وقد يكون عائدًا إلى الخطأ، كقوله بعد الشاهد:
أقَبءُ مِن تَحتُ عريضٌ من عل
(ورواية أبي الحسن مِن عَلِ، وهو خطأ) (٧٠).
وربّما كانَ اختلافُ الرواية في قافيةِ الشاهد ناتجًا عن اختلافِ القائل، كما في الشاهد المنسوبِ إلى بعض السلوليين (٧١)، أو الغلط في إنشاد البيت، كما في بيت مالك بن خويلد الهذلي (٧٢)، وقد يكون بسبب اختلاف نُسخ الكتاب، كما في بيت رؤبة (٧٣).
وقد يذكر الأعلمُ اختلاف الروايةِ من غير تعليق، مكتفيًا بشرح المعنى على الرواية الأخرى، كقوله بعد الشاهد:
نَظّارةً حينَ تَعلو الشمسُ راكبها … طَرحًا بعينَيْ لياحٍ فيهِ تَحدِيدُ
(ويروي تجديدُ بالجيم، وهو من الجُدَّةِ، والجُدَّةُ خُطّة سوداء تخالفُ لونه، وكذلك بقر الوحش) (٧٤)، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك (٧٥).
ويُرجّح الأعلم أحيانًا روايةً على أخرى، ويُبين علّة ذلك مستعينًا بالمعنى، أو بما بعد البيت الشاهد، أو بالنحو، فمثال الأول قوله بعد الشاهد:
تَرعَى أناضٍ مِن جَزيزِ الحَمْضِ
(ويروى أناص بالصاد غير معجمة، وهو جمع أنصاء، وأنصاء جمعُ نَصِيّ، وهو ضربٌ من النبات، والرواية الأولى أصحّ، لأن النَصِيّ ليس من الحَمْضِ، إنما هو من الخَلّة) (٧٦).
_________
(٧٠) الشاهد: ٧٧٦.
(٧١) الشاهد: ٦٣٠.
(٧٢) الشاهد: ٣٥٣.
(٧٣) الشاهد: ٤٦١.
(٧٤) الشاهد: ١٩٠.
(٧٥) تنظر الشواهد: ٢٠، ٧٥، ٩١، ٧٤٥، ٦٦٥، ٧٤٩، ٧٥١، ٨٠٤، ٨١٢، ٨٨٤، ٩٠٥، ٩٣٨.
(٧٦) الشاهد: ٩٠٩ وينظر أيضًا الشاهد: ٨٨٨.
стр. 37
ومثالُ الثاني قولُه بعد بيت المتلمس:
آلَيتَ حَبَّ العِراقِ الدَهرَ أَطعَمُهُ … وَالحَبُّ يَأكلُهُ في القَريَةِ السُوسُ
(والرواية الصحيحة في آليت بالفتح، لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك، ويدل على هذا قوله بعده:
لَم تَدرِ بُصرى بِما آلَيتَ مِن قَسَمٍ) (٧٧)
وتتضح استعانته بالنحو في ترجيح الرواية في شرحه لبيت امرئ القيس (٧٨).
وقد وجدت الأعلم يروي بعض الشواهد برواية مختلفة عن رواية سيبويه لها، ثم يشير إلى الرواية الأخرى، ومثال ذلك قوله بعد بيت خداش بن زهير:
فأيّي وأيُّ ابن الحُصينِ وعَثْعَثٍ … غداةَ التقَيْنا كان عندك أَعْذَرا
(ويروى كان بالحلفِ أغْدرا) (٧٩)، وهذه رواية سيبويه للبيت، وهناك أمثلة كثيرة لهذه الحالة (٨٠).
شواهد الأعلم في الشرح:
حفل كتاب (تحصيل عين الذهب) بالكثير من الشواهد القرآنية والحديثية والمثلية والشعرية، وتأتي شواهد الشعر في المقام الأول من حيث كثرة الاستشهاد بها (٨١)، يليها الشواهد القرآنية، ثم المثلية، فالحديثية. وسوف نتحدث عن هذه الشواهد غير متخذين لكثرتها مقياسًا للترتيب.
فأما الشواهد القرآنية فقد اختلفت أغراض استشهاد الأعلم بها لاختلاف المواضع، فربما استشهد بالآية لغرض نحوي، كقوله مستشهدًا على حذفِ الياء من
_________
(٧٧) الشاهد: ٢٣.
(٧٨) ينظر هذا البيت بعد الشاهد: ٩١٠.
(٧٩) ينظر الشاهد: ٥٧٥.
(٨٠) تنظر الشواهد: ٥٧٣، ٦٤٥، ٧١٢، ٧١٥، ٨٠٣، ٩١٠، ١٠٢٦.
(٨١) تنظر فهارس هذه الشواهد.
стр. 38
الضمير في قوله: مِني (وهو جائزٌ في الكلام كما قريء في الوقف "أكرمَنْ" و"أهانَنْ") (٨٢)، أو لغرض من أغراض الصرف، كقوله مستشهدًا على جمع شمال على شمائل في الكثير: (كما قال : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ (٨٣).
وقد يستشهد بالآية لتوضيح معنًى من المعاني كقوله: (وكانَ ينبغي أن يقول: والجبال الشامخة، ولكنه وصفها بما آلت إليه كما قال : ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: . عنبًا يؤول إلى الخمر) (٨٤)، أو لشرح معنى لفظة، كقوله: (واشتقاقه من هادَ يَهودُ إذا تاب عن الذنب، من قوله : ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، أي: تُبْنا) (٨٥).
وقد استشهد بالقراءات القرآنية مرتين، وسأذكر إحداهما، وهي قوله: (وهي لغةٌ معروفة وعليها قراءةُ من قَرَأ: ﴿سالَ سايلٌ بعذابٍ واقع﴾) (٨٦).
وأمّا الشواهد الحديثية فقليلة جدًّا، وكذلك المثلية، فمثال الحديثية قوله مستشهدًا على السه: (وفي الحديث: العين وكاء السَه) (٨٧) ومثال الشواهد المثلية قوله مستشهدًا على أنّ العواشي هي المتعشية المعتلفة من الإبل، واحدتها عاشية: (ومنه المثل: العاشِيةُ تهيجُ الآبِيَة) (٨٨).
وأمّا الشواهد الشعرية فكثيرة، وهو يستشهد بالشعر لأغراض متنوعة، منها أنْ يكونَ معنى البيت الشاهد في الكتاب مشابهًا لمعنى البيت الذي يذكره، كقوله: (وصف فَرَسًا يَهوي في تقريبه مُسرعًا، فشبهه في ذلك بتقريب الثعلب كما قال امرؤ القيس:
وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ) (٨٩).
_________
(٨٢) الشاهد ٩٤٨، وتنظر أيضا الشواهد: ٢٨، ٨٩، ٣٤٤، ٣٧٤، ٦٦٦، ٦٩٩، ٩٨٦.
(٨٣) الشاهد: ٩٠٦، وينظر أيضًا الشاهد: ٩١٨.
(٨٤) الشاهد: ٣٦، وينظر أيضا أشاهد: ١٠.
(٨٥) الشاهد: ٧٦٩، وينظر أيضا الشاهدان: ٦٨٩، ٧٤٩.
(٨٦) الشاهد: ٤١٣، وينظر أيضا الشاهد: ٤٧.
(٨٧) الشاهد: ٨٣٠، وينظر أيضا الشاهد: ٢٠٠.
(٨٨) الشاهد: ٣٦٣، وتنظر أيضا الشواهد: ٩٢، ٩٣، ٢٦٣، ٣٦٩، ٤٨٨، ٥٠٩، ٩١٢، ١٠١٦.
(٨٩) الشاهد: ١٠٠٤، وتنظر أيضا الشاهد: ١٥١، ٣٥٨، ٦٩٥، ٨٠٤، ٨٧٠، ٨٩٠.
стр. 39
أو يستشهد به لمعنى لفظة كقوله: (ويجوز أنْ يكونَ الهديلُ الفرخَ الذي تزعم الأعراب أنّ جارحًا صادَهُ في سفينة نوح، فالحمامُ تبكي عليه كما قال طرفة:
كداعي هَديلٍ لا يُجابُ ولا يَمَلّ
فالحديث هنا الفَرخ، لأن الحمامَ تدعوه نائحةً عليه فلا يُجيبها ولا تملّ دُعاءَه) (٩٠).
وقد يستشهد بالبيت لغرضٍ نحوي، كأنْ يؤيد رأي سيبويه في مسألة من المسائل، كقوله: (وقد ألفَيْتُ في بعض ما رأيت لزيد الخيل بن مهلهل الطائي بيتًا في تعدّي فَعِل، وهو قوله:
أَتاني أَنّهم مَزِقونَ عِرْضي … جِحاشُ الكِرملين لَها فَديدُ) (٩١)
أو يستشهد به لمسألة نحوية، كقوله: (والفاعِلُ لا يتقدمُ في الكلام إلا أن يُبتَدَأ به، وهو مِن وَضْعِ الشيء في غير موضعه، ونَظيرُه قَولُ الزَبّاء:
ما لِلجِمالِ مَشْيُها وئيدا
أي: وئيدًا مَشْيُها، فقَدَّمتْ وأخَّرتْ ضرورةً) (٩٢)، أو لمسألة صرفية كقوله: (وحَسُن حذفُ صلة اللتيا لتصغيرها الدالّ على شَناعتها، لأنّهم قد يُصَغرون الشيءَ على معنى التعظيم والتشنيع كما قال:
دُوَيْهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأناملُ
يعني الموت) (٩٣).
ويدخل ضمن شواهد الأعلم الشواهد التي رواها عن الأحفش) (٩٤)، والمازني (٩٥)،
_________
(٩٠) الشاهد: ٤١٥، وينظر أيضا الشاهدان: ٤٠٦، ٤٧٠.
(٩١) الشاهد: ٨٨، وينظر أيضا الشاهد: ٨٢٦.
(٩٢) الشاهد: ١٦، . وتنظر أيضا الشواهد: ٩٠، ٣٤٤، ٤١٣، ٥٦٢، ٦٦٦، ٧٠٤.
(٩٣) الشاهد: ٥٥١، وتنظر أيضا الشواهد: ١٩، ٤١٩، ٩٢٢.
(٩٤) ينظر ما بعد الشاهدين: ١٩، ١٣٦.
(٩٥) ينظر ما بعد الشواهد: ١٨١، ١٠٠٦، ١٠٢٧.
