← Фатава

Фатава · id 12064

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (780 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجنة فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، وقد أخبر الله -سبحانه- أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. وقال النبي ﷺ : "يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "١ فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله تعالى كذلك، فما الظن بالخالق وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفيته تعالى مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه، وتعرج إلى السماء، وأنها تسلُّ منه وقت النَزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة. وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها: أعني الذين يقولون ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله -تعالى-، وأن الله -تعالى- لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية، وإما إضافية، وإما مركبة منهما؛ ويثبتون بعض الصفات، وهي السبع والثمان، والخمس عشرة على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين من الأشعرية وغيرهم، فهؤلاء قسمان: (قسم) يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكان والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين. (وقسم) يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه. وأما القسمان الواقفان: (فقسم) يقولون يجوز أن يكون المراد بظاهرها اللائق بالله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله، ونحو ذلك؛ وهذه طريقة

стр. 72

كثير من الفقهاء وغيرهم. (وقسم) يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن، وتلاوة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات كلها. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها. والصواب في ذلك: القطع بالطريقة السلفية، وهي اعتقاد الشافعي ومالك والثوري والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهي اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم؛ فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة -رحمه الله تعالى. واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة في التوحيد والقدر وغير ذلك. أقوال علماء السلف وأئمة الفقه في الصفات قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في أول خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. فبين -رحمه الله تعالى- أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وكذلك قال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ : لا يتجاوز القرآن والحديث. وقد ثبت في الصحيح أنه قال للجارية: " أين الله قالت في السماء. قال: من أنا قالت: رسول الله قال: اعتقها فإنها مؤمنة" ١، وهذا الحديث رواه الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، ومسلم في صحيحه، وغيره. وأهل السنة يعلمون أنه ليس معنى ذلك أن الله تعالى في جوف السماء، وأن السماوات تحصره وتحويه؛ فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقد قال مالك

стр. 73

بن أنس -رحمه الله تعالى-: إن الله تعالى في السماء، وعلمه في كل مكان. وقالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه. وقال أحمد بن حنبل كما قال هذا وهذا. وقال الأوزاعي: كنا، والتابعون متوافرون، نقر بأن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. فمن اعتقد أن الله تعالى في جوف السماء محصور محاط به، أو أنه مفتقر إلى العرش، أو غير العرش من المخلوقات، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على سريره، فهو ضال، مبتدع، جاهل. ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ويسجد، فهو معطل، فرعوني، ضال، مبتدع؛ فإن فرعون كذب موسى في أن ربه فوق السموات وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر من الآيتين: ٣٦-٣٧] . ومحمد ﷺ صدق موسى في أن ربه فوق السموات فإنه لما كان ليلة المعراج، وعرج به إلى السماء، وفرض عليه ربه خمسين صلاة، ذكر أنه رجع إلى موسى وقال له: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فرجع إلى ربه فخفف عنه عشرا، ثم رجع إلى موسى فأخبره بذلك، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك. وهذا الحديث في الصحاح. فمن وافق فرعون، وخالف موسى ومحمدا -صلى الله عليهما وسلم، فهو ضال؛ ومن مثل الله بخلقه فهو ضال مشبه؛ قال نعيم بن حماد -رحمه الله تعالى-: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. انتهى. ومن تكلم في الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة، فهو من الخائضين في آيات الله تعالى بالباطل؛ وقد قال

стр. 74

تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام من الآية: ٦٨] .واعلم أن كثيرا من المصنفين ينسبون إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي حنيفة من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه؛ ويقولون لمن تبعهم: هذا الذي نقوله اعتقاد الإمام الفلاني، فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك، كما يتبين كذب كثير من الناس فيما ينقلونه عن الرسول ﷺ ويضيفونه إلى سنته من البدع والأقوال الباطلة. (ومنهم) : من إذا طولب بتحقيق نقله يقول: هذا القول قاله العقلاء، والإمام الفلاني لا يخالف العقلاء؛ ويكون أولئك العقلاء طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة. فقد قال الشافعي ﵁: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، والنعال، ويطاف بهم في القبائل، والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام. فإذا كان هذا حكمه فيمن أعرض عنهما، فكيف حكمه فيمن عارضهما بغيرهما؟ وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: من طلب الدين بالكلام تزندق. وقال أحمد بن حنبل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح، وقال: علماء الكلام زنادقة، وكثير من هؤلاء قرؤوا كتبا من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم، ولم يهتدوا لجوابها؛ فإنهم يجدون في تلك الكتب أن الله تعالى لو كان فوق الخلق لزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعلمون حقائق هذه الألفاظ، وما أراد بها أصحابها؛ ومن اشتبه عليه ذلك، أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا

стр. 75

فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"١. فإذا افتقر العبد إلى الله تعالى ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين، انفتح له الباب وتبين له الصواب بمشيئة الملك الوهاب، والله أعلم. التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين الاستغاثة بالمخلوق عند الشدائد (فصل) وأما المبحث الثاني عمن كان يستغيث بالمخلوق عند الشدائد بالنداء والدعاء، ويستغيث، ويتوسل، ويتوجه بنبيه أو بالصالحين، فقد قال النبي ﷺ في أدعية الصباح: " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك أن تقبلني في هذه الغداة"، مع الحديث الآخر: "أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ وقال له: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك قال: ادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي؛ اللهم فشفعه في"٢. فهذان الحديثان مصرحان بالتوسل والتوجه والدعاء والتشفع والنداء؛ وما حكم من فعل ذلك وهو غير قاصد للشرك ولا معاند للإسلام؟ الفرق ظهر بينه وبين من قصد الشرك والعناد بعد معرفة التوحيد فنقول: (الجواب) وبالله التوفيق: أما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، تفريج الكربات وإغاثة اللهفات، والاستغاثة به في الأمور المهمات، فهو من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين؛ لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين.

стр. 76

وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به ترة، أو عرضت له حاجة، أو نزلت به كربة وشدة، يقول لميت: يا سيدي فلان حسبك، أو اقض حاجتي، أو أنا مستشفع بك إلى ربي، كما يقوله بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون قبورهم للدعاء والصلاة عندها. ولهذا ثبت في الصحيح أن الناس لما قحطوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك إذا أجدبنا بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا! فيسقون، وكذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام توسل بيزيد بن الأسود الجرشي. فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسل منهم بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته؛ ولهذا توسل بعده بدعاء العباس، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود؛ وهذا الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، وقالوا يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل. سؤال الميت قضاء حاجته وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع: من يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام؛ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء من الآيتين: ٥٦-٥٧] .قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة، والمسيح، وعزيرا، فقال الله لهم: هؤلاء

стр. 77

عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي؛ فكل من دعا نبيا، أو وليا، أو صالحا، وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد تناولته هذه الآية؛ فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعوًّا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه. فكل من دعا ميتا، أو غائبا من الأنبياء، أو الصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها، فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. ومعلوم أن هؤلاء كلهم يجعلونهم وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته، أو قدره؛ ولهذا قال: ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء من الآية: ٥٦] ، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل. فكل من دعا ميتا، أو غائبا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة، أو الجن، فقد دعا من لا يغيث ولا يملك كشف ضره ولا تحويله. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] ، وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أن لا يجوز الاستغاثة بمخلوق؛ وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استغاث بكلمات الله، وأمر بذلك، فدل على أن كلمات الله غير مخلوقة، وأنها صفة من صفاته لأن الاستغاثة بالمخلوق لا تجوز. الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله والمقصود أن يعلم السائل -وفقه الله تعالى- أن الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله من كشف الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، من الشرك الذي لا يغفره الله؛ وهو من الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية [النّساء من الآية: ١٧١] ،

