← Фатава

Фатава · id 12064

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (780 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل. انتهى. عثمان عن م ص وأجازها أبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه وعليه فلا تشبه هذه المسألة بحالٍ، فإنّ المجوّزين لها اشترطوا شروطاً لم يوجد واحد منها في هذه المسألة، فمنها: أنّهم يشترطون أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره وبعضهم اشترط أن يكون الزّائد يسيراً بقدر قيمة ما مع الجنس. وهذا الثّاني نصّ عليه الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ في الفتاوى المصرية. فقال: إذا كانت الفضّة المفردة أكثر من الفضّة المغشوشة بشيءٍ يسيرٍ بقدر النّحاس فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء. انتهى. فأفهم كلامه أنّه إذا لم توجد القيود الثّلاثة امتنع الجواز، وذلك في أربع صور: إحداها: أن لا تكون المفردة أكثر وذلك بأن علم أنّها أقل أو جهل وأن تكون أكثر بشيء غير يسير أو بيسير أكثر من قيمة النّحاس ومسألتكم لا تخرج عن هذه الأربع فلا تجوز. ومن المتأخّرين كصاحب المستوعب مَن يشترط في مسألة مدّ عجوة إذا كان مع كلّ واحدٍ من غير جنسه من الجانبين التّساوي جعلاً لكلّ جنس في مقابلة جنسه. قال في الإنصاف وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره لاسيما مع اختلافهما في القيمة. انتهى. واشترطوا أيضاً أن لا يكون حيلة على الرّبا. وبعضهم اشترط أن لا يكون الجنس الذي مع غيره مقصوداً كالسّيف المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وعلى كلٍّ فالمجوّزون لمسألة مدّ عجوة محجوجون عند الجمهور بما تقدّم من الأحاديث، وبما في السّنن وغيرها من حديث فضالة بن عبيد. قال أبو داود (باب في حلية السّيف) تباع بالدّرهم والقلادة فيها الذّهب والفضّة حدّثنا محمّد بن عيسى وأبو بكر

стр. 352

بن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالوا: حدّثنا ابن المبارك وحدّثنا ابن العلاء أنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد حدّثنِي خالد بن أبي عمران عن فضالة بن عبيد، قال: أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النَّبِيّ ﷺ : "لا حتّى تميّزوا بينهما". قال ابن حزم: فهذا رسول الله ﷺ لم يكتف بنيّته في أنّه إنّما كان غرضه الخرز ويكون الذّهب تبعاً ولا راعى كثرة من قلّة وواجب التّمييز في الموازنة ولا بدّ. انتهى. قال الشّيخ: فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسألة. وقد أتينا في هذه الرّسالة بما لعلّك لا تجده مجموعاً في غيرها. وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب. وصلّى الله على عبده ورسوله محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. - ٦ - بسم الله الرّحم الرّحيم من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل العلم والفهم سلّمهم الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ تفهمون حبّ الدّنيا وضرّتها على الدّين ويقع من الذين لهم مع الكدادة معالمة بدين السّلم وأنا قد أشرفت على شيءٍ من أناسٍ مظنة للخير. ولكن إذا وجد له شبهة طار بها فرحاً لما فيها من بعض الرّاحة من التّعب، ولو يلتزم المشروع هان عليه العمل به ووجد له راحة أعظم. وفي الأحاديث المتّفق عليها كحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه".وفي لفظٍ:"حتّى يقبضه".وعن ابن عبّاس مثله. وهذه الأحاديث صريحة في النّهي عن بيعة قبل القبض والاستيفاء

стр. 353

فلا يصدق على القبض والاستيفاء إلاّ حصوله كلّه مقبوضاً. وأمّا إذا أخذ دراهم البدوي مثلاً وتمالأ هو وإيّاه على السّعر روح١ وكيله أو هذا بنفسه وأمر الكداد أن يصرم لهما ويزن للبدوي بدراهمه وصار يكيل للبدوي كلّ زبيل يعلقه مرتين فهذه حيلة رديئة؛ لأنّه قد باع الكلّ قبل قبضه الذي دلّت عليه الأحاديث فيكون قد باع ما لم يبقض ولم يدخل في ضمانه. وإنّما هو مال صاحب النّخل باعه له غريمه، فإذا قبضه والحالة هذه صار الكلّ مالاً للمدين فيقع الغريم في خطرٍ عظيمٍ. وتصرّفه في هذه الدّراهم تصرف في مال الغير، فإن أنفق على نفسه وأهله منه صار ينفق عليهم من مال غيره، فإن بقيت هذه الدّراهم وعامل بها مرّة ثانية صار يعامل في مال غيره للغير ربحه ورأس ماله وربّما أنّه يأخذ معه ثلاثين سنة أو أكثر وهو يعامله بماله وتصير تجارة لغيره وليس له إلاّ الدّين الأوّل في ذمّة الغريم، ويكون جزءاً بالنّسبة إلى ما أخذ من المال ثمن المال أو غيره، ولا دخل في ضمانه وإنّما ضمانه على صاحب الثّمر لو أتلفه أو تلف. فهذا مما يترتّب على مخالفة المشروع مع تحمل الآثام المخالفة. فإن قال قائل: هذا أخذ الدّراهم في ذمّته. قلنا: هذا سلم. ولا يجوز بالاتّفاق والواقع يمنع صحّة هذه الدّعوى؛ لأنّه ما قام بنفسه إلاّ أنّه يكيل له من نخل هذا المدين بخصوصه، فهذه من الحيل التي لا حقيقة لها، ولا للإنسان مخرج إلاّ في العمل بما شرعه الله ورسوله وترك الحيل رأساً فهو الذي إن باع باعَ حلالاً، وإن أكل أكلَ حلالاً، وإن عامل فبالحلال. هذا وأنتم سالمين٢ والسّلام.

стр. 354

- ٧ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّد المرسلين محمّد وآله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليماً. من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ راشد بن مطر ـ سلّمه الله وهداه، وأعانه على طاعته وتقواه ـ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ الخط وصل وسرنا ما أفهم من معرفتكم للإسلام وقبوله، زادكم الله من ذلك، وبصّركم آياته وبيّناته، وكرّه إليكم كلّ مفتون وضلالاته، وتذكر أنّه في جهتكم أناس من الجهمية والرّافضة والمعتزلة فلا ريب أنّ هذه الفرق الثّلاث هي أصل ضلال مَن ضلّ من الأمّة. فأصل الرّافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فلمّا اطّلع على سوء معتقدهم خدّ الأخاديد وجعل فيها الحطب وأضرمها بالنّار فقذفهم فيها وهم الذين أحدثوا الشّرك في صدر هذه الأمّة بنوا على القبور وعمّت بهم البلوى ولهم عقائد سوء يطول ذكرها. وأمّا المعتزلة فأوّلهم نفاة القدر جحدوا أصلاً من أصول الإيمان الّتي في سؤال جبرائيل للنّبيّ ﷺ قال فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". وأنكر أصحابه ﵃ عليهم ما أحدثوا من هذه البدعة، ولهم عقائد سوء يقولون بتخليد أهل المعاصي في النّار. ونفوا صفات الرّب تعالى. ووافقوا الجهميّة فخرج أولهم في عصر التّابعين. وأوّلُهم الجعد بن درهم أنكر الصّفات، وزعم أن الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلّم موسى تكليماً؛ فضحى به خالد بن عبد الله

стр. 355

القسري أمير واسط يوم الأضحى. وظهر بعده جهم بن صفوان الّذي تنسب إليه الجهمية. وهذا المذهب الخبيث وانتشرت مقالته في خلافة المأمون بن الرّشيد فعطلوا الصّفات ونفوا الحكمة وقالوا بالخير. فهذه الطّوائف الثّلاث أصل الشّرّ في هذه الأمّة، وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشاراً ودخل فيها مَن يدّعي أنّه على السّنة وليس كذلك، فخالف الكتاب والسّنة وسلف الأمّة وأئمتها، وعمّ ضررهم فجحدوا الصّفات وتوحيد الألوهية الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهم خصوم أهل التّوحيد والسّنة إلى اليوم، فإيّاكم أن تغترّوا بَمَن هذه حاله ـ ولو كان له صورة ودعوى في العلم ـ مِمَّن امتلأ قلبه من فرث التّعطيل، وحال بينه وبين فهم الأدلّة الصّحيحة الصّريحة شبهات التّأويل. قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ النّاس من جهة التّأويل والقياس. فصنّف المتأخّرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنّفات كالأرجوزة التي يسمّونُها جوهر التّوحيد، وهي إلحاد وتعطيل لا يجوز النّظر إليها، ولهم مصنّفات أخرى نفوا فيها علوّ الرّبّ تعالى، والكتاب والسّنة يردّ بدعتهم ويبطل مقالتهم. فإنّ الله تعالى أثبت استواءه على عشره في سبعة مواضع من كتابه. كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ، [الفرقان، من الآية: ٥٩] . وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ، [المعارج، من الآية: ٤] . وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ، [النّحل، من الآية: ٥٠] . ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ، [آل عمران، من الآية: ٥٥] . ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ، [التّوبة، من الآية: ٦] . إلى غير ذلك من أدلّة الصّفات الصّريحة في الكتاب والسّنة ولا تتّسع هذه الرّسالة لذكرها. وهذه الطّائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا ربّ العاملين بصفات المعدوم والجماد، فلقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحقّ من