стр. 40
والزجاج (٩٦)، وأضافها إلى شواهد أبواب الكتاب.
وقد يذكر الأعلمُ قائل البيت الشاهد الذي يستشهد به (٩٧)، وقد لا يذكره) (٩٨)، ويتضح ذلك من الأمثلة المتقدمة وغيرها.
نسخ الكتاب:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين قديمتين، إحداهما مخطوطة والأخرى مطبوعة، وهاتان النسختان هما:
١ - نسخة المكتبة الوطنية في تونس:
وهي نسخة مكتبة الجامع الأعظم في تونس، المحفوظة في المكتبة الوطنية في تونس تحت الرقم (٣٧٣٦ A)، وقد حصلت على مصورتها من معهد المخطوطات العربية في الكويت.
تقع هذه النسخة في (١٥٢) ورقة، قياسها (٢٤ × ١٧ سم)، ومعدل الأسطر في كل صفحة (١٩) سطرًا، وقد كُتبت بخط مغربي واضح ومضبوط بالشكل، وكُتبت الشواهد بخط أكبر من الخط الذي كُتب به شَرحُها، ولعلها كُتبت بلون آخر، وقد وجدتُ اضطرابًا كثيرًا في أوراق هذه النسخة، وبذلت جهدا كبيرا في إعادة ترتيبها.
كتب هذه النسخة إبراهيم بن علي بن حسين البيعي المعروف بابن الخلال، وفرغ من نسخها يوم السبت الثاني والعشرين من المحرم عام ثمانية وثمانين وخمس مئة، وقد قوبلت هذه النسخة على غيرها، وكتب في آخرها: (بلغت المقابلة والحمد لله حق حمده)، وقد طالع أكثر هذه النسخة محمد بن عاشور.
حَوَت حواشي هذه النسخة تعليقات كثيرة، تضمنت أحيانًا ذكر البيت أو الأبيات التي قبل البيت الشاهد، أو بعده، أو تفسيرًا لمعاني بعض المفردات التي ترد في الشاهد، أو ذكر اسم الشاعر قائل الشاهد كاملًا، أو ذكر أسماء العلماء الذين قالوا بعض الآراء
_________
(٩٦) ينظر ما بعد الشاهد: ١٤٨.
(٩٧) تنظر الشواهد: ٨٨، ٢٠٢، ٤١٥، ٦٩٥، ٧٠٦، ٨٧٠، ٨٩٠، ١٠٠٤.
(٩٨) تنظر الشواهد: ١٥١، ٣٥٨، ٤٧٠، ٧٠٤، ٨٠٤.
стр. 41
النحوية التي ذكرها الأعلم الشنتمري ولم يصرّح بأسمائهم، وهذه الأراء مأخوذ أكثرها من شروح كتاب سيبويه الأخرى.
وقد اتخذتُ هذه النسخة أصلًا، لكمالها ووضوح خطها وضبطه بالشكل، ولمقابلتها على غيرها.
٢ - نسخة مكتبة عاشر أفندي:
وهي النسخة المحفوظة في مكتبة عاشر أفندي في تركيا تحت الرقم (١/ ٧٦٤)، وقد طُبعت على هامش كتاب سيبويه ببولاق عام ١٣١٦ هـ، ويعود تاريخ نسخها إلى عام (٥٧١ هـ) (١).
وعلى الرغم من الجهد الذي بذلته للحصول على هذه النسخة لأنها نسخة قديمة، إلا أنني لم أفلح في جهودي، فاعتمدت على النسخة المطبوعة، ورمزت لها بالحرف (ط).
وقد وجدتُ في هذه النسخة تصحيفا وسقطًا كثيرين، وسأذكر بعض الأمثلة لهما:
أ - التصحيف:
رقم الشاهد … نسخة تركيا … نسخة تونس
٢ … الجبال والجزر … الجبال والحزون
٤ … ولمّا استُعمل … وما استعمل
٩ … مضافًا … مضاعفًا
١٠ … فالضرورة … فلا ضرورة
١٣ … فينصبه … فيُنْضِيه
٣٠ … ساهية … شامية
٤٦ … عائد … جائز
_________
(١) تاريخ الأدب العربي ٢/ ١٣٧، ٥/ ٣٥٢.
стр. 42
٤٧ … وكلّ ما لم … فكما لم
٤٧ … فهكذا قولك … فهذا كقولك
٤٨ … الأبيات والأبيات … الأبيات والآيات
٥٨ … جيش … حَبْس
٦٠ … هذه الأبيات … هذا كالأبيات
٦٠ … على أن … عُلِم أنّ
٦٩ … في الجواب … في الجواز
٧٠ … فثوبان … فثوباي
١١٥ … حذقه … حدّته
١٤٧ … يتّسع … يَسُغ
١٧٥ … حفص … جعفر
٢٠٩ … ولا تعييه … لا تغبّه
٢٤٢ … التلبّث … التلفّت
٢٤٩ … فم الحية … فم الخيبة
٢٨٨ … طائر … صائد
٢٩٥ … انتقل … انتعل
٤١٣ … صورة … ضرورة
٥١٠ … من خلافته … زمن خلافته
٥١٧ … قد رأى أحدهما … قدّر أحدهما
٥٧٤ … افترس … افترص
٥٧٧ … الفصل … الوصف
٧٠٢ … انتقله … انتعله
٩٥٣ … بخلافها … ... لخفائها
٩٧٦ … بعضا … تُقضى
١٠١١ … المتقارب … المتفاوت
стр. 43
ب - السقط:
لقد وجدت أن أكثر السقط يرجع إلى انتقال النظر، بسبب تكرار كلمة في سطرين متقاربين، ومن أمثلة السقط ما ورد في الشواهد التي أرقامها (بعد ٨، ١٢، ٢٢، ٢٥، ٣٤، ٣٥، ٤٧، ٦٠، ٦١، ٦٦، ١٧٥، ١٩٢، ٢٠٩، ٢١٤، ٢٦٨، ٣٦٧، بعد ٤١٥، بعد ٤٧٥، ٤٩٥، ٥٦٨، ٦٩٨، ٧٠٤، ٧٥٨، ٧٧١)، وقد سقط من هذه النسخة شاهد واحد مع شرحه، هو الشاهد الذي رقمه (١٩٤).
ومما يؤخذ على هذه النسخة أيضا أنّها ضَمّت بيتين وردا في نسخة الأصل على الحاشية، وهذان البيتان وردا في الشاهدين (١٢٢، ٢٠٩).
منهج التحقيق:
١ - ضبطت بالشكل النص جميعًا، وعُنيت بضبط الآيات والأحاديث والأمثال والأشعار والأرجاز.
٢ - عرّفتُ بالنحويين واللغويين والشعراء والرجاز تعريفًا موجزًا، واقتصرت على مصدرين أو ثلاثة مصادر قديمة.
٣ - خَرّجت الشواهد الشعرية جميعًا، فإن كان للشاعر ديوان مروي أو مجموع رجعت إليه وذكرت موضعه في كتاب سيبويه (طبعة بولاق)، وإن لم يكن له ديوان خرّجته من المصادر النحوية واللغوية، فإذا لم أجد مصدرًا للشاهد أشرت إلى ذلك في الهامش.
٤ - كتبت الآيات مثلها وردت في المصحف الشريف، إلا إذا كانت إحدى القراءات، وخرّجت القراءات من كتب القراءات، ووزعت الآيات داخل قوسين صغيرين " ".
٥ - خَرّجت الأحاديث الشريفة من كتب الحديث وحصرتها بين قوسين ( … ).
٦ - خرجت الأمثال من كتب الأمثال، وذكرت مناسباتها.
٧ - أعطيتُ لكل شاهد رقمًا متسلسلًا يسبقه، فإن تكرر الشاهد وضعت رقمه القديم بعده ولم أُعطه رقمًا جديدًا.
٨ - وضعت ما أخلت به نسخة ط بين حاصرتين < … > دون الإشارة إلى ذلك في
стр. 44
الهامش.
٩ - وضعت ما أضفته من نسخة ط داخل قوسين معقوفين []، ولم أشر إلى ذلك في الهامش.
١٠ - أثبت أرقام صفحات المخطوطة داخل النص ووضعتها داخل خطين مائلين / /
١١ - ألحقت بالنص صورتي الصفحتين الأولى والأخيرة من كتاب "تحصيل عين الذهب" لتوثيق الكتاب.
стр. 45
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 46
القسم الثاني:
النص المحقق
стр. 47
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
الحمدُ لله حَمْدًا يبلغ رِضاه، ويوجبُ المَزيدَ من مواهِبِه وعَطاياه، ويؤدِّي حَقَّ نعمتِهِ، ويتكفَّلُ بالزلفةِ لديه في جَنَّته، وصلّى الله على محمّد نبيه المصطفى ورسوله المنتَخَب المُنتقى، وأمينه البشير المرتضي، وأهله (٢) خاصّة، وعلى جميع أنبيائه < ورسله > عامّة، أَفضلَ صلاةٍ وأزكاها وأرفَعَها درجةً وأسناها.
هذا كتابٌ أمَرَ بتأليفِهِ وتلخيصه وتهذيبهِ وتخليصِهِ المعتضدُ بالله المنصورُ بفضل الله، أبو عمرو عباد بن محمد بن عباد (٣)، أطال الله بقاءَه، وأدامَ عِزَّهُ وعَلاءَه، عِنايةٌ منه بالأدب وميلًا إليه، وتَهَممًا بعِلمِ لسانِ العربِ وحرصًا عليه.
أمر - أدام الله عِزَّهُ وأعَزَّ سُلطانه ونصره - باستخراج شواهد كتاب سيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر - رحمةُ الله عليه - وتخلِيصها منه، وجَمعِها في كتابِ يخصُّها ويفصلها عنه، مع تلخيص معانيها، وتقريبِ مَراميها، وتَسهيلِ مطالِعِها ومَراقيها؛ وجَلاء ما غمض (٤) منها وخَفِي من وجوه الاستشهادات فيها، ليَقرُبَ على الطالبِ تناوُلُ جُملَتِها، ويَسهُلَ عليه حَصرُ عامَّتها، ويجتني من كَثَب ثَمَر فائدتها.
