وأما قدر التسبيح في الركوع والسجود فأدنى الكمال ثلاث، فإن اقتصر على تسبيحة واحدة أجزأه، وسواء في ذلك الفريضة والنافلة.
وأما صفة صلاة التراويح وعددها، فالذي ذكره العلماء أن التراويح عشرون ركعة، وأن لا ينقص عن هذا العدد إلا إن أراد أن يزيد في القراءة بقدر ما ينقص من الركعات؛ ولهذا اختلف عمل السلف في الزيادة والنقصان، وعمر ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب كانت صلاتهم عشرين ركعة. وأما القراءة فاستحب أهل العلم للإمام أن لا ينقص عن قراءة جزء ليحصل للناس سماع جميع القرآن في التراويح.
ترك الاستفتاح والتعوذ بعد الركعتين الأوليين لصلاة التراويح
(مسألة) : إذا أراد الإمام أن يترك الاستفتاح والتعوذ في مثل هذه التراويح بعد الركعتين الأوليين لأجل ما ذكرنا، هل له ذلك أم لا بد من الإتيان بهما جميعا في كل ركعتين أم غير ذلك
(الجواب) : أما الاستفتاح فلا بأس بتركه إذا استفتح في أول الصلاة، ثم بعد ذلك يقتصر على التعوذ والبسملة بعد تكبيرة الإحرام، فلا بأس بذلك، لأن الاستفتاح سنة؛ ولو تركه الإنسان في الفرض صحت صلاته.
الاقتصار على التشهد الأول في كل ركعتين
(مسألة) : إذا أراد الإنسان أن يقتصر على التشهد الأول في كل ركعتين هل له ذلك، أم لا بد من الصلاة على النبي ﷺ .
(الجواب) : أما التشهد فالذي لا بد منه هو التشهد الأول، ثم يقول:"اللهم صل على محمد"، فإن اقتصر على ذلك أجزأه، وإن زاد فهو أفضل وأكمل.
حد السرعة في القراءة في التراويح
(مسألة) : ما حد السرعة في القراءة في التراويح التي يمنع منها الإمام، هو لا بد من القراءة المعتادة من الترتيل والتدبر، أم الأمر واسع بعض الأحيان لأجل صلاة أكثر الناس، ومثل ما قال أحمد ﵀: إنما
стр. 107
الأمر على ما يحتمل الناس، ومثل العجلة من الراضة ترى إذا استعجل الإمام صلى غالب الناس جميع التراويح، ولا ينصرفون إلا إذا انصرف الإمام، ويحصلون الفضيلة أعني قيام الليل مع الإمام حتى ينصرف إلى آخره، وإذا تريض الإمام وصار ثقيلا ما صلوا إلا بعض الصلاة.
(الجواب) : أما السرعة في القراءة، فالترتيل أفضل من السرعة؛ والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف، فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة لم يجز ذلك وينهى عنه. وأما إذا قرأ قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه، ولا يسقط شيئا من الحروف فهذا حسن، ولا يضره مع ذلك سرعته في القراءة.
وقت الانصراف من القيام في العشر الأواخر
(مسألة) في القيام في العشر الأواخر، متى يكون وقت الانصراف آخر الليل إلى ما دونه؟ هل له وقت واحد في البكر والصيف أم الأمر واسع، ومثل ما ذكر أن النبي ﷺ "قام ليلة إلى ثلث الليل، وليلة إلى نصف الليل، وليلة سبع وعشرين إلى الفجر"مثل ما ذكر عن بعضهم أنه خشي أن يفوتهم الفلاح ١ وإلي أيحن نعامل ينصرفون من القيام مبكرين يقرأ القارئ خمسة أجزئة أو أكثر وحد دون هذا قبل الصبح، وإذا عفا الله عنك كني ما أتحاسن هذا لأجل إذا جاء وقت السحر الفضيل، وإلى أن أكثر الناس خصوصا المقيمين رقودا إلى الصبح، وإلا لو هم جلوس على قراءة أو ذكر كان أفهم أنهم في صلاة أم الأمر على ما جاز للجماعة.
(الجواب) : أما وقت الانصراف من القيام في العشر الأواخر، فما علمت فيه تحديدا، وقيام آخر الليل أفضل من أوله، والأحسن في هذا
стр. 108
أن الإمام يفعل الأمر الذي لا يشق على المأمومين مع الحرص على الصلاة آخر الليل، فإذا تحرى الوقت الذي يتسع لحاجات الناس آخر الليل بحيث لا يشق، ولا يضيق الوقت عن حاجاتهم فما زاد عنه لا حاجة إليه، واشتغالهم بالصلاة آخر الليل أولى من النوم.
النهي عن صلاة ركعة بعد الوتر
(مسألة) في قوم إذا سلم بهم إمامهم من التراويح قام بعد السلام يلحق ركعة يشفع بها وتره الذي أوتر في وقت الإمامة لأجل أن يريد أن يوتر آخر الليل، مثل هذا يشكل علينا هل للإمام فعل ذلك أم لا
(الجواب) : في الإمام إذا سلم من الوتر قام فصلى ركعة ينقض بها وتره، فمثل هذا ينهى عنه، ولا علمت أحدا من السلف فعله، فإذا أحب الإمام أن يجعل وتره آخر الليل، فلينصرف إذا فرغ من التراويح، ويستخلف من يوتر بالمأمومين.
فإن أحب أن لا ينصرف إلا بعد الفراغ من الوتر فإذا بقي ركعة من الوتر، استخلف غيره يصلي بهم تلك الركعة، ويصلي معهم تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام قبل السلام وشفعها بركعة. والمسألة التي فيها الاختلاف في نقض الوتر غير هذه، وصورتها أن يوتر أول الليل، ثم يبدو له بعد ذلك أن يتنفل آخر الليل هل ينقض وتره بركعة إذا قام آخر الليل ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر؟ أم لا ينقضه بل يصلي مثنى مثنى ولا يعيد الوتر
فهذه المسألة الخلاف فيها مشهور، وأما المسألة المسؤول عنها فلا ينبغي فعلها وفي الحديث: "لا وتران في ليلة"١.
صلاة النساء مع الرجال في صف واحد
(مسألة) في صلاة النساء مع الرجال في صف واحد ماذا يكون فيها، وصورتها إذا كان في رمضان، وصف الرجال في الصف الأول، وفضل فيه
стр. 109
بعضه، هل يصح للنساء أن يصففن فيه ويخلين بينهن وبين الرجال فرجة، ولكنهن في طرف صف الرجال، هل يجوز ذلك للحاجة مثل برد، أو استماع قراءة أم لا
(الجواب) : وقوف النساء مع الرجال في صف واحد مكروه، والسنة وقوفهن خلف الرجال؛ هذا هو الذي وردت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ وأصحابه. وقوف النساء مع الرجال في صف واحد ما يناسب، وقد ورد في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، والله أعلم.
المسافر إذا مر بالماء ولم يستعمله وصلى بالتيمم
(مسألة) في المسافر إذا مر بالماء في الوقت ولم يستعمله وصلى بالتيمم، هل يعيد أم لا
(الجواب) : المسافر إذا مر بالماء في الوقت فلم يستعمله وصلى بالتيمم هل يعيد فالمسألة فيها خلاف بين الفقهاء والعلماء، وفيها وجهان للأصحاب، والمذهب أنه لا إعادة عليه؛ لأنه في تلك الحال عادم للماء.
صلاة الجمعة للمسافر
(مسألة) في المسافر إذا أتى بلدا، وأدركته الجمعة فيها، وأمره أهل البلد أن يصلي بهم الجمعة، هل له أن يفعل على قول أبي حنيفة والشافعي ومالك أم لا وكذلك في المسافر إذا كان نيته الإقامة في البلد فوق أربعة أيام، وكان إمام المسجد ليس بحاضر، فأمره أمير البلد والجماعة أن يصلي بهم الجمعة والجماعة، فأجاب إلى ذلك، هل هذا جائز أم لا وكذلك هل يكون الذي يعيب على ذلك الفاعل مصيبا وله دليل أم هذا من الجهل وهل يعاب هذا على فاعله أم لا؟ وأيما أفضل إجابة الإنسان لهذه المسألة ونحوها، أو امتناعه
(الجواب) : المسافر إذا قدم البلد ولم ينو إقامة تمنع من القصر والفطر في
стр. 110
رمضان، فهذا لا جمعة عليه بحال؛ فإن صلى الجمعة مع أهل البلد أجزأته، والأفضل في حقه حضورها إذا لم يمنع مانع.
فإن كان المسافر قد نوى إقامة مدة تمنع القصر والفطر، فهذا تلزمه كغيره؛ فإذا كان في بلد تقام فيها الجمعة وجب عليه حضورها. وأما إمامته في الجمعة، فالمذهب أنه لا يجوز أن يؤم فيها بحال، ولا يكمل به العدد المعتبر؛ لأن من شروط الجمعة الاستيطان، وهذا ليس بمستوطن. وذهب مالك، وأبو حنيفة والشافعي إلى أن له أن يؤم فيها، وهذه المسألة من مسائل الخلاف؛ ولا أعلم فيها دليلا من الجانبين.
فإذا كانت من المسائل الاجتهادية فلا إنكار في مسائل الاجتهاد، ولا يجوز الإنكار على الفاعل، خصوصا إذا كان قد علم الخلاف بين العلماء في الجواز وعدمه، وعمل على قول المجيزين؛ ولا يجوز نسبته إلى الجهل والحالة هذه.
وأما قولك أيما أفضل إجابة الإنسان لمثل هذه المسألة ونحوها، أو امتناعه؟ (فالأفضل) في حقه العمل بالأحوط، ولا يؤم في الجمعة وهو مسافر إلا إن كان قد بان له، وترجح عنده الجواز، وأن القول بالمنع لا وجه له، فتلك حالة أخرى. وأما إذا ترجح عنده الجواز، وعمل بقول الجمهور، فلا يجوز الإنكار عليه إذا رضي أهل البلد بإمامته لغيبة الإمام، أو قدمه الإمام بنفسه -والله أعلم-.