стр. 78

وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] ١. والغلو في الصالحين هو من فعل المشركين كما حكاه عن قوم نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ الآية [نوح: ٢٣] ، قال ابن عباس ﵁ هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من العبادة مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزّمر من الآية: ٣] ، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس من الآية: ١٨] . كما أخبر الله -تعالى- عنهم بذلك في كتابه في غير ما آية؛ فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. وعبادة الله تعالى وحده هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي أمر الله تعالى به بالرسل، وأنزل به الكتب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النّحل من الآية: ٣٦] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله

стр. 79

وشئت قال: "أجعلتني لله ندا قل: ما شاء الله وحده"١، وقال فيما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله "٢، ونهى عن الحلف بغير الله وقال:" من حلف بغير الله فقد أشرك"٣، وقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا"٤، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"٥ رواه مالك في الموطأ. وروى الطبراني عنه ﷺ أنه قال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله"؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه. فأعظم آية في القرآن آية الكرسي: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة، من الآية: ٢٥٥] ، وقال ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة"٦، والإله الذي يأله القلب خشية له وإجلالا وإكراما. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها؛ وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأن ذلك إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النّساء من الآية: ٤٨، و١١٦] . وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النّساء من الآية: ٤٨] .ولما كان للمشركين سدرة يعكفون عندها، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط فقال ﷺ : "الله أكبر إنها السنن. لتركبن سنن من كان قبلكم"٧ فأنكر ﷺ مجرد مشابهتهم. فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها ولا يسألونها،

стр. 80

فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه والدعاء عنده، أو الدعاء به وأي شبه للفتنة بالشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون، ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب والأمر والله أعظم مما ذكرنا وبالله التوفيق. التوسل وسؤال الله بالمخلوق دون سؤال المخلوق (النوع الثاني) : من الأمور المبتدعة عند القبور أن يسأل الله تعالى به؛ وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو من البدع المحدثة في الإسلام، ولكن بعض العلماء يرخص فيه وبعضهم ينهى عنه ويكرهه. وليس هذا مثل النوع الذي قبله، فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر عند من كرهه ولا يسمى هذا استغاثة بالرسول ﷺ ، وإنما هو سؤال به. والفرق بينه وبين الذي قبله فرق عظيم، أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ والسائل -سامحه الله تعالى- لم يفرق بين هذا وهذا، وجعل هذين النوعين نوعا واحدا. وهذا جهل عظيم بدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ وبما درج عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم. والعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين، كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، ولا يسألونها، وينادونها؛ فإن المستغيث بالشيء طالب منه، سائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به. وكل أحد يفرق بين المدعو به وبين المدعو والمستغاث، والاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر.

стр. 81

والاستغاثة طلب العون؛ والمخلوق إنما يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال من الآية:] ، وكما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص من الآية: ٥] وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النّمل من الآية: ٦٢] . حتى إن المشركين عبدة الأوثان يخلصون الدعاء لله، والاستغاثة في الشدة، وينسون ما يشركون، لعلمهم أنه لا يقدر على تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات إلا رب الأرض والسموات، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء من الآية: ٦٧] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [لقمان من الآية: ٣٢] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزّمر: ٨] .ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم أن من قال: أتوسل إليك برسولك، أو أتوجه إليك برسولك، فقد استغاث به حقيقة؛ فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، فيفرقون بين المسؤول، وبين المسؤول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق؛ فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك. فلو قال قائل فيمن يستغيث به: أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد إنه استغاث بمن توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى أن المغيث بمعنى المجيب، لكن

стр. 82

الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال. التوسل إلى الله في الدعاء بغير نبينا ﷺ والتوسل إلى الله في الدعاء بغير نبينا ﷺ لا نعلم أحدا من السلف فعله، ولا روي فيه أثر؛ وقد قال أبو الحسين القدوري الحنفي في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك؛ وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك هو الله، فلا أكره هذا؛ وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره، قالوا جميعا. انتهى. وكذلك قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام الفقيه الشافعي في فتاويه المشهورة عنه: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى بخلقه، إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث فيه، يعني حديث الأعمى الذي رواه الترمذي وغيره. والمسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق؛ فلا يجوز أن يسأل ما ليس بمستحق، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق، أو بالخالق فيه نزاع بينهم؛ فلذلك تنازعوا فيه. وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التامة؛ فجوزه لذلك، والله أعلم. (وأما الجواب) عن الحديثين المذكورين، فمن وجوه: (أحدها) : أن يقال: قد أجاب عنهما غير واحد من العلماء، على تقدير صحتهما، بأن المعنى بحق السائلين عليك أي: الحق الذي أوجبه الله تعالى على نفسه للسائلين وهو الإجابة؛ ولا ريب أن الله تعالى جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرّوم من الآية: ٤٧] ، وكما قال تعالى: ﴿كَتَبَ

стр. 83

رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام من الآية: ٥٤] ، وفي حديث معاذ في الصحيحين: "أتدري ما حق العباد على الله قلت: الله ورسوله أعلم"١ الحديث: فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق؛ وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ومن جوز ذلك احتج بقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام من الآية: ٥٤] ، وبقوله في الحديث "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما "٢. وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه، فهو قول القدرية والمعتزلة؛ وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول؛ ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام من الآية: ٥٤] ، وحرم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم وهو المرسل، إليهم الرسل وهو الميسر لهم الإيمان والعمل. وإذا كان كذلك فالحق الذي لعباده هو من فضله وامتنانه، وإذا سئل بما جعله هو سببا للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها كرامته وإجابته لدعائهم، فهو سؤال وتسبب بما جعله الله سببا. (الوجه الثاني) : أن يقال: أن الله إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب، فإما أن يكون إقساما عليه به فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة. فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وكلماته التامة هذا حق وليس فيه محذور، وأما إذا سئل بنفس ذوات الأنبياء والصالحين لم يكن في ذلك سبب يقتضي المطلوب.

стр. 84

(الوجه الثالث) : أن يقال: الذي جاءت به السنة وتواتر في الأحاديث هو التوسل والتوجه إلى الله والإقسام عليه بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة كالأدعية المعروفة في السنن: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام"١ الحديث. وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد"٢. وفي الحديث الآخر: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"٣ الحديث. وقد أخبر الله تعالى عن عباده الصالحين أنهم توسلوا إليه بالأعمال الصالحة فقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ الآيات [آل عمران من الآية: ١٩٣] . وكما ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فدعوا الله وتوسلوا إليه بالأعمال الصالحة، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم؛ فهذا مما لا نزاع فيه،، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: من الآية٣٥] . وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء من الآية: ٥٧] . فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به أي يتوصل ويتقرب به إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال له والاستعانة به رغبة إليه في طلب المنافع ودفع المضار؛ ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا بمعنى العبادة والدعاء بمعنى المسألة؛ وإن كان

стр. 85

كل منهما مستلزما للآخر لكن العبد قد تنْزل به النازلة فيكون مقصوده طلب حاجاته وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة. (الوجه الرابع) : أن يقال: قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأنه من الشرك الذي حرم الله قال الله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشّعراء: ٢١٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف الآيتان: ٥-٦] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] .وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] .ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة علم علما ضروريا أن الميت لا يطلب منه شيء، لا دعاء ولا غيره. وأما حديث الأعمى فليس فيه -بحمد الله- إشكال؛ فإنه إنما توجه بدعاء الرسول ﷺ وشفاعته في حياته، فإن في الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له "فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني. فقال: إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت. فقال: فادعه. وقال في آخره: اللهم فشفعه في"١ فعلم أنه شفع له فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون

стр. 86

بدعائه وشفاعته في الاستسقاء، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وشفاعته، ليس المراد أنا نقسم عليك به وما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقوله بعض الناس: أسألك بجاه فلان عبدك، ويقولون إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه. ولو كان هذا هو التوسل الذي يفعله الصحابة، لفعلوا ذلك بعد موت النبي ﷺ ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس؛ فعلم أن ذلك التوسل الذي في حديث عمر والذي في حديث الأعمى هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم. فالأعمى طلب من النبي ﷺ أن يدعو له أن يرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء وأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. فقوله في الحديث: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة"١ أي بدعائه وشفاعته، فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد. وقوله: يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي، أجاب عنه العلماء بأن هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ليس سؤاله والاستغاثة به. (الوجه الخامس) : أن يقال: هذا الحديث رواه النسائي في اليوم والليلة، والإمامان البيهقي وابن شاهين في دلائلهما، كلهم من حديث عثمان بن حنيف، ولم يذكروا فيه هذه الكلمة أعني قوله: يا محمد يا نبي الله، ولفظ الحديث عندهم عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله

стр. 87

قد أصبت في بصري فادع الله لي. فقال له النبي ﷺ : "توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة. أني أتشفع به إليك في رد بصري. اللهم شفع نبيي في. ففعل ذلك فرد الله عليه بصره، وقال له: إذا كانت لك حاجة فمثل ذلك فافعل".انتهى. ولفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراط، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، فيراد به التسبب به لكونه داعيا وشائعا مثلا، أو لكون الداعي مجيبا له مطيعا لأمره مقتديا به، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته؛ فهذا الثاني هو الذي كرهه العلماء ونهوا عنه. المستحب والممنوع عند قبره ﷺ (النوع الثالث) من الأنواع المبتدعة عند القبور: أن يظن أن الدعاء عندها مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد؛ فيقصد القبر لذلك، فإن هذا من المنكرات إجماعا، ولم نعلم في ذلك نزاعا بين أئمة الدين. وإن كان كثير من المتأخرين يفعله، فإن هذا أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين؛ بل أكثر ما ينقل ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية. وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب، ولم يجيئوا عند قبر النبي ﷺ ولا استغاثوا به؛ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ . وقد كان من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، فما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا توسلوا به، ولا استسقوا عنده واستنصروا عنده ولا به. ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله لو وقع، بل على ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، علم قطعا أن القوم ما كانوا

стр. 88

يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا؛ بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم. فمن ذلك ما رواه، أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو بكر، ثنا يزيد بن الحباب، أنبأنا جعفر بن إبراهيم، حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين، أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيدعو فيها، فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنت"١ رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه. وروى سعيد في سننه عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. أن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم مقابر؛ وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وروى سعيد أيضا عن أبي سعيد مولى المهدي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا؛ وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغن ي"٣، فهذان المرسلان من وجهين مختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من أرسله به؛ وذلك يقتضي ثبوته عنده لو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد روي مسندا؟ ووجه الدلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن

стр. 89

اتخاذه عيدا‘ فغيره أولى بالنهي كائنا من كان. ثم إنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا بيوتكم قبورا"١ أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء فتكون بمنْزلة القبور؛ فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-:إذا سلم الرجل على النبي ﷺ وصاحبيه، ثم أراد الدعاء، فليستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة، وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويصلي. فقصد الدعاء عند القبر كرهه السلف متأولين في ذلك قوله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدا "٢ كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين، والحسن بن الحسن ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ومكانا. وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنهم أخبروا من سلم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كما ذكرناه عن مالك وغيره، وكذلك غير واحد من المتأخرين مثل أبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي. ولا يحفظ عن صاحب، ولا عن تابع، ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن الأئمة المعروفين، والله أعلم. الجهل بالشرك مانع من التكفير حتى تقوم الحجة (فصل) المبحث الثالث فيمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس، وأصول الإيمان الستة، ولكنه كان يدعو وينادي ويتوسل في الدعاء

стр. 90

إذا دعا ربه ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدا على الحديثين اللذين ذكرناهما، أو جهلا منه وغباوة، كيف حكمهم؟ (فالجواب) أن يقال: قد قدمنا الكلام على سؤال الميت، والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه، وبين التوسل به في الدعاء، وأن سؤال الميت، والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، من الشرك الأكبر الذي حرمه الله تعالى ورسوله، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله والبراءة منه ومعاداته؛ ولكن في أزمنة الفترات، وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله. فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر؛ بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك. فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه؛ فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلي، ويزكي، ويؤمن بالأصول الستة. وهذا الدين الذي ندعو إليه قد ظهر أمره، وشاع، وذاع، وملأ الأسماع من مدة طويلة، وأكثر الناس بدّعونا وأخرجونا وعادونا عنده، وقاتلونا واستحلوا دمائنا وأموالنا؛ ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد، والنهي عن دعوة غير الله، والاستغاثة بغيره، وما أحدث من البدع والمنكرات حتى غُلبوا وقهروا فعند ذلك أذعنوا، وأقروا بعد الإنكار. وأما من مات وهو يفعل الشرك جهلا لا عنادا، فهذا نكل أمره إلى الله تعالى، ولا ينبغي الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له؛ وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون: من بلغه القرآن

стр. 91

فقد قامت عليه الحجة كما قال تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام من الآية: ١٩] ، فإذا بلغه القرآن، وأعرض عنه، ولم يبحث عن أوامره، ونواهيه فقد استوجب العقاب قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه من الآيات: ٩٩-١٠١] . تقسيم المواريث التي قسمت في حال الشرك والجهل (فصل) وأما المبحث الرابع في تقسيم مواريث من مات على ذلك، وما حصل منهم من الإتلافات، وما وقع بينهم من القتل وغيره، ما حكمه. (فالجواب) : تقسيم المواريث التي قسمت في حال الشرك الجهل تقر على ما هو عليه، ولا ترد القسمة في الإسلام؛ ومن أسلم على شيء في يده قد ملكه في الجاهلية لم ينْزع من يده في الإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. وكذلك ما حصل بينهم من القتل والإتلافات، فالذي نفتي به أنه لا يطالب بشيء من ذلك؛ وذلك لأن حال الناس قبل هذا الدين أكثرهم حاله كحال أهل الجاهلية الأولى. وكل قوم لهم عادة وطريقة استمروا عليها تخالف أحكام الشرع في المواريث، والدماء، والديات، وغير ذلك، ويفعلون ذلك مستحلين له، فإذا أسلموا لم يطالبوا بشيء مما فعلوه في جاهليتهم وتملكوه من المظالم ونحوها؛ وأما الديون والأمانات فالإسلام لا يسقطها، بل يجب أداؤها إلى أربابها، والله أعلم. قسمة المواريث والصدقات المفروضة (فصل) وأما المبحث الخامس فيما انفرد الله بتقسيمه في كتابه العزيز من المواريث والصدقات المفروضة إلخ. (فالجواب) أن يقال: إن المواريث التي قسمت في الشرك، وتملكها أهلها ثم أسلموا، لا ترد قسمتها؛ ومن أسلم على شيء أقر في يده إذا كان قد

