاقت نفسه للرحلة خارج دمشق كما هي عادة غالب طلاب العلم. رحلاته: مع أن دمشق أحد مراكز العلم في عصر المؤلف، لما تتسم به من كثرة العلماء والشيوخ، ومدارس العلم، إلا أن ابن عبد الهادي لم يكتف بالأخذ عنهم، بل أراد الرحلة خارج بلده، والاستزادة من علماء البلاد الأخرى، وهذا دأب معظم طلاب العلم، فالرحلة عندهم أمر لا بد منه، وقد مضى ابن عبد الهادي على طريقة من سبقه من أهل العلم، فأكثر الرحلة إلى البلاد الأخرى حيث وصفه تلميذه ابن طولون بـ: (الرُّحلَة) ٣، وقد صرحت

стр. 32

المصادر: أنه رحل إلى بعلبك١ فقرأ بها على أبي حفص ابن السلمي، وخلقٍ من أصحاب ابن الرعبوب، وقرأ ثمة (صحيح البخاري) ، و (مسند الحميدي) ، و (المنتخب لعبد بن حميد) ، و (مسند الدارمي) ، وتفقه بالشيخ ابن قندس٢. ورحل أيضاً إلى مدينة (نابلس) ٣ وتكلم على حماماتها وحكم الإيقاد فيها٤. وحج سنة ثمان وتسع مئة كما ذكر السخاوي٥. مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: إن خير ما يصور منْزلة ابن عبد الهادي العلمية، وأثره الإصلاحي، هو آثاره الكثيرة التي خلّفها، وما لقيته من اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور المُتعاقبة. ويُضَمُّ إلى هذا سيرة ابن عبد الهادي العلمية وثقافته العالية، ذات الوجوه المتعددة التي أخرجت هذه الثمار الوافرة، فكان حافظاً بارعاً، ومحدثاً جهبذاً، وفقيهاً عارفاً، ومؤرخاً جامعاً، ولغوياً متمكناً من العربية، وكان حافظاً جيداً لأسماء الرجال وطرق الحديث. ولا عجب في ذلك فإن منشأه في الوسط العلمي الذي تحدثنا عنها آنفاً،

стр. 33

وما أعطاه الله من عمر مباركٍ مديد يقرب من السبعين قضاه في العلم والتعلم والتأليف والكتابة من شأنه أن يبلغ صاحبه بتوفيق الله هذه المكانة الرفيعة١. ونظراً لما لابن عبد الهادي من مكانة علمية في نفوس العلماء، وما يتمتع به من سعة العلم وقوة الحفظ، فقد أثنى عليه كثير من علماء عصره ومن جاء بعدهم من العلماء. قال فيه عصريه عبد القادر النعيمي (ت: ٩٢٧هـ) : "الشيخ العالم المصنف المحدث"٢. وقال تلميذه ابن طولون: "وهو الشيخ الإمام علم الأعلام المحدث الرحلة العلامة الفهامة العامل المتقن"٣. ووصفه محمّد بن محمّد نجم الدين الغزي (ت: ١٠٦١هـ) بقوله: "الشيخ الإمام العلامة المصنف المحدث"٤. ونوَّه بعلمه وفضله ابن العماد (ت: ١٠٨٩هـ) فقال: "كان إماماً علامة يغلبُ عليه الحديث والفقه، يشارك في النحو والتصريف والتصوف والتفسير وله مؤلفات كثيرة"٥. وقال محمّد بن محمّد كمال الدين الغزي (ت: ١٢١٤هـ) : "هو الشيخ الإمام العلامة الهمام، نخبة المحدثين، عمدة الحفاظ المسندين، بقية السلف، قدوة الخلف، كان جبلاً من جبال العلم وفرداً من أفراد العلم، عديم

стр. 34

النظير في التحرير والتقرير، آية عظمى وحجَّة من حجج الإسلام كبرى، بحرٌ لا يلحق له قرارٌ، وبرّ لا يشق له غبار، أعجوبةٌ عصره في الفنون، ونادرةُ دهره، الذي لم تسمح بمثله السنون ... ، وأجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأمة على فضله وجلالته"١. ووصفه الكتاني بقوله: "هو الحافظ جمال الدين أبو المحاسن، من أعيان محدثي القرن العاشر المشهورين بكثرة التصنيف وسعة الرواية"٢. وقال الشطي (ت: ١٣٧٩هـ) : "كان إماماً جليلاً عالماً نبيلاً، أفنى عمره بين علم وعبادة وتصنيف وإفادة"٣. عقيدته: كانت عقيدة ابن عبد الهادي هي ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأهل الحديث، فهو أحد العلماء الذين عرفوا بصفاء العقيدة والسير على مذهب السلف، ولا أدل على ذلك من كتابه: (تحفة الوصول إلى علم الأصول) ٤، الذي ألفه في اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو كتاب مختصر شامل لجميع أبواب العقيدة، وكذا كتابه: (جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر) ٥ الذي ردّ به على ابن عساكر؛ لأنه مدح الأشعرية، وقرر فيه عقيدة أهل الحديث، وكذا أقواله المتفرقة في ثنايا كتبه التي