فانتهيتُ إلى أمرِهِ العَلِيّ، وسَلكتُ فيه مِنهاجَ مذهبِهِ الرفيعِ السَنِيّ، وأمليتُهُ على ما حَدَّ، أيّدَه الله وأعلى يَدَه، وألَّفتُهُ على رُتبةِ وقوعِ الشواهدٍ في الكتاب، وأسندتُ كلَّ شاهدٍ منها إلى بابه أوّلًا، ثُمَّ إلى شاعِرِه إن كانَ معلومًا آخرًا، ووَسَمتُه (٥) بكتاب (تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في عِلمِ مجازات العرب)، ليكونَ اسمُه مطابقًا لمعناه، وترجَمَتهُ دالَّة على مَغزاه.
стр. 48
ولم أُطِل فيه إطالةٌ تُمِلّ الطالبَ الملتَمِسَ للحقيقةِ، ولا قَصَّرتُ تقصيرًا يُخِلّ عنده بالفائدةِ، فإن جاءَ على ما يوافِقُه أيَّده الله فبسعده وتوفيق الله [ ]، وإنْ جاء بخلافِ ذلك فقد اجتهدتُ ولكني حُرمتُ التوفيق، وحسبي الله ونعم الوكيل.
أنشد سيبويه ﵀ في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يحتملُ الشعرُ للعجاج (٦):
[١] قواطِنًا مكَّةَ من وُرقِ الحمِي
يريد الحَمام فَغَيّرها إلى الحَمِي، وفي ذلك أوجُهٌ، أحسنُها عندي وأشبَهُها بالمستعمَلِ من كلامِ العربِ أن يكونَ اقتطَعَ بعضَ الكلمةِ للضرورةِ وأبقَى بعضَها لدلالة المُبقى على المحذوف منها، وبَناها بِناءَ يَدٍ ودَمٍ، وجَرّها بالإضافةِ وأَلحَقَها الياءَ في اللفظ لِوصلِ القافية، فيكون في التغيير والحذفِ مثل قولَ لبيد (٧):
عَفَتِ المَنَا بمُتَالعٍ فأَبَانِ
أرادَ المنازلَ فغيَّرها (٨) كما ترى، فهذا (٩) بَيِّنٌ جدًّا.
ووجهٌ آخَرُ، أن يكون حَذَفَ الألفَ لزيادتها (١٠) فبقيَ الحَمَم، وأبدَلَ من الميم الثانيةِ ياءً استثقالًا للتضعيف كما قالوا: تَضَنَّنتُ في تَضَنَّنتُ، ثُمَّ كَسَرَ ما قبلَ الياءِ لتسلم من الانقلاب إلى الألفِ فقال: الحَمِي.
ووجه آخَرُ، أن يكونَ حَذَفَ الميمَ للترخيم في غيرِ النداءِ ضرورةٌ، وأبدَلَ من الألف ياءٌ كما يُبدَلُ من الياء ألِفٌ في قولهم: مَدارى وعَذارى، وإنما أصلُه مَدارٍ
стр. 49
وعَذارٍ.
وصَفَ البيت حَمامَ مكّة القاطِنةَ بها لأمْنِها فيها، وواحدةُ القواطن قاطنةٌ، وهي الساكنةُ المقيمةُ، وصَرَفَها ضرورةً، والوُرْقُ جَمعُ أورقَ ووَرْقاءَ، وهي التي (١١) على لوِن الرَماد تضربُ إلى الخُضرة.
وأنشد في الباب لخُفاف بن نَدْبَة السُلَمي (١٢):
[٢] كَنَواحِ ريشِ حَمامَةٍ نَجديَّةٍ … ومَسَحتِ بالِّلثَتَينِ عصف الإثمدِ
أرادَ كنواحِي ريش، فحذَفَ الياءَ في < حال > الإضافة ضرورةٌ، شبَّهها (١٣) بها في حال الإفرادِ والتنوين وحال الوقفِ.
وَصَف في البيت شفتي (١٤) امرأة، فشبَّههما بنواحي ريش الحمامَةِ في رقَّتِهما ولَطافَتِهما وحُوَّتِهما، وأراد أن لِثاتِها تضربُ إلى السُمرةِ، فكأنّها مُسِحت بالإثمِدِ. وعَصفُ الإثمد: ما سُحِقَ منه، وهو من عَصَفَتِ الريحُ إذا هَبَت بشدَّةٍ فسَحَقَت ما مَرَّت عليه وكَسَّرتهُ، وهو مصدرٌ وصِفَ به المفعولُ كما قيل: الخلق بمعنى المَخلوق.
والروايةُ الصحيحةُ مَسَحْتِ بكسرِ التاءِ وعليه التفسير، وتُروى (١٥) مَسَخْتُ بالضمّ، ومعناه قَبَّلتُها فمَسَحتُ عَصفَ الإثمدِ في لِثتيها، وكانت العربُ تفعلُ ذلك، تغرزُ المرأةُ لثِاتِها بالإبرة ثُم تُمرّ عليها الإثمدَ أو النؤورَ وهو دُخانُ الشَحم المُحرَق حتى يَثبُتَ باللِّثاتِ فتشتدّ وتَسْمَرّ ويتبيّن بياضُ الثغر، أو يكون المعنى باشرتُ من سُمرتها مِثلَ عَصفِ الإِثمد.
وإنّما خَصَّ الحمامَةَ النجدِيَّة لأنّ الحمام عند العرب كُلُّ مُطوَّقٍ كالقَطا وغيره،
стр. 50
وإنّما قَصدُهُ منها إلى الحمام الوُرْقِ المعروفةِ، وهي تألَفُ الجِبالَ والحُزونَ (١٦)، والنَجْدُ: ما ارتَفَعَ من الأرض، ولا تألَفُ الفَيافي والسُهول كالقَطا ونحوه (١٧).
وأنشد في الباب < في > مثل ذلك (١٨):
[٣] فَطِرْتُ بمُنصُلي في يَعمَلاتٍ … دَوامي الأيْد يَخْبِطْنَ السَريحا
حَذَفَ الياءَ من (الأيدي) مع الألف واللام ضرورةً كما حذَفَها من الأوّل مع الإضافةِ والعِلَّةُ < في ذلك > واحدةٌ، وقد تَقَدّمَت فاستُغني عن إعادتها.
وصف أنّه أسرع القيامَ بسيفهِ وهو المُنْصُل في نُوقٍ فعَقَرهُنّ للأضياف أو لأصحابه مع حاجتِهِ إليهنّ، وذَكَر أنّهنّ دَوامي الأيدي إشارةً إلى أنّه في سَفَر فقد حَفِينَ < من المَشْي > لإدْمان السير ودَمِيَتْ أخفافُهنّ فأنِعلنّ السَريحَ وهي جُلودٌ أو خِرَقٌ تُشَدّ على أخفافهنّ، وواحدةُ اليَعْملات يَعمَلةٌ وهي القويَّة على العمل، وواحدةُ السَريح سَريحةٌ واشتِقاقُها من التَسريح، كأنّ الناقة قامت من الحَفاء فلمّا أنعلتُها تَسرّحَت وانبَعَثَت، والسريحُ الناقةُ الخفيفةُ السريعةُ.
وأنشد في الباب للنجاشيّ (١٩):
[٤] فَلَستُ بآتيهِ ولا أستطيعُهُ … ولاكِ اسقِنِي إن كان مأؤك ذا فضلِ
حَذَفَ النونَ من (لكن) لاجتماعِ الساكنين ضرورةً لإقامةِ الوزنِ، وكانَ وجهُ
стр. 51
الكلام أن تُكسَر لالتقاءِ الساكنين، شَبَّهها في الحذفِ بحروفِ المَدِّ واللِّين إذا سَكَنَتْ وسَكَن ما بعدها نحو يَغزُ العدوّ، ويَقْضِ الحق، ويَخشَ الله، وما (٢٠) اسُتعمِلَ محذوفًا نحو لم يَكُ ولا أَدرِ.
وَصَف أنّه اسَتصحَبَ (٢١) ذئبًا في فَلاةٍ مُضِلَّةٍ لا ماءَ بها، وزَعَم أنّ الذئبَ رَدَّ عليه فقال: لَستُ بآتٍ ما دَعَوتني إليه من الصُحبَة ولا أستطيعُهُ لأنّني وَحشيُّ وأنتَ إنسيٌّ، ولكن اسقني إن كانَ ماؤُكَ فاضِلًا عن رِيِّك، وأشار بهذا إلى تَعَسُّفِهِ الفَلَواتِ التي لا ماءَ بها فيهتدي الذئبُ إلى مَظَانِّه فيها لاعتيادِهِ لها.
وأنشد في الباب لمالك بن حُريَم الهَمَداني، ويروى ابن خُرَيم وهو الصحيح (٢٢):
[٥] فإن يَكُ غَثًّا أو سَمينًا فإنَّني … سَأجعلُ عينيهِ لنفسِهِ مِقنِعا
أراد لنفسه، فحذف الياء ضرورةً في الوَصلِ تَشبيها < لها > بها في الوَقف إذا قالَ لنفسِه.
وَصَف ضَيفًا، فيقول: إنّه يُقَدِّمُ إليه ما عندَهُ من القِرى ويُحَكُمُه فيه ليختارَ منه أفضَلَ ما تَقُع عليه عَيناه فيقنع بذلك.
وأنشد في الباب مستَشهِدًا على مثلِ ذلك (٢٣):
[٦] دارٌ لسُعدَي إذهِ من هَواكا
أرادَ هَي، فسَكّنَ الياءَ أولا ضرورةً، ثُمّ حَذَفَها ضرورة أُخرى بعدَ
стр. 52
الإسكان آخِرًا تشبيها لها بعدَ سُكونها بالياءِ اللاحقة في ضمير الغائب إذا سكنَ ما قبلَه والواو اللاحقة به (٢٤) في هذه الحال نحو: عَلَيهِ ولَديهِ ومنهُ وعَنهُ.
وَصَف دارًا خَلَتْ من سُعدَى هذه المرأة وبَعُدَ عَهدُها بها فتغيرت بعدَها، وذَكَر أَنّها كانت لها دارًا ومستَقَرًا إذ كانت مقيمةً بها فكانَ يَهْواها بإقامتها فيها.
وأنشد في الباب للأعشي (٢٥):
[٧] وأَخو الغَوانِ مَتَى يَشَأ يَصرِمْنَهُ … ويَعُدنَ أعداء بُعَيدَ وِدادِ
أراد الغواني، فحَذَفَ الياءَ ضرورةً، وقد تَقَدَّمت عِلَّتُهُ.
