← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة لم يحظ كتابٌ في العربية بمثل ما حظي به كتاب سيبويه من عناية العلماء الذين أكثروا من شرحه، وشرح أبياته، وشرح ما خفي منه، وأخرجوا نكته وفسروها. وقد صنّف الباحثون المحدثون المصنفات التي تتحدث عن جهود القدامى والمحدثين في خدمة كتاب سيبويه بما يغنينا عن ذكر هذه الشروح، ومن هؤلاء الباحثين الأساتذة علي النجدي ناصف، وخديجة الحديثي، وكوركيس عواد، وغيرهم. وقد كان الأعلم الشنتمري واحدًا من علماء عصره الذين أسهموا في خدمة الكتاب، حين آلت إليه رئاسة النحو واللغة في المئة الخامسة الهجرية في إشبيلية من بلاد الأندلس، إذ صنّف كتابين جليلين حفظهما الأيّام وسَلِما من عوادي الزمن وآفاته، هما "النكت في تفسير كتاب سيبويه" الذي كان لنا شرف دراسته وتحقيقه، وكتاب "تحصيل عين الذهب" الذي شرح فيه الأعلم شواهد سيبويه الشعرية. وكتاب "تحصيل عين الذهب" هو أكمل شروح شواهد الكتاب التي وصلت إلينا، إذ شرح فيه الأعلم ألفًا وسبعة وعشرين شاهدًا، في حين لم تزد الشواهد التي شرحها أبو جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) على سبع مئة وثلاثة وأربعين شاهدًا، واختلف عدد الشواهد التي شرحها ابن السيرافي (ت ٣٨٥ هـ)، فهي سبع مئة وخمسة عشر شاهدًا في طبعة الدكتور محمد علي الريّح هاشم، وست مئة وسبعة وعشرون شاهدًا في طبعة الدكتور محمد علي سلطاني. وعلى الرغم من عناية الأعلم الشنتمري بشواهد سيبويه الشعرية واستقصائه

стр. 2

إيّاها، إلّا أنّ كتابه لم يحظ بعناية المحققين، وظلّ في حالة تشبه حالة المخطوط: بل إن مخطوطًا كاملًا مضبوطًا بالشكل، خاليًا من التصحيف والسقط أفضل منه، وأعني بذلك طبعه على هامش كتاب سيبويه في المطبعة الأميرية ببولاق عام ١٣١٦ هـ، وهي طبعة كثر فيها التصحيف والسقط، إذ سقط منها أحد شواهد سيبويه وشرْحُه، واختلط فيها بعض شواهد سيبويه مع تعليقات الدارسين أو الناسخين. وقد عزمتُ على تحقيق هذا المصدر النفيس حين عثرتُ على نسخة قديمة منه، وهي نسخة كاملة ومضبوطة بالشكل، وتكاد تكون خالية من التصحيف، وقدّمت لهذا الكتاب بفصلين، تحدثت في أولهما عن سيرة الأعلم الشنتمري، التي تناولت فيها اسمه ونسبه، وحياته ونشأته، وشيوخه، وتلامذته، وآثاره، وثقافته ومكانته العلمية، وروايته لكتب النحو واللغة ودواوين الشعر، وشخصيته العلمية وأثره في اللاحقين، وعماه ووفاته. ودرستُ في ثانيهما كتاب "تحصيل عين الذهب" وتناولت فيه اسم الكتاب ومؤلفه، وسبب تأليفه، ومنهج المؤلف، واستقصاء الأعلم الشواهد الكتاب، واختلاف الرواية، وشواهد الأعلم الشنتمري فيه، ثم وصفتُ النسختين اللتين اعتمدت عليهما في التحقيق، وعرضت منهجي في التحقيق. وأنا إذ أضع هذا الكتاب بين أيدي الباحثين والدارسين آمل أن يفوز برضاهم، والله ولي التوفيق الدكتور زهير عبد المحسن سلطان بنغازي ٢٥ شباط ١٩٩٤ م ١٢ شوال ١٤١٤ هـ

стр. 3

القسم الأول: الدراسة

стр. 4

الفصل الأول سيرة الأعلم الشنتمري

стр. 5

الأعلم الشنتمري (١) اسمه ونسبه: هو أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى، وقد سَمَّته بعضُ المصادر (٢)، يوسف بن عيسى، وعرَّف أبو الحجاج بالأعلم الشنتمري، فالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقًّا واسعًا (٣)، والشَنْتَمري نسبة إلى شَنْتَمريّة العرب (٤)، وهي مدينة تقع على معظم البحر الأعظم، (فيما بين شِلْب وإشبيلية من مغرب الأندلس) (٥) وشنتمرية الغرب (Santa Maria De Algarve) تُسمى اليوم فارو (Faro)، وتقع في المنطقة الجنوبية من البرتغال (٦). حياتُه ونشأته: لا تعيننا مصادر ترجمة الأعلم الشنتمري على رسم صورة واضحة لسيرة حياته، لكننا نستطيع أن نتبيَّن ذلك من خلال متابعتنا لتلامذته الذين درسوا عليه، وآثاره التي خلّفها. فقد ولد أبو الحجاج عام عشرة وأربع مئة في مدينة شنتمرية الغرب، ورحل إلى قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة (٧)، ودرس اللغة والنحو والأشعار على كبار علمائها، ويبدو أنّ إقامته فيما لم تدم طويلًا إذ أنّه أقام فيها مدة، ثم رحل إلى (شلْب)، وبدأ التدريس فيها، وقد درس عليه فيها الوزير محمد بن عمّار وهو صغير (٨)، ثم رحل إلى _________ (١) "ينظر في ترجمته: الذخيرة ٢/ ٤٧٤، فهرسة ابن خير ٣١٤ - ٣١٥، الصلة ٦٤٣ معجم الأدباء ٢٠/ ٦٠، إنباه الرواة: ٤/ ٥٩، وفيات الأعيان ٧/ ٨١ المختصر في أخبار البشر ٧٣٢، نكت الهميان ٣١٣ مرآة الجنان ٣/ ١٥٩، طبقات النحاة واللغويين ٥٤٨، بغية الوعاة ٢/ ٣٥٦، نفح الطيب ٤/ ٧٥ كشف الظنون ٦٠٤، ١٤٢٨، شذرات الذهب ٣/ ٤٠٣، هدية العارفين ٢/ ٥٥١، بروكلمان ٥/ ٣٥٢، الأعلام ٨/ ٢٣٣ معجم المؤلفين ١٣/ ٣٠٢ دائرة المعارف الإسلامية ٢/ ٣٢١. (٢) الذخيرة ٢/ ٤٧٨، الصلة ٦٤٣، نفح الطيب ٤/ ٧٥. (٣) معجم الأدباء ٢٠/ ٦١، وفيات الأعيان ٧/ ٨٢، طبقات النحاة واللغويين ٥٤٨. (٤) إنباه الرواة: ٤/ ٥٩ وفيات الأعيان ٧/ ٨١، الروض المعطار ٣٤٧. (٥) المعجب ٣٧٤. (٦) حاشية وفيات الأعيان ٧/ ٨٣. (٧) الصلة: ٦٤٣، إنباه الرواة: ٤/ ٥٩ وفيات الأعيان ٧/ ٨١. (٨) المعجب: ١١٤.

стр. 6

إشبيلية قبل سنة أربعين وأربع مئة (٩) والتحق ببلاط المعتضد بن عبّاد الذي غُني بالأدب وأهله، فقد (كان لأهل الأدب عنده سوق نافقة، وله في ذلك همّة عالية) (١٠)، واختصه المعتضد بالله بتدريس ولده، وكذلك فعل ابنه المعتمد، وقد أمضى الأعلم ما بقي من حياته في كنف آل عباد في إشبيلية. شيوخه: لا نعرفُ شيئًا عن دراسة الأعلم في مراحل حياته الأولى قبل سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وهي السنة التي رحل فيها إلى قرطبة، كذلك لا نعرف أحدًا من شيوخه الذين تلمذ عليهم في تلك الفترة، وقد اقتصرت المصادر على ذكر ثلاثة من شيوخه الذين درس عليهم في قرطبة الأشعار واللغة والنحو وأنساب العرب وأخبارها، وهم: ١ - أبو بكر مسلم بن أحمد بن أفلح النحوي الأديب، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة (١١). ٢ - أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء، المعروف بابن الأفليلي، المتوفى سنة إحدى واربعين وأربع مئة (١٢). ٣ - أبو سهل يونس بن أحمد بن يونس بن عيسون الجذامي، المعروف بابن الحرَّاني، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (١٣). ولم تكن علاقة الأعلم بشيوخه مقتصرة على الأخذ والتلقي، بل زادت على ذلك، فقد عاوَن شيخّه ابن الأفليلي في شرح شعر المتنبي (١٤)، وهو أمر يبين مدى قدرة أبي الحجاج وتمكَّنه من اللغة والشعر. تلامذته: شُغِل أبو الحجاج بالتدريس، وأمضى فيه جزءًا كبيرًا من حياته، وقد اختصه آل عبّاد بتدريس أولادهم، فكان استاذًا لولد المعتضد بالله، ومن بعده المعتمد على _________ (٩) ذكر في طرة النكت أنه ألفّه عام أربعين وأربع مئة في مدينة قرطبة. (١٠) البيان المغرب: ٣/ ٢٨٤. (١١) الصلة: ٦٤٧. (١٢) الصلة: ٩٤، بغية المتلمس: ١٩٩. (١٣) الصلة: ٥٩١ - ٥٩٢. (١٤) معجم الأدباء: ٦١/ ٢٠، إنباه الرواة: ٦٠/ ٤، وفيات الأعيان: ٧/ ٨١، نكت الهميان: ٣١٤.

стр. 7

الله (١٥)، وقد ذكرت المصادر عددًا كثيرًا من تلامذته الذين درسوا عليه، أو رووا عنه مؤلفاته أو مروياته من شيوخه، وهم: ١ - أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغسّاني الجيّاني (١٦)، المتوفى سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، ولم تذكر مصادر ترجمة الأعلم غيره (١٧). ٢ - أبو بكر محمد بن سليمان الكُلاعي كاتب الدولة اللمتونية، المعروف بابن القصيرة، المتوفى سنة ثمان وخمس مئة (١٨). ٣ - محمد بن أبي العافية النحوي الإشبيلي، المتوفى سنة تسع وخمس مئة (١٩). ٤ - أبو عامر محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة، المتوفى سنة احدى عشرة وخمس مئة (٢٠). ٥ - علي بن عبد الرحمن بن محمد بن مهدي بن عمران التنوخي، المعروف بابن الأخضر، المتوفى سنة أربع عشرة وخمس مئة (٢١). ٦ - أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، المتوفى سنة عشرين وخمس مئة (٢٢) ٧ - عبد المجيد بن عبد الله بن عبد ربّه الفهري، المتوفى سنة سبع وعشرين وخمس مئة (٢٣). ٨ - سليمان بن محمد بن عبد الله المالقي، المعروف بابن الطراوة، المتوفى سنة ثمان وعشرين وخمس مئة (٢٤). _________ (١٥) الذخيرة: ٢/ ٤٧٤. (١٦) الصلة: ١٤١، بغية المتلمس: ٢٤٩. (١٧) ينظر: الصلة: ٦٤٤، معجم الأدباء: ٢٠/ ٦١، وفيات الأعيان: ٧/ ٨١، نكت الهميان: ٣١٣، مرآة الجنان: ٣/ ١٥٩، طبقات النحاة واللغويين: ٥٤٨. (١٨) الصلة: ٥٣٩، الإحاطة: ٢/ ٥١٧. (١٩) الصلة: ٥٤٠، إنباه الرواة: ٣/ ٧٣. (٢٠) الصلة: ٥٤١. (٢١) الصلة: ٤٠٤، بغية المتلمس: ٤١٢، إنباء الرواة: ٢٨٨. (٢٢) فوات الوفيات: ٢/ ٣٨٨. (٢٣) الصلة: ٣٦٩. (٢٤) فوات الوفيات: ٢/ ٧٩.

