ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله _ _: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أنه قال: "فقوله _ تعالى _: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد؛ فتكون إضافته إلى اليد إضافة إلى الفعل، كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] و ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس: ٧١] .
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدَّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه نصٌّ في أنه فَعَل الفِعْلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرَّدَ قولِه: فَعَلْتَ كافٍ في الإضافة إلى الفاعل؛ فلو لم يُرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة.
ولست تجد في كلام العرب ولا العجم _ إن شاء الله تعالى _ أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة"١.
стр. 212
وبالجملة، فالأمثلة على هذا النحو كثيرة جداً، ومن خلالها يظهر أن نصوص الصفات لا تقبل المجاز من جهة نظمها، وتركيبها، وإضافتها إلى الله _عز وجل_.
كيف وأهل السنة مجمعون على الإقرار بأسماء الله تعالى وصفاته وحملها على الحقيقة لا المجاز؟!
٣_ أما القول بأن الألفاظ كلها حقيقة أو أن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب فذلك يحتاج إلى نظر؛ فإن أريد بذلك أن العرب لم يضعوا هذا المصطلح فنعم.
وإن أريد أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فهذا غير صحيح، بل الشواهد من كلامهم على استعمال المجاز أكثر من أن تحصر، وذلك مما استفاض به النقل عن علماء اللغة.
ثم إن القول إن هذا الاصطلاح لم يعرف إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة غير مُسَلَّم به؛ فقد تكلم بالمجاز غير واحد من علماء اللغة في أوقات القرون المفضلة، ومن هؤلاء أبو زيد القرشي المتوفى سنة ١٧٠هـ.
ومن أهل اللغة من يعبر عن المجاز بـ: التوسع والسعة في الكلام.
٤_ وأما القول بأن إطلاق المجاز يفضي إلى وصف الله بالمتجوز وذلك لا يصح فيجاب عنه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأن هذا الإطلاق لا يكون إلا بدليل.
ثم إن إطلاق المجاز على اللفظ في بعض استعمالاته اصطلاح، ولا يلزم إضافة المعاني الاصطلاحية إلى الله _ تعالى _ وإلا ففي القرآن سجع، وأمثال، فهل يقال في حق الله _ تعالى _: الساجع، والممثل؟
هذه بعض حجج القائلين بمنعه ورد القائلين به على سبيل الإيجاز.
стр. 213
ثالث عشر: خاتمة الحديث عن المجاز: وبعد أن وقفت على شيء من أمر المجاز، وما جاء في الخلاف حول إثباته أو نفيه _ يتبين لك أن أعظم الأسباب التي دعت إلى نفيه وإنكاره أن أهل التعطيل اتخذوه مطية لتحريف بعض نصوص الشرع لاسيما في باب الصفات.
فهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يشدد في النكير على القائلين بالمجاز.
وإلا لو كان الأمر مجرد اصطلاح لغوي لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لهان الخطب، ولما حصل فيه كبير خلاف.
ولكن لما أدرك بعض العلماء خطورة ذلك وكثرة المبتدعين به سارعوا إلى إنكاره؛ سداً للذريعة، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة من كتبه، وإن كان قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره.
يقول الشيخ د. عبد المحسن العسكر _ حفظه الله _ في مقدمة مخطوطة له عن المجاز: "وأحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره، فقد رأيت في محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي ت ١٣٣٢هـ ما هذا نصه:
"قال ابن تيمية في بعض فتاواه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله، وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمُحرِّفة أهل الكتاب.
стр. 214
والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يُعْرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة.
وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل التميمي، وابن حامد وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز.
وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، قابلوا الضلال بحسم المواد، وخيار الأمور التوسط، والاقتصاد"١.
وبعد أن نقل الشيخ العسكر هذه الفتوى قال: "ومع أنني لم أهتد إلى هذه الفتوى في مظانها من المطبوع من مؤلفات شيخ الإسلام وفتاواه فإن عدم اهتدائي هذا لا ينفي وجودها في كتابات الشيخ مطلقاً.
بَيْدَ أني مطمئن غير مرتاب في نسبة هذا الكلام إلى شيخ الإسلام ﵀ وذلك لما يلي:
١_ أن المطبوع من أعمال شيخ الإسلام لا يمثل إلا القليل مما كتب في حياته كلها.
وأنت خبير أنه صاحب قلم سيال، ومكثر من الكتابة جداً، حتى قال الذهبي: "جاوزت فتاوى ابن تيمية ثلاثمائة مجلد".
٢_ أن من له أدنى صلة بتراث شيخ الإسلام لا ينازع في أن هذا النَّفَسَ نَفَسُه، والأسلوب أسلوبه، وقد وقفت على هذه الفتوى بعض العلماء فأجابوا بذلك،
стр. 215
منهم فضيلة الشيخ محمد العثيمين ﵀ وشيخنا عبد الرحمن البراك _أحسن الله إليه_.
٣_ أن الذي نقل هذه الفتوى من أعظم الناس اطلاعاً في هذا العصر على كتابات الشيخ وتلميذه ابن القيم، وكان يعيش في بلاد الشام بلاد الشيخين، ومؤلفات القاسمي وخاصة تفسيره طافحة بالنقولات الكثيرة عنهما.
ثم إنه أحد القلة في عصره الذين نهضوا بالمنهج السلفي، ومناصرته، وأوذي في ذلك أذىً كثيراً.
وما كان الشيخ ليلصق بشيخ الإسلام قولاً يتطرق الشك في نسبته إليه".
ولقد توصل إلى تلك النتيجة بصورة أوضح وأجلى د. هادي أحمد فرحان الشجيري، وذلك في كتابه الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية.
وهذا الكتاب رسالة نال بها المؤلف درجة الدكتوراة من كلية الآداب جامعة بغداد.
وكان مما درسه في بحثه المجاز وآراء ابن تيمية فيه، ومن ضمن فقرات ذلك المبحث فقرة عنوانها: موقف ابن تيمية من المجاز، حيث قال فيها: "إن المتتبع لكلام ابن تيمية في مؤلفاته المختلفة سيتبين له بيسر وسهولة أن له موقفين من المجاز، أولهما موقف من الإقرار به، ويبدو أن هذا الموقف كان السابق في حياته العلمية، وهو الذي درج عليه في غالب أحواله ومؤلفاته.
أما موقفه الآخر وهو موقف النافي للمجاز في اللغة فقد ذكره مفصلاً فيما لَحِظْتُه بعد طول معاينة، وكثرة تتبع في موضعين.
