الثّاني: أنّه قال: "ولا تخن مَن خانك"، ولو أريد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين مَن خانه ومَن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، ولا يحتاج إلى بيان وسؤال، وهو قوله: " ولا تخن مَن خانك ".فعلم أنّه أراد أنّك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرّجل مالاً فخانه في بعضه ثم أودع الأوّل نظيره فأراد أخذ ماله منه فهذا هو المراد بقوله: "ولا تخن مَن خانك".
الثّالث: إنّ كونه خيانة لا ريب فيه، وإنّما الكلام في جواز على وجه القصاص، فإنّ الأمور فيها ما يباح القصاص فيه، كالقتل، وقطع الطّريق، وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص كالفواحش، والكذب ونحو ذلك. قال الله في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ، [الشّورى، من الآية: ٤٠] .وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ، [النّحل: ١٢٦] .فأباح الاعتداء والعقوبة بالمثل. فلما قال ﷺ ههنا:"ولا تخن مَن خانك"، عُلِمَ أنّ هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل. والله أعلم. انتهى.
فإذا تقرّر هذا، عرفت أنّ الصّواب في المثل ما رجّحه الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ فيما تقدّم. وهذا هو الموافق لقواعد الشّرع. والله أعلم.
المسألة الخامسة: إذا كانت أرض بين رجلين لأحدهما الثّلثان، والآخر الثّلث ينتفع صاحب الثّلثين بقسمها ويتضرّر الآخر وطلب مَن لا يتضرّر القسم، هل يجبر الآخر عليه أم لا؟ وإن طلبها صاحب الثّلث هل يجبر الآخر أم لا؟ وإن طلب أحدهما القسمة بالزّمان أي: قسمة المنافع فهل يجبر الممتنع على ذلك أم لا؟ وإذا رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته هل له ذلك أم لا حتّى ينقضي الدّور ويستوفي كلّ واحدٍ منهما حقّه؟
стр. 317
وكذا إذا تلفت المنافع في مدّة الآخر قبل تمكنّه من استيفاء حقّه فهل يرجع على الأوّل ببدل حصّته أم لا؟
فنقول: قال العلماء القسمة نوعان: قسمة تراضٍ، وهي: ما فيها ضرر أو ردّ عوضٍ من أحدهما كالدّور الصّغار والحمام والبيوت المتلاصقة التي لا يمكن قسمة كلّ عينٍ مفردة منها. والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالإجزاء والتّعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز؛ لأنّ الحقّ لهم لا يخرج عنهم، وقد روضوا بقسمته، وهذه جارية مجرى البيع لا يجبر عليها الممتنع، ولا يجوز فيها إلاّ ما يجوز في البيع، لما روى مالك في الموطّأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار ".والضّرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم. وقال الخرقي: هو ما لا يمكن قسمه ولا الانتفاع بنصيبه منفرداً فيما كان ينتفع به مع الشّركة، مثل أن يكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كلّ واحدٍ منهما موضعاً ضيّقاً لا ينتفع به، ولو أمكن أن ينتفع به في شيء غير الدّار ولا يمكن أن ينتفع به داراً لم يجبر على القسمة أيضاً؛ لأنّه ضرر يجري مجرى الإتلاف. وهذه إحدى الرّوايتين عن أحمد.
والثّانية: أنّ المانع هو أن ينقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشّركة، وسواء انتفعوا به مقسوماً أو لم ينتفعوا، قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد، وهذا ظاهر كلام الشّافعي؛ لأنّ نقص قيمته ضرر شرعاً، والضّرر ينتفي.
فأمّا إن كان الضّرر على أحدهما دون الآخر كرجلين لأحدهما الثّلثان وللآخر الثّلث ينتفع صاحب الثّلثين بقسمتها ويتضرّر الآخر فطلب مَن لا يتضرّر القسم لم يجبر الآخر، وإن طلبه الآخر أجبر الأوّل. قال القاضي: إن طلبه الأوّل أجبر الآخر. وذكره أبو الخطاب، وهو ظاهر كلام أحمد في
стр. 318
رواية حنبل. قال: كلّ قسمةٍ فيها ضرر لا أرى قسمتها. وبه قال ابن أبي ليلى وأبو ثور. قال في الفروع: إن طلبها المتضرّر أجبر الآخر. اختاره جماعة. قال في الشّرح: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
النّوع الثّاني: قسمة الإجبار. وهي ما لا ضرر فيها، ولا ردّ عوضٍ؛ كالأرض الواسعة والقرى والبساتين والدّور الكبار والدّكاكين الواسعة والمكيلات والموزونات والمائعات سواء قيل إنّ القسمة بيع أو إفراز حقٍّ؛ لأنّ بيعه جائز وإفرازه جائز، قالوا: وإذا طلب أحد الشّركاء القسمة في هذا النّوع أجبر الممتنع بثلاثة شروط:
أحدها: إن ثبت عند الحاكم ملكهم ببيّنة. قال في الفروع: ذكره جماعة. يعنِي: هذا الشّرط ولم يذكره آخرون. وجزم به في الرّوضة، واختاره شيخنا ـ يعنِي به الشّيخ تقيّ الدّين ـ وفي المرهون وجهان، وأنّ كلام أحمد في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما يثبت فيه ملكهما، وما لم يثبت لجميع الأموال التي تباع، وإنّ مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت إنّها خلية لا ولي لها هل يزوّجها بلا وليّ فيه؟ وجهان.
الثّاني: أن لا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع.
الثّالث: أن يمكن تعديل السّهام من غير شيء يجعل معها فإن لم يمكن ذلك لم يجبر الممتنع؛ لأنّها حينئذٍ تصير بيعاً والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين. والله أعلم.
وأمّا قول السّائل ـ أرشده الله للصّواب ـ: وإذا طلب أحدهما القسمة بالزّمان، أي: بالمنافع فهل يجبر الممتنع على ذلك أم لا؟
ففيها قولان في مذهب أحمد؛ لكن الذي رجّعوه أنّ الممتنع لا يجبر، وعنه يجبر، اختار صاحب المحرّر الإجبار في القسمة.
وأمّا إذا اتّفقوا على المهايأة بزمانٍ بأن تجعل الدّار في يد أحدهما شهراً،
стр. 319
أو عاماً ونحوه، وفي يد الآخر مثلها، أو اقتسموا مهايأة بمكانٍ كسكنى هذا في بيتٍ وسكنى الآخر في بيتٍ ونحوه جاز؛ لأنّ المنافع كالأعيان، ولو تهايؤا في الحيوان اللّبون بأن يحتلب هذا يوماً وهذا يوماً فإنّه لا يصحّ، ولو تهايؤا في الشّجر المثمر لتكون لهذا عاماً ولهذا عاماً لم يصحّ ذلك أيضاً؛ لما فيه من الغرر الظّاهر، لكن طريقه أن يبيح كلّ واحدٍ منهما نصيبه لصاحبه في المدّة التي تكون بيده ويكون من باب المنحة والإباحة لا القسمة، وتكون قسمة المنافع بالزّمان والمكان جائزة لا لازمة سواء عَيَّنَا مدّة أو لم يعيِّنَاها؛ كالعارية من الجهتين، فلو رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته فله ذلك، وإن رجع بعد استيفاء نوبته غرم لشريكه ما انفرد به من الانتفاع بأجرة المثل. والله أعلم.
وأمّا إذا تلفت المنافع في مدّة أحدهما أو نوبته فلا إشكال في أنّه يرجع على صاحبه بقدر نصيبه الذي انتفع به. والله أعلم.
وأمّا المسألة السّادسة: هل قسمة الإجبار إفراز أو بيع، فإن قلتم إنّها بيع، فهل يجوز قسم الأرض المزروعة قبل اشتداد حبّها أم لا؟
فاعلم أنّ هذه المسألة فيها قولان للعلماء:
أحدهما: أنّها إفراز حقّ أحدهما من الآخر وليست بيعاً. وهذا أحد قولي الشّافعي.
والقول الثّاني: أنّها بيع. وحكي ذلك عن أبي عبد الله بن بطه؛ لأنّه يبدل نصيبه من أحد السّهمين بنصيب صاحبه من السّهم الآخر. وهذا حقيقة البيع. وذهب المجدد وحفيده إلى أنّه إن كان فيها ردّ عوضٍ فهي بيع؛ لأنّ صاحب الرّدّ يبدل المال عوضاً عمّا حصل له من مال شريكه. وهذا هو البيع، وإن لم يكن فيها ردّ عوضٍ فهي إفراز.
وفائدة الخلاف: أنّها إذا لم تكن بيعاً جازت قسمة الثّمار خرصاً وما يكال وزناً والموزون كيلاً. قال في التّرغيب في الأصحّ وتفرقهما قبل القبض فيما
стр. 320
يشترط فيه القبض في البيع وإذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث وإذا كان العقار أو بعضه وقفاً جازت قسمته. وعلى القول بأنّها بيع تنعكس الأحكام المتقدّمة كلّها.
قالوا: ولا شفعة مطلقاً أي: على كلا القولين لجهالة الثّمن.
المسألة السّابعة: إذا دفع رجل إلى امرأته خمسة حمران ثم بعد ذلك اختلف فقال الزّوج الخمسة من المهر، والمهر قدره عشرة حمران ولم يذكر الزّوج يوم العطاء أنّها من المهر، فهل القول قول الزّوج؛ لأنّه أعلم بنيّته أم لا؟ وإن قلتم: القول قوله فهل يلزمه يمين؟
فنقول: الذي يظهر من كلام الفهاء في مثل هذه الصّورة أنّ القول قوله بلا يمين؛ لأنّه علم بنيّته. هذا الذي يظهر لي في المسألة. والله أعلم.