وَصَفَ النساء بالغَدرِ وقلَّةِ الوَفاءِ والصَبرِ، فيقول: مَن كانَ مَشغوفًا بهنَّ ومواصِلًا لهنّ إذا تَعَرضَ لصَرمهنَّ سارعْنَ إلى ذلك لتغيُّر أخلاقهنّ وقلَّةِ وَفائهنَّ، وأرادَ متى يَشَأ صرمَهُنَّ يَصرِمنَه فحذَفَ، وقد قيل: [المعنى] متى يَشَأ وِصالهنّ يَصرِمنَه، والأوّل أصلحُّ لأنّه قد أَثَبت المُواصَلَةَ منهنَّ والوِدادَ بقوله: بُعَيدَ وِدادِ، ولو صح هذا التأويل وقَطعُهُ على أنّه متى يَشَأ الوِصالَ صُرِمَ لما جازَ أن يتواصَلَ عاشقان أبا. وواحدةُ الغَواني غانِيَةً، وهي التي غَنِيَت بشبابها وحُسنِها من الزِينَةِ، ويقال: هي التي غَنَيت بزَوجها عِفَّةً وتَحَصُّنًا، ويقال: هي التي غَنِيَت في البُيوت، أي: أقامت بها ولم تصرف صيانة لها.
وأنشد في الباب للفرزدق (٢٦):
[٨] تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ … نَفيَ الدَنانيرِ تَنقادُ الصَياريفِ
стр. 53
<قال: ويروى نفي الدراهيم>، زاد الياءَ في الصَياريفِ ضرورة تشبيهًا لها بما جُمِع في الكلام على غيرِ واحدهِ (٢٧)، نحو ذكر ومذاكير وسمحٍ ومساميح.
وَصَفَ ناقةً بسُرعةِ السيرِ في الهَواجِرِ، فيقول: إن يديها لشدة وقْعِهما على (٢٨) الحَصَى تنفيانه فيقرعُ بعضه بعضًا ويُسْمَعُ له صليلٌ كصليلِ الدنانير إذا انتقدها الصيرفُ فنفي رديئها عن جيدها. وخص الهاجرة لتعذُّر السير فيها.
وأنشد في الباب لقعنب بن أُمِّ صاحب < الغطفاني > (٢٩):
[٩] مَهْلًا أعاذِلَ قدْ جرَّبتِ من خُلُقي … أنِّي أجودُ لأقوامٍ وإن ضننوا
أراد ضنُّوا، فبناه على الأصل وأظهر التضعيف ضرورةً، شبَّهه بما استُعمل في الكلام مضاعفًا (٣٠) على أصله نحو لحِحَتْ عينه إذا التصقتْ، وضبِب البلدّ: كثُرت ضِبابُه، وألِلَ السِقاءُ: تغيَّرت ريْحُهُ.
وصف أنه جواد لا يصرفُه العَذْل عن الجُود وإن كان الذي يجودُ عليه مانعًا له، بخيلًا عليه بماله، وإنما يريد أن جُودَهُ سجيَّة فلا سبيل إلى أن يكفه العذْل عنه.
وأنشد في الباب لرؤية (٣١):
[١٠] ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأضخما (٣٢)
أراد الأضخم، فمدَّدَ في الوصل ضرورةً تشبيهًا بما يُشدد في الوقف إذا قيل:
стр. 54
هذا أكبر وأعظم، ولو قال: الأضخَمّ فوقَفَ على الميم لم تكن فيه ضَرورةً، ولكنّه لما وَصَلَ القافية بالألفِ خَرَجَتِ الميمُ عن حكم الوَقفِ، لأنَّ الوَقفَ على الألِفِ لا عليها، ولذلك مَثَلَ سيبويه (٣٣) بسَبَبا وكَلكَلّا.
و<مَن> رَوي (الإضَّخَمّا) بكَسر الهمزةِ (والضِخَمّا) بكَسر الضادِ فَلا ضرورةَ (٣٤) <فيه> على رِوايتِهِ، لأنَّ (إفعَلًّا وفعلًّا) موجودانِ في الكلام نحو إرْزَبّ وخِدَبّ، وإنما الضرورة في فتح الهمزة لأن (أفعل) ليس بموجودٍ.
وصف رجلًا بشرفِ الهمة وعظم الخليقة فنسبه إلى الضخم إشارةً إلى ذلك، ولم يُرِد ضِخَمَ الجُثة، وقال الله : "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ" (٣٥)، والعظم والضِخَمُ سواءٌ.
وأنشد في الباب للشماخ (٣٦):
[١١] له زَجلٌ كأنه صوتُ جادٍ … إذا طلب السويقة أو زَمِيرُ
أراد كأنَّهو، فحذف الواو ضرورة، وقد تقدَّمت عِلَّته.
وصف حمار وحشٍ هائجًا، فيقول: إذا طلب وسيقته وهي أتنه (٣٧) التي يضمها ويجمعها، وهو من وسقت الشيء، أي: جمعته، صوَّت بها فكأنَّ صوته لما فيه من الزَجَل والحنين ومن حُسْنِ التطريب والترجيع صوتُ حادٍ بإبلٍ يتغنَّى فيطربُها، أو صوت مزمارٍ، والرجل صوتٌ فيه حنينٌ وترنم.
стр. 55
وأنشد في الباب لحنظلة بن فاتك (٣٨):
[١٢] وأيقن أن الخيلَ إن تلتبسْ به … يكنْ لفسيل النخل بعْدَهُ آبِرُ
أراد بعدهو، فحذف الواو ضرورةً كما تقدَّم.
والبيت يُتأول على معنيين: أحدهما وهو الأصحّ، أن يكون وصف جبانًا فيقول: أيقن [أنه] إن التبستْ به الخيل < فثبت > قُتل فصار مالُهُ إلى غيره فكع وانهزم.
والمعنى الآخر أن يكون وصف شجاعًا فيقول: قد علم أنَّه إن ثبت وقُتل لم تتغيّر الدنيا بعده، وبقي من أهله من يخلفُهُ في حُرمه وماله فثبت ولم يُبال بالموت، وفسيلُ النخل: صغارُهُ، واحدته فسيلة، والآبر: المصلح له القائم عليه، والإبار: تلقيح النخل.
وأنشد في الباب لرجلٍ من باهلة (٣٩):
[١٣] أو مُعْبَرُ الظهر يُنبي عن وليَّتهِ … ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا
أراد رَبُّهو، فحذف الواو ضرورةً، وقد تقدمت عِلَّتُهُ.
وصف لِصًّا يتمنى سرقة بعيرٍ لم يستعمله ربُّه في سفرٍ لحجٍّ أو عمرةٍ فينضيه (٤٠)، والمُعْبر الظَهرِ: الكثير وبرهُ الممتلئه، ومعنى يُنْبي عن وليته يجعلها تنبو عنه لسمنهِ وكثرة وبره، وكان ينبغي أن يقول: تُنبي وليَّتُهُ عن ظهره فقلب لأنه إذا أنباها عن ظَهره فقد أنبى ظهرُهُ عنها، والوليَّة: البرذعة.
وأنشد في الباب للأعشي (٤١):
стр. 56
[١٤] وما لَهُ من مجدٍ تليدٍ وما لَهُ … من الريح حظٌّ لا الجنوب ولا الضبا
أراد لهو، فحذف الواو ضرورة كما مرَّ قبله.
هجا بالبيت رجُلا فيقول: هو لئيمُ الأصل لم يرث مَجْدًا ولا كَسَبَ خيرًا، فضرب له المثل في قِلَّة (٤٢) خيره بنفي حظِّه من الريحين الجنوب والصبا، لأنّ الجنوب والصبا أكثر الرياح عندهم خيرًا، فالجنوب تُلْقِحُ السحاب، والصبا تلقح الأشجار، وقد يُتأول على معنى أنه لا خيرٌ عنده ولا شرٌّ كما يقال: فلانٌ لا ينفع ولا يضر، أي: ليس بشيءٍ يعبأ به، لأن الصبا عند بعضهم لا تأتي بخيرٍ، والتلبد: القديم.
ورفع الجنوب والصبا على البدل من الحظ، لأن الحظ هُنا (٤٣) جزءٌ من الريح، والريحُ في معنى الرياح لأنه اسم جنس، ثم بيّن الحظَّ الذي نفي عنه بالريحين، ويجوز خفض الجنوب على البدل من الريح.
وأنشد في الباب (٤٤):
[١٥] بَيْناه في دار صدقٍ قد أقام بها … حِينًا يُعللنا وما نعلله
أراد بينا هو، فسكن ضرورة ثم حذف فأدخل ضرورة على ضرورةٍ، وعلته كعلَّة حذف الياء في قوله:
إذْهِ من هواكا [٦]
وقد تقدَّم شرحُه (٤٥).
وَصَفَ رجلًا سيدًا فاجأته المنية فاخترمته فيقول: بينا هو في خيرٍ وصلاحِ حالٍ
стр. 57
يُعلِّلنا بالطعام والشراب والمعروف والإفضال ذهبت به المنيّة ففقدناه. وجواب بيناهُ فيما يتصل بالبيت، والصدق هناء (٤٦) الخير والصلاح.
وأنشد في الباب للمرار الفقعسي (٤٧):
[١٦] صدَدْتِ فأطولت الصُدود وقلَّما … وِصالٌ على طول الصدودِ يدوم
أراد وقلَّما يدومُ وِصالٌ، فقدَّم وأخَّر مضطرًّا لإقامة الوزن، والوصال على هذا التقدير فاعل مقدم، والفاعل لا يتقدَّم في الكلام إلا أن يبتدأ [به]، وهو من وضع الشيء في غير موضعه، ونظيره قول الزبّاء (٤٨):
ما للجمال مشيها وئيدا
أي: وئيدًا مشيُها، فقدمت وأخرت ضرورةً.
وفيه تقديرٌ آخر وهو أن يرتفع بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه الظاهر، فكأنه قال: وقلّما يدوم وصالٌ يدوم، وهذا أسهل في الضرورة، والأول أصح معنًى وإن كان أبعد في اللفظ، لأن (قلّما) موضوعةً للفعلِ خاصة بمنزلة (ربما)، فلا يليها الاسم البتّة.
وقد يتجه أن تُقدَّر (ما) في (قلّما) زائدةً مؤكدةً، فيرتفع الوصال بِقلَّ وهو ضعيفٌ، لأن (ما) إنما تُزاد في (قلّ ورُبَّ) لتليهما الأفعال وتصيرا من الحروف المخترعة لها.
وأجرى (أطولت) على الأصل ضرورةً، شبَّههُ بما استُعمل في الكلام على
стр. 58
أصله نحو استحوذ (٤٩)، وأغْيَلَتِ المرأة، وأخيلت السماء.
