← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 246–272 · переход к 251.

стр. 246

٨_ أبو الحسن علي بن موسى الرضا ١٤٨_٢٠٢ أو ٢٠٣ هـ. ٩_ أبو جعفر محمد بن علي الجواد ١٩٥_٢٢٠ هـ. ١٠_ أبو الحسن علي بن محمد الهادي ٢١٢_٢٥٤هـ. ١١_ أبو محمد الحسن بن علي العسكري ٢٣٢_٢٦٠هـ. ١٢_ أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي. ولكن هل استمرت على النحو الذي ذكروه، وهل سارت في طريقها الذي زعموه؟ الجواب لا؛ لأن إمامهم الحادي عشر _ الحسن العسكري _ توفي سنة ٢٦٠هـ بلا عقب، كما قاله كبار المؤرخين، واعترفت به كتب الشيعة بأنه لم يُرَ له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر؛ فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه. ولقد تحير الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري بلا ولد، وتفرقوا _ فيمن يخلفه _ فرقاً شتى، بلغت _ كما قال المسعودي _ عشرين فرقة، أو خمس عشرة فرقة _كما يقول القمي_١. "حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة انقطعت، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع؛ حيث سقط عموده وهو الإمام"٢. إلا أن فكرة الغيبة _ غيبة الإمام _ وهي عقيدة يهودية٣_ "كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار؛ ولهذا

стр. 247

أصبح الإيمان بغيبة ابن الحسن العسكري هي المحور الذي تدور عليه عقائدهم، ودان بها أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك"١. ومن هنا ادعوا أن للحسن العسكري ولداً، وقالوا: "إنه غاب عن الأعين، وله غيبتان: الغيبة الصغرى، والغيبة الكبرى. كما كذبوا على جعفر أنه قال: للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، والغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه"٢. ولقد اضطربت الشيعة في مسألة غيبة الإمام؛ فهي "في أركان المذهب الشيعي من المسائل التي حيرت كثيراً من الشيعة؛ لشكهم في أمره، وطول غيبته، وانقطاع أخباره"٣. ولعل هذا الاضطراب في مسألة غيبة الإمام _ يرجع إلى أن الأسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته _ لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأنه يخاف القتل، مع أنهم يقولون: بأن الأئمة يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم، فكيف يحتجب خوفاً، وأمر الموت بيده؟! ٤. أما مكانه الذي غاب فيه فيزعمون أنه في سرداب سامراء؛ حيث دخل فيه وسيخرج منه في آخر الزمان.

стр. 248

ثانياً: الرجعة: فالرجعة من عقائد الشيعة الأساسية، وقد استمدوها من اليهودية، والرجعة عند الشيعة تعني قيام المهدي المزعوم _ وهو إمامهم الثاني عشر _ ورجوعه إلى الدنيا، فهم يزعمون أنه حي، وينتظرون خروجه _ أي ثورته _ ليثوروا معه، وإذا ذكروه في كتبهم يكتبون إلى جانب اسمه أو كنيته حرْفَي عج أي عجل الله فرجه١. ولم يكتف الشيعة الاثنا عشرية بالقول إن معدومهم الغائب هو الذي سيرجع فحسب، بل قالوا أكثر من ذلك، وهو أنه يَرْجع، ويُرجع الآخرين من الشيعة، وأئمتهم، وأعدائهم حسب زعمهم٢. ويقولون: إنه سينتقم من أعدائه السابقين واللاحقين ثم حكام المسلمين، "وعلى رأس الجميع الجبت والطاغوت _ أبو بكر وعمر _ فمن بعدهما، فيحاكمهم على اغتصابهم منه٣ من آبائه الأحد عشر إماماً"٤. ويرون أنه بعد محاكمة الطواغيت _ بزعمهم _ سيقوم بقتلهم. فهذه الخرافة _ خرافة الرجعة _ تعد من العقائد الأساسية التي لا يرتاب فيها شيعي واحد.