وأمّا المسألة الثّامنة: قولهم: ومَن مرّ بثمرة لا حائطٍ لها ولا ناظر ففيه ثلاث روايات..الخ:
إحداها: له الأكل ولا يحمل. قال ابن رجب: هذا الصّحيح المشهور في المذهب. قال في الهداية: اختاره عامة أصحابنا. قال في الشّرح الكبير: وهو المشهور في المذهب لما روي عن أبي زينب التّيمي قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرّحمن بن سمرة وأبي برزة ﵃ فكانوا يمرّون بالثّمار فيأكلون في أفواههم. وقال عمر: يأكل ولا يتّخذ خبيئة، ثم ذكر القولين الآخرين، ثم قال: ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النَّبِيّ ﷺ سُئِلَ عن التّمر المعلّق فقال: "ما أصاب منه ذو الحاجة غير متّخذ خبيئة فلا شيء عليه، ومَن أخرج منه شيئاً فعليه غرامة مثليه والعقوبة".قال التّرمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو سعيد الخدري عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: " إذا مررت ببستانٍ فناد صاحب البستان ثلاثاً فإن أجابك، وإلاّ فكل من غير أن تفسد".
وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم
стр. 321
مثله ولأنّه قول مَن سمّينا من الصّحابة من غير مخالفٍ فكان إجماعاً.
فأمّا أحاديثهم فهي مخصوصة بما رويناه من الأحاديث والإجماع.
وأمّا الزّرع ولبن الماشية ففيهما روايتان. قال أحمد: لا يأكل إنّما رخص في الثّمار ليس الزّرع.
والثّانية: قال: يأكل من الفريك؛ لأنّ العادة جارية به يأكله رطباً أشبه التّمر والزّبيب ـ إلى أن قال ـ: والأولى في الثّمار وغيرها أن لا يأكل منها إلاّ بإذن لما فيها من الخلاف، ولبن الماشية روي عن أحمد كذلك فيه روايتان:
إ حداهما: يجوز أن يشرب ويحلب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: " إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل". رواه التّرمذي. وقال: حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وهو قول إسحاق.
والثّانية: لا يجوز لما روى ابن عمر مرفوعاً:"لا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلاّ بإذنه".متّفق عليه. والله أعلم. وأنت في أمان الله والسّلام. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلم.
- ٣٧ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من عبد الله بن الشّيخ إلى حضرة الأخ في الله عبد الوهّاب أبو نقطة سلّمه الله من الآفات، واستعمله بالباقيات الصّالحات.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وتسأل فيه عن الكلام الذي ذكره ابن موسى.
الأوّل: أنّه قال: مَن قال: يعلم الله كذا يكفر فالذي قال: هذا تائه وواهم وأظنّ أنّكم ما فهمتم معنى كلامه، والحقّ أنّه إذا قال: يعلم الله كذا وكذا، وهو
стр. 322
صادق فلا بأس بذلك، وإنّما الإثم والحرج على مَن قال: يعلم كذا وكذا وهو كاذب، فهذا كذب وافتراء ولا يجوز ولا يبلغ إلى الكفر.
والثّاني: قوله إنّ مَن صلّى على النَّبِيّ ﷺ عشراً صلّى الله عليه مائة، ومَن صلّى عليه مائة صلّى الله عليه ألفاً. فهذا حقّ وهو مقتضى قوله ﷺ : "مَن صلّى عليَّ مرّةً صلّى الله عليه بها عشراً ".وهو ثابت في الصّحيح.
وأمّا قول ابن عبد الهادي إنّ التّلفّظ بالنّيّة سنة عند الصّلاة فهو خطأ وجهالة، وإنّما غرّه بعض كلام المتأخّرين والقائل لذلك مخطئ، فإنّ السّنة هو ما واظب عليه رسول الله ﷺ .
قال ابن القيم ﵀ في الهدي: ولم ينقل عن النَّبِيّ ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه أنّه تلفّظ بالنّيّة ولا استحبّها أحدٌ من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم. انتهى.
وإنّما استحبّها بعض المتأخّرين من أصحاب الشّافعي وغيره، فردّ عليهم المحقّقون من أهل مذهبه وغيرهم، وكلّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلاّ رسول الله ﷺ . فلا ينبغي للمؤمن بل للمسلم أن يتّبع غلطات العلماء بل يعرض أقوالهم على الهدي النّبويّ، فما وافق ذلك قبله وما خالفه ردّه على قائله كائناً مَن كان. فأنتم اذكروا لابن عبد الهادي كلامنا، ولا يخالف ويهون عن فتياه.
وكذلك إنكاره الخرص فالخارص الذي عليه الاجتهاد والتّحرّي، والخرص فعله رسول الله ﷺ ، كان يبعث عمَّالَه إلى الثّمار يخرصونها عند استوائها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، [الأحزاب، من الآية: ٢١] .
وأمّا الموعظة والنّصيحة، فليس هنا أعظم من وصية الله تعالى للأولّين والآخرين. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
стр. 323
وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، [النّساء، من الآية: ١٣١] .وتقوى الله ﵎ أن يفعل ما أمر الله به، ويترك ما نهى الله عنه وهذا هو الدّين كلّه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، [المائدة: ٣٥] .فأخبر سبحانه عباده المؤمنين بسبب الفلاح، وهو تقواه وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله، فهذه الثّلاث هي مجامع الخير. زرقنا الله وإيّاكم إيماناً صادقاً، وعملاً متقبّلاً، ونيّةً خالصةً.
وسلموا لنا على يحيى وجميع إخوانكم. وأنتم في أمان الله وحفظه. وعبد العزيز وسعود وآل الشّيخ طيّبون ويبلّغونكم السّلام.
- ٣٨ -
(هذه مسائل فقهية سُئِل عنها الحافظ الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب)
مسألة _١ ما قول سادة العلماء أئمة الدّين في رجلٍ طلّق امرأته وهي في الحيض، هل يقع عليها أم لا يقع؟
مسألة _٢ الطّلقات الثّلاث المجموعة، هل تقع واحدةً أم ثلاثاً؟
مسألة _٣ وهذه المسألة التي وقع الإشكال فيها وهي من أهم هذه المسائل، وهي التي نصرها الشّيخ تقيّ الدّين بالأدلّة، وهو الذي يُسَمَّى التّعليق، وجزموا أنّه متى وقع الشّرط وقع الجزاء بلا ريب عندهم، وصورته أنّه إذا كان بين رجلين شحناء وأراد أحدهم أن يتعدّى على الآخر وغضب، وقال: إن فعلت كذا، أو إن أخذت هذا، أو إن لم أفعل كذا، أو إن فعلت كذا، فامرأتي طالق، أو قال لامرأته: إن فعلت كذا، أو إن لم تفعلي كذا، فأنتِ طالق، هل يقع بما ذكرنا طلاق أم يمين؟ وإذا قلتم هذا يمين فما
стр. 324
كيفية التّعليق الذي يقع به الطّلاق؟ أفتونا مأجورين.
مسألة _٤ إذا زوجت امرأة قبل أن تعتد أو فسخت منه بسبب عقدٍ فاسدٍ، فهل إذا اعتدّت تكون بالخيار أم ترد على زوجها؟
مسألة _٥ إذا طلقت امرأة ومضى عليها ثلاثة أشهر ولم تحض فيهن إلاّ حيضةً واحدةً، هل يجوز العقد عليها إذا أرادت التّزويج أم لا بدّ من ثلاث حيضات؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: ـ وبالله التّوفيق ـ:
أمّا مسألة الطلاق في الحيض، فالمشهور والمفتَى به عند علماء الأمصار من الصّحابة والتّابعين فمَن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم أنّ الطّلاق في الحيض طلاق بدعة ومعصية لله ولرسوله، ولكنّه لازم ويحسب عليه من الطّلقات الثّلاث. وهذا هو المعمول به عندنا، ودلائل ذلك كثيرة مذكورة في البخاري ومسلم وغيرهما. ومن أشهر ذلك أنّ ابن عمر ﵄ طلّق امرأته وهي حائض في زمن رسول الله ﷺ فذكر عمر ذلك لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ وأمره بمراجعتها حتّى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك. وفي البخاري عن ابن عمر ﵄ أنّها حسبت عليه طلقة. والله أعلم.
وأمّا الثّانية في الثّلاث المجموعة ففيها خلاف مشهور بين العلماء في جوازها، وفي كونها تقع ثلاثاً، فالذي عليه الأكثر أنّ التّلفّظ بها بكلمةٍ واحدةٍ بدعة ومعصية؛ لأنّ الله إنّما أباح الطّلاق للعدّة وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٢٩] .والمرتّان لا تكون إلاّ مرّة
стр. 325
بعد أخرى، ولما أخرجه النّسائي وغيره أنّ رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فغضب وقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ".الحديث.
وأمّا كونها تلزم وتقع ثلاثاً فالذي عليه جمهور الصّحابة فَمَن بعدهم أنّها تقع ثلاثاً كما أمضاه عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وتبعه على ذلك جمهور الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ من الأئمة الأربعة وغيرهم. والأدلّة على ذلك مذكورة في كتب الفقه، وشرح الحديث. وأجابوا عن حجج القائلين بعدم الوقوع وأنّها لا تقع إلاّ واحدة بأجوبةٍ كثيرةٍ ليس هذا موضع ذكرها.