стр. 92

تملكه في جاهليته. وأما إذا لم تقسم التركة، وأسلم أهلها وهي موقوفة، فإنها لا تقسم إلاعلى قسمة الله تعالى في كتابه العزيز التي يعرفها أهل العلم. وأما قسمة الصدقات المفروضة، فقد قسمها في ثمانية أصناف لا يجوز صرفها إلى غيرهم، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء؛ لكن اختلفوا هل المراد أنها تقسم بين الأصناف الثمانية بالسوية كما يقسم الميراث بين أهله، وأنه لا بد من تعميم الأصناف الثمانية، أو المراد بذلك بيان المصرف، وأنها لا تصرف إلى غير هؤلاء، وأنه يجوز صرفها إلى بعض الأصناف دون بعض بحسب الحاجة والمصلحة؟ فذهب الشافعي إلى أنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية، وذهب الجمهور إلى جواز عدم التعميم؛ واحتجوا بفعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وبقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧١] ، وبقوله ﷺ في حديث معاذ: "تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم"١ فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفا واحدا. وأمر النبي ﷺ بني زريق أن يدفعوا صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها"٢، لو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز صرفها إلى واحد؛ ولهذا قال الجمهور: يجوز صرفها إلى واحد، وهو مروي عن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وبه يقول سعيد بن جبير، والحسن، وعطاء، وإليه ذهب الثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وهو مذهب الإمام أحمد. استغلال المرتهن للرهن (وأما المبحث السادس) في الأمور التي تكون الأراضي مرهونة بها، ويستغلها المرتهن، أو يأخذ شطرا من غلاتها والمرهون بها البيوت، والبنادق، والحلي

стр. 93

وينتفع بها المرتهن، وبطلانها معلوم، فلما أرادوا مخارجتهم شرعوا فيه شرائع من تلقاء أنفسهم، وجعلوا الدراهم مناجمة في ستة سنين، أو أكثر، أو يقطعون لصاحب الدراهم قطعة من الأرض المرهونة لا تساوي ثلث ولا ربع المال، وأجبروه على ذلك إلخ. (فالجواب) : أن المفتى به عندنا أن الرهن وثيقة في الدين، يباع عند حلول الدين إذا امتنع الراهن من الوفاء؛ فمتى امتنع الراهن من الوفاء، وطلب المرتهن بيع الرهن بيع، واستوفى من ثمنه، ولم يجز مطله، ولا إجباره على المناجمة، ومن أجبره على المناجمة فهو جاهل، ومن نسب ذلك إلينا فقد غلط، بل لا يجوز ذلك عندنا إلا برضىالمرتهن. تقبيل أيدي العلماء والصالحين (وأما المبحث السابع) إذا قبل الرجل كف غيره، لا للتعبد، ولا لغناه، ولا لدنياه، ولا لشوكته، بل لنحو صلاحه، وعلمه، وزهده، وشرفه، وخصاله المحمودة. (فالجواب) أنه لم يكن من عادة السلف تقبيل أيدي العلماء والصالحين، بل لم يكن من عادتهم تقبيل يد رسول الله ﷺ وهو أفضل الخلق -صلوات الله وسلامه عليه-. فمن جعل ذلك عادة فقد خالف ما عليه السلف، وأما من فعل ذلك بعض الأحيان ولم يجعله عادة مستمرة فهذا لا بأس به، بل قد يستحب، وعلى هذا يحمل الحديث المذكور عن ابن عمر أنهم "لما قدموا على رسول الله ﷺ من غزوة مؤتة قالوا: يا رسول الله نحن الفرارون، قال: بل أنتم العكارون أنا لكم فئة. قال: فقبلنا يديه ورجليه "١، وكذلك أبو عبيدة قبل يد عمر، وزيد بن ثابت قبل يد ابن عباس؛ وهذا إنما فعلوه لأمر يوجب ذلك بعض الأحيان، ولم يجعلوه عادة مستمرة، والله أعلم.

стр. 94

(وأما المبحث الثامن) عن التنباك الذي اختلف فيه آراء علماء الإسلام؛ فمنهم من أفتى بحله، ومنهم من أفتى بتحريمه بقيد وتعليق؛ ومنهم من أفتى بتحريمه مطلقا، ولما بلغنا أنكم أفتيتم فيه بأنه من المسكرات اعتمدنا على قولكم، فعارض بعض الراحلين من عندكم فقالوا: من شربه بعدما تاب منه فقد ارتد وحل دمه وماله. (فالجواب) : أن من نسب إلينا القول بهذا فقد كذب وافترى، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ الذي يردعه وأمثاله؛ فإن هذا مخالف للكتاب، بل لو تاب منه ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته، ولو أصر على ذلك، إذا لم يستحله ١.والتكفير بالذنوب مذهب الخوارج الذين مرقوا من الإسلام واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي. حلق شعر الرأس (وأما المبحث التاسع) عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدا. (فالجواب) : أن هذا كذب وافتراء علينا، ولا يفعل هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فإن الكفر والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام؛ وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل إن الحلق مسنون، فضلا عن

стр. 95

أن يكون واجبا، فضلا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام. والذي وردت السنة بالنهي عنه هو القزع، وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه؛ وهذا هو الذي نهينا عنه، ونؤدب فاعله، ولكن الجهال القادمون إليكم لا يميزون أنواع الكفر والردة، وكثير منهم غرضه نهب الأموال. ونحن لم نأمر أحدا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه، بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله تعالى، والتزام شرائع الإسلام، من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان. فإذا فعلوا خلاف ذلك، وبلغنا ذلك من فعلهم، لم نقرهم على ذلك؛ بل نبرأ إلى الله من فعلهم، ونؤدبهم على قدر جرائمهم بحول الله وقوته، والله أعلم. الحِلْف إذا وقع على خلاف أحكام الشرع (وأما المبحث العاشر) في قوم اجتمعوا، وعقدوا بينهم العهود في المؤازرة والمناصرة، والمعاونة على الأضياف، والمدافعة؛ وأنهم يعقلون في الدماء عمدها وخطئها، فهل يجب الوفاء بها إذا كان في ذلك صلاح فإذا كان الحلف قد صدر منهم في الجاهلية، فهل يلزم لقوله ﷺ : كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة وهل يجوز إحداثه في الإسلام إذا وجد فيه صلاح (فالجواب) : أن الحلف إذا وقع على خلاف أحكام الشرع لم يجز التزامه، ولا الوفاء به؛ فإن قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق؛ كما ثبت في الصحيحين في حديث بريدة ﵁: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط "١. وهذا الحلف المذكور على هذا الوجه يخالف حكم الله؛ فإن الحكم الشرعي أن دية العمد على القاتل خاصة، ودية الخطأ على العاقلة؛ وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء فكيف يبطل هذا الحكم الشرعي بحلف

стр. 96

الجاهلية وعقودهم وعهودهم وأما قوله ﵇: " كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة "١ فهذا فيما وافق الشرع ولم يخالفه، كالتحالف على فعل البر والتقوى، وكالتحالف على دفع الظلم، ونحو ذلك؛ وأما إحداث التحالف بعد الإسلام فلا يجوز؛ لقوله ﵇: "لا حلف في الإسلام"٢؛ وذلك لأن الإسلام يوجب على المسلمين التعاون والتناصر بلا حلف، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يشتمه ولا يخذله"٣، وقال "المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا"٤. هذا إذا كان الناس مجتمعين على إمام واحد، وأما إذا حصل التفرق والاختلاف -والعياذ بالله-، ولا يمكن التعاون والتناصر إلا بالتحالف، فهذا لا بأس به إذا لم يخالف أحكام الشرع، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم-. انتهى المنقول من المنقول منه وذلك في ١٠ شوال سنة ١٣٤٥، بقلم عبد الله بن إبراهيم الربيعي. هذه المباحث للشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم. مسائل في الصلاة وما يتعلق بها المرأة المصابة بالجدري هل يجب عليها الغسل من الجنابة أو الحيض بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (مسألة) في المرأة إذا أتاها الجدري، وحاضت، وانقطع الدم، ولم تغتسل، هل تصلي وتصوم ولا يلزمها إعادة؟ وكذلك هل يجب عليها الغسل من الجنابة أو الحيض إذا أصابها (الجواب) : المرأة إذا حاضت وهي مجدورة، فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك، أو خافت الضرر تيممت ثم صلت وصامت؛