وقوف المأمومين في الصف الثاني قبل إتمام الأول
(مسألة) في الذين يصفون في الصف الثاني والأول لم يتم لأجل إدراك الركعة ونحو ذلك، ماذا يكون فيهم إذا كان مأمورا بإتمام الصف الأول فالأول هل الصلاة تتم على هذه الحال أم لا
(الجواب) : إذا صف بعض المأمومين في الصف الثاني ولم يتم الأول، هل تصح صلاتهم أم تلزمهم الإعادة؟ فنقول، بل تصح صلاتهم، ولا إعادة عليهم؛ لكن يؤمرون بإتمام الصف الأول فالأول للأحاديث الواردة في ذلك.
стр. 111
صلاة من يقف في الصف وحدة لأجل إدراك ركعة
(مسألة) في الفذ الذي يصف في الصف وحده لأجل إدراك الركعة، هل يؤمر بالإعادة أم لا وما الذي يجوز له والذي يفعل ذلك عليه خطر من جهة دخوله في الصلاة من الخلل بالتكبير، والطمأنينة، ونحو ذلك، وهل يفرق في هذه المسألة بين الذي يصف وحده ثم يأتيه غيره في الركوع، والذي يستكمل الركعة فذا قبل أن يأتيه أحد، أم المبني على دخوله في الصلاة فذا وحده.
(الجواب) : في الفذ إذا وقف في الصف وحده لأجل إدراك الركعة، فهذا ينهى عنه كما نهى عنه النبي ﷺ أبا بكرة فقال له: "زادك الله حرصا، ولا تعد"١.وإذا فعل الإنسان ذلك، فإن دخل في الصف قبل أن يسجد، أو أحرم معه آخر، فالمشهور صحة صلاته؛ فإن خر ساجدا قبل أن يدخل في الصف وكان وحده فإنه يؤمر بالإعادة،، لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه أمر الذي صلى وحده خلف الصف بالإعادة. وأما قولك: وما العذر الذي يجوز له فالذي عليه الجمهور أنه لا يجوز للفذ أن يصلي خلف الصف لا لعذر، ولا لغير عذر، وأما على القول الذي اختاره الشيخ تقي الدين فهو جائز للعذر، مثل أن يجد الصف قد تم، ولا يجد من يقف معه فيصلي وحده، ولا يجذب رجلا من الصف ليقف معه.
مسائل في دفن الميت والصلاة عليه وصفتها
الميت بعد غروب الشمس
(مسألة) : إذا مات الميت بعد غروب الشمس سواء كان أول الليل، أو أوسطه، أو آخره هل يؤخر تجهيزه إلى النهار؛ لأنه أسهل على المجهزين والمتبعين، أم تجب المبادرة إلى تجهيزه ولو في الليل؟ وهكذا إذا قلنا بتركه إلى النهار، ما معنى قوله ﷺ : " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني
стр. 112
أه له"١، هل هذا يتناول ذلك أم لا
(الجواب) : أما الميت إذا مات في الليل فيجوز تأخير دفنه إلى النهار إذا لم يخش من الانفجار ونحوه؛ فإن دفن ليلا جاز، لأن أبا بكر دفن ليلا، وعلي دفن فاطمة ليلا. وعن ابن عباس أن النبي – ﷺ دخل قبرا فأسرج له سراج، فأخذ من قبل القبلة وقال: "رحمك الله أن كنت تلاء للقرآن "٢ رواه الترمذي، قالوا: ولكن الدفن بالنهار أولى؛ لأنه أسهل على متبعي الجنازة، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلحاده.
وأما قوله ﷺ : " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" ٣ فهذا إذا لم يكن عذر.
تقديم جنازة الرجل للصلاة عليها على غيرها
(مسألة) : إذا حضر جنازتان أو أكثر ذكور وإناث، هل النساء مما يلي القبلة والرجال مما يلي الإمام
(الجواب) : إذا اجتمع رجال ونساء وأراد الإمام أن يصلي عليهم صلاة واحدة، قدم الرجال فجعلهم مما يليه؛ لأنهم يستحقون التقديم في الإمامة فاستحقوا التقديم في الجنائز، وقد نقل الجماعة عن أحمد أنه يقدم إلى الإمام الحر المكلف، ثم العبد المكلف، ثم الصبي، ثم المرأة المكنونة.
صفة وضع الجنازات بين يدي الإمام للصلاة عليها
(مسألة) ما صفة وضعهم هل صفة واحدة أعني بذلك أن تجعل رؤوسهم على أيمن الإمام وأرجلهم إلى أيسر الإمام جميعا، أم تكون الرؤوس جميعا والأرجل هذا إلى الأيمن وهذا إلى الأيسر من الإمام. وهذا الإشكال أورده إنسان علينا بلا علم، ولا مقصدنا بتسوية الصدور والرؤوس.
(الجواب) : أما صفة وضعهم بين يدي الإمام للصلاة عليهم، فتجعل رؤوسهم كلهم عن يمين الإمام، ويجعل وسط المرأة حذاء صدر الرجل، ليقف الإمام من كل نوع موقفا، لأن السنة أن يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة.
стр. 113
الصدقة على الميت من ماله الذي خلفه
(مسألة) : إذا مات إنسان وأراد أهله أن يتصدقوا له بصدقة من ماله الذي خلف قبل القسمة، هل هذا جائز ومستحب أم لا وكذلك إذا كان في الورثة صغار، هل يجوز لوليهم مثل أخ أو أم أو غيرهما الصدقة لأبيهم من رأس المال، كل بحسبه أم لا
(الجواب) : في الصدقة عن الميت من ماله الذي خلفه فهو حسن، والصدقة المالية تصل إلى الميت باتفاق أهل العلم، بخلاف الصدقة البدنية، بأحد الأعمال البدنية؛ فإن ذلك مختلف فيه، بخلاف الأول فهو بالاتفاق. وأما إذا كان في الورثة صغار، لم يجز لأوليائهم أن يتصدقوا لأبيهم من نصيبهم من الميراث، فإذا أراد الكبار أن يتصدقوا لميتهم فليجعلوا ذلك من نصيبهم خاصة.
نصاب زكاة الذهب والفضة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الأولى من المسائل) : ما قدر الأنصبة في الزكاة من كل نوع بعد التحرير هل زكاة الذهب عشرون مثقالا على ما ذكروها المثقال في وقتنا هذا من الجدد وهل يشترط بلوغ العشرين مثقالا مائتي درهم على ما ذكر من الإجماع، أم على عامة قول الفقهاء نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها وما الفرق في ذلك وما صورة المسألة؟ وما العمل عليه في وقتنا الآن بعد التحرير
(الجواب) : ذكر أهل العلم أن نصاب الذهب عشرون مثقالا، وحررناه بالوزن فصار قدر سبعة وعشرين زرا. وأما الفضة فنصابها مائتا درهم، وحررناه فوجدناه بالوزن أحدا وعشرين ريالا، وأمرنا من كان عنده من الذهب أو من الفضة هذا المقدار وقد حال عليه الحول أن يزكيه.
стр. 114
قدر نصاب الفضة من الريالات اليوم
(مسألة) : زكاة الفضة كم قدرها من الريالات اليوم وما قدر المائتي درهم في وقتنا هذا وهل تقوم وما التقويم في ذلك هل هو على قيمة الصرف، أم على قيمة الفضة، أم غير ذلك
(الجواب) : فكما ذكرنا لك أن الذي عليه العمل في نصاب الفضة أحد وعشرون ريالا، وأما الجدد فهي عرض تقوم بالفضة.
العروض تقوم عند الحول بالريالات
(مسألة) في العروض هل تقوم بالصرف من الريالات، أم تقوم على قدر قيمتها من الفضة وما الفرق بين الفضة والذهب والعروض، هل قيمتها واحدة أم متفاوتة
(الجواب) : العروض تقوم عند الحول بالريالات، لأنها أنفع للفقراء، لأن العروض تقوم بالأحظ للفقراء من غير الورق، كما نص عليه الفقهاء.
العروض هل هي جامعة جميع ما يملك الإنسان؟
(مسألة) في العروض هل هي جامعة جميع ما يملك الإنسان من هدم وغنم وعيش وتمر وإبل وبقر وغير ذلك سوى النقدين، أم غير ذلك
(الجواب) : العروض اسم للسلع المعدة للتجارة، فكل شيء يشتريه الإنسان يرصده للربح فهو عرض تجارة من جميع أنواع المال؛ وأما الإبل التي يجعلها صاحبها عديلة مع البدوي يقصد به تناسلها عنده ولا له نظر في بيعها وتقليبها للتجارة، فهي تزكى زكاة السائمة لا زكاة تجارة، وكذلك الغنم.
وأما إن كان قصد صاحبها التجارة ويظهرها مع البدو، فإذا سمنت وزانت باعها، فهذه تزكى زكاة تجارة. وأما العيش والتمر فإن كان محصله صاحبه من حرثه، فلا فيه زكاة بعدما يزكيه زكاة الحرث ولو بلغ أحوالا، ومتى باعه استقبل بثمنه حولا؛ وأما إن كان محصله من دين له على الناس، فمثل ما يفعل التجار، فهذا يزكى كل حول، ويقوم عند رأس الحول كغيره
стр. 115
من عروض التجارة، وهذا معنى قول الفقهاء: ولا تكرر زكاة معشرات ولو بلغت أحوالا ما لم تكن للتجارة.
زكاة العوامل والعروض من الإبل والغنم
(مسألة) : ما الذي تجب في الزكاة من العروض من الإبل مثل الذلول والسانية، هل تضم مع العروض أم لا وكذلك الغنم التي تشرب اللبن والبقر التي مثل ذلك، هل هذه العوامل التي قال أحمد: ليس في العوامل زكاة
(الجواب) : إذا كان الذلول للتجارة فهي عرض تقوم عند رأس الحول؛ وإن كانت لغير التجارة بل جعلها صاحبها للحرفة عليها أو الجهاد أو الحج ونحو ذلك، فينظر في ذلك: فإن كانت لم ترع غالب الحول عند الوديع فلا زكاة فيها، فإن كانت قد رعت دور السنة مع إبل الوديع وجبت فيها الزكاة زكاة خلطة. وأما العوامل التي قال أحمد ليس فيها زكاة، فهي التي تركب مثل زوامل البدو.