стр. 356

السّلف والأئمة وأتباعهم، وخالفوا مَن ينتسبون إليه؛ فإنّ أبا الحسن الأشعري صرح في كتابه: (الإبانة) ، و (المقالات) بإثبات الصّفات، فهذه الطّائفة المنحرفة عن الحقّ قد تجردت شياطينهم لصدّ النّاس عن سبيل الله فجحدوا توحيد الله في الألهية وأجازوا الشّرك الذي لا يغفره الله، فجوّزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتّعطيل، فالأئمة من أهل السّنة وأتباعهم لهم المصنّفات المعروفة في الرّدّ على هذه الطّائفة الكافرة المعاندة١.كشفوا فيها كلّ شبهة لهم، وبيّنوا فيها الحقّ الذي دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه سلف الأمّة وأئمتها من كلّ إمامٍ رواية ودراية. ومن له نهمة في طلب الأدلّة على الحقّ ففي كتاب الله وسنة رسوله ما يكفي ويشفي. وهما سلاح كلّ موحِّدٍ ومثبتٍ. لكن كتب أهل السّنة تزيد الرّاغب وتعينه على الفهم، وعندكم من مصنّفات شيخنا ﵀ ما يكفي مع التّأمّل فيجب عليكم هجر أهل البدع والإنكار عليهم. وأمّا رفع الأيدي بالدّعاء بعد المكتوبة، فليس من السّنة. وأمّا الأفغانية الذين جاؤوا ووصلوا إلى جهتكم فهم أهل تشديد وغلوّ مع جهل كثيف أشبهوا الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد أخبر النَّبِيّ ﷺ بمروقهم وأمر أصحابه بقتلهم ولهم عبادة وزهد لكنهم أخطأوا في فهم الكتاب والسّنة، واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا

стр. 357

العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، كما قال العلاّمة ابن القيم ﵀: ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التّقصير في العرفان وقد ناظر ابن عبّاس ﵄ أهل النّهروان فرجع بعضهم إلى الحقّ، واستمرّ بعضهم على الباطل حتّى قتلهم عليّ ﵁ بالنّهروان. ففيهم المخدج الذي أخبر به النَّبِيّ ﷺ ، فإذا كانت هذه الطّائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الرّاشدين فلا بدّ أن يكون لهم أشباه في هذه الأمّة فاحذروهم. وتأمّل قوله تعالى في حقّ سادات الأمّة أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، [الحجرات، الآيتان: ٧-٨] . فليس العجب مِمَّن هلك كيف هلك، إنّما العجب مِمَّن نجا كيف نجا. والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليماً كثيراً. - ٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحم بن حسن إلى الأخ عليّ بن حمد الجريوي وإخوانه، رزقنا الله وإيّاهم قبول الإسلام، وهدانا وإيّاهم سبل السّلام. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلكم الله إلى ما يرضيه، وتذكرون أمر الهتيمي الذي معه الحيّات، ويبيع سقوة على النّاس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدّعي أنّ مَن سقاه من ريقه أنّ الحيّة ما تلدغه ولا

стр. 358

أنكر عليه في سدير إلاّ عبد العزيز بن عبد الجبّار ـ جزاه الله خيراً ـ. وتذكرون أنّ عثمان بن منصور تابعه وقبل منه سقوته هذا تحقّقناه منكم ومن سبيع الذين جاؤوانا من جهتكم ويذكرون أنّهم توقفوا عنه في مبدأ أمره، وأهل القرى كذلك حتّى واجه ابن منصور. وقبل منه وخط معه خطاً وبعد هذا تزاحم عليه البدوي والحضر، منهم الذي سقوته بدارهم، والذي بتمر، والذي بعيش، والذي بغنمٍ، والذي بسمنٍ، والذي حصل منهم باعه في تمير، وبعد هذا طب المجمعة١ وطردوه، وخطّ عبد العزيز بن عبد الجبّار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على مَن فعل هذا، وأخذ الحيَّات، وأنّ هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشّياطين٢.إذا تقربت إليهم بالشّرك بالله، وهذا ما يوجد إلاّ في أجهل النّاس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز ـ جزاه الله خيراً ـ أدّى الذي عليه. وأمّا ابن منصور، فالله أعلم أنّه معاقب فلا ندري هذا كلّه جهل أو له مقصد شرّ، وإلاّ فالذي على فطرة أو لَه عقل ينكر هذا بفطرته وعقله. وذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في كتاب الفرقان من الأحوال الشّيطانية أموراً من هذه تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب. فهذا من

стр. 359

جنس أحوال الكهان مع الشّياطين، والكهانة أنواع، هذا منها. وفي الحديث: "مَن أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ ﷺ ". وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشّياطين والاستكثار منهم محاها الله سبحانه بما أطلع في نجد من الدّعوة إلى توحيد الله، وامتدت إلى كثير الجزائر، كما محا الله أحوال الكهان ببعثة رسول الله ﷺ ، فسدّ ﷺ أبواب الشّرك وأحوال الجاهلية وحمَى الإسلام. فَمِن ذل ما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: " إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك"، فلم يبح من الرّقى إلاّ ما خصّه الدّليل من الآيات القرآنية، والأذكار النّبويّة، والدّعوات المعروفة بالألفاظ العربية. وأمّا ما كان بأسماء الشّياطين أو بما لا يعرف معناه فينهى عنه، لهذا الحديث. وحكمه التّحريم. فإذا كان هذا حال الرّقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه، فكيف بما هو ظاهر أنّه من أعمال الشّياطين مع مَنْ تولاّهم؟ مثل هذا الهتيمي وأمثاله مِمَّن شاهدناهم بمصر لا شكّ أنّه من أعمال الشّيطان. ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدونه من دون الله، وأكثر هذه الطّرائق محشوة بالشّرك والبدع. وقوله في الحديث: "والتّولة شرك"، ذكر العلماء أنّها تشبه السّحر، وما يشبه السّحر فهو شرك. وكذلك التّمائم شرك للتّعلّق بها والاعتماد عليها من دون الله. وفي بعضها أسماء الشّياطين وما لا يعرف معناه، فكلّ هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصّحيح، بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التّوكّل على غيره ونحوه ذلك. وقد وقع في نفوس كثيرٍ من الجهّال الذين أخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه وقبول ما جاءهم به من هذه الضّلالة. وهذه فتنة وقانا الله

стр. 360

شرّها. وبسط القول في ذلك، وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر إن شاء الله تعالى. وبلّغ سلامنا الأخوان وخواص الأخوان. والشّيخ عليّ، والشّيخ عبد اللّطيف ينهون السّلام وأنتم سالمين والسّلام. - ٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فائدة: قال الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ. سألتم عما أحدّثه بعض النّاس عند بيع الطّعام من جعلهم ميزانين زعموا أنّ أحدهما للقبض والثّاني للبيع هل يكون ذلك قبضاً شرعياً مبيحاً للبيع أم لا؟ الجواب: ليس هذا قبضاً شرعياً، ولا يكون فاعله خارجاً عما نهي عنه من بيع الطّعام قبل قبضه؛ فإنّ الأحاديث مصرّحة بالنّهي عنه لحديث ابن عمر: "مَن اشترى طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه". وعند مسلم عن ابن عمر: كنا نبتاع الطّعام فيبعث إلينا رسول الله ﷺ مَنْ يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه. وحديث ابن عمر: "مَن اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبعه حتّى يقبضه".رواه أبو داود والنّسائي ولفظه: "نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيلٍ حتّى يستوفيه". وحديث جابر: نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاع البائع وصاع المشتري. هذه الأحاديث ظاهرة في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه بألفاظ مختلفة. والمراد منها واحد، ففيها: "حتّى يستوفيه"،"وحتّى يقبضه"، وفيها: "وكان يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه في إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه"، فليس بعد ذلك بيان. وقول القائل: هذا خاصّ بما بيع جزافاً. فمردود بقول الشّارع ﷺ : "حتّى يستوفيه".و"حتّى يقبضه"، وبقوله: "مَن اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبعه

стр. 361

حتّى يقبضه". ولفظ: القبض والاستيفاء يكذب معنى التّخصيص بالجزاف، وقد ذكر الفقهاء أنّ قبض المكيل بالكيل، وقبض الموزون بالوزن، فيقال لصاحب الموازين من أين جئت بهذا، وفي أيّ كتاب وجدته، فإنّا لم نجد ذلك لأحدٍ من العلماء المتقدّمين، ولا المتأخّرين، وإنّما فسرتم ألفاظ النّصوص بما تهوونه وتحبّونه، ولم تذكروا ذلك عن أحدٍ من العلماء، فهل يكون ذلك حجّة شرعية؟ وأبلغ من ذلك أنّ مذهب محمّد بن إسماعيل البخاري وطائفة أنّ استيفاء المبيع المنقول وتبقيته في منْزل البائع لا يكون قبضاً شرعياً، حتّى ينقله المشتري إلى مكانٍ لا اختصاص للبائع به، قال: وهو منقول عن الشّافعي. ودليله: ما رواه أحمد عن ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن تبتاع السّلع حتّى يحوزها التّجار إلى رحالهم. وفي صحيح مسلم: كنا نبتاع الطّعام ويبعث علينا رسول الله ﷺ مَن يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه. وقد تقدم. فيا عباد الله أين عقولكم؟ ويا طلبة العلم أين أفهامكم؟ قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، [النّور، من الآية: ٦٣] . وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. - ١٠ - بسم الله الرّحم الرّحيم قال شيخنا العلاّمة عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى وكثّر فوائده ـ جواباً عن مسائل سأله عنها الفقير إلى الله عبد الرّحمن بن عدوان. قال بعد السّلام: هذا جواب المسائل: أمّا الأولى: وهي ما إذا قبض دين السّلم قبضاً تامّاً يتمكّن من التّصرّف فيه فإنّه يجوز له أن يبيعه على مَن وافاه به مطلقاً وليست هذه صور عكس العينة.

стр. 362

الثّانية: رجل اشترى تمراً بنسيئةٍ من آخر ثمّ ردّه عليه عمّا في ذمّته. الجواب: إن كان قبضه قبضاً صحيحاً جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه من غيره بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته واضطرّه إلى أن يستدين له من نفسه ليوفيه. فهذا لا يجوز لوجهين: أحدهما: أنّ المعسر يجب إنظاره وهذا إضرار به يريد به عسرته. الثّاني: أنّه من قلب الدّين الذي نصّ عليه العلماء ﵏ كشيخ الإسلام ابن تيمية. الثّالثة: خرص النّخل وإعطاؤه للشّريك ليأخذ مثله وقت الجذاذ، فالظّاهر أنّ هذا لا يجوز؛ لأنّه من صور بيع الجنس بجنسه، وشرط جوازه التّماثل والتَّقابض، والذي يجوز في ذلك أن يقتسماه على رؤوس النّخل خرصاً فيأخذ كلّ واحدٍ منهما مثل ما أخذه شريكه فيختصّ كلّ واحدٍ بما أخذ بالقسمة فلا يكون في ذمّة أحدهما للآخر شيء. الرّابعة: مليء عليه دين لآخر فأسلم إليه دراهم فقضاه دينه منها. الجواب: هذه الصّورة من صور قلب الدّين، وقد نصّوا على أنّه يضارع الرّبا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ السّلف منعوا منه. وأفتى هو بالمنع، وكذا شيخنا الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ. وذلك لأنّه تنمية للدّين في ذمّة المدين بمجرّد القلب وهو بمعنى ربا الجاهلية، إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي. الخامسة: إذا تقايلا دين السّلم فهل يجوز التّفرّق قبل قبض رأس المال أم لا؟ الجواب: قال في المنتهى: ويجوز إقالة في سلم وبعضه بدون قبض رأس ماله، أو عوضه إن تعذر في مجلسها؛ لأنّه إذا حصل الفسخ ثبت الثّمن في ذمّة البائع فلم يشترط قبض بدله في المجلس كالقرض. وفيه وجه يشترط. انتهى.

стр. 363

السّادسة: ما تراه الحائض من النّشاف في أيّام الحيض؟ الجواب: النّقاء طهر وإن لم يرَ معه بياض فعليها أن تغتسل وتصلّي، وفيه قول أنّ البياض الذي يأتي المرأة عقب انقطاع الحيض هو الطّهر الصّحيح. وإليه يميل شيخنا ﵀ فيما يرى. والله أعلم. - ١٣ - بسم الله الرّحم الرّحيم سُئِلَ الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن عن بعض مسائل الحجّ فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ على سبيل الاختصار: في العمرة والحجّ ينوي العمرة ويحجّ لها١ عن عمرة الإسلام وحجّة الإسلام فيحرم من الميقات بنيّة العمرة والحجّ عنها قائلاً عند دخوله في الإحرام: لبّيك عمر ويلبّي حتّى يطوف بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط يرمل في الثّلاثة الأول، ثم يصلّي ركعتين خلف المقام، ثم يخرج إلى الصّفا من بابه ويرقى على الصّفا، ثم يسعى بين الصّفا والمروة سبعة أشواط، ثم يحلّ من عمرته بالحلق أو التّقصير. ثم إذا أراد الخروج إلى عرفة في اليوم الثّامن طاف بالبيت وصّلى ركعتين، وأحرم بالحجّ. وقال: لبّيك حجّاً عن فلان باسمه٢، ويخرج إلى عرفات ويدفع منها إلى بعد غروب الشّمس، ويبيت بمزدلفة ثم يفعل ما يفعل الحاجّ، فإذا أتى منى يوم العيد رمى جمرة العقبة خاصّة، ثم يذبح الهدي؛ هدي التّمتّع، وأدناه جذع الضّأن

стр. 364

له ستة أشهر، ثم يفيض إلى مكّة ويطوف طواف الزّيارة وهو ركن، ويسعى بين الصّفا والمروة، وهو ركن أيضاً. ثم يرجع إلى منى ويرمي الجمرات الثّلاث كلّ يومٍ إذا زالت الشّمس كلّ جمرة سبع حصيات صغار أكبر من الحمص ثم إذا أراد أن يخرج طاف طواف الوداع فإذا فعل ذلك تَمَّ حجّه وعمرته عمَّن استنيب عنها. - ١٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الابن صالح بن محمّد الشّتري ـ سلّمه الله تعالى ـ. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا طيبك وعافيتك. والحمد الله على ذلك. وما ذكرت من عبارة الفقهاء في الحجّ. فأمّا قولهم: أركان الحجّ الوقوف؛ وطواف الزّيارة بلا نزاع فيهما، فإنّ ترك طواف الزّيارة رجع معتمراً؛ لأنّه على بقية إحرامه، فهذا في حقّ مَن تركه. قال في الإنصاف: وأمّا المحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلّل ومتى زال الحصر أتى بطوافه، وتَمَّ حجّه وذبح هدياً في موضع حصره. وهذا المذهب. واختار ابن القيم ﵀ في الهدي أنّه لا يلزم المحصر هدي. وأمّا مَن أحصر لمرضٍ أو ذهاب نفقةٍ لم يكن له التّحلّل حتّى يقدر على المبيت، فإن فاته الحجّ تحلّل بعمرة، ويحتمل أنّه يجوز له التّحلّل كَمَن حصره عدوّ. وهو رواية عن أحد. قال الزّركشي: ولعلّها أظهر. واختارها الشّيخ تقيّ الدّين. قال: ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزّيارة أو لعجزها عنه، ولو لذهاب الرّفقة. وقال في الفروع:

стр. 365

وكذا مَن ضلّ الطّريق ذكره في المستوعب. هذا حاصل ما ذكره في الإنصاف في حكم مَن فاته طواف الزّيارة لهذه الأسباب. وأمّا إذا أحصر عن فعل واجب؛ فإنّه يتحلّل على الصّحيح من المذهب. وعليه دم له وحجّه صحيح. وقال القاضي: يتوجّه فيمَن حصر بعد تحلّله الثّاني يتحلّل. قلت: ولعلّ مراده أنّه لم يبق عليه من المناسك شيء إلاّ أن يكون طواف الوداع أو رمي الجمار والمبيت بمنى. وهذه الأفعال يأتي بها الحاج بعد التّحلّل. وأمّا إذا بقي عليه شيء من المناسك التي محلّها قبل التّحلّل الثّاني؛ فإنّه يبقى محرماً ليأتي بها، كما يأتي بها مَن لم يحصر عن واجبٍ؛ كالمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، فلا يجوز أن يأتي بذلك إلاّ وهو محرم. فتدبّر. وسلّم لنا على الشّيخ عبد الملك وحمد وعيسى والحمولة، وخواص إخواننا ومن لدينا عبد اللّطيف وإخوانه وحمولتنا، وخواص الأخوان بخير. وينهون السّلام. - ١٥ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحم بن حسن إلى الأخ المحبّ الشّيخ المكرم عبد الله بن عبد الرّحمن ـ ألبسه الله حلل الإيمان ـ. سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا حيث أشعر بطيبك وصحّة حالك. والمحبّ بحمد الله تعالى بخير وعافية. وما ذكرت من المسألة التي وقعت عندكم أنّ صورتها: أنّ امرأة دفعت حليها إلى بنتها تجمل به لزوجها وهم في بيتٍ واحدٍ فكانت تستعمله في حياة أمّها فلمّا ماتت ادّعت البنت استحقاقها لذلك.

стр. 366

فالجواب: أنّ الذي يظهر لنا أنّ البنت لما لم تدع الهبة لا تملكه بمجرّد الإذن في الاستعمال. والظّاهر أنّ ذلك إعارة لا تمليك. ومفهوم كلام الأصحاب ﵏ الذي أشرتم إليه يدلّ على هذا؛ لأنّ الأم لم تجهّزها به إلى بيت زوجها، فلم يوجد ما هو تمليك. وأمّا الصّورة التي سُئِل عنها الشّيخ سليمان بن عليّ ﵀ فالفرق بينها وبين مسألتنا ظاهر، وذلك أنّ الأم ادّعت أنّ ذلك الحلي الذي اشترته وألبسته البنت أنّه ليس للبنت، والظّاهر أنّ ما كان عليها فهو لها بحكم اليد، وليس لهذا أصل يعارض هذا الظّاهر. وأمّا مسألتنا: فالأصل فيها قويّ ولم يوجد ما ينقل عن ذلك الأصل القويّ فيبقى حكم الأصل. هذا ما ظهر لي في حكم المسألة. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ١٦ - بسم الله الرّحم الرّحيم وقال شيخنا عبد الرّحمن بن حسن في جوابٍ له: وما ذكرت من أمر مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرّفون فيها تصرّف الملاّك. فالجواب: أنّ الذي استقرّ عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام هذه الدّعوة الإسلامية أنّ العقار ونحوه إذا كان في يد إنسانٍ يتصرّف فيه تصرّف المالك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس له فيه منازع في تلك المدّة أنّ القول قوله أنّه ملكه؛ إلاّ أن تقوم بيّنة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنّه مستعير أو مستأجر أو نحو ذلك. وأمّا الأصل فلا يلتفت إليه مع هذا الظّاهر. فقدم شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ الظّاهر هنا على الأصل

стр. 367

لقوّته وعدم المعارض. والله أعلم. وأمّا ما ذكرت من عقد المساقاة هل هو جائز أم لازم؟ فالصّحيح اللّزوم. وهو الذي عليه الفتوى من شيخنا شيخ الإسلام، ومَن أخذ عنه لا يختلف فيه اثنان منهم. واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن، وهو الصّواب. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، وقول بعض متقدّمي الأصحاب؛ لأنّه عقد معاوضة، فكان لازماً كالإجارة. فيفتقر إلى ضرب مدّةٍ. وأمّا ما كره الفقهاء من أنّ مؤنة ردّ مبيع تقايلاه على البائع فهو المشهور. والسّلام. وأمّا قوله في النّخل: أن تحمرّ، أو تصفرّ فهو الذي تراه بعينك بعد الخضرة إلى الحمرة أو الصّفرة. وأمّا أخذ بعض دين السّلم خرصاً فالجمهور على المنع، وذكر ابن عبد البرّ ﵀ عن بعض العلماء أنّه يجوز إذا أخذ دون حقّه وبه أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن الشّيخ. ﵏ أجمعين. - ١٧ - بسم الله الرّحم الرّحيم سُئِلَ شيخنا العالم العلاّمة عبد الرّحمن بن حسن ﵀ عمّا يخصّ به يوم المولد من النّحر ويسمّونه نافلة، وما يفعل في السّابع والعشرين من رجب من تخصيص بالصّوم والنّحر، وما يفعل في ليلة النّصف من شعبان من النّحر وصيام اليوم، وما يخصّ به يوم عاشوراء من النّحر أيضاً، هل هو محرم؟ وهل الأكل من ذلك محرّم أو مكروه أو مباح؟ وهل يجب على الأمراء والعلماء إنكار ذلك ويأتمون بالسّكوت أم لا؟ فأجاب ـ ألهمه الله الصّواب ـ: هذه الأمور المذكورة من البدع

стр. 368

كما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ". وقوله في الحديث الآخر: "وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثةٍ بدعةٌ وكلّ بدعةٍ ضلالة ". والعبادات مبناها على الأمر والنّهي والاتّباع. وهذه الأمور لم يأمر بها رسول الله ﷺ ولا فعلها الخلفاء الرّاشدون ولا الصّحابة والتّابعون، وقد قال ﷺ في بعض ألفاظ الحديث الصّحيح: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ".وهذه الأمور ليس عليها أمره ﷺ فتكون مردودة يجب إنكارها لدخولها فيما أنكر الله ورسوله. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، [الشّورى، من الآية: ٢١] .وهذه الأمور مما أحدثها الجهّال بغير هدى من الله. والله أعلم. وأمّا حديث التّوسعة على العيال يوم عاشوراء فضعّفه شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن تحصل التّوسعة بدون اتّخاذه عيداً. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ١٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ الشّيخ جمعان بن ناصر ـ سلّمه الله تعالى ـ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا ما ذكرت من السّكون واستقامة الحال، والأحوال من فضل الله على ما تحبّ. وجاءك منا خط مع فالح من رجال الأمير عائض. وما ذكرت من عبارة الإقناع: إن الطّلاق يقع في النّكاح الفاسد ـ وهو المختلف فيه ـ كالنّكاح

стр. 369

بولاية فاسقٍ، أو شهادة فاسقين، ونكاح الأخت في عدّة أختها ثم قال: ولا يقع في النّكاح الباطل إجماعاً. الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: أنّ الفاسد هنا هو ما اختلف في صحّته؛ لأنّ كلاًّ من المختلفين إمام مجتهد، وله استدلال على ما ذهب إليه. فإذا قال الإمام أحمد ﵀ إنّ النّكاح لا يصحّ لحديث كذا، وقال فيه أصحابه ومَن تبعه لقوّة دليله عندهم. ورأينا غيره يقول بالصّحّة، ويقدح في إسناد حديثه مثلاً، فإنّا لا نحكم والحالة هذه بأنّ النّكاح لم ينعقد فنقول هو فاسد، ولا يخرج من ذلك إلاّ بالطّلاق خروجاً من خلاف العلماء. وأمّا الباطل فهو ما أجمع على بطلانه لظهور دليله وعدم المعارض، فيكون غير منعقد من أصله فلا يحتاج إلى طلاقٍ ما لم ينعقد بيقين. وأمّا طلاق الثّلاث فإنّه يقع عند الجمهور مفرقاً أو مجموعاً، وهو الذي عليه العمل سلفاً وخلفاً من خلافة عمر ومن بعده، وهو كذلك عند الأئمة الأربعة، وهو الأصحّ في مذاهبهم عند أصحابهم، وإن كان الخلاف فيه إنّما اشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامّة ابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ أخذا بما كان الأمر عليه في عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، والجمهور أخذوا بالآخر من اجتهاد عمر، ولهم أجوبة عمّا استدلّ به شيخ الإسلام معروفة. وعمدتهم فيما ذهبوا إليه من إيقاع الثّلاث مطلقاً ظاهر القرآن؛ فإنّ الله تعالى لم يجعل له إلاّ ثلاث تطليقات، قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٢٩] ، وثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٣٠] .وبذلك أفتى ابن عبّاس ﵄ وغيره، وهو حبر الأمّة، فالاستدلال بفتي ابن عبّاس والصّحابة أحقّ،

стр. 370

والاستدلال بقول شيخنا أولى من الاستدلال بقول الشّوكاني؛ لأنّه رجل من أهل صنعاء يخطئ كثيراً، وإن كان يصيب في بعض، فليس هو حجّة على أحدٍ ولا يحتج بقوله، ولو لم يكن إلاّ أنّه مجهول الحال في العلم والدّين لكفى، وإن كان ينظر في الكتب فالذي بضاعته ما يأخذه عن الشّوكاني مزجى البضاعة، وافي الغباوة والوضاعة. وبلّغ عبد الرّحمن وصالح وإبراهيم وإخوانهم السّلام، ومن لدينا الحضر من آل الشّيخ وإخوانهم ينهون السّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ١٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ حمد بن عبد الله بن عمران، سلّمه الله تعالى وتولاّه، واستعمله فيما يحبّه ويرضاه، وأعانه على القيام بشكره فيما أعطاه من نعمه وأولاه التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان، جعلنا الله وإيّاه مِمَّن عرف النّعمة فقبلها وأحبّها وعمل بها إنّه ولي ذلك، والقادر عليه، يهدي مَنْ يشاء برحمته وفضله، ويضلّ مَن يشاء بحكمته وعدله، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه وثبّتنا وإيّاك على الإخلاص الذي هو سبب الخلاص، وعلى الإسلام الذي هو مركب السّلامة، وعلى الأمان الذي هو تمام الإيمان، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم. وتسأل عن أناس يسافرون من نجد لأخذ ما أوصى به الموصون بأن يحجّ به عنهم بالنّيابة فلا يخفاك أنّ الذين يأتون إليكم ما يطلعوننا على ما قصدوه وأرادوه لكثرة السّفار إلى الأقطار، وقد نشرت لطلبة العلم ولِمَن سألنِي من عوام المسلمين أنّه لا تصحّ النّيابة

стр. 371

في الحجّ إذا أخذ ما أوصى به الموصي إلاّ إذا أخذه ليحجّ، فيكون القصد أن يتوصل بما يأخذه إلى بيت الله رغبة في رؤية البيت والطّواف به وكثرة ثواب العلم به كما قال الخليل ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ ، [إبراهيم، من الآية: ٣٧] . وبعض النّاس مولع بزيارة هذا البيت فيطلب ما يتوصّل به إليه فتصحّ نيابته في الحجّ والعمرة على هذا الوجه. وأمّا إذا حجّ ليأخذ الأجرة فلا يصحّ حجّه، وإن سمّاه بعض الفقهاء جعلاً فهو استئجار بلا ريب، وقد نصّ الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على عملٍ يكون قربة يتقرّب به إلى الله؛ كالأذان والصّلاة، وأظنّ أنّ أكثر مَن يسار لأخذ الوصايا بالحجّ إنّما قصدوا هذا الثّاني. والله أعلم بما تنطوي عليه الضّمائر من الإرادات والنّيّات والمقاصد، فهذا الذي ذكرت لك هو الذي نأخذ به ونفتي به المستفتين ونبيّنه للجاهلين بحسب القدرة والطّاقة. هذا، وبلّغ سلامنا الإخوان وفاطمة بنت قضيب، وأمثالك من الإخوان الكرام العارفين. قدر ما أنعم الله به من نعمة الإسلام التي ضلّ عنها مَن ضلّ. وزلّ عنها وعن معرفة حقيقتها مَن زلّ. ومن لدينا الإمام وأولاده وابنا عبد اللّطيف، وإخوانه، وأولاده وأولاد الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب وخواص إخواننا من المسلمين بخيرٍ وعافيةٍ. وأنت سالم. والسّلام. - ٢٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُئِلَ شيخنا عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ عن تنصيف المهر، وذلك أنّ الرّجل إذا خطب المرأة من الحمولة وأجابوه وقرّبوه

стр. 372

وعقدوا له على ريالين أو نحوهما يسمّونه مهراً، ومن المعلوم أنّ المقصود غيره ربّما يقع الطّلاق قبل الدّخول فما الذي يتنصف هل هو الْمُسَمَّى عند العقد أو المعتاد؟ أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله: اعلم أنّ هذه المسألة تكثر الفكرة فيها، لم تقف على نصٍّ صريحٍ فيها، ولكن الذي يستقرّ في القلب ويغلب في الاعتقاد وهو أقرب إلى أصول الشّرع أنّ التنصيف يكون فيما يسمى جهازاً، وهو الذي يبذل قبل الدّخول في العادة في مثل نساء هذه المرأة، ثم وجدنا في الاخيتارات ما يقرّر ذلك ويوافقه، ولفظه، والشّرط المتقدّم كالمقارن والاطّراد العرفي كاللّفظي. قال أبو العبّاس ـ رحمه الله تعالى ـ: وقد سُئِلت عن مسألة من هذا. وقيل: ما مهر مثل هذا؟ فقلت: ما جرت العادة بأن يؤخذ من الزّوج. فقالوا: إنّما يؤخذ المعجل قبل الدّخول. فقلت: هذا مهر مثلها. انتهى. وهو واضح لا غبار عليه. ويبلغ على ظنّي أنِّي قد أفتيت به سابقاً. والله أعلم ﷺ . - ٢١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في نصيحة للمسلمين في مسألة الرّهن: وأمّا مسألة الرّهن فقد تكرر السّؤال عنها. فنقول: الذي عليه جمهور العلماء والصّحيح من مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض فلو تصرف فيه الرّاهن قبل قبضه صحّ تصرّفه، واستدّلوا بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، [البقرة: من الآية: ٢٨٣] .واستدامته شرط في اللّزوم للآية، فإن أخرجه المرتهن عن يده زال اللّزوم فإن ردّه الرّاهن عليه عاد اللّزوم بحكم القصد السّابق؛ لأنّه أقبضه باختياره فلزم به كالأوّل.

стр. 373

فإن أزيلت بعدوان كغصبٍ ونحوه فالرّهن بحاله؛ لأنّ يده ثابتة حكماً. هذا ما ذكره العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ ومن كتبهم نقلنا. وأمّا قلب الدّين على المدين فمن صوره أنّه إاذ كان له على شخص دراهم ثمن زاد أسلم إليه دراهم في زاد ليستوفي منه بتلك الدّارهم وكلّ منهما يعلم أنّ رأس المال راجع إلى صاحبه فتكون حقيقته تربية الدّين في ذمّة المدين، وهذه الصّورة وأمثالها ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّها تضار ربا الجاهلية، وأفتى شيخنا شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ بالمنع من هذه الصّورة وأمثالها. والله أعلم. - ٢٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال شيخنا ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن رحمه الله تعالى: مسألة: مراعاة شرط الواقف فيما ذكر هل هو صحيح أم لا؟ فالجواب منصوص علمائنا ـ رحمهم الله تعالى ـ في كتبهم أنّه يلزم الشّرط المستحب خاصّة، وأنّ الشّرط المكروه باطل اتّفاقاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقول الفقهاء: (شروط الواقف كنصوص الشّارع) ، يعنِي في الفهم والدّلالة لا في وجوب العمل مع أنّ التّحقيق أنّ لفظ الواقف والموصي والنّاذر والحالف وكلّ عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلّم بها ووافقت لغة العرب أو لغة الشّارع أو لا، وقال: لا خلاف أنّ مَن وقف على صلاة أو صيام وقراءة أو جهاد غير شرعي لم يصحّ. والشّروط إنّما يلزم الوفاء بها إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشّرعي. انتهى ما أفاده شيخنا رحمه الله تعالى.

стр. 374

- ٢٣ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ في الله الشّيخ رجب سلّمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط أوصلك الله إلى رضاه، وجعلنا وإيّاك مِمَّن الجنة مسكنه ومأواه، آمين. وبعد، فما ذكرت من المسائل: المسألة الأولى: إذا كان أحد أولاد الرّجل ضعيفاً وأعطاه لضعفه فهل يجوز أن يخصّه بذلك أم لا؟ الجواب: أنّ الولد الضّعيف يلزم أباه الغني أن ينفق عليه فيكون من باب الواجب الذي سببُ وجوبِه حاجّة الابن، فإن كان من الأولاد مَن هو مثله وجب له مثل ما يجب لأخيه الماضي. المسألة الثّانية: قال ﷺ : "لا تستحلفوا النّاس على صدقاته "، وتابعه عمر ﵁، فمعنى الحديث ـ والله أعلم ـ إذا كان العامل يظنّ له مالاً فلا يحلفه على مجرّد ظنّه، وأمّا إذا عرف له مال وجحد أو ادّعاه لغيره مثلاً مِمَّن هو غائب فالتّهمة قائمة فيجتهد العامل إلاّ أن يكون موثوقاً به يعرف منه الصّدق والدّيانة فلا يحلف، فالمسألة لها صور ثلاث، ولها مسألة رابعة وهي: ما إذا عرف أنّ هذا الذي في يده من المال ليس لغيره فتؤخذ منه الزّكاة على كلّ حالٍ. المسألة الثّالثة: إذا كان لرجل أرض فوهبها لابنه الصّغير فإن أقبضها وأشهد أو جعلها في يد رجلٍ آخر وجعله وكيلاً في قبضها منه لابنه لزمه ذلك لوفاء شرطه، وإن لم يقبض فلا لزوم، وعلى كلّ حالٍ للوالد

стр. 375

أن يرجع في هبته للولد، وأمّا إذا مات وصحّ القبض فلا رجوع على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء. المسألة الرّابعة: فيمَن ماله مائة وخمسون، وقد أوصى لرجلٍ بثلث ماله ولآخر بعشرة، فإذا لم يجز الورثة ما زاد على الثّلث فيجعل الثّلث وهو خمسون ستة أسهم، لصاحب الثّلث خمسة أسهم كلّ سهم ثمانية وثلث، ولصاحب العشرة واحد من ثمانية وثلث، وأمّا الحديث فلم أقف عليه ومعناه صحيح. والله أعلم. - ٢٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصّلاة والسّلام على مَن لا نَبِيَّ بعد، تأمّل ـ رحمك الله وهداك وتولاّك ـ ما ذكره بعض العلماء في مسألة عمت بها البلوى، وهي: ما إذا اشترى مسلم دابّة من بعض أسواق المسلمين، وهو لا يعلم أنّها مغصوبة فادّعى عليه آخر أنّها دابّته، قد أخذت منه بغير حقٍّ، وقد اعتمد بعض المفتين في قطرنا أنّه إذا أقام شاهدين أو شاهداً ويميناً أنّها دابّته أخذت منه نهباً أن يفتى بنَزعها من يد المشتري مجاناً فيذهب على المشتري ثمنها والحالة هذه، وفي كلام العلماء من أئمة مذهبنا ومن بعدهم من متأخري الحنابلة أنّه لا يأخذها إلاّ بالثّمن الذي اشتريت به، وهو أعدل إن شاء الله تعالى. وله أصل في كلام أئمة المذهب. قال في الشرح الكبير: إذا علم مال ارمرئ مسلم قبل قسمة الغنيمة وجب ردّه وصاحبه أحقّ به فأمّا إن أدركه بعد القسم؛ ففيه روايتان: إحداهما: أنّ صاحبه أحقّ به بالثّمن، وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك، لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من

стр. 376

الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة. والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بحالٍ. نصّ عيله. ثم قال: إن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلاّ بالقيمة وهو محجوج بحديث ناقة النَّبِيّ ﷺ . ولأنّه لم يحصل في يده بِعَوَضٍ. انتهى. قلت: فتأمّل قول إمام مذهبنا: ولأنّه لم يحصل في يده بعِوَضٍ، وتأمّله قوله فيما تقدم: لئلا يفضي إلى حرمان مَن أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة. فتأمّل هذا التّعليل يظهر لك منه الدّليل؛ إذ لا فرق بين أن يشتريه من الغنيمة أو من بعض أسواق المسلمين. وهذا واضح بحمد الله. وما نقلته من الشّرح الكبير نقله الخطابي في شرح السّنن عن هؤلاء الأئمة وبالله التّوفيق. وقال في الاختيارات: وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرفه ربّه فالأشبه أنّ المالك لا يملك انْتزاعه من المشتري مجاناً؛ لأنّ قبض الإمام بحقّ ظاهراً وباطناً، ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبيّن مودعاً أو مغصوباً، وهي قاعدة في كلّ مَن قبض مال الغير وهو لا يعلم به إما من مباحٍ أو من مغصوبٍ، أو من راهنٍ. انتهى. وقال في القواعد: كالمأذون له. انتهى. وقال الشّيخ أحمد بن يحيى بن عطوة شيخ صاحب الإقناع: إذا اشتريت دابّة ونحوها من ظالمٍ وهو غاصبها ثم عرفها ربّها ثم نزعها بحجّةٍ شرعيةٍ رجع المشتري عليه بالثّمن. صرّح بذلك أبو العبّاس فيمَن خلص مال غيره من التّلف. إذا لم يقدر على تخليصه إلاّ بما أدّى عنه رجع به واضح قولي العلماء؛ لأنّ ما خلص الدّابة إلاّ دراهم المغرور، لقول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار".ولا يزال ضرر صاحب الدّابة يضرّ المبتاع فيردّ عليه الذي

стр. 377

خلصها به وهو الثّمن الذي أسلمه للظّالم على الصّحيح. قال الشيّخ إسماعيل بن رميح في تحفته: (فائدة جليلة) فيمَن خلص مال غيره من التّلف إذا لم يمكن تخليصه إلاّ بما أدّى عنه رجع بما أدّى عنه في أظهر قولي العلماء. وذكره أبو العبّاس، وكذا معاوضة الرّاعي ببعض المسترعى عليه خوفاً من ذهاب الجميع جاز ذلك ووجب دفع أعلى الضّررين بأدناهما. وما بقي كان بينهم، ولو كان الملاّك لم يفعلوا إلاّ هذا وإلاّ عدّوا سفهاء. وأمّا أبو العبّاس فقال: من صودر على مال فأكره أقاربه أو أصدقاؤه فأدّوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا الأجلة. انتهى. فعلى هذا، إذا اشتريت دابّة من غاصبها ثم عرفها مالكها عند المشتري المغرور، رجع بالذي خلصها به من الغاصب على مالكها، وقد ذكر في الإقناع كلام أبي العبّاس المذكور. وقال الشّهاب بن عطوة في روضته: قال شيخنا: فيمن وقف وقفاً وأشهد عليه وباعه على رجلٍ لم يعلم بالحال أنّ الوقف باطل والحالة هذه غير لازم بل يحكم الحاكم ببطلان الوقف مراعاة وحفظاً لمال المغرور، ولو فتح هذا الباب لتسلّط كلّ مكار وظالم على أموال المسلمين، واتّسع فتق لا يرقع، وفتح قلبه لذلك كلّ شيطانٍ لا يشبع، ويأبى الله ورسوله أن يجمع لهذا المخادع مال المبيوع ودراهم المخدوع، وقد أكذب نفسه وشهوده وبيّنته، فإذا شهدوا بالوقف وأنّه قد وقفه ثم أنّه قد باعه فكما قال الواقف فهي تكذبه، وهو يكذبها، فإذا شهدت البيّنة بالوقف فقد أكذبها بالبيع فبطلت وهو كذلك، ولا حيلة ولا ظلم ولا خديعة ولا غشّ بأكبر ولا أعظم من رجلٍ وقف أو وهب ماله لأقرب قرابته سراً خفياً ثم يبيعه على مسلمٍ غرّ ثم ينصب لذلك شهوداً وقضاة ينصرونه على ذلك لا كثّر الله منهم. انتهى.

стр. 378

ومن جواب للشّيخ عبد الله بن ذهلان وأصل السّؤال في شأن وقفٍ باعه مستحقّه وقبض ثمنه ثم أراد إفساد البيع الصّادر منه، وأكل الثّمن، وحاصل ما تكلّم به أنّه إذا باع إنسان عقاراً لا يعلم مشتريه كونه وقفاً ثم ادّعى بائعه وقفيته أنّ دعواه لا تسمع ولا بيّنته. انتهى. قلت: وفي هذا القول الذي تقرّر سلامة المفتي من خطأ الشّهود وعدم عدّ التّهم باطناً وظاهراً؛ لأنّ العدل في هذه الأزمنة يعزّ وجوده؛ لأنّ أكثر الشّهود لا يشهد إلاّ على الوهم كما في الحديث:"يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون لا يؤتمنون".فاتّق الله أيّها الحاكم ولا تقدّم إلاّ بيقين، وإيّاك أن تختار ما لعلّه خلاف المختار، أو تعمد إلى ما لعلّه خلاف المختار، وتعتمد على ما لعلّه خلاف الصّحيح. والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. وصلّى الله على سيّد المرسلين وإمام المتّقين محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ٢٥ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ المحبّ الشّيخ عيد بن حمد سلّمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركته. وبعد؛ وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه، وسرّنا حيث أشعر بطيبك وصحّة ذاتك، ولأخ يحمد إليك الله على ما أنعم، جعلنا الله وإيّاكم من الشّاكرين، وإخوانكم في الحال التي تسرّكم، وما ذكرت من حالكم سرّنا جعلها الله حالاً مرضية، ومن نزغات الشّيطان محمية، وما ذكرت من عبارة الإنصاف نقلاً عن الفروع فهذه المسألة خالف فيها شيخ الإسلام الأئمة وأكثر العلماء، فجوّز إجارة الشّجر مفرداً بآصع معلومة مثلاً لِمَن يقوم عليها

стр. 379

بالسّقي وتكون الثّمرة له أي: للعامل، وليس لصاحب الشّجر إلاّ ما وقع عليه العقد من الأجرة سواء كانت الأجرة من جنس ما يحمل به ذلك الشّجر أو غيره، كما تجوز إجارة الزّرع بجامع أنّ كلاًّ منهما إنّما قصد مغله، بخلاف بيع السّنتين، وهو بيع ما أثمر هذا البستان من الثّمر مثلاً سنة أو سنتين فأكثر من غير أن يقوم عليه، وإنّما اشترى ثمار سنتين معدومة، فهذا لا يجوز بالإجماع؛ لأنّ الثّمرة لا يجوز بيعها قبل بدوّ صلاحها، ولو كانت موجودة فكيف إذا كانت معدومة؟ وهذا هو الذي دلّت السّنة على المنع منه. وأمّا إجارة الشّجر لِمَن يعمل عليه لأجل الثّمرة فليس بيعاً للثّمرة قبل وجودها وإنّما وقع العقد على الشّجر كالأرض تستأجر للزّرع لكن لما ورد على طريقة الشّيخ أنّ هذا شجر قد لا يحمل وقد تنقص ثمرته عن العادة فيكون الضّرر على المستأجر. أجاب عن ذلك بأنّ الثّمرة لو لم توجد أن وجدت ثم تلفت قبل أوان جذاذها فلا أجرة، ويرجع بها المؤجّر إن كان قد قبضها منه لعدم حصول المقصود بعقد الإجارة، وإن نقصت ثمرة الشّجر عن العادة فله الفسخ ويرجع بالأجرة وقدر عمله، أو أرش النقص، كما إذا كانت العادة أنّها تثمر بألف مثلاً فلم يحصل منها هذا العام إلاّ نصفه مثلاً رجع بنصف الأجرة أو ثلاثة أرباعه فكذلك. وهذا كالجائحة أي كما توضع الجوائح عن مستأجر الأرض أو الحوانيت ونحوها إذا أصاب الزّرع جائحة من الآفات؛ فإنّه يوضع من الأجرة عن المستأجر بقدر ما نقص المغلّ بالجائحة نصفاً كان أو أقل أو أكثر. هذا، وبلِّغ الأخوان من الطّلبة والأولاد والأمراء وإبراهيم الشّتري وصالح وحمد، ومَن يعزّ عليك السّلام. ومن لدينا الإمام والشّيخ

стр. 380

عليّ وآل الشّيخ، والشّيخ إبراهيم بن سيف وخواص الأخوان والطّلبة بخيرٍ وينهون إليكم السّلام. - ٢٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ فائز بن عليّ وإخوانه من طلبة العلم سلّمهم الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل خطك أوصلك الله إلى ما يرضيه. والذي أوصيكم به جميعاً ونفسي تقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوزوا بالأجر العظيم، وليحذر كلّ عاقلٍ أن يطلب العلم للمماراة والمباهاة؛ فإنّ في ذلك خطراً عظيماً، ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدّنيا والجاه والتّرؤّس بين أهلها وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين. ولو لم يكن في الزّجر عن ذلك إلاّ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، [هود: ١٥-١٦] . وفي حديث أنس مرفوعاً: "مَن تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه فهو في النّار".وهذا القدر كافٍ في النّصيحة. وفّقنا الله. وإيّاكم لحسن القول. وقد بلغني أنّكم اختلفتم في مسائل أدّى إلى النِّزاع والجدال وليس هذا شأن طلاب الآخرة، فاتّقوا الله، وتأدّبدوا بآداب العلم واطلبوا ثواب الله في تعلّمه وتعليمه، وأتبعوا العلم بالعمل؛ فإنّه ثمرته والسّبب في حصوله كما في الأثر: "مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم".وكونوا متعاونين على البر

стр. 381

والتّقوى، ومن علامات إخلاص طالب العلم أن يكون صموتاً عما لا يعنيه، متذلّلاً لربّه، متواضعاً لعباده، متورعاً متأدّباً لا يبالي ظهر الحقّ على لسانه أو على لسان غيره، لا ينتصر ولا يفتخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى، ولا يركن إلى زينة الدّنيا. وأمّا المسألة الأولى وهي: هل يصحّ من الحائض إذا قدمت مكّة أن تسعى قبل الطّواف أم لا؟ الجواب: لا يصحّ السّعي إلاّ بعد طوافٍ صحيحٍ لنسكٍ من الأنساك، أمّا المفرد والقارن فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما كما يجزئ القارن لعمرته. وأمّا المتمتّع فيسعى بعد طواف العمرة لها. ولا يجزئه للحجّ إلاّ أن يسعى بعد الإفاضة بعد طواف. قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده، والمختار أنّه لا يطوف للقدوم وليس إلاّ طواف الزّيارة وعليه أن يسعى بعده للحجّ، فإن سعى قبله لم يجزه، قالوا: ويجب أن يكون السّعي بعد طواف واجب أو مستحبّ. هذا كلام الحنابلة لا خلاف بينهم في ذلك. وقال الشّافعي: لو سعى ثم تيقن أنّه ترك شيئاً من الطّواف لم يصحّ سعيه فيلزمه أن يأتي ببقية الطّواف، فإذا أتى ببقيته أعاد السّعي نصّ عليه الشّافعي. وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة. ومِمَّا يستدلّ به لذلك حديث عائشة ﵂ وفيه: فلما كنا في بعض الطّريق حضت فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: "ما يبكيكِ؟ "، قلت: وددت أنِّي لم أكن خرجت العام. فقال: "ارفضي عمرتكِ، وانقضي رأسكِ، وامتشطي وأهلي بالحجّ".ومعنى ارفضي العمرة: ارفضي أعمالها، فلو صحّ سعي قبل الطّواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك. والله أعلم.

стр. 382

وأمّا السّؤال عن قوله ﷺ في شأن الرّجل الذي صلّى بالتّيمّم ولم يعد لما وصل إلى الماء: " أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك".وقال لذي أعاد: "لك الأجر مرّتين".فلا شكّ أنّ الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشّرعي بدليل قوله ﷺ : " أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك "، وأمّا الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل فإنّه يثاب على الصّلاة الأولى والثّانية، وهو كونه صلّى الثّانية مجتهداً فأثيب على اجتهاده للصّلاة الثّانية كما أثيب على الصّلاة الأولى، ومن المعلوم أنّ الفريضة أفضل من التّطوّع من جنسه وغير جنسه إلاّ في أربعة أشياء ليس هذا محلّ ذكرها. وأمّا السّؤال الثّالث فيمَن نوى جمع تأخير حيث يجوز الجمع فدخل وقت الثّانية قبل أن يَصِلُوا إلى الماء، فالأفضل في حقّهم أن يؤخّروا الصّلاة إلى الماء ما لم يدخل وقت الضّرورة، فإن صلّوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصّلاة بالتّيمّم ولا إعادة عليهم. وقول السّائل: وهل يكون وقت الاختيار للثّانية وقت للأولى أم لا؟ الجواب: يكون وقتاً لها في حقّ مَن يجوز له الجمع، إذا نواه فتنبّه. والله أعلم. يقول كاتبه إبراهيم بن راشد: إنّه لما قال ممليه ليس هذا محلّ ذكرها طلبت منه أن يذكرها فأملى علي نظماً بيتين للسّيوطي والأخير لمحمّد الخلوتي: الفرض أفضل من تطوّع عابد ... حتّى ولو قد جاء منه بأكثر إلاّ التّوضؤ قبل وقت وابتدا ... بالسّلام وإبراء لمعسر١ وكذا ختان كان قبل بلوغه ... أنعم به نظم الامام المكثر

стр. 383

- ٢٧ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما قولكم فيمَن يقول لِمَن شرب (هنيئاً) ويدعي جواز ذلك وقد يستدلّ بقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ ، [الطّور، من الآية: ١٩، والحاقّة، من الآية: ٢٤، والمرسلات، من الآية: ٤٣] . وبقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ، [النّساء، من الآية: ٤] ، فهل الاستدلال بالآتين على جواز ذلك صحيح أم لا؟ أفيدونا. الجواب: وبالله التّوفيق ليس في الآيتين ما يدلّ على مشروعية ذلك في حقّ كلّ مَن شرب. أمّا الآية الأولى فإنّ ذلك يقال لأهل الجنّة إذا دخلوها نسأل الله الجنّة برحمته، وليس في الآية ما يدلّ على أنّه يقال لهم كلّما أكلوا منها أو شربوا. وأمّا آية النّساء، فإنّها في أمرٍ خاصٍّ، يبيّن تعالى للأزواج أنّه لا يحلّ لهم أن يأكلوا من مال المرأة إلاّ ما طابت به نفس وليس فيها أنّ هذا القول يقال عند كلّ أكلٍ وشربٍ. إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه لم يبلغنا عن أحدٍ من الصّحابة والتّابعين والأئمة أنّهم كانوا يستعملون ذلك فيما بينهم، فاتّخاذ ذلك عادة يخالف ما كان عليه السّلف والأئمة، ولو كان مشروعاً لسبق إليه مَن سلف من الأمّة فلا ينبغي أن يتّخذ ذلك شعاراً في حقّ كلّ مَن شرب. والله أعلم. - ٢٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سليمان بن عبد الله سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه. وما أشرت إليه من أنّ بعض النّاس يوقف عقاره وشجره على ذرّيّته الذكور ما تناسلوا، والأنثى

стр. 384

حياتها. فهذا وقف الإثم والجنف لما فيه من الحيلة على حرمان أولاد البنات مما جعل الله لهم في العاقبة. وهذا الوقف على هذا الوجه بدعة، ما أنزل الله بها من سلطانٍ. وغايته تغيير فرائض الله بحيلة الوقف، وقد صنف فيه شيخنا محمّد بن عبد الوهّاب ﵀ وأبطل شبه المعارضين، ولا يجيزه إلاّ مرتاب في هذه الدّعوة الإسلامية، وقصده مخالفة إمام المسلمين، أو جاهل لا يعرف السّنة من البدعة، والهدى من الضّلال، جاهلاً بأصول الشّرع ومقاصد الشّريعة. ونعوذ بالله من الإفتاء في دين الله وشريعته بلا علم. والسّلام. المسألة الثّانية: فيمَن غرس أرضاً مستأجرة للغراس ومضت مدة الإجارة إلى آخره. فالجواب: ـ وبالله التّوفيق ـ قال في الكافي لأبي محمّد عبد الله ابن أحمد بن قدامة وإن استأجرها للغراس جاز وله الغرس فيها، فإن غرس وانقضت المدة وكان مشروطاً عليه القلع عند انقضائها أخذ بشرطه، ولا يلزمه تسوية الحفر. فإن لم يكن شرط القلع لم يجب القلع، وللمستأجر قلع غرسه؛ لأنّه ملكه ولزمه تسوية الحفر، فإن لم يفعل فللمؤجّر دفع قيمته ليملكه، وإن أراد قلعه وكان لا ينقص بالقلع أو ينقص لكنه يضمن أرش النّقص فله ذلك، وإن اختار إقراره وبأجرة مثله فله ذلك. ولصاحب الشّجر بيعه للمالك ولغيره فيكون بمنْزلته. والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا. انتهى ملخّصاً فتأمّله، فإنّه كافٍ في الجواب عمّا في السّؤال. والله أعلم.

стр. 385

- ٢٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما قولكم ـ دام فضلكم ـ في نخلٍ مشتركٍ طلب أهله القسمة هل تكون على قدر الحصص أم على عدد النّخل وسعة الأرض؟ الجواب: أنّه على حسب سهام الميراث. وأمّا مسألة الأجير فما التزمه لصاحب النّخل فإن قام به كلّه فله أجرة المثل، فإن ترك شيئاً مما التزمه نقص من الأجرة بحسب ذلك، لكن هذا يحتاج إلى نظر مَن له معرفة بهذه الأمور ويتحرّى فيها العدل من الجانبين لصعوبتها. والله أعلم. وأمّا انتفاع النّخل من ماء الجار فهو والحالة هذه مضطرّ إلى ما فعل من إجراء الماء من تحتها فتكون المصلحة لصاحب الماء أكثر مما يأتي النّخلة من الماء فتعاد لا في المصلحة؛ لأنّ النّخلة لها حريم وقد أجرى الماء في حريمها. والله أعلم بالصّواب. - ٣٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سليمان بن عبد الرّحمن بن عثمان سلّمه الله تعالى وعافاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه، وما ذكرت كان معلوماً. وتسأل عما إذا غم على مطلع الهلال ليلة الثّلاثين من شعبان هل يصام يومها أم لا؟ ولا يخفى أنّ صيامها من مفردات مذهب الإمام أحمد. وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ نفى أن يكون الإمام أحمد أوجبه. وقال: ليس في كلام أحمد ما يدلّ على وجوبه. وقال: يحتمل الاستحباب والإباحة. وللإمام الحافظ محمّد بن عبد الهادي مصنّف ذكر فيه ما ورد فيه من النّهي

стр. 386

عن صيامه. وذكر في بعض روايات حديث ابن عمر: "فإن غم عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".وذكره عن غير ابن عمر أيضاً مرفوعاً. وهذا يدلّ على المنع من صيامه. والأحاديث صحيحة مقطوع بصحّتها. والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ ومَن أخذ عنه وينهون عن ذلك لوجوه أربعة: الأوّل: أنّ تلك اللّيلة من شعبان بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان إلاّ بيقين. الوجه الثّاني: النّهي عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين فمَن صامه فقد تقدّم رمضان. الوجه الثّالث: الأحاديث التي فيها التّصريح بالنّهي عن صيامه، وذلك قوله:"فأكملوا العدّة ثلاثين"وفي بعضها تخصيص شعبان. الوجه الرّابع: حديث عمار:"مَن صام يوم الشّكّ فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وهو يوم شكّ بيقينٍ. هذا حاصل الجواب. وسلِّم لنا على أحمد وإخوانه. ومن لدينا إسماعيل وإخوانه بخيرٍ وينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام. - ٣١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن رسالة لوالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ﵀ وقدّس روحه ونوّر ضريحه بمنه وكرمه ـ. قال ـ رحمه الله تعالى وعفا عنه ـ: وينبغي التّنبيه على أمرٍ مهمٍّ عمّت به البلوى عندكم ويتعيّن إنكاره، وهو الاستنجاء في البرك ونحوها، وفيه خطر عظيم لاسيما على الرّواية المشهورة في مذهب أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ اختارها أكثر المتقدّمين والمتوسطّين. وهي أنّ الماء ينجس بملاقاة بول الآدمي وعذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، واستدلّوا بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "لا يبولانّ أحدكم في الماء الدّائم

стр. 387

ولا يغتسل فيه من الجنابة".والنّهي يقتضي الفساد، على كلتا الرّوايتين فهو كالبول؛ لأنّه في معنى البول. وقد نصّ العلماء ﵏ أنّه مثل البول كالحافظ القرافي في شرح التّقريب وغيره، فيتعيّن عليكم أن تعلنوا بالنّهي عنه على رؤوس الأشهاد في مجامع النّاس لما فيه من خطر التّنجيس والوقوع في المنهي عنه من تقذير الماء. والله أعلم. - ٣٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وله ﵀ جواب عن مسائل الشّيخ حمد بن مانع. من عبد الرّحمن بن حسن بن محمّد بن عبد الوهّاب إلى أخيه حمد ابن مانع حفظه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأنا أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو بخير وعافية أتمّها الله علينا في الدّنيا والآخرة، وكلّ من تسأل عنه طيّب، والأمور على ما تحب، والإسلام يزداد ظهوراً، والشّرك يزداد وهناً، نسأل الله تمام نعمته، وسر الخاطر ما ذكرت من جهة جماعتكم عسى الله أن يهدينا وإيّاكم الصّراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم. وأمّا المسائل التي ذكرت فاعلم أوّلاً أنّ الحقّ إذا لاح واتّضح لم يضرّه كثرة المخالف ولا قلة الموافق، وقد عرفت غربة التّوحيد الذي هو أوضح من الصّلاة والصّوم ولم يضرّه ذلك، فإذا فهمت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، [النّساء، من الآية: ٥٩] .وتحقّقت أنّ هذا حتم على المؤمنين كلّهم فاعلم أنّ مسألة الأوقاف النِّزاع فيها معروف في كتب

стр. 388

المختصرات، وفي شرح الإقناع في أوّل الوقف أنّهم اتّفقوا على صحّة الوقف في المساجد والقناطر، يعنِي بقعهما لا الوقف عليهما. واختلفوا فيما سوى ذلك. إذا تبيّن ذلك فأنت تعلم أنّ الرّسول ﷺ قال: "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ".وفي لفظٍ: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". وتقطع أنّ رسول الله ﷺ يأمر بهذا ولو أمر به لكان الصّحابة أسبق النّاس إليه وأحرصهم عليه، وتقطع أيضاً أنّ رسول الله ﷺ أتى بسدّ الذّرائع، وهو من عظم الأشياء ذريعة إلى تغيير حدود الله، هذا على تقدير أنّ العالم المنسوب إليه هذا يصحّح مثل أوقافنا وأنَّى ذلك وحاشا وكلا، بل إنّهم يبطلون الوقف الذي يقصد به وجه الله على أمرٍ مباحٍ ويقولون لا بدّ منه على أمر قربة، وأمّا كونه جعل ماله بعد الورثة على برّ فهذا لا يكون إلاّ بعد انقراضهم وعادتنا نفتي ببطلان مثل هذا. ولا نلتفت إلى هذا المصرف الثّاني. وذكر بطلان مثل هذا في الشّرح الكبير وغيره. المسألة الثّانية: وهي وقف المرأة على ولدها وليس لها زوج إلى آخره. فكذلك تعرف أنّ الوقف على الورثة ليس من دين الرّسول ﷺ ، ولو شرعه لكان أصحابه أسرع النّاس إليه سواء شرط على قسم الله أم لا. وهذا في الحقيقة يريد أمرين: الأوّل: تحريم ما أحلّ الله لهم من بيعه وهديته والتّصرّف فيه. والثّاني: حرمان زوجات الذّكور وأزواج الإناث فيشابه مشابهة جيّدة ما ذكر الله عن المشركين في سورة الأنعام، ولكن كون الرّسول ﷺ لم يأمر به كافٍ في فساده صلحت نيّة صاحبه أم فسدت. المسألة الثّالثة: إذا لم يعلم هل هذا وقف على مَن يرث أم لا؟ ولكن الإفاضة على أنّه على مَن يرث. فأنا لا أدري شيئاً عن هذه المسألة،

стр. 389

الرّكبان للشّراء منهم ما جلبوه فيلزم منعهم من ذلك. وأمّا التّزعفر فقد ورد ما يدلّ على جوازه فلا ينكر والحالة هذه. وأمّا مذهب الخوارج فإنّهم يكفّرون أهل الإيمان بارتكاب الذّنوب ما كان منها دون الكفر والشّرك، وأنّهم قد خرجوا في خلافة عليّ بن أبي طالب ﵁، وكفّروا الصّحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلّوا على ذلك بآيات وأحاديث. لكنّهم أخطأوا في الاستدلال، فإنّ ما دون الشّرك والكفر من المعاصي لا يكفّر فاعله لكنّه ينهى عنه. وإذا أصرّ على كبيرةٍ ولم يتب منها يجب نهيه والقيام عليه، وكلّ منكرٍ يجب إنكاره من ترك واجبٍ أو ارتكاب محرَّمٍ، لكن لا يكفّر إلاّ من فعل مكفِّراً دلّ الكتاب والسّنة على أنّه كفر. وكذا ما اتّفق العلماء على أنّ فعله أو اعتقاده كفر كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدّين بالضّرورة، أو استحلّ ما هو معروف بالضّرورة أنّه محرَّم. فهذا مما أجمع العلماء على أنّه كفر إذا جحد الوجوب إلاّ إذا ترك الصّلاة تهاوناً وكسلاً فالمشهور في مذهب أحمد أنّه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل كافراً. وأمّا الثّلاثة فلا يكفرونه بالتّرك بل يعدونه من الكبائر، وكذلك إذا فعل كبيرة، كما تقدم فلا يكفر عند أهل السّنة والجماعة إلاّ إذا استحلّها. وأمّا السفر إلى بلاد المشركين للتّجارة فقد عمّت به البلوى، وهو نقص في دين مَن فعله، لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته. فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سبّ ولا ضرب، ويكفي في حقّه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله ولو لم يكن حاضراً. والمعصية إذا وجدت أنكرت على مَن فعلها،

стр. 390

أو رصيها إذا اطّلع عليها. وأمّا المعاصي التي فيها الحدّ فلا يقيمها إلاّ الإمام أو نائبه. وأمّا الحدود إذا بلغت السّلطان فالمراد بالسّلطان الأئمة والقضاة ومَن يستنيبهم الإمام ويولّيهم في بلدهم. وذكرت في جوابي الذي في خاطري مما يوجب اجتماع الكلمة. والسّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. انتهى. - ٣٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى مَن يصل إليه من الإخوان وفّقنا الله وإيّاهم لسلوك منهج العلم والإيمان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فقد سألنِي بعض الإخوان عن قلب الدَّين على المدين إذا كان له عقار وعوامل ونواضح ونحوها فأجبت بأنّه لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحال الأوّل: أن يضيق المال عن الدَّين، فهذا مفلس في عرف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ إذا سأل غرماؤه الحاكم ولو بعضهم لزمه الحجر عليه في ماله، وذهب جمع من المحقّقين إلى أنّه يكون محجوراً عليه بدون حكم حاكمٍ. وهذا لا يجوز قلب الدَّين عليه بحال لعجزه عن وفاء ما عليه من الدَّين. الحال الثّاني: أن يكون ماله أكثر من دَيْنه لكنّه لا يقدر على وفاء دَيْنه إلاّ بالاستدانة في ذمته. وهذا يشبه الأوّل، لا يجوز قلب الدَّين عليه؛ لأنّه غير مليء. ولا يخفَى أنّ المليء عند العلماء هو الذي إذا طولب بما عليه بذله من غير مشقّة عليه، وهو الواجد للوفاء. الحال الثّالث: أن يكون عليه دَين وفي يده مال يقدر على الوفاء من غير استدانة. وهذا مليء ولكن منع بعض العلماء قلب الدَّين عليه حسماً للمادّة وسدّاً للذّريعة.
следующие страницы →