стр. 216
وهو موقفٌ نابع عن فكر، وتأمل، وروية.
ويبدو أنه كان آخر ما استقر عليه، وإن كنا لا نملك من أدلة التوثيق التأريخية ما يكون عوناً لنا في هذا الحكم، ولكن طبيعة ذكر الأدلة والتفصيل، ونقد مفاهيم المجاز، وتبني تلميذه المقرب ابن قيم الجوزية لهذا الموقف، ودفاعه عنه _ كلها ترجح أنه آخر ما استقر عليه رأي ابن تيمية"١.
ثم قال تحت فقرة عنوانها موقف المقر بالمجاز: "لقد وقف ابن تيمية مقراً بالمجاز مدافعاً عن العقيدة مع إقراره بالمجاز، ويمكن أن يتبين هذا الموقف من خلال صور متعددة:
أولاً: النصوص الكثيرة المبثوثة في مواضع متفرقة من كتبه والتي تدل تصريحاً أو تلويحاً على إقراره بالمجاز.
ثانياً: ومن صور إقراره بالمجاز، قوله بالحقائق الشرعية والعرفية، وهي في حقيقتها نوع من التغير الدلالي الذي أصاب اللفظ آنفا.
ثالثاً: ذكره بعض أنواع المجاز.
رابعاً: ذكره بعض علامات المجاز.
خامساً: من خلال تعبيراته ومعالجاته لبعض الأمثلة.
سادساً: ومما يدخل في هذا الموقف عموماً قوله بالمجاز المنضبط خاصة في باب الصفات"٢.
وتحت هذه العناصر ذكر نماذج من كلام ابن تيمية، وأحال على مواضع أخرى.
стр. 217
ومن الأمثلة التي ذكرها: قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقبض اليد عبارة عن الإمساك، كما في قوله _ تعالى _: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ .
وفي قوله: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وهي حقيقة عرفية ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور"١.
ثم نقل د. الشجيري نقولاً أخرى لا يتسع المجال لبسطها، ولعل الإشارة إلى مواضعها تكفي٢.
стр. 218
المشترك
يرد هذا المصطلح كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية كالتدمرية وغيرها.
وفيما يلي إعطاء صورة عامة عنه، وذلك من خلال المسائل التالية:
أولاً: تعريفه:
في اللغة: من الفعل اشترك يشترك، والمصدر اشتراك، والمشترك اسم المفعول.
وفي الاصطلاح: عرف بعدة تعريفات قريبة من بعض، وفيما يلي ذكر لشيء منها:
أ _ عرفه الجرجاني ﵀ بقوله: "المشترك ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير"١.
ب _ وقال عنه ابن فارس ﵀: "تسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد نحو: عين الماء وعين المال وعين السحاب" ٢.
ج _ وعرفه ابن تيمية ﵀ بقوله: "أن يكون اللفظ دالاً على معنيين من غير أن يدل على معنى مشترك بينهما"٣.
د _ وقال السيوطي ﵀: "وقد حدَّه أهل الأصول بأنه اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة"٤.
هـ _ ويمكن أن يعرف بتعريف مختصر فيقال: هو ما اتحد لفظه، واختلف معناه.
стр. 219
ثانياً: الخلاف في وقوعه: اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة؟ فأثبته قوم، ونفاه آخرون، ولكل منهم أدلته.
وقد نقل هذا الاختلاف جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله حيث قال بعد أن ذكر حد المشترك: "فمن الناس من ينازع في وجود معنى هذا في اللغة الواحدة التي تستند إلى وضع واحد، ويقول: إنما يقع هذا في وضعين كما يسمي هذا ابنه باسْمٍ، ويسمي آخر ابنه بذلك الاسم"١.
ونصه هذا يوحي بأنه قائل بوقوع المشترك، وهذا ما يؤكده قوله في موضع آخر: أن "الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متبايناً وهي المشتركة اشتراكاً لفظياً، كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل"٢.
وقال السيوطي ﵀: "واختلف الناس فيه؛ فالأكثرون على أنه ممكن الوقوع؛ لجواز أن يقع إما من واضِعَيْن؛ بأن يضع أحدهما لفظاً لمعنىً، ثم يضعه الآخر لمعنىً آخر، ويشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادته المعنيين، وهذا على أن اللغات غير توقيفية.
وإما من واضع واحد؛ لغرض الإبهام على السامع؛ حيث يكون التصريح سبباً للمفسدة، كما روي عن أبي بكر ﵁ وقد سأله رجل عن النبي ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ قال: هذا رجل يهديني السبيل.
والأكثرون _ أيضاً _ على أنه واقع لنقل أهل اللغة ذلك في كثير من الألفاظ.
ومن الناس من أوجب وقوعه _ قال: لأن المعاني غير متناهيةٍ والألفاظ
стр. 220
متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك.
وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب، قال: لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء، والمضارع كذلك، وهو _ أيضاً _ مشترك بين الحال والمستقبل، والأسماء كثير فيها الاشتراك؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب.
ورد بأن أغلب الألفاظ الأسماء، والاشتراك فيها قليل بالاستقراء، ولا خلاف أن الاشتراك على خلاف الأصل"١.
والمتأمل للخلاف في المشترك يجد أنه ما كان ينبغي أن يتوسع فيه، ويشقق القول؛ لأنهم جميعاً متفقون على وجود ألفاظ في اللغة قد استعملتها العرب في الدلالة على معان مختلفة بغض النظر عن كيفية وجودها مثل لفظ العين فهي بلفظها قد استعملت لمعان كثيرة، وكذلك غيرها من الألفاظ التي سيأتي ذكر لبعضها.
وهذا الاستعمال كافٍ في إثبات المشترك؛ لذلك فإن الذي عليه أكثر المتقدمين من اللغويين _ هو القول بالاشتراك.
أما نقل الكلام إلى الحديث عن النشأة الأولى للمشترك، وهل يكون أصلاً في الوضع أو لا؟ وما يترتب على ذلك من أن المخاطبة باللفظ المشترك لا تفيد فهم المقصود على التمام، وما كان كذلك يكون منشأً للمفاسد _ فهو خروج من الواقع اللغوي، وخوض في مسألة نشأة اللغة التي لم يتوصل فيها إلى رأي علمي قاطع٢.
