Полный текст (564 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قال عبد الله: "ومن حمل على فرس في سبيل الله فباعه المحمول، ثم وجد الحامل يباع فلا يشتريه" (١) .
قال أبو حنيفة: يكره ذلك فإن اشتراه فجائز (٢) .
* * * الحواشي
(١) يشير إلى حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي أخرجه البخاري ٢/ ٥٤٢، حديث رقم: ١٤١٨، ومسلم ٣/ ١٢٣٩، حديث رقم: ١٦٢٠. ولفظ الحديث: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حَمَلَتُ على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه"، ومعنى حملت: أي تصدقت به عليه ليركبه في الجهاد، فأضاعه: أي لم يقم بشؤونه وما يرعاه، وقد نقل أشهب عن مالك قوله كما في المدونة الكبرى ١/ ٣٥١: وأحب إلي أن يترك المرء شراء صدقته وإن كان قد دفعها وقبضت منه.(٢) شرح مشكل الآثار ١٣/ ٢٣، قال الطحاوي بعد ذكر حديث الباب وغيره من الآثار: فوجب بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله ﷺ أن تكون إعادة المتصدق صدقته بالابتياع وبما أشبهه من الأشياء التي تكون منه كالقبول لها في هبة له أو في صدقة عليه أو فيما سوى ذلك من وجوه التمليكات مكروهًا له، وأن إعادة الله إياها إلى ملكه بتوريث له إياها عن من تصدق بها عليه غير مكروه له إذ لم يكن ذلك بارتجاعه إياها.стр. 492
باب الهبة (١)
قال عبد الله: "ومن وهب هبة للثواب فصاحبها أحق بها ما لم يثب منها (٢) ، والذي وُهب له بالخيار؛ إن شاء ردها وإن شاء أثاب منها، فإن أثاب قيمتها فليس عليه أكثر من ذلك، فإن أبى ذلك ربها لزمه ما أعطاه من قيمتها، فإن فاتت الهبة فلوليها قيمتها" (٣) .
قال أبو حنيفة: إذا وهب لذي رحم فليس له أن يرجع فيها، ولا الحواشي
(١) انظر ما سبق في تعريف الصدقة، وقد ثبتت مشروعية الهبة في الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] ومن السنة قوله ﷺ : "تهادوا تحابوا". والهدية هي الهبة، وقبوله ﷺ هدية المقوقس وهو كافر، كما قبل هدية النجاشي وهو مسلم وتصرف بها وهداه أيضا دليل قاطع على ما نقول.
وأما الإجماع فقد انعقد على جوازها ومشروعيتها، بل على استحبابها بجميع أنواعها، لما فيها من التعاون على البر والتقوى وإشاعة الحب والتواد بين الناس. انظر بتصرف: المصدر السابق.(٢) ورد في هذا حديث أخرجه الدارقطني ٣/ ٤٣، وغيره من حديث عمر بن الخطاب؛ ولفظه: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها".
قلتُ: وهذا الحديث لم يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ بل قال البيهقي: فهو وهم والمحفوظ عن عمر موقوفًا. وقال الدارقطني بعد أن روى الحديث: لا يثبت هذا مرفوعًا والصواب عن بن عمر عن عمر موقوفًا، كما نقل البيهقي ٧/ ١٨١، عن البخاري أنه قال: هذا أصح. أي موقوفًا. والله أعلم. أضف إلى ما سبق أنه مخالف لقوله ﷺ : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه. متفق عليه.(٣) تفسير القرطبي ١٤/ ٣٧، وفي الموطأ ٢/ ٧٥٤، قال يحيى: سمعت مالكًا يقول الأمر المجتمع عليه عندنا أن الهبة إذا تغيرت عند الموهوب له للثواب بزيادة أو نقصان فإن على الموهوب له أن يعطي صاحبها قيمتها يوم قبضها.стр. 493
يثاب منها، وإن وهب [لغير ذي رحم] (١) فإن أثاب منها قلَّ ذلك أو كثر لم يكن له أن يرجع فيها، وإن تلفت الهبة وأزالها الموهوب له مِنْ ملكه لم يكن عليه ثواب، ولا له أن يرجع فيها ما كانت قائمة لم تثبت منها (٢) .
قال الشافعي: ليس لثواب الهبة شيء إذا قبضها الموهب له؛ فإن شاء ثاب وإن شاء لم يثب (٣) .
قال أحمد بن حنبل: لا يرجع فيها إذا قبضها الموهوب له (٤) ، لحديث النبي ﷺ "العائد في هبته" (٥) .
قال إسحاق: بلى له أن يرجع فيها إذا وهبه له على إرادة الثواب (٦) .
قال عبد الله: "ومن وهب الثواب فليس يحتاج إلى حيازة (٧) ، وإن مات قبل أن يقبض فورثته بمنزلته، وإن مات الو اهب كان على حقه" (٨) . الحواشي
(١) ما بين المعكوفين غير واضح بالمخطوط، فاستدركته من كلام الشيباني من روايته في الموطأ.(٢) انظر هذه المسألة: الموطأ رواية محمد بن الحسن ٣/ ٢٢٧، المبسوط ١٢/ ٨٥ - ٩٣، حاشية ابن عابدين ٨/ ٤٦٢، عمدة القاري ٣٤/ ٤٩٢، بدائع الصنائع ٦/ ١١٧.(٣) الأم ٧/ ٢٣٢، المجموع ١٥/ ٣٨٣ - ٣٨٤.(٤) مسائل الإمام أحمد المسألة رقم ٣٠٤٩.(٥) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها ٢/ ٩١٤، حديث رقم: ٢٤٤٩، ومسلم في باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل ٣/ ١٢٤٠، حديث رقم: ١٦٢٢، وهو من حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه".(٦) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ٨/ ٤٢٨٢.(٧) الحيازة: من حاز الشيء إذا ضَمَّهُ إلى نفسه، وضَمِنَه.(٨) شرح البخاري لابن بطال ٧/ ١٠٦، المنتقى ٣/ ٤٥٥، شرح الخرشي ١٩/ ١٠٦، حاشية الدسوقي ٤/ ١١٤، الثمر الداني ص ٥٥٦، كفاية الطالب ٢/ ٣٤٥، قال ابن =стр. 494
قال أبو حنيفة: لا بد من حيازة وإلا فهي باطلة (١) .
قال عبد الله: "ومن وهب لصلة رحم فلا رجعة فيها، ومن وهب لله فهو كذلك أيضًا، ومن وهب هبةً يرى أنها للثواب فهو على هبته ما لم يثبت منها (٢) ، ومن تصدق بصدقة فلا رجعة له فيها ولا ثواب عليه (٣) ، وإذا وهب الوالدُ الكبيرَ [من] ولده أو الصغيرَ فله أن يعتصرها (٤) ما لم يستحدث الابن دينًا أو ينكح امرأة" (٥) .
قال أبو حنيفة: ليس له أن يعتصر رهقه دينٌ أو لم يَرْهَقه (٦) .
قال الشافعي: إن ذهب لولد له كبير وحازها الولد فليس للأب أن يرجع فيها (٧) .
قال عبد الله: "والأم تعتصر أيضًا من ولدها ما لم يكونوا يتامى، ولا يجوز لأحد أن يعتصر إلا الوالدين (٨) ، ومن نحل ابنا له صغيرًا نحلًا يعرف الحواشي
(١) الحجة ٣/ ٩٦، المبسوط ١٢/ ٩١.(٢) الموطأ ٢/ ٧٥٤، شرح صحيح البخاري لابن بطال ٧/ ١٤١، التمهيد ٧/ ٢٣٧.(٣) أي لا ينتظر الثواب من الموهوب له؛ لأنه قصد بها وجه الله تعالى كالتصدق لصلة الرحم، وكل ما كان حسبة لله تعالى.(٤) الاعتصار في الهبة: الرجوع فيها.(٥) المدونة ٤/ ٤٠٩ - ٤١٠، صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٤٢٤، التمهيد ٧/ ٢٣٧، فتح العلي المالك ٥/ ٤٥.(٦) شرح معاني الآثار ٤/ ٧٩، المبسوط ١٢/ ٩٦، بدائع الصنائع ٦/ ١٢٨.(٧) جواهر العقود ١/ ٣١٤.(٨) المدونة ٤/ ٤٠٩، الرسالة لابن أبي زيد ص ١١٧، المختصر للخليل ص ٢١٥ .... =стр. 495
بعينه وأشهد عليه فهو له، وإن وليه أبوه، وإن نحل ابنًا له كبيرًا فليس منفعة حتى يحوزه، فإن مات أبوه قبل أن يحوزه بطل ذاك ولم يجز له (١) ، ولا بأس أن ينحل الرجل بعض ولده دون بعض ماله كله، فإن فعل ذلك مضي" (٢) .