стр. 97

ولا يلزمها إعادة إذا برئت من مرضها، بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها. المجدور والمريض هل له الصلاة في أسلابه ولا إعادة أو لا (مسألة) في المجدور والمريض هل له الصلاة في أسلابه ولا إعادة، أو لا (الجواب) : المجدور إذا كان في أسلابه نجاسة لزمه أن يصلي في غيرها، فإن عجز عن غيرها بحيث إنه لم يكن له إلا سلب واحد، ولا يقدر على غيره، والذي عليه لا يقدر أن يحفظه عن النجاسة، فإنه يصلي فيه، ولا يصلي عريانا. ولكن كثيرا من الناس يتساهل في هذا، فتجد من يقدر أن يفسخ سلبه ويصلي في غيره، لا يفعل ذلك؛ وهذا أمر كبير. بل تجد من الناس من يقدر على الوضوء والغسل من الجنابة ولا يغتسل ولا يتوضأ، ويعدل إلى التيمم بلا مشقة. ومنهم من يصلي قاعدا مع قدرته على القيام. وكل هذه أمور خطرة على العوام، فينبغي لطالب العلم أن يفطنهم لما يجب عليهم من هذا، ويبين لهم حالة العذر التي تباح فيها الرخصة. الذي يصلي مكشوف الرأس (مسألة) في الذي يصلي مكشوف الرأس ليس على رأسه شيء بالكلية، هل يجوز ذلك أم لا والذي يصلى وليس عليه إلا القلنسوة التي يسميها (العوام) الطاقية، هل ذلك جائز أم لا (الجواب) : الذي يصلي وهو مكشوف الرأس فلا أرى عليه بأسا؛ وستر الرأس في الصلاة ليس بواجب، لأن الرأس ما هو بعورة في حق الرجل، وإنما هو عورة في حق المرأة. فإذا عرفت أن الذي يصلي ورأسه مكشوف أن صلاته جائزة، فالذي يصلي وعلى رأسه طاقية أولى وأحرى. وطء المرأة المجدورة هل هو جائز، وهل يورث ضررا على المجدورة أم لا (مسألة) في وطء المرأة المجدورة على هذا الحال هل هو جائز؟

стр. 98

وهل هو يورث ضررا على المجدورة أم لا (الجواب) : أما وطء المرأة المجدورة فلا بأس به؛ وأما الضرر، فإن كان على المرأة ضرر في ذلك لم يكن للزوج أن يضرّ بها. كيفية قضاء الفوائت (مسألة) : إذا كان على المريض أو المجدور صلوات فائتة هل يجب قضاؤها على الفور مرتبات، أو يكون كل وقت مع وقت وما صفة الترتيب، وكذلك هل يجب عليه القضاء بالتيمم متى يقدر. (الجواب) : أما المجدور الذي عليه صلوات فائتة هل يقضيها إذا قدر بالتيمم فالأمر كذلك يلزمه القضاء بالتيمم، والقضاء واجب على الفور. ويتيمم ويقضي الفوائت ولا يؤخرها حتى يقدر على الماء؛ لأن الواجب لا يؤخر عن وقته. وأما قولك: هل يصلي كل وقت مع وقته؟ فليس الأمر كذلك؛ بل ذكروا أنه يجب عليه القضاء متتابعا إلا أن يضر به ذلك بحيث لا يقدر، فيقضيها بحسب الاستطاعة في وقتين، أو ثلاثة، أو يومين. وعبارتهم: ومن فاتته صلوات لزمه قضاؤها على الفور مرتبا ما لم يتضرر بذلك في بدنه، أو يشتغل به عن معيشة هو محتاج إليها. قراءة الورد قبل الصلاة (مسألة) في الذي يقرأ ورده بعد الصبح وقبل الصلاة إذا تأخر الإمام، هل يجزئه ذلك أم لا وأيما قراءة القرآن، أو الورد في هذه الساعة أحسن وهل جميع ما فعل الإنسان من ذلك فهو جائز، وقول من قال: لا يكفيه قراءة الورد قبل الصلاة هل له أصل وكذلك قراءة القرآن. (الجواب) : قراءة الورد بعد الصبح وقبل الصلاة إذا تأخر الإمام فهو حسن -إن شاء الله- وكاف؛ فإن قرأ القرآن في تلك الساعة، وقرأ ورده بعد الصلاة فحسن أيضا. والقول بأن قراءة الورد قبل صلاة الفجر ما تكفي، فلا أعلم له أصلا.

стр. 99

هل التراب بدل لكل ما يفعل بالماء (مسألة) : هل التراب بدل لكل ما يفعل بالماء (الجواب) : أما التراب فهو بدل لكل ما يفعل بالماء؛ فمن عجز عن استعمال الماء، أو عدم الماء فالصعيد الطيب طهور. حكم جلوس الحائض في المسجد للتعلم أو استماع الذكر (مسألة) في الحائض هل لها الجلوس في المسجد لأجل استماع الذكر وتعلم أمر الدين، إذا كان يسأل عنه في المسجد، إذا كانت تأمن التلويث في المسجد، ولم ينفصل منها شيء في المسجد، وكان دمها لا ينفصل من الفرج كذلك النفساء هل حكمها حكم الحائض فيما ذكرنا، أم لا (الجواب) : أما الحائض فلا يحل لها الجلوس في المسجد ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية؛ وقد نص الفقهاء على أن الحائض لا تجلس في المسجد، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل -والله أعلم-.وأما النفساء فحكمها حكم الحائض -والله أعلم-. إلقاء السلام على الذي يتوضأ أو يستنجي أو يستجمر (مسألة) في السلام هل يسلم على الذي يتوضأ، أو يستنجي، أو يستجمر، أم لا وهل لذلك المسلم عليه رد السلام على هذه الأحوال ويكون واجبا أم لا وما الحال التي يكره السلام عليها؟ (الجواب) : أما السلام على الذي يتوضأ فلا أعلم فيه كراهة، فإذا سلم عليه رد ﵇؛ وأما السلام على الذي في الخلاء فمكروه، ولا يرد على المسلم. وأما السلام على الذي يستنجي بالماء في المطهرة، فلا أعلم. التحدث أثناء الوضوء أو الاستنجاء (مسألة) في الحكي والإنسان يتوضأ أو يستنجي، هل هو جائز أم ينهى عنه وهل يفرق بين هذه الأمور أم هي على سبيل الجواز (الجواب) : أما الحكي الذي يفعله المستنجون إذا جلسوا كاشفين عوراتهم يتحاكون وهم على هذه الحال، وكذلك المسألة قبلها أعني الذي

