← Акыда

Акыда · id 12070

مصطلحات في كتب العقائد

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (272 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن شرف العلم بشرف المعلوم، وإن علم العقيدة أشرف العلوم، وأعظمها وأجلها؛ إذ موضوعه العلم بالله، وما ينبغي له من الجلال والتعظيم والحب والرجاء.aq، وسلامتها من التناقض، والاضطراب، واللبس والغموض. فألفاظها سهلة، ومعانيها بينة؛ فأدلتها مستقاة من الكتاب والسنة تسبق إلى الأفهام ببادئ الرأي، وأول النظر، ويشترك كافة الخلق في إدراكها، فيفهمها العالم والعامي، والصغير والكبير؛ فهي مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؛ فينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي والضعيف؛ فأدلة الكتاب والسنة سائغة جلية تقنع العقول، وتسكِّن النفوس، وتغرس الاعتقاداتِ الجازمةَ في القلوب١. ولقد أدرك ذلك جيل الصحابة؛ لقرب العهد، ومباشرة التلقي من مشكاة

стр. 2

النبوة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى؛ فكانوا أسلم الناس فطرة، وأقلهم تكلفاً، وأعظمهم إيماناً، وأزكاهم نفوساً. ثم سلك أثرهم التابعون لهم بإحسان؛ فاقتفوا طريقهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا إلى ما كانوا عليه. ثم بعد ذلك دب في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها؛ فدخلت فلسفاتُ اليونانِ والهندِ وفارس، وضلالاتُ أهلِ الكتابِ بلادَ المسلمين، وحدث انقلاب في كثير من الاعتقادات، وجرت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة، وتسلط سيف التأويل على نصوص الشريعة؛ فحدثت بدع، وشاعت ألفاظ دخيلة، وتكدر وجه الحق بشوائب الباطل، وخفيت بعض معالم الهدى بسبب ما أُحدث من مصطلحات غريبة الوجه واليد واللسان عن دين الإسلام، ولغة القرآن. لذا هبَّ علماء الإسلام والسنة _ على وجه الخصوص _ لمنازلة المخالفين، والرد عليهم بالحجة والبينة والعدل والرحمة، واضطروا إلى التنزل ومخاطبة المخالفين بأساليبهم، ومصطلحاتهم؛ فنشأ من خلال ذلك _ في بعض الأحيان _ صعوبةٌ في فهم كلامهم، واستغلاقٌ للمعاني التي يريدون الوصول إليها وإن كان ذلك نسبياً وليس قاعدة مطردة. ومن هنا يظن بعض من يقرأ مؤلفات العلماء في العقيدة أنها صعبة المرتقى، بعيدة المنال، وهذا الظن ليس في محله؛ لأن العلماء إذا كتبوا العقيدة الإسلامية مجردة من الردود صاغوها بأسلوب ميسر واضح.

стр. 3

ولقد كان يمرّ بي أثناء قراءة بعض الكتب، أو تدريسها كثير من المصطلحات التي يستبهم معها المعنى. ومن الأمثلة على ذلك ما ألاحظه في تدريس مادة العقيدة في المستوى السابع والثامن في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة القصيم _ الإمام سابقاً _ حيث يلقى الطلاب عنتاً ومشقة من جراء فهم الكتاب المقرر وهو الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ومن هنا نشأت فكرة تدوين بعض تلك المصطلحات؛ فشرعت في جمعها إما من خلال ما كتبته في حواشي بعض الكتب التي أقرؤها، أو أشرحها، أو من خلال بعض ما هو مبثوث في بعض الكتب التي ألَّفتها؛ فطبعت، ونشرت، وزدت على ذلك جملة من المصطلحات والجمل التي تحتاج إلى إيضاح؛ فاجتمع لي من جراء ذلك سوادٌ لا بأس به؛ فرغبت في نشره؛ رجاء عموم النفع به، ورغبة في أن يكون سبباً لإيضاح مشكل، أو فك مستغلق. ولقد كان الحرص قائماً على تقريب ما يتلاءم من المصطلحات إلى نظيره أو ما يقرب منه. ووضعت في النهاية فهرساً أبجدياً، وفهرساً عاماً؛ ليسهل الوصول إلى المراد. وهذه المصطلحات ليست كلها مقتصرة على كتب العقائد فحسب، بل قد ترد في بعض كتب التفسير، والأصول، والفقه، والحديث، واللغة، والمنطق، وغيرها. وهذا الكتاب ليس محيطاً، ولا مستقصياً؛ إذ هو ليس معجماً شاملاً، وإنما هو

стр. 4

مصطلحات يسر الله جمعها، وكتابتها. ثم إن هذه المصطلحات ليست على وتيرة واحدة من جهة وضوحها، أو إشكالها، وإنما هي متفاوتة، ويمكن إجمالها بما يلي: ١_ مصطلحات واضحة وتحتاج إلى مزيد تحليل وإيضاح. ٢_ مصطلحات مشكلة مبهمة وتحتاج إلى فك وإزالة إبهام. ٣_ مصطلحات غامضة داخلة في سياق ولا يفهم السياق إلا بفهمها. ٤_ مصطلحات واضحة وتفهم إذا كانت مفردة، لكنها إذا دخلت في سياق استغلق المعنى؛ فيُحْتَاج معها إلى شرح وتحليل. ثم إن الشرح والتحليل يختلف بسطاً، واختصاراً من مصطلح إلى مصطلح، ومن سياق إلى سياق؛ فتارة يطول، وتارة يقصر، وهكذا ... وأخيراً أسأل الله _ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى _ أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم. وآمل من القارئ أن يمدني بملحوظاته، وله جزيل الشكر، وخالص الدعاء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

الإلحاد يرد هذا المصطلح كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في باب الأسماء والصفات؛ ذلك أن الإلحاد يضاد توحيد الأسماء والصفات، ويدخل في الإلحاد: التعطيلُ، والتمثيلُ، والتكييف، والتفويض، والتحريف، والتأويل، وفيما يلي نبذة عن الإلحاد، وما يدخل تحته من مصطلحات. الإلحاد: الإلحاد في اللغة هو: الميل، ومنه اللحد في القبر، ومنه قول عمرو ابن معدي كرب الزبيدي: كم من أخ كان لي ماجدٍ ... ألحدته في يديَّ الثرى وقول جرير: دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحاً هل شفيت من الجماح١ ويقصد بالملحدين: المائلين عن الحق. أما في الاصطلاح: فهو العدول عما يجب اعتقاده أو عمله٢. والإلحاد في أسماء الله هو: العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها. أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته٣: ١_ أن ينكر شيئاً مما دلت عليه من الصفات كفعل المعطلة. ٢_ أن يجعلها دالة على تشبيه الله بخلقه، كفعل أهل التمثيل.