ما الذي يخرج عن زكاة العروض بعد المعرفة والتقويم؟
(مسألة) : ما الذي يخرج عن زكاة العروض بعد المعرفة والتقويم هل هو دراهم، أم عين من أنواع العروض، أم ينظر إلى ما هو أحظ لبيت المال والمساكين، في مثل زكاة بلدنا التي زكاتها فيها إما لبيت المال أو للمساكين
(الجواب) : الذي يخرج عن العروض دراهم بعد ما تقوم بها؛ فإذا قومت بالدراهم أخرجت زكاتها.
زكاة المال الغائب
(مسألة) : إنسان غاب عنه ماله قدر ثلاث سنين أو أكثر، ثم جاءه ولم يزد من رأس المال لم يزكه، وهل يكون في الدين زكاة إن أخره صاحبه في يد من كان عنده وقت الوجوب، أم ما يجب عليه في ذلك شيء حتى يأخذه صاحبه من يد من كان عنده وهل يفرق بين من منع وبين من لم يمنع
(الجواب) : إذا غاب مال الإنسان عنه ثم جاءه، زكاه لما مضى إذا
стр. 116
كانت غيبة في تجارة مثل البضاعة ونحوها؛ وكذلك إن كان دينا على مليء باذل. وأما إن كان دينا على معسر أو نحوه، ففيه خلاف. وأما إن كان صاحبه هو الذي أخره على المدين ولو أراد أخذه منه أعطاه إياه متى طلبه، فهذا يزكيه لما مضى من السنين.
وقت زكاة الدين الذي على المليء
(مسألة) في الدين الذي على المليء مثل القرض والصداق، أيما أحسن يزكيه قبل قبضه أو بعده.
(الجواب) : إذا كان الدين على المليء، فإن شاء زكاه عند رأس الحول وهو أفضل لأنه مقدور عليه؛ وإن شاء أخر زكاته حتى يقبضه، فالتأخير رخصة في ذلك.
قدر نصاب الحبوب والثمار
(مسألة) في قدر نصاب العيش الذي مهما نقص سقطت الزكاة، هل هو مائتان وسبعون صاعا بصاعنا اليوم، أم أكثر من ذلك أم أنقص وما فرق صاعنا من صاع النبي ﷺ وما قدر الصاع الذي ذكر أن الوسق ستون صاعا، كم ينقص عن صاعنا؟ وهل نقص الصاع أو الصاعين يسقط الزكاة
(الجواب) : نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ؛ وأما تقديره بصاعنا فهو معروف عند عمال الزكاة، وصاعنا يزيد على الصاع القديم.
حد النصاب الذي يسقط الزكاة
(مسألة) في النقص اليسير في الأنصبة، هل هو يسقط الزكاة مثل الوزنة والوزنتين ومثل الجديدة والجديدتين ما حد الذي يسقط الزكاة
(الجواب) : نقول: اختلف أهل العلم هل النصاب في الذهب والفضة تحديد أو تقريب، فالمشهور عند الحنابلة أنه تقريب، فعلى هذا لا يضر
стр. 117
النقص اليسير نحو الدرهم مثلا. وأما الحبوب والثمار فالمشهور عند الحنابلة أن النصاب فيها تحديد، فلو نقص يسيرا ولو نحو نصف صاع سقطت الزكاة؛ وعن أحمد رواية أخرى أن النصاب فيها تقريب، فلا يؤثر النقص اليسير، قال في الإنصاف: وهو الصواب.
ضم الحبوب بعضها إلى بعض لتكميل النصاب
(مسألة) في ضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، هل البناء من العام الماضي أم المقبل وصورتها هل زرع القيض الذي مضى يضم مع ثمرة الحب الموجود الآن، أم يصح أن يضم حب الصيف إلى زرع القيض المقبل، أم غير ذلك أم يختلف ذلك باختلاف الثمار
(الجواب) : أما مسألة ضم الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فإن كانت من جنس واحد فإنه يضم بعضها إلى بعض بلا إشكال؛ وإن كانت من جنسين، فاختلف الفقهاء في ضم بعضها إلى بعض. والذي عليه العمل اليوم أنه يضم بعضها إلى بعض، فتضم الحنطة إلى الشعير، وتضم الذرة إلى الدخن. وأما معنى الضم فالمراد به إذا كانت الثمرة الأولى لا تبلغ نصابا، ثم جاءت الثمرة الثانية فإنها تضاف إلى الأولى؛ فإذا بلغ نصابا أخرج زكاته.
زكاة ديوان صاحب الأرض وتأثير الخلطة في الحبوب والثمار
(مسألة) : إنسان حصل في هذا الصيف قدر مائتي صاع تزيد ولا أتمت النصاب، وفي القيض يحصل قدر أربعين صاعا أو أكثر، فصار هذا بكماله يبلغ النصاب؛ ولكن فيه ديوان لصاحب الأرض قدر ثلاثين صاعا أو أكثر أو دون ذلك، هل تجب الزكاة على هذه الحال، وتصير من رأس العيش فإن كانت من رأسه حصلت الزكاة، فإن أخذ صاحب الأرض ديوانه قبل الزكاة نقص النصاب، أم الزكاة تجب على صاحب الزرع إذا بلغ هذا،
стр. 118
ولكن صاحب الديوان ما على نصيبه زكاة أم مبنى هذه المسألة على تأثير الخلطة في الحبوب والثمار، وهذه كثير وقوعها عندنا
(الجواب) : هذه مسألة مبنية على مسألة ضم الحبوب بعضها إلى بعض؛ فإذا قلنا تضم فمتى كمل النصاب أخرج زكاته. وأما ديوان الأرض الذي يأخذه المالك فيبنى وجوب الزكاة فيه على القول بتأثير الخلطة في غير السائمة؛ والذي عليه الجمهور أنها لا تؤثر في غير السائمة. وعن أحمد رواية ثانية أنها تؤثر في الحبوب والثمار، وهو قول إسحاق، واختارها الآجري وابن عقيل.
فعلى هذا تؤخذ الزكاة من المال، ويكون على صاحب الأرض قدر نصيبه من الزكاة؛ وأما على قول من قال أن الخلطة لا تؤثر في الثمار، فيخرج صاحب الزرع معروق الأرض، ثم يزكي الباقي إن بلغ نصابا؛ ولكن الأحوط في هذا إخراج الزكاة ولو نقص النصاب بإخراج الديوان، وذلك لأن الديوان أجرة في ذمة المستأجر، وليس مالك الأرض شريكا له في الزرع، وإنما الذي له آصع معلومة في ذمة المستأجر، والفقهاء يمثلون الخلطة في الثمار بنحو اشتراكهما في الزرع، ونحو اشتراط المالك جزءا معلوما من الثمرة، نحو ربع الثمرة أو خمسها.
(وأما مسألة) إجارة الأرض بآصع معلومة، فهي بعيدة من مسألة الخلطة، والأحوط في هذا أن صاحب الزرع إذا كمل عنده النصاب أخرج زكاته، ثم دفع ديوان الأرض إلى مالكها، ولا ينقص شيء من أجل الزكاة.
الوقف الذي ما تجب فيه الزكاة
(مسألة) : ما الوقف الذي ما تجب فيه الزكاة هل هو الوقف على أي جهة كانت، مثل المسجد والجهاد والصوم والحج، أم غير ذلك وما صورة الوقف على معين الذي تجب فيه الزكاة وهل إذا كان نخل
стр. 119
موقوف على مسجد أو غيره وكان في يد كداد هل عليه زكاة تبعا لغيره، أم الوقف ما عليه زكاة ولا تؤثر فيه الخلطة، أم حكمه حكم الخلطة من غيره، أم يفرق بينهما
(الجواب) : الوقف الذي تجب فيه الزكاة هو الوقف على معين، أما الوقف الذي على غير معين كالوقف على المساجد ونحو ذلك مثل المؤذن والصوام والسراج ونحو ذلك فلا زكاة فيه؛ فإذا كان النخل وقفا على المسجد فلا زكاة في عمارته التي تؤخذ لأهل المسجد.
تأثير الخلطة في الثمار وصورتها
(مسألة) في تأثير الخلطة في الثمار، ما صورتها؟ هل حكمها حكم السائمة، أم غير ذلك فمن ذلك رجلان اشتركا في زرع، فبلغ زرعهما جميعا قدر مائتين، هذا الذي بينهما، ولكل واحد منهما وحده زرع، فواحد عنده قدر خمسين ليس فيه شركة، وللآخر قدر مائة أو أكثر أو دون، وهذا صورة هذه المسألة ماذا يكون فيها وهذه من أشكل ما يقع عندنا.
(الجواب) : الخلطة تؤثر في الماشية بالحديث الصحيح، وأما غير الماشية فالذي عليه أكثر أهل العلم أن الخلطة لا تأثير لها في الحبوب والثمار والدراهم، وعند بعض الفقهاء أنها تؤثر.
وأما الصورة الواقعة عندكم إذا كان بين اثنين زرع قدر مائتي صاع لكل واحد مائة وله قدر خمسين أو أزيد من زرع آخر مختص به عن شريكه، فهذا لا زكاة فيه على القولين جميعا، لأنا إن قلنا أن الخلطة لا تأثير لها في غير الماشية فواضح؛ وإن قلنا تؤثر فهما لم يشتركا في نصاب، لأن المشترك لا يبلغ نصابا فلا زكاة فيه. فإذا اقتسما وأضاف كل واحد منهما نصيبه إلى ما حصل له من الزرع الآخر الذي اختص به عن شريكه نظرنا، فإن بلغ حصته نصابا زكاه، وإلا فلا.
стр. 120
زكاة الصداق الذي في ذمة الزوج
(مسألة) في رجل تزوج امرأة على صداق كثير، فبعضه بلغها، وبعضه لم يبلغها، وهو في ذمة الزوج، وهو قدر عشرين ريالا، هذا من السياق، وأما المهر الذي عقد عليه فهو ثمانية، وهو أيضا في ذمة الزوج إلى الآن، ومضى على ذلك قدر سنتين، هل تجب في ذلك زكاة ومتى تجب إن كانت واجبة؟ والمرأة لا مخلية ولا أخذت بين هذا وهذا، إن أرادوا الأخذ أخذوا، وإن أرادوا ما أخذوا، وهذا صورتها، هل تجب الزكاة على هذه الحالة أم لا
(الجواب) : الصداق في ذمة الزوج لا زكاة فيه قبل القبض، واختلف الفقهاء في زكاته بعد قبضه، هل يزكى لما مضى من السنين، أم يزكى سنة واحدة، أم لا زكاة فيه.