وأمّا تعليق الطّلاق فالذي عليه أكثر أهل العلم أنّه إذا علّقه على شرطٍ ووجد الشّرط وقع، وفرّق الشّيخ تقيّ الدّين وغيره من أهل العلم في ذلك فقالوا: إن كان قصده وقوع الطّلاق كما يقول: إن زنيت فأنتِ طالق، وإن سرقت فأنتِ طالق، وقع وإن كان قصده الحضّ والمنع للمرأة أو لنفسه عن فعل الشّرط وليس قصده وقوع الطّلاق لم تطلق المرأة بذلك ويكون يميناً مكفِّرة نظراً إلى كونه إنّما قصد بذلك الحلف والحضّ والمنع لا وقوع طلاقٍ، وهذا الذي يختاره شيخنا ﵀ ويفتي به. والله أعلم.
وأمّا إذا تزوّج المرأة في العدّة أو بعقدٍ فاسدٍ وفسخ النّكاح، فإن كان الفاعل لذلك جاهلاً فإنّه يجوز له نكاحها إذا انقضت عدّتها بعقدٍ جديدٍ برضاء المرأة والولي، وإن كان فاعل ذلك عارفاً بالتّحريم، فإنّه يفرّق بينهما ولا تحلّ له أبداً كما ذكر ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. والله أعلم.
وأمّا عدّة الحائض فثلاث حيضات سواء كان ذلك طلاقاً أو فسخاً. هذا الذي عليه جمهور العلماء. والله أعلم.
стр. 326
- ٣٩ -
مسألة: إن قال: وحقّ الله فهو يمين مكفِّرة١.هذا المذهب. وبه قال مالك والشّافعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة لها؛ لأنّ حقّ الله طاعاته ومفروضاته، وليست صفة له. ولنا أنّ لله حقوقاً يستحقّها لنفسه من البقاء والعظة والجلال، وقد اقترن عرف الاستعمال بالحلف بهذه الصّفة فينصرف إلى صفة الله، كقوله وقدرة الله عليه، وإذا قال: وعهد الله فهي٢ يمين مكفِّرة وبه قال مالك. وقال الشّافعي: لا يكون يميناً إلاّ أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته. وقال أبو حنيفة: ليس بيمينٍ ولعلّهم ذهبوا إلى أنّ العهد من صفات الفعل فلا يكون الحلف به يميناً. ولنا أنّ عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا عنه لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ، [يّس، من الآية: ٦٠] .وكلامه قديم صفة له فوجب أن يكون يميناً، وإذا قال: وأيم الله فهي مكفّرة؛ لأنّه ﵇ كان يقسم بها، وإذا قال: وأمانة الله فهو يمين مكفِّرة. قال القاضي: لا يختلف المذهب فيه، وبه قال أبو حنيفة، وإن قال: أحلف بالله أو أشهد بالله، كان يميناً إذا ذكر اسم الله. وهذا قول عامّة الفقهاء، ولا نعلم فيه خلافاً. انتهى من الشّرح تلخيصاً.
وإذا قال: حلفت ولم يكن حلف، قال الإمام هي كذبة ليس عليه يمين. وهذا المذهب قال المصنّف والشّارح وعنه عليه كفّارة؛ لأنّه أقرّ على نفسه. انتهى من الإنصاف.
قال في اقتضاء الصّراط المستقيم بعد أن ذكر الكراهة في تعلّم غير
стр. 327
اللّغة العربية، وأيضاً فإنّ نفس اللّغة العربية من الدّين ومعرفتها فرض واجب. فإنّ فهم الكتاب والسّنة فرض ولا يفهم إلاّ بفهم اللّغة العربية، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. انتهى المقصود منه.
وقال في شرح الإقناع في أوّل: (كتاب الشّهادات) : وإذا تحملها أي الشّهادة الواجبة وجبت كتابتها، ويتأكّد ذلك في حقّ رديء الحفظ؛ لأنّ ما يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. انتهى المقصود منه.
مسألة: ما حكم بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه كالقت والجزر والفجل والثّوم والبصل وشبه ذلك؟
فالجواب: اعلم أنّ في هذه المسألة قولين للعلماء:
أحدهما: أنّه لا يجوز حتّى يقلع كما هو مذهب الشّافعي ورواية عن أحمد. قالوا: لأنّ هذه أعيان غائبة لم تر.
والثّاني: جواز بيعه وإن لم يقلع. وهذا هو الصّواب؛ لأنّ هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبر يستدلّون بما ظهر من الورق على المغيب في الأرض كما يستدلّون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، وكما يستدلّون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم. وأيضاً العلم بالمبيع شرط في كلّ شيء بحسبه فما يظهر بعضه وكان في إظهار باطنه مشقّة إذا خرج اكتفى بظاهره كالعقار؛ فإنّه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان وأمثال ذلك. وأيضاً إنّما احتيج إلى بيعه فإنّه يسوغ فيه ما لا يسوغ في غيره، فيبيحه الشّارع للحاجة مع قيام السّبب، كما أرخص في العرايا بخرصها، وأقام الخرص مكان الكيل بجنسه ولم يكن ذلك من المزابنة التي نهي عنها. والله أعلم.
стр. 328
مسألة: بيع المفاتي هل يصحّ بيع الموجود منها والحادث أم لا تباع إلاّ لقطة لقطة؟
فالجواب: من أصحاب الشّافعي وأحمد مَن يمنع بيعها إلاّ لقطة لقطة، وكثير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما يجوزون بيعها مطلقاً على الوجه المعتاد، وهذا هو الصّواب؛ فإنّ بيعها لا يمكن في العادة إلاّ على هذا الوجه، وبيعها لقطة لقطة إمّا متعذر وإما متعسر؛ فإنّه لا يتميّز لقطة عن لقطة إذ كثير من ذلك لا يمكن لقاطه بأسره فيبيع المقاتي بعد بدو صلاحها، وإن كان المبيع لم يتخلق بعد ولم ير، ولهذا إذا بدا صلاح بعض الشّجرة فإنّه صلاح لباقيها باتّفاق العلماء ويكون صلاحاً لسائرها في البستان من ذلك النّوع في أظهر قولي العلماء، وقول جمهورهم بل يكون صلاحاً لثمرة جميع البستان التي جرت العادة بأن يباع جميعه في أحد قولي العلماء، وقد ذكرنا هذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. انتهى.
- ٤٠ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(هذه الأجوبة السّديدة عن المسائل المفيدة للشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمهما الله وعفا عنهما بِمنّه وكرمه)
الحمد لله الذي أوجب البيان على العلماء، وأوجب السّؤال على مَن لا علم عنده. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الكتاب وفهم الخطاب وسألت عن ستّ مسائل:
الأولى: ما قول العلماء ﵃ في رجلٍ خبب امرأة على زوجها؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: نكاح الثّاني الذي خببها على زوجها باطل
стр. 329
ويجب أن يفارقها؛ لأنّه عاصٍ لله بفعله ذلك.
الثّانية: إذا أرضعت امرأة طفلاً وله إخوة وأخوات لم يرضعوا منها لها بنون وبنات هل يجوز لإخوته وأخواته أن يتزوّجوا من أولاد التي أرضعته والعكس أم لا؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: إذا أرضعت المرأة طفلاً رضاعاً يحرِّم شرعيّاً في الحولين صار الطّفل ابناً للمرضعة وابناً لزوجها الذي نسب الحمل إليه فصار في التّحريم والخلوة ابناً لهما وأولاده أولادهما، وإن نزلت درجتهم وجميع أولاد المرضعة إخوة للمرتضع وأخواته، وإن نزلت درجتهم. وأمّا المرتضع وهو المسؤول عن إخوته فالحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا، ولا تنتشر إلى مَن في درجته من إخوته وأخواته، ولا إلى أعلى منه كأبيه وأمّه فلا يحرم على زوجها نكاح أمّ الطّفل المرتضع من النّسب ولا نكاح أخته وعمّته، ولا بأس أن يتزوّج الرّجل أخت أخيه من الرّضاعة.
الثّالثة: ما صفة الإحداد، وهل المملوكة فيه كالحرّة أم لا؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: الإحداد واجب في عدّة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، أو شهران وخمسة أيام إن كانت أمة، فإن كانت حاملاً فعتدّتها بوضع حملها، وذلك على الحرّة والأمة والكبيرة والصّغير فيحرم على المحدة الزّينة كالأحمر والأصفر ونحوهما، ويباح لبس الأبيض وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وغسل رأسها بالسّدر والمشط واستعمال الدّهن غير المطيّب، ويجب عليها عدّة الوفاة في المنْزل الذي مات زوجها فيه، وهي ساكنة فيه إلاّ لعذر من خوفٍ أو هدمٍ ونحوهما، ولا تخرج
стр. 330
من منْزلها، ولها الخروج نهاراً لحوائجها وتجب العدّة من حين الموت.