وصف (٥٠) أنّ العاشق الموصول (٥١) إذا أديم هجرانه يئس فطابت بالقطيعة نفسه.
وأنشد في الباب للمرّار بن سلامة العجلي (٥٢):
[١٧] ولا ينطقُ الفحشاءَ مَنْ كان منهم … إذا جلسوا مِنّا ولا من سوائنا
أراد <من> غيرنا، فوضع سواء موضع (غير) ضرورة، وكان ينبغي ألا يُدخل (من) عليها لأنّها لا تستعمل في الكلام إلا ظرفًا، ولكنه جعلها بمنزلة (غيرٍ) في دخول (مِنْ) عليها لأنّ معناها كمعناها.
وَصَفَ نادي قومه ومتحدِّثهم بالتوقير والتعظيم فيقول: لا ينطق الفحشاء من كان في نادينا من قومنا أو من غيرنا إذا جلسوا للحديث إجلالًا وتعظيمًا.
وأنشد في الباب للأعشي (٥٣):
[١٨] وما قصدت من أهلها لسوائكا
أراد لغيرك، وهو مِثلُ الأول وقد تقدّمت عِلَّتُهُ.
وصف أنه معوِّل في قصده على هذا الممدوح دون خاصَّة أهله، وجعل الفعل للناقة مجازًا، وصدر البيت:
تجانف عن جوِّ اليمامة ناقتي
والتجانف: < الميل و > الانحراف.
стр. 59
وأنشد في الباب لخطام المجاشعي (٥٤):
[١٩] وصالياتٍ ككما يُؤَثْفَيْن
أراد كمثل ما يؤثفين، أي: كمثل حالها إذا كانَت أَثافيَّ مستعملةً، ووَضَعَ الكافَ وإن كانَت حَرفًا موضع (مثل) فأدخل عليها الكافَ تَشبيهًا لها بها لأنّها في معناها، وهي في دُخولها على (مِثل) في الاسمية نَظيرُ (سواء) في دخولها على (غير) في التمكّن وعِلَّتُها كعِلَّتها.
وَصَفَ ديارًا خَلَت من أهلها فَنظَرَ إلى آثارها باقيةً لم تتغيّر فذكَّرَتهُ من عَهدَ بها فحزن لذلك. والصالياتُ: الأثافيّ لأنّها صَلِيَت النارَ أي: وَليَتها وباشَرَتها، فيقول: سَوادُها باقٍ كما كانت وهي أثافيّ مستعمَلَة.
ومعني يؤثفين يُنصَبنَ للقدرِ، يقال: أَثفيتُ القِدرَ وثَفَيتُها، وهو على هذا يؤفعَلن فأجراه على الأصل ضرورةً كما قال (٥٥):
فإنَّهُ أهلٌ لأن يُؤكرَما
وأثفِية أُفعولَةٌ على هذا وهمزتُها زائدةٌ، ومَن جَعَلها فُعلِيَّةً فهمزَتُها أصلية، ويُؤثفَين يُفَعلَين بمنزلةِ يسلقَين، ولا ضرورةَ فيه وفعلها على هذا أَثَفتُ ووزنُه فَعلتُ.
وممّا أنشَدَه الأخفش (٥٦) في الباب قولُ العُجير السَلولي (٥٧):
стр. 60
فَبَيناهُ يَشْري رَحلَهُ قال قائل … لِمَن جَمَلٌ رِخوُ المِلاطِ نَجيبُ
أرادُ بَيُنا هو، وقد مضى تفسيرُه.
وَصَف بعيرًا ضَلَّ عن صاحِبِه فَيئِسَ منه وجَعَل يبيعُ رَحلَهُ فبينا هو كذلك سَمِع منادِيًا يُبشَّرُ به، وإنّما وَصَفَ ما وَرَدَ عليه من السرورِ بعدَ الأسَفِ والحُزنِ.
والمِلاطُ: ما وَلِيَ العَضُدَ من الجَنبِ، ويقال للعَضُدين: ابنا مِلاطٍ، ووَصَفَه برَخاوَتِهِ لأنّ ذلك أشَدُّ لِتَجافي عَضُدَيه عن كِركِرتِهِ وأبعَدُ له مِن أن يُصيبَه ناكِتٌ أو ماسِحٌ أو حازٌّ أو ضَبَبٌ، وهذه كلُّها أعراضٌ وآفاتٌ تَلحَقُه إذا حَكَّ بِعَضُديه كِركِرَتَهُ، ومعنى يَشري يبيعُ وهو من الأضداد.
وممَّا أنشَدَه الأخفش أيضًا في الباب قولُ الفرزدق (٥٨):
وما مِثلُهُ في الناس إلّا مُمَلّكًا … أبو أُمّه حَيٌّ أبوه يُقارِبه
أرادَ وما مِثلُهُ في الناسِ حِيٌّ يُقارِبُةُ إلا مُمَلّكا أبو أُمِّ هذا المُمَلَّكِ أبو هذا الممدوح، وأراد بالمُمَلَّك الخليفةَ هشامَ بنَ عبد الملك، وخالُهُ الذي أَبوه أبو أُمّه إبراهيم بن هشام المخزومي. وتلخيصُ معنى البيت، ما مِثلُ هذا الممدوح في الناس إلّا الخليفة الذي هو ابنُ أخيِهِ، وهذا المعنى مَعَ سُخفِهِ أمثَل ممّا عَبرَ به عنه من لفظِهِ لأنّه فَرَّقَ بين النَعتِ والمنعوتِ في قوله: (حَيٌّ يقاربُهُ) بخبَرِ المبتدأ وهو قوله: (أبوه)، وَفرَّقَ بين المبتدأ الذي هو (أبو أُمِّه) وبينَ خبرِهِ بقوله: (حِيٌّ)، فأحالَ اللفظ حتى عَمِيَ المعنى السخيف فازدادَ قُبْحًا إلى سُخفِهِ.
وممّا أنشده الأخفشُ (٥٩) أيضًا في الباب لقيس بن زهير (٦٠):
стр. 61
ألَمْ يأتيك والأنباء تَنْمي … بما لاقَتْ لَبونُ بني زِيادِ
أَثبَتَ الياءَ في حالِ الجَزمِ ضرورةً، لأنّه إذا اضطُرَّ ضَمَّها في حالِ الرَفعِ تَشبيهًا بالصحيح، وهي لغةً لغيرِهِ ضعيفةً فاستَعمَلَها عندَ الضرورة.
وَصَفَ بالبيتِ وما يَتصلُ به من الأبياتِ ما كانَ <من> فِعْلِهِ بأُمِّ الربيع بن زيادِ العَبْسي (٦١)، وكانَ قَيس بنُ زهير قد أعارَ الربيعَ دِرعًا فمَطَلَهُ بها فَمرَّتْ أُمُّ الربيعِ به على راحلتها فأخَذَ بزِمامها وذَهَبَ بها مرِتَهِنًا لها بالدرعِ، فقالت له العَجوزُ وهي فاطمةُ بنتُ الخُرْشُبِّ الأَنمارية: يا قَيسُ أينَ غَربَ عَقْلُك أَتَرَى بني زيادٍ مصالِحِيك أبدًا وقد ذَهَبْتَ بأُمِّهم يمينًا وشمالًا فقالَ الناسُ ما شاءوا، وإنَّ حَسْبَك من شَرٍّ سَمَاعُهُ، فَخَلّى سبيلَها وذَهَبَتْ كلمتُها مَثَلا.
والباءُ في قوله: (بما لاقَتْ) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ بمنزلتها في قوله : "وكَفَى باللهِ شَهيدا" (٦٢)، وحَسَّنَ دُخولَها في (ما) أنّها مبهَمَةٌ مبنيَّةٌ كالحرفِ، فأُدخِلَ عليها حَرفُ الجَرّ إشعارًا بأنَّها اسمٌ، والتقديرٌ ألَمْ يأتيك ما لاقَتْ.
ويَجوز أنْ تكونَ متصلةً بيأتيكَ على إضمارِ الفاعِلِ، فيكون التقدير ألَمْ يأتيكَ النَبَأُ بما لاقَتْ، ودَلَّ على النَبَأ قولُهُ: (والأَنباءُ تَنْمي)، <ومعنى تنمي> هنا تَشِيعُ، وأصلُهُ من نَمَى الشَيءُ يَنْمي إذا ارتَفَعَ وزادَ.
وأنشد سيبويه في بابٍ ترجمتُهُ: هذا بابُ الفاعِل الذي يَتَعَدّاه فِعلُهُ إلى مفعولٍ، لساعِدِةَ بنِ جُؤَيَّةَ الهُذَليّ (٦٣):
[٢٠] لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ … فيه كما عَسَلَ الطَريقَ الثَعْلَبُ
стр. 62
أرادَ بالخَيرِ فحَذَفَ، ووَصَلَ الفِعلَ فنَصَبَ، وسَوَّغَ الحَذْفَ والنَصْبَ أنّ الخيرَ اسمُ فِعلٍ يَحْسُنُ أنْ وما عَمِلَتْ فيه في موضِعِه، و (أنْ) تُحْذَفُ معها حُروفُ (٦٧) الجَرَّ كثيرًا، تَقول: أمَرْتُكُ أنْ تَفْعَلَ <وعَجْبتُ أنْ تَفْعَلَ> تُريدُ بأنْ تَفْعَلَ، ومِنْ أنْ تَفْعَلَ، فَيَحْسُنُ (٦٨) الحَذفُ [في] هذا لطولِ الاسمِ ويكثُرُ، فإذا وَقَع موقِعَ (أنْ) اسمُ فِعلٍ شُبَّهَ بها فحَسُنَ الحَذْفُ، فإنْ قلتَ: أمَرْتُكَ بزيدٍ لم يَجُزْ أنْ تقول: أمرتُكُ زيدًا لما بَيَّنْتُ لك.
والنَشَبُ: المالُ الثابتُ كالضِياعِ ونَحْوِها، وهو مِن نَشِبَ الشيءُ ثَبَتَ في موضعٍ ولَزِمَهُ، وكأنّه أراد بالمالِ ها هنا الإبِلَ خاصّةً، فلذلك عَطَفَ عليه النَشَبَ، وقد قيل: النَشَبُ جميعُ المالِ فيكونُ على هذا التَفْسير (٦٩) عَطَفَهُ على الأوّل مبالَغَةً وتوكيدًا، وسَوّغَ اختلافُ اللفظينِ.