стр. 249

"ولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء، فيهتفون باسمه١، ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون إلى بيوتهم بعد طول الانتظار، وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن"٢. حتى أصبحوا بهذا الانتظار مثاراً للسخرية والتندر، ومما قيل في ذلك: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... صيرتموه بزعمكم إنسانا فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا٣

стр. 250

ولاية الفقيه الشيعة الاثنا عشرية تعتقد أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بأشخاص معينين بأسمائهم، وعددهم، وقد اختارهم الله كما يختار أنبياءه، وهؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر، وهؤلاء الأئمة أمرهم كأمر الله، وعصمتهم كعصمة رسل الله أو أعظم، وفضلهم فوق فضل أنبياء الله. ولكن آخر هؤلاء الأئمة _ حسب اعتقادهم _ غائب منذ سنة ٢٦٠هـ. ولذا فإن الاثني عشرية تحرم أن يلي أحد منصبه في الخلافة حتى يخرج من مخبئه١. فيقولون: "كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت"٢. وعلى هذا مضى شيعة القرون الماضية، وقد استطاعوا أن يأخذوا مرسوماً إمامياً وتوقيعاً من الغائب _ على حد زعمهم _ يسمح لبعض شيوخهم أن يتولوا بعض الصلاحيات الخاصة بالغائب لا كل الصلاحيات. ولذا استقر الأمر عند الشيعة على أن ولاية فقهائهم خاصة بمسائل الإفتاء وأمثالها، كما ينص عليه توقيع المنتظر. أما الولاية العامة التي تشمل السياسة وإقامة الدولة _ فهي من خصائص الغائب، وهي موقوفة حتى يرجع من غيبته؛ ولذلك عاش أتباع هذا المذهب وهم ينظرون إلى خلفاء المسلمين على أنهم غاصبون مستبدون.

стр. 251

وهذا الأمر يقودهم إلى الحسرة؛ لأنهم يعتقدون أن الخلفاء استولوا على سلطان إمامهم؛ لذلك فهم يَدْعون _ دائماً _ بأن يعجل الله فرج هذا الغائب؛ حتى يقيم دولتهم، وينتقم من أعدائهم، لكن غيبة هذا المنتظر طالت، وتوالت قرون قاربت الاثني عشر دون أن يظهر، والشيعة _ طوال هذا الوقت _ محرومون من دولة شرعية _حسب اعتقادهم_١. ثم بدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي المنتظر تداعب أفكار المتأخرين منهم. فنتج عن ذلك القولُ والاعتقاد بولاية الفقيه، وهي تعني أن يقوم الفقيه الشيعي _لا غيره_ مقام الإمام الغائب، بحيث يكون له ما للغائب من التقديس، والتعظيم، والخضوع، والانقياد لأوامره واجتهاداته، ولا يحل لأحد أن يعترض على الفقيه؛ لأن المعترض عليه معترض على الله. فالفقيه عندهم ليس له الولاية الخاصة بمعنى أنه المرجع في الفتوى والخصومات فحسب، بل له الولاية العامة، أي له ما للإمام من السلطة الدينية، والولاية العامة لأمور الناس، والزعامة الشاملة فيما يخص شؤون المسلمين العامة، وله الحق في الموارد التي يكون للإمام التصرف فيها، كأخذ الخمس من الغنائم، وله المعادن والأرض التي لا مالك لها، ورؤوس الجبال، وما يكون فيها من حجارة أو شجر أو معدن٢.

стр. 252

"وعقيدة عموم ولاية الفقيه لم توجد عند الاثني عشرية قبل القرن الثالث عشر"١. "وقد أشار الخميني إلى أن شيخهم النراقي ت١٢٤٥هـ والنائيني ت١٣٥٥هـ _ قد ذهبا إلى أن للفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة. ولم يذكر الخميني أحداً من شيوخهم نادى بهذه الفكرة قبل هؤلاء، ولو وجد لذكره؛ لأنه يبحث عما يبرر به مذهبه"٢. "وقد التقط الخميني هذا الخيط الذي وضعه مَنْ قبله، وراح ينادي بهذه الفكرة، وضرورة إقامة دولة برئاسة نائب الإمام لتطبيق المذهب الشيعي"٣. ولذلك فهو يقول: "واليوم _ في عهد الغيبة _ لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة، فما هو الرأي؟ هل نترك أحكام الإسلام معطلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول: إن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب، ليهملهم بعد ذلك؟ ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور الإسلام وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن أرضنا، هل يُسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة تعني ضرورة من ضرورات الحياة"٤. ويقول في موطن آخر: "قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف

стр. 253

عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ ويعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام " وجهر في نشرها، وبيانها، وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام _ مثلاً _؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ"١. ثم يقول: "إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية، فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف"٢. فخميني يرى لهذه المسوغات التي ذكرها ضرورة خروج الفقيه الشيعي وأتباعه للاستيلاء على الحكم في بلاد الإسلام نيابة عن المهدي، خارجاً بذلك عن مقررات دينه، مخالفاً نصوص أئمته الكثيرة في ضرورة انتظار الغائب، وعدم التعجل في أمره٣. ثم دأب خميني في سلوك السبل المفضية لإقناع الناس بما يراه، "وظل الخميني زمناً طويلاً يُلقي على طلابه في النجف دروساً في مبدأ ولاية الفقيه،

стр. 254

وضرورة قيام حكومة إسلامية من منطلق طائفي مذهبي. وحشد أدلة كثيرة من واقع كتب المذهب الشيعي على صحة ما يذهب إليه، وينادي به رغم أن تلك الروايات التي يستشهد بها لا ترقى وفق ميزان النقد الحديثي عند الشيعة إلى درجة الصحة"١. "وفي منفاه في العراق، ثم في فرنسا أخذ يؤلب أتباعه على الشاه، ويحضهم على القيام بثورة لقلب نظام الحكم في إيران، وتسليم السلطة إلى الفقيه العادل. وفي عام ١٩٧٩م بدأت مرحلة جديدة في التاريخ الإيراني الحديث، فقد غادر الشاه إيران إلى منفاه، وعاد الخميني من منفاه، وتسلم السلطة في إيران، وبدأ الخميني في تطبيق ما نادى به منذ عشرات السنين"٢. ومن هنا بدأت المرحلة الفعلية لتطبيق نظرية ولاية الفقيه التي تعني _بزعمه_: حكومة إسلامية يقوم بتشكيلها ويجلس على عرشها فقيه عالم. فهي نظرية "ترتكز على أصلين: الأول: القول بالولاية العامة للفقيه. والثاني: أنه لا يلي رئاسة الدولة إلا الفقيه الشيعي"٣. هذا وقد أُفرغت هذه النظرية في كتاب ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية الذي نشرته حركة الخميني، وجعلته دستوراً لحركتها، ومنهاجاً لثورتها ضد

стр. 255

نظام الشاه، والكتاب مجموع محاضرات الخميني على طلابه في النجف حول هذا الموضوع. والناظر في عقيدة _ أو نظرية _ ولاية الفقيه يلاحظ ما يلي١: أولاً: أن الخميني ساق مسوغات كثيرة لبيان ضرورة إقامة الدولة الشيعية، ونيابة الفقيه عن المهدي في رئاستها، وكان ينبغي لهذه المسوغات أن توجه وجهة أخرى لو كان للخميني ومن أيده قدم صدق في القول، وحرص على نصح الأتباع. وهذه الوجهة هي نقد المذهب من أصله، الذي قام على خرافة الغيبة، وانتظار الغائب والذي انتهى بهم إلى هذه النهاية. ثانياً: ولاية الفقيه شهادة مهمة وخطيرة على فساد مذهب الشيعة من أصله، وأن اجتماع طائفته في القرون الماضية كان على ضلالة، وأن رأيهم في النص على إمام معين، والذي نازعوا من أجله أهل السنة طويلاً وكفروهم _ أمر فاسد أثبت التاريخ والواقع فساده بوضوح تام؛ فهاهم يضطرون للخروج على رأيهم بقولهم بـ: "عموم ولاية الفقيه" بعد أن تطاول عليهم الدهر، ويئسوا من خروج مَنْ يسمونه صاحب الزمان، فاستولوا حينئذٍ على صلاحياته كلها. ثالثاً: أن ولاية الفقيه خروج عن دعوى تعيين الأئمة، وحصرهم باثني عشر؛ لأن الفقهاء لا يحصرون بعدد معين، وهم غير منصوص على أعيانهم، وهذا يعني أنهم عادوا لمفهوم الإمامة عند أهل السنة _ إلى حد ما _ لأنهم خرجوا