الرّابعة: الرّجل الذي ليس من أهل البيت هل يسلم على المرأة في الإحداد وغيره أم لا؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: المرأة المحدّة وغيرها في ذلك سواء، فالمرأة مع الرّجل إن كانت زوجته أو أمته أو محرماً من محارمه كأمه وابنته وأخته ونحوها فهي معه كالرّجل، فيستحبّ لكلّ واحدٍ منها ابتداء الآخر بالسّلام ويجب على الآخر ردّ السّلام عليه، وإن كانت المرأة أجنبية وكان جميلة يخاف الافتتان بها لم يسلّم الرّجل عليها، ولو سلّم لم يجز لها ردّ السّلام ولا تسلم هي عليه ابتداء، وإن سلمت لم تستحقّ جواباً فإن أجابها كره له، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرّجل وعلى الرّجل ردّ السّلام عليها.
الخامسة: إذا قال الرّجل: عليَّ (الطّلاق) بالثّلاث أن أفعل كذا، أو لا أفعل كذا ففعله؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: إذا لم ينو الطّلاق بل مراده الحثّ والمنع فهو يمين مكفِّرة يخيّر بين عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين أو إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكينٍ مدي شعيرٍ، أو مدي تَمرٍ، أو مدُ بُرٍّ، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام.
السّادسة: إذا كان لرجلٍ زوجتان أو أكثر فحاضت إحداهن هل عليه أن يبيت عندها ليلتها أم لا؟
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: عليه أن يبيت عندها؛ لأنّ القسم يراد للإيواء إلاّ إن أذنت له، ولكن لا يجامع الحائض والنّفساء حتّى يطهرن من الحيض وتغتسل بعده. والله أعلم.
стр. 331
وأمّا مسألة الحامل؛ إذا رأت الدّم فإنّه ينظر في حال المرأة فإن كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت فلا تلتفت إليه بل تصلّي فيه وتصوم ويكون حكمها حكم المستحاضة وليس في هذا اختلاف.
وأمّا إن كانت عادة المرأة أنّها تحيض وهي حامل ويأتيها في عادة الحيض وتطهر في عادة الطّهر فهذا الذي اختلف في العلماء والرّاجح أنّه حيض إذا كان على ما وصفنا.
وأمّا مسألة اليتيمة إذا طلبت الزّواج، فيجوز لوليّها تزويجها وإن لم تبلغ، إذا كنت لها تسع سنين، لكن لا يجبرها ولا يزوّجها إلاّ برضاها إذا كانت يتيمة. وأمّا الأب فيجوز له إجبار الصّغير التي لم تبلغ. والبلوغ يحصل بالحيض وبإنبات الشّعر الخشن حول القبل.
وأمّا مسألة الأمي، فهو الذين لا يحسن الفاتحة أو يحلن فيها لحنا يحيل المعنى.
وأمّا إذا كان يحسن الفاتحة ولا يحيل ألفاظها عن معانيها فهذا لا يُسَمَّى أميّاً وأحقّ النّاس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، فإذا وجد القارئ قدم على غيره. وأمّا إذا أقيمت الصّلاة ثم جاء القارئ وهم يصلّون جاز للقارئ أن يصلّي معهم إذا كان الإمام يحسن قراءة الفاتحة، ولا يلحن فيها لحناً يحيل المعنى. وأمّا الذي يحلن فيها لحناً يحيل المعنى فلا يجوز أن يصلّي إلاّ بمثله.
وأمّا مسألة تعيين الإمام فإذا عيّن إماماً وقصده أن لا يصلّي خلف غيره، فهذا إذا بان أنّه غيره لم تصحّ صلاته؛ لأنّه نوى أن لا يصلّي خلفه. وأمّا إذا عيّن إماماً ونيّته أنّه يصلّي خلف مَن يصلّي بالجماعة وليس له قصد في تعيين الإمام كما هو الواقع في المساجد التي أئمتها راتبون، فهذا إذا بان له أنّه غير الإمام الرّاتب صحّت صلاته؛ لأنّ قصده الصّلاة مع الجماعة. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه. وسلّم.
(تَمَّت رسائل الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ﵀ .
стр. 332
القسم الثاني
رسائل وفتاوي للشيخ عبد الرحمن بن محسن
...
القسم الثّاني من الجزء الأوّل
من مجموعة الرّسائل والمسائل
رسائل وفتاوى أحفاد الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب
رسائل العلاّمة الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن بن الشّيخ ﵏.
- ١ –
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحم بن حسن إلى الأخ الْمحبّ الإمام المكرّم فيصل بن تركي ألهمه الله رشده ووقاه شرّ نفسه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تعلم أنّ نصيحتي لك نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلين وعامّتهم؛ لأنّ بصلاحك يقوم الدّين ويصلح أكثر النّاس، وفي الحديث:"الدّين النّصيحة"، قالها ثلاثاً، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال:"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم".وقد جعل الله لأهل الإيمان نوراً يمشون به في النّاس. وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد من فتنة خالد والعسكر وقبله إبراهيم باشا ميّز الله بها أهل نجد طيّبهم وخبيثهم وتفاوت مراتبهم في الشّر والزّيغ والفساد وكثرت السفاهة والقسوة ولا تخفى حالهم إلاّ على مَن لا بصيرة له، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ، [آل عمران، من الآية: ١٧٩] .
وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية، [الأنفال، من الآية: ٣٧] .
وقال تعالى: ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ، [العنكبوت، الآيات: ١-٣] إلى قوله:
стр. 333
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ، [العنكبوت، الآية::١١] .
وهذا أمر مشاهد لِمَن جعل الله في قلبه نوراً. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم، وجعل الله أهل الإيمان شهداء على النّاس. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، [التّوبة، من الآية: ١٠٥] .
فيجب على مَن ولاّه الله أمر الدّين والدّنيا أن لا يتّهم من أقامهم الله شهداء على النّاس وهو يعلم منهم محبّة الإسلام ومحبّة أهله وبغض الباطل وأهله فكيف لا تقبل شهادة مَن أقامهم الرّبّ شهداء في أرضه على أعمال خلقه؟ وقد قال في المؤمنين والمهاجرين: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ، [الأنفال، من الآية: ٧٢] .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ، [الأنفال: ٧٣] .
ومن الفساد الكبير على ما ذكر العلماء ضعف الإيمان وقوّة الباطل وقد حذّر الله نبيّه ﷺ من طاعة الكافرين والمنافقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ، [الأحزاب: ١] ، عليماً بما يصلح عباده حكيماً في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ولما كان التّحذير من أولئك من أهمّ مقامات الدّين قال الله لنبيّه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ ، [المائدة، من الآية: ٤٩] .
وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ، [الكهف، من الآية: ٢٨] .
وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ، [طه: ١٦] .
وفي الأثر: تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إلى الله بالبعد عنهم، وأطلبوا رضاء الله بسخطهم".
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ، [القلم الآتيان: ٣٥-٣٦] .
و ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ، [الجاثية: ٢١] .
стр. 334
ما كان يصلح لذلك قدمه فيهم، ويتعيّن عليه أن يسأل عنهم مَن لا تخفى عنه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها، فلو حصل ذلك لثبت الدّين وبثباته يثبت الملك، وباستعمال أهل النّفاق والخيانة والظّلم يزول الملك ويضعف الدّين، ويسود القبلية شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك. فالسّيعد مَن وُعِظَ بغيره، وبما جرى له وعليه. وأهل الدّين هم أوتاد البلاد ورواسيها، فإذا فعلت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم ﵀ ولكن رواسيها وأواتادها هم، فأنت إذا فعلت ما قلت لك قام بك الدّين والعدل وصارت سنة حسنة في هذا الزّمان ونلت أجر مَن أقام السّنة كما في الحديث: "مَن سَنَّ في الإسلام سُنةً حسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
فإن انعكس الأمر كما هو الواقع كانت سنة سيّئة عليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
ومن المعلوم أنّ النّفس تميل إلى الرّاحة وطلب رضا الخلق، وفي النّظر فيما يرضي الله مخالفة للخلق أو بغضهم ولكن طريق الجنة حزن بربوة، واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [آل عمران، من الآية: ١٧٥] .وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٤١] .وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ، [هود، من الآية: ١٢٣] .وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ، [سبأ، من الآية: ٤٦] .
فإذا عرفت أنّ العبد لا يأتيه ما يكره إلاّ من شرور نفسه وسيّات أعماله وأنّ نواصي الخلق في قبضة الرّبّ ﵎، وأنّ قلوبهم بين إصبعين من أصابعه أفادك القيام بدينه وأخذت في أسباب ذلك والحبّ فيه والبغض فيه والتّقريب له والإبعاد لأجله، وجعلت أفعالك تطابق أمره
стр. 335
الشّرعي الدّينِي، وتتحرّى مرضاته في كلّ قولٍ وفعلٍ وتقديم أو تأخير أو غير ذلك، فلو صلح تدبير الإمام فيما ولاّه الله من الحاضرة أصلح الله البوادي وغيرهم، فإنّ الأعمال حجّة لك أو عليك، وأنت سالم. والسّلام. ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصبحه وسلّم.
- ٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى عثمان بن منصور. وبعد؛
أشرفت على خطك وهو كلام مَن لا يدري ولا يدري أنّه لا يدري، ولكن نبيّن لك أكاد فتح من الله جئت من الزّبير والبصرة هاك الجيه، وجرى عليك من الفائز الذي أنت خابر لأجل طول إقامتك في أماكن يعبد فيها غير الله، وأراد الله أنّ كبارنا يقدّمونك في سرير لأجل اسم العلم والذي بان لهم أنّك عرفت صحّة هذه الدّعوة؛ دعوة الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ﵀ إلى توحيد الألوهية، وإنكار الشّرك والبراءة منه الذي ما يصير الإنسان مسلماً إلاّ به، والذي يدخل هذا قلبه ويتقدّم بالنّاس ويسير له مشاركة في العلوم يدعو النّاس إليه ويحثّهم علهي، ويبيّن لهم معنَى: لا إله إلاّ الله، وما دلّت عليه من إخلاص العبادة ونفي الشّرك وما تقتضيه من المعاداة والموالاة والحبّ والبغض، كذلك حقوق: لا إله إلاّ الله، ولا حصل منك شيء من هذا أبداً ولا حصل منك إلاّ ضدّها، إذا جاء عندك مشرك أو إنسان ما ينكر الشّرك من أهل هذه الأمكنة استأنست معه وقدّرته وأكرمته.