وقت وجوب الزكاة في الثمرة
(مسألة) متى تجب الزكاة في الثمرة، وفيما يتركه الخارص لأهل النخل، هل هو سهم معلوم، أم على قدر حاجتهم وأكلهم وهديتهم وصدقتهم كما ذكر، أم غير ذلك وكذا ما يخرجه بعِوض وما يخرجه بلا عوض، وكذا إذا باع من الثمرة مثل مقياض ونحوه، هل يزكيه تمرا أو يزكي ثمنه دراهم
(الجواب) الزكاة تجب في الثمرة إذا بلغت نصابا، لكن يؤمر الخارص أن يدع الثلث أو الربع لأهل النخيل، يأكلونه ويهدون منه ويتصدقون، وبعض أهل العلم يقول يدع لأهل النخيل قدر حاجتهم، كل إنسان على قدر حاجته، فما كان يحتاجه للأكل قبل الجذاذ، ويهديه لأقاربه ونحوهم، أو يتصدق به، فلا زكاة فيه، وما عدا ذلك ففيه الزكاة. فتبين لك أن ما أخرجه بلا عوض يعود إليه فلا زكاة فيه، وما باعه أو أهداه هدية يطلب عوضها ففيه الزكاة. وقولك: هل يزكي ثمنه إذا باعه؟ فليس الأمر كذلك، بل يزكي نفس الثمرة التي باعها.
стр. 121
اعتبار النصاب في الزكاة بعد التصفية
(مسألة) في الزرع كالصفراء، وهي نوع من العيش تنقص بعد اليبس والتصفية.
(الجواب) : أهل العلم ذكروا اعتبار النصاب بعد التصفية فإذا صار العيش مدقوقا مصفى صالحا للأكل، فمتى بلغ النصاب وجبت فيه الزكاة.
زكاة ما يتركه الخارص لأهل النخل
(مسألة) في الخارص، هل يستوعب النخل بالخرص فلا يبقي شيئا، أم يترك لأهل النخيل حاجاتهم
(الجواب) : كل ما يأكله صاحب النخل من المقياض هو وعياله وما يهديه لقريب وما يتصدق به على فقير، فكل هذا لا زكاة فيه، ويؤمر الخارص بترك ذلك، فلا يخرصه على أهل النخل ويخرص الباقي.
بيع الزكاة قبل قبضها
(مسألة) في بيع الزكاة قبل قبضها، هل يجوز ذلك أم لا
(الجواب) : ذكر الفقهاء أن الفقير لا يملك الزكاة، ولا يتصرف فيها بالبيع قبل قبضها، واستدلوا على ذلك بحديث مرفوع رواه أحمد وابن ماجه.
شراء المزكي زكاته
(مسألة) : هل للمزكي أن يشتري زكاته أم لا
(الجواب) : أما شراء المزكي زكاته ففيه خلاف، والمشهور أنه لا يجوز.
ملك من غير الأثمان ما لا يكفيه هل تجوز له الزكاة؟
(مسألة) : ما معنى قولهم: من ملك من غير الأثمان ما لم تتم به كفايته فله الأخذ من الزكاة، وما الفرق بين الأثمان وغيرها
(الجواب) : نقول: معنى ذلك ما نص عليه أحمد في رواية الميموني قال: ذاكرت أبا عبد الله فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه أفيعطى من الصدقة قال: نعم، وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا أو كذا، قلت: فلهذا قدر من العدد والوقت؟ قال: لم أسمعه. وقال في رواية: من الحكمة إذا كان له عقار يستغله أو ضيعة تساوي
стр. 122
عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه، يأخذ من الزكاة؛ وذلك لأنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، لأن الفقر عبارة عن الحاجة.
ولا يقال: هذا لو يبيع عقاره صار غنيا، لأن بيع العقار الذي يحتاج إلى غلته لا يلزمه، وكذلك الغنم الذي يحتاج إليها، وكذلك سواني الكداد ودوابه وعروض القنية التي يحتاج إليها، وكل ذلك لا يمنع من أخذ الزكاة مع الحاجة.
ملك من الأثمان ما يكفيه هل تجوز له الزكاة أم لا؟
(مسألة) في الأثمان، إذا ملك منها ما يكفيه، هل تجوز له الزكاة أم لا وهل الأثمان وغيرها سواء في عدم المنع من الأخذ من الزكاة
(الجواب) : أما الأثمان فإذا ملك منها ما يكفيه لم تبح له الزكاة، كما أنه إذا كان له غلة نخل أو أرض تكفيه لا تباح له الزكاة، قال في المغني: اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان، أظهرهما أنه ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من مكسب أو تجارة أو أجر عقار أو نحو ذلك، ولو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا يحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك نصبا؛ هذا الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق.
(والرواية الثانية) أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئا، وإن كان محتاجا حلت له الصدقة وإن ملك نصبا، والأثمان وغيرها في هذا سواء. وهذا قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها- وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان أو عروض التجارة أو السائمة. انتهى ملخصا.
стр. 123
(مسألة) في الزكاة، هل تؤخذ من رأس العيش قبل أن يأخذ صاحب الأرض ديوانه، أو تصير الزكاة على صاحب الأرض والكداد أم صاحب الأرض يأخذ ديوانه قبل الزكاة أم غير ذلك
(الجواب) : في ديوان الأرض وقولك: هل يأخذ صاحب الأرض ديوانه قبل إخراج الزكاة أو بعد ذلك؟ فهذه تنبني على تأثير الخلطة في الزرع؛ فإن قلنا تؤثر أخرجت الزكاة من رأس، ويكون على صاحب الأرض من الزكاة قدر ما يحصل له من الديوان. وأما إن قلنا لا تؤثر الخلطة في الزرع فلا زكاة على صاحب الديوان، إلا أن تبلغ حصته نصابا.
شراء الإنسان زكاة ماله من عيش غيره
(مسألة) في الذي تجب عليه الزكاة ولم يخرجها من حرثه، بل أخرجه على الديايين أو غيرهم، وشرى له عيشا وزكى به، هل هذا جائز أم لا
(الجواب) : أما شراء الإنسان زكاة ماله من عيش غيره فلا علمت فيه خلافا، والذي فيه المنع شراؤها من الفقير بعدما يدفعها إليه. وأما كونه يخرج عيشه على الديايين، ويشتري عيشا، ولا يعطيه أهل الزكاة، فلا أرى به بأسا.
زكاة غنم الخلطة
(مسألة) في الخلطة في الزكاة مثل الغنم، وأصل صورة ذلك رجل له غنم تبلغ أكثر من النصاب، ومعه غنم لأجنبي عدائل. هل له إخراج الزكاة من جميع الغنم إذا كانت واجبة فيها الزكاة بالخلطة بالشروط المذكورة، ويرجع بعضهم إلى بعض
(الجواب) : في مسألة زكاة غنم الخلطة فالعامل يأخذ من أي المالين شاء، ويرجع المأخوذ منه على خليطه بقدر زكاة ماله، لقوله –﵇: " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" ١، وسواء كان لكل منهما نصاب،
стр. 124
أو كان لأحدهما نصاب دون الآخر، أو كانا لا يبلغان النصاب إلا باجتماعهما.
(مسألة) : إذا كانت الخلطة توجب الزكاة، وكان لإنسان قدر نصاب أربعين، ولآخر أكثر، ولاثنين قدر نصاب، والجميع تجمعه الخلطة، وجاء الساعي لأخذ الزكاة، هل يأخذ الزكاة من رأس جميع المال من غير معرفة الغنم وتمييزها، ثم يرجع بعضهم إلى بعض أو يأخذ الزكاة من كل مال أم غير ذلك
(الجواب) : متى اختلطا حولا بالشروط المذكورة في كتب الفقه، وبلغت غنمهما نصابا، فالخلطة تصير المالين كالمال الواحد، ويأخذ العامل الزكاة من مال أحدهما، ويرجع على خليطه بقدره.
هلك الزرع قبل التمكن من إخراج الزكاة
(مسألة) في الزرع إذا اشتد في سنبله، وبدا فيه الصلاح، وحصد بعضه وبعضه واقف، أو قد يكون حصد منه شيء، وأصابه آفة من الله مثل برد أو برَد، وذهب جميع الزرع أو بعضه، هل فيه زكاة أم لا أم يفرق بين المحصود والواقف، أم غير ذلك
(الجواب) : المشهور عند أهل العلم أن الزكاة تجب إذا اشتد الحب، ولا يستقر الوجوب إلا إذا جعل في البيدر، فإن تلف بعضه سقطت الزكاة فيما تلف وزكى الباقي؛ ولا أعلم أحدا من العلماء قال بوجوبها فيما تلف قبل الحصاد، بل الذي عليه أكثر العلماء أو كلهم، بل أظنه إجماعا، أن الزرع إذا هلك بآفة سماوية قبل حصاده، والثمرة إذ هلكت قبل الجذاذ فالزكاة تسقط فيما تلف.
وأما إذا جذت الثمرة ووضعت في الجرين، أو حصد الزرع وجعل في البيدر، ثم أصابته آفة سماوية كالريح والنار التي تأكله قبل التمكن من إخراج الزكاة، فهذه المسألة هي محل الخلاف. فبعضهم يقول بوجوب الزكاة وبعضهم
стр. 125
يقول بسقوطها ويقول: شرط الوجوب التمكن من الإخراج وهو لم يحصل.
إخراج الزكاة قبل التصفية
(مسألة) في الذي يخرج زكاته قبل التصفية مثل الصميما ونحوها، هل دقها على صاحب الزرع أم يدفعها إلى أهل الزكاة سنبلا قبل التصفية أم غير ذلك
(الجواب) ظاهر كلامهم عدم الجواز لأنهم نصوا على أنه لا يخرج الحب إلا مصفى؛ ولا التمر إلا جافا.