стр. 256

من حصر الإمامة بالشخص وهو الإمام المنصوص عليه _ بزعمهم _ إلى حصرها بالنوع، وهو الفقيه الشيعي. وهم بذلك يُقرون بضلال أسلافهم، وفساد مذهبهم بمقتضى هذا القول. لكنهم يعدون هذا المبدأ ولاية الفقيه نيابة عن المهدي حتى يرجع، فهم لم يتخلوا عن أصل مذهبهم، ولهذا أصبح هذا الاتجاه لا يختلف عن مذهب البابية؛ لأنه يزعم أن الفقيه الشيعي هو الذي يمثل المهدي، كما أن الباب يزعم ذلك، ولعل الفارق أن الخميني يعد كل فقهائهم أبواباً. رابعاً: أن الذين قالوا بولاية الفقيه يرون أن حكومتهم الحاضرة أول دولة إسلامية يعني شيعية مع أنه قد قامت حكومات شيعية، ولكنها ليست محكومة من قبل الآيات _ الفقهاء _ ولذا عدوا حكومتهم هذه أول دولة إسلامية. خامساً: أن هذه النظرية تدل على إفلاس الفكر الشيعي وتناقضه فيه؛ إذ كيف يتلقون تعاليمهم من طفل غاب في السرداب _ كما يزعمون _. ثم ما هذا التناقض العجيب؟ فإذا صدقنا وتنزلنا معهم أن الأئمة لم يجلسوا إلى معلمين، وإنما أخذوا علمهم عن طريق الإلهام، فهل الفقهاء _ أيضاً _ لم يجلسوا إلى معلمين؟ ثم كيف خلعوا عليهم رداء العصمة كما خلعوها على الأئمة؟ سادساً: أن في هذه النظرية حطاً من شأن النبوة: ذلك أنهم عدوا المجتهد حاكماً، وعدوا الرد عليه رداً على الإمام، والردُّ على الإمام _ عندهم _ رد على الله، والرد على الله يقع في حد الشرك. فلماذا تجاوز الشيعة رسول الله ﷺ أم أن الإمامة والاجتهاد الشيعي في منزلة دونها النبوة والرسالة؟ ١.

стр. 257

سابعاً: أن ولاية الفقيه لم تلق التأييد المطلق من الشيعة: فلقد أثار ذلك ثائرة جملة من شيوخ الشيعة، ونشب صراع حاد بين الخميني وأحد مراجعهم الكبار، وهو شريعتمداري كما أعلن طائفة منهم معارضتهم لهذا المذهب، منهم آية الله الخوئي زعيم الحوزة العلمية بالنجف، والشيخ اللبناني محمد جواد مغنية، والدكتور موسى الموسوي، وغيرهم. ثامناً: الإخفاق في التطبيق: وهذا مما يدل على بطلان هذه النظرية وفسادها؛ فلقد كتب الخميني كثيراً عن عدالة مطالبه، وهو حق الفقيه العالم في تشكيل الحكومة، وكتب عن النتائج الباهرة المنتظر تحققها في عهد ولاية الفقيه من حيث العدالة والأمن والأمان، والسعادة في الدارين، وحكومة عالمية منقطعة النظير. ولكن الخُبْر يكذب الخَبَر فما أسهل الدعوى، وما أعزَّ المعنى، والواقع الإيراني يدل على ذلك؛ فلقد عانى من ديكتاتورية الفرد _ وهو الخميني _ الذي استطاع أن يستبد بشعب عانى الأمرين من الحاكم السابق الشاه ولا فرق بين الاثنين؛ فالأول بتاج، والآخر بعمامة. بل إن الشاه كان أقل بطشاً بمن يخالفه في مذهبه العقدي من الخميني نفسه؛ فإن الأخير بطش بأناس لا ذنب لهم إلا أنهم يدينون بعقائد تخالف عقيدته، مثل ما فعل بأهل السنة من تقتيل وتشريد١. ومن هنا يتبين لنا بطلان هذه النظرية وفسادها، بل وبطلان مذهب الشيعة وفساده.

стр. 258

التقية هذا المصطلح يرد في كتب الشيعة، وفي كتب أهل السنة خصوصاً إذا ردوا على الشيعة. والتقية من عقائد الشيعة التي يدينونها. وفيما يلي نبذة يسيرة عن هذا المصطلح. -التقية في اللغة: التقية بفتح التاء وتشديدها، وكسر القاف، وفتح الياء وتشديدها _ تطلق في اللغة عدة اطلاقات، منها: الخوف، والحذر، والكتمان. قال ابن منظور: "وقد تَوَقَّيتُ، واتقيت الشيء، وتَقَيْتُه أتَّقِيْه، وأَتْقيه تُقَىً وتَقيَّةً، وتقاءاً: حذرته"١. وقال: "التقية والتقاة بمعنى، يريد أنهم يتقون بعضهم بعضاً، ويظهرون الصلح والاتفاق، وباطنهم بخلاف ذلك"٢. -التقية في الاصطلاح: أما التقية في اصطلاح الشيعة فهي كما عرفها شيخهم المفيد بقوله: "التقية كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا"٣. فالتقية _ عندهم _ هي كتمان الاعتقاد؛ خشية الضرر من المخالفين، والمخالفون في اصطلاحهم هم أهل السنة _ كما هو الغالب في إطلاق هذا اللفظ عندهم _.