فإذا كان يريد أن يتزوّج زوّجتموه ولا حصل منك إلاّ إذا جاء أهل سدير يتنازعون في أموالهم أو يستفتونك في مسألةٍ فرعيةٍ، والذي هذا
стр. 336
حاله ما يجوز أن يلين معه الجانب أو يرد له رأس، فلو أنّ لك معرفة في التّوحيد أو قبولاً له لكنت تكثر ذكره كما قيل: مَن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره، بل الذي يذاكر في التّوحيد ويلهج به وينكر الشّرك ويبغض أهله ويعاديهم ما يجوز عندكم إلاّ كما يجوز رأس الحمار، ولولا هذا كان ما يجهلك أنّ طلبة العلم هم ربعي وهم إخواني وهم خاصتي ولكن أنت ما لقيت فيك حيلة إذا فتشنا عن كلامك في شرحك وفي غيره، وجدنا معتقدك في توحيد الألوهية معتقد عبد الله المويسر حظّه منها اللّفظ مع إنكار الْمعنَى هذه حالته يجب التّحذير عنه نصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم، ويا ليتك ثم يا ليتك قمت بهذا الدّين وأحببت أهله ودعوت إليه وأنكرت ضدّه. لكن القلوب بيد الباري يقلّبها كيف شاء. وأسأل الله أن يقلّب قلبك إلى الإسلام. ويدخل فيه الإيمان. فإن وفّقك الله للتّوبة فلا علينا منك ولا عليك منا. ولو ما صادقناك ورافقناك ما يضرّ.
ومن الأمور الظّاهرة البيّنة أنّك دأبك تكتب في الخوارج وتذكر كلام شيخ الإسلام فيهم، والواقع في كثيرٍ من الأمّة أعظم من مقالة الخوارج عبادة الأوثان وتزيين عبادتها وإنكار التّوحيد، ولو أنّ في قلبك من التّوحيد شيئاً فعلت فعلَ عبد الله أبا بطين ما صبر يوم أن كان داود وأمثاله يشبهون على النّاس ردّ عليهم من كتاب الله وسنّة رسوله وأقوال الصّحابة وأقوال العلماء والأئمة ودحض حججهم بالوحي.
والخوارج ما عندنا أحد منهم حتّى في الأمصار ما هنا طائفة تقول
стр. 337
بقول الخوارج إلاّ الأباضية في أقصى عمان ووقعوا فيما هو أكبر من رأي الخوارج وهي عبادة الأوثان ولا وجدنا خطك في الخوارج وتسميته بالمعارج إلاّ أنّ أهل هذه الدّعوة الإسلامية التي هي دعوة الرّسل إذا كفروا من أنكرها. قلت: يكفّرون المسلمين لأنّهم يقولون: لا إله إلاّ الله. والله أعلم. آخر ما وجدت من هذه الرّسالة.
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصبحه وسلّم.
- ٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ الْمحبّ عبيد بن رشيد سلّمه الله تعالى وهداه ووفّقه لما يحبّه ويرضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وسرنا طيبكم وسلامتكم ونحمد إليكم الله تعالى على ما أسداه من الأنعام، وما من به من معرفة دين الإسلام، نسأل الله المزيد من ذلك والثّبات عليه والاستقامة والمحافظة عليه، وذلك فضله وإحسانه تعالى لِمَن وفّقه له وهداه له. وما ذكرت من أنّ بعض النّاس يوجب صيام يوم الثّلاثين من شعبان إذا حال دون منظره غيم أو قتر، ويستدلّ بقوله في الحديث:"فإن غُمّ عليكم فاقدروا له".ويقول إنّ القدر التّضييق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ ، [الطّلاق، من الآية: ٧] .وأنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه وصامه بعض الصّحابة.
فالجواب: أنّ هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثّلاثة، وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستجابة. قال في الإنصاف: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه لا
стр. 338
يجب قال الشّيخ هذا مذهب أحمد المنصوص الصّريح عنه، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحدٍ من الصّحابة. انتهى كلام شيخ الإسلام.
قلت: ذكر ابن عبد البر وغيره أنّه لم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة ﵃ أنّه صامه إلاّ عبد الله بن عمر صامه احتياطا، قاله ابن القيم. وذكر أن ابن عبّاس ﵄ أنكر عليه صيامه. قال الحافظ محمّد بن عبد الهادي ﵀ وقد روي من غير وجه مرفوعاً النّهي عن صوم يوم الشّك وقد روي عن جماعة من الصّحابة ﵃ أنّهم نهوا عن صوم يوم الشّكّ منهم حذيفة وابن عبّاس ونصّ الإمام أحمد ﵀ في رواية المروذي أنّ يوم الثّلاثين من شعبان، إذا غم الهلال يوم شكّ، وهذا القول صحيح بلا ريب. قال الحافظ وليس في هذا الحديث الذي استدلّ به المتأخّرون دليل على وجوب الصّوم أصلاً بل هو حجّة على عدم الوجوب فإنّ معنى:"اقدروا له"، احسبوا له قدره وذلك بثلاثين يوماً فهو من قدر الشّيء، وهو مبلغ ليس من التّضييق في شيء، والدّليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر:"فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين".أي: فأكلموا العدّة ثلاثين، وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به وصرح في هذه الأحاديث بمعناه وهو إكمال شعبان ثلاثين. واستدلّ الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار، وهو ما رواه أبو داود والنّسائي وابن ماجه والتّرمذي عن طلحة ابن زفر. قال كنا عند عمار ياسر وأتي بشاة مصلية. فقال كلوا فتنَحَّى بعض القوم فقال عمّار: مَن صام اليوم الذي فيه الشّكّ فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
قلت: وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع وقد جاء صريحاً
стр. 339
في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدّة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال، وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ . قال: أو قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكلموا عدّة شعبان ثلاثين". قال الحافظ. وهذا الحديث لا يقبل التّأويل وذكر أحاديث كثيرة. منها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من هلال شعبان ما لا يتحفّظ من غيره ثم يصوم رمضان لرؤيته فإن غمّ عليه أتم ثلاثين يوماً ثُمَّ صام، وهذا صريح في أنّه ﷺ لم يشرع لأمته صيام الثّلاثين من شعبان إذا غم الهلال ليلته فهذا وغيره من الأحاديث يظهر أنّ الحجّة مع مَن أنكر صيام ذلك اليوم إذا غمّ الهلال ليلته وإن السّنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال وهو اختيار محمّد بن عبد الوهّاب رحمه الله تعالى.
وأمّا مسألة الفطر للمسافر في رمضان أو الصّيام فالذي دلّت عليه الأحاديث أنّ المسافر إذا كان سفره مباحاً أنّه يخير بين الفطر والصّيام، فلا ينكر على مَن صام ولا على مَن أفطر، روى التّرمذي عن عائشة ﵂ أنّ حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﷺ عن الصّيام في السّفر وكان يسّره الصّوم فقال رسول الله: "إن شئت فصّم وإن شئت فأفطر ".قال أبو عيسى حديث عائشة ﵂، هذا حديث حسن صحيح، وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فما يعاب على الصّائم صومه ولا على المفطر فطره، وفيه أحاديث غير هذين الحديثين.
وأمّا تمام الصّلاة في السّفر ففعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعائشة
стр. 340
أمّ المؤمنين ﵄ وعند الحنابلة أنّه إن أتَمّ في سفر جاز ولم يكره وعلى هذا فلا ينكر على مَن أتَمّ الصّلاة، والقصر أفضل.
لكن قد يحصل مع الغزاة١ تردد في قصد الولاة بالغزو، ولأنّه ربما غلب عليهم إرادة الملك والعلو وإرادة الدّنيا والثّناء والعزّ فيكون جهاده عليه لا له كما في الحديث أنّ النَّبِيّ ﷺ سأله رجل فقال يا رسول الله الرّجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ قال: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله".
وفي حديث أبي هريرة ﵁ في الثّلاثة الذين أوّل مّن تسعر بهم جهنم: يقال للمجاهد إنّما قاتلت ليقال هو جرئ فقد قيل: فيؤمر به إلى النّار، فليكن منك ذلك على بال. قال: قتادة ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ ، [الكهف، من الآية: ٣٤] .قال هذا والله أمنية الفجار كثرة المال وعزّة النفر.
وأمّا إحياء العشر الأواخر من رمضان فهو السّنة لما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله وجد وشدّ المئزر.
وفي الحديث الآخر: "مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وصحّ أنّ النَّبِيّ ﷺ قام اللّيل كلّه حتى السّحر. إذا عرفت ذلك فلا ينكر قيام العشر الأواخر إلاّ جاهل لا يعرف السّنة.