стр. 100

في المطهرة فلم أقف على هاتين المسألتين في كلام أهل العلم. الجلوس مستدبر القبلة وقت الدرس (مسألة) في تلقية الإنسان ظهره القبلة في مثل الدرس وغيره إذا كان مسندا على جدار؛ وصورة ذلك عندنا إذا سلم الإمام من الصلاة وفرغت المائدة والسنة ١ ثبت الإمام على هيئة الصلاة ووجهه إلى المأمومين وظهره إلى القبلة إلى أن يفرغ الدرس، لأجل أن الدرس عندنا بعد الصلاة في المسجد. هل هذا جائز ولا ينكر على الإمام الذي يفعل ذلك، وهل يفرق بين الإمام والمأموم، وكذلك الفضاء والبنيان (الجواب) : أما الجلوس مستدبر القبلة وقت الدرس فما علمت فيه بأسا، وسواء في ذلك الذي يذاكر الناس، أو غيره؛ واستدل العلماء على ذلك بأن النبي ﷺ رأى إبراهيم ﵇ ليلة أسري به وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور؛ ولكن الأفضل جلوس الإنسان مستقبلا القبلة إذا كان في عمل صالح، ومن استدبرها لم ينكر عليه. التحلق للدروس (مسألة) : إذا كان الدرس بعد فراغ الصلاة في موضعها، هل يجب على المأمومين التحلق على الدرس إذا كان الإمام يدرس في موضعه الذي صلى فيه، ويجب ذلك أم يكون على هيئتهم، ويثبت كل في موضعه الذي صلى فيه ولم يجب التحلق (الجواب) : أما مسألة التحلق للدرس فهو أفضل، اقتداء بالسلف الصالح؛ وأما إذا وقعت المذاكرة في مثل رمضان وقت قيام الليل، وجلسوا في الصف على هيئتهم إذا جلسوا للصلاة وهم يسمعون القارئ

стр. 101

والمذاكر، فهذا حسن وإن لم يتحلقوا. الكتابة في المجلس الذي فيه جماعة جالسون (مسألة) في الخط، مثل الرسالة أو شيء من العلم في موضع يجلس فيه ويمشى معه، ويقول الكاتب: أنا أكتب بيني وبين نفسي، ولم أشغل أحدا ولم يشغلني؛ وقد يكون للكاتب في ذلك مقاصد، إما بذل علم وكف أذى وإيصال للمسجد؛ وينكر بعض الجهال على من فعل ذلك هل يكون مع المنكر دليل وهل يكون مع الخط في المجلس بأس (الجواب) : أما الكتابة في المجلس الذي فيه جماعة جالسون فلا فيه بأس، خصوصا إذا صار ما يرفع صوته بالحديث الذي هو يكتب فيه، ولا يشغله الكلام عما هو فيه؛ فأما إن كان يتكلم بالحديث فلا يناسب أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، بل المناسب التأدب مع حديث رسول الله ﷺ وتنْزيهه عن اللغط؛ وأما إذا لم يكن هناك محذور فلا بأس، ومن نهى عن ذلك فلا أعلم معه دليلا. ما يأخذه الجزار من الذبيحة إذا ذبحها (مسألة) فيما يأخذ الجزار من الذبيحة إذا ذبحها إذا كان له عادة بأخذها معروفة، هل هي جائرة أم لا؟ وهذه جارية عندنا، إذا كان الإنسان قصابا أخذ من الذبيحة من رأسها قبل القسم والبيع، مثل القلب، وما يتعلق به، ومثل الأطراف والنجتية، وغير ذلك؛ ثم يقسم باقي اللحم على ما أرادوا، والذي هو يأخذه معروف ومشتهر عند أهل البلد. وأما الأجنبي فقد يكون بجهله شيء من ذلك، ولكن ينكر بعض العوام على فاعل ذلك، ويقول القصاب: أنا آخذ شيئا جارية به العادة ومعروف، هل جائز أم لا (الجواب) : ما يأخذه الجزار من الذبيحة أجرة له، فهذا إذا كان

стр. 102

عرفا جاريا في البلد ولا فيه جهالة، بل شيء معروف، فهذا لا بأس به، وإن لم يشترطه وقت الذبح؛ لأن من استأجر على شيء ولم يبين الأجرة انصرف إلى أجرة المثل، والله أعلم. سجود الإمام للسهو بعد السلام (مسألة) : إذا سها الإمام في الصلاة، ووجب عليه السجود للسهو، ولكن أراد الإمام أن يجعل سجود السهو بعد السلام، وسلم الإمام، وتابعه بعض المأمومين بالسلام جهلا، وبعضهم لم يسلم ظانا أن الإمام ساه أيضا، والإمام مقصده جعل السجود بعد السلام، ماذا يكون فيمن لم يسلم هل تفسد صلاتهم أم لا وهل يفرق بين الجاهل وغيره (الجواب) : إذا سلم الإمام قبل أن يسجد للسهو، وتابعه بعض المأمومين في السلام دون بعض، فالذي ينبغي في هذا متابعة الإمام في السلام؛ لقوله ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه "١. وترك المتابعة من الاختلاف عليه، لكن إذا ترك الإنسان المتابعة جهلا منه، فأرجو أن لا يكون عليه إعادة، لأن الجاهل يغتفر له ما لا يغتفر للعالم المتعمد. محل التشهد الأول في حق من أدرك ركعة من المغرب مع الإمام (مسألة) : إذا لم يدرك الإنسان إلا ركعة من المغرب هل يجلس للتشهد إذا صلى ركعتين، ثم ينهض ويأتي بالأخرى، أم يسرد الركعتين بلا تشهد، أم غير ذلك؟ وهل يجب على الذي لم يجلس للتشهد في هذه الحال سجود سهو أم لا (الجواب) : محل التشهد الأول في حق من أدرك ركعة من المغرب مع الإمام، فهذا فيه اختلاف بين العلماء؛ والمشهور أنه يتشهد عقيب الركعة الأولى من القضاء، ولا يسردهما. فلو سردهما إنسان، لم يضيق عليه لأجل اختلاف العلماء، وليس مع المخالف دليل واضح على المنع فيما يظهر لي.

стр. 103

صلاة النساء فوق سطح المسجد أعلى من الرجال (مسألة) في صلاة النساء فوق سطح المسجد أعلى من الرجال، إذا كان الرجال في المصابيح والنساء فوقهم في أعلى المسجد، يصلين بالانفراد غير متابعات للإمام، هل هذا جائز أم لا وهل يفرق بين كونهن في مقدم السطح متقدمات على الإمام والجماعة إذا لم يتابعن الإمام في الصلاة لأجل الانفراد، وكذلك تأخرهن في آخر السطح بقدر صفوف الرجال. (الجواب) : أما مسألة صلاة النساء فوق سطح المسجد فوق الرجال، فلا أعلم فيه بأسا، سواء كن يصلين مع الإمام، أو منفردات. وقولك: هل يفرق بين مقدم السطح، أو مؤخره؟ فإن كن يصلين مع الإمام وجب عليهن أن لا يتقدمن على الإمام، فإن كن منفردات فما علمت في تقدمهن في مقدم السطح بأسا إذا لم يكن في السطح رجال. الصلاة في مشب الضوء (مسألة) في الصلاة في مشب الضوء ومثل موقد، أو دكة وغير ذلك إذا لم يستقبل المصلي الضوء، وكذلك الصلاة في أسطحة ما ذكرنا (الجواب) : أما الصلاة في الموقد والدكة فما علمت فيه بأسا لكن لا يستقبل الضوء، وكذلك في سطح الموقد لا بأس بذلك. صلاة الجماعة للمسافر (مسألة) في المسافر إذا كان في البلد وهو يقصر الصلاة، هل يلزمه الدخول مع الجماعة لأجل تمام الصلاة، أم يصلي وحده ويقصر، ولو كان في البلد، وأمر ذلك إليه أم ما فعل فهو جائز. وهل يفرق بين الواحد والجماعة من المسافرين أم لا (الجواب) : الجماعة واجبة حضرا وسفرا، مثل ما تفهم، فإذا كان المسافر في البلد جاز له القصر؛ لكن إن لم يكن عنده جماعة يقصرون لزمه الصلاة مع المقيمين، ويتم معهم الصلاة؛ لأن الجماعة لا تسقط بالسفر.