стр. 259

فهم يظهرون مذهب أهل السنة _ الذي يرونه باطلاً _ ويكتمون مذهب الرافضة الذي يرونه حقاً. والشيعة أعطوا التقية صفة التقديس والتعظيم، فجعلوها أساساً لدينهم، وأصلاً من أصولهم ... وهم يزعمون أنهم يعتمدون في التقيَّة على قوله _ تعالى _: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . فهم يفسرون هذه الآية تفسيراً يعضد مذهبهم، ويؤيد رأيهم. ولا شك أن ذلك باطلٌ وتعدٍّ على الحق، وإخراج للمعنى عن أصله؛ ذلك أن تفسير الآية الصحيح هو أن يكون المؤمن بين الكفار وحيداً أو في حكم الوحيد، والكفار لهم الغلبة والدولة، فمباح له _ والحالة هذه _ أن يتقيهم حتى يجعل الله له منهم مخرجاً. على ألا تكون التقيَّة بأن يدخل معهم في انتهاك محرم، أو استحلاله، بل التقية بالقول والكلام فحسب١. وقد أجمع أهل العلم على أن التقيَّة رخصة في حال الضرورة. قال ابن بطال تبعاً لابن المنذر: "أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان _ أنه لا يحكم عليه بالكفر"٢.

стр. 260

وهذه الرخصة إنما يأخذ بها المستضعفون الذين يخشون ألا يثبتوا على الحق، والذين ليسوا بموضع القدوة؛ فهؤلاء يأخذون بالرخصة. أما أولوا العزم من الأئمة الهداة _ فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى، ويثبتون على الحق١. قال ابن بطال: "أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة"٢. أما التقيَّة عند الشيعة فليست رخصة في حال الضرورة فحسب، بل إنها عندهم كما يلي: ١_ يرون أن التقية ركن من أركان الدين كالصلاة أو أعظم، قال ابن بابويه: "اعتقادنا في التقية أنها واجبةٌ مَنْ تَرَكَها بمنزلة من ترك الصلاة"٣. ٢_ بل جعلوا التقية تسعة أعشار الدين، جاء في أصول الكافي عن جعفر الصادق أنه قال: "إن تسعة أعشار الدين التقيَّة"٤. ٣_ بل زادوا في ذلك فجعلوها هي الدين كله: جاء في أصول الكافي أن جعفراً قال: "لا دين لمن لا تقية له"٥. ٤_ جعلوا ترك التقية ذنباً لا يغفر على حد الشرك بالله: قالت أخبارهم:

стр. 261

"يغفر الله للمؤمن كل ذنب يظهر منه في الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع حقوق الإخوان"١. ٥_ التقية عندهم حالة مستمرة، وسلوك اجتماعي دائم: قال ابن بابويه في كتابه الاعتقادات: "والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم؛ فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله _ تعالى _ وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة"٢. ٦_ يرون أن التقية ملازمة للشيعي في كل ديار المسلمين، حتى أنهم يسمون دار الإسلام دار تقية. ٧_ يؤكدون أن تكون عِشْرَةُ الشيعة مع أهل السنة بالتقية. ٨_ يرون أن من صلى خلف أهل السنة تقية _ كمن صلى خلف الأئمة. ٩_ يرون أن التقية تجري حتى وإن لم يوجد ما يسوغها: فأخبارهم تحث الشيعي أن يأخذ بالتقية مع من يأمن جانبه؛ حتى تصبح سجية وطبيعة له؛ فيمكنه التعامل بها حينئذ مع من يحذره ويخافه بدون تكلف ولا تصنع٣. هذه هي التقية عند الشيعة، ليست سوى صورة من صور الكذب والنفاق الذي يخفون وراءه زيفهم وباطلهم، وهذا هو وصف المنافقين الذي بين الله _ _ أوصافهم في آيات كثيرة من القرآن الكريم كما في قوله _ سبحانه _:

стр. 262

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ, يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة] . وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ١٤﴾ [البقرة] . كما بين _ _ مصير المنافقين بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [النساء] . وبمقابل ذلك أثنى الله _ _ على أهل الحق الذين يصدعون به، ولا يخافون لومة لائم، فقال عن صفوة خلقه وهم الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] . وقال _ _ حاثاً على التصريح بإظهار الحق والصدع بإعلان العقيدة: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة] . هذه هي صفات أهل الحق، يرفعون عقيدتهم به، ويدعون الناس إليه، صابرين على ما يصيبهم في سبيله، محتسبين الأجر والمثوبة عند الله _ _. فإذا كان التشيع حقاً _ فلماذا يحرص أصحابه على إخفائه؟! فالتقية _إذاً_ ليست إلا صورة من صور النفاق الذي يتدثر به الشيعة؛ لإخفاء عوار مذهبهم، بل إن أصحاب هذه العقيدة _ كما يرى بعض أهل السنة _ شر من المنافقين؛ لأن المنافقين يعتقدون بطلان ما يبطنونه من كفر، ويتظاهرون

стр. 263

بالإسلام؛ خوفاً، وأما هؤلاء فيرون أن ما يبطنونه هو الحق، وأن طريقتهم هذه هي منهج الرسل والأئمة١. غلو الشيعة في التقية: أما غلو الشيعة في التقية فيرجع لأسباب عديدة منها٢: ١_ أن الشيعة تعد إمامة الخلفاء الراشدين الثلاثة باطلة: وهم ومن بايعهم في عداد الكفار، مع أن علياً بايعهم، وصلى خلفهم، وجاهد معهم، وزوجهم، وتسرى من جهادهم، ولما ولي الخلافة سار على نهجهم، ولم يغير شيئاً مما فعله أبو بكر وعمر _ كما تعترف بذلك كتب الشيعة _. وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه، فحاولوا الخروج من هذا التناقض بالقول بالتقية، وأن علياً إنما فعل ذلك تقية. ٢_ أنهم ادعوا العصمة للأئمة: وهذه الدعوى خلاف ما هو معلوم من حالهم، حتى أن روايات الشيعة المنسوبة للأئمة مختلفة متناقضة، بحيث لا يوجد خبر منها إلا وبإزائه ما يناقضه، وهذا يناقض مبدأ العصمة من أصله؛ فكان أن قالوا بالتقية؛ لتسويغ هذا التناقض. ٣ _ تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة، ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت: بحيث يوهمون الأتباع أن ما يفعله واضعوا مبدأ التقية عن الأئمة _ هو حقيقة مذهبهم، وأن ما اشتهر، وذاع عنهم، وما يقولونه، وما يفعلونه أمام المسلمين _ لا يمثل مذهبهم، وإنما يفعلونه تقيةً؛ فيسهل عليهم بهذه الحيلة ردُّ

стр. 264

أقوالهم، والدس عليهم، وتكذيب ما يروى عنهم من حق. ٤_ عزل الشيعة عن المسلمين: لذلك جاءت أخبارهم في التقية على النمط، يقول إمامهم أبو عبد الله: "ما سمعت مني يشبه كلام الناس ففيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه كلام الناس فلا تقية فيه"١. وهذا مبدأ خطير؛ إذ إن تطبيقه يخرج الشيعة من الإسلام رأساً، وينظمهم في سلك الملاحدة والزنادقة؛ لأنهم جعلوا مخالفة المسلمين هي القاعدة، فتكون النتيجة أنهم يوافقون الكافرين، ويخالفون المسلمين. هذا هو مفهوم التقية، وهذه بعض أسبابها. ولما كانت التقية لا تعني سوى الكذب والنفاق وهو مما تكرهه النفوس السليمة، وتنكره الفطر القويمة، وتأباه العقول الراشدة _ حاولت روايات الشيعة أن تحببهما للأتباع، وتغريهم بالتزامها؛ فزعموا أنها عبادة الله، بل هي أحب العبادات إليه، إلى غير ذلك مما ساقوه في فضائلها مما مر آنفاً. ولهذا فالشيعة تطبق مبدأ التقية، وكلما أوغل الإنسان منهم في التشيع كان أشد أخذاً بها. ولذلك لو تقدمت إلى أي شيعي وسألته عن معتقده لأجابك على الفور بأن الرب واحد، والدين واحد، والنبي واحد، ولا فرق بين المسلمين، ونحن إخوة ويجب أن نكون كذلك، وهكذا ... ومن الأمثلة على التقية عندهم "ما لوحظ في جميع أدوار التأريخ على