стр. 221
ثالثاً: أمثلة من المشترك: أورد السيوطي ﵀ في المزهر أمثلة كثيرة من المشترك١، ومنها:
١_ العم: أخو الأب، والعم: الجمع الكثير، قال الراجز:
يا عامر بن مالك يا عمَّا ... أفنيت عماً وجبرت عمَّا
فالعم الأول: أراد به عماه، والعم الثاني: أراد أفنيت قوماً، وجبرت آخرين.
٢_ النوى: يطلق على الدار، والنية، والبُعْد.
٣_ الأرض: وتطلق على الأرض المعروفة، وعلى كل ما سفل، وعلى أسفل قوائم الدابة، وعلى النّفضة، والرِّعدة، وغيرها.
٤_ الهلال: هلال السماء، وهلال الصيد، وهلال النعل وهو الذؤابة، والهلال: الحية إذا سلخت، والهلال: باقي الماء في الحوض، والهلال: الجمل الذي أكثر الضِّراب حتى هزل.
٥_ العين: وتطلق على معان كثيرة جداً، تكاد تكون أكثر ما في هذا الباب؛ فتطلق على: النقد من الدراهم والدنانير، وعلى مطر أيام لا يقلع يقال: أصاب أرض بني فلان عين، وعلى عين الماء، وعين الركبة، والعين التي تصيب الإنسان، وعلى فم القربة، وعلى عين الشمس، وعلى الجاسوس، وعلى الباصرة.
٦_ الخال: يطلق على أخ الأم، والمكان الخالي، والعصر الماضي، والدابة، والخيلاء، والشامة في الوجه، والسحاب، والظن، والتوهم، والرجل المتكبر، والرجل الجواد.
стр. 222
رابعاً: لطائف من المشترك: هناك أبيات من الشعر تضمنت ألفاظاً من المشترك.
قال السيوطي: "قال أبو الطيب اللغوي: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنشدني أبو الفضل جعفر بن سليمان النوفلي عن الحِرْمازي للخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها، ويختلف معناها:
يا ويحَ قلبي من دواعي الهوى ... إذ رَحل الجيرانُ عند الغُروبْ
أتبعتُهم طَرْفي وقد أزمعوا ... ودمعُ عينيَّ كفيض الغُروبْ
كانوا وفيهم طَفْلَةٌ حرَّة ... تفترُّ عن مثل أقاحي الغُروبْ
فالغروب الأول غروب الشمس، والثاني جمع غَرْب: وهو الدَّلْو العظيمة المملوءة، والثالث جمع غرب: وهي الوِهَاد المنخفضة.
وأنشد سلامة الأنباري في شرح المقامات:
لقد رأيت هذرياً جَلْسا ... يقود من بطن قديد جَلْسا
ثم رقى من بعد ذاك جَلْسا ... يشرب فيه لبناً وجَلْسا
مع رفقةٍ لا يشربون جَلْسا ... ولا يؤمُّون لِهَمٍّ جَلْسا
جَلْس الأول: رجل طويل، والثاني: جبل عالٍ، والثالث: جبل، والرابع: عسل، والخامس: خمر، والسادس: نجد"١.
ومن لطائف المشترك أنه داخل عند البلاغيين في علم البديع في باب الجناس التام، كما في الأبيات السابقة، وهو داخل _ كذلك _ في باب التورية.
стр. 223
خامساً: العلاقة بين المشترك والمتواطئ والمشكك: مر الحديث عن المشترك، وأنه ما اتحد لفظه، واختلف معناه.
والمشترك يوافق المتواطئ في شقه الأول من جهة كونه لفظاً واحداً يطلق على معان، ويخالف في شقه الثاني وهو كون هذه المعاني مرتبطة بمعنى عام.
ولمزيد من إيضاح العلاقة والفرق بين المشترك والمتواطئ هذا عرض يسير لتعريف المتواطئ، وبيان الفرق الدقيق بينه وبين المشترك.
فالاسم المتواطئ يُعرف بأنه: هو الاسم الواحد الذي يقال من أول ما وضع له على أشياء كثيرة، ويدل على معنى واحد يعمها١.
ويعرفه الجرجاني بقوله: "المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه، وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان والشمس؛ فإن الإنسان له أفراد في الخارج، وصدقه عليها بالسوية، والشمس لها أفراد في الذهن وصدقه عليها _ أيضاً _ بالسوية"٢.
ويقول ابن تيمية ﵀ معرفاً بهذا القسم من الألفاظ: "الأسماء المتواطئة: وهي جمهور الأسماء الموجودة في اللغات، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهي الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين، أو اسم صفة جامداً أو مشتقاً ...
стр. 224
كلها أسماء متواطئة، وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة"١.
ويقول: "الأسماء المتفقة في اللفظ ... قد يكون معناها متفقاً وهي المتواطئة"٢.
وقال في محاورته لابن المرحل٣ _ رحمهما الله _ عندما بين جواز إطلاق لفظ المتواطئ والمشترك على اللفظ الواحد، ولكن من جهتين مختلفتين، فتساءل ابن المرحل كيف يكون هذا؟
فأجابه ابن تيمية بقوله: "المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك، وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما _ فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كلُّ ماهيةٍ عن الأخرى؛ فيكون مشتركاً كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقاً باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين؛ فيكون لفظاً متواطئاً.
مثال ذلك اسم الجنس إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ الدابة إذا غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب، فيكون متواطئاً، وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس؛ فيكون مشتركاً بين خصوصية الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك"٤.
ولعل التمييز بين المتواطئ والمشترك قد لاح، وهو أن الأسماء المتواطئة تشترك
стр. 225
في اللفظ والمعنى.
أما المشتركة فإنها متفقة اللفظ مختلفة المعنى، وهذا ما يؤكده ابن تيمية بقوله: "الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متفقاً وهي المتواطئة، وقد يكون معناها متبايناً وهي المشتركة اشتراكاً لفظياً كلفظ سهيل المقول على الكوكب، وعلى الرجل"١.
ولزيادة الإيضاح ولأجل أن يُميز بين المشترك والمتواطئ فهذان مثالان على ذلك، الأول: العين تطلق على عدة معان مختلفة، فهذا مثال للمشترك، وقد مرت أمثلة عديدة من ذلك.
والمثال الثاني: لفظ الوجود فهو يطلق على وجود الخالق وعلى وجود المخلوق، فمعنى الوجود _ بمفهومه العام _ واحد وهو ضد العدم، ولكنه يختلف من جهة إضافته فهذا مثال للمتواطئ.
وبناءاً على ذلك يمكن أن يقال: إن المشترك ما اتحد لفظه واختلف معناه، والمتواطئ هو ما اتحد لفظه ومعناه، ولكنه يختلف باختلاف السياق والإضافة.