стр. 35

قرر فيها عقيدة السلف، فمن أقواله: ﵀: "والإيمان: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان"١. ونقل قول محمّد بن إسحاق بن خزيمة: "من لم يقل إن الله في السماء على العرش استوى ضربت عنقه وألقيت جثته على مزبلة بعيدة عن البلد حتى لا يتأذى بنتن ريحها أحد من المسلمين ولا من المعاهدين"٢. وقال: "قال الإمام اللالكائي: "سياق ما جاء في قول الله عزوجل: ﴿الرَّحمنُ على العرشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وأن الله على عرشه في السماء، قال: وهو قول عمر وابن مسعود، وأحمد بن حنبل"٣. وقال ناقلاً كلام ابن بطة في رده على المعتزلة: " ... وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَديَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وأنكروا أن يكون لله عينان مع قوله: ﴿تجْري بِأعْيُننا﴾ [القمر: ١٤] ، ولقوله: ﴿ولِتُصْنع على عَيْني﴾ [طه: ٣٩] . ونفوا ما روي عن النبي ﷺ من قوله: "إن الله ينْزل إلى السماء الدنيا ... " ٤، فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة فعرفونا قولكم الذي تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما

стр. 36

كان عليه أحمد بن حنبل قائلون"١. مذهبه: ترعرع الجمال يوسف بن عبد الهادي في أسرة علمية، تمذهبت بالمذهب الحنبلي، وكان لها الأثر الكبير في نشر هذا المذهب في مدينة دمشق بعد قدومهم من بيت المقدس. فلا غرابة أن يكون ابن عبد الهادي أحد المتمسكين بمذهبه، فقد تفقه بأبيه وجدّه٢، وغيرهما من علماء الحنابلة، وحفظ (المقنع) ، و (الطوفي) ٣ وغيرهما من كتب الحنابلة، وجد وثابر حتى أصبح من كبار علماء الحنابلة. شيوخه: تلقى ابن عبد الهادي العلم عن أعلام من شيوخ عصره، وساعده تبكيره في طلب العلم، وشغفه العلمي، ونهمه المتواصل على الاستفادة منهم، وحفاوة أسرته به، وتشجيعهم إياه، وكون والده من أهل الفقه، والبيئة التي نشأ بها، كلّ هذه الأسباب ساعدت ابنَ عبد الهادي على أن يتحمل مثل هذا العلم الوافر الغزير، وأن يصبح عالماً ماهراً، فقيهاً، ومؤرخاً جامعاً. وسأكتفي بذكر أهم شيوخه الذين كان لهم الأثر في تكوينه العلمي والثقافي، مع ترجمة موجزة لكل واحد منهم، وهم: ١- أحمد البغدادي، إمام المدرسة ويعرف بـ: (الإمام) ، كان يؤم بمدرسة

стр. 37

شيخ الإسلام أبي عمر، وخطب بجامع المظفري مدة، كان ذا دين وروع، وزهد، وإلمام بالفقه والحديث والقراءات، أخذ عن ابن عباس اللحام وغيره، وللمؤلف منه إجازة. توفي في شهر جمادى الأولى سنة إحدى وستين وثمان مئة (٨٦١هـ) ١. ٢- أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قندس تقي الدين البعلي ثم الصالحي الحنبلي، قرأ القرآن وسمع على الشيخ التاج بن بردس وغيره، وتفقه في المذهب الحنبلي فحفظ: (المقنع) وأخذ الأصول على ابن العصياني، ثم اشتغل بالتدريس في مدرسةالشيخ أبي عمر، أخذعنه مجموعة من علماء المذهب منهم: العلاء المرداوي، وتقي الدين الجراعي، وقرأ عليه ابن عبد الهادي (المقنع) ،له مصنفات منها: (حاشية على المحرر) ، و (حاشية على الفروع) . توفي سنة إحدى وستين وثمان مئة (٨٦١هـ) ٢. ٣- زين الدين بن الحبال: هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف بن الحبال، أبو الفرج الحنبلي، المقرئ الفقيه، أخذ عن ابن ناصر الدين وغيره، حفظ الخرقي والملحة وغيرهما، واشتغل في (مختصر الخرقي) ، و (المقنع) ، و (المحرر) ، و (العمدة) وغير ذلك من كتب المذهب. قال ابن عبد الهادي: "قرأت عليه في القرآن وجميع (المقنع) ، و (البخاري) ، و (مسلم) ، و (أربعين ابن الجزري) ، وغير ذلك". توفي بمرض البطن سنة ست وستين وثمان مئة (٨٦٦هـ) ٣.