قال الشافعي ﵁: لا أحب للرجل أن ينحل بعض ولده دون بعض وليعدل بينهم (٣) . الحواشي
(١) بداية المجتهد ٢/ ٣٣٠، البيان والتحصيل ١٣/ ٣٥٩، المنتقى ٤/ ٩١، شرح الزرقاني ٤/ ٩٦، وقد نقل ابن عبد البر في الاستذكار ٧/ ٣٠٧، فقال: قال مالك: الامر عندنا أن من نحل ابنا له صغيرا ذهبا أو ورقا ثم هلك وهو يليه أنه لا شيء للابن من ذلك، إلا أن يكون الأب عزلها بعينها أو دفعها إلى رجل وضعها لابنه عند ذلك الرجل، فان فعل ذلك فهو جائز للابن.(٢) جاز على المذهب، لكن ذلك مكروه انظر: التفريع ٢/ ٣١٥، التمهيد ٧/ ٢٢٥، ونقل نحو ذلك ابن هبيرة فقال في كتابه اختلاف العلماء ٢/ ٥٣، وقال مالك: يجوز أن ينحل الرجل بعض ولده بعض ماله ويكره أن ينحله جميع ماله وإن فعل ذلك نفذ إذا كان في الصحة.(٣) انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر ٥/ ٢١١، ودليله حديث النعمان بن بشير ﵁: أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا فقال: أكل ولدك نحلت مثله، قال: لا. قال: فارجعه. أخرجه البخاري ٢٤٤٦، ومسلم ١٦٢٣، وفي لفظ قال: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً فأمرتْنِي أن أشهدك يا رسول الله قال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ ". قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". قال: فرجع فرد عطيته. أخرجه البخاري ٢٤٤٧.стр. 496
قال عبد الله بن عبد الحكم: "لا بأس أن يخرج ماله كله لله، ومن أعطى رجلًا عطيةً فهي له، وإن لم يخرجها حتى مات بها الذي أعطاه إياها فلا شيء له، وإذا مات المعطي فورثته يقومون على العطية مكانه فيأخذونها، فإن لم يجزها من أُعطيها حتى حضرتْ الذي أعطاه الوفاةُ فلا خيار له (١) ، ومن تصدق على ابنه بمال عين، والابن صغير وحاز له وأشهد عليه؛ فلا يجوز ذلك وهو مردود، إلا أن يتصدق عليه بما يشهد عليه من عبدٍ بعينِهِ أو دار بعينه أو دابة أو بشيء يعرف بعينه، ويشهد عليه فيحُوزه له أبوه فتجوز حيازة الأب لابنه" (٢) .
قال الشافعي: ومن تصدق على ابن له صغير بمال أو غيره قبضة له من نفسه وأشهد عليه فذلك جائز (٣) .
* * * الحواشي
(١) وجاء في الموطأ ٢/ ٧٥٣، ما نصه: قال مالك ومن أعطى عطية ثم نكل الذي أعطاها فجاء الذي أعطيها بشاهد يشهد له أنه أعطاه ذلك عرضًا كان أو ذهبًا أو ورقًا أو حيوانًا أحلف الذي أعطي مع شهادة شاهده، فإن أبى الذي أعطي أن يحلف حلف المعطي وإن أبى أن يحلف أيضًا أدى إلى المعطى ما ادعى عليه إذا كان له شاهد واحد، فإن لم يكن له شاهد فلا شيء له.(٢) وقد نقل هذا النص بحروفه عن الإمام مالك؛ الجصاص في كتابه مختصر اختلاف العلماء ٣/ ١٦٥، وانظر أيضًا: الرسالة لابن أبي زيد ص ١١٨، الكافي ٢/ ١٠٠٨، مختصر خليل ص ٢١٣، حاشية الدسوق ٤/ ١٠٧.(٣) الأم ٧/ ١١٦ - ١٢٠، الحاوي ٨/ ٣٧٩.стр. 497
باب الوصايا (١)
قال عبد الله بن عبد الحكم: "وللمريض أن يوصي (٢) من ماله بثلثه لا يجوز له أكثر من ذلك إلا أن يجيز له ورثته (٣) ، ....................... الحواشي
(١) الوصايا: جمع والمفرد: الوصية، وهي لغة: العهد إلى الغير، أو الأمر. وشرعًا: هبة الإنسان غيره عينًا، أو دينًا، أو منفعة، على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي.
وقد تشمل الوصية ما هو أعم من ذلك، فتكون بمعنى: الأمر بالتصرف بعد الموت -كما عرفها بعضهم بذلك- فتشمل الوصية لشخص بغسله، أو الصلاة عليه إمامًا، أو دفع شيء من ماله لجهة.
وأركان الوصية: أربعة الموصي والموصى له والموصى به والوصية، قال ابن رشد الحفيد: أما الموصي فاتفقوا على أنه كل مالك صحيح الملك، ويصح عند مالك وصية السفيه والصبي الذي يعقل، وقال أبو حنيفة لا تجوز وصية الصبي الذي لم يبلغ، وعن الشافعي القولان، وكذلك وصية الكافر تصح عندهم إذا لم يوص بمحرم، وأما الموصى له فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث لقوله ﷺ : "لا وصية لوارث".
انظر: بداية المجتهد ٢/ ٣٣٤، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة ص ٢٧٢، لجماعة من العلماء.(٢) قال ابن قدامة في المغني ٦/ ٤٤٤: وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية.(٣) والأصل فيه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: عادني النبي ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت: يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا". قلت فالثلث؟ قال: "والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في "امرأتك". قلت: يا رسول الله أأخلف بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة". رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة. =стр. 498
ولا وصية لوارث (١) إلا أن يخير الورثة (٢) ، فذلك مردود إلى (٣) كتاب الله (٤) ، ومن أوصي بعتق رقبة بعينها وبوصايا تطوعًا فالعتق يبدأ على الوصايا" (٥) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود ٢٨٧٢، والترمذي ٢١٢٠، والنسائي ٣٦٤٣، وابن ماجه ٢٧١٤، وأحمد ٥/ ٢٦٧، مرفوعا: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". وقد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم: أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك وعمرو ابن خارجة وغيره، وهو حديث صحيح صححه الترمذي قال البوصيري: في الزوائد إسناده صحيح.(٢) الاستذكار ٥/ ٣٦٦، الذخيرة ٧/ ٧، البهجة ٢/ ٥١٥.(٣) في الأصل: "على".(٤) يقصد ابن عبد الحكم ﵀ بهذه العبارة أنه لم يذكر أحكام المواريث في هذا المختصر، فاكتفى بالإشارة إلى كتاب الله لمن أراد معرفة أصول هذا الفن، وللحافظ ابن عبد البر ﵀ تحرير دقيق لهذه المسألة في كتابه التمهيد ١١/ ٩٧ - ٩٨ نرى إيراده هنا كاملًا للأهمية قال: … وفيه أن الفرائض في المواريث لا يثبت منها إلا ما كان نصًّا في الكتاب والسنة ولو استدل مستدل بقول أبي بكر وعمر هذا على أن لا علم إلا الكتاب والسنة لجاز له ذلك، ولكن للعلماء في القياس كلام قد ذكرت منه ما يكفي في كتاب العلم، والاستدلال الصحيح من قول أبي بكر وعمر للجدة مالك في كتاب الله شيء على أن الفرائض والسهام في المواريث لا تؤخذ إلا من جهة نص الكتاب والسنة استدلال صحيح، ولا خلاف في ذلك بين العلماء فأغنى عن الكلام فيه، إلا أنهم أجمعوا أن فرض الجدة والجدات السدس لا مزيد فيه بسنة رسول الله ﷺ ، والفرائض والسهام مأخوذة من كتاب الله نصًّا ما عدا الجدة فإن فرضها بسنة رسول الله ﷺ من نقل الآحاد على ما ذكرنا في هذا الباب، ومن إجماع العلماء أن رسول الله ﷺ قضى بذلك، وقد قال رسول الله ﷺ عام حجة الوداع: "إن الله قد أعطى كل ذي فرض فرضه فلا وصية لوارث". وفي هذا ما يدل على صحة ما ذكرنا وبالله توفيقنا. انتهى.(٥) البيان والتحصيل ٢١/ ٥٤، تهذيب المدونة ١/ ٣٦٢، منح الجليل ٩/ ٥٤٢، قال مالك وأرى أن يبدأ على الوصايا مثل العتق بعينه، والولاء للموصى له به أو =стр. 499
قال إسحاق بن راهويه (١) مثل قول ابن عبد الحكم: لا بل يبدأ بالعتاقة لما قال ابن عمر في ذلك (٢) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٨/ ٤٣١٢.(٢) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٠، والبيهقي ٦/ ٢٧٧، بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر قال: إذا كانت عتاقة ووصية بدئ بالعتاقة.стр. 500
قال أبو حنيفة: إن كان أوصي أن يعتق عنه عبيدًا حاصوا (١) أهل الوصايا، وإن أعتق هو بعد موته للعبد بدئ بهم قبل أهل الوصايا (٢) .
قال الشافعي: في الرقبة وغيرها يتحاصون في الثلث (٣) .
وقال أحمد بن حنبل (٤) مثل قول الشافعي: يتحاصون (٥) ؛ لأن النبي ﷺ جعل العتق في الثلث (٦) .