مسائل في صدقة الفطر وما يتعلق بها
دفع صدقة الفطر إلى مدرس الصبيان
(مسألة) في دفع صدقة الفطر إلى مدرس الصبيان، أرى فعل أكثر بلدنا وغيرها، إذا صار في البلد مدرس دفعوا فطرة القرابة إلى مدرسهم؛ أحدهم يدفعها إليه قبل دفعها إلى الذي يجبيها، وبعضهم يدفعها إلى عامل الزكاة، ثم يدفعها الأمير أو النائب إلى المدرس؛ وكذلك هنا من يضبط الصبيان ويدفع إلى مدرسهم قدر فطرتهم، هل هذا جائز أم لا
(الجواب) : الذي ذكره أهل العلم في صدقة الفطر أنها لا تدفع إلا إلى الفقراء والمساكين ونحوهم، ممن يجوز له أخذ زكاة الأموال، فإن كان هذا المدرس فقيرا وأعطي منها لأجل فقره فهذا حسن، وإن كان إنما أعطي لأجل التدريس فلا يجوز. ولا ينبغي لإنسان أن ينتفع بزكاته، ولا يجعلها وقاية لماله؛ فإن فعل ذلك لم تجز عنه، والفطرة إن جعل الأمير لها جابيا يجبيها دفعها إلى الجابي؛ فإن لم يكن لها جاب فليدفعها إلى من اشتدت حاجته إليها من الفقراء والمساكين. ولا يجوز دفعها إلى غني، ولا يستخدم بها الفقير.
قدر صدقة الفطر إذا كان التمر موزونا
(مسألة) : كم قدر صدقة الفطر إذا كان التمر موزونا الآن، هل قدرها وزنة وثلث أم أكثر
стр. 126
(الجواب) : الذي يظهر لنا أن صاع التمر قدر وزنة ونصف.
دفع صدقة الفطر إلى أهلها عند التفريق بعد الجمع
(مسألة) في دفع صدقة الفطر إلى أهلها عند التفريق بعد الجمع، هل يعطي الإنسان قدر فطرته لا أزيد ولا أنقص، أم لا بد أن يزاد أو ينقص؟ وهل تدفع إليه فطرته بعينها أم لا
(الجواب) : إذا أعطى الجماعة أحدا من الفقراء قدر فطرته لا أزيد ولا أنقص، فهذا لا بأس به إذا كان معطى من غير فطرته التي ساق؛ بل بعض أهل العلم يجوز له أن العامل يرد عليه، ولو زكاته بنفسه إذا بلغت العامل.
هل الأفضل خلط فطرة أهل البلد أم تترك في مواعينها؟
(مسألة) : هل يجب خلط فطرة أهل البلد، أم تترك في مواعينها، وتفرق على هذه الحال من غير جمع، أيما الأفضل في ذلك
(الجواب) : عن هذه المسألة، وهي سؤالك: هل الأفضل خلط فطرة أهل البلد أم تفريغها في مواعينها؟ فالأفضل المبادرة بإخراجها إلى مستحقها، سواء خلطت أم لا.
الحد الذي يثبت في زكاة الفطر
(مسألة) : ما الذي يثبت في حدها هل هو صاع من تمر وهل الصاع من التمر وزنة وثلث أم أكثر وهل نصف صاع البر قائم مقام الصاع من غيره، أم لا بد من الصاع
(الجواب) : الذي يثبت في حدها فهو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو صاع من أقط. وأما البر فجاء في بعض الأحاديث أن رسول الله – ﷺ جعل نصف الصاع من البر قائما مقام الصاع من غيره من الأجناس المذكورة. والحديث رواه أحمد وأبو داود. والذي في الصحيحين أن معاوية هو الذي قوم ذلك، والقول به مذهب كثير من أهل العلم، وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وأما تقدير الصاع من التمر بالوزن فهذا لا
стр. 127
يحتاج إليه، لأن التمر مكيل، فإن أخرج وزنتين عن الصاع فهو كما في هذا.
إخراج القيمة في الزكاة أو الفطرة
(مسألة) في إخراج القيمة في الزكاة أو الفطرة.
(الجواب) : قال في الإنصاف: ولا يجزئ إخراج القيمة، هذا المذهب مطلقا، سواء كان ثم حاجة أم لا، لمصلحة أو لا، لفطرة وغيرها، وعنه تجزئ القيمة مطلقا، وعنه تجزئ في غير الفطرة، وعنه تجزئ للحاجة من تعذر العرض ونحوه، واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل لمصلحة أيضا واختاره الشيخ تقي الدين. انتهى ملخصا والله أعلم.
مسائل في الرهن وما يتعلق به
الزيادة في دين الراهن
(مسألة) في الراهن، هل يجوز له أخذ دراهم ويجعلها داخلة في الرهن تبعا للأول، فيكون الرهن بها وبالأول
(الجواب) : هل للمرتهن أن يزيد دراهم يكون الرهن بها وبالدين الأول فالمشهور عدم الجواز، وعبارة الإنصاف تجوز الزيادة في الرهن، ويكون حكمها حكم الأصل؛ ولا يجوز زيادة دين الراهن، لأنه رهن مرهون.
اختلاف المرتهن والراهن في الرهن
(مسألة) إذا اختلف المرتهن والراهن في الرهن، أحدهما يقول: رهن، والآخر يقول: بيع، ماذا يكون، ومن يعمل بقوله؟ والحكم في ذلك
(الجواب) : إذا اختلف المرتهن والراهن، فقال الراهن: هو رهن عندك، وقال المرتهن: بل بعتنيه، فالمشهور في هذه المسألة أنهما يتحالفان، فيحلف كل منهما على نفي ما ادعاه الآخر، ويأخذ الراهن رهنه. وعبارة أهل المذهب: وإن قال: رهنتك ما بيدك بألف، فقال: بل بعتنيه بها، أو قال:
стр. 128
بعتكه، فقال: رهنته بها، حلف كل على نفي ما يدعى عليه، وأخذ الراهن رهنه، وبقي الألف بلا رهن. انتهى.
رهن المواشي وقبضها
(مسألة) : هل يجوز رهن المواشي وما قبضها وهل الاستدامة شرط لصحة الرهن
(الجواب) : أما رهن المواشي هل يجوز أم لا فالجواز ظاهر لا يخفى كما دلت عليه السنة الصحيحة، وإنما الإشكال في القبض، هل هو شرط لصحة الرهن أو غير شرط والمشهور عند أهل العلم أن القبض شرط لصحة الرهن. وأما استدامة القبض فهل هي شرط أم لا فعلى قول من يشترط الاستدامة فالأمر ظاهر، وعلى القول الثاني إذا قبضه المرتهن فلا بأس أن يأذن للراهن في الانتفاع به، فيكون تحت يد الراهن ينتفع به والرهن بحاله، والله أعلم.
اختلاف الراهن والمرتهن في قضاء الرهن
(مسألة) : إذا كان على رجل ألفان: أحدهما رهن والآخر بغير رهن، فقضى ألفا وقال: قضيت الألف الذي فيه الرهن، وقال المرتهن: بل قضيت الآخر.
(الجواب) : نقول: القول قول الراهن مع يمينه، سواء اختلفا في نية الراهن بذلك أو في لفظه، لأنه أعلم بنيته وصفة دفعه، ولأنه يقول: الباقي بلا رهن، والقول قوله في أصل الرهن فكذلك في صفته. والخلاف بين الفقهاء فيما إذا أطلق ولم ينو شيئا، فبعضهم يقول: له صرف الألف في أيهما شاء، كما لو كان له مالان حاضر وغائب، فأدى قدر زكاة أحدهما، كان له أن يعين عن أي المالين شاء. وقال بعضهم: يقع الدفع عن الدينين معا، عن كل واحد نصفه، لأنهما تساويا في القضاء، فتساويا في وقوعه عنهما،
стр. 129
هذا إذا أطلق، وأما إذا ادعى أنه نواه عن الألف الذي فيه الرهن، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته.
تلف الرهن في يد المرتهن
(مسألة) : إذا رهن إنسان قدرا، وضاع القدر ولا فرط فيه، هل يسقط الدين أو الدين ثابت ولو ضاعت الرهانة
(الجواب) : إذا تلف الرهن في يد المرتهن، فإن كان بتعديه أو تفريطه في حفظه ضمنه، قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا. فأما إن تلف بغير تعد منه ولا تفريط فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن، يروى ذلك عن علي –﵁، وبه قال عطاء، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. فأما إذا تلف بغير تعد ولا تفريط لم يضمنه، ولم يسقط شيء من الدين، بل هو ثابت في ذمة الراهن؛ لأن الدين ثابت في ذمة الراهن، ولم يوجد ما يسقطه.
قبض الرهن
(مسألة) : هل قبض الرهن شرط لصحته أم لا؟
(الجواب) : هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها على قولين، بل أقوال: فالمشهور في المذهب أنه لا يصح إلا بقبضه، للآية الكريمة؛ وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك: يلزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض كالبيع، ولكن يجب على الرهن التسليم.
وقال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أنه لا يلزم إلا بالقبض، وعنه أن القبض ليس شرطا في المتعين، فيلزم بمجرد العقد نص عليه، فعليها متى امتنع الراهن من تقبيضه أجبر عليه كالمبيع، وإن رده المرتهن على الراهن بعارية أو غيرها ثم طلبه أجبر الراهن على رده. انتهى.
وأما قول السائل: وهل استدامته شرط في اللزوم فهذا ينبني على
стр. 130
الخلاف في أصل المسألة، فعلى قول الجمهور الاستدامة شرط للزوم الرهن، وهو المذهب؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: استدامة القبض ليس شرطا. قال في الإنصاف: واستدامته شرط في اللزوم، هذا المذهب، وعنه أن استدامته في المتعين ليس بشرط، اختاره في الفائق. انتهى ملخصا.
رهن المبيع على ثمنه قبل قبضه
(مسألة) في رهن المبيع على ثمنه قبل قبضه، ما الفرق بين المكيل والموزون في ذلك هل هو لأجل النهي عن بيعه قبل قبضه، فكذلك رهنه، فصار الرهن كالبيع على ذلك
(الجواب) : أما رهن المكيل والموزون قبل قبضه ففيه خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا يجوز قياسا على البيع، قال في الإنصاف: ظاهر ما قطع به المصنف في باب الرهن عدم جواز رهنه، حيث قال: ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه.
قال في القاعدة الثانية والخمسين: قال القاضي في المجرد، وابن عقيل: لا يجوز رهنه ولا هبته ولا إجارته قبل قبضه كالبيع، ثم ذكر في الرهن عن الأصحاب أنه يصح رهنه قبل قبضه. انتهى. واختار القاضي الجواز، واختاره الشيخ تقي الدين.