стр. 6

٣_ أن يُسمى الله بما لم يُسمِّ به نفسه؛ لأن أسماء الله توقيفية، كتسمية النصارى له أباً وتسمية الفلاسفة إياه علة فاعلة أو تسميته بـ: مهندس الكون أو العقل المدبر أو غير ذلك. ٤_ أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كاشتقاق اللات من الإله والعُزَّى من العزيز. ٥_ وصفه _ تعالى _ بما لا يليق به، وبما ينزه عنه، كقول اليهود: بأن الله تَعِبَ من خلق السموات والأرض، واستراح يوم السبت، أو قولهم: إن الله فقير. ويدخل تحت الإلحاد كل انحراف في ذلك الباب، وسيرد تفصيل لذلك في الصفحات التالية.

стр. 7

التعطيل، والتمثيل، والتشبيه، والتكييف ١_ التعطيل: التعطيل في اللغة: مأخوذ من العطل، الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله _ تعالى _: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥] ، أي: أهملها أهلها، وتركوا وردها ١. وفي الاصطلاح: هو إنكار ما يجب لله _ تعالى _ من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه، وهو نوعان: أ_تعطيل كلي: كتعطيل الجهمية الذين أنكروا الصفات، وغلاتهم ينكرون الأسماء _ أيضاً _. ب_تعطيل جزئي: كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات دون بعض، وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة الجعد بن درهم٢. ٢_ التمثيل: وهو في اللغة: إثبات مثيل للشيء. وفي الاصطلاح: اعتقاد أن صفات الله أو ذاته مثل صفات المخلوقين أو ذواتهم. ٣_ التشبيه: إثبات مشابه للشيء. وفي الاصطلاح: اعتقاد أن صفات الله أو ذاته تشبه صفات المخلوقين أو ذواتهم.

стр. 8

والفرق بين التمثيل والتشبيه أن التمثيل مساواة من كل وجه، أما التشبيه فمساواة في بعض الصفات. وقد يطلق أحدهما على الآخر. ٤_التكييف: حكاية كيفية الصفة كقول القائل: يد الله أو نزوله إلى الدنيا كذا وكذا، أو يده طويلة، أو غير ذلك، أو أن يسأل عن صفات الله بكيف.

стр. 9

التفويض التفويض داخل ضمن الإلحاد في أسماء الله وأفرد ههنا لأن فيه مزيد حديث، وفيما يلي خلاصة عنه. ١_ التفويض في اللغة يدور حول عدة معان منها: الرد إلى الشيء، والتحكيم فيه، والتوكيل. وفي باب الأسماء والصفات: هو الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة، لا يعلمها إلا الله. أو هو إثبات الصفات، وتفويض المعنى والكيفية. ٢_ القائلون بالتفويض صنفان: أ_ صنف يزعمون: أن ظواهر النصوص تقتضي التمثيل، فيحكمون بأن المراد خلاف ظاهرها، وأنه غير مراد. ب_ وصنف يقولون: تُجرى على ظاهرها، ولها تأويلٌ يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله، وهؤلاء متناقضون. ٣_ ظهور مقالة التفويض: ظهرت بوادر التفويض في مطلع القرن الرابع لأسباب منها: أ_ الفهم الخاطئ لمذهب السلف؛ حيث ظن أهل التفويض أن السلف يفوضون المعنى والكيفية مع أن السلف يثبتون المعنى، ويفوضون الكيفية. ب_ الاعتماد على الأصول الفلسفية اليونانية في تقرير الأسماء والصفات، واستعمال مصطلحاتهم كالجسم، والحيِّز.

стр. 10

جـ _ دعوى الخوف على عقائد العوام. ٤_ أمور ساعدت على ظهور مقالة التفويض: ساعد على ظهور مقالة التفويض أمور منها: أ_ وقوعها من بعض الأئمة المشهورين برواية الحديث كالخطابي، والبيهقي، وأبي يعلى. ب_ انحياز أحد أئمة التأويل _ وهو أبو المعالي الجويني _ إلى التفويض في آخر حياته. جـ _ الفتيا بإلزام العوام بمذهب التفويض وأنه لا يسعهم إلا ذلك. د_ استفاضة نسبة التفويض إلى السلف، وتقرير ذلك في كتب المقالات والملل. ٥_ عمدة أهل التفويض في استدلالهم على مذهبهم بالقرآن هو الوقف على قوله _ تعالى _: ﴿وَمَاْ يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ الله﴾ فبنوا شبهتهم على مقدمتين: أ_ أن آيات الصفات من المتشابه. ب_أن التأويل الذي في الآية يُقصد به صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر. والنتيجة: أن لآيات الصفات معنىً يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله. ولقد غلطوا في المقدمتين؛ فآيات الصفات من المحكم معناه، المتشابه في كيفيته وحقيقته. والتأويل في الآية له قراءتان مشهورتان عن السلف؛ فعلى الوقف يكون بمعنى الحقيقة والكيفية، وعلى قراءة الوصل يكون التأويل بمعنى التفسير.

стр. 11

والتأويل في كلٍّ من القراءتين ليس بمعنى التأويل المُحْدَث الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر. ٦_ لوازم على مذهب التفويض: يلزم على مذهب التفويض لوازم باطلة لا محيد عنها، منها القدح في حكمة الرب، والوقوع في تعطيل دلالة النصوص، وسد باب التدبر، والطعن في بيان القرآن، وتجهيل الأنبياء، وسلف الأمة. ٧_ التفويض مصادم للنقل والعقل ١. وسيرد مزيد حديث عن التفويض عند الحديث عن التأويل.