стр. 104

مرور المسافر بمسجد بعد الأذان (مسألة) : إذا كان الإنسان مسافرا، ومر بمسجد وقت الصلاة فيه جماعة، والوقت قد دخل، وقد أذن المؤذن هل يلزمه أن يصلي مع الجماعة ويتم الصلاة أم يصلي في موضعه وهل ينكر على الإنسان إذا مر بالمسجد على هذه الحال ولم يصل فيه، أم أمر ذلك عند صاحب السفر، أم غير ذلك (الجواب) : الذي يمر بالمسجد بعد الأذان فلا يتعداه حتى يصلي إلا أن يكون في طريقه مسجد آخر يصلي فيه، فهذا لا بأس به، إلا أن يكون قد دخل المسجد بعد الأذان فلا يخرج منه حتى يصلي. صلاة المريض المتنجس البدن والثوب (مسألة) في المريض الذي يصيبه نجاسة في بدنه، أو في سلبه، ويشق عليه التحرز من ذلك لأجل المرض، ويصلي بالتيمم على هذه الحال على قدر حسبه هل صلاته تامة ولا يقضي، أم يجب عليه القضاء؟ وهل يفرق بين نجاسة البدن وبين مواضع الوضوء وغيرها وبين السلب (الجواب) : المريض الذي في بدنه نجاسة لا يقدر على إزالتها، فهذا يصلي بحسب استطاعته، ولا يعيد. فإن كانت النجاسة في ثيابه، وقدر على خلعها ويلبس ثيابا طاهرة، وجب عليه ذلك، لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"١، فإن لم يقدر على خلعها صلى فيها، ولا إعادة عليه في أصح القولين. صلاة التراويح وأقل ما تصح به الصلاة (مسألة) في العجلة في صلاة التراويح التي صار الناس يؤدونها بالسرعة، وأيضا إذا حصلت العجلة في الأفعال والأقوال صلى أكثر الناس، فإذا تريض الإمام في القراءة، أو في التسبيح، أو غيره من أفعال الصلاة ما صلى إلا قليل من الناس، وتبين أن المصلحة في العجلة، ويستحبون الجماعة السريعة، ولكن ما العجلة التي تخل من التي لا تخل وهل يقتصر الإمام على تسبيحةض

стр. 105

واحدة وهي التي لا بد منها، أم لا بد من أدنى الكمال الثلاث ويصير التطوع مثل الفرض، أم يفرق بينهما على حسب الحاجة والمصلحة، أم غير ذلك وما المستحب في صفة صلاة التراويح، هل هي عشرون ركعة ولا يزاد عنها ولا ينقص، أم غير ذلك وما يقرأ في ذلك (الجواب) : قولك: إن الإمام إذا استعجل صلى معه أكثر الناس، وإذا طوّل لم يصل معه إلا القليل؛ فالشيطان له غرض، ويحرص على ترك العمل؛ فإن عجز عن ذلك سعى فيما يبطل العمل. وكثير من الأئمة في البلدان يثقل في صلاة التراويح فعل أهل الجاهلية، ويصلون صلاة ما يعقلونها ولا يطمئنون في السجود ولا في الركوع والطمأنينة (وهي) ركن ما تصح الصلاة إلا بها؛ والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه لكلام الله إذا يتلى عليه، والخشوع، والطمأنينة، وهذه في الغالب ما تحصل للإنسان الذي يود العجلة. إذا أردت أن تصلي مع الإمام عشرين مع العجلة فصل معه عشرا بخشوع وطمأنينة فهي أنفع لك من كثرة الركعات بلا خشوع ولا طمأنينة. وهذا الذي ذكرناه هو الذي ينبغي فعله، وأما إذا حدث فرقة بين الجماعة وبين الإمام، وصار هواهم في التخفيف، ولا وافقوه على فعل السنة، فالذي ينبغي له الحرص على الطمأنينة، ولا يستعجل عجلة تخل بالطمأنينة، وعلى هذا الحال تقصير القراءة مع الخشوع في الركوع والسجود أولى من طول القراءة مع العجلة المكروهة؛ وكذلك صلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة في الركوع والسجود أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة، لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله فيها؛ ورب قليل خير من كثير.

стр. 106

وأما قدر التسبيح في الركوع والسجود فأدنى الكمال ثلاث، فإن اقتصر على تسبيحة واحدة أجزأه، وسواء في ذلك الفريضة والنافلة. وأما صفة صلاة التراويح وعددها، فالذي ذكره العلماء أن التراويح عشرون ركعة، وأن لا ينقص عن هذا العدد إلا إن أراد أن يزيد في القراءة بقدر ما ينقص من الركعات؛ ولهذا اختلف عمل السلف في الزيادة والنقصان، وعمر ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب كانت صلاتهم عشرين ركعة. وأما القراءة فاستحب أهل العلم للإمام أن لا ينقص عن قراءة جزء ليحصل للناس سماع جميع القرآن في التراويح. ترك الاستفتاح والتعوذ بعد الركعتين الأوليين لصلاة التراويح (مسألة) : إذا أراد الإمام أن يترك الاستفتاح والتعوذ في مثل هذه التراويح بعد الركعتين الأوليين لأجل ما ذكرنا، هل له ذلك أم لا بد من الإتيان بهما جميعا في كل ركعتين أم غير ذلك (الجواب) : أما الاستفتاح فلا بأس بتركه إذا استفتح في أول الصلاة، ثم بعد ذلك يقتصر على التعوذ والبسملة بعد تكبيرة الإحرام، فلا بأس بذلك، لأن الاستفتاح سنة؛ ولو تركه الإنسان في الفرض صحت صلاته. الاقتصار على التشهد الأول في كل ركعتين (مسألة) : إذا أراد الإنسان أن يقتصر على التشهد الأول في كل ركعتين هل له ذلك، أم لا بد من الصلاة على النبي ﷺ . (الجواب) : أما التشهد فالذي لا بد منه هو التشهد الأول، ثم يقول:"اللهم صل على محمد"، فإن اقتصر على ذلك أجزأه، وإن زاد فهو أفضل وأكمل. حد السرعة في القراءة في التراويح (مسألة) : ما حد السرعة في القراءة في التراويح التي يمنع منها الإمام، هو لا بد من القراءة المعتادة من الترتيل والتدبر، أم الأمر واسع بعض الأحيان لأجل صلاة أكثر الناس، ومثل ما قال أحمد ﵀: إنما