стр. 38

٤- شهاب الدين أحمد بن محمّد بن عيسى أبو العباس الفولاذي الدمشقي الشافعي، قرأ القرآن على عثمان الحداد، وتفقه بالجمال الطيماني، وأخذ العربية والأصول عن محمّد المدني وغيره، حفظ الحاوي، والألفية، والمنهاج الأصلي، تصدى لإقراء الفقه، وأخذ عنه السخاوي، وابن عبد الهادي وغيرهم. توفي سنة سبع وستين وثمان مئة (٨٦٧هـ) ١. ٥- محمّد بن عبد الله بن نجم الصفي أبو عبد الله الدمشقي الصالحي الحنبلي، قرأ القرآن عند الزين عبد الرحمن بن بوري، وتفقه بأبي شعر وغيره، أخذ عنه ابن عبد الهادي، وقرأ عليه: (جزء الجمعة الثاني) ، و (ثلاثيات البخاري) ، وغير ذلك. كان صاحب عبادة وزهد معظماً لمذهب الإمام أحمد مستمسكاً بفروعه وأصوله حسن الاعتقاد، معظماً لشيخ الإسلام ابن تيمية. توفي سنة تسع وستين وثمان مئة (٨٦٩هـ٢. ٦- عمر اللؤلؤي المقرئ المجود زين الدين، أخذ عن عائشة بنت عبد الهادي، وابن عروة وغيرهما، أخذ عنه ابن عبد الهادي وقرأ عليه: (ثلاثيات البخاري) ، و (الزهد) لأحمد، و (مسند عبد بن حميد) ، وغير ذلك، وكان محبّاً لشيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن عبد الهادي: "وهو الذي كنا نتأدب به". توفي سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة (٨٧٣هـ) ٣. ٧- تقي الدين الجراعي: هو أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الجراعي ثم الدمشقي الصالحي، قرأ القرآن ومختصر الخرقي وبعض ألفية ابن مالك.

стр. 39

عند يحيى العبدوسي ثم قدم دمشق وأخذ عن التقي ابن قندس الفقه وأصوله، والعربية، والمعاني والبيان، أخذ عنه صالح ابن عمر البلقيني، وجلال الدين المحلي، وابن عبد الهادي. وقرأ عليه: (المقنع) . توفي سنة ثلاث وثمانين وثمان مئة (٨٨٣هـ) ١. ٨- علاء الدين المرداوي: هو علي بن سليمان بن أحمد المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي حفظ القرآن، وأخذ عن الشهاب أحمد المرداوي، وقرأ (المقنع) على أبي الفرج الطرابلسي، ولازم ابن قندس حتى انتفع به وقرأ عليه (المقنع) و (مختصر الطوفي) و (ألفية ابن مالك) ، أخذ عنه بدر الدين السعدي وابن عبد الهادي حيث قرأ عليه غالب (المقنع) وغالب (الطوفي) . توفي سنة خمس وثمانين وثمان مئة (٨٨٥هـ) ٢. ٩- فخر الدين عثمان بن علي التليلي الحنبلي، أخذ عن الحافظ ابن حجر، وعلي بن عروة، وابن الطحان وغيرهم، وأخذ عنه ابن عبد الهادي حيث قرأ عليه جزء المنتقى من (مسند الإمام أحمد) ، ومواضع من كتاب: (المقنع) . توفي سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة (٨٩٢هـ) ٣. هؤلاء هم أشهر مشايخ ابن عبد الهادي الذين تلقى عنهم العلم، كما أخذ الحديث عن جماعة كبيرة من تلاميذ الحافظ ابن حجر، وابن العراقي، وابن البالسي، وجمال الدين ابن الحرستاني، والصلاح بن أبي عمرو،

стр. 40

والحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي وغيرهم١. وقد أجاز له من مصر الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة (٨٥٢هـ) ، والشهاب الحجازي المتوفى سنة خمس وسبعين وثمان مئة (٨٧٥هـ) ، وغيرهما٢. تلاميذه: لقد كان لشغف ابن عبد الهادي بالعلم ومحبته له، وهمته العالية في تتبع العلماء والأخذ عنهم أثرٌ بالغٌ في جعله من أوعية العلم، ورائداً من رواده، وممن يشار إليهم بالبنان في ذلك العصر، فأصبح الحافظ الكبير، والفقيه المتقن، والمصنف المكثر الذي يؤمُّه طلبة العلم من كل بلاد الإسلام، يرحلون إليه ليسمعوا منه، وليتفقهوا على يديه، وينتفعوا من زهده وصلاحه، وقد عُمِّرَ ما يقرب من سبعين سنة حتى سمع منه أبناؤه وعدد هائل من أهل العلم من مختلف البلاد الإسلامية. وسأكتفي بذكر أبرز تلاميذه مع ترجمة موجزة لهم. ١- أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي النجدي، ولد في بلده العيينة ونشأ بها وقرأ على فقهائها، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فقرأ على الشيخ شهاب الدين العسكري وتخرج به وانتفع، وقرأ على يوسف بن عبد الهادي في الفقه من أصول ابن اللحام وغير ذلك، وتفقه ومهر في الفقه فأجازه مشايخه وأثنوا عليه فرجع إلى بلده فصار المرجوع إليه في قطر نجد في المذهب الحنبلي،
следующие страницы →