رهن الثمرة قبل حمل النخل ورهن أجرة المؤبر
(مسألة) في رهن الثمرة في غير وقتها، أعني قبل حمل النخل، أو رهن ثمرة هذا النخل سنين كثيرة إلى أن يستوفي الراهن رهنه، هل هذا جائز أم لا وكذلك رهن التعبة في الحال أو بعد سنين، وكذلك رهن أجرة مؤبر النخل ومن يصلحه، أعني تعبته على ذلك، واسمه عندنا الشمال، الذي له على النخل وزان معلومة، واسترهنها منه التاجر، هل هذا جائز وهل يفرق في ذلك قبل الدخول في ذلك العمل أو بعده، أو قبل الحمل أو بعده
(الجواب) : رهن الثمرة المعدومة كأن يرهن الثمرة قبل أن تخلق
стр. 131
فهذا لا يصح لأنه معدوم. فإذا أراد أن يرهن الثمرة دون الأصل والثمرة لم تخلق لم يصح، إلا أن يرهن الأصل فيصح حينئذ، وتكون الثمرة التي استحدثت رهنا، لأن نماء الرهن يكون رهنا تبعا لأصله. والخلاف بين الفقهاء إنما هو في رهن الثمرة الموجودة قبل بدو صلاحها. قال في الإنصاف: وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، إلا الثمرة قبل بدو صلاحها، من غير شرط القطع والزرع الأخضر، فيجوز في أحد الوجهين، وهو المذهب جزم به في الوجيز، واختاره القاضي، وهو من مفردات المذهب.
(والوجه الثاني) لا يجوز. انتهى ملخصا. وأما رهن أجرة الشمال فالظاهر عدم الصحة، لأن الأجرة دين في ذمة المؤجر، ليست عينا معينة، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
مسائل في المساقاة
المساقاة في ثمرة موجودة
مسائل في المساقاة والمزارعة وما في معناهما:
(مسألة) في المساقاة، قولهم: وهل تصح في ثمرة موجودة على روايتين: (إحداهما) يجوز. ما صورة ذلك، وما الموجود، وما حجة المانع من ذلك
(الجواب) : أما قولك: ما معنى قولهم، وهل تصح على ثمرة موجودة فمعناه ما يفعله الناس اليوم إذا أبرت الثمرة وأراد المجازاة من الكد، ساقى على ثمرة نخله بالنصف أو الثلث، فيقوم الثاني مقام الأول في تصليح الثمرة وتنميتها؛ وهذه المسألة فيها خلاف، والمذهب عند المتأخرين جواز ذلك إذا بقي من السقي والكلفة ما تنمو به الثمرة، وهو المفتى به اليوم.
المساقاة على النخل بسهم معلوم
(مسألة) : إذا استأجر هذا النخل بسهم معلوم، كالنصف أو الربع ونحو ذلك، وشرط المؤجر ثمرة نخله أو وزانا زائدة أو الحطب أو نحو ذلك، واشترط الربع ونحوه مع زيادة ريال أو ريالين، هل يجوز ذلك؟ وهل
стр. 132
يفرق بين أن يكون الزائد دراهم أو طعاما
(الجواب) : أما المسألة الثانية إذا ساقاه على النخل بسهم معلوم كالثلث أو الربع، وشرط عليه زيادة وزان معلومة أو دراهم معلومة، فهذا لا يجوز بغير خلاف علمناه، وإنما الخلاف فيما إذا اشترط صبرة معلومة، نحو أن يساقيه على نخله بخمسمائة وزنة أو أقل أو أكثر، ويجعل بدل التمر دراهم، ويؤجر النخل بدراهم معلومة، فهذا النوع أجازه الشيخ تقي الدين، وهو المفتى به اليوم.
والجمهور على المنع، ولا أعلم دليلا يدل على المنع من ذلك، بل ظاهر الحجة مع الشيخ، وليس هذا موضع ذكرها. وأما الجمع بين السهم المشاع كالنصف والثلث، وبين وزان معلومة زائدة على ذلك، أو دراهم معلومة زائدة على ذلك، فهذا لا يجيزه الشيخ، بل حكى في بعض أجوبته أنه لا يجوز باتفاق أهل العلم.
(مسألة) : إذا قلنا تفسد هذه الشروط، فهل تفسد المساقاة ويستأنفون عقدا جديدا، أم غير ذلك، أم يلغو الشرط وحده
(الجواب) أما قولك: هل تفسد المساقاة أم يفسد الشرط وحده، فالعمل عندهم على أن ذلك يفسد العقد، ويستأنفون عقدا آخر.
مسائل في المزارعة
كان لصاحب الأرض سهم وشرط زيادة
(مسألة) في الزرع، إذا كان لصاحب الأرض سهم كالربع ونحوه، وشرط أيضا مع ذلك زيادة عشرة آصع ونحوها، هل هذا جائز أم لا وكذلك إذا اشترط زيادة دراهم، هل حكم مسألة المزارعة والإجارة في النخل واحد وكذا هل يفرق بين الطعام والدراهم في المساقاة والمزارعة أم لا
стр. 133
(الجواب) : أما مسائل المزارعة فنذكر كلام الفقهاء في ذلك؛ حتى يتبين لك جواب ما سألت عنه فنقول:
اختلف العلماء في جواز المزارعة، فأجازها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم، وكرهها أبو حنيفة والنخعي. وأجازها الشافعي في الأرض بين النخل، ومنعها في الأرض البيضاء، والحجة مع الجمهور. هذا إذا كان العقد على مزارعة، وهي العقد على الأرض ببعض ما يخرج منها، كثلث وربع ونحو ذلك.
وأما إذا كان العقد عليها إجارة لا زراعة، فإن أجرها بدراهم معلومة فهذا جائز. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن كراء الأرض وقتا معلوما جائز بالذهب والفضة، وأما إجارة الأرض بالطعام فتنقسم أقساما:
(أحدها) : أنه يؤجرها بطعام معلوم غير الخارج منها، فهذا جائز، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي، وأصحاب الرأي، ومنع منه مالك.
(القسم الثاني) : إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها، كإجارتها بقفزان حنطة من زرعها، ففيه روايتان: (إحداهما) المنع، وهو مذهب مالك، (والثانية) الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وهي المذهب.
(القسم الثالث) : إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها، كنصف وثلث وربع، فالمنصوص عن أحمد جواز ذلك، وهو الصحيح، وهو قول أكثر الأصحاب. وقد نص أحمد فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها أنه يصح. قال بعضهم: وهذه مزارعة بلفظ الإجارة، وقال بعضهم: بل هذه إجارة، والإجارة تصح بجزء معلوم مشاع مما يخرج من الأرض المؤجرة، كما نص عليه أحمد.
وقال الشيخ تقي الدين: تصح إجارة الأرض للزرع ببعض الخارج منها، وهو ظاهر المذهب، وهو قول الجمهور، والقول الثاني أنه لا تجوز إجارتها بجزء مشاع منها، لأنها إجارة بعوض مجهول،
стр. 134
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، واختاره الموفق في المغني، قال في الشرح: وهو الصحيح. انتهى. وبما فصلناه يتبين لك جواب ما سألت عنه إن شاء الله.
وأما قولك في المزارعة: إذا كان له سهم كالربع ونحوه، وشرط زيادة عشرة آصع أو زيادة دراهم، هل حكمه حكم المساقاة فنقول: نعم، متى اشترط في المساقاة أو المزارعة ما يعود بجهالة نصيب كل منهما، أو اشترط أحدهما نصيبا مجهولا، أو اشترط مع نصيبه المعلوم دراهم أو آصعا زائدة على الربع ونحوه، فهذا كله يفسد العقد؛ لأنه يعود إلى جهالة المعقود عليه.
إجارة الأرض بجزء مشاع معلوم مما يخرج منها
(مسألة) : وكذا قوله: لو صح فيما تقدم إجارة أو مزارعة فلم يزرع نظر إلى معدل المغل، فيجب القسط المسمى فيه. هل هو السهم المعقود عليه أم غيره وما صورة ذلك وكذا قوله: وإن فسدت وسميت إجارة فأجرة المثل، وقيل قسط المثل ما هذا وما الفرق بين الأجرة والقسط المسمى، وما فسادها
(الجواب) : هذه المسألة، وهي معنى قوله: لو صح فيما تقدم إجارة أو مزارعة فلم يزرع نظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه. فهذه المسألة ذكرها صاحب الإنصاف عقب المسألة المتقدمة، وهي إجارة الأرض بجزء مشاع معلوم كنصف وثلث، وذكر الخلاف بين الأصحاب، هل هذه مزارعة بلفظ الإجارة أم هي إجارة؟ وصح أنها إجارة، وأنها جائزة. ثم قال: فوائد الأولى لو صح فيما تقدم إجارة أو مزارعة فلم يزرع نظر إلى معدل المغل، فيجب القسط المسمى فيه، وإن فسدت وسميت إجارة فأجرة المثل، وقيل قسط المثل، اختاره الشيخ تقي الدين. انتهى.
ومعنى كلامه: أن الأرض المؤجرة بجزء مشاع منها، سواء قلنا هي مزارعة بلفظ الإجارة، أو قلنا إنها إجارة حقيقية، إذا لم يزرعها المستأجر نظر إلى معدل المغل،
стр. 135
يعني أنه ينظر إلى المغل المعدل، أي الموازن لما يخرج منها لو زرعت، فيجب القسط المسمى فيه لرب الأرض، وإن فسدت هذه الإجارة فالواجب أجرة المثل؛ وذلك لأن المذهب ثبوت الأجرة في ذمة المستأجر، سواء زرع الأرض أو لم يزرعها، وسواء زرع فنبت الزرع ونما أو لم ينبت، أو نبت فتلف بآفة، فالمذهب ثبوت الأجرة بتمامها في هذه الصورة، بخلاف ما اختاره الشيخ من وضع الجوائح في ذلك.