ثم إن من أنواع المتواطئ المشكك، أو ما يعرف بالمتواطئ المشكك؛ فهو نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده أو متماثلاً ٢.
فإن كان المعنى متساوياً في الجميع فهو المتواطئ المطلق، مثل لفظ الإنسان والرَّجل يدلان على زيد وعمرو.
стр. 226
وإن كان المعنى متفاوتاً متفاضلاً فهو المتواطئ المشكك كالنور: للشمس والسراج.
وقد يدخل فيه لفظ الوجود؛ فإنه في الخالق أولى، وأعظم منه في المخلوق.
قال الجرجاني ﵀ في تعريف المشكك: "هو الكلي الذي لم يتساوَ صدقه على جميع أفراده، بل كان حصوله في بعضها أولى، أو أقدم، أو أشد من البعض الآخر كالوجود؛ فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد في الممكن" ١.
ولعل سبب تسميته مشككاً أن الناظر فيه يشك في المراد منه.
مثال ذلك: اسم الحي فمن نظر إلى أصل الحياة قال: إنه نوع من المتواطئ؛ إذ الحياة ضد الممات في الأصل.
ومن نظر إلى الاختلاف والتباين في حياة المخلوق والخالق قال: إنه من المشترك، ومن هنا سمي مشككاً.
ولهذا يحسن أن يقال عن المشكك: إنه ما اتفق في أصله، واختلف في وصفه.
стр. 227
المتضاد
المتضاد نوع من المشترك، ويقال له: الأضداد، والتضاد.
أولاً: تعريفه:
أ _ المتضاد في اللغة: أصل المادة: ضَدَدَ: وضد الشيء خلافه، والجمع أضداد، وقد ضادَّه فهما متضادان، والتضاد مصدر١.
ب _ وفي الاصطلاح: ١_ هو دلالة اللفظ الواحد على معنيين متضادين.
مثاله: الجون: يطلق على الأسود، والأبيض.
٢_ وهناك تعريف آخر وهو: الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد.
٣_ وقال ابن فارس ﵀: "ومن سنن العرب في الأسماء أن يسموا المتضادين باسم واحد"٢.
٤_ وقيل: هو أن يطلق اللفظ على المعنى وضده٣.
ثانياً: الفرق بين المشترك والمتضاد: ١_ أن المشترك أعم من المتضاد؛ فالمتضاد نوع منه، فكل متضاد مشترك، ولا عكس.
٢_ أن المشترك يدل على عدة معان، ولا يلزم أن تكون متضادة.
أما المتضاد فيدل على معنيين، ولا بد أن يكونا متضادين.
стр. 228
فمثلاً: كلمة العين تدل على معانٍ عديدة، ولا يلزم منها التضاد؛ فهي _بهذا الاعتبار_ مشترك، لا متضاد.
وكلمة الغابر: تطلق على الماضي وتطلق على الباقي؛ فهي بهذا الاعتبار متضاد؛ لأنها دلت على معنيين متضادين.
ثالثاً: كيف يفهم المراد من اللفظ إذا كان متضاداً؟
يفهم من خلال السياق، مثال ذلك كلمة: جلل فهي تدل على الشيء اليسير الحقير، وتدل على الشيء العظيم.
فمن الأول: قول لبيد ﵁:
كل شيء ما خلا الله جلل ... والفتى يسعى ويلهيه الأمل
ومن الثاني قول الشاعر:
قومي هُمُ قتلوا أميمَ أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
فمن خلال سياق الكلام في البيت الأول نعلم أن المقصود بـ: الجلل: الأمر اليسير الحقير، ومن خلال السياق في البيتين الأخيرين نعلم أن المقصود بقوله: جللاً أنه الأمر العظيم؛ لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب حقير يسير وهكذا. . . ١
وهذا ما أجاب به ابن الأنباري عن اعتراض من اعترض على وجود الأضداد؛ حيث قال ﵀: "ويظن أهل البدع والزيغ، والإزراء بالعرب أن ذلك
стр. 229
كان منهم؛ لنقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم وعند اتصال مخاطباتهم؛ فيسألون عن ذلك، ويحتجون بأن الاسم منبئٌ عن المعنى الذي تحته، ودالٌ عليه، وموضحٌ تأويلَه، فإذا اعتورَ اللفظة الواحدة معنيان مختلفان لم يعرف المخاطب أيهما أراد، وبطل بذلك معنى تعليق الاسم على المسمى.
فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه بضروب من الأجوبة:
أَحَدُهن: أن كلام العرب يصحح بعضه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه؛ فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين؛ لأنها يتقدمها، ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال المتكلم والإخبار إلا معنىً واحدٌ"١.
ثم ضرب مثالاً لذلك، وهو من الأبيات الآنفة الذكر.
وضرب أمثلة أخرى من القرآن الكريم فقال: "وقال الله _ _ وهو أصدق قيل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ﴾ أراد الذين يتيقنون ذلك؛ فلم يذهب وهمُ عاقلٍ إلى أن الله _ _ يمدح قوماً بالشك في لقائه"٢.
رابعاً: الخلاف في وقوع الأضداد:
اختلف العلماء في وقوع الأضداد:
١_ فمنهم من قال بإمكان وقوعها، وعدَّ وضْعَها في مألوف القوانين اللغوية،
стр. 230
والمواضعات الاصطلاحية؛ وذلك لأن المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية.
وذكروا من عللها وأسبابها وشواهدها الشيء الكثير.
ومن هؤلاء: الأصمعي، وأبو عبيدة، وابن السِّكِّيت، وقطرب، وابن فارس، وابن الأنباري وغيرهم _ ﵏ _.
٢_ ومنهم من أنكر الأضداد، وتأول ما ورد منها في اللغة، ونصوص العربية.
وأشهر هؤلاء: ابن دَرَسْتَويْه ﵀ فإن له مصنفاً في إبطال الأضداد.
قال السيوطي ﵀: "قال ابن درستويه في شرح الفصيح: النوء: الارتفاع بمشقة وثقل، ومنه قيل للكوكب: قَدْ ناء: إذا طلع.
وزعم قوم من اللغويين أن النوء السقوط _ أيضاً _ وأنه من الأضداد.
وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد. انتهى.
فاستفدنا من هذا أن ابن درستويه ممن ذهب إلى إنكار الأضداد، وأن له في ذلك تأليفاً"١.