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ومن استأذن ورثته أن يوصي بما لا يجوز له وهو مريض، فإن نوى له فأنفذه فذلك جائز عليهم" (٧) . الحواشي
(١) يقال: تحاص الغرماء: اقتسموا المال بينهم حصاصًا. من المحاصة. وقد يعني: بيان حصة كل مستحق. انظر: المصباح المنير ١/ ١٣٩، معجم لغة الفقهاء ١/ ٤٩٤.(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٩٣، تبيين الحقائق ٦/ ١٨٥.(٣) الأم ٤/ ٩٦، الحاوي ٨/ ٢١٢.(٤) مسائل الإمام أحمد وإسحاق المسألة رقم ٣٠٧٦.(٥) من المحاصة، يقال: تحاص الغرماء: أي اقتسموا المال بينهم حصاصًا.(٦) أخرجه الشافعي في الأم ٨/ ٤، وفي اختلاف الحديث ص ٥٦٢، بسند صحيح عن عمران بن حصين أن رجلا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مماليك ليس له مال غيرهم أو قال أعتق عند موته ستة مماليك ليس له شيء غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال فيه قولا شديدًا ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.
قال الشافعي عقب الحديث: وبهذا كله نأخذ وكل واحد من هذه الأحاديث ثابت عندنا عن رسول الله.(٧) المعونة ٢/ ٥٠٩، التمهيد ١٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨، تفسير القرطبي ٢/ ٢٦٩، قال ابن عبد البر: واختلف الفقهاء في إجازة الورثة الوصية في حياة الموصي إذا أوصى لورثته أو بأكثر من ثلثه واستأذنهم في ذلك وهو مريض، فقال مالك: إذا كان مريضًا واستأذن ورثته في أن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من ثلثه فأذنوا له وهو مريض محجور عن أكثر من ثلثه لزمهم ما أجازوا من ذلك، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي =стр. 501
قال أبو حنيفة: كلاهما سواء ولهم أن يرجعوا مريضًا [كان] أو صحيحًا (١) .
قال الشافعي: لا يجوز حتى تجيزه الورثة بعد وفاته (٢) .
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ووصية الغلام جائزة إذا لم يبلغ الحلم" (٣) .
قال أبو حنيفة: لا تجوز وصية الغلام حتى يحتلم (٤) .
قال أحمد بن حنبل: الغلام وصيته جائزة إذا كان ابن اثني عشر أو الحواشي
(١) انظر: الموطأ برواية الشيباني ٣/ ١١٩، المبسوط ٢٨/ ٧١، الفتاوى الهندية ٦/ ٩٧ - ٩٩.(٢) الأم ٨/ ٥، الحاوي ٨/ ١٩٤، وجاء في التنبيه ١/ ١٤٠: فإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له بطلت الوصية فيما زاد على الثلث، وإن كان له وارث ففيه قولان أحدهما: تبطل الوصية والثانى: تصح وتقف على إجازة الوارث فإن أجاز صح وإن رد بطل.(٣) الموطأ ٢/ ٧٦٢، شرح الزرقاني ٤/ ٧٦، التاج والإكليل ٦/ ٣٦٤، شرح الخرشي ٥/ ٢٩٤، وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٧/ ٢٧٠: أما وصية الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من القول والفعل فوصيته جائزة ماضية عند مالك والليث وأصحابهما، ولا حد عندهم في صغره عشر سنين ولا غيرها إذا كان ممن يفهم ما يأتي به في ذلك وأصاب وجه الوصية.(٤) الفتاوى الهندية ٤/ ٧١، المحيط البرهاني ٨/ ٣٠.стр. 502
عشر سنين (١) .
وقال إسحاق مثل ذلك في الغلام لأنه يحتلم من اثني عشر، وأما الجارية فإذا زادت على التسع جازت وصيتها، لأنها قد تلد في العشر (٢) .
قال عبد الله: "ووصية المولى جائزة، وللرجل أن يوصي بثلثه، ومن يليه من ولده إلى من شاء إذا كان ثقة لذلك، ولا يجوز للوصي على من يلي قول إذا ادعى أنه قد دفع إليهم أموالهم، إلا أن يقر بذلك الورثة" (٣) .
قال أبو حنيفة: قول الوصي مقبول ألا ترى أن المال لو ضاع كان القول قوله، وكذلك الوديعة (٤) .
قال [عبد الله]: "وإن أقر عند موته بديون وأمانات فذلك جائز عليهم" (٥) .
قال أبو حنيفة: ذلك عليه، والأمانات دين ما لم يصب فهي دين الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد وإسحاق المسألة رقم ٣٠٤٣، وقال ابن قدامة في المغني ٦/ ٥٥٨: ومن جاوز العشر سنين فوصيته جائزة إذا وافق الحق، هذا المنصوص عن أحمد فإنه قال في رواية صالح وحنبل: تجوز وصيته إذا بلغ عشر سنين.(٢) وتمام كلام إسحاق كما في مسائله المسألة رقم ٣٠٤٣: تجوز وصية كل موصٍ من الغلمان إذا بلغ اثنتي عشرة سنة، لما يحتلم الغلام لهذا الوقت، وأما الجارية فإذا زادت على التسع جازت وصيتها، لما تلد في العشر.(٣) المدونة ٤/ ٣٣٦، مواهب الجليل ٨/ ٥٧٤ - ٥٧٩، شرح الخرشي ٨/ ١٩٥.(٤) تبيين الحقائق ٤/ ٢٠٦، البحر الرائق ٨/ ٥٣٥، مجمع الضمانات ٢/ ٨٢٧.(٥) الكافي ٢/ ٨٨٧، المدونة ٣/ ٦٦٤، قال مالك: قال: إذا أقر بوديعة بعينها أو بمال قراض في مرضه وعليه دين في صحته ببينة أن إقراره جائز بما أقر به ويأخذ أهل الوديعة وديعتهم وأهل القراض قراضهم.стр. 503
عليه (١) .
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ومن أوصى لرجل بنفقة عليه ما عاش فذلك جائز ويعمر، ثم يخرج له ما يكفيه قدر النفقة على ذلك المعمر فيوقف له" (٢) .
قال أبو حنيفة: ليس التعمير بشيء فيوقف له الثلث (٣) .
وقال الشافعي: يجوز ذلك من الثلث (٤) .
قال عبد الله: "ومن أوصى بوصايا وقد وقع له ميراث فلم يعلم بها، فإنما وصيته فيما علم به من ماله وليس وصيته فيما لم يعلم به" (٥) .
قال أبو حنيفة: الوصية في الكل فيما علم وفيما لم يعلم، ألا ترى أن رجلًا لو أوصى ولا شيء له، ثم أفاد مالا، إلا أن الوصية في ذلك، فهذه وهذه واحدة (٦) .
* * * الحواشي
(١) انظر هذه المسألة: البحر الرائق ٧/ ٢٥٤، مجمع الأنهر ٣/ ٤١٤، حاشية ابن عابدين ٨/ ٦٥، وفي المبسوط ١٨/ ٢٣، قال السرخسي: وإذا أقر المريض بدين ثم مات في مرضه ذلك تحاص الغرماء في ماله، سواء كان الإقرار منه في كلام متصل أو منفصل.(٢) التفريع ٢/ ٣٣٠، البيان والتحصيل ١٣/ ٢٩٠، الذخيرة ٦/ ٢١٨.(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ١٤١، شرح معاني الآثار ٤/ ٩١ - ٩٤.(٤) التنبيه ١/ ١٣٨، الحاوي ٧/ ٥٣٩ - ٥٤٢، المجموع ١٥/ ٣٩٦.(٥) التفريع ٢/ ٣٢٩، الذخيرة ٧/ ٩٥.(٦) لم أقف على نص كلام أبي حنيفة هذا.стр. 504
[باب في الرضاع وما يحرم منه] (١)
[قال عبد الله]: "وما كان بعد الحولين فلا يحرِّم شيئا إلا أن يكون بعد الحولين بالأيام اليسيرة" (٢) .
وكان أبو حنيفة يقول: الأيام اليسيرة ستة أشهر، فما كان أكثر فلا رضاع (٣) .
وكان أبو يوسف يقول: حولين فما كان بعد فليس برضاع (٤) .
قال الشافعي: لا يحرم في أقل من خمس رضعات (٥) . الحواشي
(١) ما بين المعكوفين غير موجود بالأصل، ثم إن هذا انتقالٌ غريبٌ يكون من باب الوصية إلى باب الرضاع، مع التباعد الشديد بين البابين في ترتيب الأبواب الفقهية المعروفة، ولعل ذلك يعود إلى خطأ الناسخ في ترتيب مسائل الكتاب. والله أعلم.(٢) الذخيرة ٤/ ٢٧٢، وفيها قال مالك: يحرم بعد الحولين بالأيام اليسيرة. وإليه ذهب سحنون وروي عنه بعدها بشهر وروي بثلاثة أشهر.(٣) بدائع الصنائع ٤/ ٦، قال الكاساني: إلا أن أبا حنيفة استحسن في تقديره مدة إبقاء حكم الرضاع بعد الحولين بستة أشهر لأنه أقل مدة تغير الولد فإن الولد يبقى في بطن أمه ستة أشهر يتغذى بغذائها ثم ينفصل فيصير أصلًا في الغذاء، وزفر اعتبر بعد الحولين سنة كاملة فقال: لما ثبت حكم الرضاع في ابتداء السنة الثالثة لما قاله أبو حنيفة يثبت في بقيتها كالسنة الأولى والثانية.(٤) وهو قول محمد أيضا، وقد جاء في المحيط البرهاني ٣/ ١٧٨، ما نصه: وعند أبي يوسف ومحمد ﵏: تستحق إلى تمام حولين، ولا تستحق فيما دون الحولين.(٥) ودليل الشافعي ﵀ كما ذكر ابن عبد البر؛ حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم فأتت تعني ابنة سهيل النبي ﷺ فقالت إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال لها النبي ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة =стр. 505
قال أبو حنيفة: لا يحرم الرضعة ولا الرضعتان (١) . قلت (٢) : فكم يحرم؟.