الإجارة والمساقاة هل هما عقد لازم أو جائز
(مسألة) في الإجارة والمساقاة، هل هما عقد لازم أو جائز؟ وما معنى اللازم والجائز
(الجواب) : أما الإجارة فهي عقد لازم، وهو قول جمهور العلماء، لأنها بمعنى البيع. وأما المساقاة فأكثر الفقهاء على أنها عقد لازم، واختاره الشيخ. وعند شيخنا أنها عقد لازم من جهة المالك، وعقد جائز من جهة العامل. وأما معنى اللازم والجائز: فاللازم هو الذي لا يتمكن أحد من المتعاقدين من فسخه إلا برضى الآخر، والجائز هو الذي يفسخه بغير رضى صاحبه.
ساقى على نخل بسهم معلوم وشرط زيادة
(مسألة) في المساقاة: إذا ساقى رجل على نخل بسهم معلوم كالنصف ونحوه، وشرط صاحب النخل نخلتين طلائع زيادة له على سهمه، هل يجوز ذلك أم لا وكذا إن قلنا بالفساد فما العمل وكذا العنب وجميع الأشجار، هل يجوز فيه الزيادة أم حكمها حكم النخل ونحوه
(الجواب) : أما المساقاة فلا يجوز للمالك أن يشترط طليعة نخلة أو نخلتين، أو يشترط شيئا زيادة على السهم الذي له، فإن فعل ذلك فسدت المساقاة؛ وسواء في ذلك النخل والعنب والخوخ، فإذا فسدت فالحكم واضح في كلام الفقهاء.
стр. 136
مسائل في المعاملات وأنواعها
فسخ البيع بعد العقد والمبيع مكيلا أو موزونا
(مسألة) إذا عقد إنسان البيع من إنسان، والمبيع تمر أو عيش، وتفرقا على العقد من غير قبض ولا نقد ثمن، وأراد البائع أن يفسخ البيع وأبى المشتري، هل يلزم البيع أم لا
(الجواب) : المبيع الذي يتعلق به حق توفية مثل المكيل والموزون، فهذا يلزم بالعقد، ولا يحصل فيه فسخ إلا بتراضيهما، وأما التصرف فيه بالبيع فلا يجوز إلا بعد قبضه.
تعيب المبيع في يد المشتري
(مسألة) : إذا اشترى إنسان نخل مقياض، فلما كان في يد المشتري حدث به عيب، مثل هضاب أو عسلج أو خنان أو غير ذلك من العيوب، هل يملك المشتري الرد على البائع وأخذ ثمنه أم لا؟ وهل بين عيب النخل وغيره فرق؟
(الجواب) : الثمرة إذا بيعت في رؤوس النخل ثم حدث بها عيب لم تجر به العادة، مثل السعيف الكثير أو الخنان، فهذا من ضمان البائع، وتثبت الجائحة عليه يطالبه المشتري بذلك.
بيع اللحم والحيوان والدهن بالتمر نساء
(مسألة) : هل يصح بيع اللحم وكذلك الحيوان بالتمر نساء وكذلك الدهن هل يجوز بيعه بالتمر أو العيش نساءوهل يفرق بين النساء واليد باليد في هذه الأنواع
(الجواب) : أما بيع الحيوان بالتمر نساء فلا أرى به بأسا، وأما بيع الدهن بالتمر أو العيش نساء فلا يجوز عند جمهور العلماء؛ وأجازه نفاة القياس القائلون بقصر الربا على الأنواع الستة المذكورة في حديث عبادة، لكن قول الجمهور
стр. 137
أولى وأحوط، وأما إذا بيع ذلك يدا بيد فهو جائز لقوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأجناس "١ إلخ.
الفرق بين المحاقلة والمخابرة وتفسيرهما
(مسألة) : ما الفرق بين المحاقلة والمخابرة، وما تفسيرهما
(الجواب) أما الفرق بين المحاقلة والمخابرة، فالمحاقلة بيع الحب المشتد في سنبله بحب من جنسه، فإذا بيع هذا الزرع الذي قد اشتد حبه بعيش من جنس الحب الذي في الزرع، فهذه هي المحاقلة المنهي عنها، لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وأما المخابرة فاختلف الفقهاء في تفسيرها، فمنهم من فسرها بما جاء في سنن أبي داود عن زيد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة؛ قلت: وما المخابرة قال: أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع"٢، ومنهم من فسر المخابرة المنهي عنها بما في حديث رافع قال: "كنا من أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك. وأما بالذهب والورق فلم ننه عنها "٣ متفق عليه وفي لفظ " فأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس "٤.
وهذا الذي فسر به المخابرة في حديث رافع لا يختلف في فساده، وهذا التفسير هو الراجح في تفسير المخابرة المنهي عنها.
تعيين الدراهم والدنانير بالتعيين
(مسألة) : هل تتعين الدراهم والدنانير بالتعيين أم لا وما فائدة الخلاف وغيره
(الجواب) : المسألة فيها روايتان عن أحمد، والمذهب أنها تتعين. وأما فائدة الخلاف فذكروا له فوائد كثيرة (منها) أنه لا يجوز إبدالها إذا عينت، وإن خرجت مغصوبة بطل العقد، ويحكم بملكها للمشتري بمجرد التعيين، فيملك التصرف فيها، وإن تلفت فمن ضمانه، وإن وجدها معيبة من غير جنسها بطل العقد، إلى غير ذلك من الفوائد كما نبه على ذلك في الإنصاف وغيره.
стр. 138
معنى قوله: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ)
(مسألة) في قوله: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ"١ ما معنى ذلك وهل يجوز ذلك
(الجواب) : أما معنى قوله: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" ٢ فقال الخطابي: تأويله أن الرجل إذا حفر بئرا في موات فيملكها بالإحياء، فإذا جاء قوم لينْزلوا في ذلك المكان الموات ويرعوا نباتها، وليس هناك ماء إلا تلك البئر، فلا يجوز له أن يمنع هؤلاء القوم من شرب ذلك الماء، لأنه لو منعهم منه لا يمكنهم رعي ذلك الكلأ، فكأنه منعهم عنه.
اجراء الماء في أرض غيره بغير إذنه
(مسألة) : إذا أراد إنسان أن يجري ساقية في أرض غيره، إلى أرضه المحتاج إليها، بغير إذن صاحب الأرض. ماذا يكون وهل يمنع أم لا
(الجواب) : إذا أراد أن يجري ساقية في أرض غيره بغير إذنه، فقال في المغني: وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة لم يجز إلا بإذنه، وإن كان لضرورة مثل أن تكون له أرض للزراعة لها ماء لا طريق له إلا أرض جاره فهل له ذلك على روايتين:
(إحداهما) : لا يجوز بغير إذنه، كما لو لم تدع إليه ضرورة، (والرواية الأخرى) : تجوز، ثم ساق الأثر المروي عن عمر حين قال لمحمد بن مسلمة: لِم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل. رواه مالك في الموطأ. انتهى.
والقول الأول هو المذهب، ومال إليه في المغني والشرح وقال: هو أقيس، والقول الثاني هو اختيار الشيخ تقي الدين.
اشتراط البائع في بيع الأجل الخيار إلى الأجل
(مسألة) بيع الحيوان وغيره إلى أجل، ويشترط البائع الخيار
стр. 139
اليوم عندنا.
لزوم البيع بمجرد العقد
(مسألة) : إذا شرى رجل من آخر مائة صاع ووعده أنه يكيلها غدا، فلما جاءه من غد يريد كيلها قال البائع: بدا لي، وقال المشتري: لا بد من اللزوم، ولم ينفد الثمن، هل يلزم أم لا
(الجواب) : يلزم البيع بمجرد العقد، ولا يوافق على فسخ البيع إلا برضى المشتري، ولكن لا يجوز بيعه قبل قبضه، لقول النبي ﷺ : " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه "١ متفق عليه.
اختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن
(مسألة) : إذا باع رجل على رجل بعيرا أو غيره، فقال البائع: الثمن عشرة، وقال: المشتري بل تسعة.
(الجواب) : إذا اختلفا في قدر الثمن ولا بينة لأحدهما، تحالفا: فيحلف البائع أولا: ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري: ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا. فإذا تحالفا ولم يرض أحدهما بقول الآخر انفسخ البيع؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، وعن أحمد أن القول قول البائع، أو يترادان البيع، لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع "٢ رواه سعيد وابن ماجه. قال الزركشي: هذه الرواية وإن كانت خفية مذهبا، فهي ظاهرة دليلا، وذكر دليلها ومال إليها.
стр. 140
اختلاف البائع والمشتري في قدر الأجرة
(مسألة) : إذا أكرى رجل رجلا بعيرا فقال راعي البعير: الكراء عشرة، وقال المكري: الكراء ثمانية.
(الجواب) : إذا اختلفا في قدر الأجرة فهو كما إذا اختلفا في قدر الثمن في البيع، كما تقدم في المسألة التي قبلها، نص أحمد على أنهما يتحالفان، وهو مذهب الشافعي، قاله في الشرح، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
اختلاف المكري والمستكري في المدة
(مسألة) : إذا استكرى رجل بيتا فقال صاحب البيت: أنا مكريك دور السنة، وقال المستأجر: أنا مستكر سنتين.
(الجواب) القول قول المالك مع يمينه، قال في الشرح: لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله مع يمينه، كما لو قال: بعتك هذا العبد بمائة، وقال: بل هذين العبدين بمائتين.
بيع الثمرة قبل بدو الصلاح
(مسألة) في بيع ثمرة النخل قبل بدو الصلاح إذا كان منهيا عنه، هل يوجب الفساد ويرد الثمن، ولا يقر هذا، ويلزم من أشرف عليه إبطاله وهذا يفعل كثيرا.
(الجواب) : أما بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فهو منهي عنه، فإن فعل فهو فاسد، ويرد الثمن إلى المشتري؛ ويلزم الإنكار على من فعله.
مسائل في الخيار وما في معناه
خيار المجلس وصورته
(مسألة) : ما خيار المجلس وما صورته
(الجواب) : خيار المجلس يثبت للمتبايعين، لكل منهما فسخه ما داما مجتمعين ولم يتفرقا؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لما في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
" إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما
стр. 141
بالخيار ما لم يفرقا وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر؛ فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب "١ والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم.
تبايعا وشرطا أن ليس بينهما خيار مجلس
(مسألة) : إذا تبايعا وشرطا أن ليس بينهما خيار مجلس.