стр. 265

جماهير الشيعة، ومواقفهم مع الحكومات الإسلامية _ أن أي حكومة إسلامية إذا كانت قوية راسخة يتملقونها بألسنتهم، عملاً بعقيدة التقية؛ ليمتصوا خيراتها، ويتبوؤوا مراكزها؛ فإذا ضعفت أو هوجمت من عدو انحازوا إلى صفوفه، وانقلبوا عليها، وهكذا كانوا أواخر الدولة الأموية، عندما ثار على خلفائها بنو عمهم العباسيون، بل كانت ثورتهم بتسويل الشيعة، وتحريضهم، ودسائسهم. ثم كانوا في مثل هذا الموقف الإجرامي عندما كانت مهددة باجتياح هولاكو والمغول الوثنيين لخلافة الإسلام، وعاصمة عزِّه ومركز حضارته وعلومه. فبعد أن كان حكيم الشيعة وعالمها النصير الطوسي ينظم الشعر في التزلف للخليفة العباسي المستعصم _ ما لبث أن انقلب في سنة ٦٥٥هـ محرضاً عليه متعجلاً نكبة الإسلام في بغداد"١.

стр. 266

البداء البداء مصطلح وعقيدة شيعية باطلة، استمدها الشيعة من اليهود، وفيما يلي نبذة موجزة عن هذا المصطلح. البداء في اللغة مصدر للفعل بدا، قال ابن منظور ﵀: "بدا الشيء يبدو بدواً، وبُدُوَّاً، وبداءً، وبداً الأخيرة عن سيبويه: ظهر، وأبديته أنا: أظهرته"١. وقال ابن فارس ﵀: "الباء والدال والواو أصل واحد وهو ظهور الشيء يقال: بدا الشيء يبدو إذا ظهر فهو باد"٢. وقال: "تقول: بدا لي في هذا الأمر بداءاً أي تغير رأي عما كان عليه"٣. وقال ابن منظور: "البداء استصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يعلم"٤. وقال: "قال الفراء: بدا لي بداء: أي ظهر لي رأي آخر"٥. فالبداء _ إذاً _ له معنيان: الأول: الظهور بعد الخفاء، تقول: بدا سور المدينة أي ظهر. الثاني: نشأة الرأي الجديد. وكلا المعنيين ورد في القرآن الكريم فمن الأول قوله _ تعالى _: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . ومن الثاني قوله _ تعالى _: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى

стр. 267

حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] . والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله _ _ لأن ذلك يستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم لله _ _ وهذا من أعظم الكفر. والبداء عقيدة يهودية، والشيعة تقول به؛ فالله _ _ عند الشيعة يفاجأ بالأشياء دون علمه بها، أو على خلاف ما كان يعلمها؛ فهم ينسبون الجهل والنسيان لله _ جل وعلا _١. أما سبب قولهم بالبداء فهو أن الاثني عشرية أشاعوا بين أتباعهم أن أئمتهم يعلمون الغيب، ولا يخفى عليهم الشيء؛ فيدعون أن الأئمة يقولون سيحدث كذا وكذا؛ فإن وقع الشيء على وَفْق ما قالوه _ قالوا: ألم نعلمكم أن هذا يكون؛ فنحن نعلم من قِبل الله _ _ ما عَلِمته الأنبياء، وبيننا وبين الله _عز وجل_ مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن وقع الشيء على خلاف ما قالوه _ قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك فلم يُكَوِّنْه. وهذا القول غاية في الخطورة؛ لأنهم بهذا المعتقد نزهوا المخلوق وهو الإمام عن الخلف في الوعد، والاختلاف في القول، والتغير في الرأي، ونشأة رأي

стр. 268

جديد، ونسبوا ذلك إلى عالم الغيب والشهادة _ تعالى عما يقولون علواً كبيرا _. فنزهوا المخلوق دون الخالق؛ لأن غلوهم في الأئمة لم يجعل لله _ جل شأنه _ وقاراً في قلوبهم؛ فتاهوا في ضروب الضلال١.

стр. 269

عقيدة الطينة هذا المصطلح يرد في كتب الشيعة، وهو إحدى عقائدهم التي يدينون بها. وهذه العقيدة من العقائد السرية عندهم، وهي تقول: بأن حسنات أهل السنة هي للشيعة، وموبقات الشيعة هي على أهل السنة. فهذه المقالة تجعل الشيعي يعتقد بأن كل بائقة يرتكبها فذنبها على أهل السنة، وكل عمل صالح يعمله أهل السنة فثوابه للشيعة. ولذلك فشيوخ الشيعة يتواصون بكتمان هذه العقيدة عن عامتهم؛ حتى لا يتجرؤوا على ارتكاب المعاصي والمفاسد والمخالفات؛ إذا علموا أن وزرها على غيرهم١. "وملخص ذلك يقول: بأن الشيعي خلق من طينة خاصة، والسني خلق من طينة أخرى، وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين، فما في الشيعي من معاصٍ وجرائم هو من تأثره بطينة السني، وما في السني من صلاح وأمانة هو بسبب تأثره بطينة الشيعي؛ فإذا كان يوم القيامة فإن سيئات وموبقات الشيعة توضع على أهل السنة، وحسنات أهل السنة تعطى للشيعة. وعلى هذا المعنى تدور أكثر من ستين رواية من رواياتهم"٢. أما عن سبب قولهم بتلك العقيدة _ فيمكن أن يستنبط من كثرة الأسئلة للأئمة، والشكاوى الموجهة إليهم، والتي تنم عن شكوى بعض الصادقين

стр. 270

الشيعة من انغماس قومهم بالموبقات والكبائر، وسوء المعاملة فيما بينهم، ومن الهم والقلق الذي يجدونه ولا يعرفون سببه. ولنستمع إلى بعض هذه الأسئلة المثيرة التي تكشف شيئاً من واقع المجتمع الشيعي: روى ابن بابويه القمي بسنده عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر _ ﵇ _: يا ابن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر١ إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني؟ قال: "اللهم لا"، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: "لا"، قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: "لا"، قلت: يا ابن رسول الله إني أجد من شيعتكم من يشرب الخمر، ويقطع الطريق، ويخيف السبيل، ويزني، ويلوط، ويأكل الربا، ويرتكب الفواحش، ويتهاون بالصلاة، والزكاة، ويقطع الرحم، ويأتي الكبائر؛ فكيف هذا ولِمَ هذا؟ قال: يا إبراهيم: هل يختلج في صدرك شيء غير هذا؟ قلت: نعم يا بن رسول الله أخرى أعظم من ذلك، فقال: وما هو يا أبا إسحاق؟ قال، فقلت: يا ابن رسول الله وأجد من أعدائكم ومناصبيكم٢ من يكثر من الصلاة والصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحج والعمرة، ويحرص على الجهاد، ويأثر _ كذا _ على البر وصلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه، ويواسيهم من ماله، ويتجنب شرب الخمر، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش فما ذاك؟ ولِمَ ذاك؟

стр. 271

فَسِّرْه لي يا بن رسول الله، وبرهنه، وبينه، فقد _ والله _ كثر فكري، وأسهر ليلي، وضاق ذرعي"١. هذا واحد من الأسئلة التي تكشف عن انزعاج الشيعة من واقعهم، الذي يعج بالمعاصي مقارنة بواقع سلف الأمة، وأئمة أهل السنة، ومعظم عامتهم، وما فيهم من صلاح وتقى. "وقد أجيب هذا السائل بمقتضى عقيدة الطينة، وهي أن المعاصي الموجودة عند الشيعة هي بسبب طينة أهل السنة، والأعمال الصالحة التي تسود المجتمع السني بسبب طينة الشيعي"٢. وهكذا تكثر أسئلة الشيعة وشكاواهم عما يجدونه في أنفسهم، ومجتمعاتهم، فمن سائل يشكو سوء معاملة أصحابه، وجفاء طبعهم، وقلة وفائهم على حين عكس ذلك عند أهل السنة، إلى سائل يشكو خبث ألسنة أصحابه، وخبث خلطتهم، وقلة وفائهم بالميعاد، على حين يجد في أهل السنة حسن السمت، والوفاء بالميعاد. إلى آخر يشكو من قلق في نفسه، ولا يجد له حلاً، ولا يعرف له تفسيراً، على حين يجد عند أهل السنة من الراحة، والطمأنينة، والسكينة بحسب قربهم من الله. والإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة _ هي فساد عقيدة القوم، وعدم

стр. 272

وضوحها واستقرارها، وإلا فالعقيدة الصحيحة تزكي النفس، وتجلب الراحة، والسكينة، والأنس، وتضبط سلوك معتنقها. والانحراف في السلوك إنما هو ثمرة للانحراف في العقيدة؛ فالإنسان تحكمه عقيدته. وإزاء هذه الأسئلة المحيرة من عامة الشيعة _ اخترع شيوخ الشيعة عقيدة الطينة؛ محاولة منهم للخروج من تلك الأسئلة المحرجة، والشكاوي المحيرة القاتلة١.