وأنشد في الباب للمتَلمِّس الضبعي، واسمُه جرير بن عبد المَسيح (٧٠):
[٢٣] آليتَ حَبَّ العراقِ الدّهرَ أَطعَمُهُ … والحَبُّ يأكلُهُ في القَريةِ السُوسُ
أرادَ على حَبّ العراقِ، فحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، هذا مذهبُ سيبويه وهو الصَحيح، وللمبَرّد (٧١) فيه قولٌ مَرغوبٌ عنه.
والروايّةُ الصحيحةُ [في] آلَيْتَ بالفتحِ، لأنّه يُخاطبُ عَمروَ بن هندٍ المَلِك،
стр. 63
استشهَدَ به على وصولِ الفِعلِ إلى الطريقِ وهو اسمٌ خاصٌّ للموضعِ المُستطرَقِ بغيرِ واسطةِ حَرفِ <جَرٍّ> تشبيهًا بالمكان لأنّ الطريقَ مكانَ، وهو نَحو قولِ العرب: ذهبتُ الشامَ، إلّا أنّ الطريقَ أقرَبُ إلى الإبهامِ من الشام لأنّ الطريقَ يكونُ في كلِّ موضعٍ يُسارُ فيه وليسَ الشامُ كذلك.
وَصَف في البيت رُمْحًا لَيِّنَ الهَزِّ، فشَبّه اضطرابهُ في نفسه أَوْ في حالِ هَزُهِ بعَسَلانِ الثَعْلبِ في سَيرهِ. والعَسَلانُ: سَيرٌ سَريعٌ في اضطرابٍ، واللَّدّنُ: الناعِمُ اللِّيِّنُ.
ويروى لَذٌّ، أي: مُستَلَذٌّ عندَ الهَزِّ لِلينِهِ، والهاءُ من (فيه) تعودُ على اللَّدْنِ أو على الهَزِّ على حسب التفسير.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ الفاعِلِ الذي يَتَعدّاه فِعْلُهُ إلى مفعولين، وإنْ شِئتَ اقتَصَرْتَ الترجَمَة (٦٤):
[٢١] أستَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ أرادَ من ذَنبٍ، فحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعلَ فنَصَبَ.
والذَنْبُ هنا (٦٥) اسم جِنسٍ بمعنى الجميع فلذلك قالَ: (لستُ مُحصِيَهُ)، والوَجْهُ: القَصْدُ والمُرادُ وهو بمعنى التوجّه.
وأنشد في الباب لعَمرو بن مَعْدِ يكرب (٦٦):
[٢٢] أَمَرْتُكَ الخَيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بهِ … فقَدْ تَركْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
стр. 64
ويدلّ على هذا قولُهُ بعدَه (٧٢):
لَمْ تَدْرِ بُصْرَى بما آليتَ من قَسَمٍ
وكانَ قد أقسَمَ ألّا يَطْعَمَ المُتَلَمِّسُ حَبُّ العراقِ لمّا خافَهُ على نَفْسِه وفَرَّ إلى الشام ومَدَحَ مُلوكَها، فقال له المتلَمِّسُ مستَهْزِئًا: آليْتَ على حَبِّ العِراقِ لا أَطعَمُهُ، وقد أَمكنَني منهُ بالشامِ ما يُغْنِي عَمّا عندك، وأشارَ إلى كثرةِ ما هناك منه بما ذَكَر مِن أَكْلِ السُوسِ له، وأرادَ بالقريةِ الشامَ، وبالحَبِّ البُرَّ.
وأنشد في الباب للفرزدق (٧٣):
[٢٤] مِنّا الذي اختِيرَ الرِجالَ سَمَاحَةً … وجُودًا إذا هَبَّ الرِياحُ الزَعازعُ
أرادَ اختِيرَ منَ الرِجالِ، فحَذَفَ وعَدّى على ما تَقَدّمَ.
وَصَفَ قومَهُ بالجُودِ والكَرَمِ عندَ اشتدِادِ الزَمانِ وهُبوبِ الرياحِ الشديدة وهي الزَعازعُ، واحدتُها زَعْزاعٌ وزَعْزَعٌ وزُعْزُوعٌ، وإنّما أرادَ زَمَنَ الشتاءِ ووَقْتَ الجَدْبِ.
وأنشد في الباب له أيضًا (٧٤):
[٢٥] نُبِّئتُ عبدَ اللهِ بالجَوِّ أصبَحَتْ … كِرامًا مَوالِيها لَئيمًا ضَمِيمُها
أرادَ نُبِّئتُ عن عبدِ اللهِ على مذهَبِ سيبويه لأنّ نُبِّئْتُ بمعني خُبِّرْتُ، وخُبِّرْتُ يَتَعدّى بـ (عَنْ) ولا يُسْتَغنى عنها إلّا أنْ تُحْذَفَ اتِّساعًا.
وقد خُولِفَ (٧٥) سيبويه في هذا وجُعِلَ تَعَدِّي (نُبِّئْتُ) [بذاتها] كتَعَدّي (أُعْلِمْتُ)، لأنّها قد خَرجَتْ إلى معناها وإنْ كانَ أصلُها الخَبَرَ، وكلا المذهبينِ
стр. 65
صحيحٌ إنْ شاءَ اللهُ.
وأرادَ بعبدِ اللهِ القبيلَة، وهي عبد الله بنُ دارم (٧٦)، والفرزدقُ من مُجاشع بنِ دارم (٧٧)، والضَميرُ عائدٌ على عبدِ اللهِ بن دارم لأنّه أرادَ القبيلةَ كما فَسَّرْنا. والصَميمُ: الخالِصُ من كُلِّ شَيءٍ، وأرادَ به هنا مَنْ خلصَ نَسَبُهُ منهم.
وأنشد في بابٍ تَرجمتُهُ: هذا بابُ الفِعلِ الذي يتعدّي اسمَ الفاعلِ إلى اسمِ المفعولِ واسمُ الفاعلِ والمفعولِ فيه لشيءٍ واحِدٍ، لأبي الأسود الدُؤَلي (٧٨)، واسمُهُ ظالم بن عمرو (٧٩):
[٢٦] فإلّا يَكُنْها أو تَكُنْهُ فإنَّهُ … أَخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِها
أراد سيبويه أنّ (٨٠) (كان) لتَصَرُّفِها تجرِي مجرى الأفعالِ الحقيقيّة في عَمَلِها، فيتَّصِلُ بها ضَميرُ خَبَرِها اتصالَ ضَميرِ المفعولِ بالفِعلِ الحقيقي في نَحْوِ: ضَرَبْتُهُ وضَرَبَني وما أشبَهَه.
وَصَف نَبيذَ الزَبيبِ وأَطلَقَهُ على مذهبِ العراقيين في الأنبِذَةِ، وحَضَ على شُرْبِهِ وتَرْكِ الخَمرِ بعَيْنِها للإجْماع على تَحْرِيمها، وجَعَلَ الزبيبَ أخًا للكَرْمِ. لأنّ أصلَهُما الكَرْمَةُ، واستعار اللَّبانَ لمِا ذَكَرَهُ مِن الأخُوَّةِ، واللِّبانُ للآدميين واللَّبَنُ لغيرهم، وقد يكونُ اللِّبانُ جَمعَ لَبَنٍ في غيرِ هذا الموضع.
стр. 66
وأنشد في الباب لمَقّاس العائذي (٨١)، واسمه مُسْهِر (٨٢) بن النعمان، وسُمّي مَقَاسًا ببيتٍ قاله وهو:
مَقَسْتُ بهم ليلَ التَمامِ مُسَهّرًا … إلى أنْ بَدَا ضَوءٌ من الفَجرِ ساطِعُ (٨٣)
[٢٧] فِدىً لِبَني ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ ناقَتِي … إذا كانَ يومٌ ذو كَواكبَ أَشْهَبُ
أرادَ وَقَعَ يَومٌ أو حَضَر يومٌ ونحو ذلك مِمّا يُقْتَصَرُ فيه على الفاعِلِ.
وأرادَ باليوم يومًا من أيّامِ الحَرْبِ، وَصَفَه بالشِدّةِ فجعَلَه كاللّيلِ تبدو فيهِ الكواكبُ، ونَسَبَهُ إلى الشُهْبَةِ إمّا لكثرةِ السِلاحِ الصَقيلةِ فيه وإمّا لِما ذَكَرَهُ من النجومِ.
وذُهْلُ بنُ شَيبان (٨٤) من بني بكر بن وائل، وكانَ مَقّاسٌ نازلًا فيهم وأصلُهُ مِن قُريش من عائذَةَ (٨٥) وهم حَيٌّ منهم.
وأنشد في الباب لعمرو بن شأس (٨٦):
[٢٨] بَني أَسَدٍ هَلْ تعلمونَ بَلاءَنا … إذا كانَ يومًا ذا كواكبَ أَشْنَعَا
أرادَ إذا كانَ اليومُ يومًا، وأضمَرَ لِعِلْمِ المخاطَبِ، ومعناه إذا كانَ اليومُ الذي يَقَعُ فيه القِتالُ.
стр. 67
قال سيبويه (٨٧): وبعضُ العربِ يُنْشدُهُ: إذا كانَ يوم ذو كواكب أَشْنَعَا. وتَفسيرُ هذا كالذي مَرَّ في البيت الذي قبلَه.
وفي نَصْبِ (أَشْنَعَا) تقدير ان أجوَدُها أنْ يكونَ نصْبُهُ على الحالِ المؤكَّدَةِ، لأنّه إذا وَصَفَ اليَومَ بظُهورِ (٨٨) الكواكبِ فقد دَلّ على الشنعة، والحالُ المؤكَّدَةُ تُستعملُ كثيرًا كقولهم: قُمْ قائمًا، وكما قال [الله] جَلَّ وعَزّ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (٨٩).
والتقديرُ الآخَرُ أنْ يكونَ نَصْبُهُ على الخَبَرِ المؤكَّدِ به والخَبَرُ لا يكاد يَقَعُ إلَّا لفائدةٍ يُحتاجُ إليها لا يُسْتَغْنى عن ذِكرِها، وقد استُغْنِيَ عنه هنا فلذلك قَبُحَ هذا التقديرُ وضَعُفَ.