٣_ ومنهم من قال بوجود الأضداد إلا أنهم عدوها منقصة للعرب، ومثلبة من مثالبهم، واتخذوها دليلاً على نقصان حكمتهم وقلة بلاغتهم، وزعموا أن ورودها في كلامهم كان سبباً في كثرة الالتباس عند المخاطبات.
وهؤلاء هم الشعوبية، أو من يسميهم ابن الأنباري أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب.
وقد مر في الفقرة الماضية رده عليهم.
стр. 231
وممن رد على هؤلاء ابن فارس حيث قال: "وأنكر ناس هذا المذهب، وأن العرب تأتي باسم واحد لشيء وضده.
وهذا ليس بشيء؛ وذلك أن الذين رووا أن العرب تسمي السيف مهنداً، والفرس طِرْفاً هم الذين رووا أن العرب تسمي المتضادين باسم واحد.
وقد جرَّدنا في هذا كتاباً ذكرنا فيه ما احتجوا به، وذكرنا ردَّ ذلك، ونقضه؛ فلذلك لم نكرره"١.
٤_ ومنهم من قال بوقوعه، وأنكر على من تعسف في إنكاره، غير أنه يرى أن وروده لم يكن بتلك الكثرة التي ذهب إليها من يراه بإطلاق؛ ذلك أن كثيراً من الأمثلة التي ظن هذا الفريق أنها من قبيل الأضداد يمكن تأويلها على وجه آخر يخرجها عن هذا الباب.
ففي بعض الأمثلة قد استعمل اللفظ في ضد ما وضع له لمجرد التفاؤل كالمفازة في المكان الذي تغلب فيه الهلكة؛ فقد سميت بذلك تفاؤلاً، وكالسليم للملدوغ، وكالريان والناهل للعطشان.
وفي بعضها قد استعمل اللفظ في ضده لمجرد التهكم، أو لاتقاء التلفظ بما يُكره التلفظ به، أو بما يمجه الذوق، أو بما يؤلم المخاطب.
وذلك كإطلاق لفظ العاقل على المعتوه أو الأحمق، والخفيف على الثقيل، وهكذا ...
وقد مال إلى هذا الرأي بعض المحدثين كالدكتور علي عبد الواحد وافي٢.
стр. 232
خامساً: المؤلفات في الأضداد: حاول العلماء حصر كلمات الأضداد، وجمعها من كلام العرب في شعرهم ونثرهم، وفيما ورد منها في القرآن، والحديث، ثم أفردوها بالتأليف والتصنيف، وأصبحت مصدراً أصيلاً من مصادر المعجمات.
وممن ألف في الأضداد _ كما ذَكر السيوطيُّ _ قطربٌ، والتوزيُّ، وأبو البركات ابن الأنباري، وابن الدهان، والصغاني١.
هذا عدا الفصول التي وردت في كتاب الجمهرة لابن دريد، والغريب المصنف لأبي عبيد، والصاحبي لابن فارس، والمخصص لابن سيدة، وفقه اللغة للثعالبي، وديوان الأدب للفارابي، والمزهر للسيوطي٢.
ولكن أعظم هذه الكتب خطراً، وأوسعها كَلِماً، وأحفلها بالشواهد، وأشملها للعلل هو كتاب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري المعروف بابن الأنباري٣ ت٣٢٧هـ.
حتى قيل: إن كتاب أبي بكر بن الأنباري لم يؤلف مثله في الأضداد.
وقد اشتمل الكتاب على ٣٥٧ لفظاً من الأضداد؛ فأتى على جميع ما ألف قبله، وأربى عليه، وجاء بالعجيب من أراجيز العرب، وشواهد القرآن والحديث والشعر في كثرة بالغة، وإسهاب كثير، مع عذوبة المورد، ووضوح التعبير،
стр. 233
وإشراق الدلالة، واطراد التنسيق.
وقد أعانه على ذلك كثرة محفوظه، ووفرة روايته، ووضوح الفكرة في عقله مع دقة التعليل، وقوة الحجاج.
وقد قدم لكتابه ببحثٍ ضافٍ شامل انتصر فيه للعرب فيما أورد على ألسنتهم من ألفاظ الأضداد، وأبان عن حكمتهم فيما أرادوا، وعلل ذلك تعليلاً دقيقاً أميناً؛ فجاء كتابه أشمل كتاب، وأوفاه في هذا الموضوع١.
والكتاب يقع في مجلد واحد وفي ٥١٧ صفحة، وبتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ومن مطبوعات المكتبة العصرية _ بيروت.
سادساً: أمثلة وشواهد للأضداد: هذه أمثلة للأضداد مختارة باختصار دون تفصيل من كتاب الأضداد لابن الأنباريرحمه الله.
١_ القرء: حرف من الأضداد، يقال: القرء للطهر وهو مذهب أهل الحجاز، والقرء للحيض، وهو مذهب أهل العراق.
٢_ عسعس: يقال: عسعس الليل إذا أدبر، وعسعس إذا أقبل.
٣_ المولى: المُنْعِم المُعْتِق، والمولى: المُنْعَم عليه المُعْتَق.
٤_ بسل: للحلال، وللحرام.
٥_ اشتريت: بمعنى قبضته وأعطيت ثمنه، وبمعنى بعته.
٦_ بعت: على المعنى المعروف عند الناس، وبعت الشيء إذا ابتعته أي اشتريته.
٧_ السارب: المتواري والظاهر.
стр. 234
٨_ عَنوة: إذا أخذ الشيء غصباً وغلبة، ويطلق على ما إذا أخذه بمحبة ورضاً.
٩_ الصريخ والصارخ: للمغيث، وللمستغيث.
١٠_ الدائم: يقال للساكن دائم، وللمتحرك دائم.
١١_ الصريم: يقال لليل: صريم، وللنهار: صريم؛ لأن كل واحد منهما يصرم صاحبه.
١٢_ طرب: إذا فرح، وطرب إذا حزن.
١٣_ السليم: يقال: سليم للسالم، وسليم للملدوغ.
١٤_ السُّدْفة: بنو تميم يذهبون إلى أنها الظلمة، وقيس يذهبون إلى أنها الضوء.
١٥_ الناهل: للعطشان، وللريان.
١٦_ أمَمَ: يقال: أمر أمم إذا كان عظيماً، وأمر أمم إذا كان صغيراً.
١٧_ خائف: يقال: رجل خائف إذا كان يخاف غيره، وسبيل خائف إذا كان مخوفاً.
١٨_ الحميم: للحار، والحميم للبارد.