стр. 8

٩ - عيسى بن محمد بن عبد الله بن عيسى الزهري الشنترني، المتوفى سنة ثلاثين وخمس مئة (٢٥). ١٠ - أبو بكر محمد بن إبراهيم بن غالب بن عبد الغافر العامري، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة (٢٦)، الذي روى عن أبي الحجاج مؤلفاته ومروياته عن شيوخه (٢٧). ١١ - أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئه (٢٨). ١٢ - محمد بن عبد الغني بن عمر بن عبد الله بن فندلة، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة (٢٩). ١٣ - أبو الوليد إسماعيل بن عيسى بن حجاج اللخمي، الذي روى عنه كثيرًا من مؤلفاته ومروياته عن شيوخه (٣٠). آثاره: خلّف أبو الحجاج ثروة مفيدة من الكتب التي اختصت باللغة والنحو والأشعار، إذ لم نقف له على كتاب ألّفه في غير ذلك، وهذه الآثار هي: المطبوعة: ١ - تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات بالعرب، وهو هذا الكتاب الذي حققناه، وقد صحّفه ابن خير الإشبيلي (٣١) إلى "عيون الزهد في شرح أبيات كتاب سيبويه"، وقد طُبع هذا الكتاب على هامش كتاب سيبويه في مطبعة بولاق عام ١٣١٦ هـ. _________ (٢٥) الصلة: ٤١٧. (٢٦) الصلة: ٥٥١. (٢٧) ينظر: فهرسة ابن خير: ٤٤٧. (٢٨) الصلة: ٨٢. (٢٩) الصلة: ٥٥٢، بغية المتلمس: ٩٨. (٣٠) ينظر: فهرسة ابن خير: ٤٤٧. (٣١) فهرسة ابن خير: ٣١٤ - ٣١٥.

стр. 9

٢ - شرح ديوان الشعراء الستة، الذي يتضمن شرح دواوين الشعراء: امرئ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وعلقمة بن عبدة الفحل، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شدّاد، وقد طبعت شروع دواوين هؤلاء الشعراء منفردة. ٣ - الفرق بين المُسْهِب والمُسْهَب، وهو جواب الأعلم عن سؤال وجّهه إليه المعتمد بن عبّاد، بيّن فيه أبو الحجاج الفرقَ بين المُسْهَب والمُسْهَب، وقد أورد المقّري هذا الجواب (٣٢) ٤ - المسألة الزنبورية، وهي إجابةُ الأعلم عن سؤال وجّهه إليه بعضُ الأدباء عن المسألة الزنبورية التي جرت بين سيبويه والكسائي أو الفرّاء، والقضاء بينهم فيها، وعن نسب سيبويه وسبب لزومة الخليل بعد أنْ كان يطلب الحديث والتفسير، وعن كتابه الجاري بين الناس، وقد ذكر المَقّري جوابَ أبي الحجاج في كتابه نفح الطيب (٣٣) ٥ - النكت في تفسير كتاب سيبويه، وهو الكتاب الذي كان لنا شرف دراسته وتحقيقه، وقد صدر عن عهد المخطوطات العربية في الكويت عام ١٩٨٧ م. المخطوطة: ١ - حماسة الأعلم الشنتمري، وهذا الكتاب توجد منه نسخة محفوظة في مكتبة حسن حسني عبد الوهاب، وهي الآن محفوظة في دار الكتب الوطنية في تونس (٣٤) تحت رقم ٧٥٦. ٢ - شرح أبيات الجمل للزجاجي، حققه السيد عبد الكريم الشريف، معتمدًا على نسخته الفريدة المصورة المحفوظة في معهد المخطوطات في القاهرة تحت رقم (٥٥ نحو)، ونال به شهادة الماجستير في جامعة الإسكندرية (٣٥)، ولم يُطبع بعد، وقد ثبت لي من خلال البحث أن هذا الكتاب ليس شرح أبيات الجمل الذي صنفه الأعلم الشنتمري (*). _________ (٣٢) نفح الطيب: ٤/ ٧٧. (٣٣) نفح الطيب: ٤/ ٧٩ - ٨٦. (٣٤) أعانني الأستاذ الفاضل الدكتور حاتم الضامن على الحصول على نسخة مصورة منها. (٣٥) تفضل عليّ صديقي الجزائري مسعود خرنان بتصوير النص المحقق من الرسالة بعد استعارته الرسالة من الدكتور الشريف الموجود في الجزائر.

стр. 10

٣ - شرح شعر أبي تمام، توجد منه قطعة تتضمن شرحًا لثلاث قصائد في مكتبة حسن حسني عبد الوهاب محفوظة الآن في دار الكتب الوطنية في تونس (٣٦) تحت رقم ١٨٣٧٧. ٤ - المقالات الثلاث (في الصرف والنحو)، يشتمل هذا الكتاب على ثلاث مقالات، تشتمل كل واحدة منها على فصول في الاسم والفعل والحرف، وتوجد منه نسخة في مكتبة (لاله لي) في تركيا (٣٧) محفوظة تحت الرقم ٣٣٩٧، ولم أستطع الحصول على نسخة مصورة منها على الرغم من الجهد الذي بذلته. ٥ - النكت في تفسير كتاب سيبويه، وهو كتاب شرح فيه الأعلم عيون الكتاب وما خفي وغمض من مسائله، وقد أنجزنا دراسته وتحقيقه ضمن متطلبات درجة الماجستير، معتمدين على نسخته الفريدة المحفوظة في الخزانة العامة في الرباط تحت الرقم ١٤٢ ق، وقد أقر معهد المخطوطات العربية في الكويت طبعه، وسيصدر قريبًا. المفقودة: ١ - شرح أشعار الحماسة، وهو غير كتاب الحماسة الذي ذكرته من قبل، وقد ذكرت معظم مصادر ترجمته أنه شرح الحماسة شرح مطولا في خمس مجلدات (٣٨). ٢ - شرح الجمل في النحو لأبي القاسم الزجاجي، وقد ذكرته أغلب مصادر ترجمة الأعلم. ٣ - فهرسة الأعلم الشنتمري، ذكره ابن خير الإشبيلي (٣٩). ٤ - المسألة الرشيدية، وهذه المسألة تدور فيما يبدو حول اشتقاق اسم الله ، وقد سمّاها ابن خير الإشبيلي (٤٠) "المسألة الرشيد"، وذكرها أيضا أبو القاسم _________ (٣٦) عندي نسخة مصورة عنها. (٣٧) ينظر: نوادر المخطوطات العربية في تركيا: ٢/ ١٣٥. (٣٨) تنظر مصادر ترجمته، وفهرسة ابن خير: ٣٨٨، وكشف الظنون: ٦٩٢، وهدية العارفين: ٢/ ٥٥١. (٣٩) ينظر: فهرسة ابن خير: ٤٣٢. (٤٠) المصدر السابق: ٣١٥.

стр. 11

الكُلاعي (٤١). ٥ - رسالة في الردّ على ابن سراج، حين استنقصه ابن سراج في الرسالة الرشيدية، وأولها: (الحمد لله خير الرازقين، وإنْ كانَ لا رازق سواه، وأحسن الخالقين وإنْ كان لا خالق حاشاه)، وقد أورد أولها أبو القاسم الكُلاعي (٤٢). ٦ - المخترع في النحو، وقد ذكره ابن خير الإشبيلي (٤٣). ٧ - معرفة الأنواء، ذكره ابن خير الإشبيلي (٤٤). ٨ - معرفة حروف المعجم، ذكره ابن خير الإشبيلي (٤٥). وقد نسبت بعضُ المصادر (٤٦) إليه أنَّه شرح ديوان المتنبي، وليس الأمر كذلك، والصواب أنه ساعد شيخه ابن الأفليلي في شرح شعر المتنبي كما تقدم. ثقافته ومكانته العلمية: نهل الأعلم الشنتمري علوم اللغة العربية من معين ثَرّ، حين درس على ثلاثة من الشيوخ الذين انتهت إليهم رئاسة النحو واللغة والشعر في حاضرة قرطبة التي كانت قبلة الدارسين في بلاد الأندلس. ففي ميدان النحو درس كتاب سيبويه على ابن الأفليلي وأبي سهل الحّراني ومسلم بن أحمد الأديب (٤٧)، وكتاب أبنية كتاب سيبويه لأبي بكر الزبيدي على ابن الأفليلي (٤٨). وفي ميدان اللغة درس الكامل للمبرّد، والغريب المصنف لأبي عبيد، ولحن العامة للزبيدي على ابن الأفليلي (٤٩)، والنوادر لأبي علي القالي، وإصلاح المنطق لابن السكيت، _________ (٤١) إحكام صنعة الكلام: ٦٨. (٤٢) المصدر السابق. (٤٣) فهرسة ابن خير: ٣١٥. (٤٤) المصدر السابق. (٤٥) فهرسة ابن خير: ٤٢٢. (٤٦) ينظر: نفح الطيب: ٣/ ١٨٤. (٤٧) فهرسة ابن خير: ٣٠٥. (٤٨) فهرسة ابن خير: ٣٤٦. (٤٩) فهرسة ابن خير: ٣٢١، ٣٢٨، ٣٤٧.

стр. 12

وكتاب الأمثال لأبي عبيد على أبي سهل الحرّاني (٥٠)، والألفاظ لابن السكيت، واختيار فصيح الكلام لثعلب على شيخيه أبي سهل الحراني وابن الأفليلي (٥١)، وأدب الكاتب لابن قتيبة على شيوخه ثلاثتهم (٥٢). ودرس الأشعار الستة الجاهلية وغيرها على أبي سهل الحرّاني (٥٣)، وشعر أبي تمام والمتنبي على شيخه ابن الأفليلي (٥٤). لقد صيّرت هذه المنابع الثرّة أبا الحجاج إمامَ نحاة زمانه (٥٥)، وصارت الرحلة إليه في زمانه (٥٦)، لأنه كان (عالمًا بالعربية واللغة، واسع الحفظ للأشعار ومعانيها، جيّد الضبط، كثيرَ العناية بهذا الشأن) (٥٧)، ممَّا دعا المعتضد بن عبّاد إلى اختياره مؤدبًا لولده، وكذلك فَعَل ابنه المعتمد الذي كان يوجه إليه الأسئلة فيها يعنّ له من أمور اللغة (٥٨). ولم ينفرد أبو الحجاج بهذا الفضل، فقد كان معاصرًا للأستاذ أبي مروان بن سراج المتوفى سنة تسع وثمانين وأربع مئة (٥٩)، وكان بينهما من الخصومة (ما يكون بين فَحْلين في هَجْمَةٍ، وزعيمين في أُمّة) (٦٠)، ويتجلّى ذلك في استنقاص ابن سراجٍ الأعلمّ حين ألّف رسالته الرشيدية (٦١). وقد خلّف الأعلم بعض الأشعار التي عبّر بعضها عن مشاعره تجاه آل عبّاد الذين _________ (٥٠) فهرسة ابن خير: ٣٢٤، ٣٣٣، ٣٤٠. (٥١) فهرسة ابن خير: ٣٣٠، ٣٣٨. (٥٢) فهرسة ابن خير: ٣٣٣. (٥٣) فهرسة ابن خير: ٣٨٨، ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٨. (٥٤) فهرسة ابن خير: ٤٠٢، ٤٠٣، وينظر ايضا: شرح شعر أبي تمام ١ ظ. (٥٥) نفح الطيب: ٤/ ٧٥ (٥٦) الصلة: ٦٤٤، نكت الهيمان: ١١٣. (٥٧) معجم الأدباء: ٢٠/ ٦٠، وينظر: وفيات الأعيان: ٧/ ٨١. (٥٨) فقد سأله مثلا عن الفرق بين المُسْهِب والمُسْهَب، ينظر: نفح الطيب: ٤/ ٧٧. (٥٩) ترجمته في: الذخيرة: ١/ ٨٠٩، الصلة: ٣٤٦. (٦٠) الذخيرة: ٢/ ٤٧٤، والهَجْمَةُ من الإبل: ما بين التسعين إلى المئة. (٦١) إحكام صنعة الكلام: ٦٨.

стр. 13

غمروه بفضلهم ومَنِّهم، من ذلك قصيدته التي يخاطب بها المعتمد بن عبّاد فيقول: با مَنْ تَمَلّكني بالقولِ والعَمَلِ … ومُبْلغي في الذي أَمَّلْتُهُ أَمَليِ كيف الثَناءُ وقدْ أعجَزْتَني نِعَمًا … مالي بشُكري عليها الدهرَ مِن قِبَلِ رفَعْتَ للجودِ أعلامًا مُشَهَّرَةً … فبابُك الدهرَ منها عامِرُ السُبُلِ (٦٢) ويقع القسمُ الآخر من نظمه الذي وقفنا عليه ضمن الشعر التعليمي، كقوله يجيب المعتمد بن عبّاد حين سأله عن الفرق بين المُسْهِب والمُسْهَب: سَلامُ الإلهِ ورَيْحانُهُ … على المَلِكِ المُجْتَبى المُنْتَخَلْ سَلامَ امرئٍ ظَلَّ مِن سَيْبِهِ … خَصيبَ الجَناب رحيبَ المَحَلّ أَتاني سؤالُك أعْزِرْ بهِ. … سؤال مُبِرٍّ على مَنْ سأَلْ يُسائلُ عن حالَتي مُسْهَبٍ … ومُسْهَبٍ المُبْتَلى بالعِلَلْ ثم يقول بعد ذلك: لِمَ اختَلَفا في بناءيْهما … وحُكْمُها واحدٌ في فعلْ أَتى ذا على مُفْعَلٍ لم يُعَلّ … وذاك على مُفْعِلٍ قد أُعِلْ (٦٣) _________ (٦٢) تنظر القصيدة في نفح الطيب: ٤/ ٧٥. (٦٣) تنظر تكملة القصيدة في نفح الطيب: ٤/ ٧٩.

стр. 14

الأعلم الشنتمري الراوية: يُعدّ أبو الحجاج حلقة مهمة في سلسلة الرواية لعدد كبير من كتب اللغة والنحو ودواوين الشعر، وقد كان حريصًا على ذكر سلسلة روايته عن شيوخه وإنْ تعدّدت، فهو يقول مثلًا في مقدمته لشرح شعر أبي تمام: (واعتمدتُ من الروايات فيه على رواية أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي لصحتها وشهرة قصائدها، مع ما ضَمّه إليها الشيخ أبو القاسم ابن الأفليلي من أشعار القراطيس التي اجتلبها أبو علي وذكر أنها … أبي تمام، وما اختاره أبو القاسم أيضًا وجَمَعه من رواية الصولي، والذي رواه أبو علي من هذا الشعر هو ما قَيَّده في سفر الكاغد الذي قرأ فيه على أبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، وأقراه إيّاه رواية عن علي بن فهمي الكسري عن أبي تمام، واستقر السفر المذكور عند الحاجب جعفر بن عثمان، وصار من قبله إلى صاحب الشرطة الكاتب أبي جعفر بن فضل، وأخبرنا أبو القاسم الأفليلي أنه استعاره من ابنه وأضاف إليه ما ذكرناه من قصائد القراطيس، وما اختاره من رواية الصولي، وما ألفاه في الكتب التي استقرت بخط أبي علي البغدادي وروايته في خزانة المنصور أبي عامر، وزعم أن هذه الكتب المذكورة أخرجها إليه أبو القاسم الحسن بن الوليد المعروف بابن العريف) (٦٤)، وقد أثبتُّ هذا النص الطويل ليكون دليلًا على سعة اطلاع أبي الحجاج على روايات الأشعار ومصادرها. وقد حَفِل كتابُ ابن الإشبيلي بذكر كثيرٍ من الكتب التي رواها الأعلم مع سلسلة رواتها عن مصنفيها، وهي (٦٥): ١ - أبنية كتاب سيبويه لأبي بكر الزبيدي. ٢ - اختيار فصيح الكلام لثعلب. ٣ - أدب الكاتب لابن قتيبة. ٤ - الأشعار الستة الجاهلية (٦٦). _________ (٦٤) شرح شعر أبي تمام: ١ ظ. (٦٥) ينظر على التوالي فهرسة ابن خير: ٣٤٦، ٣٣٨، ٣٣٣، ٣٨٨، ٣٣٠ - ٣٣٣، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٤٠، ٣٩٢، ٣٩٨، ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٠٣، ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٢٠، ٣٢١، ٣٠٥، ٣٤٧، ٣٢٣ - ٣٢٤. (٦٦) توجد منه نسختان محفوظتان في دار الكتب الوطنية في تونس تحت الرقمين: ١٨٦٢٤ و ٢٤٤٥.

стр. 15

٥ - إصلاح المنطق لابن السكيت (٦٧). ٦ - الألفاظ لابن السكيت. ٧ - الأمثال لأبي عبيد. ٨ - شعر أبي تمام. ٩ - شعر الحطيأة. ١٠ - شعر السليك بن السلكة، وقصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة لقيط بن يعمر الأيادي، وشعر الأسود بن يعفر، وشعر حاتم بن عبد الله، وشعر زيد الخيل. ١١ - شعر طفيل الغنوي. ١٢ - شعر عمرو بن أحمر الباهلي. ١٣ - شعر المتنبي. ١٤ - الغريب المصنّف لأبي عبيد القاسم بن سلام. ١٥ - الكامل للمبرد. ١٦ - كتاب سيبويه. ١٧ - لحن العامة للزبيدي. ١٨ - النوادر لأبي علي القالي. هذا ما أفدناه من كتاب ابن خير الإشبيلي، ولو وصل إلينا كتابه (فهرسة الأعلم الشنتمري) لعرفنا أيّ راوية كان أبو الحجاج. شخصية الأعلم وأثره في اللاحقين: الأعلم الشنتمري واحدٌ من متذوّقي الأدب، والعارفين بصحيح أشعار العرب ومنحولها، فقد اختار أشعار الشعراء الستة الجاهليين من روايات مختلفة ثم شرحها، وظَلّ شَرحُه لأشعارهم مصدرًا رئيسًا لدواوينهم التي نُشِرت، واختارَ شعر أبي تمام من روايات مختلفة ثم شَرَحه، لكنّ هذا الشرح لم يصل إلينا كاملًا، ولو وَصلَ لكانت له قيمة عظيمة في توثيق ديوان أبي تمام، ورتّب حماسة أبي تمام على حروف الهجاء وهذّبها، _________ (٦٧) توجد منه نسخة برواية الأعلم محفوظة في خزانة القصر الملكي في المغرب تحت الرقم (١٨٠).

стр. 16

وأضاف إليها حماسيات كثيرة اختارها من عيون الشعر العربي، فنتج عن ذلك حماسة جديدة تضاف إلى كتب الحماسية الأخرى. وهو أيضا واحدٌ من شُرّاح كتب النحو الذين تركوا آثارهم الواضحة على التصانيف التي شرحوها، وقد تفرّد بمنهجه الجديد في شرحِهِ لأبيات جمل الزجاجي، وكانت له شخصية واضحة في الشروح الأخرى، تتجلى فيها يأتي: ١ - دفاعُهُ عن سيبويه، ورَدُّه على مُغَلِّطيه والمنكرينَ لبعض آرائه، أمثال الأخفش الأوسط والمبرّد والزجاج، لكنّه لم يكن متعصبًا لسيبويه، فقد يخالفه في الرأي، ويقدم الدليل على ذلك، كقوله بعد بيت ابن أحمر: يُعالجُ عاقرًا أعيَتْ عليه … ليُلقِحَها فينتِجُها حوارا قال سيبويه: (كأنه قال: يُعالجُ فإذا هو ينتجُها)، والنصبُ الوجهُ، ولم يذكره سيبويه، والرفعُ بعيدٌ جدًّا … وكلُّ واحدٍ من وجهي الرفع لا يصح في ينتجها، لأنك إنْ عَطَفْتَه على (يُعالجُ) لم يجز، لأنْ العلاجَ للعاقرِ يكون، ونِتاجُها لا يكون، وإنْ جَعلْتَه مستأنفًا بمعنى فهو ينتجُها، لم يصلح أيضًا، لأنّها عاقرٌ (٦٨). وربّما أخذَ برأي مخالفي سيبويه، كقوله بعد البيت: مثلُ القَنافذِ هَدّاجون قد بَلَغَتْ … نَجرْانَ أو بَلَغَتْ سَوْءاتِهم هَجَرُ (نجران: مفعول به، ورواه المبرّد بالرفع على السعة، وهو الصحيح) (٦٩). ٢ - إذا وَجَد البابَ في كتاب سيبويه تنقصه الشواهد الشعرية، فإنه يستشهد بالشعر لتوثيق كلام سيبويه، كقوله حين ذكر سيبويه أنّ نَدى يُجمعُ على أَنْدِيةٍ: (وهو شاذّ فيما ذَكَره، وقال الشاعر: _________ (٦٨) النكت: ٧٢٥. (٦٩) شرح أبيات الجمل: ٢٦٢.

стр. 17

في لَيلةٍ مِن جُمادى ذاتِ أَنديةٍ … ولا يُبصرُ الكلبُ من ظَلْمائها الطُنُبا) (٧٠) وقد يذكر أبياتًا أخرى غير التي ذكرها سيبويه ليؤكد ما استشهد به سيبويه، وليدل على سعة اطلاعه، كقوله: (وممّا أنشده الزجّاج في الباب عن المبرّد للفرزدق في قولهم: الضاربُ الرجُلِ: ثَأرْنا بها قَتْلى وما في دِمائِها … وَفاءٌ وهُنّ الشافِياتٌ الحوائمِ فأضافَ الشافيات وفيها الألف واللام إلى الحوائم) (٧١). ٣ - تحقيقه كتاب سيبويه، وقد تحدّثنا عن ذلك مفصلًا في أثناء دراستنا لكتاب (النكت). ٤ - إبداؤه الآراء في كثير من شواهد سيبويه، وتعليل تلك الآراء، كقوله: (والقولُ عندي أنّه مبتدأ لا خَبَرَ له، لأنه اسمُ فِعلٍ نابَ منابَ الفعلِ والفاعلِ، ووقع موقعه وتعرّى من العوامل … ) (٧٢). وقد تفرّد ببعض الآراء، كقوله بعد البيت: بَدَا لي أنِّي لستُ مُدرِكَ مَا مضَى … ولا سابقًا شيئًا إذا كانَ جائيا (سابق: يُروى بالرفعِ والنصبِ والجَرِّ … ومَنَ نَصَبه فَعَلى معنى ما، لأنّه وإنْ كانَ مخفوضًا في اللفظ فهو في موضع المفعولِ) (٧٣)، وهو أَمرٌ تَفَرَّد به الأعلم، لأنّ النحِويين يُقدّرون وجهَ النصبِ في (سابق) بالعطفِ على (مدرك) الذي هو خبر ليس، في حين قَدّره الأعلم (ولا مُدرِكَ سَبْقَ شيءٍ). _________ (٧٠) النكت: ٩٧١، وينظر مثل ذلك في تحصيل عين الذهب: الشاهد ٨٨، وما بعد الشاهد ١٨١. (٧١) تحصيل عين الذهب: ما بعد الشاهد (١٤٨). (٧٢) تحصيل عين الذهب: الشاهد (٢٥٥)، وتنظر الشواهد: ٦٩، ٧٠، ١٠٢، ١٠٣، ٤٦٦. (٧٣) شرح أبيات الجمل: ٨٧.

стр. 18

٥ - قُدرتُه وتمكُّنه من عرض آراء السابقين في مسائل اللغة، واختياره الصواب مسندًا بالأدلة العقلية والنقلية، ومثال ذلك إجابته المعتمد بن عبّاد حين سأله عن الفرق بين المسهِب والمسهَب، فبعد أنْ خَطّأَ ما ورد في أدب الكاتب، ومختصر العين، نَقَل آراء الخليل وأبي علي القالي وأبي عبيدة، ثم أبدى رأيه فقال: (فرأيُ مملوكك - أيدك الله تعالى - واعتقادهُ، أنّ المسهَبَ بالفتح لا يوصَفُ به البليغ المحسن، ولا المكثر المصيب، ألا ترى إلى قول الشاعر: حَصِرٌ مُسْهَبٌ أنّه قَرَن فيه المُسهَبَ بالحَصِر، وذَمّه بالصفتين، وجعل المُسهَبَ أحَقّ بالعيّ من الساكت الحَصِر فقال: خَيرُ عِيِّ الرجالِ عِيُّ السُّكوتِ والدليل على أنّ المُسْهِب بالكسرِ يقالُ للبليغِ المكثرِ من الصوابِ أنّهم يقولون للجوادِ الأصيل من الخيلِ: مُسْهِب بالكسرِ خاصة، لأنها بمعنى الإجادة والإحسان … ) (٧٤). وقد استفاد مَن جاء بعد الأعلم من آثاره وآرائه، ولا سَيما كتابه (تحصيل عين الذهب) الذي شرح فيه أبيات سيبويه، فنقلوا عنه كثيرًا، وسأذكر العلماء الذين نقلوا عن الأعلم أو ذكروا آراءه مرتبين ترتيبًا زمنيًا، وهم: ١ - أبو حيّان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، وقد نقل عنه في ارتشاف الضرب (٧٥) غير مرّة. ٢ - الحسن بن قاسم المرادي (ت ٧٤٩ هـ)، وقد نقل عنه مرّة واحدة في الجني الداني (٧٦). ٣ - ابن هشام الأنصاري (ت ٧٦١ هـ)، وقد نقل عنه في ستة مواضع في مغني _________ (٧٤) نفح الطيب: ٤/ ٧٨. (٧٥) ارتشاف الضرب: ٤٤، ٩٤، ١١٠، ١٣٩، ١٦٨، ١٨٠، ١٨٦، ١٨٧. (٧٦) الجنى الداني: ٧٢.

стр. 19

اللبيب (٧٧). ٤ - عبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣ هـ)، ونقل عنه في كتبه الآتية: أ - خزانة الأدب، وقد نقل فيه عن حماسة الأعلم (٧٨)، وشرح أبيات كتاب سيبويه (٧٩) (تحصيل عين الذهب)، وشرح ديوان الشعراء الستة (٨٠). ب - شرح أبيات مغني اللبيب، وقد نقل فيه عن حماسة الأعلم (٨١)، وشرح أبيات الجمل (٨٢)، وشرح أبيات كتاب سيبويه (٨٣) (تحصيل عين الذهب)، وشرح ديوان الشعراء الستة (٨٤). ج - شرح شواهد الشافية، ونقل فيه كثيرًا عن شرح أبيات كتاب سيبويه (٨٥). ٥ - الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ)، وقد نقل عنه مرّة واحدة في كتابه تاج العروس (٨٦). _________ (٧٧) مغني اللبيب: ٩٦، ١٧٩، ٣٥٧، ٥١٤، ٥٣٤، ٥٤٠. (٧٨) خزانة الأدب: ١/ ١٠، ٥٣٧، ٥٦٣، ٢/ ١٨٠، ٣/ ١٦٥، ٢٨٢، ٣١٥، ٣٣٠، ٣٤٥، ٣٥٤، ٦٠٥، ٦٠٦، ٤/ ١٨٧، ٥٢٣. (٧٩) ذكره في أربعين ومئتي موضع، تنظر في إقليد الخزانة: ٩٠ - ٩١. (٨٠) خزانة الأدب: ١/ ١٠، ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٤، ٤٣٦، ٤٣٧، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٣، ٤٤٥، ٥٠٥، ٢/ ٢٠٣، ٤٤٤، ٤٧٦، ٣/ ١٠، ١٢، ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ٣١١، ٣٦٢، ٣٦٤، ٤٣٦، ٤٦٤، ٤٦٥، ٥٨٩، ٥٩٠، ٤/ ١٠٢، ١٣٩، ١٤٥. (٨١) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ٣٥٦، ٢/ ٥٧، ٢٣١، ٣/ ١٩٧، ٤/ ١٢٧، ٢٧٢، ٥/ ٣١٦، ٦/ ٨، ٧/ ٦١. (٨٢) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ٦٥، ١٨٥، ١٨٦. (٨٣) نقل عنه البغدادي كثيرًا جدًّا، تنظر في فهارس شرح أبيات مغني اللبيب. (٨٤) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ١٩٦، ٢٤٤، ٢٩٦، ٣/ ٣٨، ١٣٧، ٤/ ٦٦، ٧/ ١١٣، ١٥٠، ٨/ ١١. (٨٥) شرح شواهد الشافعية: ١٦، ٢٣، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٦٣، ١٢٢، ١٣٣، ١٦١، ٢٠٨، ٢١٠، ٢١١، ٢٢٦، ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٩، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٨٥، ٣٣٣، ٣٣٦، ٣٣٩، ٣٥٧، ٣٦٠، ٣٧٠، ٣٧٤، ٣٧٧، ٣٧٩، ٤٠٠، ٤١٠، ٤٤١، ٤٧٨، ٤٨٩، ٤٩١، ٤٩٣، ٤٩٥. (٨٦) تاج العروس (سبح).

стр. 20

عماه ووفاته: كُفَّ بصرُ أبي الحجاج في آخر عمره، وقد ذكر الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي سبب عماه فقال: (قيل في سبب عماه: إنّه سُئل عن وجه منع اعتبار محل اسم أنّ في النعت قبل استكمال الخبر دون غيره من التوابع) (٨٧)، فتكلّف أبو الحجاج الجواب مما كان سببًا لنزول الماء في عينه لأنّه كانَ أرمد فعمي، ولم أقف على مصدر لهذا الخبر في غير حاشية نكت الهميان. أمّا وفاته فقد أجمعت المصادر على أنّه توفي سنة ست وسبعين وأربع مئة، بمدينة إشبيلية في الأندلس، وقد أخطأ اليافعي (٨٨) حين ذكر وفاته في وفيات سنة ست وتسعين وأربع مئة، وكذلك أخطأ ابن العماد الحنبلي حين ذكرها في وفيات سنة خمس وتسعين وأربع مئة (٨٩). وقد رثاه الشاعر عبد الجليل بن وهبون المرسي (٩٠) بقصيدة مطلعها: سبَقَ الفَناءُ فما يدومُ بَقاءُ … تَفْنى النجومُ وتَسقطُ البَيضاءُ إلى أن يقول: ماتَ ابنُ عيسى مَنْ يقولُ به عَسَى … شَفقًا وليسَ مع الحِمامِ رَجاءُ (٩١) _________ (٨٧) حاشية نكت الهميان: ٣١٤. (٨٨) ينظر: مرآة الجنان: ٣/ ١٥٩. (٨٩) ينظر: شذرات الذهب: ٣/ ٤٠٣. (٩٠) تنظر ترجمته في بغية المتلمس: ٣٧٤. (٩١) تنظر القصيدة في الذخيرة: ٢/ ٤٧٨ - ٤٨٥.

стр. 21

الفصل الثاني دراسة كتاب تحصيل عين الذهب

стр. 22

اسم الكتاب ومؤلفه: شُهر هذا الكتاب بـ (شرح شواهد سيبويه)، أو شرح أبيات كتاب سيبويه (١)، وقد انفرد ابن خير الإشبيلي (٢) بذكر عنوان الكتاب حين سمّاه (عيون الزهد في شرح أبيات كتاب سيبويه)، وهو عنوان أصابه التصحيف والحذف، لأنّ الأعلم الشنتمري سمّاه (تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب) (٣). أمّا نسبته إلى مؤلفه فلا غبار عليها، إذ لم نجد مصدرًا يشك فيها، وهناك أدلة كثيرة تؤكد صحة هذه النسبة، من هذه الأدلة ما يأتي: ١ - ذكرت المصادر أن الأعلم الشنتمري صنّف كتابًا شرح فيه أبيات كتاب سيبويه (٤). ٢ - هناك مصادر كثيرة نقلت من هذا الكتاب، وقد تتبعنا هذه النقول فوجدناها منقولة بأمانة من تحصيل عين الذهب (٥). ٣ - ذكر الأعلم في هذا الكتاب كتابًا آخر له، وهو كتاب (النكت)، وقد ذكره فيه ثماني عشرة مرّة (٦) سبب التأليف: صرّح أبو الحجاج بدواعي تأليفه هذا الكتاب فقال: (هذا كتابٌ أمَرَ بتأليفه وتلخيصه وتهذيبه وتخليصه المعتضدُ بالله المنصورُ بفضل الله أبو عمر وعبّاد بن محمد … أمَرَ أدامَ الله عِزَّهُ وأعَزَّ سلطانه ونَصْرَه باستخراج شواهد كتاب سيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر - رحمة الله عليه -، وتخليصها منه، وجَمْعِها في كتابٍ يخصّها ويفصلها عنه، _________ (١) تنظر المصادر التي نقلت من تحصيل عين الذهب في الفصل السابق، وفهرسة ابن خير: ٣١٤ - ٣١٥، وطبقات النحاة واللغويين: ٥٤٨، وكشف الظنون: ١٤٢٨، ودائرة المعارف الإسلامية ٢/ ٣٢١. (٢) فهرسة ابن خير: ٣١٤ - ٣١٥. (٣) تحصيل عين الذهب: ٥٢. (٤) فهرسة ابن خير: ٣١٤ - ٣١٥، طبقات النحاة واللغويين: ٥٤٨، كشف الظنون: ١٤٢٨، دائرة المعارف الإسلامية: ٢/ ٣٢١. (٥) تنظر المصادر التي نقلت من تحصيل عين الذهب في الفصل السابق. (٦) تنظر الشواهد: ٤٢، ٤٧، ١٠٢، ١٧٣، ٢٢٨، ٢٥٦، ٢٧١، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٥، ٤٢٥، ٥٠٧، ٥٣٦، ٦٢٣، ٧٧٠، ٧٧٣، ٧٨١.

стр. 23

مع تلخيص معانيها، وتقريب مراميها، وتسهيل مطالعها ومراقيها، وجلاء ما غمض منها وخفي من وجوه الاستشهادات فيها، ليقرُبَ على الطالب تناوُلُ جملتها، ويَسهلَ عليه حَصَرُ عامَّتها) (٧). يتبين لنا من هذا النص أنّه ألّفه تلبيةً لأمرِ المعتضد بالله، حين أمَرَه باستخراج شواهد كتاب سيبويه، وجَمْعها في كتاب يخصها، وتلخيص معانيها، وتبيين الغرض من استشهاد سيبويه بها، ليسهل على الطالب حصرها ودراستها جميعًا. منهج الكتاب: حدّد الأعلم السمات العامة لمنهجه في مقدمته للشرح فقال: (وجَمْعها في كتاب يخصها ويفصلها عنه، مع تلخيص معانيها، وتقريب مراميها، وتسهيل مطللعها ومراقبها، وجلاء ما غمض منها وخفي من وجوه الاستشهادات فيها … وألفته على رتبة وقوع الشواهد، وأسندتُ كلَّ شاهد منها إلى بابهِ أوّلًا، ثُمَّ إلى شاعره معلومًا آخِرا، ولم أُطِل فيه إطالةً تُمِلّ الطالب الملتمس للحقيقة، ولا قَصّرتُ تقصيرًا يُخلُّ عنده بالفائدة) (٨). ولنأخذ مثالًا لشرح الأعلم لنتبين منهجه في شرح الشواهد، وهذا المثال هو: (وأنشد في الباب لجرير: إذا بعضُ السِنينَ تَعرّقَتْنا … كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أَبي اليَتيمِ استشهد به على تأنيث تعرّقَتْنا فعل بعض، لإضافته إلى السنين، ولأنه أراد سنةً فكأنّه قال: إذا سنةٌ من السنين تعرّقتنا. عني بالبيت هشام بن عبد الملك، فيقول: إذا أصابتنا سنةُ جَدْبٍ تُذهبُ المالَ قام للأيتامِ مقامَ آبائهم، لأنه ذكر الأيتامَ أوّلا، ولكنّه أفرَدَ حَمْلًا على المعنى. لأنَّ الأيتامَ هنا اسمُ جنس، فواحدها ينوُب مناب جَمْعِها، وجَمْعُها ينوبُ منابَ واحدِها، فمعنى كفى الأيتام فَقْد أبي اليتيم، ومعنى كفى اليتيم فَقْد أبيه واحدٌ، ومعنى تعرّقَتْنا أذهَبَتْ أموالنا، وأصلُه من تعرَّقتُ العظمَ، إذا أَذهَبْتَ ما عليه من _________ (٧) تحصيل عين الذهب: ٥٢. (٨) المصدر السابق: ٥٢ - ٥٣.

стр. 24

اللحمِ) (٩). فلو حاولنا تلمّس منهج الأعلم لوجدناه ينسب الشاهد إلى بابه، ثم يذكر قائله إنْ كانَ معلومًا، ثم يذكر موضع الشاهد في البيت، وبعد ذلك بشرح المعنى العام للبيت، ومعاني المفردات. ويمكننا تفصيل سمات منهجه بما يأتي: ١ - يبدأ بذكر موضع الشاهد في البيت الذي أنشده سيبويه كما رأينا في البيت المتقدم، فإنْ كان في البيت شاهد آخر فإنّه يذكره أحيانا كقوله بعد البيت: إذا ما الخُبْزُ تَأدِمُه بلَحْمٍ … فذاكَ أَمانَةَ الله الثَريدُ (الشاهدُ فيه رفع ما بعد إذا كما تقدّم، ونَصَبَ أمانة الله بإسقاط حرفِ الجرّ ووصول الفعل المضمر، والمعنى أحلفُ بأمانة الله) (١٠). وإذا اختلفَ النحويون في موضع الشاهد فإنّه يذكره عند سيبويه ثم يذكر آراءَ غيرهِ من النحويين، كقوله بعد الشاهد: أيَامَ جُمْلٍ خليلًا لو يَخافُ لها … صُرْمًا لَخُولِطَ منه العَقلُ والجَسَدُ (الشاهد فيه نصبُ خليل على الاختصاص والتعجب، وقال بعض النحويين: إنّما احتجّ به لنصب الأيّام على الاختصاص كما نَصَب بني مِنْقرٍ ونحوه على ذلك) (١١). فإنْ وردت أبيات متعدّدة والشاهد فيها واحد، فإنّ الأعلم يكتفي بذكر موضع الشاهد في البيت الأول، ويشير في الأبيات التي تليه إلى أنّ القول فيه كالقول في الذي قبله (١٢). _________ (٩) الشاهد: ٣٥. (١٠) الشاهد: ٦٢٧، وينظر أيضا الشاهد: ٥٠٢. (١١) الشاهد: ٤٦٨، وينظر أيضا الشاهد: ٨٦. (١٢) الشاهد: ٣٤ والشواهد الثلاثة التي تليه، وينظر أيضا الشاهد: ٤٤ والذي بعده.

стр. 25

٢ - يُكثر العناية بذكر التقدير في الشواهد، كقوله بعد البيت: إذا لم تَزَل في كُلِّ دارٍ عَرَفْتَها … لها واكفٌ من دَمْعِ عَينِك يَسْجُمِ (وتقدير لفظ البيت، إذا لم تزل في كلِّ دارٍ عرفتها من ديار الأحبة يسجم لها وأكفٌ من دمعِ عينك) (١٣)، فإنْ كان هنالك خلاف بين النحويين في التقدير فإنه يذكره، كقوله بعد البيت: فواعِدِيهِ سَرْحَتيَ مالكٍ … أو الرِّبَى بينَهما أَسْهَلا فكأنه قال: ائتي أسهلَ الأمرين عليك، وغيرُ سيبويه يقدّره تقدير يكن أسهَلَ عليك) (١٤). والأعلمُ لا يكتفي بذكر تقدير مخالفي سيبويه بل يشير إلى أولى التقديرين (١٥)، وقد يخالفُ سيبويه في التقدير كقوله بعد الشاهد: فما أنا والسَيرَ في مَتْلَفٍ … يُبَرَّحُ بالذكَرِ الضابِط (الشاهد فيه نصبُ السير بإضمار الملابسةٍ، لأنّ معنى ما أنا والسير، مالي ألابِسُ السيرَ وأتشبّث به، فكأنّه قال: ما أنا وملابَسَتي السير، وقدره سيبويه ما كنتُ والسيرَ، وكيفَ أكونُ) (١٦). ٣ - قد يُعربُ البيتَ الشاهدَ جميعه، كقوله بعد بيت لبيد: فغَدَتْ كِلا الفَرْجَينِ تَحسبُ أنّه … مَولى المَخافَةِ خَلفُها وأمامُها (وكِلا في موضع رفعٍ بالابتداء، وتحسب مع ما بعدها في موقع المخبر، والهاء _________ (١٣) الشاهد: ٦٣٠. (١٤) الشاهد: ٢١٨. (١٥) الشاهد: ٢٠٩. (١٦) الشاهد: ٢٣٨.

стр. 26

من أنّه عائدة على كلا، لأنّه اسمٌ واحدٌ في معنى التثنية، فحمل ضميره على لفظه، ومولى المخافة خبر لأنّ) (١٧). وقد يذكر أوجه الإعراب المختلفة للشاهد كما في بيت ابن صريم اليشكري: ويَومًا تُوافِينا بوَجهٍ مُقَسَّمٍ … كأنْ ظبية تَعْطو إلى وارِقٍ السَلَمْ حيث ذكر جواز الرفع والنصب والجر في ظبية، وبيَّن التقدير في كلّ حالةٍ (١٨). ٤ - يُوردُ الاحتمالات المختلفة لأصل الكلمة، كما في بيت العجّاج (١٩): قَواطِنًا مكَّةَ من وُرْقِ الحَمِي ٥ - يشير أحيانًا إلى لغات العرب، كقوله بعد البيت: أَفي كُلِّ عامٍ مَأَتَمٌ تَبعثونَهُ … علي مِحْمَرِ ثَوَّبْتُموهُ وما رُضَا (ورُضَا بمعنى رُضِيَ، وهي لغةُ طَييء، يكرهون مجيء الياء بعدَ الكسرةِ متحركة، فيفتحون ما قبلَها لتنقلب إلى الألف لخفتها) (٢٠). ٦ - يُعني كثيرًا بذكر الجموعِ غيرِ القياسية، كقوله بعد الشاهد: حتّى كأنْ لم يكُنْ إلا تَذَكُّرُهُ … والدَهرُ أيَّتما حِينٍ دَهاريرُ (١ ويقال: الدَهاريرُ جمعُ دهر على غير قياس كما قيل: ذَكَر ومَذَاكير) (٢١). ٧ - يشرح في أحيان قليلة بعض مسائل النحو والصرف، كقوله بعد الشاهد: قَدْ كنتُ دايَنْتُ بها حَسّانا … مخافَةَ الإفلاسِ والليّانا _________ (١٧) الشاهد: ٣٠٢. (١٨) الشاهد: ٣٩٤. (١٩) الشاهد: ١. (٢٠) الشاهد: ١٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ٩٥١. (٢١) الشاهد: ١٩٥، وينظر أيضا الشاهد: ٢٨٦.

стр. 27

يُحسُ بَيعَ الأصلِ والقِيانا (والليّانُ مصدر لَوَيْته بالذَيْنِ لَيًّا ولَيّانًا، إذا عَطَلْته، وهذا المثالُ قليلٌ في المصادر لم يُسْمَع إلّا في هذا وفي قوله: شَنتُه شَنْانًا، فيمن سكَّنَ النونَ) (٢٢). ٨ - قلّما يُصرّحُ بالخِلافِ بين النحويين البصريين والكوفيين في الشواهد التي يشرحها، ويكتفي بالإشارة إلى الخلافِ ولا يرجّحُ أحَدَ المذهبين، كقوله بعد بيت طرفة: أَلا أَيُّها ذا الزاجرِي أحضُرُ الوَغَى … وأنْ أشهَدَ اللذّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (الشاهد في رفعِ أحضر، لحذفِ الناصب وتَعَرِّيه منه، والمعنى لأنْ أحضر الوَغى، وقد يجوز النصبُ بإضمارِ أنْ ضرورةً، وهو مذهب الكوفيين) (٢٣). ٩ - يذكر رَدَّ اللغويين على الشعراء في أبياتهم، وتَغْليطهم إيّاهم، كقوله بعد بيت ذي الرمّة: حَراجِيجُ ما تَنفَكُّ إلّا مُناخَةً … على الخَسْفِ أو نَرْمي بها بَلَدًا قَفْرا (وكان الأصمعيّ يُغَلَط ذا الرمّة في قوله: ما تنفَكُّ إلَا مُناخةً، لإدخالِهِ حَرْفَ الإيجابِ على ما تنفكُّ، ومعناها إيجابُ الخبر) (٢٤)، وقد يذكر اتّهامَ اللغويين للنحويين بتغيير روايةِ بعض الأبيات والاستشهاد بها (٢٥). ١٠ - حين ينتهي الأعلم من بيان موضع الشاهد في البيت، وما يتصل بذلك من آراء النحاة واختلافاتهم إنْ وُجِدت، يشرع في شرح معني البيت الذي … به عنايةً فائقة، مستعينًا بالوسائل الآتية في توضيح المعنى: أ - إذا ورد الشاهدُ شطر بيتٍ، سواء كان صدرًا أو عجزًا، فإنّه يُكمل البيت _________ (٢٢) الشاهد: ١٦٢، وينظر أيضا الشاهد: ٣٤٤. (٢٣) الشاهد: ٦٦٤، وينظر أيضا الشاهد: ٦٧٤. (٢٤) الشاهد: ٦١٣، وينظر أيضا الشاهد: ٩٢٢. (٢٥) الشاهد: ٦٣٢.

стр. 28

ليستعين به في توضيح المعنى المقصود (٢٦). ب - قد يوضح المعنى بطريق إيراد البيت الذي يليه أو يسبقه، فمثال الأول شرحه بيت خداش بن زهير (٢٧)، ومثال الثاني شرحه بيت النمر بن تولب (٢٨)، وربّما ذكر أكثر من بيت بعد البيت الشاهد، كما فَعَل في شرح بيت زياد الأعجم (٢٩). وهذه الوسيلة تفيد الشرّاح كثيرًا في جلاء المعاني، ولو التزمها الأعلم دائمًا لابتعد عن الأخطاءِ التي قد يقع فيها، فقد أخطأ الأعلم في شرح الشاهد: يَحسبُهُ الجاهلُ ما لَمْ يَعْلَما … شيخًا على كُرسِيّه مُعَمّما فالقائل عند الأعلم (٣٠) يصف جبلًا قد عَمّه الخِصبُ، في حين يصف القائلُ وَطْبَ لبنٍ قد ارتَفَعَت رغوتُهُ (٣١). ١١ - يذكر المعاني المختلفة للبيت، ويُرجّح أصحَّها، كقوله بعد بيت، حنظلة بن فاتك: وأَيقَنَ أنَّ الخَيلَ إنْ تَلْتبس بهِ … يكنْ لفَسيلِ النَخْلِ بعدَهُ آبِرُ (والبيت يتأول على معنيين: أحدهما وهو الأصح، أن يكونَ وصَفَ جبانًا فيقول: أيقَنَ أنَّه إن التَبَست به الخيل فثبت قُتِلَ فصار مالهُ إلى غيرهِ فكعّ وانهزم، والمعنى الآخر أن يكون وَصَف شجاعًا فيقول: قد عَلم أنَّه إنْ ثَبتَ وأجل لم تتغيّر الدُنيا بعده، وبقي من أهله من يَخلُفُه في حُرِمَه ومالهِ، فثبت ولم يُبالِ بالموت) (٣٢). _________ (٢٦) تنظر الشواهد: ١٨، ١٨٧، ٤٩٩، ٧٨٤، ٨٢٧، ٩١٥. (٢٧) الشاهد: ٢٩، وينظر أيضا الشاهد: ٧٥٣. (٢٨) الشاهد: ٢٠٩، وينظر أيضا الشاهد: ٣٣٧. (٢٩) الشاهد: ٢٣٦، وينظر أيضا الشاهد: ٥٧٦. (٣٠) الشاهد: ٨٧٠. (٣١) ينظر: شرح أبياته سيبويه (لابن السيرافي) ٢/ ٢٤٠، الخزانة: ٤/ ٥٧١. (٣٢) الشاهد: ١٢.

стр. 29

١٢ - قد لا يقتنع بتفسير غيره، فيبدي رأيه في الوجه الصحيح لمعنى البيت، كقوله بعد الشاهد: وجَدْنا في كتاب بَني تميمٍ … أحَقُّ الخَيلِ بالركْضِ المُعارُ (كذا فُسِّر، وهو غيرُ معروفٍ، والأشبه عندي أنْ يريدَ المستعار، ويكون المعنى أنّهم جائرون في وصيتهم لأنّهم يرون العاريةَ أحقّ بالابتذالِ والاستعمالِ مما في أيديهم، ويحتمل أن يريد أنَّ العاريةَ أحقّ بالاستعجال فيها لِتُرَدّ سريعا من غيرها كما قال: كأنَّ حَفيفَ منخره إذا ما … كَتَمْنَ الربوَ كِيرٌ مُستعارُ) (٣٣) ١٣ - قد يذكر أحيانًا سببَ تسمية الشاعر، كقوله: (وأنشد في الباب لمَقّاس العائذي، واسمُه مُسهر بن النعمان، وسُمّي مَقّاسًا ببيتٍ قاله وهو: مَقسْتُ بهم ليلَ التمام مسهرًا … إلى أنْ بدَا ضوءٌ من الفَجر ساطِعُ) (٣٤) ١٤ - يُكثر العناية بالأنساب ويستفيد منها في تفسير الأبيات وتوضيح معانيها، كقوله بعد بيت الفرزدق: تَرفعُ لي خندف والله يرفع لي … نارًا إذا خمدتْ نيرانُهُم تقِدِ (وخندف أمّ مدركة وطابخة ابني الياس بن مضر، وتميم من ولد طابخة بن إلياس، فلذلك فخر بخندف على قيس عيلان بن مضر) (٣٥). ١٥ - يذكر مناسبة البيت وقصّته، كما في بيت المتلمّس (٣٦): _________ (٣٣) الشاهد: ٨٠٤. (٣٤) الشاهد: ٢٧. (٣٥) الشاهد: ٦٢٩، وتنظر أيضا الشواهد: ٢١١، ٢١٢، ٤١١، ٩٥٢. (٣٦) الشاهد: ٢٣، وتنظر أيضا الشواهد: ١٩٥، ٧١٠، ٧٨٨.

стр. 30

آليت حَبَّ العراقِ الدهر أطعمُهُ … والحب يأكلُهُ في القَريةِ السُوسُ ١٦ - ينسب بعض الشواهد إلى قائليها كما في الشاهد الذي نَسَبه إلى ابن هرمة (٣٧)، وقد ينسب بعض الشواهد إلى أكثر من قائل، فهو يذكر نِسبَتَها في الكتاب ثم يذكر نسبةً أخرى، كقوله: (وأنشد في الباب لسوادةَ بن عدي، وقيل: لأميّة بن أبي الصلت) (٣٨)، وقد يشك في نسبة بعض الأبيات، مثال ذلك شكّه في البيت المنسوب إلى الفرزدق (٣٩)، وعلى الرغم من هذه العناية بالنسبة فقد وجدته يهمل نسبة بعض الأبيات التي نُسِبت في الكتاب (٤٠). هذه أبرز سمات منهج أبي الحجاج في شرح شواهد الكتاب تلمّستها من خلال دراسة هذا الشرح. استقصاء شواهد الكتاب: حرص أبو الحجاج على استقصاء شواهد الكتاب الشعرية، فكان يشرح هذه الشواهد في الباب شاهدًا شاهدًا، وربّما أضاف إلى شواهد سيبويه في بعض الأبواب شواهد أخرى ذكرَها غيرُه من قدامى النحويين، كما فعل في باب (ما يحتمل الشعر)، فإنّه حين أنهى شرح شواهد سيبويه في الباب شرع يشرح بعض ما أضافه الأخفش من شواهد في هذا الباب (٤١)، ومثال ذلك قوله: (وممّا أنشده الزجّاج في الباب عن المبرّد للفرزدق في قولهم: الضاربُ الرَجُلِ: أَبأنا بها قَتلى وما في دمِائها … وَفاءٌ وهُنَّ الشافياتُ الحَوائمِ _________ (٣٧) الشاهد: ٢٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ١٨٠. (٣٨) الشاهد: ٤٣، وتنظر أيضا الشواهد: ٦٥، ١٢٠، ١٢١، ١٥٢، ٢١١، ٢٩٢. (٣٩) الشاهد: ٣٧٨. (٤٠) الشاهد: ٨٦١، وينظر أيضا الشاهد: ٨٦٦. (٤١) تنظر الأبيات الثلاثة التي بعد الشاهد: ١٩.

стр. 31

فأضاف الشافيات وفيها الألف واللام إلى الحوائمِ) (٤٢)، وأضاف أبياتًا ذكرها المازني والجَرْمي في بعض الأبواب (٤٣). أمّا إذا تكرّر الشاهد في أكثر من باب، فإنْ كانَ موضعُ الاستشهاد فيه واحدًا، فإنّه يشير إلى أنّ البيت قد تقدّم تفسيرُه أو ذِكرُه، كقوله: (وبعد هذا البيت في الباب بيت جرير وبيتُ الحارث بن كَلَدة، وتقدَّم تفسيرُهما فأَغنى ذلك عن إعادتهما) (٤٤)، فلم يذكر البيتين لأنهما تقدّما وقد شَرَحَهما هناك (٤٥)، وقد يُهمل ذِكرَ البيت إذا تكرّر في بابٍ آخر كما فَعَل في الشاهد: يا أَبَتا عَلَّكَ أو عَسَاكا لأنّه تقدّم وشَرَحَه هناك (٤٦). وإنْ تكرّر البيتُ وفيه شاهد آخر، فإنه يذكر موضع هذا الشاهد، ويشير إلى أنّ البيت قد تقدّم تفسيرُه، كقوله بعد بيت المرار الفقعسي: (استشهد به ها هنا على دخول ما لتجعل بعد من حروف الابتداء كما جعلت لعلّ وأخواتها، وقد تقدَّمَ البيت بتفسيره) (٤٧). وربّما أهمل الأعلمُ ذِكرَ الشاهد حين يرد أوّل مرّة، فإذا ورد ثانيةٌ ذَكَره وشَرَحَه، كقول عنترة (٤٨): يا دارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تَكَلَّمي ولكنّ هذه العناية باستقصاء الشواهد لا تعني أنّ الأعلمَ استقصي شواهد سيبويه الشعرية جميعًا، فقد وَجَدْتُه قد أهملَ ذِكرَ شواهد قليلة، وهذه الشواهد نوعان: أولهما _________ (٤٢) ينظر البيت الذي بعد الشاهد: ١٤٨. (٤٣) تنظر الأبيات التي بعد الشواهد: ١٨١ و ١٠٠٦ و ٩٨٦. (٤٤) الشاهد: ١٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ١٠٧. (٤٥) ينظر الشاهدان: ٧٣ و ٧٤. (٤٦) الشاهد: ٥٦٣، وقد تكرر هذا الشاهد في الكتاب: ٢/ ٢٩٩، وأهمله الأعلم ولم يذكره. (٤٧) ينظر ما بعد الشاهد: ٤٠٠. (٤٨) هذا هو الشاهد (٩٧٣)، وقد ورد أول مرة في الكتاب: ١/ ٣٤٢، وقد أهمله الأعلم ولم يذكره.

стр. 32

الشواهد التي لم يذكرها قطّ، وهي (٤٩): مواعيدَ عرقوبٍ أخاه بيثربِ يا بؤس للحربِ حين لا مستصرخُ قد عَلِمت ذاك بناتُ أَلْيبه غضِّ الطرفَ إنّك من نُمَيرٍ إذا تخازَرْتُ وما بي من خَزَرْ إنّ المُوقّى مِثلُ ما وُقَّيتُ مشيةً سُجُحًا يا ابن رُقَيْعٍ هل لَها مِن مَغْبَقِ وثانيهما الشواهد التي يُحتمل أنْ تكونَ نسختُه من كتاب سيبويه خاليةً منها، وهذه الشواهد هي: ١ - ثُم قالوا تُحبّها قُلتُ بَهْرًا … عددَ النجم والحَصَى والتُّرابِ وضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأن المحقق اخذه من نسخة طـ (٥٠). ٢ - يا مالِ والحقَّ عنده فقِفوا وضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنّه لم يُذكر في الأصل ولا في النسخة ب (٥١). ٣ - مَتَى ما يُفِدْ كَسْبًا يكنْ كلُّ كَسْبِهِ … له مَطعمُ مِن صدرِ يَومٍ ومأكَلُ _________ (٤٩) تنظر هذه الشواهد على التوالي في الكتاب: ١/ ١٣٧، ٣١٥، ٣٥٧، ٢/ ٣ و ٦١، ١٦٠، ٢٣٩، ٢٥٠، ٣١٥، ٣٤٣. (٥٠) الكتاب (بولاق) ١/ ١٥٧، (هارون) ١/ ٣١١. (٥١) الكتاب (بولاق) ١/ ٣٣٥، (هارون) ٢/ ٢٥٢.

стр. 33

لم يذكر هذا الشاهد في النسخة (ب) وبعض أصول طـ (٥٢). ٤ - فَمَنْ نالَ الغِنى فليصطنعْهُ … صَنيعَتَهُ ويَجْهَد كُلَّ جَهْدِ وُضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنّه لم يرد في النسختين أو ب، وأخَذَه المحقق من النسخة ط (٥٣). ٥ - لَوْ بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ أشار إليه عبدُ القادر البغدادي بأنّ سيبويه أنشده في باب من أبواب (إنّ) في نسخة أبي الحسن وحده، ولم يجده في نسخته من الكتاب التي برواية المبرّد (٥٤). ٦ - بَكَرَ العواذِلُ في الصَبُو … ح يَلُمْنَني وأَلومُهَّنهْ ويَقُلْنَ شَيبٌ قد عَلا … كَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّهْ لم يُذكر البيتان في النسختين أوب (٥٥)، ولم يذكرهما الأعلم، وقد تكرر البيت الثاني منهما في باب آخر، فذكره الأعلمُ وبَيَّنَ وجه الشاهد فيه (٥٦). ٧ - وأنت امرؤ من خيرِ قومكَ فيهمُ … وأنت سِواهم في مَعَدَّ مُخَيَّرُ لم يُذكر هذا الشاهد في النسخة (ب) من طبعة هارون (٥٧). ٨ - خَنَاثَى يأكلونَ التمر ليسوا … بزوجاتٍ يَلدْنَ ولا رجالِ _________ (٥٢) الكتاب (بولاق) ١/ ٣٩٦، (هارون) ٢/ ٣٩٤. (٥٣) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٠٩، (هارون) ٣/ ٩. (٥٤) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٦٢، (هارون) ٣/ ١٢١، وينظر: خزانة الأدب: ٣/ ٥٩٥. (٥٥) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٧٥، (هارون) ٣/ ١٥١. (٥٦) ينظر الشاهد: ٩٤٠. (٥٧) الكتاب (بولاق) ٢/ ٢٧، (هارون) ٣/ ٢٥١.

стр. 34

وُضع هذا البيت في طبعة هارون بين معقفين، لأنَّه لم يرد في النسختين (أوب) (٥٨). ٩ - ما أَقلَّتْ قدمُ ناعِلَها … نِعِمَ الساعون في الحيِّ الشُطُرْ وُضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنه ورد في النسخة (ط) فقط (٥٩). وقد وجدت شاهد اختلفت فيه طبعتا الكتاب، فورد في طبعة بولاق (٦٠): فإنْ جَزَعًا وإنْ إجمالَ صَبْرِ وورد في طبعة هارون (٦١): وإنْ مِنْ خَريفٍ فَلَنْ يَعْدَما وهذا الشاهد شَرَحه الأعلم، ولم يشرح الشاهد الذي ورد في طبعة بولاق. ومن أمثلة الاختلاف بين الطبعتين أيضا، أن الأستاذ عبد السلام هارون أدخَلَ رجزًا في متن الكتاب (٦٢) أنشده أبو عُمَر الجرمي، وعدّه شاهدًا من شواهد سيبويه لأنه ثابت في النسختين (أوب)، ولأنّ الأعلم الشنتمري (٦٣) ذكره، وهذا الشاهد هو: أَرْمي عليها وهي فَرعٌ أجمعُ … وهي ثَلاثُ أذرعٍ وإصبَعُ وإذا كان الأعلم قد أهملَ بعض الشواهد عمدًا، أو بسبب احتمال خلو نسخته من الكتاب منها، فإنّه ذكر بيتين وأشار إلى أنَّ سيبويه قد أنشدهما في الباب، لكنّي لم أجدهما في الكتاب، وهما: _________ (٥٨) الكتاب (بولاق) ٢/ ١٩٦، (هارون) ٣/ ٦١٠. (٥٩) الكتاب (بولاق) ٢/ ٤٠٨، (هارون) ٤/ ٤٤٠. (٦٠) الكتاب ١/ ٤٧١. (٦١) الكتاب ٣/ ١٤١. (٦٢) الكتاب (هارون) ٤/ ٢٢٦. (٦٣) ينظر ما بعد الشاهد: ٩٨٦.

стр. 35

أتيتُ مهاجرينَ فعَلّموني … ثَلاثَةَ أحرفٍ متتابعاتِ وخَطّوا لي أبا جادٍ وقالوا … تَعَلَّمْ صَعْفَضًا وقُريْسِياتِ (٦٤) وهكذا نجح أبو الحجاج في استقصاء معظم شواهد الكتاب، وأنجز ما رسمه لنفسه في مقدمته حين قال: (ويسهل عليه حصر عامّتها) (٦٥). اختلاف الرواية: عُني أبو الحجاج في شرح الشواهد باختلاف الرواية، وهو أمرٌ ضرروي لمن يشرح شواهد نحوية، لأنّ الرواية الأخرى إذا وقعت في موضع الشاهد من البيت قد تُلْغي الاستشهادَ بالبيت، ومثالُ ذلك قول الأعلم بعد بيت ذي الرمّة: مَشَيْنَ كما اهتَزّتْ رماحٌ تَسَفَّهتْ … أعالِيَها مَرُّ الرياحِ النَواسِمِ (ويروى مرضى الرياح، يريد الفاترة، ولا ضرورة فيه على هذا) (٦٦)، وهناك أمثلة كثيرة أدّى اختلافُ الرواية إلى إبطال الاستشهاد بها (٦٧). والأعلمُ لا يذكر اختلافُ الرواية من غيرِ تعليق، لأنّ الاختلافَ قد يكون سببه التصحيف، كقوله بعد بيت النابغة الذبياني: حَدِبَتْ عليَّ بُطونُ ضِنَّةَ كلّها … إنْ ظالمًا فيهم وإنْ مظلوما (ويروي ضَبّة وهو تصحيف) (٦٨)، ومثل ذلك قوله بعد بيت الأسود بن يعفر (٦٩). _________ (٦٤) ينظر ما بعد الشاهد: ٧٥٧. (٦٥) تحصيل عين الذهب: ٥٢. (٦٦) الشاهد: ٣٧. (٦٧) تنظر الشواهد: ١٠، ١٧٧، ٣٤٧، ٦٠١، ٦٠٨، ٧٩٤، ٨٤٤. (٦٨) الشاهد: ٢٠٥. (٦٩) الشاهد: ٧٠٨.

стр. 36

وقد يكون عائدًا إلى الخطأ، كقوله بعد الشاهد: أقَبءُ مِن تَحتُ عريضٌ من عل (ورواية أبي الحسن مِن عَلِ، وهو خطأ) (٧٠). وربّما كانَ اختلافُ الرواية في قافيةِ الشاهد ناتجًا عن اختلافِ القائل، كما في الشاهد المنسوبِ إلى بعض السلوليين (٧١)، أو الغلط في إنشاد البيت، كما في بيت مالك بن خويلد الهذلي (٧٢)، وقد يكون بسبب اختلاف نُسخ الكتاب، كما في بيت رؤبة (٧٣). وقد يذكر الأعلمُ اختلاف الروايةِ من غير تعليق، مكتفيًا بشرح المعنى على الرواية الأخرى، كقوله بعد الشاهد: نَظّارةً حينَ تَعلو الشمسُ راكبها … طَرحًا بعينَيْ لياحٍ فيهِ تَحدِيدُ (ويروي تجديدُ بالجيم، وهو من الجُدَّةِ، والجُدَّةُ خُطّة سوداء تخالفُ لونه، وكذلك بقر الوحش) (٧٤)، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك (٧٥). ويُرجّح الأعلم أحيانًا روايةً على أخرى، ويُبين علّة ذلك مستعينًا بالمعنى، أو بما بعد البيت الشاهد، أو بالنحو، فمثال الأول قوله بعد الشاهد: تَرعَى أناضٍ مِن جَزيزِ الحَمْضِ (ويروى أناص بالصاد غير معجمة، وهو جمع أنصاء، وأنصاء جمعُ نَصِيّ، وهو ضربٌ من النبات، والرواية الأولى أصحّ، لأن النَصِيّ ليس من الحَمْضِ، إنما هو من الخَلّة) (٧٦). _________ (٧٠) الشاهد: ٧٧٦. (٧١) الشاهد: ٦٣٠. (٧٢) الشاهد: ٣٥٣. (٧٣) الشاهد: ٤٦١. (٧٤) الشاهد: ١٩٠. (٧٥) تنظر الشواهد: ٢٠، ٧٥، ٩١، ٧٤٥، ٦٦٥، ٧٤٩، ٧٥١، ٨٠٤، ٨١٢، ٨٨٤، ٩٠٥، ٩٣٨. (٧٦) الشاهد: ٩٠٩ وينظر أيضًا الشاهد: ٨٨٨.

стр. 37

ومثالُ الثاني قولُه بعد بيت المتلمس: آلَيتَ حَبَّ العِراقِ الدَهرَ أَطعَمُهُ … وَالحَبُّ يَأكلُهُ في القَريَةِ السُوسُ (والرواية الصحيحة في آليت بالفتح، لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك، ويدل على هذا قوله بعده: لَم تَدرِ بُصرى بِما آلَيتَ مِن قَسَمٍ) (٧٧) وتتضح استعانته بالنحو في ترجيح الرواية في شرحه لبيت امرئ القيس (٧٨). وقد وجدت الأعلم يروي بعض الشواهد برواية مختلفة عن رواية سيبويه لها، ثم يشير إلى الرواية الأخرى، ومثال ذلك قوله بعد بيت خداش بن زهير: فأيّي وأيُّ ابن الحُصينِ وعَثْعَثٍ … غداةَ التقَيْنا كان عندك أَعْذَرا (ويروى كان بالحلفِ أغْدرا) (٧٩)، وهذه رواية سيبويه للبيت، وهناك أمثلة كثيرة لهذه الحالة (٨٠). شواهد الأعلم في الشرح: حفل كتاب (تحصيل عين الذهب) بالكثير من الشواهد القرآنية والحديثية والمثلية والشعرية، وتأتي شواهد الشعر في المقام الأول من حيث كثرة الاستشهاد بها (٨١)، يليها الشواهد القرآنية، ثم المثلية، فالحديثية. وسوف نتحدث عن هذه الشواهد غير متخذين لكثرتها مقياسًا للترتيب. فأما الشواهد القرآنية فقد اختلفت أغراض استشهاد الأعلم بها لاختلاف المواضع، فربما استشهد بالآية لغرض نحوي، كقوله مستشهدًا على حذفِ الياء من _________ (٧٧) الشاهد: ٢٣. (٧٨) ينظر هذا البيت بعد الشاهد: ٩١٠. (٧٩) ينظر الشاهد: ٥٧٥. (٨٠) تنظر الشواهد: ٥٧٣، ٦٤٥، ٧١٢، ٧١٥، ٨٠٣، ٩١٠، ١٠٢٦. (٨١) تنظر فهارس هذه الشواهد.

стр. 38

الضمير في قوله: مِني (وهو جائزٌ في الكلام كما قريء في الوقف "أكرمَنْ" و"أهانَنْ") (٨٢)، أو لغرض من أغراض الصرف، كقوله مستشهدًا على جمع شمال على شمائل في الكثير: (كما قال : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ (٨٣). وقد يستشهد بالآية لتوضيح معنًى من المعاني كقوله: (وكانَ ينبغي أن يقول: والجبال الشامخة، ولكنه وصفها بما آلت إليه كما قال : ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: . عنبًا يؤول إلى الخمر) (٨٤)، أو لشرح معنى لفظة، كقوله: (واشتقاقه من هادَ يَهودُ إذا تاب عن الذنب، من قوله : ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، أي: تُبْنا) (٨٥). وقد استشهد بالقراءات القرآنية مرتين، وسأذكر إحداهما، وهي قوله: (وهي لغةٌ معروفة وعليها قراءةُ من قَرَأ: ﴿سالَ سايلٌ بعذابٍ واقع﴾) (٨٦). وأمّا الشواهد الحديثية فقليلة جدًّا، وكذلك المثلية، فمثال الحديثية قوله مستشهدًا على السه: (وفي الحديث: العين وكاء السَه) (٨٧) ومثال الشواهد المثلية قوله مستشهدًا على أنّ العواشي هي المتعشية المعتلفة من الإبل، واحدتها عاشية: (ومنه المثل: العاشِيةُ تهيجُ الآبِيَة) (٨٨). وأمّا الشواهد الشعرية فكثيرة، وهو يستشهد بالشعر لأغراض متنوعة، منها أنْ يكونَ معنى البيت الشاهد في الكتاب مشابهًا لمعنى البيت الذي يذكره، كقوله: (وصف فَرَسًا يَهوي في تقريبه مُسرعًا، فشبهه في ذلك بتقريب الثعلب كما قال امرؤ القيس: وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ) (٨٩). _________ (٨٢) الشاهد ٩٤٨، وتنظر أيضا الشواهد: ٢٨، ٨٩، ٣٤٤، ٣٧٤، ٦٦٦، ٦٩٩، ٩٨٦. (٨٣) الشاهد: ٩٠٦، وينظر أيضًا الشاهد: ٩١٨. (٨٤) الشاهد: ٣٦، وينظر أيضا أشاهد: ١٠. (٨٥) الشاهد: ٧٦٩، وينظر أيضا الشاهدان: ٦٨٩، ٧٤٩. (٨٦) الشاهد: ٤١٣، وينظر أيضا الشاهد: ٤٧. (٨٧) الشاهد: ٨٣٠، وينظر أيضا الشاهد: ٢٠٠. (٨٨) الشاهد: ٣٦٣، وتنظر أيضا الشواهد: ٩٢، ٩٣، ٢٦٣، ٣٦٩، ٤٨٨، ٥٠٩، ٩١٢، ١٠١٦. (٨٩) الشاهد: ١٠٠٤، وتنظر أيضا الشاهد: ١٥١، ٣٥٨، ٦٩٥، ٨٠٤، ٨٧٠، ٨٩٠.

стр. 39

أو يستشهد به لمعنى لفظة كقوله: (ويجوز أنْ يكونَ الهديلُ الفرخَ الذي تزعم الأعراب أنّ جارحًا صادَهُ في سفينة نوح، فالحمامُ تبكي عليه كما قال طرفة: كداعي هَديلٍ لا يُجابُ ولا يَمَلّ فالحديث هنا الفَرخ، لأن الحمامَ تدعوه نائحةً عليه فلا يُجيبها ولا تملّ دُعاءَه) (٩٠). وقد يستشهد بالبيت لغرضٍ نحوي، كأنْ يؤيد رأي سيبويه في مسألة من المسائل، كقوله: (وقد ألفَيْتُ في بعض ما رأيت لزيد الخيل بن مهلهل الطائي بيتًا في تعدّي فَعِل، وهو قوله: أَتاني أَنّهم مَزِقونَ عِرْضي … جِحاشُ الكِرملين لَها فَديدُ) (٩١) أو يستشهد به لمسألة نحوية، كقوله: (والفاعِلُ لا يتقدمُ في الكلام إلا أن يُبتَدَأ به، وهو مِن وَضْعِ الشيء في غير موضعه، ونَظيرُه قَولُ الزَبّاء: ما لِلجِمالِ مَشْيُها وئيدا أي: وئيدًا مَشْيُها، فقَدَّمتْ وأخَّرتْ ضرورةً) (٩٢)، أو لمسألة صرفية كقوله: (وحَسُن حذفُ صلة اللتيا لتصغيرها الدالّ على شَناعتها، لأنّهم قد يُصَغرون الشيءَ على معنى التعظيم والتشنيع كما قال: دُوَيْهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأناملُ يعني الموت) (٩٣). ويدخل ضمن شواهد الأعلم الشواهد التي رواها عن الأحفش) (٩٤)، والمازني (٩٥)، _________ (٩٠) الشاهد: ٤١٥، وينظر أيضا الشاهدان: ٤٠٦، ٤٧٠. (٩١) الشاهد: ٨٨، وينظر أيضا الشاهد: ٨٢٦. (٩٢) الشاهد: ١٦، . وتنظر أيضا الشواهد: ٩٠، ٣٤٤، ٤١٣، ٥٦٢، ٦٦٦، ٧٠٤. (٩٣) الشاهد: ٥٥١، وتنظر أيضا الشواهد: ١٩، ٤١٩، ٩٢٢. (٩٤) ينظر ما بعد الشاهدين: ١٩، ١٣٦. (٩٥) ينظر ما بعد الشواهد: ١٨١، ١٠٠٦، ١٠٢٧.

стр. 40

والزجاج (٩٦)، وأضافها إلى شواهد أبواب الكتاب. وقد يذكر الأعلمُ قائل البيت الشاهد الذي يستشهد به (٩٧)، وقد لا يذكره) (٩٨)، ويتضح ذلك من الأمثلة المتقدمة وغيرها. نسخ الكتاب: اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين قديمتين، إحداهما مخطوطة والأخرى مطبوعة، وهاتان النسختان هما: ١ - نسخة المكتبة الوطنية في تونس: وهي نسخة مكتبة الجامع الأعظم في تونس، المحفوظة في المكتبة الوطنية في تونس تحت الرقم (٣٧٣٦ A)، وقد حصلت على مصورتها من معهد المخطوطات العربية في الكويت. تقع هذه النسخة في (١٥٢) ورقة، قياسها (٢٤ × ١٧ سم)، ومعدل الأسطر في كل صفحة (١٩) سطرًا، وقد كُتبت بخط مغربي واضح ومضبوط بالشكل، وكُتبت الشواهد بخط أكبر من الخط الذي كُتب به شَرحُها، ولعلها كُتبت بلون آخر، وقد وجدتُ اضطرابًا كثيرًا في أوراق هذه النسخة، وبذلت جهدا كبيرا في إعادة ترتيبها. كتب هذه النسخة إبراهيم بن علي بن حسين البيعي المعروف بابن الخلال، وفرغ من نسخها يوم السبت الثاني والعشرين من المحرم عام ثمانية وثمانين وخمس مئة، وقد قوبلت هذه النسخة على غيرها، وكتب في آخرها: (بلغت المقابلة والحمد لله حق حمده)، وقد طالع أكثر هذه النسخة محمد بن عاشور. حَوَت حواشي هذه النسخة تعليقات كثيرة، تضمنت أحيانًا ذكر البيت أو الأبيات التي قبل البيت الشاهد، أو بعده، أو تفسيرًا لمعاني بعض المفردات التي ترد في الشاهد، أو ذكر اسم الشاعر قائل الشاهد كاملًا، أو ذكر أسماء العلماء الذين قالوا بعض الآراء _________ (٩٦) ينظر ما بعد الشاهد: ١٤٨. (٩٧) تنظر الشواهد: ٨٨، ٢٠٢، ٤١٥، ٦٩٥، ٧٠٦، ٨٧٠، ٨٩٠، ١٠٠٤. (٩٨) تنظر الشواهد: ١٥١، ٣٥٨، ٤٧٠، ٧٠٤، ٨٠٤.
следующие страницы →