← Фатава

Фатава · id 12064

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (780 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عن صيامه. وذكر في بعض روايات حديث ابن عمر: "فإن غم عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".وذكره عن غير ابن عمر أيضاً مرفوعاً. وهذا يدلّ على المنع من صيامه. والأحاديث صحيحة مقطوع بصحّتها. والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ ومَن أخذ عنه وينهون عن ذلك لوجوه أربعة: الأوّل: أنّ تلك اللّيلة من شعبان بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان إلاّ بيقين. الوجه الثّاني: النّهي عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين فمَن صامه فقد تقدّم رمضان. الوجه الثّالث: الأحاديث التي فيها التّصريح بالنّهي عن صيامه، وذلك قوله:"فأكملوا العدّة ثلاثين"وفي بعضها تخصيص شعبان. الوجه الرّابع: حديث عمار:"مَن صام يوم الشّكّ فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وهو يوم شكّ بيقينٍ. هذا حاصل الجواب. وسلِّم لنا على أحمد وإخوانه. ومن لدينا إسماعيل وإخوانه بخيرٍ وينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام. - ٣١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن رسالة لوالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ﵀ وقدّس روحه ونوّر ضريحه بمنه وكرمه ـ. قال ـ رحمه الله تعالى وعفا عنه ـ: وينبغي التّنبيه على أمرٍ مهمٍّ عمّت به البلوى عندكم ويتعيّن إنكاره، وهو الاستنجاء في البرك ونحوها، وفيه خطر عظيم لاسيما على الرّواية المشهورة في مذهب أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ اختارها أكثر المتقدّمين والمتوسطّين. وهي أنّ الماء ينجس بملاقاة بول الآدمي وعذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، واستدلّوا بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "لا يبولانّ أحدكم في الماء الدّائم

стр. 387

ولا يغتسل فيه من الجنابة".والنّهي يقتضي الفساد، على كلتا الرّوايتين فهو كالبول؛ لأنّه في معنى البول. وقد نصّ العلماء ﵏ أنّه مثل البول كالحافظ القرافي في شرح التّقريب وغيره، فيتعيّن عليكم أن تعلنوا بالنّهي عنه على رؤوس الأشهاد في مجامع النّاس لما فيه من خطر التّنجيس والوقوع في المنهي عنه من تقذير الماء. والله أعلم. - ٣٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وله ﵀ جواب عن مسائل الشّيخ حمد بن مانع. من عبد الرّحمن بن حسن بن محمّد بن عبد الوهّاب إلى أخيه حمد ابن مانع حفظه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأنا أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو بخير وعافية أتمّها الله علينا في الدّنيا والآخرة، وكلّ من تسأل عنه طيّب، والأمور على ما تحب، والإسلام يزداد ظهوراً، والشّرك يزداد وهناً، نسأل الله تمام نعمته، وسر الخاطر ما ذكرت من جهة جماعتكم عسى الله أن يهدينا وإيّاكم الصّراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم. وأمّا المسائل التي ذكرت فاعلم أوّلاً أنّ الحقّ إذا لاح واتّضح لم يضرّه كثرة المخالف ولا قلة الموافق، وقد عرفت غربة التّوحيد الذي هو أوضح من الصّلاة والصّوم ولم يضرّه ذلك، فإذا فهمت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، [النّساء، من الآية: ٥٩] .وتحقّقت أنّ هذا حتم على المؤمنين كلّهم فاعلم أنّ مسألة الأوقاف النِّزاع فيها معروف في كتب

стр. 388

المختصرات، وفي شرح الإقناع في أوّل الوقف أنّهم اتّفقوا على صحّة الوقف في المساجد والقناطر، يعنِي بقعهما لا الوقف عليهما. واختلفوا فيما سوى ذلك. إذا تبيّن ذلك فأنت تعلم أنّ الرّسول ﷺ قال: "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ".وفي لفظٍ: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". وتقطع أنّ رسول الله ﷺ يأمر بهذا ولو أمر به لكان الصّحابة أسبق النّاس إليه وأحرصهم عليه، وتقطع أيضاً أنّ رسول الله ﷺ أتى بسدّ الذّرائع، وهو من عظم الأشياء ذريعة إلى تغيير حدود الله، هذا على تقدير أنّ العالم المنسوب إليه هذا يصحّح مثل أوقافنا وأنَّى ذلك وحاشا وكلا، بل إنّهم يبطلون الوقف الذي يقصد به وجه الله على أمرٍ مباحٍ ويقولون لا بدّ منه على أمر قربة، وأمّا كونه جعل ماله بعد الورثة على برّ فهذا لا يكون إلاّ بعد انقراضهم وعادتنا نفتي ببطلان مثل هذا. ولا نلتفت إلى هذا المصرف الثّاني. وذكر بطلان مثل هذا في الشّرح الكبير وغيره. المسألة الثّانية: وهي وقف المرأة على ولدها وليس لها زوج إلى آخره. فكذلك تعرف أنّ الوقف على الورثة ليس من دين الرّسول ﷺ ، ولو شرعه لكان أصحابه أسرع النّاس إليه سواء شرط على قسم الله أم لا. وهذا في الحقيقة يريد أمرين: الأوّل: تحريم ما أحلّ الله لهم من بيعه وهديته والتّصرّف فيه. والثّاني: حرمان زوجات الذّكور وأزواج الإناث فيشابه مشابهة جيّدة ما ذكر الله عن المشركين في سورة الأنعام، ولكن كون الرّسول ﷺ لم يأمر به كافٍ في فساده صلحت نيّة صاحبه أم فسدت. المسألة الثّالثة: إذا لم يعلم هل هذا وقف على مَن يرث أم لا؟ ولكن الإفاضة على أنّه على مَن يرث. فأنا لا أدري شيئاً عن هذه المسألة،

стр. 389

الرّكبان للشّراء منهم ما جلبوه فيلزم منعهم من ذلك. وأمّا التّزعفر فقد ورد ما يدلّ على جوازه فلا ينكر والحالة هذه. وأمّا مذهب الخوارج فإنّهم يكفّرون أهل الإيمان بارتكاب الذّنوب ما كان منها دون الكفر والشّرك، وأنّهم قد خرجوا في خلافة عليّ بن أبي طالب ﵁، وكفّروا الصّحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلّوا على ذلك بآيات وأحاديث. لكنّهم أخطأوا في الاستدلال، فإنّ ما دون الشّرك والكفر من المعاصي لا يكفّر فاعله لكنّه ينهى عنه. وإذا أصرّ على كبيرةٍ ولم يتب منها يجب نهيه والقيام عليه، وكلّ منكرٍ يجب إنكاره من ترك واجبٍ أو ارتكاب محرَّمٍ، لكن لا يكفّر إلاّ من فعل مكفِّراً دلّ الكتاب والسّنة على أنّه كفر. وكذا ما اتّفق العلماء على أنّ فعله أو اعتقاده كفر كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدّين بالضّرورة، أو استحلّ ما هو معروف بالضّرورة أنّه محرَّم. فهذا مما أجمع العلماء على أنّه كفر إذا جحد الوجوب إلاّ إذا ترك الصّلاة تهاوناً وكسلاً فالمشهور في مذهب أحمد أنّه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل كافراً. وأمّا الثّلاثة فلا يكفرونه بالتّرك بل يعدونه من الكبائر، وكذلك إذا فعل كبيرة، كما تقدم فلا يكفر عند أهل السّنة والجماعة إلاّ إذا استحلّها. وأمّا السفر إلى بلاد المشركين للتّجارة فقد عمّت به البلوى، وهو نقص في دين مَن فعله، لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته. فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سبّ ولا ضرب، ويكفي في حقّه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله ولو لم يكن حاضراً. والمعصية إذا وجدت أنكرت على مَن فعلها،

стр. 390

أو رصيها إذا اطّلع عليها. وأمّا المعاصي التي فيها الحدّ فلا يقيمها إلاّ الإمام أو نائبه. وأمّا الحدود إذا بلغت السّلطان فالمراد بالسّلطان الأئمة والقضاة ومَن يستنيبهم الإمام ويولّيهم في بلدهم. وذكرت في جوابي الذي في خاطري مما يوجب اجتماع الكلمة. والسّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. انتهى. - ٣٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى مَن يصل إليه من الإخوان وفّقنا الله وإيّاهم لسلوك منهج العلم والإيمان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فقد سألنِي بعض الإخوان عن قلب الدَّين على المدين إذا كان له عقار وعوامل ونواضح ونحوها فأجبت بأنّه لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحال الأوّل: أن يضيق المال عن الدَّين، فهذا مفلس في عرف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ إذا سأل غرماؤه الحاكم ولو بعضهم لزمه الحجر عليه في ماله، وذهب جمع من المحقّقين إلى أنّه يكون محجوراً عليه بدون حكم حاكمٍ. وهذا لا يجوز قلب الدَّين عليه بحال لعجزه عن وفاء ما عليه من الدَّين. الحال الثّاني: أن يكون ماله أكثر من دَيْنه لكنّه لا يقدر على وفاء دَيْنه إلاّ بالاستدانة في ذمته. وهذا يشبه الأوّل، لا يجوز قلب الدَّين عليه؛ لأنّه غير مليء. ولا يخفَى أنّ المليء عند العلماء هو الذي إذا طولب بما عليه بذله من غير مشقّة عليه، وهو الواجد للوفاء. الحال الثّالث: أن يكون عليه دَين وفي يده مال يقدر على الوفاء من غير استدانة. وهذا مليء ولكن منع بعض العلماء قلب الدَّين عليه حسماً للمادّة وسدّاً للذّريعة.

стр. 391

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وقد سُئل عن المعاملات التي يتوصّل بها إلى الرّبا ـ: فمن ذلك أن يكون المدين معسراً فيقلب الدَّين في معاملة أخرى بزيادة مال وما يلزم ولاة الأمر في هذا. وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد؟ فأجاب: المراباة حرام بالكتاب والسّنة والإجماع. وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الرّبا، وموكلّه، وكاتبه، وشاهديه، ولعن المحلِّل والمحلَّل له، وكان أصل الرّبا في الجاهلية أنّ الرّجل يكون له على الرّجل المال المؤجَّل فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلاّ زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال. فيتضاعف المال والأصل واحد. وهذا الرّبا حرام بإجماع المسلمين. وأمّا إذا كان هذا هو المقصود لكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه المتأخّرون. وأمّا الصّحابة فلم يكن منهم نزاع في أنّ هذا محرَّم. والآثار عنهم بذلك كثيرة. والله تعالى حرّم الرّبا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الرّبوية. فإذا حلّ الدَّين وكان الغريم معسراً لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب عليه الدَّين بل يجب إنظاره. وإن كان موسراً كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره. والواجب على ولاة الأمر بعد تعزير المعاملين بالمعاملة الرّبوية أن يأمروا المدين بأن يؤدّي رأس المال ويسقطوا الزّيادة الرّبوية. فإن كان معسراً وله مغلات يوفي دَينه منها وفَّى دَينه منها بحسب الإمكان. والله تعالى أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فتأمّلوا قوله: إن كان معسراً وله مغلات، كيف سمّاه معسراً مع وجود عقار يستغله. ومن صور قلب الدَّين أنّه إذا حلّ أجل ما في ذمّة المدين من الدّراهم وعلم صاحب الدّين أنّه لا يجد دراهم يدفعها إليه. قال له بِعْنِي طعاماً في ذمّتك على كذا وكذا، فيسلم إليه الدّراهم بطعام في ذمّته، فإذا قبض منه

стр. 392

رأس المال ردّها إليه وفاء عن دَينه الأوّل. وحقيقة الأمر أنّ الذي في ذمّة الأول قلبه طعاماً فينمو المال في الذّمّة والأصل واحد، وكذلك بيع دَين السّلم لا يجوز إلاّ بعد قبضه ولو على مَن هو في ذمّته. وهذا قول جمهور العلماء. وهو الأصحّ إن شاء الله. وأيضاً يذكر لنا أنّكم تعاملون كراء الأرض بحبٍ معلومٍ، وتشرطون على الزّراع جزاء من التّبن. وهذه إجارة يشترط فيها أن تكون الأجرة معلومةً وشرط التّبن شرط شيء مجهول تفسد به الإجارة. وطريق السّلامة من هذا أن تزيدوا في الأجرة شيئاً من الحبّ معلوماً وتتركوا اشتراط التّبن. والسّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ٣٥ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان بن ناصر، وفّقه الله وهداه لما يحبّه ويرضاه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فالخط وصل، وصلك الله إلى ما يرضيه، واعلم يا أخي أنّ أهمّ الأمور علينا وعليكم وأحق ما يهتم به معرفة التّوحيد الذي هو أصل الإيمان وأساسه والتّمسّك بأوثق عراه، والحبّ في الله والبغض في الله، والموالاة فيه والمعاداة فيه، وتمييز النّاس بما سلف منهم وبما يبدو على صفحات الوجوه وفلتات الألسن، فإنّ من أعظم الأمور خطراً أن يحبّ لهواه ويقرب لدنياه ويبغض لهواه لا لطاعة مولاه فاجعل هذا منكم على بال. أعاذنا الله وإيّاكم من عبادة الرّجال. وأمّا ما سألت عنه من المسائل الأربع: فالجواب عن مسألة زوجة

стр. 393

المفقود إذا تعذر الإنفاق عليها من ماله فإنّ لها فسخ نكاحه بحكم حاكم الشرع، فإذا جاز ذلك في حقّ الموجود جاز في حقّ المفقود أيضاً. ولا فرق بينهما وكونه مفقوداً لا يمنع ثبوت الحكم بتعذّر ما يجب لها عليه. وأمّا مسألة المظاهر فاعلم أنّه يجب على المفتي أن يعتبر شواهد أحواله، فإذا عرف من شاهد الحال أنّه يقدر على أن يصوم شهرين متتابعين فلا يجوز للمفتي أن يفتح له باب الرّخصة في الإطعام بمجرّد قوله: لا أستطيع الصّيام، وشاهد الحال يكذّبه فلا ينتقل إلى الإطعام إلاّ بتحقّق عجزه عن الصّيام. وأمّا مسألة الشّفعة، فإنّ شريك الأصل أحقّ بالأخذ بها من شريك المصالح ما لم يترك الطّلب بها بغير خلافٍ. نصّ عليه في المغني، والشّرح، والإنصاف وغيرها. وأمّا عيب الجرب فحكمه حكم سائر العيوب، فإذا ادّعى المشتري انتقال المبيع بذلك العيب ولا بيّنة حلف المشتري على ما ادّعاه على الأصحّ. والله أعلم. - ٣٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، وسرّنا ما ذكرت من طيبك وصحّة حالك، وأخبرك أنِّي ولله الحمد بخير وعافية كذلك الشّيخ عبد الله وإبراهيم أعمامي وعيالي وعيالهم وآل مقرن. وما ذكرت من حرصك على الزّيارة فأرجو أنّ الله يجمعنا وإيّاكم على خيرٍ وعافيةٍ ويستعملنا وإيّاكم في طاعته. وما ذكرت من السّؤال: هل المرأة تعاقل الرّجل حتّى تبلغ ثلث ديته الخ؟ فالجواب: أنّ المرأة كالرّجل تساوي جراحها جراحه حتّى تبلغ ثلث

стр. 394

ديته على الصّحيح من المذهب. واستدلّ علماؤنا ﵏ في كتبهم بحديث عمرو بن شعيب الذي رواه النّسائي وبكلام سعيد بن المسيّب لربيعة وهو الظّاهر في أنّ المراد الثّلث من دية الرّجل، ولفظ الحديث الذي نقلته من شرح زاد المستقنع هو كما نقلت، وهو كذلك في المنتقى والمحرّر والجامع الصّغير ولفظه: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرّجل حتّى تبلغ الثّلث من ديتها ".رواه النّسائي والدّارقطني. قال الحافظ ابن عبد الهادي في محرره: هو من رواية إسماعيل بن عياش، وهو كثير الخطأ، وعلى تقدير صحّته واستدلال الفقهاء به يحتمل أن يكون الضّمير للمضاف إليه المحذوف، أي: عقل جراح المرأة فهو راجع إلى الجراح، لكونه مفهوماً من الحديث لا إلى المرأة؛ إذ لو كان كذلك لما صحّ الاستدلال على أنّ جراح المرأة مثل جراح الرّجل حتّى تبلغ الثّلث من ديته مع مخالفته لكلام سعيد. وقد استدلّ العلماء بهما معاً على حكمٍ واحدٍ، وذلك ينبِيء عن الاتّفاق في المعنى. والله أعلم. - ٣٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سعيد بن عيد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه، والأحوال جميلة بحمد الله، نجملها بالإيمان والتّقوى. وما ذكرت من حال المرأة النّاشز فقد قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ ، [النّساء، من الآية: ١٢٨] . وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا

стр. 395

إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، [النساء، من الآية: ٣٥] . فالذي عليه جمهور العلماء في معنى الآية أنّ الحاكم يبعث حكماً ثقة من أهلها، وثقة من قوم الرّجل، فإن حصل بينهما التّوفيق وإلاّ صارا إلى التّفريق. وإذا اتّفقا عليه ففرقا بطلقة أو طلقتين أو ثلاث على حسب ما يريان فهما حكمان من جهة الحاكم، ووكيلان من جهة الزّوجين إذا تراضيا على توكيلهما فلهما التّفريق. وعن الإمام أحمد أنّهما حاكمان يفعلان نصّاً ما يريانه من جمعٍ وتفريقٍ وغيره، ولو لم يرضيا ولا وكلا. وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يذكر العلماء فيما وقفت عليه بذل العوض. والله أعلم. - ٣٧ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوين المحبّين: صالح بن محمّد وأحمد بن عتيق، كان الله في عونهما. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط أوصلكما الله إلى ما يرضيه. وما ذكرتما من توزيع الجمل على الجمل والأفراد على الجمل، والأفراد على الأفراد، فهذه الكلّيّة ذكرها الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ في المسح على الخفّين، وفي مسألتكما هذه، وفي الوقف. وأنا أصوّرها في مسألة السّؤال وهي مدّ عجوة، ومن صورها مدّ ودرهم بدرهمين. فالجمهور من الفقهاء قالوا بعدم الجواز بناء على أنّ جملة المدّ والدرهم في مقابلة الدّرهمين، فلم يتميّز ما يقابل الدّرهم من جميع الدّرهمين ولا ما يقابل المدّ. وإنّما الجملة مقابلة للجملة فلا تحصل المماثلة بين الجنس الذي هو لغة للجمل بما يقابل كلّ جنس من جنسه، وكذلك إذا وزعت الأفراد على الجمل كما إذا اعتبر الدّرهم

стр. 396

الذي مع المدّ في مقابلة مجموع الجملة من الدّرهمين والمدّ كذلك، فلم يتميّز ما يقابل الجنس من جنسه، هل هو درهم أو أقل أو أكثر؟ والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وذهب شيخ الإسلام كأبي حنيفة إلى الجواز فوزعوا الأفراد على الأفراد فصار الدّرهم يقابل درهماً من غير زيادة المد يقابل الدّرهم الآخر. فجعلت المماثلة والتّساوي في الجنس. وهو مشكل. والله أعلم. - ٣٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان، منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها. آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فقد وصل إلينا كتابك فاستبان به مرامك وخطابك وسررنا به غاية السّرور، جعله الله تعالى من مكاسب الأجور، وقد سألت فيه أمدك الله عن ثنتَي عشرة مسألة: أولاها: قول العلماء ﵃: فيمَن حرم زوجته الخ؟ فالجواب ـ وبالله التّوفيق، ومنه أستمدّ العون ـ: والتّحقيق تحريم الزّوجة ظهار ولو نوى به طلاقاً أو يميناً. نصّ عليه إمامنا ﵀ في رواية الجماعة، وهو المذهب. ونقل عنه ما يدلّ على أنّه يمين وفاقاً للثّلاثة ـ رحمهم الله تعالى ـ. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات والفتاوى المصرية في باب الظّهار بالأوّل، لكن قال ابن القيم ﵀ في الإعلام: إنّه إن وقع التّحريم كان ظهاراً ولو نوى به الطّلاق، وإن حلف به كان يميناً مكفِّرة. وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدلّ النّصّ والقياس. فإنّه إذا أوقعه كان قد أتى منكراً من القول وزوراً، وكان أولى بكفارة الظّهار مِمَّن شبّه

стр. 397

امرأته بالمحرم، وإذا حلف به كان يميناً من الأيمان كما لو التزم الاعتاق والحجّ. وهذا محض القياس والفقه. انتهى. قلت: قوله: وإذا حلف كان يميناً إلى آخره، بناء على ما ذهب إليه من أنّ المعلّق للطّلاق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام؛ فإنّه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجوب المعلّق عليه طلّقت. وصرح به الشّيخ ـ رحمه الله تعالى ـ في باب تعليق الطّلاق بالشّروط. قال: وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم. المسألة الثّانية: إذا أحال إنسان على آخر ولم يعلم بذلك حتّى قضاه دَينه أو قضاه مَن أحاله عليه ثانياً. الخ؟ فالجواب: قد برئت ذمّة المدين من الدَّين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى مَن أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطّلب فوراً، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدَّين؛ لأنّ الشّرائع لا تلزم إلاّ بعد العلم فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقدّس روحه ـ هذه القاعدة وقرّر أدلّتها، فعلى هذا، يرجع مَن أحيل أوّلاً بدَينه على المحيل كما قبل الحوالة. والله أعلم. المسألة الثّالثة: إذا رهن إنسان زرعه أو نخله ونحوه، فاحتاج الرّاهن لما يصلح الرّهن فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرّهن لِمَن يداينه لإصلاحه فامتنع، وعلى الرّاهن ضرر؟ فالجواب: أنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ القبض والاستدامة شرط للزوم الرّهن. قال في الشّر: ولا يلزم الرّهن إلاّ بالقبض، ويكون قبل قبضه رهناً جائزاً يجوز للرّاهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال

стр. 398

بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أنّه يلزم بمجرّد العقد. ونصّ عليه الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ في رواية الميموني. وهو مذهب مال ﵀. ووجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٨٣] .فعلى هذا، إن تصرّف الرّاهن فيه قبل القبض بهبةٍ، أو بيعٍ، أو عتقٍ، أو جعله صداقاً، أو رهنه ثانياً بطل الرّهن الأوّل سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرّهن الثّاني أو لم يقبضه. فإن أخرجه المرتهن إلى الرّاهن باختياره زال لزومه وبقي العقد كأنّه لم يوجد فيه قبض. انتهى. قال في الإنصاف: هذا المهذب وعليه الأصحاب. وعنه أن استدامته في المعيّن ليس بشرط. واختاره في الفائق. انتهى ملخصاً. فقد عرفت الأصحّ من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ، فعليه لا ضرر على الرّاهن لبطلان الرّهن بالتّصرّف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء أيضاً أنّ المرتهن لا يختص بثمن الرّهن إلاّ إذا كان لازماً وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتّب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتّسع لذكره هذا الجواب. وليس مع مَن أفتى به إلاّ محض التّقليد. وأنّ العامّة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازماً. وأنت خبير بأنّ هذا ليس بحجّة شرعية، وإنّما الحجة الشّرعية الكتاب والسّنة والإجماع. وهو اتّفاق مجتهدي العصر على حكمٍ ولا بدّ للإجماع من مستندٍ، والدّليل الرّابع القياس الصّحيح، وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلاّ الله، كم غلب على أحكام الشّرع في هذه الأزمنة من التّساهل في التّرجيح. وعدم التّعويل على ما اعتمده المحقّقون من القول الصّحيح. وقد ادّعى بعضهم أنّ شيخناً الإمام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ كان يفتي

стр. 399

بلزوم الرّهن، وإن لم يقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ. ولو فرضنا وقوع ذلك فنحن بحمد الله متمسكون بأصلٍ عظيمٍ وهو أنّه لا يجوز لنا العدول عن قولٍ موافقٍ لظاهر الكتاب والسّنة، لقول أحدٍ كائناً مَن كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد، كما قال الإمام مالك ﵀: ما منّا إلاّ راد ومردود عليه إلاّ صاحب هذا القبر، يعنِي رسول الله ﷺ ، ثم بعد زعم هذا الزّاعم من الله عليّ بالوقوف على جواب شيخنا الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ فإذا هو جار على الأصحّ الذي عليه أكثر العلماء. وصورة جوابه: أنّ الرّاجح الذي عليه كثير من العلماء ﵏ أو أكثرهم أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض، وقبض كلّ شيء هو المتعارف، فقبض الدّار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الرّاهن عنه. هذا هو القبض بالإجماع، ومَن زعم أنّ قوله مقبوض يصيره مقبوضاً فقد خرق الإجماع مع كونه زوراً مخالفاً للحسّ. إذا ثبت هذا، فحن إنّما أفتينا بلزوم هذا الرّهن لضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبه أن يأكل أموال النّاس ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها فالرّجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة. فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعاً، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ فهم لا يلزمون ذلك إلاّ برفع يد الرّاهن وكونه في يد المرتهن. انتهى المقصود. فذكر ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الفتيا أنّ الرّاجح الذي عليه أكثر العلماء أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض، وأنّه إنّما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنّه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتّب على خلافه من الخروج من العدل، ومن

стр. 400

الخيانة، وهذا الذي أشار إليه ﵀ من الخروج عن العدل وأكل أموال النّاس بالباطل والخيانة في الأمانة قد رأيناه عياناً. وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرّر ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الفتيا أنّ قول الجمهور أقرب إلى العدل فلا يجوز أن ينسب إليه غير هذا القول المقرّر هنا. والله أعلم. المسألة الرّابعة: إذا استأجر إنسان أرضاً للزّرع أو نحوه ثم رهنه فقصرت الثّمرة عن الدَّين والأجرة وعن الحداد والخراز إلى آخره. فالجواب: إذا انتفى لزوم الرّهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثّمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأنّ محلّ ذلك ذمّة المدين وتقديم أحدهم على غيره ترجيح من غير مرجّح، وما اشتهر بين النّاس من تقديم العامل في الزّرع ونحوه بأجرته فلم نقف له على أصلٍ يوجب المصير إليه. والله أعلم. المسألة الخامسة: إذا دفع إنسان إلى آخر عروضاً مضاربة وجعل قيمتها رأس مال المضاربة هل يجوز هذا أم لا؟ الجواب: يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النّقدين، أو أحدهما، وهو المذهب. وعنه رواية أخرى: أنّها تصحّ بالعروض. اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم. قال في الإنصاف: قلت: وهو الصّواب. فعلى هذه الرّواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد كما جعلنا نصابها قيمتها. وسواء كانت مثلية أو غير مثلية. والله أعلم. المسألة السّادسة: إذا دفع إنسان مالاً مضاربةً وعمل فيه المضارب

стр. 401

ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها ثم فسخ المضارب هل عليه أن يعمل فيه حتّى يكمل رأس المال أم لا؟ الجواب: في ذكر القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله: أنّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتّى ينض رأس المال ويعلم به ربّه لئلا يتضرّر بتعطيل ماله عن الرّبح. وأمّا المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الرّبح ولا يسقط به حقّ العامل. قال: وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدّ الذّرائع. ولهذا قلنا: إنّ المضارب إذا ضارب الآخر من غير علم الأوّل وكان عليه في ذلك ضرر ردّ حقّه من الرّبح في شركة الأوّل. انتهى. أقول: مراده بقوله: حتّى ينض رأس المال، يعنِي: به إذا لم ينقص، أمّا إذا نقص فليس على المضارب إلاّ تنضيض ما بقي في يده من رأس المال؛ لأنّ المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ ولا تفريطٍ. الله أعلم. المسألة السّابعة: هل يلزم صاحب الأصل إذا أكرى أرضه أو شجره عند مَن يجوّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سدّ حائطٍ أو إجراء نهرٍ ونحوه أم لا؟ فالجواب: لم أقف في هذه المسألة للعلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ على نصّ. والله أعلم. المسألة الثّامنة: ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم اشتراه بعض التّجار من آخذه ثم باعه على آخر الخ؟ فالجواب: أمّا حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليّون فذكر القاضي أبو يعلى ـ رحمه الله تعالى ـ أنّهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده.

стр. 402

وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنّهم لا يملكونه، يعنِي: ولو حازوه إلى دراهم. قال في الإنصاف: وهي رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمّد الجوزي وجزم به ابن عبدوس في تذكرته. قال في النّظم: لا يملكونها في الأظهر وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحّح فيها عدم الملك، وصحّح في نهاية ابن رزين ونظمها. انتهى. قال في الشّرح: وهو قول الشّافعي وابن المنذر لحديث ناقة رسول الله ﷺ ؛ ولأنّه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب. ولأنّ مَن لا يملك رقبة غيره لا يملك ماله به، أي: بالقهر، كالمسلم مع المسلم. ووجه الأولى: أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دراهم. وهو قول مالك. وذكر القاضي أنّهم إنّما يملكونها بالحيازة إلى دراهم. وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان. قال ابن رجب: ونصّ أحمد أنّهم لا يملكونها إلاّ بالحيازة إلى دراهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه؛ لأنّ دار الإسلام ليست لهم داراً وإن دخلوها، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أنّ أحمد لم ينصّ على الملك؛ ولا على عدمه، وإنّما نصّ على أحكام أخذ منها ذلك. قال: والصّواب أنّهم يملكونها مقيداً لا يساوي أملاك المسلمين من كلّ وجهٍ. انتهى. قلت: قد صرّح في كتاب الصّارم والفتاوى المصرية وغيرها أنّ القيد المشار إليه هو إسلام آخذها. ونصّه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلمٍ، قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه كان له ملكاً ولم يردّه إلى الذي

стр. 403

كان يملك عند جماهير العلماء من التّابعين ومن بعدهم، وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الرّاشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد ﵏. وهو قول جماهير أصحاب أحمد بناء على أنّ الإسلام والعهد قرّر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكاً له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحقّها. قال في الاختيارات: قال أبو العبّاس: وهذا يرجع إلى أنّ كلّ ما قبضه الكفّار من الأموال قبضاً يعتقدون جوازه فإنّه يستقرّ لهم بالإسلام. قال: ومن العلماء مَن قال يرده على مالكه المسلم، وهو قول الشّافعي وأبي الخطاب بناء على أنّ اغتنامهم فعل محرّم ولا يملكون به مال المسلم؛ كالغصب؛ ولأنّه لو أخذه منهم المسلم أخذاً لا يملك به مسلم من مسلم؛ بأن يغنمنه أو يسرقه فإنّه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النَّبِيّ ﷺ ، وهو مما اتّفق النّاس فيما نعلمه. ولو كان قد ملكوه لملكه الغانم منهم ولم يرد إلى مالكه. انتهى. واختار أنّ الكافر يملكه بالإسلام عليه. أقول: تأمّل ما ذكره شيخ الإسلام من حجّة الشّافعي وموافقيه على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو بالحيازة إلى داره لم يردّ النَّبِيّ ﷺ على ابن عمر عبده وفرسه التي كان أخذها العدوّ لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقياً على ملك ابن عمر لم يرد إليه وليس لتخصيصه بذلك دون سائر الغانمين معنى غير ذلك. وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده، والأحاديث في ذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها. قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال مسلم ثم وجده المسلم) ، قال ابن نمير: حدّثنا

стр. 404

عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ذهب فرس له فأخذه العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له فلحق بالرّوم فظهر عليهم المسلمون فردّه عليه خالد بن الوليد بعد النَّبِيّ ﷺ ، ثم ساقه بسنده متّصلاً. وما استدلّ به القائلون بأنّهم يملكونها بالقهر من أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم. فهذا قياس مع الفارق لا يصحّ دليلاً لو لم يكن فيه مقابلة الأحاديث، فكيف والأحاديث تمنعه؟! ولو لم يكن مع الشّافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحّحه من الرّوايتين، ومَن وافقهم كابن المنذر إلاّ حديث مسلم: أنّ قوماً أغاروا على سرح النَّبِيّ ﷺ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياماً ثم خرجت في بعض اللّيل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلاّ رغت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجّهت إلى المدينة ونذرت إن نجّاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة استعرفت النّاقة فإذا هي ناقة النَّبِيّ ﷺ فأخذها فقلت: يا رسول الله إنِّي نذرت أن أنحرها قال: " بئس ما جازيتها، لا نذر في معصية الله ".وفي روايةٍ: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم".هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم. وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أنّ من العلماء مَن قال: يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه وعزاه إلى الشّافعي وأبي الخطاب. وذكر ما يدلّ لهذا القول. وأنا أذكر ما يدلّ لذلك أيضاً. وإن لم يذكره شيخ الإسلام. وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر، قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرضٍ. فقال أحدهما: إنّ هذا انْتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن

стр. 405

عبدان، قال:" بيّنتك؟ "، قال: ليس لي بيّنة. قال:"يمينك".قال: إذاً يذهب بها؟ قال:"ليس لك إلاّ ذلك ".الحديث. وأمّا حكم ما أخذه المسلمون منهم مِمّا قد أخذوه من مال المسلم فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردّت إليه بغير شيءٍ. قال في الشّرح في قول عامّة أهل العلم منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيثي والثّوري ومالك والأوزاعي والشّافعي وأصحاب الرّأي. وحجّتهم ما تقدم من قصة ابن عمر. قال في الشّرح: وكذلك إذا علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسم وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء؛ لأنّ قسمته كانت باطلةً من أصلها، فهو كما لو لم يقسم. فأمّا إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان: إحداهما: يكون صاحبه أحقّ به بالثّمن الذي حسب به على آخذه. وكذلك إن بيع ثم قسم بثمنه، فهو أحقّ به بالثّمن. وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك. لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري. يعنِي: من الغنيمة وحقّهما ينجبر بالثّمن، فيرجع صاحب المال في غير ماله بمنْزلة مشتري الشّقص المشفوع. والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بعد القسمة بحالٍ. نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره. وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيث. وقال الشّافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح؛ لأنّه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحقّه بغير شيءٍ كما قبل القسمة, ويعطى من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقّه من الغنيمة. وجعل من سهم المصالح؛ لأنّ هذا منها، فإن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيءٍ. وقال

стр. 406

أبو حنيفة: لا يأخذه إلاّ بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقلة النَّبِيّ ﷺ المتقدّم؛ ولأنّه لم يحصل في يده بعوضٍ فصار صاحبه أحقّ به بغير شيءٍ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة. فأمّا إن اشتراه رجل من العدوّ فليس لصاحبه أخذه إلاّ بثمنه. وهذا كلّه إنّما هو في الكافر الأصلي. وأمّا المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يعلم أحد قال به. وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها فما رأيت خلافاً في أنّه لا يملكه، وإنّما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفةٍ ممتنعةٍ أو لحق بدار حربٍ، والمذهب أنّه يضمن ما تلف في يده مطلقاً، فافهم ذلك، فالمسلم يأخذ ماله من المرتدّ أو مِمَّن انتقل إليه بعوضٍ أو غيره بغير شيءٍ. وما تلف في يد المرتدّ من مال المسلم أو تلف عند مَن انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب. ثم اعلم أنّه قد يغلط مَن لا تمييز عنده في معنى التّلف والإتلاف فيظنّ أنّه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يعدّ إتلافاً، وليس كذلك بل هنا تصرّف وانتفاع. وقد فرّق العلماء ﵏ بين هذا وبين الإتلاف. ومن صور الإتلاف والتّلف أن يضيّعه أو يضيّع أو يسرق أو يحرق أو يقتل ونحو ذلك. فإن كان بفعله فهو إتلاف، وإن كان بغير فعله فهو بالنّسبة إليه تلف يترتّب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنّسبة إلى الفاعل إتلاف. وضابطه: فوات الشّيء على وجه لا يعدّ من أنواع التّصرف. إذا عرفت أنّ حكم المرتدّ يفارق حكم الكافر الأصلي. فاعلم أنّه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمَن اشترى مال مسلمٍ من التتر لما دخلوا الشّام إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به؛ لأنّه لم

стр. 407

يصر لها إلاّ بنفقته، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف. وسُئِل أيضاً عمَّن اشترى فرساً ثم ولدت عنده حصاناً وأخذ السّلطان الفرس وأهدى الحصان لرجلٍ فأعطاه عوضه ثم ظهرت الفرس أنّها كانت مكسوبة نهباً من قوم فهل يحرم ثمن الحصان؟ فأجاب: إن كان صاحب الحصان معروفاً ردّت إليه فرسه ورجع المشتري بالثّمن على بائعه ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقّه صاحبه لكونه غرّه. وإن كانت مكسوبة من التّتر أو العرب الذين يغيّر بعضهم على بعضٍ فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم. وقد صرّح شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ بأنّ هذا المنهوب يردّ إلى صاحبه أو قيمته إن تصّرف فيه ويرجع المشتري بالثّمن على البائع. وأنّه إن لم يعرف صاحب ما أخذ من التّتر والعرب لم يحرم عليه عوضه. فمفهومه أنّه إن عرف صاحبه فعوضه حرام على مَنِ اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقّاً لمسلمٍ معصومٍ. وهذا أيضاً يفيده ما تقدم من قوله فيمَن اشترى مال مسلم من التّتر إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح ... الخ. وهو صريح في أنّ التّتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن المعلوم أنّ التّتر من أعظم النّاس كفراً لما جمعوه من المكفِّرات في الاعتقادات والأعمال. ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يردّ ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئاً كما يفيده الجواب الثّاني. ولم يقل فيه إنّه لا يحرم على مَن اعتاض عن الحصان شيئاً إلاّ بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها. ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها

стр. 408

الإمام الجند، هي حلال لهم إذا جهل مستحقّها. وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التّاسعة، وهو أنّ ما وقع في هذه السّنين من النّهب والظّلم يردّ ما وجد منه إلى مالكه من غير أخذ ثمنٍ ولا قيمةٍ. وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتّبة على يد الغاصب لما تقرّر من أنّ الخلاف إنّما جرى في حقّ الكافر الأصلي. وأمّا المرتدّ ونحوه فالقول بأنّه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق. وقد ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتاوى المصرية ما يفهم به الفرق بين الكافر الحربي والمرتدّ. فقال: وإذا قدر على كافرٍ حربيٍ فنطق بالشّهادتين وجب الكفّ عنه بخلاف الخارجين عن الشّريعة؛ كالمرتدّين الذين قاتلهم أبو بكر ـ رضي الله ـ والتّتر وأمثال هؤلاء الطّوائف مِمَّن نطق بالشّهادة ولا يلتزم شعائر الإسلام. وأمّا الحربي فإذا نطق بها كفّ عنه. وقال أيضاً: ويجب جهاد الكفّار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم باتّفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يداً واحدة على الكفّار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى. فيعلم ما تقرّر أنّ الأموال المنهوبة في هذه السّنين غصوب يجري فيها حكم الغصب، وما يترتّب عليه. وبهذا أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن شيخنا الإمام محمّد ﵏. وأفتى به الشّيخ محمّد بن عليّ الشّوكاني قاضي صنعاء اليمن، وما ظننت أنّ أحداً له أدنى ممارسة في العلم يخالف ذلك. والله أعلم. المسألة العاشرة: قال السّائل: وجدت نثلاً عن الإقناع وشرحه: إذا ذبح السّارق المسلم أو الكتابي المسروق مسمياً حلّ لربّه ونحوه أكله

стр. 409

ولم يكن ميته كالمغصوب. انتهى. قال السّائل: وهل هذا إلاّ مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه ... الخ؟ الجواب: لا معارضة؛ إذ ترك رسول الله ﷺ وأصحابه الأكل منها لا يدلّ على أنّها ميتة من وجوه: منها: أنّها ليست ملكاً لهم، ولا لِمَن ذبحها فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها، ولا مَن أذن له مالكها في الأكل منها، ويحتمل أنّه ترك الأكل منها تنَزُّهاً. ويدلّ على حلّها بهذه الذّكاة قوله:"أطعميه الأسارى".وهو لا يطعمهم ميتة. وقوله: كالمغصوب، راجع لقوله: حلّ، لا لقوله: ميتة شبه بذح الحيوان المغصوب في الحلّ لا في الحرمة. والله أعلم. المسألة الحادية عشرة: إذا كان لإنسان على آخر دَين من طعامٍ أو نحوه فأشفق في الوفاء فطلب غريمه أن يعطيه الثّمرة عن ماله في ذمّته فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا قاص أو جازفه في الدَّين فهو جائز) .زاد في رواية كريمة: تمراً بتمرٍ، أو غيره. وساق حديث جابر ﵁ أنّ أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقاً لرجلٍ من اليهود فاستنظره جابر فأبَى ينظره، فكلّم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ فكلّم اليهود ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى ... الحديث. وبه استدلّ ابن عبد البرّ وغيره من العلماء ﵏ على جواز أخذ الثّمر على الشّجر عمّا في الذّمّة إذا علم أنّه دون حقّه إرفاقاً بالمدين، وإحساناً إليه، وسماحة بأخذ الحقّ ناقصاً وترجم البخاري ﵀ بهذا الشّرط فقال: (إذا قضى دون حقّه أو حلّله فهو جائز) .ساق

стр. 410

حديث جابر ﵁ أيضاً. فأمّا إذا كان يحتمل أنّه دون حقّه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائزٍ أن يأخذ عمّا في الذّمّة شيئاً مجازفة، أو خرصاً لاسيما إذا كان دَين سلم. لما روى البخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال:" مَن أسلف في شيءٍ فليسلف في كيلٍ معلومٍ أو وزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ".ومضمون هذا الحديث عام. وبه أخذ الجمهور. وقد يقال: إنّ قضيّة جابر قضية عينٍ لا عموم لها. ويترجّح المنع سدّاً للذّريعة لاسيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنَى شبهة. والله أعلم. المسألة الثّانية عشرة: ما حكم الباطل والفاسد عند أهل الأصول الخ؟ الجواب: هما مترادفان عند الأصوليّين والفقهاء من الحنابلة والشّافعية. وقال أبو حنيفة: إنّهما متباينان؛ فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلّيّة؛ كبيع المضامين والملاقيح. والفاسد؛ ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصفٍ محرّمٍ؛ كالرّبا. وعند الجمهور كلّ ما كان منهيّاً عنه إمّا لعينه أو وصفه ففاسد وباطل، لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التّفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع عليه، فعبّروا عن الأوّل بالباطل وعن الثّاني بالفاسد ليتميّز هذا من هذا، لكون الثّاني تترتّب عليه أحكام الصّحيح غالباً، أو أنّهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التّعبير؛ لأنّ من عادة الفقهاء من أهل المذاهب ـ رحمهم الله تعالى ـ مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبّر بالباطل عن المختلف فيه مراعياً للأصل. ولعلّ مَن فرّق بينهما في التّعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلاً فلا اختلاف. ومثل ذلك: خلافهم في الفرض والواجب. قال في القواعد الأصولية: إنّهما مترادفان شرعاً في أصحّ الرّوايتين عن أحمد.

стр. 411

أختارها جماعة منهم: ابن عقيل. وقاله الشّافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة. وقاله الحنفية. فعلى هذه الرّواية؛ الفرض ما ثبت مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد. وقيل: ما لا يسقط في عمدٍ ولا سهوٍ. وحكى بدليل ابن عقيل عن أحمد رواية أنّ الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسّنة. وفائدة الخلاف: أنّه يثاب على أحدهما أكثر. وأنّ طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون. ذكره القاضي. وذكرهما ابن عقيل على الأوّل, قال غير واحد: النِّزاع لفظي، وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرّقوا فيها بين الفرض والواجب. والله أملم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم وقال شيخنى ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في أثناء كلامٍ له: وأمّا ما ذكرت من عقد المساقاة، هل هو جائز أو لازم؟ فالصّحيح اللّزوم، وهو الذي عليه الفتوى من زمن شيخنا شيخ الإسلام محمّد، ومن أخذ عنه، لا يختلف فيه انثان منهم، واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. وهو الصّواب. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقول بعض متقدمي الأصحاب إلاّ أنّه عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة، فيفتقر إلى ضرب مدّة. وأمّا ما ذكره الفقهاء من أنّ مؤنة ردّ مبيع تقايلاه على بائعه فهو المشهور. والسّلام. وقال أيضاً: وأمّا قوله في النّخل أن تحمرّ أو تصفرّ، فهو هذا الذي نراه. وذلك انقلابه بعد الخضرة إلى الحمرة والصّفرة. وأمّا أخذ بعض دَين السّلم خرصاً فالجمهور على المنع. وذكر ابن عبد البرّ ﵀ عن بعض العلماء أنّه يجوز إذا أخذ دون حقّه. وبه أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد رحمهما الله تعالى. وأمّا المسألة الثّانية: الذي ينبت على ماء المستأجر بغير إذن المالك

стр. 412

فهو للكداد، فإن أراد المالك أخذ بقيمته إذا تراضيا جاز ذلك، وإن قال: أقلعه فيقلعه. والسّلام. وما ذكرت من أمر مواريث كان في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرّفون فيها تصرّف الملاّك. فالجواب: أنّ الذي استقرّت عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام هذه الدّعوة الإسلامية أنّ العقار ونحوه إذا كان في يد إنسانٍ يتصرّف فيه تصرّف المالك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس له فيه منازع في تلك المدّة أنّ القول قوله أنّه يملكه؛ إلا أن تقوم بيّنة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنّه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك. وأمّا الأصل فلا يلتفت إليه هذا الظّاهر. فقدم شيخنا ـ رحمة الله عليه ـ الظّاهر هنا على الأصل لقوّته وعدم المعارض. والله أعلم. - ٣٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى المكرّم عثمان بن عيسى سلّمه الله. السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل خطك وصلك الله إلى خيرٍ والمحبّ بخير وعافية، ويحمد إليك الله لا إله غيره ولا ربّ سواه، وخواص إخوانك بخيرٍ وعافيةٍ، جعلنا الله وإيّاكم مِمَّن عرف النّعمة وقدرها، وشكر الله تعالى عليها بالاعتراف بها والذّلّ والخضوع والعبودية لمسديها. آمين. وتسأل عمَّن نفر من الحجّ ولم يطف طواف الزّيارة والسّعي ثم أراد السّفر لقضاء ما تركه فهل له إذا وصل إلى الميقات أن يحرم بعمرة مفردة ثم يأتي بما بقي عليه، وهل يجوز

стр. 413

إن كان الوقت لم يتّسع أن يحرم بالحجّ فإذا فرغ من أعماله أتى ببقيّة أعمال حجّه الأوّل؟ هذا ملخص السّؤال. الجواب: قال في شرح المنتهى: فلو تركه، أي: طواف الزّيارة وأتى بغيره من فرائض الحجّ وبَعُدَ عن مكّة مسافة القصر رجع إلى مكّة معتمراً فأتى بأفعال العمرة ثم يطوف للزّيارة انتهى. وهذه مسألة السّائل أحد جزئياتها فيحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحجّ، فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طوافٍ وسعيٍ. أمّا إذا ضاق الوقت بأن لم يمكنه قدوم مكّة قبل الوقوف فيحرم قارناً أو مفرداً، فإذا رمى جمرة العقبة وأفاض إلى مكّة وطاف طواف الزّيارة وسعى بعده رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أوّل من طواف وسعي. فإن قدم الطوّاف والسّعي الذي تركه على طواف حجّه الذي هو في أعماله جاز ذلك؛ لأنّ وقت طواف الزّيارة والسّعي موسّع فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا وأصوله وغير مأمور. سلّم لنا على حمد بن فارس وحمد بن عبد الجبار وابن ناجم وخواص الأخوان. ومن عندنا خواص الأخوان وفيصل وآل الشّيخ وإبراهيم وابنه وكاتبه ناصر العربي يسلّم وأنت في أمان الله. والسّلام. - ٤٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ عثمان بن بشر، سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا طيبك وصحّة حالك

стр. 414

عافانا الله وإيّاكم من كلّ سوء، وأعاذنا وإيّاكم من ولاة السّوء. والإمام وآل الشّيخ وخواص الأخوان تسرك حالهم كذلك طلبة العلم نبشّرك أنّهم كثيرون ويا أخي؛ المؤمن مرآة أخيه. جعلنا الله وإيّاكم من المؤمنين. وخطك سرّني من وجه وساءني من وجهٍ. وهو السّجع والمجازفة في المدح. فيا أخي لسنا مستحقّين لشيءٍ من ذلك فلا تعالمنا بمثل ذلك دعوة صالحة خير كلمة اشتهرت على الألسنة من غير قصدٍ. وهو قول الكثير في المكاتبات إذا سأل الله شيئاً قال، وهو القادر على ما يشاء. وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شراً وكلّ ما في القرآن: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، [المائدة، من الآية: ١٢٠] .وليس في الكتاب والسّنة ما يخالف ذلك أصلاً؛ لأنّ القدرة شاملة كاملة، وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات. وإنّما قصد أهل البدع بقولهم، وهو القادر على ما يشاء، أي: إنّ القدرة لا تتعلّق إلاّ بما تعلّقت المشيئة به. وأمّا الرّجل الذي ذكرت لي عند فالذي ذكرت عنه من طرف الشّيخ ﵀ والثّناء عليه ودعوته التي أنعش الله بها الخلق الكثير والجم الغفير في آخر هذا الزّمان والمشار إليه ما نظنّ فيه إلاّ بحسن الرّأي في ذلك. بقي أنّ هنا أموراً جزئية ينبغي من صاحب المقام التّخلّق بغيرها. وأمّا الأمر الذي عمت به البلوى فالسّالم منه قليل نادر، نسأل الله التّوفيق لحسن المتاب، وأمّا ما يقول النّاس من الكذب والافتراء لأجل أغراضهم الدّنيوية؛ فهذا طبعهم خصوصاً في هذه الأوقات والذي يصدق النّاس فيما نقلوه من الأوهام والأكاذيب يتعب ويأثم. وبلغ إخوانك السّلام، ومن لدينا الإمام ومَن ذكرنا وكاتبه عبد العزيز بن موسى ينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام.

стр. 415

- ٤١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجدت بخط الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ﵀ ما صورته: مسألة: هل (عَلَيَّ الطّلاق) ، صريح أو كناية؟ أجاب بما لفظه: إنّ (عليّ الطّلاق) صريح كما قاله الضّمري. قال العلاّمة زكريا: وهو الأوجه. بل قال الزّركشي: إنّه الحقّ في هذا الزّمن لاشتهاره في معنى التّطليق. فقول ابن الصّلاح في فتاويه: إنّه لا يقع به شيء محمول على أنّه لم يشتهر في زمنه، ولم ينو به الطّلاق. وقال الرّوياني في البحر عن المزني: إنّه كناية. انتهى. والمعتمد أنّه صريح وإن جرى شيخنا العلاّمة المزني في عبابه على أنّه كناية. والله أعلم. انتهى من فتاوى ابن زياد. مسألة: رجل أسلم إلى آخر في طعامٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم طلب المستحقّ المذكور من المستحقّ عليه المذكور أن يبيع عليه أرضاً يملكها بدَين السّلم المذكور في مجلس عقد السّلم فهل يصحّ البيع أم لا؟ الجواب: لا يصحّ البيع المذكور؛ لأنّه اعيتاض عن دَين السّلم، وهو غير صحيحٍ. والله أعلم. - ٤٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رأيت في فتاوى الإمام عبد الكريم بن زياد الشّافعي ـ رحمه الله تعالى ـ ما لفظه: وأمّا الوقف على الذّكور من الأولاد دون الإناث فقد عمّ في جهة الجبال لاسيما الجهة الوصابية والقرائن مشعرة بقصد حرمانهن بل ربّما يصرّحون بذلك، فالواجب القيام في إبطال هذا الوقف، وإن كنّا لا نشترط

стр. 416

القربة في الوقف لقيام القرينة الدّالّة على قصد الحرمان الذي هو معصية. ومِمَّن أفتى ببطلان الوقف على الذّكور دون الإناث العلامّة الكمال الرّداد، وغيره. وقد أفتيت به مراراً. والله أعلم. اهـ. ورأيت في موضعٍ آخر من فتاواه أيضاً: اعلم أنّ العلاّمة الكمال الرّداد المعول عليه في الإفتاء في عصره أفتى ببطلان هذا الوقف المقترن بقصد الحرمان مع اطّلاعه على مقتضى كلام الشّيخين، وإنِّي أفتي بالبطلان لوجود المعصية، وهذا لا يخالف فيه الشّيخان ولا غيرهم، فالوقف باطل عند الشّيخين وغيرهم، وينتقض الحكم بصحّته ولا يخلو هذا القاضي من ارتكاب هوى أو عدم تأمّل لما أفتى به العلاّمة الكمال الرّداد. وكيف يسع الرّداد أن يفتي بالبطلان ويخالف الشّيخين والأكثرين كما زعم هذا الزّاعم. وهذا مما لا يجوز اعتقاده فنعوذ بالله من نسبة العلماء إلى مثل ذلك. وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السّقيم فائدة: قال شيخنا الوالد الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ تحت رسالة أعماله من مسائل الرّبا والحيل المحرّمة: إنّ الأعمام ـ رحمهم الله تعالى ـ اختاروا بعد ذلك عدم التّفصيل خوفاً من الاسترسال، وردع العامّة الذين لا يحسنون التّفصيل ولا يفهمون الشّروط إلى الوقوع في الرّبا الصّريح فحسموا المادّة حسماً تامّاً. انتهى كلامه ﵀ وعفا عنه.

стр. 417

رسائل وفتاوي للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن محسن ... رسائل وفتاوى الشّيخ عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن بن حسن بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ﵏ جميعاً ـ. - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد، سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ نحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو على نعمه. جعلنا الله وإيّاك من الشّاكرين الصّابرين. جاءنا منك خط وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضاً لاسيما في أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج، وأوصيك بتقوى الله تعالى، والقوّة في دينك ونشر العلم خصوصاً في كشف الشّبهة التي راجت على مَن لا بصيرة له، ولم يفرّق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر مَن استنصر من أهل الملّة على أهل الشّرك واجب على أهل الإيمان والدِّين. قال تعالى فيمَن ترك الهجرة واستنصر بالمؤمنين: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ، [الأنفال، من الآية: ٧٢] . ومن عقيدة أهل السّنة: أنّ الجهاد ماضٍ مع كلّ إمامٍ برٍّ أو فاجرٍ إلى يوم القيامة. واكتب لي جواباً يكون عوناً على البرّ والتقوى. وردعاً لأهل الجهل والهوى، وبلّغ سلامنا الشّيخ حسين وحسين وحسين ورشيد ورشيد وخواص الأخوان. ومن لدينا العيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام.

стр. 418

وله ـ رحمه الله تعالى ـ رسالة إلى زيد بن محمّد أيضاً وهذا نصّها: - ٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ زيد بن محمّد سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل وسرّنا سلامتك وعافيتك، وتعرف أنّ زمانك أشبه بزمن الفترات، وقلَّ مَن يعرف حقيقة الإسلام فضلاً عَمَّن يعمل به، ولله على مثلك عبودية هي من أفرض الفرائض وأجوب الواجبات، فلا تغفل عن نفسك ومعرفة ما أنت طالب به. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، [الحجر الآيتان: ٩٢-٩٣] .وبلّغ عمّك وأولادك وأولاده السّلام. كذلك إخواننا في الله والوالد والعيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام. وله ـ رفع الله درجاته وتجاوز عن سيّئاته ـ رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان أيضاً وهذا نصّها: - ٣ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المحبّ زيد بن محمّد ـ زاده الله علماً ووهب له حكما. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على سوابغ نعمه، والخط وصل وبه الأنس حصل؛ حيث أفاد سلامة مَن نحب ونشفق عليه.

стр. 419

وما ذكرت من عدم المكاتبة فليس ذلك عن إهمالٍ، وإنّما كثرة الاشتغال وتشتت البال، وعدم الشّعور بأكثر القادمين إليكم، والسّؤال عنكم كثير، والدّعاء لكم غير قليلٍ، أرجو أنّه في ذات الله ولجلاله. وما ذكرت من حال أكثر النّاس وأنّهم دخلوا في الفتنة ولا أحسنوا الخروج منها، فالأمر كما وصفت. ولكن ذكر الحافظ الذّهبي أنّ حسيناً الصّائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللّفظية، فقال: مبتدعة. فغضب أحمد وقال: اللّفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام أو كما قال؛ فأنكر على أبي ثور التّساهل في الإنكار، ورأى أنّ تعظيم الأمر والنّهي يقتضي غير ذلك من ذكر أوصافهم الخاصّة الشّنيعة، والغلظة في كلّ مقامٍ بحسبه. وفتنة البغي فتحت ناب الفتنة بالشّرك والمكفرّات ووصل دخنها وشررها جمهور من خاصّ فيها من منتسب إلى العلم وغيره. والخلاص منها عزيز إلاّ مَن تداركه الله وردّه إلى الإسلام. ومَنَّ عليه بالتّوبة النّصوح وعرف ذنبه. وبلّغ سلامنا الأولاد والأخوان، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وإسماعيل وإخوانه ينهون إليك السّلام. وأنت سالم. والسّلام. وله أيضاً ـ قدّس الله روحه ونوّر ضريحه ـ رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها: - ٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم المحبّ زيد بن محمّد آل سليمان، حفظه الله تعالى من طوائف الشّيطان، وجعلنا وإيّاه من أوعية العلم والإيمان، وحرسنا وإيّاه من مضلات الفتن وتلاعب الشّيطان.

стр. 420

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيءٍ قدير. وأسأله اللّطف بنا وبكم، وبكافّة المسلمين عند كلّ كربٍ عسيرٍ، وقد بلغكم خبر الوقعة التي جرت على إخوانكم وتفاصيلها عن ألسن القادمين. وقد لطف الله بنا ودفع ما هو أشدّ وأعظم من استباحة البيوت والمحارم حين صارت الهزيمة، وجنّب عبد الله الديرة وكتب لسعود خطاً، ونادى في مخيمه بالكفّ عن الرّياض، وأنّ البلد سلمت فدفع الله بذلك شرّاً عظيماً. وفي اليوم الثّاني وصلته في مخيمه، وأكثرت عليه في أمر المسلمين، وأظهر القبول وكفّ عن كثيرٍ من النّاس، وأدخل له طارفة في القصر واستقرّ أمره. وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه وهل عند رسم دارسٍ من معولٍ. فالجواب: مساعدة إخوانكم بصالح الدّعاء ونشر العلم وبذل النّصائح وتقديم خوف الله على مخافة خلقه، وما منكم من أحدٍ إلاّ وهو على ثغرٍ من ثغور الإسلام فلا يؤتى الإسلام من قبله، كذلك هذه الشّبهة التي حصلت والمكاتبات التي رسمت في شأن هذه الفتن مِمَّن ينتسب إلى العلم والدِّين، لا يسوغ لمثلك السّكوت عليها بل يجب التّنبيه على ما فيها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ ، [الطّلاق، من الآية: ٢] .فاكتب لي بما يسّر عن مثلك وما هو الظّنّ بك، ولقولك بحمد الله موقع في نفوس المسلمين، كذلك لا تدّخر نصح سعود بالكتابة والنّصائح والتّذكير وابسط القول. وبلّغ السّلام الشّيخ حسين وأخبره أنّ حمولته بعافية ما مسّهم سوء، ولا تنسنا من صالح دعائك. والعيال: عبد الله وعبد العزيز أصابهم جراح سليمة إن شاء الله وهم يبلّغون السّلام. والسّلام.

стр. 421

وله أيضاً ﵀ رحمة الأبرار، وجمعنا به في دار القرار ـ رسالة أيضاً إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها: - ٥ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد لا زال من العلم في مزيد، مناضلاً عن الإيمان والتّوحيد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه. والأخبار عن سلامتك وعافيتك تسرّنا لاسيما في وقت الهرج والفتن، وتتابع الزّلازل والمحن، عصمنا الله وإيّاك بالإسلام على كلّ حالٍ وفي كلّ حالٍ. وما ذكرت من وصول الخط وتدبّر ما فيه صار معلوماً، نسأل الله أن ينفعنا وإيّاك بمواعظ كتابه وزواجر خطابه، وتذكر أنّه ما اعترض على حمد بن عتيق إلاّ طلبته وبعض إخوان الحوطة، وأنّهم ما نقموا إلاّ الميل مع أحد الرّجلين. فلا يخفاك أنّ المقام مقام ضنك واشتباه لا ينخلص منه إلاّ مَن كان له نصيب وافر من نور الوحي والوراثة النّبويّة، ومَن سلم من الهوى وأدركته العناية الرّبانية. وفي حديث حذيفة: فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال:"فتن كطقع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيّاً من أي".انتهى. ومَن أشرت إليه من أهل الاعتراضات عامّتهم قد عرف قصورهم عن مقاومة الخصوم الفضلاء وأنَّى يدرك الضّالع شأو الضّليع، وترجيح أحد الرّجلين لا يذمّ مطلقاً إلاّ إذا خلا من مرجّح شرعي. فالواجب عليك سدّ الباب عمّا يوهن الإسلام والتّوحيد، ويقوّي جانب الشّرك والتّنديد، فمن هذا الباب دخل من

стр. 422

كاتب العساكر ووالاهم وساكنهم وجامعهم، ولله ما استبيح بهذه الشّبهة من عرضٍ ومالٍ ودمٍ، وما أصاب الإسلام من نقصٍ وهدمٍ وهضمٍ. ومثلك لو سدّ هذا الباب، وأغلظ في الخطاب والجواب حتّى تتّفق الكلمة ويجتمع أهل الإسلام على جهاد عدوّ الله وعدوّهم، لكان خيراً وأقوم قيلاً، وأهدى عند الله منهجاً وسبيلاً. والشّيخ محمّد بن عجلان رسالته عندي أظنّها بقلم ولده فجحدها مكابرة، والأولى لنا وله التّوبة ظاهراً من الجناية الظّاهرة، لئلا يضلّ الغاوي ويحلّ القدر السّماوي؛ ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، [المائدة: ٧٤] . وقد عرفت ما جرى وقت إسماعيل وخالد وما قيل فيمَن ركن إليهم واستنصر بهم وقاتل تحت رايتهم، بل قد عرفت ما قيل وما أفتى به المشايخ الأعلام فيمَن أقام بين ظهرانيهم وإن لم يحصل منه غير ذلك، ولكن الإسلام يخلق كما يخلق الثّوب وتضمحل حقائقه من القلوب حتّى لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً. والفتنة بالسّكوت عن نصر دِين الله من هؤلاء المنتسبين إلى العلم أضرّ على الإسلام من بعض كلام غيرهم من العامّة. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يعيذنا وإيّاكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يَمُنَّ علينا بالثّبات على دينه وسلوك سبيل رسوله؛ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ ، [الأحزاب: ٣٩] . وبلّغ سلامنا الأولاد والشّيخ حسين وحسين بن عليّ، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وأعمامه بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام. انتهى. وقد ورد عليه ـ رحمه الله تعالى ـ صورة استفتاء.

стр. 423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجه تسطيره والباعث على رقمه وتحريره هو أنّ الشّيخ أحمد بن عثمان بن شبانة لما ترشح للولاية حين كان يومئذٍ أهلاً لذلك نصب نفسه للاستنابة للمسلمين عدلاً منه، فأجر الشّيخ أحمد بن محمّد قطعة الأرض التي في قبلية الرّميحية وهي وقف إبراهيم بن سيف تصرّف غلتها على قوَّام دلو مسقاة مسجد إبراهيم بن سيف في الحوش في بلد المجمعة، فكانت حينا تزرع وأكثر الأعوام ما تزرع، فاجتهد أناس عدول في النّظر في المصلحة في دلو مسقاة، وفيما هو أنفع للمسلمين. وأنّ المصلحة أن تؤجّر الأرض المذكورة عدّة سنين، فتجعل الأجرة مقسطة على الأعوام فآجر أحمد المذكور أحمد المذكور الأرض المفروزة المحصورة كلّ عامٍ بعشرين محمّدية بصرية من ضرب البصرة الرّائجة يومئذٍ بين النّاس، فاستأجر أحمد المذكور من أحمد المذكور مع توفّر أركان الإجارة الخمسة المعروفة عند أهل المعرفة فصحّت الإجارة للإتيان بشروطها الثّلاثة المعتبرة، فصارت إجارة شرعيةً صحيحةً لازمةً مرضيةً جاريةً على قانون الشّرع وجادته النّقية وأحكامه الواضحة الجليّة. لا يتطرّق إليها بطلان ولا فساد بالكلّيّة، فبموجب ذلك شرعاً وصحّته ونفوذه ولزومه حكماً لم يبق لِمَن آجر ولا لِمَن يأتِي من جهتهم في ذلك المؤجّر حقاّ ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكاً ثابتاً وحقّا لازماً ومالاً محيوزاً لأحمد بن محمّد التّويجري يتصّرف فيه ما شاء بما شاء من غير مانعٍ ولا موازع. شهد على ذلك من أوّله إلى آخره الشّيخ سليمان بن عبد الوهّاب.

стр. 424

وشهد على ذلك من أوّله إلى آخره وحرّره وأثبته وثبت عنده وصحّ شرعاً وأمضاه وألزمه حكماً خادم الشّرع الشّريف الفقير إلى عفو ربّه سبحانه محمّد بن عثمان بن عبد الله بن شبانة. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. جرى ذلك سنة: ١١٨٦هـ. فأجاب عن ذلك بما يأتي: - ٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخوان: حمد بن ركبان، وسليمان الحقيل، ومحمّد الحمضي، وعبد الله السّناني، وحمد بن عثمان بن صالح، وعبد الله بن محمّد، وعثمان بن عبد الله بن عولة، وجماعة أهل مسجد إبراهيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصورة الحفيظة وصلت، وما ذكرتم صار معلوماً خصوصاً من جهة الصّبرة التي في وقف ابن سيف وما أصابه من التّعطيل فلا يخفاكم أنّ مدّة الإجارة إذا انقضت وفي الأرض شجر أو بناء فيبقى الشّجر والغرس والبناء بأجرة المثل إن شاء ربّ الأرض، فإن كانت وقفاً فأمرها إلى النّاظر الخاصّ إن كان، وإلاّ فإلى الحاكم الشّرعي؛ لأنّ له النّظر العامّ ولا عبرة بأجرة الأرض مدّة الإجارة المذكورة بعد انقضائها، فالذي أرى أنّ الأرض المغروسة تبقى على عادة المغارسة في تلك البلد حتّى يفنى الغراس ولا يحتاج لذكر مدّة. هذا إن كان فيه مصلحة الوقف، وإلاّ فالأمر إلى النّاظر المتقدم ذكره. والحجّة التي نقلت من وثيقة ابن شبانة وصلت إلينا ولها مائتا سنة وسنتان، وعلى القول بصحّتها قد انقضت

стр. 425

مدّة الإجارة التي يصحّحها بعض الفقهاء مع أنّ الوثيقة لم تذكر فيها مدّة الإجارة، وترك ذكر المدّة للعقد فيحتمل أنّ المدّة ذكرت في مجلس العقد ولم تذكر في الوثيقة. والله أعلم أيّ ذلك كان. وفي الحجّة أنّ ابن شبانة نصيب نفسه وتولّى الأحكام من غير ولاية شرعية، والإجارة لم تصدر عمَّن يعتبر تصرّفه في الوقف. وفي الحجّة أنّه قال: لم يبقَ لِمَن آجر ولا لِمَن يأتي من جهته في ذلك المؤجر حقّ ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكاً ثابتاً وحقّاً لازماً ومالاً محيوزاً لأحمد بن محمّد التّويجري، وليس الأمر كذلك في الإجارة؛ لأنّ الملك للمؤجّر لا للمستأجر، والمستأجر له الانتفاع فقط، وإنّما يقال ذلك في البيع الشّرعي. وهذا الجهل قادح في حكمه، وليس للمستأجر إلاّ ما أحدث من شجرٍ أو بناءٍ. وبعد انقضاء مدّة الإجارة يبقى في الأرض بأجرة المثل إن شاء النّاظر وكانت المصلحة في ذلك كما تقدم. وبلّغوا سلامنا الجماعة. والعيال يسلّمون عليكم. والسّلام. سنة: ١٢٨٩هـ. وصلّى الله على محمّد وآله وأصحابه أجمعين. - ٧ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم الشّيخ عبد العزيز بن حسن ـ سلّمه الله تعالى ـ. آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على نعمه. وخطك وصل وتأخّر جوابه لكثرة الاشتغال. والله المستعان. وتسأل عن وجوب صلاة الجمعة على أهل القرى الذين لم يبلغ العدد فيهم أربعين من أهل الوجوب.
следующие страницы →