١٩_ عزَّرت: يقال: عزرت الرجل إذا أكرمته، وعزرته إذا لُمته وعنَّفته.
٢٠ _ قَلصَ: يقال: قلص الشيء إذا قَصُر وقل، وقلص الماء إذا جمَّ وزاد.
٢١_ الغريم: الذي له الدَّيْن، والغريم: الذي عليه الدَّيْن.
٢٢_ الحزوَّر: يقال للغلام اليافع الذي قارب الاحتلام: حزوَّر، ويقال للشيخ: حزوَّر.
стр. 235
٢٣_ التلعة: يقال لما ارتفع من الوادي وغيره: تلعة، ويقال لما تسفَّل وجرى الماء فيه؛ لانخفاضه: تلعة.
٢٤_ البَعْل: يقال لما تسقيه السماء: بعل، ويقال لما يشرب بعروقه: بعل.
٢٥_ بلهاء: يقال: امرأة بلهاء: إذا كانت ناقصة العقل، فاسدة الاختيار.
وامرأة بلهاء: إذا كانت كاملة العقل عفيفة صالحة لا تعرف الشر، ولا تعلم الرِّيب.
٢٦_ الخابط: النائم، والخابط الذي يخبط بيده ورجليه.
٢٧_ نسيت: يكون بمعنى غفلت عن الشيء، ويكون بمعنى: تركت متعمداً من غير غفلة لحقتني فيه، فيكون بمعنى الغفلة فلا يُحتاج فيه إلى شاهد.
وكونه بمعنى الترك شاهده قول الله _ _: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ معناه: ترك إثابتهم ورحمتهم؛ لأنه قد جل وعلا عن الغفلة والسهو.
٢٨_ أفاد: يقال: أفاد الرجلُ مالاً إذا استفاده هو، وقد أفاد مالاً: إذا كسَّبه غيره فهو مفيد في المعنيين.
стр. 236
المترداف
ويسمى: الترادف، ويسمى: المرادف _أيضاً_.
وهذا المصطلح يرد كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في باب أسماء الله _ _ كالبحث في مسألة ترادفها وتباينها.
كما أنه يرد في غير ذلك.
والحديث عنه سيكون من خلال المسائل التالية:
أولاً تعريفه:
أ _ تعريفه في اللغة: قال ابن فارس ﵀: "الراء والدال والفاء أصلٌ واحد مطرد، يدل على اتباع الشيء؛ فالترادف التتابع، والرديف الذي يرادفك"١.
ب_ وفي الاصطلاح: عرف بعدة تعريفات متقاربة: منها ما عرفه به الجرجاني حيث قال:
١_ " المترادف: ما كان معناه واحداً، وأسماؤه كثيرة"٢.
٢_ وعرفه بتعريف آخر فقال: "الترادف: هو عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء باعتبار واحد"٣.
٣_ وعرفه _ أيضاً _ بقوله: "المرادف: ما كان مسماه واحداً، وأسماؤه كثيرة، وهو خلاف المشترك"٤.
стр. 237
٤_ وقال السيوطي: "قال الإمام فخر الدين: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد"١.
٥_ وقيل: هو ما اتحد معناه، واختلف لفظه.
ومن أمثلة ذلك: السيف، والباتر، والمهند وغيرها كلها ألفاظ تدل على مسمى واحد.
ثانياً: سبب التسمية: قال الجرجاني عن سبب التسمية: "المترادف ما كان معناه واحداً، وأسماؤه كثيرة، وهو ضد المشترك؛ أخذاً من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر، كأن المعنى مركوب، واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد"٢.
ثالثاً: الخلاف في وقوعه٣: ذهب بعض العلماء إلى إنكار المترادف.
قال السيوطي: "قال التاج السبكي في شرح المنهاج: ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر؛ فإن الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يُؤْنِس.
والثاني _ يعني البشر _ باعتبار أنه بادي البشرة.
وكذا الخندريس: العقار٤؛ فإن الأول؛ باعتبار العتق، والثاني باعتبار عقر
стр. 238
الدن؛ لشدَّتها.
وتكلف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب"١.
وممن قال بهذا القول ابن فارس، ونقله عن شيخه ثعلب.
وممن قال بهذا القول أبو علي الفارسي٢.
وقال ابن فارس في الصاحبي في باب الأسماء وكيف تقع على المسميات:
"ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو: السيف، والمهند، والحسام.
والذي نقوله في هذا: إن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى.
وقد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إلى معنى واحد، وذلك قولنا: سيف، وعضب، وحسام.
وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غيرُ معنى الآخر، قالوا: وكذلك الأفعال نحو: مضى، وذهب، وانطلق، وقعد، وجلس، ورقد، ونام، وهجع.
قالوا: ففي قعد معنى ليس في جلس وكذا القول فيما سواه.
وبهذا نقول، وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
واحتج أصحاب المقالة الأولى بأنه: لو كان لكل لفظة معنى غير معنى الأخرى لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته.
وذلك أنا نقول في لا ريب فيه: لا شك فيه فلو كان الريب غير
стр. 239
الشك لكانت العبارة عن معنى الريب بالشك خطأ، فلما عبر عن هذا بهذا علم أن المعنى واحد.
قالوا: وإنما يأتي الشعر بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد في مكان واحد تأكيداً ومبالغة، كقولهم:
وهند أتى من دونها النأيُ والبعدُ
فقالوا: فالنأي هو البعد، قالوا: وكذلك قول الآخر إن الحبس هو الإصْرُ.
ونحن نقول: إن في قعد معنىً ليس في جلس، ألا ترى أنا نقول قام ثم قعد وأخذه المقيم والمقْعِدُ وقعدت المرأة عن الحيض ونقول لناس من الخوارج قَعَدٌ ثم نقول: كان مضطجعاً فجلس فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس؛ لأن الجَلْسَ: المرتفع فالجلوس ارتفاع عما هو دونه، وعلى هذا يجري الباب كله.
وأما قولهم: إن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء _ فإنا نقول: إنما عبر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إن اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا ما قالوه، وإنما نقول: إن في كل واحدة منهما معنىً ليس في الأخرى"١.
وقال آخرون: إن الترادف واقع، وله فوائد، وهو قول كثير ممن ألف في هذا الباب كابن خالويه، والفيروزبادي، وغيرهم.
والحاصل _كما قال العلامة عز الدين بن جماعة_: "أن من جعلها مترادفة ينظر إلى اتحاد دلالتها على الذات، ومن يمنع ينظر إلى اختصاص بعضها بمزيد
стр. 240
معنى فهي تشبه المترادفة في الذات، والمتباينة في الصفات"١.