قال [الإمام أحمد بن حنبل]: إذا ذهب ذاهب إلى خمس رضعات لم أعبه وأجبن عنه بعض الجبن، إلا أني أراه أقوى (٣) .
قال إسحاق: لا يحرم دون خمس مصات، وقد تكون المصة الحواشي
(١) لقوله ﷺ : "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان". أخرجه مسلم ٣٦٦٦ من حديث أم الفضل ﵂.(٢) القائل هو: إسحاق بن منصور المروزي الذي روى عنه مسائله المشهورة.(٣) أي الرضعة والرضعتان، لأنه سئل أولا قلت: ما يحرم من الرضاع؟
قال: "لا تحرم الرضعة والرضعتان". كما في المسائل ٤/ ١٦١٧، ثم سأله الثانية فكم يحرم؟ فذكر كما في النص، فقوله: لا تحرم الرضعة، والرضعتان دليل واضح على أن ثلاث رضعات تحرم وهو الراجح عنده. وإلا فقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ في المسألة ثلاث روايات:
الأولى: أن الذي يحرم، هو خمس رضعات.
الثانية: أن الذي يحرم، هو ثلاث رضعات.
الثالثة: أن قليل الرضاع وكثيره يحرم. انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٤/ ١٦١٧.стр. 506
رضعة (١) .
قال عبد الله: "ولا رضاعة لكبير (٢) ، والرضاعة من قبل الفحل تحرم، وذلك أن يكون للرجل المرأتان فترضع إحدهما غلامًا وترضع الأخرى جارية فيريدان أن ينكحا، فلا يجوز ذلك؛ لأن الأب واحد، الذي أرضعاهُ جميعًا لَبَنُهُ، وإن كانت الأُمَّان متفرقين وهما أخوان لأب فلا يتناكحان بهذا وما أشبهه (٣) ، ولا رضاعة لكبير، وإن درت المرأة التي لم تلد، والعجوز التي قد قعدت عن الولد على صبي فأرضعتاه فَرَضَاعُهُمَا محرِّم (٤) ، ولا بأس أن تسافر المرأة مع الصبي إذا أرضعته مع أخيها من الرضاعة؛ لأنهما جميعًا محرم لها، ولا ينكح الرجل امرأة ابنه من الرضاعة، وإنما تفسير قول الله ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٥) الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٤/ ١٦١٨.(٢) وقد أخرج البخاري ٢٥٠٤، ومسلم ١٤٥٥، عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل قال: يا عائشة مَن هذا. قلتُ أخي من الرضاعة قال: "يا عائشة انظرْنَ مَنْ إخوانكنَّ فإنما الرضاعة من المجاعة". أي الرضاعةُ التي تثبتُ بها الحُرْمة ما تكون في صِغَر الصبيِّ حيث يَسُدُّ اللَّبنُ جَوْعتَه. كما قال الله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وروى مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٣، بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر ولا رضاعة لكبير.(٣) انظر هذه المسألة: شرح صحيح البخاري لابن بطال ٧/ ٢٠١، وروى الإمام مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٢، بسند صحيح عن ابن عباس أنه سأله رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا وأرضعت الأخرى جارية فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية فقال: لا اللقاح واحد، أى الأمهات وإن افترقن فإن الأب الذى هو سبب اللبن للمرأتين؛ واحد، فالغلام والجارية أخوان لأب من الرضاع.(٤) بلغة السالك ٢/ ٤٧٠، حاشية الدسوقي ٢/ ٥٠٢.(٥) سورة النساء الآية ٢٣.стр. 507
عند أهل العلم في غير الرضاع، فإن ذلك إنما هو في القوم الذين تبنوا مثل زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة فأمر الله أن لا يُدْعوا إلا بأبائهم، ولم ينهاهم نسائهم فقال ﵎: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] (١) ولم يبارك ذلك على تحليل ما علا ولد الصلب من الرضاع ذلك فسره أهل العلم، قال رسول الله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" (٢) فإذا أرضعت المرأةُ غلامًا؛ حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها لأنها أخته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، ولا بأس أن ترضع المرأةُ غلامًا ويتزوج أخوه بنتها وإن كانت أختًا لأخيه؛ لأنه ليس لهما بابن ولا ابنتها له بأخت. والله أعلم" (٣) .
* * * الحواشي
(١) سورة الاحزاب الآية ٣٧.(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٧، والبخاري ٤٩٤١، ومسلم ١٤٤٤، من حديث عائشة ﵂.(٣) هذا ما يعرف بلبن الفحل انظر تفصيل المسألة: المدونة ٢/ ٣٠٢، التلقين ١/ ١٢٠، الكافي ٢/ ٥٤١، تفسير القرطبي ٥/ ١٠٩، وقد قال ابن عبد البر: ومن أهل المدينة جماعة لا يقولون بلبن الفحل، والصحيح عندنا القول به لثبوته عن النبي ﷺ وهو قول ابن عباس.стр. 508
الحواشي
(١) وهذا باب جامع كما سماه المصنف فإنه جمع فيه أصول الآداب والأخلاق الإسلامية، وفنون التربية والسلوك السوية التي يجب أن يكون عليها المسلم في حياته اليومية وفي علاقته مع ربه سبحانه، وكذلك في علاقته مع غيره حتى تكون الحياة حياةً طيبة مباركة في ضوء ما أصله الشرع الحكيم. وإن ما صنعه المصنف -ابن عبد الحكم ﵀ في آخر كتابه هذا؛ هو عادة معظم فقهاء المالكية أنهم يخصصون في آخر مصنفاتهم بابا أو كتابا يسمونه "باب الجامع" أو "كتاب الجامع"، كما فعله الإمام مالك نفسه في أواخر الموطأ وسماه: "كتاب الجامع". وكذلك المصنف -ابن عبد الحكم- في آخر كتابه المختصر الكبير له "كتاب الجامع"، وسماه هنا في المختصر الصغير باب جامع الصنوف، وفعل نحو ذلك ابن الجلاب البصري في آخر كتابه التفريع له "كتاب الجامع"، وكذلك فعل أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني في آخر كتابه مختصر المدونة له "كتاب الجامع"، والحافظ ابن عبد البر في آخر كتابه الكافي له "كتاب الجامع"، وكذلك القاضي عبد الوهاب المالكي له في آخر كتابه المعونة "كتاب الجامع" وللإمام القرافي في آخر كتابه الذخيرة "كتاب الجامع"، وابن جزي الكلبي الغرناطي له في آخر كتابه القوانين الفقهية "كتاب الجامع"، وابن الحاجب في آخر كتابه جامع الأمهات له "كتاب الجامع"، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وقد صنف بعضهم مصنفات خاصة باسم كتاب الجامع، كما فعله عبد الله بن وهب في: كتاب "الجامع" لابن وهب، وكذلك ابن أبي زيد القيرواني في "كتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ" وهو مطبوع منزوع من كتابه السابق مختصر المدونة، وهذا أمر مهم للغاية، فإن العالم يحتاج إلى ذكر جمل لطيفة في الآداب والأخلاق الإسلامية، ولا يجد لها موضعًا مناسبًا لذكرها في ثنايا أبواب العبادات والمعاملات وغيرها، لكن فقهاء المالكية وُفِّقوا لهذا النوع من التبويب، فكانت الفكرة حلًّا مهما لهذه القضية، وقد قال الإمام القرافي ﵀ في الذخيرة ١٣/ ٢٣١، موضحًا أهمية ذلك في كتاب الجامع، فقال: "هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب وهو من محاسن التصنيف، لأنه تقع فيه مسائل لا يناسب وضعها في ربع من أرباع الفقه أعني العبادات والمعاملات والأقضية والجنايات فجمعها المالكية في أواخر تصانيفها وسموها بالجامع أي جامع الأشتات من المسائل ................. =стр. 509
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام (١) ، والذي يخرجه من الهجرة أن يقول إذا لقيه: السلام عليكم (٢) ، ولا يحل لأحد من الرجال أن يلبس شيئًا من الحرير (٣) ، ولا يتختم الحواشي
(١) أخرجه البخاري ٥٧٢٧، ومسلم ٢٥٦٠، من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".(٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٧٠.(٣) لقوله ﷺ : من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة. أخرجه البخاري ٥٤٩٤ ومسلم ٢٠٧٣، عن أنس بن مالك، وأخرجه الطيالسي ص ٢٩٤، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو". قال القرطبي ١٢/ ٣٠: وهذا نص صريح وإسناده صحيح، فإن كان "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" من قول النبي ﷺ فهو الغاية في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلى بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك "من شرب الخمر ولم يتب" و "من استعمل آنية الذهب والفضة" وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة، ومن مات من أمتي وهو يتحلى الذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة. أخرجه أحمد ٢/ ٢٠٩، وحسنه الحافظ في الفتح ١٠/ ٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ٢/ ٢٢٦، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ظاهر الحديث ومذهب نفر من الصحابة ومن أهل السنة؛ أنه لا يشرب الخمر في الجنة، وكذلك لو لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الجنة وذلك؛ لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به، فحرمه عند ميقاته كالوارث إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه؛ لأنه استعجل به وهو موضع احتمال، وموقف إشكال وردت فيه الأخبار. فالله أعلم. انظر: طرح التثريب ٨/ ٢٢٥.стр. 510
بالذهب (١) ويسهل في ربط الأسنان بالذهب (٢) وذلك واسع للضرورة إن شاء الله (٣) ولبس الرجل (٤) إلى أنصاف [ساقيه]، فإن جاوز إلى كعبه فهو مِنْ ذلك في سعة إن شاء الله، ولا يجاوز ذلك (٥) ، وتسدل المرأة دِرعها (٦) خلفها ما بينها وبين الذراع، ولا تزيد على ذلك، ولا يجوز لأحد أَن يمشي في نعل واحدة، لينتعِلْها أو ليخلعها (٧) ، ومن انتعل فليبدأ بيمينه (٨) ، ومن خلع فليبدأ بشمماله، ولا يحل لأحد أن يشتمل الصماء (٩) وهو: أن يشتمل الحواشي
(١) لحديث على بن أبى طالب ﵁ قال: نهانى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القَسِّىِّ، وعن القراءة فى الركوع والسجود وعن لباس المعصفر. أخرجه مسلم ٥٥٦٠. ومعنى المعصفر: المصبوغ بالعصفر وهو نبات أصفر اللون. والقَسِّى: ثياب من كتان مخلوط بالحرير منسوبة إلى قرية قس بمصر.(٢) روى أبو داود ٤٢٣٤، والترمذي ١٧٧٠، عن عرفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفًا من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفًا من ذهب، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الألباني: حسن. قال الترمذي: روى غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب وفي هذا الحديث حجة لهم.(٣) انظر: حاشية الدسوقي ١/ ٦٣.(٤) في الأصل: وسبل المرأة.(٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩١٤، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا".(٦) درع المرأة: ما تلبسه فوق قميصها.(٧) أخرجه مالك ٢/ ٩١٦، والبخاري ٥٥١٨، ومسلم ٢٠٩٧، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة لِيُنْعِلْهُما جميعًا أو لِيُحْفِهِما جميعًا".(٨) لحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. رواه البخاري ١٦٦، ومسلم ٢٦٨.(٩) اشتمال الصماء: أن يتغطى الرجل بثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فتنكشف عورته. والصماء: أن يغطى الرجل جسده بثوب واحد ليس ليديه مخرج منه.стр. 511
الرجل في الثوب الواحد على أحد شقيه، ولا يجوز لأحد أن يحتبي (١) في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء (٢) ، ولا بأس بلبس المُعَصْفَر (٣) والموْرِد (٤) والمُمَشَّق (٥) وغير ذلك من الصبغ، ومن الفطرة تقليم الأظفار وقص الشارب وتنظيف الإبط وحلق العانة والختان (٦) ، وينبغي للمرأة أن تتعاهد السواك (٧) ، ولا يسدل ناصيته ويفرقُ شعره إذا احتمل ذلك (٨) ، الحواشي
(١) مِنَ الاحتباء: وهو الجلوس بشكل ينصب فيه رجليه ويطوق ركبتيه بيديه، أو هو أن يَضُّمَّ الإنسان رجْلَيْه إلى بَطْنه بثَوْب يَجْمَعُهُما به مع ظَهْره، ويَشُدُّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليَدَيْن عوَض الثَّوب.(٢) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء. أخرجه البخاري ٣٦٠، من حديث أبي سعيد، ومسلم ٥٦٢٣، من جابر ﵄.(٣) المعصفر: الثوب المصبوغ بالعصفر وهو نبات أحمر أو أصفر اللون. هذا الجواز على المذهب كما نقله ابن رشد في بداية المجتهد ١/ ٣٢٧، عن مالك، وإلا فقد سبق النهي عنه في حديث على بن أبي طالب ﵁ في النهي عن التختم بالذهب، والحديث في صحيح مسلم.(٤) المورد من الثياب: هو ما صبغ على لون الورد.(٥) في الأصل: "والممص" والصواب "المُمَشَّق" وهو: المصبوغ بالمشق، وهو الطين الأحمر.(٦) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب". أخرجه البخاري ٥٥٥٠، ومسلم ٢٥٧.(٧) لأنهن شقائق الرجال، ولقوله ﷺ في حديث عائشة: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". رواه النسائي ٥ بسند صحيح.(٨) وعن عائشة قالت: كان شعر رسول الله ﷺ دون الجمة وفوق الوفرة. أخرجه أحمد ٦/ ١١٨، وابن ماجه ٣٦٣٥، وهو صحيح لغيره، وفي الصحيحين من حديث البراء ابن عازب ﵁ قال: "له شعر يبلغ شحمة أذنيه". وشحمة أذنيه: هو ما لان من أسفل أذنه.стр. 512
ويعفي لحيته ويحفي شاربه (١) وإحفاؤه: أن يقص إطاره، وليس إحفاؤه أن يحلقه" (٢) .
قال أبو حنيفة: قص الشارب حلقه (٣) .
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ومن أكل أو شرب فليأكل وليشرب بيمينه، ولا يأكل ولا يشرب بشماله (٤) ، ويُسَمِّ الله وليأكل مما يليه" (٥) .
قال أبو حنيفة: إلا التمر فإن رسول الله ﷺ كانت تجول يده في التمر (٦) . الحواشي
(١) لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: "أعفوا اللحى وأحفوا الشوارب". رواه أحمد ٢/ ٥٢، والنسائي ٥٠٤٦، بسند صحيح. فقال أهل اللغة أبو عبيد والأخفش وجماعة: الإحفاء الاستئصال، والإعفاء ترك الشعر لا يحلقه.(٢) وقد جاء في التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٦٣: قال مالك في الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه، وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وتحفى الشوارب وتعفى اللحى وليس إحفاء الشارب حلقه وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. ونقل القرطبي في التفسير ٢/ ١٠٤، عن الأشهب عن مالك أنه قال: في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربًا من فعله.(٣) وقد نقل عن الشافعي كما في التمهيد ٢١/ ٦٤ أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء، وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشوارب، فقال: يحفى كما قال النبي ﷺ : "أحفوا الشوارب".(٤) لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". رواه مسلم ٥٣٨٤.(٥) لحديث عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ : "يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك". رواه البخاري ٥٠٦١، ومسلم ٥٣٨٨.(٦) لم أعثر عليه في شيء من دواوين السنة، ومع ذلك فإن هذا اللفظ مما يبعد في القلب كل البعد أن يصح في مثله حديث. والله أعلم.стр. 513
قال عبد الله: "ولا ينبغي لأحد أن يشرب في آنية الفضة ولا الذهب (١) ، ولا ينبغي لأحد أن ينفخ في شرابه (٢) ، ولا يتنفس فيه، فإن غلبه التنفس فَلْيُنَحِّ الإناء عن فيه، ثم يتنفس فإن رأى به القذى (٣) فليهرقها (٤) ، ولا ينفخها ليطرحها" (٥) .
قال أبو حنيفة: في الشرب يتنفس ثلاثًا؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة أنفاس هن أهنأ وأمرأ وأبرأ" (٦) . الحواشي
(١) لقوله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة". أخرجه البخاري ٥١١٠، ومسلم ٢٠٦٧، من حديث حذيفة ﵁.(٢) أخرجه الدارمي ٢/ ١٦٤، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب. وإسناده صحيح.(٣) القَذَاة: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك. قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب مما يسقط فيه. نيل الأوطار ٢/ ١٥٩.(٤) الكلام هنا غير واضح بالمخطوط إلا أني استدركت النقص من بعض المصادر المختصة.(٥) أخرجه الترمذي ١٨٨٧، وأحمد ١٨/ ١٩٦، بسند صحيح عن أبي المثنى الجهني قال: سمعت مروان وهو يسأل أبا سعيد الخدري: هل نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس وهو يشرب في إنائه؟ فقال أبو سعيد: نعم. فقال له رجل: يا رسول الله، فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فإذا تنفست، فنح الإناء عن وجهك"، قال: فإني أرى القذاة فأنفخها؟ قال: "فإذا رأيتها فأهرقها، ولا تنفخها".
وفي حديث أبي قتادة مرفوعًا: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه". أخرجه البخاري ١٥٢، ومسلم ٢٦٧.(٦) أخرجه مسلم ٥٤٠٦، وأبو داود ٣٧٢٧، وأحمد ٣/ ١١٨، من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس ثلاثًا وقال: "هو أهنأ وأمرأ وأبرأ". وهذا لفظ أبي داود وأحمد. وأما لفظ مسلم إنه: أروى وأبرأ وأمرأ.
ومعنى أروى: من الري، وهو ذهاب العطش. وأبرأ: من البرأ، وهو ذهاب المرض، =стр. 514
قال عبد الله: "ولا بأس أن يشرب الرجل قائمًا (١) ، ومن أتي بشراب الحواشي
(١) لأحاديث منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. أخرجه البخاري ١٥٥٦، ومسلم ٢٠٢٧، وروى البخاري في صحيحه ٥٢٩٣ أيضا من حديث علي ﵁: أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قيامًا وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت، وأخرج الحميدي في مسنده ١/ ١٧٢، بسند صحيح من حديث كَبْشَة أو كُبَيْشَة بنت ثابت -أخت حسان بن ثابت الشاعر- قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم فشرب مِنْ فِيِّ قربةٍ مُعَلَّقَةٍ وهو قائمٌ قالت: فقطعتُ فَمَ القربة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا. رواه الترمذي ١٨٨٣، وقال: حديث حسن صحيح، وروى ابن حبان ١٢/ ١٤١، والترمذي ١٨٨٠، وابن ماجه ٣٣٠١، بسند صحيح من حديث ابن عمر موقوفًا قال: كنا على عهد رسول الله ﷺ نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. فهذه الأحاديث كلها صحيحة كما ترى فهي تبين بالضرورة جواز الشرب قائمًا. ولكن هناك أحاديث أخرى مضادة لها، تدل على النهي عن الشرب قائمًا، فمن هذه الأحاديث:
ما أخرجه مسلم في صحيحه ٥٣٩٤، من حديث قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عن =стр. 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا، قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث. كما روى مسلم ٥٣٩٦، نحوه عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم ٥٣٩٨، أيضا مرفوعًا: "لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي فليستقئ". لكن الشيخ الألباني ﵀ ضعف هذه الزيادة وهي قوله: "فمن نسي فليستقئ". من أجل عمر بن حمزة، قال: وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف"، فالحديث بهذه الزيادة ضعيف.
قلتُ: وقد سبق الشيخ الألباني ﵀ إلى هذا التضعيف: أبو الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقبه -أي القاضي عياض- بقوله كما في فتح الباري ١٠/ ٨٣: أما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال له: "قه"، قال، لمه؟ قال: "أيسرك أن يثرب معك الهر؟ " قال: لا، قال: "فإنه قد شرب معك من هو شر منه! الشيطان". أخرجه أحمد ٢/ ٣٠١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٢٥، رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٧٥.
فهذه أصح أحاديث الباب سواء من يقول بالجواز، أو من يقول بالنهي.
فسلك أهل العلم في هذا مسالك؛ فمنهم من قال بأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذا أمر في الحقيقة لا اعتراض عليه، ومنهم من قال إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز، وهذا أمر فيه نظر!. وذلك لعدم الإحاطة بثبوت التاريخ، وبالتالي فلا يقطعنَّ أحد بشيء من ذلك، وقد ادعى ابن حزم نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي كما ذكر عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ٨٤ أي على عكس ما سبق، متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل وأحاديث النهي مقرِّرَةٌ لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، وقد رد على مثل هذه الدعوى الحافظ ابن عبد البر في كتابه الاستذكار ٨/ ٣٥٦ فقال في هذه المسألة: الأصل الإباحة حتى يرد النهي من وجه لا معارض له فإذا تعارضت الآثار سقطت، والأصل ثابت في =стр. 516
ومعه غيره فإذا شرب فليعطه الأيمن فالأيمن (١) ، وينبغي لمن نام أن يوكئ الحواشي
(١) المنتقى ٤/ ٣٣٠، والدليل في ذلك حديث أنس بن مالك ﵁: أنَّها حُلِبَتْ لرسول الله ﷺ شاةٌ داجنٌ وهي في دار أنس بن مالك وشِيْبَ لبنُها بماء من البئر التي في دار أنس، فأَعْطَى رسولَ الله ﷺ القدحَ فشرب منه، حتى إذا نزع القدحَ من فيه ............. =стр. 517
سقاءه (١) ويُكْفِئ إناءه (٢) أو يُخَمِّره (٣) وأن يطفئ سراجه (٤) ، ولا تخلو المرأة مع رجل ليس بذي محرم منها (٥) ، ولا بأس أن تأكَل مع من يُعرف لها الأكل معه بالوجه الذي يُعرف من الرجال (٦) ، ولا بأس أن يرى الرجلُ الحواشي
(١) أي يشد رأسه بالوكاء، وهو الذي يشد به رأس القربة.(٢) مِن كفأ الإناء: إذا قلبه على فمه.(٣) التخمير: التغطية.(٤) لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان جُنْحُ الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فَحُلُّوهم [وفي لفظ مسلم فَخَلُّوهُمْ] فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم". أخرجه البخاري ٥٣٠٠، ومسلم ٥٣٦٨.(٥) لنهيه ﷺ عن ذلك في غير ما حديث، من أجمعها رواه الترمذي ٢١٦٥ بسند صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله امرأتي خرجت حاجّة واكتتبت في غزوة كذا كذا قال: ارجع فحج مع امرأتك. أخرجه البخاري ٤٩٣٥، ومسلم ٣٣٣٦.(٦) كالأكل مع عبدها إذا كان وغدًا أي قبيح المنظر أو خادمها إذا كان مأمونًا. انظر: التفريع ٢/ ٣٥٠.стр. 518
شعر امرأة ابنه وكف امرأته (١) ، ولا بأس بالرقية من العين (٢) ، ولا بأس أن يتوضأ له من يتهمون أنه أصابه ذلك، أن يغسل له وجهه ويديه ومرفقته وركبته وأطراف رجليه وداخل إزاره، ثم يجعله في إناء، ثم يصبه عليه (٣) ، الحواشي
(١) قال مالك في الموطأ ٢/ ٩٤٨: ليس على الرجل ينظر إلى شعر امرأة ابنه أو شعر أم امرأته بأس. وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٤٣٢: لا أعلم في هذا خلافًا وأجمعوا أنه لا يجوز أن ينظر أحد إلى ذات محرم منه نظر شهوة، وأن ذلك حرام عليه الله يعلم المفسد من المصلح ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.(٢) لأن العين حق، وفي سنن ابن ماجه ٣٥٠٨، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :
"استعيذوا بالله؛ فإن العين حق"، وروى مسلم في صحيحه ٥٨٣١، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق ولو كان شيء سَابَق القدر لَسَبَقَتْه العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا". وقال ﷺ : "إذا رأى أحدكم من أخيه ومن نفسه ومن ماله ما يعجبه فليبركه، فإن العين حق". رواه ابن ماجه ٣٥٠٩، وانظر: السلسلة الصحيحة ٢٥٧٢.(٣) انظر هذا التوصيف: التفريع ٢/ ٣٥٧، وروى الإمام مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٩، عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جِلْدَ مُخَبَّأةٍ [أي الجَارِيَة التي في خدْرِها لم تَتَزَوَّج بعدُ] فلُبِطَ سهلٌ [أي صُرع] فأتي رسولُ الله ﷺ فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف والله ما يرفع رأسه، فقال: هل "تتهمون له أحدًا؟ " قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه ألا برَّكت اغتسل له"، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه فراح سهل مع الناس ليس به بأس. وفي حديث ابن عباس السابق: "وإذا استغسلتم فاغسلوا". قال الشوكاني في نيل الأوطار ٩/ ٨٨: أي إذا طلبتم للاغتسال فاغسلوا أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن، وهذا كان أمرًا معلومًا عندهم فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم وظاهر الأمر الوجوب.стр. 519
ولا بأس بالرقية من العقرب (١) والكيِّ من اللَّقْوَة (٢) ، ولا بأس برقية المسلم للنصراني، والكي بكتاب الله أو بأسماء الله (٣) ، ولا بأس بمعالجة الطبيب من العلة، [وأنْ] يُتْرَك (٤) ، ولا بأس بالحجامة، وبأجر الحجامة (٥) ، ولا بأس أن الحواشي
(١) روى مسلم في صحيحه ٥٨٥٩ عن جابر قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرُّقَى وأنا أَرْقِي من العقرب فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".(٢) اللقوة: بفتح اللام داء في الوجه. وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار ١/ ٣٦٢: هي الريح التي تميل أحد جانبي الفم. أو نقول: داء يصيب الوجه فيميله على أحد الجانبين. وروى عبد الرزاق ١١/ ١٨، عن نافع قال: اكتوى ابن عمر من اللقوة ورقى من العقرب.(٣) انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧، المعونة ٢/ ٥٩٧.(٤) أي أن التداوي وعدمه سيان، انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧.(٥) انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه. أخرجه البخاري ٢١٥٩، ومسلم ٤١٢٤، وفي صحيح البخاري ٥٣٧١، سئل أنس ﵁: عن أجر الحجام فقال احتجم رسول الله ﷺ ، -حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ- وأعطاه صاعين من طعام وكلَّم مواليه فخففوا عنه وقال: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري. الحديث .. ومعنى مواليه الذين أعتقوه. فخففوا عنه: أي من الخراج المفروض عليه، والقسط البحري: نوع من البخور المستخدم في التداوي، قال مالك: ليس العمل على كراهية أجر الحجام، ولا أرى به بأسًا، واحتج على ذلك بأن ما يحل للعبد أكله فإنه يحل للأحرار كأجرة سائر الأعمال. انظر: المنتقى ٤/ ٤٢٥، وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري ٦/ ٢٣٣: فى هذا الباب بيان أن أجر الحجام حلال كما تأوله ابن عباس، وفيه دليل أنه لا وجه لكراهة أبى حنيفة لأجر الحجام، واستدلاله على ذلك بنهيه ﷺ عن ثمن الدم، وهذا النهى عن العلماء ليس كنهيه عن ثمن الخمر والميتة، وليس من كسب الحجام فى شيء، بدليل حديث أنس وابن عباس، ولو أراد ﵇ بنهيه عن ثمن الدم النهى عن كسب الحجام لكان منسوخًا بحديث أنس وابن عباس، أو يكون نهيه عنه على سبيل التنزه. وحديث النهي؛ رواه أبو داود ٣٤٢٣، والترمذي ١٢٧٥، وصححه من حديث =стр. 520
يترك الرجل شعره أبيض، ولا يخضبه، ولا بأس عليه بخضابه (١) أو بالحناء أو بغيره وغير السواد أحب إلينا (٢) ، ولا خير في اللعب بالنرد وبالشطرنج (٣) ، وإذا سلم الرجل على جماعة فرد عليه واحد أجزأ عنهم (٤) ، ويسلم الراكب على الماشي (٥) ، وينهي السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله الحواشي
(١) الخضاب: صبغ الشعر أو الأعضاء بالحناء.(٢) التفريع ٢/ ٣٥٣ قال فيه ابن الجلاب البصري: ولا بأس بالخضاب وتركه، وغير السواد أحب إلينا منه.(٣) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. قال القرطبي في التفسير ٦/ ٢٩١: وهذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارًا أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١]. فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حرامًا مثله.(٤) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] قال القرطبي في بيان فقه هذه الآية في تفسيره ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أولا؛ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله.(٥) لقوله ﷺ : يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. أخرجه البخاري ٥٨٧٧، ومسلم ٢١٦٠، عن أبي هريرة.стр. 521
وبركاته، ويرد مثل ذلك (١) ، ولا بأس أن يسلم الرجل على المرأة المتجالة (٢) ، وأما الشابة فلا يجب ذلك له (٣) ، ومن سلم عليه يهودي أو نصراني فليرد عليه وليقل: عليك (٤) ويستأذن الرجل على أمه إذا دخل عليها (٥) ، ومن الحواشي
(١) لأنه الأكمل، لحديث عمران بن حصين ﵁: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم. قال قال النبي ﷺ : "عشر". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال النبي ﷺ : "عشرون"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال النبي ﷺ : "ثلاثون". رواه أبو داود ٥١٩٧، والترمذي ٢٦٨٩، وصححه.(٢) المرأة المتجالة: بالجيم العجوز التي انقطع أرب الرجال منها.(٣) شرح الزرقاني ٤/ ٤٥٨، وفي الموطأ ٢/ ٩٥٩، قال يحيى: سئل مالك هل يسلم على المرأة فقال: أما المتجالة فلا أكره ذلك، وأما الشابة فلا أحب ذلك.(٤) قال ابن أبي زيد في الرسالة ١٦١١: وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل عليك، ومن قال عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك. قلتُ: هذا الأخير -السلام بالكسر- ليس عليه دليل، بل الأولى هو الالتزام بما ورد عن النبي ﷺ وهو قوله: "عليك" كما ذكر ابن أبي زيد ﵀ أولًا، والدليل على ذلك؛ حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم فقل عليك. أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٦٠، والبخاري ٦٥٢٩، ومسلم ٥٧٨٢.
وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : "مهلًا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : "فقد قلت: وعليكم". أخرجه البخاري ٥٩٠١، ومسلم ٥٧٨٤.(٥) روى البخاري في الأدب المفرد ص ٣٦٤، بسند صحيح عن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال أأستأذن على أمِّي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها.
وأورد ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٢، ما نصه: قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه وذوات قرابته، قال: نعم فقلت: بأي وجبت قال: بقول الله ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].стр. 522
استأذن على قوم فليستأذن ثلاثًا فإن أُذِنَ له وإلا فليرجع (١) ، وإذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله ولْيُسْمِع مَن سمعه (٢) فليشهد بأن يقول: يرحمك الله، فإذا قيل له ذلك [فليقل]: يهديكم الله ويصلح بالكم (٣) فإن عطس ثلاثًا أو أربعًا فهو في سعة من تشميته (٤) ، ولا تجوز التماثيل في البيوت إلا الحواشي
(١) وجاء في الرسالة ١٦١١، ما نصه: والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت. قال القرطبي في التفسير ١٢/ ٢١٥: ثم ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنة الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها لحديث أبي موسى الأشعري، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب وشهد به لأبي موسى؛ أبو سعيد الخدري، ثم أبي بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه الصحيح وهو نص صريح. انتهى. ونص حديث أبي موسى المشار إليه عند البخاري ٥٨٩١، ومسلم ٢١٥٣، قال أبو سعيد الخدري ﵁: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك؟ قلت استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع"، فقال: والله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك.(٢) وفي التفريع ٢/ ٣٥٤: من يليه.(٣) لحديث أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم". رواه البخاري ٥٨٧٠، وفي التمهيد ١٧/ ٣٣٢، قال مالك: لا بأس أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم، كل ذلك جائز، وهو قول الشافعي، قال: أي ذلك قال فحسن.(٤) انظر: الموطأ ٢/ ٩٦٥، البيان والتحصيل ١٧/ ١٤١، القوانين الفقهية ص ٢٩٣، وفي حديث سلمة بن الأكوع، ﵁ قال: عطس رجل عند رسول الله ﷺ وأنا شاهد فقال رسول الله ﷺ : "يرحمك الله"، ثم عطس الثانية والثالثة، فقال رسول الله ﷺ : "هذا رجل مزكوم". رواه الترمذي ٢٧٤٣ وقال: هذا حديث حسن صحيح.стр. 523
رقمًا في ثوب، فذلك سهل فيه إن شاء الله" (١) .
قال أبو حنيفة: ما كان يبسط (٢) . الحواشي
(١) الاستذكار ٨/ ٤٨٣ - ٤٨٦، البيان والتحصيل ١/ ٣٣١، الذخيرة ٢/ ٩٩، وقد روى البخاري ٥٦١٣، ومسلم ٥٦٣٩، من حديث بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة". قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقمًا في ثوب". قال الدكتور مصطفي البغا: ربيب ميمونة هو الخولاني ليس ابن زوجها، ولكنها ربته، وكان من مواليها فسمي ربيبها، ومعنى يوم الأول: الوقت الماضي.
وروى مالك ٢/ ٩٦٦، والبخاري ١٩٩٩، ومسلم ٢١٠٧، أيضًا من حديث نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أخبرته: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟. فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه النمرقة". قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيو ما خلقتم". وقال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". قال ابن بطال ﵀ في شرح صحيح البخاري ٩/ ١٧٩: اختلف العلماء فى الصور: فكره ابن شهاب ما نصب منها وما بسط كان رقمًا أو لم يكن، على حديث نافع عن القاسم عن عائشة، وقالت طائفة: إنما يكره من التصاوير ما كان فى حيطان البيوت، وأما ما كان رقمًا فى ثوب فهو جائز على حديث زيد بن خالد عن أبى طلحة، وسواء كان الثوب منصوبًا أو مبسوطًا، وبه قال القاسم وخالف حديثه عن عائشة.(٢) انظر: عمدة القاري ٣٢/ ١٢٢، شرح معاني الآثار ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٧، قال الطحاوى: وقد ثبت أن المنهي عنه من الصور؛ هي: نظير ما يفعله النصارى في كنائسهم من الصور في جدرانها ومن تعليق الثياب المصورة فيها، فأما ما كان يوطأ ويمتهن ويفرش فهو خارج من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى =стр. 524
قال الشافعي: … (١) .
قال عبد الله: "ومن رأي في بيته شيئًا من الحيات فَلْيُؤْذِنْه ثلاثة أيام فإن بدا فليقتله، وليس عليه فيما سوى المنازل (٢) ، ولا يتناجى اثنان دون الحواشي
(١) سقط قول الشافعي من الأصل، والله المستعان.(٢) لما أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٧٦، ومسلم في صحيحه ٥٩٧٦، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى قضى صلاته فسمعت تحريكًا تحت سريرٍ في بيته، فإذا حيةٌ فقمتُ لأقتلها فأشار أبو سعيد أن اجلس، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم قال إنه قد كان فيه فتى حديث عهدٍ بعرس فخرج مع رسول الله ﷺ إلى الخندق فبينا هو به إذ أتاه الفتى يستأذنه فقال: يا رسول الله ائذن لي أحدث بأهْلي عهدًا فأذن له رسول الله ﷺ وقال: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك بني قَريظة"، فانطلق الفتى إلى أهله فوجد امرأته قائمة بين البابين فأهوى إليها بالرمح ليطعنها وأدركته غيرة فقالت: لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك، فدخل فإذا هو بحية منطوية على فراشه فركز فيها رمحه ثم خرج بها فنصبه في الدار فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتًا فما يدري أيهما كان أسع موتًا، الفتى أم الحية، فَذُكِرَ ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال: "إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان". وقال عبد الله بن عمر ﵄ بينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة وزيد بن الخطاب فقالا: تقتلها فقلت إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات، قالا: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت وهي العوامر. رواه البخاري ٣١٢٣، ومسلم ٢٢٣٣، وأما الحيات في الصحاري والأودية وغيرها فلا بأس بقتلها، لعموم قوله ﷺ : "خَمْسٌ من الدوابِّ كلُّهن فَاسق، يُقْتَلْنَ في الحرَم: الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعقربُ، والفَأْرَةُ، والكلب العقُورُ". رواه البخاري ٣١٣٦، ومسلم ٢٩١٩.стр. 525
ثالث (١) ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها (٢) إلا أن أهل العلم يرخصون لها إذا لم يكن لها محرم أن تؤدي فريضة الله في الحج مع جماعة النساء" (٣) . الحواشي
(١) لما روى البخاري ٥٩٣٠، ومسلم ٢١٨٣، من حديث مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث". أي: لأنه ربما يتوهم أنهما يريدان به غائلة بخلاف تناجيهما بحضرة جماعة لا بأس به. ولذلك جاء في رواية الإمام أحمد ٢/ ١٤٦ بلفظ: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه".(٢) في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". فقام رجل فقال: يا رسول الله امرأتي خرجت حاجة واكتتبت في غزوة كذا كذا قال: "ارجع فحج مع امرأتك". أخرجه البخارى ٤٩٣٥، ومسلم ٣٣٣٦، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافِرَ مَسيرة يوم وليلة وليس معها ذو حُرمَة منها".
وفي رواية أخرى: "مَسيرَة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها". وفي رواية أخرى: "مسيرة يوم". وفي رواية أخرى لمسلم: "مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها". أخرجه البخاري ومسلم، وفي أخرى لمسلم: "لا يحلُّ لامرأة تسافر ثلاًثا إلا ومعها ذو محرم منها"، وفي أخرى لأبي داود نحو رواية مسلم، إلا أنه قال: "بَريدًا". والبريد: أربعة فراسخ، وقيل: فرسخان، وأصل هذه الكلمة فارسية، وانظر الروايات: جا مع الأصول ٥/ ٢٤. فجمع الحافظ ابن عبد البر ﵀ هذه الأقوال بقوله: وقد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها، وَمَحْمَلُها عندي -والله أعلم-: أنها خرجت على أجوبة السائلين فحدَّث كل واحد بمعنى ما سمع كأنه قيل له ﷺ في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرة يوم بلا محرم؟ فقال لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة مسيرة يومين بغير محرم؟ فقال لا، وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال لا. وكذلك معنى الليلة والبريد ونحو ذلك، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها: الحظر على المرأة أن تسافر سفرًا يخاف عليها الفتنة بغير محرم قصيرا كان أو طويلًا. والله أعلم. انظر: التمهيد ٢١/ ٥٥.(٣) وقد فصل هذه المسألة الحافظ ابن عبد البر ﵀، فنقل في التمهيد ٢١/ ٥١، =стр. 526
قال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم منها (١) .
قال الأوزاعي: تحج المرأة من غير ذي محرم يريد بذلك قضاء حجة الإسلام الواجبة مع قوم مأمونين يجزئ ذلك عنها (٢) ، وتُخْرِجُ معها سلمًا تصعد عليه وتنزل، ولا يقربها رجل إلا أنه يأخذ برأس البعير ويضع رجله على ذراع البعير (٣) لا يقربها (٤) .
قال عبد الله: "ومن دعي إلى وليمة فليجب (٥) ، ولا يتخذ المسافرون الحواشي
(١) ذكر الطحاوي ﵀ في آخر مناقشته للمسألة في شرح معاني الآثار ٢/ ١١٤، قال ما لفظه: وفي ثبوت ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فإذا عدمت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التي ذكرنا فهى غير واجدة للسبيل الذي يجب عليها الحج بوجوده.(٢) الشرح الكبير لابن قدامة ٣/ ١٩٠.(٣) في الأصل على ذراع البئر.(٤) انظر هذا التوصيف: التمهيد ٢١/ ٥١، الجوهر النقي ٥/ ٢٢٥.(٥) لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها". أخرجه مالك ٢/ ٥٤٦، والبخاري ٤٨٧٨، ومسلم ١٤٢٩، وفي رواية جابر في صحيح مسلم ٣٥٩١ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". وروى ابن المواز عن مالك كما في المنتقى ٣/ ٢٣٠، أنه قال: الوليمة التي يجب أن تؤتى وليمة النكاح، ............................ =стр. 527
شيئًا من الأجراس في أعناق دوابهم، ولا ركابهم (١) ، ولا بأس أن يُقَلِّدوا (٢) الخيل والدواب والركاب (٣) ، ولا يقلدوها شيئًا من الأوتار (٤) ، ولا ينام الحواشي
(١) لقوله ﷺ : "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس". رواه مسلم ٥٦٦٨.(٢) التقليد: وضع الشيء في العنق مع الاحاطة به، ويسمى ذلك: قلادة.(٣) الركاب: الإبل.(٤) المعونة ٢/ ٦٠١، وروى أبو داود ٢٥٥٤، بسند صحيح عن عباد بن تميم أن أبا بشير
الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ
رسولًا والناس في مبيتهم: "لا يُبْقَيَنَّ في رقبة بعير قِلادةٌ من وتر ولا قِلادةٌ إلا قطعت".
قال مالك: أرى أن ذلك من أجل العين. قال العظيم آبادي في عون المعبود ٧/ ١٦٠: وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات، فنهاهم النبي ﷺ عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا. قال ابن الأثير في النهاية ٤/ ١٤٥: والأوتار: جمع وِتْر بالكسر وهو الدَّمُ وطَلَبُ الثأر يُرِيد اجْعلوا ذلك لازِمًا لها في أعناقها لُزوم القَلائد للأعناق، وقيل: أراد بالأوتار: =стр. 528
الرجلان في ثوب واحد ليس بينهما ستر، يباشر أحدُها صاحبَه، ولا تنام الرأتان كذلك (١) ، ولا ينظر الرجل إلى عورة أخيه (٢) ، ولا يدخل الرجلُ الحمَّام إلا بمئزر (٣) ، ولا تدخل امرأة إلا مِنْ سقم (٤) ، ولا يسافر بالقرآن إلى الحواشي
(١) لقوله ﷺ في حديث مسلم: "ولا يفضي الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد". ومعنى يفضي: مِن أفضى: إذا ألصق جسده بجسده. والنهي هنا للكراهة على الصحيح في المذهب. انظر: التفريع ٢/ ٣٥٦، المعونة ٢/ ٥٩٥.(٢) لقوله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد". رواه مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى ﵁.(٣) هو الإزار: وهو ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.(٤) كما في حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدْخِلْ حَلِيْلَتَهُ الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر". أخرجه الترمذي ٢٨٠١، بسند حسن، من أجل ليث بن أبي سليم وهو صدوق إلا أن فيه كلامًا، أن نساء دخلن على أم سلمة ﵂ فسألتهن من أنتن قلن: من أهل حمص، قالت: من أصحاب الحمامات، قلن: وبها بأس، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره". أخرجه أحمد ٦/ ٣٠١، والحاكم ٤/ ٣٢١، والطبراني ٢٣/ ٣١٤، وقال الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٤١: صحيح لغيره. قال القاضي عبد الوهاب البغدادي في المعونة ٢/ ٥٩٣: وقال بعض متأخري أصحابنا أي المالكية: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء مفردًا، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.стр. 529
أرض العدو" (١) .
"تم المختصر بحمد الله".
قال أبو القاسم عبيد الله: كلما كان فيه من قول أبي حنيفة فهو ما سمعته من محمد بن العباس المعروف بالليل، وكلما كان فيه من قول الشافعي ﵁ فهو مما سمعته من أبي موسى العسكري المعلم، وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو مما سمعته من أبي بكر العمري القاضي، وكلما كان فيه من قول الأوزاعي فهو مما أجازه لي إسحاق بن إبراهيم من كتب سعيد بن محمد البروي، وما كان فيه من قول سفيان الثوري فهو مما استخرجته من جامع سفيان الصغير الذي أجازه لي عبد الله بن إسماعيل البصري.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وكان الفراغ منه في ثاني يوم الأربعاء من صفر سنة ثمان عشر وسبعمائة.
وكاتبه العبد الفقير المستجير بالرب الرحيم محمد بن إلياس بن إبراهيم خطيب عين الزيتون، غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ فيه، ودر له الحواشي
(١) لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. رواه البخاري ٢٨٢٨، ومسلم ١٨٦٩. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٥/ ٢٥٤: وأجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه؛ قال مالك: لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يفرق بين العسكر الكبير والصغير، وقال أبو حنيفة: يكره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو إلا في العسكر العظيم فإنه لا بأس بذلك، واختلفوا من هذا الباب في تعليم الكافر القرآن، فمذهب أبي حنيفة أنه لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والفقه، وقال مالك: لا يُعَلَّمُوا القرآن ولا الكتاب.стр. 530
بالتوبة والمغفرة ولجميع المسلمين آمين آمين يا رب العالمين (١) .
* * * الحواشي
(١) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه/ عمر بن على بن أبي بكر زاريا.
بعد صلاة الفجر من يوم الاثنين ٢٣ ذي الحجة ١٤٣١ هـ.
الموافق ٢٩/ ١١/ ٢٠١٠ الميلادي.
المعادي الجديدة - مدينة القاهرة جمهورية مصر العربية.следующие страницы →