стр. 341
وأمّا مَن يوصي بثلث ماله وله ذرية ضعفاء فقراء، فإن كانت الوصية على أعمال البر جاز لمتولّيها أن يدفع إليهم من الوصيّة يستعينون به في حاجاتهم، وإن كان الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى لهم به، فإن كان على حجّ غير حجّة الإسلام فتصرف على المحتاج من ذرّيّته، وكذلك ما كان على أضحية صرفت على فقراء ذريّته؛ لأنّ الصّدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا إليها، فلا بدّ من تنفيذ الوصية ابتداء، ثم يكون النّظر للمتولي عليه. انتهى.
- ٤ -
(رسالة ضافية في الرّبا وحكم نقود الجدد الزّيوف فيه)
بسم الله الرّحم الرّحيم
وبه نستعين ولا حول ولا قوّة إلاّ الله.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ، [الكهف: ١] ، ورفع لِمَن ائتم به فأحلَّ حلاله، وحرّم حرامه في مراقي السّعادة درجاً، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة مَن حقّقها فاز ونجا، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله الذي مَن استمسك بهديه نال من التّوفيق فلجا وبلجا، اللهم صلّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الذين مَن اقتدى بهم سما بالعلم وابتهجا، وسلّم تسليماً كثيراً. أمّا بعد؛
فلما كان الواجب على المسلمين، خصوصاً منَ ينسب للعلم منهم والدّين، أن يهتمّ بما عليه من النّصيحة لله تعالى وعباده على وفق شرعه ومراده، وجهت بعض الهمة إلى بيان ما لعلّه أن يكون عوناً لِمَن أراد الله به خيراً على التّعاون على البرّ والتّقوى، والتّواصي بالحقّ الذي هو أقوم وأقوى،
стр. 342
والله أسأل أن يكون ذلك مؤسّساً على الإخلاص، وإرادة النّصيحة والسّلامة للمسلمين والخلاص.
فأقول ـ مستمداً من الله تعالى العون والتّأييد، والتّوفيق والتّسديد ـ إن مما كثر البحث عنه والسّؤال، وعمت به البلوى بين العوام من الجهال، الاعتياض بالنّقود المسمّاة بالجدد عن الرّيال، وقد ورد علينا ونحن بالدّيار المصرية، من بعض أعيان بلادنا النّجدية، كتاب يتضمن السّؤال عن ذلك، ويستدعي الجواب عمّا وقع هنالك.
فأجاب شيخنا شيخ الإسلام، خاتمة الأئمة الأعلام عبد الله بن الشّيخ الإمام القدوة الدّاعي شيخ الكلّ محمّد بن عبد الوهّاب ـ أجزل الله لهم الأجر والثّواب ـ بما حاصله: إذا كان يعرف بين أهل الخبرة والاستعمال، أن يبذل من هذا النّقد في الرّيال، يشتمل من الفضّة على أكثر مما فيه منها فهو ربا بلا إشكالٍ، وكذا إذا كانت الزّيادة من الفضّة أو المساواة يتطرّق إليهما الاحتمال، فهو من الرّبا باتّفاق أهل النّظر والاستدلال؛ لأنّ من أصول هذا الباب، عند ذوي العقول والألبان، أنّ الجهل بالتّماثل كالعلم بالتّفاضل بغير شكّ ولا ارتياب.
ولما يسّر الله تعالى رجوعي من تلك الدّيار، وحصل لي بالوطن مكث واستقرار، رأيت أنّ ما يتعيّن علي تنبيه إمام المسلمين ـ وفّقه لطاعته ـ بأن يصرف الهمة إلى منهج الصّواب والسّداد، لما في ذلك من صلاح البلاد والعباد فبادر إلى ما أشرت إليه، أيّده الله ووالى نعمه وإحسانه عليه، فدفع إلى مَن يرضى أمانته عشرين من تلك النّقود، وأمره أن يختبر ما فيها من الفضّة بالسّبك على الوجه المعهود، وأشار إلى مملي هذه الأوراق بالحضور، ليكون ذلك من قبيل المعلوم المشهور، فحضرت تصفيتها مع ذلك الثّقة المأمور،
стр. 343
فحصل من العشرين خمسة بزنة المثقال، وهذا القدر لا يزيد على ما في الرّيال منها ولا ينقص بحال، فأفتيت بعد ذلك التّحرير والاختبار، بأنّ هذه المصارفة لا تحلّ إذا زادت الجدد عن ذلك المقدار.
ولما كانت أكثر النّفوس لا تقبل الحقّ إلاّ إذا كان في قالب هواها، وتميل بالطّبع إلى أن تؤتى شهوتها ومناها، شرعت في إيضاح هذا الحكم المذكور، وإن كان عند أهل العلم في غاية الظّهور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ، [النّور، من الآية: ٤٠] .فهذه براهين الكتاب والسّنة تملَى عليك، وبنات أفكار أهل التّحقيق تجلى وتزف إليك، والله أرجو أن يجعلنا مِمَن يقبل الحقّ إذا ورد عليه، وينقاد للهدى إذا دعي إليه.
اعلم ـ وفّقنا الله وإيّاك ـ أنّ الله تعالى نهى عباده عن أكل الرّبا وأنزل بتحريمه القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيمٍ حميدٍ، وزجر عنه عباده بضروبٍ من التّحذير والتّهديد، والوعيد الشّديد. فقال ـ عزّ من قائلٍ ـ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ، [البقرة، الآيتان: ٢٧٥-٢٧٦] .
قال ابن عبّاس في معنى الآية آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخفق. رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، [البقرة، من الآيتين ٢٧٨-٢٧٩]ـ إلى قوله ـ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، [البقرة: ٢٨١] .قال البخاري ـ رحمه الله
стр. 344
تعالى ـ في صحيحه: قال ابن عبّاس هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ ، [آل عمران، من الآية: ١٣٠] .إلى غير ذلك من الآيات المحكمات.
وقد جاءت السّنة الصّحيحة بالزّجر عنه والتّحذير وإيضاح، ما أجمل منه بالبيان والتّفسير. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اجتنبوا السّبع الموبقات ـ قالوا يا رسول الله وما هن؟ ـ قال: الشّرك بالله، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل اليتيم والتّولي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الرّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه".وقال: "هم سواء". رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدّسة فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمّ فيه رجل قائم وعلى شطّ النّهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرّجل الذي في النّهر فإذا أراد أن يخرج رمي الرّجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النّهر آكل الرّبا ".رواه البخاري في صحيحه.
وعن ابن عبّاس ﵂ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تشترى الثّمرة حتّى تطعم، وقال: "إذا ظهر الزّنا والرّبا في قريةٍ فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله ".رواه الحاكم. وقال: صحيح الإسناد.
وفي حديث الإسراء أنّ رسول الله ﷺ مرّ ليلتئذٍ بأقوام لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل هؤلاء أكلة الرّبا. رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: " يأتي على النّاس زمان
стр. 345
يأكلون فيه الرّبا". قال: قيل: له النّاس كلّهم؟ قال:"مَن لم يأكله منهم ناله من غباره ".رواه الإمام أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "الرّبا ثلاثة وسبعون باباً ".رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وزاد: "أيسرها أن ينكح الرّجل أمّه وأن أربى الرّبا بأعرض الرّجل ال مسلم".وقال على شرط الشّيخين ولم يخرجاه ورواه محمّد بن نصر موقوفاً عن ابن مسعود قال: "الرّبا بضع وسبعون باباً والشّرك نحو ذلك".رواه أيضاً عن أبي هريرة موقوفاً قال: "الرّبا سبعون حوباً أدناهن مثل ما يقع الرّجل على أمّه وأربى الرّبا استطالة المرء في عرض أخيه".وروي أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً قال: "ليأتين على النّاس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلّ أو بحرام".ورواه البخاري. ولفظه: "لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاص بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجز".رواه مالك والبخاري والنّسائي. وللبخاري: "الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح سواء بسواء مَن زاد أو ازداد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄ أنّ أبا سعيد حدّثه مثل ذلك حديثاً عن رسول الله ﷺ فلقيه عبد الله بن عمر فقال يا أبا سعيد ما هذا الذي تحدّث عن رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو سعيد في الصّرف؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذّهب بالذّهب مثلاً بمثل، والورق بالورق مثلاً بمثلٍ".رواه البخاري.
وقال محمّد بن نصر المروزي: حدّثنا إسحاق بن
стр. 346
إبراهيم أنا روح بن عبادة حدّثنا حبان بن عبد الله العدوي، وكان ثقة قال: سألت أبا مجلز عن الصّرف فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأساً زماناً ما كان يداً بيد فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى ألا تتقي الله حتّى متى تُوكل النّاس الرّبا؟ أما بلغك أنّ رسول الله ﷺ قال وهو عند زوجته أم سلمة: " إنِّي لأشتهي تمر عجوة". فبعث بصاعين فأتى بصاع عجوة. فقال: "من أين لكم هذا؟ ".فأخبروه فقال:" ردّوه التّمر بالتّمر، والحنطة بالحنطة، والشّعر بالشّعير، والذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، يداً بيدٍ، عيناً بعينٍ، مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا".ثم قال: "وكذلك ما يكال أو يوزن أيضاً".
فقال ابن عبّاس جزاك الله الخير يا أبا سعيد ذكّرتَنِي أمراً كنت نسيبته فأستغفر الله وأتوب إليه. قال فكان ينهى عنه بعد. قال روح: وكان حبان رجل صدوق.
وعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ " ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح إلاّ سواء بسواء، عيناً بع ينٍ".رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ، فَمَن زاد أو استزاد فقد أربى ".رواه مسلم والنّسائي.