فإذا قلنا _ على سبيل المثال _: إن الله هو السميع، العليم، البصير، الخالق، البارئ، المصور، فهذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على ذات واحدة ومسمى واحد هو الله _ _.
وهي متباينة باعتبار أن في السميع معنىً غير المعنى الذي في البصير، وهكذا ...
وكذلك أسماء الرسول ﷺ الحاشر، والعاقب، وغيرها؛ فهي مترادفة باعتبار أنها دلت على مسمى واحد وهو الرسول ﷺ .
وهي متباينة لاختلاف معنى الحاشر عن العاقب وهكذا.
وإلى هذا الرأي مال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية وغيرها٢.
رابعاً: أسباب وقوع الترادف: قال السيوطي ﵀: "قال أهل الأصول: لوقوع الألفاظ المترادفة سببان:
أحدهما: أن يكون من واضِعَيْنِ، وهو الأكثر بأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان، أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر؛ وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية.
والثاني: أن يكون من واضع واحد وهو الأقل "٣.
стр. 241
خامساً: فوائد المترادف: لوقوع المترادف _ عند القائلين به _ فوائد عديدة ترجح ما ذهبوا إليه، وترد على من يقول بمنع وقوعه، ومن تلك الفوائد ما يلي١:
١_ أن تكثر الوسائل إلى الإخبار عما في النفس؛ فإنه ربما نسي أحد اللفظين، أو عسر عليه النطق به.
وكان واصل بن عطاء ألثغ، فلم يُحفظ عنه أنه نطق بالراء، ولولا المترادفات تعينه على قصده لما قدر على ذلك.
٢_ التوسع في سلوك طرق الفصاحة، وأساليب البلاغة في النظم والنثر؛ وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأتى _ باستعماله مع لفظ آخر _ السجعُ، والقافيةُ، والتجنيس، والترصيع، وغير ذلك من أصناف البديع، ولا يتأتى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ.
٣_ المراوحة في الأسلوب، وطرد الملل والسآمة؛ لأن ذكر اللفظ بعينه مكرراً قد لا يسوغ، وقد يُمَجُّ، ولا يخفى أن النفوس موكلة بمعاداة المعادات.
٤_ قد يكون أحد المترادفين أجلى من الآخر؛ فيكون شرحاً للآخر الخفي.
وقد ينعكس الحال بالنسبة إلى قوم دون آخرين.
٥_ قد يكون أحد اللفظين أنسب للمقام من الآخر: وذلك كأن يكون في أحدهما غضاضةً، أو تعبيراً لشخص؛ فيُعْدَل عنه إلى اللفظ الآخر الذي ليس فيه غضاضة؛ فيؤدى الغرض ولا يخفى في ذلك من الذوق دون إساءة أو لمز ومراعاة المشاعر.
стр. 242
سادساً: المؤلفات في المترادف١: ألف في المترادف مجموعة من العلماء، منهم العلامة مجد الدين الفيروز بادي صاحب القاموس، حيث ألف كتاباً سماه الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف.
وأفرد خلق من الأئمة كتباً في أشياء مخصوصة؛ فألف ابن خالويه كتاباً في أسماء الأسد، وكتاباً في أسماء الجنة.
أما الكتب التي تحدثت عن المترادف ضمناً فكثيرة، ومنها المزهر للسيوطي، حيث خصص النوع السابع والعشرين منه في معرفة المترادف.
سابعاً: أمثلة من المترادف٢:
١_ العسل: له ثمانون اسماً أوردها صاحب القاموس في كتابه الذي سماه ترقيق الأسل لتصفيق العسل.
ومن تلك الأسماء: العسل، والضَّرب، والضَّرَبة، والضَّريب، والشَّوب، والذَّوب، والحميت، والتحموت، والجَلْس، والورس، والشَّهد، والشُّهد، والماذي، ولعاب النحل، والرحيق، وغيرها.
٢_ السيف: ومن أسمائه مما ذكره ابن خالويه في شرح الدريدية: الصارم، والرِّداء، والخليل، والقضيب، والصفيحة، والمُفَقِّر، والصمصامة، والكهام، والمشرفي، والحسام، والعضب، والمذكَّر، والمهند، والصقيل، والأبيض، وغيرها.
٣_ يقال: أخذه بأجْمَعِه، وأجْمُعِه، وبحذافيره، وجذاميره، وجزاميره، وجراميزه، وبجملته.
стр. 243
٤_ العمامة: ويقال: الشوذ، والسِّبّ، والعصابة، والتاج، والمِكْورة.
٥_ وقال ابن السكيت: العرب تقول: لأقيمن ميلَك، وجنفك، ودرْأك، وصغاك، وصدَعك، وقذَلك، وضِلعك كله بمعنى واحد.
٦_ ويقال: قُطعت يده، وجُذِمت، وبُتِرَت، وبُتِكت، وبُصِكت، وصُرِمت، وتُرَّت، وجُذَّت.
٧_ ويقال: وقع ذلك في رُوعي، وخَلَدي، وَوَهْمي، بمعنى واحد.
٨_ وفي أمالي ثعلب يقال: سويداء قلبه، وحبَّة قلبه، وسواد قلبه، وسوادة قلبه، وجُلجُلان قلبه، وسوداء قلبه بمعنى واحد.
٩_ وفي الجمهرة: قال أبو زيد: قلت لأعرابي: ما المُحْبَنْطَى١؟ قال: المتكأكئ، قلت: ما المتكأكئ؟ قال: المتآزف، قلت ما المتآزف؟ قال: أنت أحمق.
стр. 244
الفيبة والرجعة
مدخل
...
الغيبة والرجعة
هذان المصطلحان يردان في كتب العقائد خصوصاً في كتب الشيعة، أو في كتب أهل السنة إذا أرادوا أن يردوا على الشيعة.
وفيما يلي نبذة عن هذين المصطلحين اللذين هما من عقائد الشيعة.
стр. 245
أولاً: الغيبة:
وهي "من العقائد الأساسية عند الشيعة الإمامية؛ وذلك أن الشيعة تعتقد أن الأرض لا تخلو من إمام لحظة واحدة، ولو بقيت بغير إمام لساخت"١.