стр. 12

التأويل يرد مصطلح التأويل كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في باب الأسماء والصفات، وفيما يلي نبذة وتفصيل عن هذا المصطلح. تعريف كلمة التأويل في اللغة: أصل هذه الكلمة مادة أول. وهذه المادة تدور حول معاني الرجوع، والعاقبة، والمصير، والتفسير. وهذا يعني أن تأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم، وإلى حقيقة ما أخبر به. معاني التأويل في الاصطلاح: صار لفظ التأويل _ بتعدد الاصطلاحات _ مستعملاً في ثلاثة معانٍ ١: أحدها: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وذلك مثل تأويل معنى يد الله بـ: النعمة، أو القدرة. ومثل تأويل استواء الله على عرشه بـ: الاستيلاء، وهكذا ... وهذا المعنى من معاني التأويل هو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله، وهو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم، وحق أو باطل؟ قال ابن حزم ﵀ في هذا المعنى من معاني التأويل: التأويل نقل اللفظ عما

стр. 13

اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر؛ فإن كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقِلُه واجبَ الطاعة _ فهو حق. وإن كان نقله بخلاف ذلك اطُّرح، ولم يلتفت إليه، وحُكم لذلك النقل بأنه باطل ١. شروط التأويل الصحيح: يشترط لصحة التأويل بمعناه عند المتأخرين شروط هي: ١_ أن يكون اللفظ المرادُ تأويله يحتمله المعنى المؤول لغة أو شرعا؛ فلا يصح _على هذا_ تأويلات الباطنية التي لا مستند لها في اللغة أو الشرع، بل ولا العقل. ٢_ أن يكون السياق محتملاً، مثل لفظ النظر فهو يَحْتَمل معانيَ في اللغة، ولكنه إذا عدِّي بـ: إلى لا يحتمل إلا الرؤية. ٣_ أن يقوم الدليل على أن المراد هو المعنى المؤول. ٤_ أن يسلم دليل التأويل من معارض أقوى؛ فإذا اختل شرط من الشروط فهو تأويل فاسد. مثال للتأويل الصحيح: قال الله _ _: ﴿نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] . فقد ثبت عن ابن عباس _ ﵄ _ أن النسيان هنا هو الترك. وقد دل على هذا التأويل تصريحاً قوله _ تعالى _: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] .

стр. 14

وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] ١. حكم التأويل بمعناه الحادث عند المتأخرين: ١_ قد يكون صحيحاً إذا اجتمعت فيه الشروط _ كما مر _. ٢_ قد يكون خطأ كتأويلات بعض العلماء الذين أخطأوا في تأويل بعض نصوص الصفات. ٣_ قد يكون بدعة كتأويلات الأشاعرة، والمعتزلة. ٤_ قد يكون كفراً كتأويلات الباطنية. سبب ظهور مصطلح التأويل: يبدو أن ذلك كان إبان ظهور القول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة. ومن هنا فإن مصطلحي: التأويل والمجاز متلازمان. المعنى الثاني من معاني التأويل: التفسير: التفسير في اللغة: أصل هذه الكلمة مادة: فسر. وهذه المادة تدور في لغة العرب حول معنى البيان، والكشف، والوضوح٢. التفسير في الاصطلاح: هو بيان المعنى الذي أراده الله بكلامه ٣. وعرفه ابن جُزي ﵀ بقوله: "معنى التفسير: شرح القرآن، وبيان معناه، والإفصاح عما يقتضيه بنصه، أو إشارته" ٤.

стр. 15

وعرفه الزركشي ﵀ بقوله: "علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه ﷺ " وبيان معانيه، واستخراج حكمه وأحكامه" ١. وهذا المعنى من معاني التأويل معنى صحيح معروف عند السلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض حديث له عن أنواع التأويل: والثاني: أن التأويل بمعنى التفسير. وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: واختلف علماء التأويل. ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم؛ فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره٢. والنصوص الواردة عن العلماء في هذا الصدد كثيرة لا تكاد تحصر، ومنها قول الشافعي في كتابه الأم في أكثر من موضع: "وذلك _ والله أعلم _ بيِّن في التنزيل مستغنىً به عن التأويل" ٣. المعنى الثالث من معاني التأويل: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام: كما قال _ تعالى _: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] .

стр. 16

وهو معنى شرعي معروف عند السلف. وهذا النوع من التأويل: هو عين ما هو موجود في الخارج، أي أن حقيقة الشيء الموجودة في الخارج _ أي الواقع _ هي تأويله خبراً كان أم إنشاءاً. والكلام ينقسم إلى خبر أو إنشاء، وتأويل كلٍّ منهما يختلف عن الآخر _ كما سيأتي في الفقرة التالية _. تفصيل معنى التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً أو إنشاءاً: قبل الدخول في ذلك يحسن بيان معنى الخبر والإنشاء بإيجاز. فالكلام ينقسم باعتبار دلالته _ عند المتكلمين، والأصوليين، واللغويين، وأهل المعاني من البلاغيين وغيرهم _ إلى خبر وإنشاء، وبعضهم يقول: خبر وطلب. وذلك إذا تكلموا على دلالات الألفاظ. تعريف الخبر: هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته بقطع النظر عمن أضيف إليه؛ فإذا أضيف إلى الله ورسوله ﷺ قطع بصدقه. والخبر يدور بين الإثبات مثل قوله _تعالى_: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . والنفي مثل قوله _تعالى_: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . ومن أمثلة الخبر في الإثبات جاء زيد، وفي النفي ما جاء زيد، وهكذا ... تعريف الطلب أو الإنشاء: هو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. وذلك لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يطابقه أو لا يطابقه.

стр. 17

ويدخل تحت الإنشاء أو الطلب أنواع عديدة أشهرها: الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والنداء. فإذا قلت: قم، أو لا تقم، أو هل أنت قائم، أو ليتك تقوم، أو يا قائم _ كان كلامك كله داخلاً في باب الإنشاء؛ لأنه لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. بخلاف ما إذا قلت: جاء زيد، أو ما جاء؛ فذلك داخل في باب الخبر. هذا وإن أشهر أنواع الإنشاء والطلب: الأمر والنهي. هذه نبذة ميسرة عن الخبر والإنشاء والطلب، وللتفصيل موضع آخر سيأتي. وبعد هذا نأتي إلى التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً أو طلباً. التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً: تأويل الأخبار: هو حقيقتها، ونفس وجودها. فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات. وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد. وتأويل قيام الساعة، وما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب، والنكاح، هو الحقائق الموجودة أنفسها ١. وتأويل رؤيا يوسف _عليه السلام_ هو وقوعها في الخارج، وتحققها، وهكذا ...

стр. 18

إلى غير ذلك من الأمثلة التي يصعب حصرها. فهذا هو التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً. التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان طلباً: الطلب: إما أن يكون أمراً، وإما أن يكون نهياً؛ فالأمر: طلب الفعل، والنهي: طلب الكف. فإذا كان الطلب أمراً فتأويله: هو نفس الفعل المأمور به، أي امتثاله، والعمل به. وإذا كان الطلب نهياً فتأويله: هو نفس اجتناب المنهي عنه، أي تركه. أمثلة لتأويل الأمر: ١_ قالت عائشة _ ﵂ _: كان النبي يقول في ركوعه، وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن ١. وتعني بذلك قوله _تعالى_: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣] . وتريد بذلك أنه يعمل بأوامر القرآن، ويفعل ما أمر به فيه؛ حيث أمر في آخر حياته أن يسبح بحمد ربه ويستغفره، فكان يتأول القرآن، أي يعمل به، ويطبقه؛ فنفس فعله هذا هو تأويل الأمر، وهو قوله _عز وجل_: ﴿فَسَبِّحْ﴾ و ﴿اسْتَغْفِرْهُ﴾ . ٢_ وعن سعيد بن جبير ﵀ عن ابن عمر _ ﵄ _: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ٢.

стр. 19

ومعنى قوله: يتأول: أي يطبق ويمتثل. ٣_ ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن الثوري ﵀ أنه بلغه أن أم ولد الربيع ابن خثيم قالت: "كان الربيع إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سُكَّراً؛ فإن الربيع يحب السُّكَّر". قال سفيان: "يتأول قوله _ _: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] " ١. أي يمتثل أمر الله _ _ في الإنفاق مما يحبه الإنسان. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً مثل قوله _ تعالى _: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . فتأويل ذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهكذا ... فهذا _ إذاً _ هو تأويل الأمر بمعنى حقيقته. أمثلة لتأويل النهي: ١_ قال الله _ تعالى _: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] . فتأويل ذلك البعد عن قربان الزنا. ٢_ وقل مثل ذلك في قوله _ _: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] . وهكذا ... مثال يجمع بين تأويل الأمر والنهي والخبر: قال الله _ تعالى _ مخاطباً أم

стр. 20

موسى _عليه السلام_: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] . فهذه الآية الكريمة اشتملت على أمرين، ونهيين، وخبرين؛ فالأمران في قوله _تعالى_: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ ، وقوله: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ . وتأويل الأمرين إرضاعها لموسى، وإلقاؤه في اليم. والنهيان في قوله _ تعالى _: ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ . وتأويلهما ترك الخوف، وترك الحزن. وقد فعلت ما تستطيع وإن كان فؤادها قد أصبح فارغاً، وكادت أن تبدي به لولا أن ربط الله على قلبها. والخبران في البشارتين في قوله _ تعالى _: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ . وتأويل هذين الخبرين وقوعهما في الخارج؛ حيث عاد موسى إلى أمه، وصار من المرسلين. الفرق بين تأويل الخبر، وتأويل الطلب: الفرق هو أن الخبر لا يلزم من تأويله _أي وقوعه_ العلم به؛ فهو واقع وإن لم يُعْلم به؛ فأشراط الساعة وأحوالها ستقع وإن لم يُعْلم بها. وكذلك حقائق أسماء الله وصفاته هي حقيقة وإن لم يُعْلم بها. فلا يلزم _إذاً_ من تأويل الخبر العلم به.

стр. 21

أما الطلب فلابد في تأويله من معرفته والعلم به؛ ليُفعل أو يُجتنب؛ فإن كان الطلب أمراً فلابد في إيقاعه وفعله وامتثاله من معرفة العلم به سواء كان واجباً كإقامة الصلاة، أو مستحباً كالسواك. وإن كان الطلب نهياً فلابد من معرفته والعلم به؛ ليجتنب سواء كان النهي للتحريم أو الكراهة. توجيه قراءتي آية آل عمرآن: قال الله _ _: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ . وهذا هو المأثور عن أُبَي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب١من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته٢، وتفسير

стр. 22

يعلمه العلماء١، وتفسير لا يعلمه إلا الله٢ من ادعى علمه فهو كاذب". وقد روي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية فأسأله عن تفسيرها. ولا منافاة بين القولين عند التحقيق"٣. ويعني بالقولين القراءتين: الوقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ والوصل. وقال في موضع آخر موجهاً كلتا القراءتين: "وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في مواضع أُخَر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق"٤. وخلاصة القول في توجيه القراءتين: أنه على قراءة الوقف يكون التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، وعلى قراءة الوصل يكون التأويل بمعنى التفسير؛ فمن قال: إنه لا يعلم تأويله إلا الله أراد الحقيقة، ومن قال: إنه يُعلم تأويله أراد التفسير. وعلى قراءة الوقف تكون الواو في قوله: ﴿وَالرَّسِخُوْنَ ... ﴾ ابتدائية استئنافية. وعلى قراءة الوصل تكون عاطفة.

стр. 23

التأويل الباطني لون من ألوان الصد عن الإسلام، ووسيلة خبيثة لصرف الناس عنه، وغاية يُسعى من خلالها لطمس معالمه، وستر جماله، ويسره، ووضوحه. فالإسلام دين واضح ميسور، وأدلته المستقاة من الكتاب والسنة تسبق إلى الأفهام ببادئ الرأي، وأول النظر؛ فهي سائغة جلية تقنع العقول، وتسكن النفوس، وتغرس الاعتقادات الصحيحة الجازمة الملائمة للفطرة في القلوب. والتأويل الباطني يخالف ذلك، وينبذه وراء ظهره. والحديث عن التأويل الباطني سيكون حول المسائل التالية: أولاً: تعريف التأويل الباطني: أ_ تعريفه في اللغة: هذا المصطلح يتركب من كلمتين التأويل: ومعناه يدور حول التفسير، والمصير، والعاقبة وغيرها من المعاني. والباطني: وأصل هذه الكلمة مادة بَطْن، وهو خلاف الظهر، والباطن: اسم فاعل وهو ضد الظاهر١. ب_ المعنى الاصطلاحي للتأويل الباطني: هو الزعم بأن لنصوص الشرع ظاهراً وباطناً. هذا تعريف مختصر، وهناك تعريفات أوسع وأشمل تبين معنى ذلك، وسبب الأخذ به، ومنها تعريف من يقول إنه: "تفسير الكتب المقدسة تفسيراً رمزياً أو مجازياً يكشف عن معانيها.

стр. 24

فالشريعة _ كما يقول بعضهم _ مشتملة على ظاهر وباطن؛ لاختلاف فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق؛ فكان لا بد من إخراج النص من دلالته الظاهرية إلى دلالته الباطنية بطريق التأويل؛ فالظاهر هو الصور والأمثال المضروبة للمعاني، والباطن هو المعاني الخفية التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان؛ فالتأويل _في نظرهم_ هو الطريقة المؤدية إلى رفع التعارض بين ظاهر الأقاويل وباطنها"١. ثانياً: سبب التسمية: لعل التعريفين السابقين قد بينا سبب التسمية؛ فالباطنية سميت بذلك لأخذهم بالتفسير أو التأويل الباطني. فكل من أخذ به سمي باطنياً، وكل طائفة أخذت به دخلت في مسمى الفرق الباطنية. ثالثاً: طوائف الباطنية: الباطنية مسمى واسع، ويدخل تحته فرق كثيرة، وتكاد تنحصر في طائفتين، ويدخل تحت كل طائفة فرق عديدة. الطائفة الأولى: باطنية تتظاهر بحب آل البيت، وتبطن الكفر، وتزعم أن للنصوص ظاهراً علمه الرسول ﷺ لأمته، وباطناً علمه علياً ﵁ وبلغه علي سراً إلى الأئمة من بعده. ويدخل تحت هذه الطائفة فرق عديدة كالشيعة الإمامية، والإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والبابية، والبهائية، وسائر الفرق الباطنية التي انبثقت من الشيعة الاثني عشرية. الطائفة الثانية: وهي التي تتظاهر بحب النبي ﷺ وهم غلاة الصوفية القائلين بتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة.

стр. 25

فالشريعة عندهم: أحكام الدين الظاهرة، أو الأحكام التكليفية. والحقيقة: هي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار؛ فإذا وصل العابد إلى الحقيقة لم يحتج معها إلى القيام بأمور الشرع. هاتان هما طائفتا التأويل الباطني على وجه الإجمال، وسيأتي مزيد بيان وأمثلة على ذلك. رابعاً: هدفهم من القول بالتأويل الباطني: قد تبين فيما مضى شيء من ذلك، ويمكن إجماله فيما يلي: ١_ إبطال الشرائع. ٢_ ترويج الباطل. ٣_ إضفاء الصبغة الشرعية على ما يقولون، وإيهام الناس أن آراءهم متفقة مع نصوص الشرع. وبذلك صارت تلك الطوائف تأخذ بالتأويل الباطني لنصوص القرآن. وتزعم أن من تقاعد عَقْلُه عن الغوص في الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها _ كان تحت الآصار والأغلال. وأرادوا بالأغلال: التكاليف الشرعية؛ لأن من ارتقى إلى علم الباطن _بزعمهم_ سقطت عنه التكاليف، واستراح من أعبائها١. ومن هنا جاؤوا بتأويلات باطلة لا تستند إلى شرع، ولا عقل، ولا عرف، ولا لغة، بل إنها تخالف ذلك كله _كما سيأتي بيان ذلك_.

стр. 26

خامساً: مصادر الفكر الباطني: مصادر الفكر الباطني ليست من الإسلام في شيء، وإنما هي أفكار دخيلة على عقائد الإسلام؛ فهي مستقاة من الفلسفة اليونانية والهندية، ومن الديانات المجوسية، واليهودية، والنصرانية، وغيرها. وقد تستر أصحابها بحب آل البيت تارة، وبحب النبي ﷺ تارة. وأرادوا من ذلك هدم المجتمع الإسلامي، وزعزعة أمنه، وإفساد عقيدته. والمجال لا يتسع لتفصيل ذلك١. سادساً: بطلان القول بالتأويل الباطني: لا شك أن للقرآن العظيم أسرارَه العظيمةَ، ولفتاتِهِ الباهرةَ، وإيماءاتِه، وإيحاءاتِه. ولا ريب أنه بحر عظيم لا تنفد كنوزه، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء. ولكن ذلك كله منوط بما يتسع له اللفظ، ويشهد له الدليل الصحيح، ولا يخرج عن إطار المعنى العام، وأن يكون ذلك عن علم وبصيرة لا عن تخرص وهوى. ولكن دعوى أولئك الباطنيين بعيدة كل البعد عن هذا المقصد؛ فهي تأويلات _كما سيأتي_ لا تتصل بمدلول الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني. بل هي مخالفة للنص القرآني تماماً، باحثة في كتاب الله عن أصل تتشبث به؛ ليؤيد شذوذهم، وغاياتهم في الصد عن كتاب الله ودينه. وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدينِ.

стр. 27

وعمومُ البشر على اختلاف لغاتهم يعدون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى. وأما أسلوب التعمية والإلغاز فلا وجود له إلا في الفكر الباطني. ولو اتُّخِذ هذا الأسلوبُ قاعدةً لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام. هذا في الكلام عموماً؛ فكيف بكلام الله المنزل، الذي وصفه الله _ _ بأنه "بيان للناس". وفي الناس عالمون، وجاهلون، ومنهم أميون، وكاتبون قارئون. ولكن الله جعله بياناً لهم جميعاً، مُيَسَّراً للذكر؛ ليعبد الناس ربهم على بصيرة. والمتأمل لمقالة التأويل الباطني يدرك خطورتها في تفسير القرآن، وأنها تقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط الانتفاع بكلام الله ورسوله، ويصير ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به. وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم دون ضابط، أو رادع. ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن ودلالاته لما تحقق الإعجاز، ولكان من قبيل الإلغاز١.

стр. 28

سابعاً: نماذج من التأويلات الباطنية عند الشيعة: كما انحرف الشيعة في القرآن، وقالوا إنه بُدِّل وحُرِّف انحرفوا في تأويله وتفسيره؛ حيث تضمنت كتب التفسير عند الشيعة _ والتي يزعمون تلقيها عن آل البيت _ تأويلاتٍ باطنيةً لآيات القرآن، وتلك التأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بالسياق القرآني، ولا بمفهوم اللغة العربية. ومن العجيب أن تُسند هذه الأكاذيب إلى آل البيت، ويُسند معظمُها إلى جعفر الصادق ﵀. وهي في حقيقة الأمر طعن مُبَطَّن في الآل، كما أنها إلحاد في آيات الله، وصد عن سبيله، ولكنهم أسندوها لآل البيت؛ لينخدع بها الأغرار١. "وهذه التأويلات مدونة في تفاسيرهم المعتبرة عندهم، كتفسير القمي، وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم في الحديث قد أخذت من تلكم التأويلات بقسط وافر، وعلى رأسها أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي، وغيرهما. ويرى بعض الباحثين أن أول كتاب وضع الأساس الشيعي في التفسير هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي ت١٢٨هـ. فكان هذا نواةً لتفسير شيعي سرعان ما اتسع وأغرق في باطنيته"٢.

стр. 29

وفيما يلي من أسطر أمثلة وشواهد لبعض تلك التأويلات١: ١_ ما ورد في كتاب الله من آيات تتحدث عن القرآن يفسرونها بالأئمة: فقوله _ سبحانه _: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] . يقولون: "النور: نور الأئمة". ويفسرون قوله _ سبحانه _: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . بقولهم: يهدي إلى الإمام. ٢_ يفسرون ما ورد في الآيات من لفظ النور ونحوه بالأئمة بلا أدنى دلالة. يروي الكليني عن أبي عبد الله _ جعفر الصادق _ في قوله _ تعالى _: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] : فاطمة _عليها السلام_ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ : الحسن ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ : الحسين ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ : فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ : إبراهيم _ ﵇ _ ﴿زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ : لا يهودية ولا نصرانية ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ : يكاد العلم ينفجر بها ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ : إمام بعد إمام ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ : يهدي الله للأئمة من يشاء. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً﴾ النور: ٤٠: إماماً من ولد فاطمة _ ﵍ _ ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ : إمام يوم القيامة.

стр. 30

٣_ يؤولون ما جاء في كتاب الله _ من النهي عن الشرك والكفر _ بالشرك في ولاية علي، أو الكفر بولاية علي. ٤_ يؤولون ما جاء في عبادة الله _ وحده _ واجتناب الطاغوت بولاية الأئمة، والبراءة من أعدائهم. ٥_ يؤولون بعض الآيات الواردة في الصلاة بالأئمة والإمامة: عن زرارة عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله _ ﵇ _ في قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: الصلاة: رسول الله، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، والوسطى أمير المؤمنين ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ طائعين للأئمة. ٦_ يؤولون ما ورد في كتاب الله عن المؤمنين، وولاة الأمر، وأهل الذكر بالأئمة. ٧_ والأئمة _ عندهم _ هم آيات الله الكونية، ومخلوقاته، وآلاؤه. ٨_ وهم الراسخون في العلم، وهم الذين أوتوا العلم. ٩_ والأئمة وشيعتهم هم الذين يعلمون، وهم أولوا الألباب ١٠_ والأئمة هم نعمة الله التي ذكرها في كتابه. ١١_ وهم آيات الله، والسبع المثاني، والصافون، والمسبحون. ١٢_ وهم النبأ العظيم. ١٣_ والآيات المحكمات. ١٤_ وهم العلامات التي ذكرها الله في كتابه.

стр. 31

١٥_ وولايتهم هي الطريقة المذكورة في قوله _ سبحانه _: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَاء غَدَقاً﴾ [الجن: ١٦] . ١٦_ بل إن تأويلهم الكثير من آيات القرآن بالإمامة يربو على الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، بل إن تأويلهم للآيات بالإمامة والأئمة تجاوز حدود الشرع والعقل، ونزل إلى درك من العته والبله الذي لا تفسير له سوى أنه محاولة للهزء والسخرية بآيات الله حتى إنهم ليقولون: ١٧_ الأئمة هم النحل في قوله _ سبحانه _: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . ١٨_ وهم الحفدة في قوله _تعالى_: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] . ١٩_ وعلي هو سبيل الله في قوله _ سبحانه _: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٣] . ٢٠_ وهو الحسرة على الكافرين في قوله _سبحانه_: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠] . ٢١_ وهو حق اليقين في قوله _سبحانه_: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥١] . ٢٢_ وهو الصراط المستقيم في قوله _سبحانه_: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] . ٢٣_ وهو الهدى في قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] .

стр. 32

٢٤_ والأئمة هم الأيام والشهور. ٢٥_ وهم بنو إسرائيل في قوله _ سبحانه _: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٤٠] . ٢٦_ وهم الأسماء الحسنى التي يدعى الله بها. ٢٧_ وهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد. ٢٨_ وهم السحاب، والمطر، والفواكه، وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركتهم. ٢٩_ وهم الصلاة، والزكاة، والحج، وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي. ٣٠_ وهم حرمات الله، وأنوار الله. ٣١_ وهم خير أمة أخرجت للناس. ٣٢_ وهم المظلومون، والمستضعفون. ٣٣_ وهم أهل الأعراف، وهم الوالدون، والولد، والأرحام، وذوو القربى. ٣٤_ وهم الكعبة والقبلة. ٣٥_ وهم اللؤلؤ والمرجان. ٣٦_ يتأولون الآيات الواردة في الكفار والمنافقين بخيار صحابة رسول الله وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان _ ﵃ _. ٣٧_ يفسرون الجبت والطاغوت بأبي بكر وعمر _ ﵄ _. ٣٨_ يفسرون خطوات الشيطان بأنها ولاية أبي بكر وعمر _ رضي الله عنهما_. ٣٩_ قالوا في تفسير قوله _ تعالى _: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾

стр. 33

[الكهف:٩٥] قالوا: التقية. ٤٠_ يفسرون الآيات التي في الآخرة _ بالرجعة. كل ما مضى من أمثلة لتأويلاتهم للقرآن، تدل على تعسفهم في فهم آياته، وعلى إغراقهم في التأويل الباطني، الذي لا تربطه بالآيات أدنى صلة، وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، ولم يجعله الله دستوراً لخلقه أجمعين. وهذه التمحلات ليست من قبيل الخطأ في الرأي، والزلل في فهم الآيات، وإنما هي مؤامرة مدبرة ضد الإسلام، وخطة محبوكة لإلغاء هداية القرآن للناس، وكأنها جاءت تالية لإخفاق مؤامرة التحريف التي ادعوها في كتاب الله، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون١. ثامناً: نماذج من تأويلات النصيرية: التأويل الباطني هو أحد مرتكزات العقيدة النصيرية، ويزعم النصيريون أنهم وحدهم هم العالمون ببواطن الأسرار والأمور "وفي اعتقاد النصيرية أن معرفة المراتب ظاهراً وباطناً هو ذروة العبادة وتُغْنيهم عن الفروض والعبادات؛ لأنها في نظرهم أغلال للجاهلين والمقصِّرين"٢. فالنصيريون يرون أن "من عرف الباطن سقط عنه عمل الظاهر وخرج من حد المملوكية ورق العبودية إلى حد الحرية"٣. ومن هذا المنطلق ذهب النصيريون إلى تأويل العبادات كلها تأويلاً بعيداً عن

стр. 34

فهم العقل، ومنطق اللغة، ومنهج الدين١. وإليك بعض تأويلاتهم: ١_ الشهادة: التي هي أول ركن من أركان الإسلام ما هي عند النصيرية؟ "هي أن تشير إلى صيغة ع _ م _ س التي هي رموز لـ: علي بن أبي طالب ﵁ ومحمد ﷺ وسلمان الفارسي ﵁ على الترتيب"٢. ٢_ الصلاة: وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين ما هي عند النصيرية؟ "يزعمون _ إجمالاً _ أنها معرفة النصيريين بأسرار دينهم، وهذا لا يكون إلا بالولاء لخمسة أشخاص هم: علي، ومحمد، والحسن، والحسين، وفاطمة التي يدعونها بـ فاطر، وهؤلاء الخمسة معروفون في المذهب النصيري بنعت: الخمسة المصطفون". أو يذكرون: بدلاً من محمد: محسن. ٣_ الصيام: الصيام المفروض عندهم هو كتمان أسرارهم، وهو _أيضاً_ حفظ السر المتعلق بثلاثين رجلاً تمثلهم أيام رمضان، وثلاثين امرأة تمثلهن ليالي رمضان، فمعرفة هذه الأسماء الستين وتلاوتها يجزيهم عن الصيام". ٤_ الزكاة: "أما الزكاة عندهم فهي رمز لسلمان الفارسي" فمجرد ذكر سلمان الفارسي يغني عن دفع الزكاة.

стр. 35

٥_ الحج: أما الحج "فيزعمون أن جميع مناسكه وشعائره ما هي إلا رموز لأشخاص معينة، وما الحج عندهم إلا مجرد التوصل إلى معرفة الأشخاص بأسمائهم". يقول سليمان الأذني صاحب الباكورة السليمانية في تفسير السورة الرابعة عشرة واسمها البيت المعمور: "اعلم أن هذه السورة قد رتبها سلفاؤهم بإقامة الحج وهو أن البيت المعمور به في القرآن زيارته، وأركان البيت وسقفه وحيطانه هو كناية عن معرفة أولئك الأشخاص كقول الشيخ إبراهيم الطوسي في عينيته: أيا قلب بيت الله وهو حجابه ... وأما الصفي المقداد للضد قامع ومروة مذكور أبو الدر شخصها ... شعايره سلسل إلى الذات خاضع وعتباته الحاءات أيا قلب شخصها ... وحلقة باب البيت جعفر طالع البيت هو: الحجاب السيد الميم، والصفي هو: المقداد، والعتبتان هما: الحسن والحسين، وحلقة الباب هي: معرفة جعفر الصادق، والمروة: معرفة أبي الدر، والمشعر الحرام: معرفة سلمان الفارسي، ويوجد ذلك مصرحاً في أكثر كتبهم، ومعرفة هؤلاء الأشخاص وهو نهاية حجهم ومعنى معرفتهم. وأما سعي المسلمين إلى مكة فهو باطل عندهم ومذموم كما قال بعض شيوخهم في هذا المعنى: ولقد لعنت لمن يحرم شربها ... وجميع أهل الشام والحجاج"١ ٦_ الجهاد: أما الجهاد عند النصيرية فهو على نوعين ذكرها صاحب الباكورة

стр. 36

السليمانية "أولها الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وعلى جميع الطوائف المعتقدين بأن علي بن أبي طالب أو الأنبياء، أكلوا، أو شربوا، أو تزوجوا، أو ولدوا من نساء؛ لأن النصيرية يعتقدون بأنهم نزلوا من السماء بدون أجسام، وأن الأجسام التي كانوا فيها إنما هي أشياء، وليست هي بالحقيقة أجسام. والنوع الثاني إخفاء مذهبهم عن غيرهم، ولا يظهرونه ولو أصبحوا في أعظم خطر، ولو خطر الموت"١. ٧_ الجنابة: "هي موالاة الأضداد والخصوم والجهل بالعلم الباطني"٢. ٨_ الطهارة: "هي معاداة الأضداد والخصوم ومعرفة العلم الباطني"٣. يقول الدكتور محمد الخطيب معلقاً على تلك التأويلات الباطنية: "وهكذا نتبين أن جميع الفرائض والعبادات الإسلامية لا اعتبار لها عند هذه الطائفة بأفعالها وأعمالها الظاهرة، وإنما ذِكْر بعض الأشخاص يغني عن كل هذه الأعمال التي يقوم بها الجهلة المقصرون من أهل الظاهر. وهذا يفسر لنا عدم وجود المساجد في قراهم ومدنهم؛ حيث يقيمون الصلاة في أماكن خاصة وسرية؛ لأن الصلاة _كما ذكرنا من قبل_ لا تُؤدَّى وفق الأسلوب المعروف عند المسلمين، ولكنها مجموعة رموز تدل على أشخاص معينين يرددها النصيري في مواقف العبادة والابتهال"٤. ويضيف قائلاً: "ولهذا فهم لا يشترطون الطهارة في صلاتهم هذه؛ فالجماع،

стр. 37

والاحتلام لا يفسدان الطهارة، وإنما الذي يفسدها موالاة الأضداد، والجهل بالعلم الباطني؛ فتكون الطهارة _إذن_ معاداة الأضداد، ومعرفة العلم الباطني"١. ٩_ يوم القيامة: "أما يوم القيامة عندهم فهو ظهور القائم محمد بن الحسن العسكري الذي يقتل جميع أعدائهم"٢. تاسعاً: مثال من تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة عند الصوفية: يقول عبد الكريم الجيلي، وهو من أهل وحدة الوجود، والقائلين بوحدة الأديان: وأسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى ... ومالي عن حكم الحبيب تنازعُ فطوراً تراني في المساجد راكعاً ... وأنيَ طوراً في الكنائس راتعُ إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً ... فإنيَ في حكم الحقيقة طائع٣ يقول إذا كانت الشريعة تحظر علي أن أجمع بين تلك الأديان على تباينها _ فإن حكم الحقيقة علي هو أني طائع لا عاص. وسيأتي مزيد أمثلة على ذلك في المبحث الآتي الحلول والاتحاد.

стр. 38

الحلول والاتحاد هاتان اللفظتان تردان كثيراً في كتب العقائد، وهما من المصطلحات الصوفية والباطنية؛ فتردان في كتبهم، وفي كتب من يتعرضون للرد عليهم. كما أنهما تردان في كتب الأديان الباطلة كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما. فما معنى هاتين اللفظتين، وما الفرق بينهما، وأيهما أشد ضلالاً؟ الجواب سيتضح من خلال ما يلي: أولاً: معنى الحلول: الحلول في اللغة يطلق على عدة معان منها: النزول، والوجوب، والبلوغ١. ومعناه في الاصطلاح العام: أن يحل أحد الشيئين في الآخر. وهو حلول سَرَياني، وحلول جواري. يقول الجرجاني ﵀: "الحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد؛ فيُسمى الساري حالاًّ، والمسري فيه محلاًّ. الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر كحلول الماء في الكوز"٢. هذا هو الحلول: إثبات لوجودين، وحلول أحدهما في الآخر. ويراد منه باصطلاح القائلين به من الصوفية وغيرهم: حلول الله _ _

стр. 39

في مخلوقاته، أو بعض مخلوقاته. وهو على قسمين _ كما سيأتي بيانه _. ثانياً: معنى الاتحاد: معناه: كون الشيئين شيئاً واحداً. قال الجرجاني ﵀: "الاتحاد: امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئاً واحداً"١. ومعناه باصطلاح القائلين به: اتحاد الله _ _ بمخلوقاته، أو ببعض مخلوقاته. أي اعتقاد أن وجود الكائنات أو بعضها هو عين وجود الله _ تعالى _. وهو على قسمين _ كما سيأتي بيان ذلك _. ثالثاً: الفرق بين الحلول والاتحاد: الفرق بينهما يتلخص فيما يلي: ١_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد. ٢_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال. ولهذا؛ فإن القائلين بالحلول غير القائلين بالاتحاد. رابعاً: أمثلة يتبين بها الفرق بين الحلول والاتحاد: هناك أمثلة كثيرة منها: السُّكَّر إذا وضعته في الماء دون تحريك فهو حلول؛ لأنه ثَمَّ ذاتان، أما إذا حركته، فذاب في الماء صار اتحاداً؛ لأنه لا يقبل أن ينفصل مرة أخرى. أما لو وضعت شيئاً آخر في الماء كأن تضع حصاة فهذا يسمى حلولاً لا اتحاداً؛ لأنها أصبحت هي والماء شيئين قابلين للانفصال.

стр. 40

مثال آخر يجتمع فيه الأمران: ورق الشاي التي توضع في الماء المغلي؛ فبمجرد وضعها وتحريكها يتغير لون الماء ويصبح شاياً، لا ماءاً. فهو بهذا الاعتبار اتحاد؛ لأن الماء والشاي لا يمكن أن ينفصلا. وورقة الشاي يمكنك رفعها وفصلها؛ فالحالة _ بهذا الاعتبار _ حلول لا اتحاد١. خامساً: أقسام الحلول: ينقسم الحلول _ كما مر _ إلى قسمين: ١_ حلول عام: هو اعتقاد أن الله _ تعالى _ قد حل في كل شيء. ولكن ذلك الحلول من قبيل حلول اللاهوت _أي الإله الخالق_ بالناسوت _أي المخلوق_ مع وجود التباين بمعنى أنه ليس متحداً بمن حل فيه، بل هو في كل مكان مع الانفصال؛ فهو إثبات لوجودين. وهذا قول الجهمية، ومن شاكلهم. ٢_ حلول خاص: وهو اعتقاد أن الله _ جل وعلا _ قد حل في بعض مخلوقاته. مع اعتقاد وجود خالق ومخلوق. وذلك كاعتقاد بعض فرق النصارى أن اللاهوت _الله_ حل بالناسوت _عيسى_ وأن عيسى _عليه السلام_ كان له طبيعتان: لاهوتية لما كان يتكلم بالوحي، وناسوتية عندما صلب وهكذا ... وكذلك اعتقاد بعض غلاة الرافضة _ كالنصيرية _ أن الله _ _ حل في علي بن أبي طالب ﵁ وأنه هو الإله؛ حيث حلت فيه الألوهية.
следующие страницы →