(الجواب) : يلزم البيع ويبطل الخيار؛ لقول النبي – ﷺ في حديث ابن عمر: "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع "٢ يعني لزم البيع. قال في الشرح: وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح –إن شاء الله- لحديث ابن عمر.
ما حصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار
(مسألة) : إذا تبايعا نخلا وشرطا الخيار عشر سنين، وأخذ المشتري العمارة في العشر سنين، ويوم فك البائع النخل هل العمارة تنكس على البائع، أو تكون للمشتري يأخذها مع الدراهم؟
(الجواب) : ما حصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار فهو للمشتري، أمضيا العقد أو فسخاه؛ لقول النبي ﷺ : " الخراج بالضمان "٣، فيجب أن يكون خراجه له في مقابلة ضمانه.
العقود التي يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشرط
(مسألة) في خيار المجلس وخيار الشرط ما يثبتان فيه من العقود وكذا أسألك عن خيار المجلس ما يثبت فيه من جميع العقود سوى البيع، كالقسمة والإجارة والمساقاة والمزارعة والوقف والصرف والسلم والجعالة ونحو ذلك ما حكم المسألة عند الحنابلة، وما الخلاف والدليل وهل حكم هذه الصورة عند من ذكرها واح
(الجواب) : أما مسألة خيار المجلس، ما يثبت فيه من العقود؟ فيثبت في البيع في قول جمهور العلماء، خلافا لمالك وأصحاب الرأي، للأحاديث
стр. 142
الصحيحة، ويثبت في الصلح بمعنى البيع، وفي الهبة إذا شرط فيها عوضا معلوما. ويثبت في الإجارة وفي الصرف وفي السلم، كل هذا يثبت فيه خيار المجلس، ولا يثبت في سائر العقود كالنكاح والوقف والهبة بغير عوض، فكل هذا لازم لا خيار فيه، وكذلك الرهن لازم في حق الراهن وحده لا خيار فيه، وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما، وكذلك الحوالة والأخذ بالشفعة عقد لازم لا خيار فيهما على المشهور.
وأما المساقاة والمزارعة، فإن قلنا إنهما عقد لازم على القول الراجح ثبت فيهما خيار المجلس، وإن قلنا أنهما عقد جائز فلا خيار فيهما، لأن الخيار مستغنى عنه حينئذ.
(مسألة) في خيار الشرط، ما يثبت فيه من هذه الأشياء سوى البيع، والصلح بمعنى البيع، والإجارة في الذمة. ما حكم هذه الأشياء عند الحنابلة وما الخلاف والتوافق بينهم وبين غيرهم وما الدليل وما قول الشيخ تقي الدين يثبت خيار الشرط في كل العقود، ما الداخل منها في قوله وما الخارج
(الجواب) : أما خيار الشرط فيثبت في البيع، والصلح بمعنى البيع، والهبة بعوض، والإجارة في الذمة، ونحو ذلك، ولا يثبت في الصرف والسلم ونحوهما. وقال الشيخ تقي الدين: يثبت خيار الشرط في كل العقود، فيثبت عنده في الصرف والسلم، إذا تقابضا، ثم جعلا الخيار لهما أو لأحدهما دة معلومة، والله أعلم.
مسائل في السلم وما في معناه مما يتعلق به
هل يلزم السلم بالعقد أو لا بد من القبض؟
(مسألة) : إذا أراد إنسان أن يسلم إلى إنسان دراهم كثيرة أو قليلة، وعرفا السعر، ودفع المسلم بعض الدراهم إلى المسلم إليه، وبعضها لم يدفعه إليه،
стр. 143
بل أعطاها أجير المسلم إليه أو غريمه، أو تقاولوا على سعر ولم يقبض المسلم إليه شيئا من الدراهم، بل فرقها المسلم أو استوفى بها، وهل يلزم السلم بالعقد أو لا بد من القبض ومن أراد الفسخ قبل القبض يكون له أم لا وهل يشترط لصحة السلم قبض رأس المال في مجلس العقد ويجعل في يد المسلم إليه
(الجواب) : إذا أراد إنسان أن يسلم إلى إنسان مائة جديدة، وساومه وعرفا السعر، ثم دفعها إليه متفرقة، أو أعطاها أجيره أو غريمه (فاعلم) -وفقك الله- أن الذي عليه جمهور العلماء أن من شرط صحة السلم قبض رأس المال في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل القبض بطل العقد. فإن أحضرا رأس المال في مجلس آخر وتراضيا على إمضاء العقد وأسلمها إليه صح، فإن أسلم إليه بعض الدراهم صح فيما أسلم إليه وبطل فيما لم يقبض. فإذا أحضره بعد ذلك ودفعه إلى المسلم إليه وقبله صح كالذي قبله؛ وأما إذا لم يكن أسلم إليه رأس المال، بل دفعه إلى أجير المسلم إليه أو غريمه، ولم يقبضه المسلم إليه، فإن ذلك لا يصح عند الجمهور.
قلب الدين على الأجير وعلى المعسر وعلى المليء
(مسألة) : إذا كان في ذمة إنسان لآخر دراهم وهو مليء، هل له أن يكتبها عليه وهل يجوز ذلك وكذلك الكداد إذا كان في ذمته دراهم للتاجر، هل يجوز للتاجر أن يجعلها سلما قبل قبضها أم لا وكذلك الأجير أو الكالف إذا كان له على مؤجره دراهم ولم يقبضها، وأراد صاحب الدراهم أن يجعلها سلما في ذمة من كان يطلب منه الدراهم، ولم يقبض من ذلك شيئا، هل يجوز ذلك وهل يفرق بين المليء الباذل وبين المعسر المماطل
وكذلك التصحيح إذا عجز الإنسان عن غريمه قال: هاك دراهم أصححها عليك بتمر أو عيش في ذمتك، هل يجوز ذلك وهل يفرق بين القادر والمعسر في
стр. 144
ذلك أم لا وكذلك إذا كان لإنسان على آخر تمر، ثم جاءه وقت الوجوب ولم يحصل له شيء من عمله ومنعه وقال: الذي هو في ذمته بعنني تمرا أوفيك به، وكذلك إذا تحقق التاجر أن ما حصل له تمر يأخذه، قال للكداد: اشتره مني، وباعه عليه، ثم أوفاه به. هل يصح ذلك أم لا
(الجواب) : إذا كان في ذمة الكداد دراهم للتاجر أو الأجير، وبغى يقلبها عليه في زاد، فهذه المسألة خطرها كبير؛ فينبغي التفطن لها لئلا يقع الإنسان في الربا وهو لا يشعر. وصورة المسألة أن العلماء اختلفوا، هل يجوز للتاجر أن يسلم إلى غريمه دراهم ثم يستوفي بها عن دينه، فمنعه مالك ﵀ وقال: ما خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو وجوده كعدمه، ومذهبه ﵀ أن هذا التصحيح الذي يفعله الناس اليوم لا يجوز.
وأما الأئمة الثلاثة فيفرقون بين المليء الباذل والمعسر المماطل، فالمعسر لا يجوز قلب الدين عليه والواجب إنظاره، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة من الآية: ٢٨٠] ، وأما المليء الباذل فظاهر كلامهم جواز السلم إليه، ولو أوفاه من الدراهم التي أسلمها إليه إذا كان على غير وجه الحيلة.
ومن أعظم ما يكون وأشده خطرا التحيل على قلب الدين إذا عجز عن استيفائه، فتجد الرجل يطلب من الكداد دراهمه، فإذا عجز عن استيفائها كتبها عليه، وصحح فيها، وهو لو يطمع في أن دراهمه تحصل له بتمامها، ولو عقب دور السنة ما كتبها عليه، ولكن إذا علم أنه ما حصل له دراهم، وعرف أنها باقية في ذمة الكداد قلبها عليه بزاد لئلا يفوته الربح، وكذلك إذا كان في الصغرى، وحل أجل التمر، وعرف أنه إن أراد أن يأخذ تمره من الكداد ما حصل له، وخاف أن يقول: إن أخذت تمري وقفت، فإذا تحقق أنه ما حصل له شيء
стр. 145
يأخذه قال: اشتره مني، وجاءه التاجر في نخله ووزنه ورده عليه؛ وكل هذا من الحيل الباطلة المفضية إلى الربا.
والواجب على من يداين الناس أو يفتيهم التفطن لهذه الأمور، وكثير من الناس يعقد العقود ظاهرها الصحة وهي باطلة لأجل الحيلة. فينبغي لمن أسلم إلى غريمه أن يدفعها إليه، ولا يستوفي منها بشيء في مجلس العقد، بل يدفعها إليه ويمضي بها إلى بيته، فإذا حازها وتملكها، وصارت الدراهم مالا له يتصرف فيها كسائر ماله، فلا بأس إذا أوفاه منها بعد ذلك.
وكذلك التمر إذا حل فينبغي للتاجر أن ينظر في حال ديانه، فإن علم منه أنه يبغي أن يوفيه ثمره بتمامه، ولو ما باع عليه منه شيئا، ووزنه له، وصار مالا للتاجر إن أراد أخذه أخذه وحمله من عنده، فهذا لا بأس أن يبيعه عليه بعد قبضه؛ وأما إن كان ما يحصل له يأخذه، وعرف أنه إن كان ما باعه عليه خنس عنده، فهذا لا يجوز بيعه، فإن باعه فهو فاسد. والحيل ما تحل الحرام، ولا تجوز في أمور الدين والله أعلم.
أسلم في دراهم معلومة واشترط ثمنين
(مسألة) في السلم: إذا أسلم إنسان إلى آخر شيئا معلوما، وشرط إن كان من هذه السنة فعلى ثمان، وإن كان من السنة التي بعدها فعلى عشر، ولم يقطع الخيار في مدة قريبة، بل هو متعلق إلى حدوث الثمرة الأولى. هل هو جائز أم لا وهل حكم الشرط واحد من الطرفين
(الجواب) : أما إذا أسلم إنسان إلى آخر دراهم معلومة، وشرط إن كان من هذه السنة فعلى ثمان، وإن كان من السنة التي بعدها فعلى عشر، ولم يقطع الخيار في مدة قريبة، بل معلق إلى حصول الثمرة الأولى، فهذا لا يجوز عند جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم، وذكروا أن هذا بيعتان في بيعة.