ولكن أين إمامهم المزعوم؟ وفي أي مكان يقيم؟
الجواب أن الشيعة الإمامية تسمى الاثني عشرية؛ لاعتقادهم إمامة الاثني عشر إماماً بعد رسول الله ﷺ فالإمامة عندهم منحصرة بهؤلاء الأئمة وهم:
١_ علي بن أبي طالب ﵁ ولد قبل البعثة بعشر سنوات، واستشهد سنة أربعين.
٢_ الحسن بن علي الزكي ٣ _٥٠هـ.
٣_ الحسين بن علي سيد الشهداء ٤ _٦١هـ.
٤_ أبو محمد علي بن الحسن زين العابدين ٣٨ _٩٥ هـ.
٥_ أبو جعفر محمد بن علي الباقر ٥٧_١١٤ هـ.
٦_ أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ٨٣ _ ١٤٨ هـ.
٧_ أبو إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم ١٢٨_١٨٣هـ.
стр. 246
٨_ أبو الحسن علي بن موسى الرضا ١٤٨_٢٠٢ أو ٢٠٣ هـ.
٩_ أبو جعفر محمد بن علي الجواد ١٩٥_٢٢٠ هـ.
١٠_ أبو الحسن علي بن محمد الهادي ٢١٢_٢٥٤هـ.
١١_ أبو محمد الحسن بن علي العسكري ٢٣٢_٢٦٠هـ.
١٢_ أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي.
ولكن هل استمرت على النحو الذي ذكروه، وهل سارت في طريقها الذي زعموه؟
الجواب لا؛ لأن إمامهم الحادي عشر _ الحسن العسكري _ توفي سنة ٢٦٠هـ بلا عقب، كما قاله كبار المؤرخين، واعترفت به كتب الشيعة بأنه لم يُرَ له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر؛ فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه.
ولقد تحير الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري بلا ولد، وتفرقوا _ فيمن يخلفه _ فرقاً شتى، بلغت _ كما قال المسعودي _ عشرين فرقة، أو خمس عشرة فرقة _كما يقول القمي_١.
"حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة انقطعت، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع؛ حيث سقط عموده وهو الإمام"٢.
إلا أن فكرة الغيبة _ غيبة الإمام _ وهي عقيدة يهودية٣_ "كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار؛ ولهذا
стр. 247
أصبح الإيمان بغيبة ابن الحسن العسكري هي المحور الذي تدور عليه عقائدهم، ودان بها أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك"١.
ومن هنا ادعوا أن للحسن العسكري ولداً، وقالوا: "إنه غاب عن الأعين، وله غيبتان: الغيبة الصغرى، والغيبة الكبرى.
كما كذبوا على جعفر أنه قال: للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، والغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه"٢.
ولقد اضطربت الشيعة في مسألة غيبة الإمام؛ فهي "في أركان المذهب الشيعي من المسائل التي حيرت كثيراً من الشيعة؛ لشكهم في أمره، وطول غيبته، وانقطاع أخباره"٣.
ولعل هذا الاضطراب في مسألة غيبة الإمام _ يرجع إلى أن الأسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته _ لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأنه يخاف القتل، مع أنهم يقولون: بأن الأئمة يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم، فكيف يحتجب خوفاً، وأمر الموت بيده؟! ٤.
أما مكانه الذي غاب فيه فيزعمون أنه في سرداب سامراء؛ حيث دخل فيه وسيخرج منه في آخر الزمان.
стр. 248
ثانياً: الرجعة:
فالرجعة من عقائد الشيعة الأساسية، وقد استمدوها من اليهودية، والرجعة عند الشيعة تعني قيام المهدي المزعوم _ وهو إمامهم الثاني عشر _ ورجوعه إلى الدنيا، فهم يزعمون أنه حي، وينتظرون خروجه _ أي ثورته _ ليثوروا معه، وإذا ذكروه في كتبهم يكتبون إلى جانب اسمه أو كنيته حرْفَي عج أي عجل الله فرجه١.
ولم يكتف الشيعة الاثنا عشرية بالقول إن معدومهم الغائب هو الذي سيرجع فحسب، بل قالوا أكثر من ذلك، وهو أنه يَرْجع، ويُرجع الآخرين من الشيعة، وأئمتهم، وأعدائهم حسب زعمهم٢.
ويقولون: إنه سينتقم من أعدائه السابقين واللاحقين ثم حكام المسلمين، "وعلى رأس الجميع الجبت والطاغوت _ أبو بكر وعمر _ فمن بعدهما، فيحاكمهم على اغتصابهم منه٣ من آبائه الأحد عشر إماماً"٤.
ويرون أنه بعد محاكمة الطواغيت _ بزعمهم _ سيقوم بقتلهم.
فهذه الخرافة _ خرافة الرجعة _ تعد من العقائد الأساسية التي لا يرتاب فيها شيعي واحد.
стр. 249
"ولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء، فيهتفون باسمه١، ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون إلى بيوتهم بعد طول الانتظار، وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن"٢.
حتى أصبحوا بهذا الانتظار مثاراً للسخرية والتندر، ومما قيل في ذلك:
ما آن للسرداب أن يلد الذي ... صيرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا٣
стр. 250
ولاية الفقيه
الشيعة الاثنا عشرية تعتقد أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بأشخاص معينين بأسمائهم، وعددهم، وقد اختارهم الله كما يختار أنبياءه، وهؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر، وهؤلاء الأئمة أمرهم كأمر الله، وعصمتهم كعصمة رسل الله أو أعظم، وفضلهم فوق فضل أنبياء الله.
ولكن آخر هؤلاء الأئمة _ حسب اعتقادهم _ غائب منذ سنة ٢٦٠هـ.
ولذا فإن الاثني عشرية تحرم أن يلي أحد منصبه في الخلافة حتى يخرج من مخبئه١.
فيقولون: "كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت"٢.
وعلى هذا مضى شيعة القرون الماضية، وقد استطاعوا أن يأخذوا مرسوماً إمامياً وتوقيعاً من الغائب _ على حد زعمهم _ يسمح لبعض شيوخهم أن يتولوا بعض الصلاحيات الخاصة بالغائب لا كل الصلاحيات.
ولذا استقر الأمر عند الشيعة على أن ولاية فقهائهم خاصة بمسائل الإفتاء وأمثالها، كما ينص عليه توقيع المنتظر.
أما الولاية العامة التي تشمل السياسة وإقامة الدولة _ فهي من خصائص الغائب، وهي موقوفة حتى يرجع من غيبته؛ ولذلك عاش أتباع هذا المذهب وهم ينظرون إلى خلفاء المسلمين على أنهم غاصبون مستبدون.