وعن أبي بكرة ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن الفضّة بالفضّة، والذّهب بالذّهب، إلاّ سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذّهب بالفضّة كيف شئنا والفضّة بالذّهب كيف شئنا ".رواه البخاري والنّسائي. وله في رواية: " نهانا رسول الله ﷺ أن نبيع الفضّة بالفضّة إلاّ عيناً بعينٍ سواء بسواء".
وعن مجاهد أنّه قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا
стр. 347
عبد الرّحمن إنِّي أصوغ الذّهب ثم أبيع الشّيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي فنهاه عبد الله عن ذلك فجعل الصّائغ يردّد عليه المسألة وعبد الله ينهاه حتّى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدّينار بالدّينار، والدّرهم بالدّرهم، لا فضل بيهما، هذا عهد نبيّنا إلينا وعهدنا إليكم. رواه مالك والنّسائي.
وعن سعيد بن المسيّب عن بلال قال: كان عندي تمر دون فابتعت به من السّوق تمراً أجود منه بنصف كيله، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال: "ما رأيت كاليوم تمراً أجود منه. من أين لك هذا يا بلال؟ ".قال: فحدّثته بما صنعت فقال: "انطلق فردَّه إلى صاحبه وخذ تمرك فبعه بحنطةٍ أو شعيرٍ واشتر به من هذا التّمر".قال: ففعلت ثم أتيت به، ثم قال رسول الله ﷺ :"التّمر بالتّمر مثلاً بمثلٍ، والملح بالملح مثلاً بمثلٍ، والذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ، فما كان من فضل فهو ربا ".رواه الإمام محمّد بن نصر المروزي.
فتضمنّت هذه النّصوص تحريم بيع الجنس من هذه الأجناس السّتة ونحوها بجنسه ما لم تعلم مساواته للآخر. وفرّق النَّبِيّ ﷺ بين الحلال والحرام بقوله: "مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، سواء بسواء، وزناً بوزنٍ، عيناً بعينٍ".وأكّد ذلك بقوله: "فما كان من فضل فهو ربا".وبقوله: "فما زاد فهو ربا".وبقوله: "فمَن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".فليس فوق هذا البيان بيان، وبهذا يعلم أنّ الصّور في بيع الجنس الرّبوي بجنسه ثلاث.
(صورة) منها: تحلّ وهي ما إذا علم التّماثل وحصل التّقابض في المجلس.
و (صورتان) لا تحلّ وهما: ما إذا جهل التّماثل أو علم
стр. 348
التّفاضل. وعلى هذا دلّت الأحاديث الصّحيحة وبه صرّح العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ.
قال ابن حزم ﵀: وافترض رسول الله ﷺ أن لا يباع الذّهب أو الفضّة بشيءٍ من نوعه إلاّ عيناً بعينٍ، وزناً بوزنٍ، أن لا يباع شيء من الإنصاف الأربعة بشيء من نوعه إلاّ كيلاً بكيلٍ وعيناً بعينٍ، فإذا بَانَ في أحد الأنواع المذكورة خلط شيء مضاف إليه فلا سبيل إلى بيعه بشيء من نوعه عيناً بعينٍ، ولا كيلاً بكيلٍ، ولا وزناً بوزن؛ لأنّه لا يقدر على ذلك أصلاً. انتهى.
وقال العماد بن كثير في تفسيره قال الفقهاء الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. انتهى.
وهذا الذي حكاه العماد عن الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ يكفينا عن تتّبع أقوالهم. وقال في الشّرح الكبير: وأمّا ربا الفضل فيحرم في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بيع بجنسه وإن كان يسيراً، وإن لم يأت فيه المكيل أو الوزن إمّا لقلته كالحبّة والحفنة أو ما دون الأرزة من الذّهب والفضّة أو كثرته كالصّبرة العظيمة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ ذلك لا يجوز إذا كان من جنسٍ واحدٍ، وفي الكافي وغيره: الرّبا في كلّ ما كان جنسه مكيلاً أو موزوناً. وإن تعذر الكيل فيه والوزن إمّا لقلته كالثّمرة والقبضة وما دون الأرزة من الذّهب والفضّة، وإمّا لعظمه كالزّبرة العظيمة وإمّا للعادة كلحم الطّير؛ لأنّه من جنس فيه الرّبا. وفي المنتهى: يحرم ربا فضل في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه، وإن قلّ كتمرة بتمرة. قال المحشي: قوله وإن قلّ، لعدم العلم بالتّساوي. انتهى.
وفي الكافي: وما جرى الرّبا فيه اعتبرت فيه المماثلة في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً، لقول النَّبِيّ ﷺ : "الذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ،
стр. 349
والبرّ بالبرّ كيلاً بكيلٍ، والشّعير بالشّعير كيلاً بكيلٍ".رواه الأثرم. قال: ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زوان بخالصة أو غير خالصة، ولبن مشوبٍ بخالصٍ أو مشوب أو عسل بشمعه بمثله إلاّ أن يكون الخلط يسيراً لا وقع له كيسير التّراب والزّوان الذي لا يظهر في المكيل ولا يمكن التّحرّز منه. انتهى.
قلت: فتأمّل كيف أفاد أنّ ما يخل من الخلط بالتّماثل يمنع من بيع الجنس بجنسه، وهو صريح كلام الجميع ولا يخفى أنّ النّحاس المخالط للفضّة في الجدد يخل بالتّماثل، وما يخل بالتّماثل لا يجوز، ومن نظائرها ما نصّ عليه في شرح المغني والكافي وغيرهم من أنّه لا يجوز بيع الزّبد بالسّمن، قالوا: لأنّ في الزّبد لبناً يسيراً يحيل التّماثل.
قلت: فإذا كان الخلط اليسير من اللّبن في الزّبد يحيل التّماثل، فالنّحاس مع الفضّة من باب أولى؛ لكونها أصلاً وذاك فرع. فإن قال قائل: إنّ الفضّة فيها تبع قلت: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: أنّه لا قيمة للنّحاس الذي فيها إذ لو وصفت الفضّة عنه لعاد خبثاً.
الثّاني: إنّ الفضّة أصل في باب الرّبا وفي التّمنية وهو فرع فيهما فلا يجعل ما هو أصل تبعاً لفرعه. وأيضاً فالفضّة جوهر ثمين فلا تكون تابعة لما ليس كذلك. قال ابن حزم: وحبّة ذهبٍ أو فضّةٍ لها بال عند المساكين نعم وعند التّجار وعند أكثر النّاس ولا يحلّ أن يزيدهما في الموازنة. انتهى. وبما أسلفته من الأحاديث يبطل هذا الاعتراض. فإن قيل: قد جوّز الفقهاء درهماً فيه نحاس بنحاس واختلاف.
قلت: هذا عليكم لا لكم؛ لأنّ الفضّة ليست من جنس النّحاس واختلاف الجنس لا يمنع التّفاضل بالاتّفاق. وأمّا ما كان من النّحاس في
стр. 350
الدّرهم فقد أخرجته الصّنعة عن أصله وما أخرجته الصّنعة مما أصله الوزن فلا يجري فيه الرّبا غير الذّهب والفضّة نصّ عليه في المنتهى.
فإن قيل: قد أجازوا بيع درهم بمساويه في غشّ؟
قلت: هذا أيضاً من الحجّة عليكم؛ لأنّه لا سبيل إلى العلم بتساوي الدّرهمين المتساويين وزناً في الغشّ إلاّ من جهة العلم بتساويهما في الفضّة وبالعلم بالتّساوي يزول المانع بخلاف مسألتكم فإنّ التّساوي فيها غير معلوم.
فإن قيل: قد رأيناهم جوّزوا بيع التّمر فيه النّوى بمثله؟
قلت: هو كذلك، ولكنّه قد اشتمل على شيئين بأصل الخلقة، وما اشتمل على شيئين كذلك جاز. نصّ عليه في الكافي وغيره، ففارقت هذه المسألة، وقد نصّ الفقهاء ﵏ على أنّه لو نزع النّوى من التّمر لم يجز بيع التّمر المنْزوع منه النّوى بتمرٍ فيه نوى سواء ترك معه أو لا. ومسألتكم أولى بالمنع ولا بدّ. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد صرّح في الفتاوى المصرية أنّها إذا كانت الفضّة المغشوشة أكثر من المفردة فإنّه لا يجوز بيع أحدهما بالأخرى، وهي مسألتكم بعينها. وعلى المنع منها اتّفق العلماء ﵏.
وأمّا مسألة مدّ عجوة ودرهم التي منع الجمهور منها فللبطلان فيها مأخذان:
أحدهما: سدّ ذريعة الرّبا في كلام الإمام إيماء إلى ذلك.
الثّاني: وهو مأخذ القاضي وأصحابه أنّ الصّفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثّمن على قيمتها. وهذا يؤدّي هنا إمّا إلى يقين التّفاضل، وإمّا إلى الجهل بالتّساوي، وكلاهما مبطل للعقد؛ فإنّه إذا باع درهماً ومدا يساوي درهمين بمدّين يتساويان ثلاثة، فالدّرهم في مقابلة ثلثي مدّ ويبقي مدّ في مقابلة مدّ وثلث وذلك ربا. فلو فرض التّساوي كمدّ يساوي درهماً ودرهم بمدّ يساوي درهماً ودرهمٍ لم يصحّ أيضاً؛ لأنّ التّقويم ظنّ وتخمين فلا تتحقّق معه المساواة.