стр. 107

الأمر على ما يحتمل الناس، ومثل العجلة من الراضة ترى إذا استعجل الإمام صلى غالب الناس جميع التراويح، ولا ينصرفون إلا إذا انصرف الإمام، ويحصلون الفضيلة أعني قيام الليل مع الإمام حتى ينصرف إلى آخره، وإذا تريض الإمام وصار ثقيلا ما صلوا إلا بعض الصلاة. (الجواب) : أما السرعة في القراءة، فالترتيل أفضل من السرعة؛ والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف، فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة لم يجز ذلك وينهى عنه. وأما إذا قرأ قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه، ولا يسقط شيئا من الحروف فهذا حسن، ولا يضره مع ذلك سرعته في القراءة. وقت الانصراف من القيام في العشر الأواخر (مسألة) في القيام في العشر الأواخر، متى يكون وقت الانصراف آخر الليل إلى ما دونه؟ هل له وقت واحد في البكر والصيف أم الأمر واسع، ومثل ما ذكر أن النبي ﷺ "قام ليلة إلى ثلث الليل، وليلة إلى نصف الليل، وليلة سبع وعشرين إلى الفجر"مثل ما ذكر عن بعضهم أنه خشي أن يفوتهم الفلاح ١ وإلي أيحن نعامل ينصرفون من القيام مبكرين يقرأ القارئ خمسة أجزئة أو أكثر وحد دون هذا قبل الصبح، وإذا عفا الله عنك كني ما أتحاسن هذا لأجل إذا جاء وقت السحر الفضيل، وإلى أن أكثر الناس خصوصا المقيمين رقودا إلى الصبح، وإلا لو هم جلوس على قراءة أو ذكر كان أفهم أنهم في صلاة أم الأمر على ما جاز للجماعة. (الجواب) : أما وقت الانصراف من القيام في العشر الأواخر، فما علمت فيه تحديدا، وقيام آخر الليل أفضل من أوله، والأحسن في هذا

стр. 108

أن الإمام يفعل الأمر الذي لا يشق على المأمومين مع الحرص على الصلاة آخر الليل، فإذا تحرى الوقت الذي يتسع لحاجات الناس آخر الليل بحيث لا يشق، ولا يضيق الوقت عن حاجاتهم فما زاد عنه لا حاجة إليه، واشتغالهم بالصلاة آخر الليل أولى من النوم. النهي عن صلاة ركعة بعد الوتر (مسألة) في قوم إذا سلم بهم إمامهم من التراويح قام بعد السلام يلحق ركعة يشفع بها وتره الذي أوتر في وقت الإمامة لأجل أن يريد أن يوتر آخر الليل، مثل هذا يشكل علينا هل للإمام فعل ذلك أم لا (الجواب) : في الإمام إذا سلم من الوتر قام فصلى ركعة ينقض بها وتره، فمثل هذا ينهى عنه، ولا علمت أحدا من السلف فعله، فإذا أحب الإمام أن يجعل وتره آخر الليل، فلينصرف إذا فرغ من التراويح، ويستخلف من يوتر بالمأمومين. فإن أحب أن لا ينصرف إلا بعد الفراغ من الوتر فإذا بقي ركعة من الوتر، استخلف غيره يصلي بهم تلك الركعة، ويصلي معهم تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام قبل السلام وشفعها بركعة. والمسألة التي فيها الاختلاف في نقض الوتر غير هذه، وصورتها أن يوتر أول الليل، ثم يبدو له بعد ذلك أن يتنفل آخر الليل هل ينقض وتره بركعة إذا قام آخر الليل ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر؟ أم لا ينقضه بل يصلي مثنى مثنى ولا يعيد الوتر فهذه المسألة الخلاف فيها مشهور، وأما المسألة المسؤول عنها فلا ينبغي فعلها وفي الحديث: "لا وتران في ليلة"١. صلاة النساء مع الرجال في صف واحد (مسألة) في صلاة النساء مع الرجال في صف واحد ماذا يكون فيها، وصورتها إذا كان في رمضان، وصف الرجال في الصف الأول، وفضل فيه

стр. 109

بعضه، هل يصح للنساء أن يصففن فيه ويخلين بينهن وبين الرجال فرجة، ولكنهن في طرف صف الرجال، هل يجوز ذلك للحاجة مثل برد، أو استماع قراءة أم لا (الجواب) : وقوف النساء مع الرجال في صف واحد مكروه، والسنة وقوفهن خلف الرجال؛ هذا هو الذي وردت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ وأصحابه. وقوف النساء مع الرجال في صف واحد ما يناسب، وقد ورد في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ قال: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، والله أعلم. المسافر إذا مر بالماء ولم يستعمله وصلى بالتيمم (مسألة) في المسافر إذا مر بالماء في الوقت ولم يستعمله وصلى بالتيمم، هل يعيد أم لا (الجواب) : المسافر إذا مر بالماء في الوقت فلم يستعمله وصلى بالتيمم هل يعيد فالمسألة فيها خلاف بين الفقهاء والعلماء، وفيها وجهان للأصحاب، والمذهب أنه لا إعادة عليه؛ لأنه في تلك الحال عادم للماء. صلاة الجمعة للمسافر (مسألة) في المسافر إذا أتى بلدا، وأدركته الجمعة فيها، وأمره أهل البلد أن يصلي بهم الجمعة، هل له أن يفعل على قول أبي حنيفة والشافعي ومالك أم لا وكذلك في المسافر إذا كان نيته الإقامة في البلد فوق أربعة أيام، وكان إمام المسجد ليس بحاضر، فأمره أمير البلد والجماعة أن يصلي بهم الجمعة والجماعة، فأجاب إلى ذلك، هل هذا جائز أم لا وكذلك هل يكون الذي يعيب على ذلك الفاعل مصيبا وله دليل أم هذا من الجهل وهل يعاب هذا على فاعله أم لا؟ وأيما أفضل إجابة الإنسان لهذه المسألة ونحوها، أو امتناعه (الجواب) : المسافر إذا قدم البلد ولم ينو إقامة تمنع من القصر والفطر في

стр. 110

رمضان، فهذا لا جمعة عليه بحال؛ فإن صلى الجمعة مع أهل البلد أجزأته، والأفضل في حقه حضورها إذا لم يمنع مانع. فإن كان المسافر قد نوى إقامة مدة تمنع القصر والفطر، فهذا تلزمه كغيره؛ فإذا كان في بلد تقام فيها الجمعة وجب عليه حضورها. وأما إمامته في الجمعة، فالمذهب أنه لا يجوز أن يؤم فيها بحال، ولا يكمل به العدد المعتبر؛ لأن من شروط الجمعة الاستيطان، وهذا ليس بمستوطن. وذهب مالك، وأبو حنيفة والشافعي إلى أن له أن يؤم فيها، وهذه المسألة من مسائل الخلاف؛ ولا أعلم فيها دليلا من الجانبين. فإذا كانت من المسائل الاجتهادية فلا إنكار في مسائل الاجتهاد، ولا يجوز الإنكار على الفاعل، خصوصا إذا كان قد علم الخلاف بين العلماء في الجواز وعدمه، وعمل على قول المجيزين؛ ولا يجوز نسبته إلى الجهل والحالة هذه. وأما قولك أيما أفضل إجابة الإنسان لمثل هذه المسألة ونحوها، أو امتناعه؟ (فالأفضل) في حقه العمل بالأحوط، ولا يؤم في الجمعة وهو مسافر إلا إن كان قد بان له، وترجح عنده الجواز، وأن القول بالمنع لا وجه له، فتلك حالة أخرى. وأما إذا ترجح عنده الجواز، وعمل بقول الجمهور، فلا يجوز الإنكار عليه إذا رضي أهل البلد بإمامته لغيبة الإمام، أو قدمه الإمام بنفسه -والله أعلم-. وقوف المأمومين في الصف الثاني قبل إتمام الأول (مسألة) في الذين يصفون في الصف الثاني والأول لم يتم لأجل إدراك الركعة ونحو ذلك، ماذا يكون فيهم إذا كان مأمورا بإتمام الصف الأول فالأول هل الصلاة تتم على هذه الحال أم لا (الجواب) : إذا صف بعض المأمومين في الصف الثاني ولم يتم الأول، هل تصح صلاتهم أم تلزمهم الإعادة؟ فنقول، بل تصح صلاتهم، ولا إعادة عليهم؛ لكن يؤمرون بإتمام الصف الأول فالأول للأحاديث الواردة في ذلك.
следующие страницы →