وأنشد في الباب لخِداش بن زهير (٩٠):
[٢٩] فإنَّكَ لا تُبالي بَعْدَ حَوْلٍ … أظَبْيٌ كانَ أُمّكَ أَمْ حِمارُ
استشهَدَ به على جَعْلِ اسم (كانَ) نكرةٌ وخَبرِها معرفةٌ ضرورةً، ووَجْهُ مَجازِ ذلك أنّ (كانَ) فِعلٌ بمنزلةِ ضَرَبَ في التَصَرُّفِ، وضَرَبَ قد يَرفَعُ النكرةَ وينصبُ المعرفةَ فَشُبِّهَتْ بها عند الضرورة.
وَصَف في البيت تَغَيُّرَ الزمانِ واطَّراحَ مُراعاةِ الأنسابِ، ويتصلُ به ما يُبَيِّنُهُ وهو قولُهُ (٩١):
стр. 68
فَقَدْ لَحِقَ الأسافِلُ بالأعالي … وصارَ مع المُعَلْهَجَةِ العِشارُ
فيقول: لا تُبالي بعدَ قِيامِكَ بنَفَسِكَ واستِغْنائِكَ عَن أبَوَيْكَ مَن انتَسَبْتَ اليهِ مِن شَريفٍ أو وَضيعٍ، وضَرَبَ المَثَلَ بالظَبْيِ والحمارِ وجَعَلَهما أُمَّيْنِ وهما ذَكَران لَأنّه مَثَلٌ لا حقيقة، وقَصَدَ قَصْدَ الجِنْسَينِ ولَمْ يُحَقّقْ أُبُوَّةً.
وذَكَر الحَوْلَ لِذِكْرِ الظَبْيِ والحِمارِ، لأنّهما يَسْتَغنيان بأنفسهما بعدَ الحَوْلِ، فضَرَب المَثَلَ بذِكْرِهِ الإنسانَ لِما أرادَ مِن استَغْنائِهِ بنَفْسِهِ.
وأنشد في البابِ لحسانَ بنِ ثابتٍ (٩٢) في مِثْلِهِ:
[٣٠] كأنّ سُلافَةً مِن بيتِ رَأسٍ … يكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءٌ
الشاهِدُ في نَصْبِ (المِزاجِ) وهو معرفةٌ ورَفْعِ (العَسَلِ والماءِ) وهما نكرتان، وعِلَّتُهُ كالذي قبله، إلّا أنّ هذا أقوى شيئًا (٩٣)، لأنّ المِزاجَ مضافٌ إلى ضَمير السُلافَةِ وهي نكرةٌ، فضميرُها مِثْلُها في الفائدة فكأَنّه أضافَ إلى نكرةٍ وأخبَرَ عنِ نكرةٍ بنكرةٍ، وممّا يُقَوّيه أيضًا على الأوّلِ أنّ الفائدةَ في تعريف العَسَلِ والماءِ وتنكيرهما إذا قَصَدَ تعريفَ الجِنسِ لا تَعريفَ العَهْدِ سَواءٌ.
والسُلافَةُ: الخَمرُ ويُقال هو اسمٌ لِما سالَ منها قبلَ أن تُعْصَرَ وذلك أَخْلَصُها، واشتِقاقُها من سَلَفَ الشَيءُ إذا تَقَدَّمَ <وسَبَقَ>، وبيتُ رأس: اسمُ موضع <بعينه> وقيل: رأسٌ رئيسُ الخَمّارين، ويقال: هذا رأسُ القومِ <ورئيسُهم>، وشَرَط أنْ يَمزجَها لأنّها خَمر شامِيَّةٌ (٩٤) تَقْتُلُ إنْ لم تُمْزَجْ، ويقال:
стр. 69
رأس: اسم خَمّارٍ معروف.
وأنشد في الباب لأبي قَيسِ بن الأسْلَت الأنصاري (٩٥) في مثل ذلك:
[٣١] ألا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي … أسِحْرٌ كانَ طِبَّكَ أمْ جُنونُ
تَفسيرُ إعرابِهِ كتَفسيرِ بَيتِ خِداشِ بن زُهير، وقد تقدّمَ في الباب، والطِبُّ هنا العِلَّةُ والسَبَبُ.
يقولُ لحسّانَ بنِ ثابتٍ وكانت بينهما مُهاجاةٌ: أَسُحِرْتَ فكانَ ذلك سَبَبَ هِجائك <لي> أَمْ جُنِنْتَ؟ يتوَعَّدُهُ بالمقارَضَةِ.
وأنشد في الباب للفرزدق (٩٦) في مِثلِه:
[٣٢] أسَكْرانُ كانَ ابنَ المَرَاغَةِ إذْ هَجَا … تَميمًا بجوْفِ الشامِ أمْ مُتَساكِرُ
القولُ فيه كالقولِ في البيت الذي قبلَه.
وأرادَ بابنِ المَراغَةِ جَريرَ (٩٧) بنَ الخَطَفَى، وكانَ الفَرزدقُ قد لَقَّبَ أُمَّهُ بالمَراغَةِ ونَسَبَها إلى أنّها راعِيَةُ حَميرٍ، والمَراغَةُ: الأتانُ التي لا تمتنعُ منَ الفُحولِ، وأرادَ بتميمٍ هنا بني دارمِ بنِ مالكِ بن حنظَلَةَ وهم رَهطُ الفرزدقِ من تميم (٩٨)، وجَريرٌ من <بني> كُلَيب بن يربوع بن حنظلةَ (٩٩)، فلَمْ يَعتَدَّ الفرزدقُ برَهْطِ جَريرٍ في تميم احتِقارًا لهم.
стр. 70
وأنشد في الباب (١٠٠):
[٣٣] وقَدْ عَلِمَ الأقوامُ ما كانَ داءَها … بثَهْلانَ إلّا الخِزْيُ مِمَّنْ يَقودُها
استشهد به على استواءِ اسمِ كانَ وخَبَرِها في الرَفع والنَصْبِ لاستوائهما في المعرفةِ.
وَصَفَ كتيبةً انهزَمَتْ فيقول: لم يكنْ داءَها وسَبَبَ انهِزامها إلّا جُبْنُ مَنْ يقودُها وانهِزامُهُ، وجَعَلَ الفِعلَ للخزي مَجازًا واتّساعًا، والمعنى إلّا قائدُها المنهزمُ الخَزْيانُ، وثَهْلان: اسمُ جَبَلٍ، وأنشد (١٠١):
ثَهْلانُ ذو الهَضَباتِ لا يَتَحَلْحَلُ
وأنشد في الباب للأعشى (١٠٢):
[٣٤] وتَشْرَقُ بالقَولِ الذي قَدْ أَذَعْتَهُ … كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ من الدَمِ
استشهَدَ به على تأنيثِ فعلِ الصَدرِ وهو مُذكّرٌ لأنّه مضافٌ إلى مؤنَّثٍ هو مِنْهُ والخَبَرُ عنه كالخَبَرِ عَمّا أُضِيفَ إليه، لأنّ المعنى في شَرِقَتِ القَناةُ وشَرِقَ صَدْرُ القناةِ واحدٌ.
يخاطِبُ بالبيت يزيد بن مُسْهِر الشيباني (١٠٣)، وكانَتْ بينَهُما مُبايَنَةٌ ومُهاجاةٌ، فيقول له: يَعودُ عليك مَكروهُ ما أَذَعْتَ عَنِّي مِن القولِ ونَسَبْتَهُ إليَّ مِنَ القَبيحِ فَلا تَجِدُ مَخْلَصًا منه <كَمَنْ شَرِقَ بالماءِ لا يَجدُ منه مَخْلَصًا>، والشَرَقُ بالماءِ كالغَصَصِ بالطَعامِ
стр. 71
والجَرَضِ بالريقِ، وإنّما شَبَّهَ شَرَقَهُ بشَرَقِ القَناةِ مبالغَةً في وَصْفِ الشَرَقِ باللُّزومِ لمواصلةِ صَدْرِ القَناةِ الدَمَ لِمواصَلَةِ الطَعنِ، ومعنى أذْعْنَهُ نَشَرْتَهُ وَبَثثْتَهُ، وإذاعَةُ السِرِّ: إفشاؤُهُ وبَثُّهُ.
وأنشد في الباب لجرير (١٠٤):
[٣٥] إذا بعضُ السِنينَ تَعْرَّقَتْنا … كَفَى الأيْتامَ فَقْد أَبى اليَتيمِ
استشهَدَ به على تأنيثِ [تَعَرَّفَتْنا] فعل (بعضٍ) لإضافته إلى السنين، ولأنّه أرادَ <به> سَنَةً، فكأنَّه قال: إذا سَنَةٌ من السنين تَعَرَّقَتْنا.
عَنَى بالبيتِ هِشامَ بنَ عبد الملك فيقول: إذا أصابَتْنا سَنَةُ جَذْبٍ تُذْهِبُ المالَ قام للأيتام مَقامَ آبائهم <فلم تَنَلْهُم المَسْغَبَةُ والشِدَّةُ، وكانَ ينبغي أنْ يقول: فَقْدَ آبائهم> لأنّه ذَكَر الأيْتام أوّلًا، ولكنّه أفَرَدَ حَمْلًا على المعنى لأنّ الأيتامَ هنا اسمُ جِنْسٍ، فواحِدُها يَنوبُ مَنابَ جَمْعِها، وجَمعُها يَنوبُ مَنابَ واحِدِها، فمعنى كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أبى اليتيم ومعنى كَفَى اليتيمَ فَقْدَ أَبيهِ واحدٌ: ومعنى تَعَرَّقَتْنا أذهَبَتْ أموالَنا، وأصلُهُ مِن تَعَرَّقْتُ العَظْمَ، إذا أَذهَبْتَ ما عليهِ من اللحمِ.
وأنشد في الباب <له> أيضا (١٠٥):
[٣٦] لَمّا أَتَى خَبَرُ الزُبَيْرِ تواضَعَتْ … سُورُ المَدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
القولُ فيه كالقولِ في الذي قبلَه، إلّا أَنّه أَبعَدُ شَيئًا لأنّ السُورَ وإنْ كانَ بعضَ المَدينةِ فَلا يُسَمّى مَدينةً كما تُسَمّى بَعضُ السنين سَنَةً، ولكنّ الاتساعَ فيه متمكنٌ لأنّ معنى تَواضَعَتِ المدينةُ وتَواضَعَ سُورُ المدينةِ مُتَقارِبٌ.
يَصِفُ مَقْتَلَ الزُبَيْرِ بنِ العَوّامِ صاحبِ رسول (١٠٦) الله ﷺ حينَ انصَرَفَ يومَ الجَمَلِ وقُتِلَ في الطريقِ غِيلَةً، فيقول: لَمّا وافَى خَبَرُهُ المدينةَ مدينةَ
стр. 72
الرسول ﷺ تَواضَعَتْ هي وجِبالُها وخَشَعَتْ حُزْنًا له، وهذا مَثَلٌ وإنّما يُريدُ أَهلَها.
وكانَ ينبغي أنْ يقولَ: والجِبالُ الشامِخَةُ، ولكنّه وَصَفَها بما آلَتْ إليه كما قالَ : "إنِّي أراني أعْصِرُ خَمْرًا (١٠٧) أي: عِنَبًا يَؤُولُ إلى الخَمرِ، وهذا التَفسيرُ مَعَ عَطْفِ الجِبالِ على السُورِ، فإنْ جَعَلْتَها مُبتدأَةً لم يكُن في الكلامِ اتِّساعٌ، ويكونُ التقديرُ والجِبالُ خُشَّعٌ لموتِهِ.
وأنشد في الباب لذي الرُمَّة (١٠٨):
[٣٧] مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ … أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النواسِمِ
القولُ في تأنيثِ فِعلِ المَرِّ، لأنّه من مؤنَّثٍ كالقَولِ فيما (١٠٩) قبلَهُ.
وَصَفَ نِساءً فيقول: إذا مَشَيْنَ اهتَزَزْنَ في مِشْيَتهنّ وتَثَنَّيْنَ فكأنَّهنّ رِماحٌ نُصِبَتْ فَمَرَّتْ عليها الرِياح فاهتَزَّتْ وتَثَنَّتْ. ومعنى تَسَفَّهَتْ استَخَفَّتْ، والسَفَهُ: خِفَّةُ العَقلِ وضَعْفُهُ. والنَواسِمُ: الضَعيفَةُ الهُبوبِ، واحدتُها ناسِمَةٌ، واسمُ الفِعلِ التَنْسيمُ (١١٠)، وإنّما خَصَّ النواسِمَ لأنّ الزَعازِعَ الشَديدةَ تعصفُ ما مَرَّتْ به وتُغَيِّرهُ. ويُروى (مَرضَى الرِياح)، يريد الفاتِرةَ، ولا ضرورةَ فيه على هذا.
وأنشد في الباب للعَجّاج (١١١) في مِثلِه:
[٣٨] طُولُ اللَّيالي أُسْرَعَتْ في نَقْضي
стр. 73
أَنَّثَ فِعلَ الطولِ وهو مُذَكَّرٌ، لأنَّه أَضافَهُ إلى مؤنَّثٍ، وهو كالذي تَقَدَّم (١١٢).
يقول: مُرورُ الزَمانِ (١١٣) عَلَيٍّ هَرَّمَني وأَبْلاني فَصِرْتُ إلى الضَعْفِ بَعدَ القُوَّةِ، فكأنَّما نَقضتُ بَعدَ الإِبرامِ، وبعده:
أكَلْنَ بَعْضي وتَرَكْنَ بَعْضي
فأخْلَصَ الخَبَرَ لِلّيالي دونَ الطُولِ، فَقَد بَيَّنَ لَكَ أنّ معنى (طُولُ اللّيالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِي) واللّيالي أسْرَعَتْ <في نَقْضي> سَواءٌ.
وأنشد في الباب لجرير (١١٤):
[٣٩] يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبا لَكُمُ … لا يُلْقِيَنْكُمُ في سَوْأَةٍ عُمَرُ
استشهَدَ به على إقحام تَيْم الثاني بينَ تَيم الأوّل وما أُضِيفَ إليه، لأنّ الفائدةَ علي تكريرِ الاسمَينِ وإفْرادِهما سَواءٌ إذا كانا لشيءٍ واحِدٍ، فكأنّه إنّما أضافَ اسمًا واحدًا إلى عَدِي، فحَذَفَ التنوينَ منهما للإضافةِ كما يُحْذَفُ مِن أحدهما أذا أُضِيفَ.
يُخاطبُ تَيْمَ بنَ عَبدِ مَنَاةَ <بنِ أَدْ بن طابخةَ بن إلياس بن مُضَر (١١٥) > وهم رَهْطُ عُمَرَ بنِ لَجأ (١١٦) التَيْمي الخارجي، وعَدِيٌّ هذا هو عَدِيُّ بنُ <بكر (١١٧) بنِ> عبدِ مَنَاة، فأضافَ تَيْمًا إليه لالتباسِه <به>، وكانَتْ (١١٨) بينَ جَريرٍ وعُمَرَ هذا مهاجاةٌ، فلمّا تَوَعَّدَ جَريرٌ قَومَهُ أتَوْهُ به مُوثَقًا وحَكَّموهُ فيه فأعْرَضَ عن هَجْوِهم.
ومعنى لا يُلْقِينّكُمُ في سَوْأَةٍ، لا تُملِئوهُ عليَّ فأقارِضكم بالهَجْوِ فتَقَعوا مِنْهُ في سَوْأَةٍ وشَرٍّ (١١٩). والسَوْأَةُ: الفَعْلَةُ القَبيحةُ، ومعنى لا أَبا لكُمُ الغِلْظَةُ في الخطابِ
стр. 74
والحَطُّ، وأصلُهُ أنْ يُنْسَبَ المخاطَبُ إلى غَيرِ أبٍ معلومٍ شَتْمًا له واحتِقارًا، وكَثَّرَتْ في الاستعمالِ حتى جُعِلَتْ في كُلِّ خِطابٍ يُغْلَظُ فيه على المُخاطَب.
وأنشد في بابٍ ترجمتُهُ: هذا بابٌ يُخْبَرُ فيه عن النكرِة بالنكرةِ (١٢٠):
[٤٠] لَتَقْرُبنَّ قَرَبًا جُلْذِيًا
ما دامَ فيهنَّ فَصيلٌ حَيّا
فقدْ دنا اللّيلُ فَهِيّا هِيّا
استشهَدَ به على تقديم (فيهنّ) على (فَصيلٍ) وجَعْلِهِ لَغْوًا مع التقديمِ، وسَوَّغَ ذلك أَنَّك لو حَذَفْتَ <فيهنّ> انقَلَبَ المعنى إلى مَعنىً آخَرَ وهو الأبَدُ، فلمّا لم تتمّ الفائدةُ إلّا به حَسُنَ تَقديْمُهُ لمُضارَعَتِهِ الخَبَرَ في الفائدة.
يُخاطِبُ ناقَتَهُ فيقول: لَتَسيرنَّ إلى الماءِ سَيْرًا حَثيثًا، والقَرَبُ: القُرْبُ من الورودِ، وليلةُ القَرَب: <الليلةُ> التي يُورَدُ الماءُ في صَبيحتها بعدَ سَيرٍ إليه وطَلَبٍ، والجُلْذِيُ مِن وَصْفِ القَرَبِ ومعناه الشَديدُ السريعُ، ويجوز أنْ يكونَ اسمُ ناقتِهِ جُلْذِيَّةً فَرَخَّمَ.
والضميرُ <الذي> في قولِهِ: (فيهنَّ) عائدٌ على الإِبلِ، ودَلَّ عليه سِياقُ الكلامِ، وذَكَر الناقَةَ فأَضمَرَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لها ذِكْرٌ يرجعُ الضَميرُ إليه، وإنّما ذَكَر الفَصِيلَ لأنّ ناقَتَهُ من جُملَةِ الإِبِلِ التي يَسوقُها إلى الماءِ سَوْقًا حَثيثًا، فيقول: لا أَعْذِرُكِ ما دامَ في صَواحِبِكِ فصيلٌ يُطيقُ السَيرَ، وهِيّا كلمةُ استِحْثاثٍ، وهي مكسورةُ الأوَلِ، وقد حُكِيت بالفتح.
وأنشد في بابٍ ترجمَتُهُ: هذا بابُ ما أُجْرِيَ مُجْرَى ليسَ وهو بابُ (ما)، لسعد بن مالك القيسي (١٢١):
стр. 75
[٤١] مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها … فأنا ابنُ قَيسٍ لا بَراحُ
استشهَدَ به على إجراءِ (لا) مُجرى (ليس) في بعض اللُّغاتِ كما أُجْرِيَتْ (ما) مُجراها في لغةِ أهل الحِجازِ، فتقديُره لا بَراحٌ لي، على معنى ليسَ لي بَراحٌ.
والوَجْهُ في (لا) إذا وَلِيَتْها النكرةُ ولَمْ تتكَرّرْ أنْ تَنصبَها بلا تنوينٍ وتُبْنَى معها على ما بَيَّنَهُ سيبويه (١٢٢) في باب (لا) وذَكَرَهُ بعِلَّتِهِ، وأمّا رَفْعُها للنكرةِ مفردةً ونَصْبُ الخَبَرِ فيجري مجرى الضرورة في القِلَّة، وهي في ذلك مُشَبَّهَةٌ بـ (ليسَ) لأنّ معناها كمعناها ودُخولُها على المبتدأ كدُخولِها فأُعْمِلَتْ لذلك عَمَلَها.
وَصَفَ نَفْسَه بالشَجاعةِ والإقْدامِ عند اشتدادِ الحربِ وصدودِ الشُجعانِ عنها والأقرانِ.
وأنشد في البابِ للفرزدق (١٢٣):
[٤٢] فأَصبَحُوا قَدْ أَعادَ اللهُ نِعْمَتَهُم … إذْ هُمْ قُريشٌ وإذْ ما مِثْلَهُم بَشَرُ
استشهَدَ به على تقديم خَبَرِ (ما) منصوبًا، والفرزدقُ تَميميٌّ يَرْفَعُهُ مُؤخّرًا، فكيفَ إذا تَقَدّمَ.
وقَدْ رُدَّ <على" سيبويه (١٢٤) حَمْلُهُ على هذا، وخُرِّجَ للنَصْبِ وَجْهان أَضْرَبْتُ عنهما لتَبْييني لهما في كتاب (النكت) (١٢٥).
والذي حَمَلَهُ عليه سيبويه أصَحُّ عندي وإنْ كانَ الفرزدقُ تميميًا، لأنّه أرادَ أنْ يُخَلِّصَ المعنى منَ الاشتراكِ فلم يُبالِ (١٢٦)، إفْسادَ اللفظِ مع إصلاحِ المعنى، وتَحْصينه، وذلك أنّه لو قال: (وإذْ ما مِثْلُهُم بَشَرٌ) بالرفعِ لجازَ أن يُتَوَهَّمَ [أنّه] من باب ما مِثْلُكُ