стр. 351
والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل. انتهى.
عثمان عن م ص وأجازها أبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه وعليه فلا تشبه هذه المسألة بحالٍ، فإنّ المجوّزين لها اشترطوا شروطاً لم يوجد واحد منها في هذه المسألة، فمنها: أنّهم يشترطون أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره وبعضهم اشترط أن يكون الزّائد يسيراً بقدر قيمة ما مع الجنس. وهذا الثّاني نصّ عليه الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ في الفتاوى المصرية. فقال: إذا كانت الفضّة المفردة أكثر من الفضّة المغشوشة بشيءٍ يسيرٍ بقدر النّحاس فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء. انتهى.
فأفهم كلامه أنّه إذا لم توجد القيود الثّلاثة امتنع الجواز، وذلك في أربع صور:
إحداها: أن لا تكون المفردة أكثر وذلك بأن علم أنّها أقل أو جهل وأن تكون أكثر بشيء غير يسير أو بيسير أكثر من قيمة النّحاس ومسألتكم لا تخرج عن هذه الأربع فلا تجوز.
ومن المتأخّرين كصاحب المستوعب مَن يشترط في مسألة مدّ عجوة إذا كان مع كلّ واحدٍ من غير جنسه من الجانبين التّساوي جعلاً لكلّ جنس في مقابلة جنسه. قال في الإنصاف وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره لاسيما مع اختلافهما في القيمة. انتهى.
واشترطوا أيضاً أن لا يكون حيلة على الرّبا. وبعضهم اشترط أن لا يكون الجنس الذي مع غيره مقصوداً كالسّيف المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وعلى كلٍّ فالمجوّزون لمسألة مدّ عجوة محجوجون عند الجمهور بما تقدّم من الأحاديث، وبما في السّنن وغيرها من حديث فضالة بن عبيد. قال أبو داود (باب في حلية السّيف) تباع بالدّرهم والقلادة فيها الذّهب والفضّة حدّثنا محمّد بن عيسى وأبو بكر
стр. 352
بن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالوا: حدّثنا ابن المبارك وحدّثنا ابن العلاء أنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد حدّثنِي خالد بن أبي عمران عن فضالة بن عبيد، قال: أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النَّبِيّ ﷺ : "لا حتّى تميّزوا بينهما". قال ابن حزم: فهذا رسول الله ﷺ لم يكتف بنيّته في أنّه إنّما كان غرضه الخرز ويكون الذّهب تبعاً ولا راعى كثرة من قلّة وواجب التّمييز في الموازنة ولا بدّ. انتهى.
قال الشّيخ: فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسألة. وقد أتينا في هذه الرّسالة بما لعلّك لا تجده مجموعاً في غيرها. وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وصلّى الله على عبده ورسوله محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- ٦ -
بسم الله الرّحم الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل العلم والفهم سلّمهم الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تفهمون حبّ الدّنيا وضرّتها على الدّين ويقع من الذين لهم مع الكدادة معالمة بدين السّلم وأنا قد أشرفت على شيءٍ من أناسٍ مظنة للخير. ولكن إذا وجد له شبهة طار بها فرحاً لما فيها من بعض الرّاحة من التّعب، ولو يلتزم المشروع هان عليه العمل به ووجد له راحة أعظم. وفي الأحاديث المتّفق عليها كحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه".وفي لفظٍ:"حتّى يقبضه".وعن ابن عبّاس مثله. وهذه الأحاديث صريحة في النّهي عن بيعة قبل القبض والاستيفاء
стр. 353
فلا يصدق على القبض والاستيفاء إلاّ حصوله كلّه مقبوضاً.
وأمّا إذا أخذ دراهم البدوي مثلاً وتمالأ هو وإيّاه على السّعر روح١ وكيله أو هذا بنفسه وأمر الكداد أن يصرم لهما ويزن للبدوي بدراهمه وصار يكيل للبدوي كلّ زبيل يعلقه مرتين فهذه حيلة رديئة؛ لأنّه قد باع الكلّ قبل قبضه الذي دلّت عليه الأحاديث فيكون قد باع ما لم يبقض ولم يدخل في ضمانه. وإنّما هو مال صاحب النّخل باعه له غريمه، فإذا قبضه والحالة هذه صار الكلّ مالاً للمدين فيقع الغريم في خطرٍ عظيمٍ. وتصرّفه في هذه الدّراهم تصرف في مال الغير، فإن أنفق على نفسه وأهله منه صار ينفق عليهم من مال غيره، فإن بقيت هذه الدّراهم وعامل بها مرّة ثانية صار يعامل في مال غيره للغير ربحه ورأس ماله وربّما أنّه يأخذ معه ثلاثين سنة أو أكثر وهو يعامله بماله وتصير تجارة لغيره وليس له إلاّ الدّين الأوّل في ذمّة الغريم، ويكون جزءاً بالنّسبة إلى ما أخذ من المال ثمن المال أو غيره، ولا دخل في ضمانه وإنّما ضمانه على صاحب الثّمر لو أتلفه أو تلف. فهذا مما يترتّب على مخالفة المشروع مع تحمل الآثام المخالفة.
فإن قال قائل: هذا أخذ الدّراهم في ذمّته.
قلنا: هذا سلم. ولا يجوز بالاتّفاق والواقع يمنع صحّة هذه الدّعوى؛ لأنّه ما قام بنفسه إلاّ أنّه يكيل له من نخل هذا المدين بخصوصه، فهذه من الحيل التي لا حقيقة لها، ولا للإنسان مخرج إلاّ في العمل بما شرعه الله ورسوله وترك الحيل رأساً فهو الذي إن باع باعَ حلالاً، وإن أكل أكلَ حلالاً، وإن عامل فبالحلال. هذا وأنتم سالمين٢ والسّلام.
стр. 354
- ٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّد المرسلين محمّد وآله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليماً.
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ راشد بن مطر ـ سلّمه الله وهداه، وأعانه على طاعته وتقواه ـ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل وسرنا ما أفهم من معرفتكم للإسلام وقبوله، زادكم الله من ذلك، وبصّركم آياته وبيّناته، وكرّه إليكم كلّ مفتون وضلالاته، وتذكر أنّه في جهتكم أناس من الجهمية والرّافضة والمعتزلة فلا ريب أنّ هذه الفرق الثّلاث هي أصل ضلال مَن ضلّ من الأمّة. فأصل الرّافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فلمّا اطّلع على سوء معتقدهم خدّ الأخاديد وجعل فيها الحطب وأضرمها بالنّار فقذفهم فيها وهم الذين أحدثوا الشّرك في صدر هذه الأمّة بنوا على القبور وعمّت بهم البلوى ولهم عقائد سوء يطول ذكرها.
وأمّا المعتزلة فأوّلهم نفاة القدر جحدوا أصلاً من أصول الإيمان الّتي في سؤال جبرائيل للنّبيّ ﷺ قال فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". وأنكر أصحابه ﵃ عليهم ما أحدثوا من هذه البدعة، ولهم عقائد سوء يقولون بتخليد أهل المعاصي في النّار. ونفوا صفات الرّب تعالى. ووافقوا الجهميّة فخرج أولهم في عصر التّابعين. وأوّلُهم الجعد بن درهم أنكر الصّفات، وزعم أن الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلّم موسى تكليماً؛ فضحى به خالد بن عبد الله
стр. 355
القسري أمير واسط يوم الأضحى. وظهر بعده جهم بن صفوان الّذي تنسب إليه الجهمية. وهذا المذهب الخبيث وانتشرت مقالته في خلافة المأمون بن الرّشيد فعطلوا الصّفات ونفوا الحكمة وقالوا بالخير.
فهذه الطّوائف الثّلاث أصل الشّرّ في هذه الأمّة، وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشاراً ودخل فيها مَن يدّعي أنّه على السّنة وليس كذلك، فخالف الكتاب والسّنة وسلف الأمّة وأئمتها، وعمّ ضررهم فجحدوا الصّفات وتوحيد الألوهية الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهم خصوم أهل التّوحيد والسّنة إلى اليوم، فإيّاكم أن تغترّوا بَمَن هذه حاله ـ ولو كان له صورة ودعوى في العلم ـ مِمَّن امتلأ قلبه من فرث التّعطيل، وحال بينه وبين فهم الأدلّة الصّحيحة الصّريحة شبهات التّأويل.
قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ النّاس من جهة التّأويل والقياس. فصنّف المتأخّرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنّفات كالأرجوزة التي يسمّونُها جوهر التّوحيد، وهي إلحاد وتعطيل لا يجوز النّظر إليها، ولهم مصنّفات أخرى نفوا فيها علوّ الرّبّ تعالى، والكتاب والسّنة يردّ بدعتهم ويبطل مقالتهم. فإنّ الله تعالى أثبت استواءه على عشره في سبعة مواضع من كتابه. كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ، [الفرقان، من الآية: ٥٩] .
وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ، [المعارج، من الآية: ٤] .
وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ، [النّحل، من الآية: ٥٠] .
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ، [آل عمران، من الآية: ٥٥] .
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ، [التّوبة، من الآية: ٦] .
إلى غير ذلك من أدلّة الصّفات الصّريحة في الكتاب والسّنة ولا تتّسع هذه الرّسالة لذكرها.
وهذه الطّائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا ربّ العاملين بصفات المعدوم والجماد، فلقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحقّ من