السليمانية "أولها الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وعلى جميع الطوائف المعتقدين بأن علي بن أبي طالب أو الأنبياء، أكلوا، أو شربوا، أو تزوجوا، أو ولدوا من نساء؛ لأن النصيرية يعتقدون بأنهم نزلوا من السماء بدون أجسام، وأن الأجسام التي كانوا فيها إنما هي أشياء، وليست هي بالحقيقة أجسام.
والنوع الثاني إخفاء مذهبهم عن غيرهم، ولا يظهرونه ولو أصبحوا في أعظم خطر، ولو خطر الموت"١.
٧_ الجنابة: "هي موالاة الأضداد والخصوم والجهل بالعلم الباطني"٢.
٨_ الطهارة: "هي معاداة الأضداد والخصوم ومعرفة العلم الباطني"٣.
يقول الدكتور محمد الخطيب معلقاً على تلك التأويلات الباطنية: "وهكذا نتبين أن جميع الفرائض والعبادات الإسلامية لا اعتبار لها عند هذه الطائفة بأفعالها وأعمالها الظاهرة، وإنما ذِكْر بعض الأشخاص يغني عن كل هذه الأعمال التي يقوم بها الجهلة المقصرون من أهل الظاهر.
وهذا يفسر لنا عدم وجود المساجد في قراهم ومدنهم؛ حيث يقيمون الصلاة في أماكن خاصة وسرية؛ لأن الصلاة _كما ذكرنا من قبل_ لا تُؤدَّى وفق الأسلوب المعروف عند المسلمين، ولكنها مجموعة رموز تدل على أشخاص معينين يرددها النصيري في مواقف العبادة والابتهال"٤.
ويضيف قائلاً: "ولهذا فهم لا يشترطون الطهارة في صلاتهم هذه؛ فالجماع،
стр. 37
والاحتلام لا يفسدان الطهارة، وإنما الذي يفسدها موالاة الأضداد، والجهل بالعلم الباطني؛ فتكون الطهارة _إذن_ معاداة الأضداد، ومعرفة العلم الباطني"١.
٩_ يوم القيامة: "أما يوم القيامة عندهم فهو ظهور القائم محمد بن الحسن العسكري الذي يقتل جميع أعدائهم"٢.
تاسعاً: مثال من تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة عند الصوفية:
يقول عبد الكريم الجيلي، وهو من أهل وحدة الوجود، والقائلين بوحدة الأديان:
وأسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى ... ومالي عن حكم الحبيب تنازعُ
فطوراً تراني في المساجد راكعاً ... وأنيَ طوراً في الكنائس راتعُ
إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً ... فإنيَ في حكم الحقيقة طائع٣
يقول إذا كانت الشريعة تحظر علي أن أجمع بين تلك الأديان على تباينها _ فإن حكم الحقيقة علي هو أني طائع لا عاص.
وسيأتي مزيد أمثلة على ذلك في المبحث الآتي الحلول والاتحاد.
стр. 38
الحلول والاتحاد
هاتان اللفظتان تردان كثيراً في كتب العقائد، وهما من المصطلحات الصوفية والباطنية؛ فتردان في كتبهم، وفي كتب من يتعرضون للرد عليهم.
كما أنهما تردان في كتب الأديان الباطلة كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما.
فما معنى هاتين اللفظتين، وما الفرق بينهما، وأيهما أشد ضلالاً؟
الجواب سيتضح من خلال ما يلي:
أولاً: معنى الحلول: الحلول في اللغة يطلق على عدة معان منها: النزول، والوجوب، والبلوغ١.
ومعناه في الاصطلاح العام: أن يحل أحد الشيئين في الآخر.
وهو حلول سَرَياني، وحلول جواري.
يقول الجرجاني ﵀: "الحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد؛ فيُسمى الساري حالاًّ، والمسري فيه محلاًّ.
الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر كحلول الماء في الكوز"٢.
هذا هو الحلول: إثبات لوجودين، وحلول أحدهما في الآخر.
ويراد منه باصطلاح القائلين به من الصوفية وغيرهم: حلول الله _ _
стр. 39
في مخلوقاته، أو بعض مخلوقاته.
وهو على قسمين _ كما سيأتي بيانه _.
ثانياً: معنى الاتحاد: معناه: كون الشيئين شيئاً واحداً.
قال الجرجاني ﵀: "الاتحاد: امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئاً واحداً"١.
ومعناه باصطلاح القائلين به: اتحاد الله _ _ بمخلوقاته، أو ببعض مخلوقاته.
أي اعتقاد أن وجود الكائنات أو بعضها هو عين وجود الله _ تعالى _.
وهو على قسمين _ كما سيأتي بيان ذلك _.
ثالثاً: الفرق بين الحلول والاتحاد: الفرق بينهما يتلخص فيما يلي:
١_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد.
٢_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال.
ولهذا؛ فإن القائلين بالحلول غير القائلين بالاتحاد.
رابعاً: أمثلة يتبين بها الفرق بين الحلول والاتحاد: هناك أمثلة كثيرة منها: السُّكَّر إذا وضعته في الماء دون تحريك فهو حلول؛ لأنه ثَمَّ ذاتان، أما إذا حركته، فذاب في الماء صار اتحاداً؛ لأنه لا يقبل أن ينفصل مرة أخرى.
أما لو وضعت شيئاً آخر في الماء كأن تضع حصاة فهذا يسمى حلولاً لا اتحاداً؛ لأنها أصبحت هي والماء شيئين قابلين للانفصال.
стр. 40
مثال آخر يجتمع فيه الأمران: ورق الشاي التي توضع في الماء المغلي؛ فبمجرد وضعها وتحريكها يتغير لون الماء ويصبح شاياً، لا ماءاً.
فهو بهذا الاعتبار اتحاد؛ لأن الماء والشاي لا يمكن أن ينفصلا.
وورقة الشاي يمكنك رفعها وفصلها؛ فالحالة _ بهذا الاعتبار _ حلول لا اتحاد١.
خامساً: أقسام الحلول: ينقسم الحلول _ كما مر _ إلى قسمين:
١_ حلول عام: هو اعتقاد أن الله _ تعالى _ قد حل في كل شيء.
ولكن ذلك الحلول من قبيل حلول اللاهوت _أي الإله الخالق_ بالناسوت _أي المخلوق_ مع وجود التباين بمعنى أنه ليس متحداً بمن حل فيه، بل هو في كل مكان مع الانفصال؛ فهو إثبات لوجودين.
وهذا قول الجهمية، ومن شاكلهم.
٢_ حلول خاص: وهو اعتقاد أن الله _ جل وعلا _ قد حل في بعض مخلوقاته.
مع اعتقاد وجود خالق ومخلوق.
وذلك كاعتقاد بعض فرق النصارى أن اللاهوت _الله_ حل بالناسوت _عيسى_ وأن عيسى _عليه السلام_ كان له طبيعتان: لاهوتية لما كان يتكلم بالوحي، وناسوتية عندما صلب وهكذا ...
وكذلك اعتقاد بعض غلاة الرافضة _ كالنصيرية _ أن الله _ _ حل في علي بن أبي طالب ﵁ وأنه هو الإله؛ حيث حلت فيه الألوهية.
стр. 41
وذلك من عقائدهم الأساسية.
ولهذا تراهم يمجدون قاتله ابن ملجم، ويحبونه، ويخطِّؤون من يلعنه، أو يذكره بسوء.
وهذا من المفارقات العجيبة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب؛ فلماذا يحبون ابن ملجم مع أنه قتل علي بن أبي طالب الذي يؤلهونه ويعبدونه من دون الله؟
الجواب: أنهم يزعمون أنه خلص اللاهوت من الناسوت بقتله، وبذلك تخلص اللاهوت من ظلمة الجسد، وكدره!! ١
وكذلك الحال بالنسبة للدروز القائلين بألوهية الحاكم بأمر الله فهم يعتقدون أن له حقيقةً لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، ولا تعرف بالرأي ولا بالقياس مهما حاول الإنسان أن يعرف كنهها؛ لأن هذا اللاهوت ليس له مكان، ولكن لا يخلو منه مكان، وليس بظاهر كما أنه ليس بباطن حتى إنه لا يوجد اسم من الأسماء، ولا صفة من الصفات يطلق عليه!!
ويرون أن الناسوت لا ينفصل عن اللاهوت؛ وذلك أن الحجاب هو المحجوب، والمحجوب هو الحجاب؛ فالناسوت في اللاهوت مثل الخط من المعنى٢.
وقل مثل ذلك في اعتقاد بعض طوائف الصوفية أن الله _ _ قد حل في بعض مشايخهم.
стр. 42
سادساً: أقسام الاتحاد: الاتحاد أو وحدة الوجود _ كما مر _ ينقسم إلى قسمين:
١_ الاتحاد العام: وهو اعتقاد كون الوجود هو عين الله _ _.
بمعنى أن الخالق متحد بالمخلوقات جميعها.
وهذا هو معنى وحدة الوجود، والقائلون به يسمون الاتحادية، أو أهل وحدة الوجود كابن الفارض، وابن عربي، وغيرهما.
يقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ عن ابن الفارض: "يؤمن هذا الصوفي ببدعة الاتحاد، أو الوحدة سمها بما شئت، بصيرورة العبد رباً، والمخلوق خلاقاً، والعدم الذاتي الصرف وجوداً واجباً.
وإذا شئت الحق في صريح من القول، فقل: هو مؤمن ببدعة الوحدة، تلك الأسطورة التي يؤمن كَهَنَتُها بأن الرب الصوفي تعين بذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله في صورة مادية، أو ذهنية، فكان حيواناً وجماداً وإنساً وجناً وأصناماً وأوثاناً.
وكان وهماً وظناً وخيالاً، وكانت صفاته وأسماؤه وأفعاله عينَ ما لتلك الأشياء من صفات وأسماء وأفعال؛ لأنها هي هو في ماهيته ووجوده المطلق، أو المقيد، وكل ما يقترفه البُغاة من خطايا، وما تنهش الضاريات من لحوم، أو تَعْرَق من عظام فهو فعل الرب الصوفي، وخطيئته وجرمه"١.
ثم تناول ﵀ قصيدة ابن الفارض التائية المليئة بما يقرر وحدة الوجود بشيء
стр. 43
من الشرح والتحليل.
ومن ذلك قول ابن الفارض مقرراً عقيدة وحدة الوجود:
جَلَتْ في تجليها الوجودَ لناظري ... ففي كل مرئيٍّ أراها برؤية
فهو يزعم أن الذات الإلهية هتكت عنه حجب الغَيْريَّة، وجلت له الحق المغيب، فرأى حقيقة الله متعينة بذاتها في كل مظاهر الوجود.
ويقول:
فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفُها ... وهيئتها _ إذ واحدٌ نحن _ هيئتي
يزعم أن كل ما وصف به الله نفسه فالموصوف به على الحقيقة هو ابن الفارض؛ لأنه الوجود الإلهي الحق في أزليته، وأبديته، وديموميته، وسرمديته.
ويقول:
فإن دُعيَتْ كنتُ المجيبَ وإن أكن ... منادى أجابت من دعاني ولبتِ
ويقول _ وبئس ما يقول _:
وكلُّ الجهات الستِّ نحوي توجهت ... بما تمَّ من نسك وحجٍ وعمرةِ
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها ليَ صلتِ
إلى أن يقول _ قبحه الله _:
ففي النشأة الأولى تراءت لآدم ... بمظهر حوَّا قبل حكم البنوةٍ
وتظهر للعشاق في كل مظهرٍ ... من اللبسْ في أشكال حُسْنٍ بديعةِ
ففي مرة لبنى وأخرى بثينة ... وآونة تُدعى بعَزَّة عَزَّتِ
يزعم أن ربه ظهر لآدم في صورة حواء، ولقيس في صورة لبنى، ولجميل في
стр. 44
صورة بثينة، ولكثيِّر في صورة عزَّة.
فما حواء أم البشر إلا الحقيقة الإلهية، وما أولئك العشاق سَكِرت على شفافههن خطايا القبل المحرمة، وتهاوت بُنْيَةُ اللهفة الجسدية الثائرة تحت شهوات العشاق، ما أولئك جميعاً سوى رب الصوفية تجسد في صور غَوَانٍ تطيش بهُدَاهُنَّ نزوةٌ وَلْهَى، أو نشوةٌ سكرى، أو رغبة تتلظى في عين عاشق!! ١.
ومن أهل وحدة الوجود ابن عربي، ومن أقواله في ذلك:
العبد ربٌّ والرب عبدٌ ... يا ليت شعريْ مَن المكلف
إن قلت: عبدٌ فذاك ربٌّ ... أو قلت: ربٌّ أنَّى يكلف٢
وقوله: "سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"٣.
وقوله: "إن العارف من يرى الحق _ الله _ في كل شيء، بل يراه عين كل شيء"٤.
٢_ الاتحاد الخاص: هو اعتقاد أن الله _ _ اتحد ببعض المخلوقات دون بعض.
فالقائلون بذلك نزهوه من الاتحاد بالأشياء القذرة القبيحة، فقالوا إنه اتحد بالأنبياء، أو الصالحين، أو الفلاسفة، أو غيرهم.
فصاروا هم عين وجود الله _ جل وعلا _.
стр. 45
كقول بعض فرق النصارى: إن اللاهوت اتحد بالناسوت، فصارا شيئاً واحداً.
وهذا بخلاف القائلين بالحلول فهم يرون أن له طبيعتين لاهوتيةً وناسوتيةً.
فالاتحادية قالوا بواحد، والحلولية قالوا باثنين.
ولا ريب أن القول بالحلول أو الاتحاد أعظم الكفر والإلحاد عياذاً بالله.
ولكن الاتحاد أشد من الحلول؛ لأنه اعتقاد ذات واحدة، بخلاف الحلول _كما مر_.
ثم إن القول بأنه اتحد في كل شيء أعظم من القول بأنه اتحد في بعض مخلوقاته.
وبالجملة فإن اعتقاد الحلول والاتحاد اعتقاد ظاهر البطلان، وقد جاء الإسلام بمحوه من عقول الناس؛ لأنه اعتقاد مأخوذ من مذاهب، وفلسفات ووثنيات هندية، ويونانية، ويهودية ونصرانية، وغيرها تقوم على الدجل، والخرافة.
стр. 46
الصفات الثبوتية والمنفية والذاتية والفعلية والعقلية
ترد هذه المصطلحات كثيراً في باب الصفات، وفيما يلي تعريف بكل واحد منها:
١_ الصفات الثبوتية: هي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله" وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء، واليدين، والوجه، فيجب إثباتها لله على الوجه اللائق به.
٢_ الصفات المنفية: وتسمى السلبية: وهي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله "مثل الصمم، والنوم، وغير ذلك من صفات النقص، فيجب نفيها عن الله.
٣_ الصفات الذاتية: هي التي لم يزل الله ولا يزال متصفاً بها، وهي التي لا تنفك عنه _سبحانه وتعالى_ كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والوجه، واليدين.
٤_ الصفات الفعلية: وتسمى الاختيارية، وهي التي تتعلق بمشيئة الله، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، وتتجدد حسب المشيئة كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية وفعلية باعتبارين، كالكلام؛ فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء.
وكل صفة تعلقت بمشيئته _تعالى_ فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة
стр. 47
معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه _سبحانه_ لا يشاء إلا وهو موافق لحكمته، كما يشير إليه قوله _تعالى_: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الإنسان:٣٠] .
٥_ الصفات العقلية: وهي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أغلب صفات الله _ تعالى _ مثل صفة السمع، والبصر، والقوة، والقدرة، وغيرها.
٦_ الصفات الخبرية: وهي التي لا تعرف إلا عن طريق النص، فطريق معرفتها النص فقط، مع أن العقل السليم لا ينافيها، مثل صفة اليدين، والنزول إلى السماء الدنيا.
стр. 48
الصفات السلبية والصفات الإضافية والصفات المركبة
هذه المصطلحات ترد في كتب العقائد خصوصاً في معرض الرد والمناقشة للمعطلة النفاة لصفات الرب _ ﷻ _.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومذهب النفاة من هؤلاء أن الرب ليس له إلا صفات سلبية، أو إضافية، أو مركبة منها"١.
وفيما يلي بيان لمعنى وضابط كل واحدٍ من هذه الصفات.
أولاً: الصفات السلبية: السلبية من سلب الشيء سلباً، والسلب: هو النفي بإدخال أحد أدوات النفي ليس، ولا، وما على القول بحيث تجعل معناه دالاً على السلب أي النفي.
مثال ذلك: قول النفاة في صفات الرب: ليس بسميع، ولا بصير، ولا مستوٍ على العرش.
وقول غلاتهم: لا موجود، ولا معدوم، ولا داخل العالم، ولا خارجه.
هذا هو السلب.
أما ضابط الصفة السلبية عند النفاة: فهي الصفة التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلاً، وإنما على المعنى السلبي غير الثبوتي.
وبعبارة أخرى: هي التي تدل على أمر مسلوب _ أي منفي _ لا على أمر ثبوتي.
стр. 49
أو يقال: هي التي تدل على سلب ما لا يليق بالله من الله.
مثال ذلك: العلم وهو من صفات الله _ _ وهو أمر ثبوتي يعني اتصاف الله _عز وجل_ بالعلم.
لكن النفاة يقولون: معناه: انتفاء الجهل لا ثبوت العلم.
وبعبارة أخرى: ليس بجاهل، لا أنه عالم.
مثال ثانٍ: قولهم: إن الله واحد يعني أنه مسلوب عنه القسمة بالكم، أو مسلوب عنه ذلك بالتعدد أو التجزؤ، يعني ليس باثنين، ولا واحداً يتجزأ.
مثال ثالث: القِدَم: يدل على عدم سبق العدم.
مثال رابع: البقاء: يدل على عدم لحوق الفناء، وهكذا ...
والصفات السلبية عند الأشاعرة خمس: القدم، والبقاء، والوحدانية، والمخالفة للحوادث، والغنى المطلق المعروف عندهم بـ: القيام بالنفس.
هذه هي الصفات السلبية وضوابطها.
وهناك صفات سلبية غير السلبية التي اصطلح عليها الأشاعرة والتي تقدم الحديث عنها.
ويُقصَد بالسلبية هنا: الصفات التي تدخل عليها: لا، وما، وليس مما هو كثير الورود في القرآن الكريم.
ولا يقصد به ما يقصده النفاة من وصف الله _ _ بالسلوب أي النفي فحسب، وإنما يقع لتضمنه كمال ضد الصفة المنفية، وإلا فالنفي المحض عدم، والعدم لا مدح فيه بوجه من الوجوه.
стр. 50
مثال ذلك قوله _ تعالى _: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] لكمال عدله.
وقوله _ _: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] لكمال علمه واطلاعه.
وقوله _ ﵎ _: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قوته.
وقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته.
وقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لكمال جلاله، وعظمته، وكبريائه، وهكذا ...
وقد مرت الإشارة إلى هذا في المبحث الماضي عند الحديث عن الصفات المنفية.
ثانياً: الصفات الإضافية: هي صفات اعتبارية لا وجود لها في المثال ذلك قوله _ تعالى _: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] لكمال عدله.
وقوله _ _: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] لكمال علمه واطلاعه.
وقوله _ ﵎ _: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قوته.
وقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته.
وقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لكمال جلاله، وعظمته، وكبريائه، وهكذا ...
وقد مرت الإشارة إلى هذا في المبحث الماضي عند الحديث عن الصفات المنفية.
ثانياً: الصفات الإضافية: هي صفات اعتبارية لا وجود لها في الخارج، ولا تعقل إلا بتعقل ما يقابلها، كالأولوية باعتبار أن المخلوقات بعده.
وبعبارة أخرى: هي التي تدل على صفة مضافة إلى الغير، مثال ذلك: الخلق؛ فليس معناه عند النفاة ثبوت صفة الخلق، وإنما معناه: وجود مخلوق له.
وكذلك الإحياء، والإماتة، وهكذا كل صفة فعلية متعدية.
ثالثاً: الصفات المركبة من السلبية والإضافية: وهي التي تكون سلبية باعتبار، وإضافية باعتبار آخر.
مثال ذلك: اسم الأول فليس معناه عند النفاة تضمنه ثبوت صفة الأولية، وإنما معناه انتفاء الحدوث عنه يعني أنه ليس بحادث، وهي بهذا المعنى سلبية منفية.
ومعناه _ كذلك _ أن الأشياء كائنة بعده، وهي بهذا المعنى إضافية.
خارج، ولا تعقل إلا بتعقل ما يقابلها، كالأولوية باعتبار أن المخلوقات بعده.
وبعبارة أخرى: هي التي تدل على صفة مضافة إلى الغير، مثال ذلك: الخلق؛ فليس معناه عند النفاة ثبوت صفة الخلق، وإنما معناه: وجود مخلوق له.
وكذلك الإحياء، والإماتة، وهكذا كل صفة فعلية متعدية.
ثالثاً: الصفات المركبة من السلبية والإضافية: وهي التي تكون سلبية باعتبار، وإضافية باعتبار آخر.
مثال ذلك: اسم الأول فليس معناه عند النفاة تضمنه ثبوت صفة الأولية، وإنما معناه انتفاء الحدوث عنه يعني أنه ليس بحادث، وهي بهذا المعنى سلبية منفية.
ومعناه _ كذلك _ أن الأشياء كائنة بعده، وهي بهذا المعنى إضافية.
стр. 51
وبمجموعهما صارت مركبة، وهكذا ...
_ ما الذي جعل النفاة لا يصفون الله _ _ بالصفات الثبوتية، وإنما يصفونه بالصفات السلبية، أو الإضافية، أو المركبة؟
لأنهم يزعمون أن ثبوت الصفات يقتضي أن الله مشابه لخلقه؛ ولهذا وصفوه بالصفات السلبية، أو الإضافية، أو المركبة منها.
стр. 52
الذات، والشيء، والماهية، والحقيقة
ترد هذه الألفاظ في كتب العقائد كثيراً، ومعانيها متقاربة، وذلك كما يلي:
١_ الذات: ذات الشيء: نفسه وعينه، والذات أعم من الشخص؛ لأن الذات يطلق على الجسم وغيره، والشخص لا يطلق إلا على الجسم.
٢_ الشيء: في اللغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه عند سيبويه، وقيل عبارة عن الوجود.
وفي الاصطلاح: هو الموجود، والثابت المتحقق في الخارج.
٣_ الماهية: تطلق على الأمر المتعلقِ، وماهيةُ الشيءِ: ما به الشيء هو هو.
٤_ الحقيقة: حقيقة الشيء: ما به الشيء هو هو كالحيوان الناطق بالنسبة للإنسان.
وتطلق الحقيقة على كل لفظ يبقى في موضوعه، وتطلق على مقابلة المجاز؛ فتكون الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب.
стр. 53
مسائل أحدثها المتكلمون
الكلمات المُجْمَلة:
يَرِدُ في كتب العقائد مصطلح الكلمات المجملة.
فما المقصود بها؟ وما معنى كونها مجملة؟ وما المراد من إطلاقها؟ وما الذي دعى إلى إطلاقها؟ وهل وردت في الكتاب والسنة؟ وما طريقة أهل السنة في التعامل مع هذه الألفاظ؟
والإجابة عن هذه الأسئلة ستكون على النحو التالي:
أ_ المقصود بالكلمات المجملة: أنها ألفاظ يطلقها أهل التعطيل.
أو: هي مصطلحات أحدثها أهل الكلام.
ب_ ومعنى كونها مجملة: لأنها تحتمل حقاً وباطلاً.
أو يقال: لأنها ألفاظ مُشتركة بين معانٍ صحيحة، ومعانٍ باطلة.
أو يقال لخفاء المراد منها؛ بحيث لا يدرك معنى اللفظ إلا بعد الاستفصال والاستفسار.
ج_ ومراد أهل التعطيل من إطلاقها: التوصل إلى نفي الصفات عن الله _تعالى_ بحجة تنزيهه عن النقائص.
د_ والذي دعاهم إلى ذلك: عجزهم عن مقارعة أهل السنة بالحجة؛ فلجؤوا إلى هذه الطريقة؛ ليخفوا عوارهم، وزيفهم.
هـ_ وهذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة؛ بل هي من إطلاقات أهل الكلام.
стр. 54
و_ وطريقة أهل السنة في التعامل مع هذه الكلمات: أنهم يتوقفون في هذه الألفاظ؛ لأنه لم يرد نفيها، ولا إثباتها في الكتاب والسنة؛ فلا يثبتونها، ولا ينفونها.
أما المعنى الذي تحت هذه الألفاظ فإنهم يستفصلون عنه، فإن كان معنى باطلاً يُنَزَّه الله عنه رَدُّوه، وإن كان معنى حقاً لا يمتنع على الله قبلوه، واستعملوا اللفظ الشرعي المناسب للمقام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما تنازع فيه المتأخرون نفياً أو إثباتاً فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ، أو نفيه حتى يعرف مراده.
فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يُردَّ جميع معناه، بل يوقف اللفظ، ويفسر المعنى"١.
وإليك فيما يلي نماذج وأمثلة لبعض الألفاظ المجملة:
١_ الجهة.
٢_ الحد.
٣_ الأعراض.
٤_ الأبعاض أو الأعضاء والأركان والجوارح.
٥_ الأغراض
٦_ حلول الحوادث بالله _تعالى_.
стр. 55
٧_التسلسل.
وإليك فيما يلي من صفحات ودراسة تفصيلاً لهذه الألفاظ، وما يراد بها، وجواب أهل السنة المفصل على ذلك.
стр. 56
دراسة موجزة لبعض الكلمات المجملة
أولاً: الجهة: هذه اللفظة من الكلمات المجملة التي يطلقها أهل التعطيل، فما معناها في اللغة؟ وما مرادهم من إطلاقها؟ وما التحقيق في تلك اللفظة؟ وهل هي ثابتة لله، أو منفية عنه؟
أ_ معنى الجهة في اللغة: تطلق على الموضع الذي تتوجه إليه، وتقصده، وتطلق على الطريق، وعلى كل شيء استقبلته، وأخذت فيه١.
ب_ ومراد أهل التعطيل من إطلاق لفظ الجهة: نفي صفة العلو عن الله _عز وجل_.
ج_ والتحقيق في هذه اللفظة: أن يقال: إن إطلاق لفظ الجهة في حق الله _سبحانه وتعالى_ أمر مبتدع لم يرد في الكتاب ولا السنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة.
وبناءاً على هذا لا يصح إطلاق الجهة على الله _ _ لا نفياً ولا إثباتاً، بل لا بد من التفصيل؛ لأن هذا المعنى يحتمل حقاً، ويحتمل باطلاً.
فإن أريد بها جهةَ سفلٍ فإنها منتفية عن الله، وممتنعة عليه _أيضا_ فإن الله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض؟
وإن أريد بالجهة أنه في جميع الجهات، وأنه حالٌّ في خلقه، وأنه بذاته في كل
стр. 57
مكان _ فإن ذلك ممتنع على الله، منتفٍ في حقه.
وإن أريد نفي الجهة عن الله كما يقول أهل التعطيل حيث يقولون: إن الله ليس في جهة، أي ليس في مكان، فهو لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق، ولا تحت _ فإن ذلك _أيضاً_ ممتنع على الله، منتفٍ في حقه؛ إذ إن ذلك وصف له بالعدم المحض.
وإن أريد بالجهة أنه في جهة علوٍّ تليق بجلاله، وعظمته من غير إحاطة به، ومن غير أن يكون محتاجاً لأحد من خلقه _ فإن ذلك حق ثابت له، ومعنى صحيح دلت عليه النصوص، والعقول، والفطر السليمة.
ومعنى كونه في السماء _كما في قوله _تعالى_: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ، أي في جهة العلو، أو أن في بمعنى على، أي على السماء، كما قال _ تعالى _: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل.
وبهذا التفصيل يتبين الحق من الباطل في هذا الإطلاق.
أما بالنسبة للفظ فكما سبق لا يُثبت ولا يُنفى، بل يجب أن يستعمل بدلاً عنه اللفظ الشرعي، وهو العلو، والفوقية١.
ثانياً: الحد: وهذا _ أيضاً _ من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل التعطيل.
فما معنى الحد في اللغة؟ وماذا يريد أهل التعطيل من إطلاقه؟ وما شبهتهم في ذلك؟ وما جواب أهل السنة؟
أ_ معنى الحد في اللغة: يطلق على الفَصْل، والمنع، والحاجز بين الشيئين الذي
стр. 58
يمنع اختلاط أحدهما بالآخر.
يقال: حددت كذا، جعلت له حداً يميزه.
وحدُّ الدار ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه، المميز له عن غيره١.
ب_ وأهل التعطيل يريدون من إطلاق لفظ الحد نفي استواء الله على عرشه.
ج_ وشبهتهم في ذلك: أنهم يقولون: لو أثبتنا استواء الله على عرشه للزم أن يكون محدوداً؛ لأن المستوي على الشيء يكون محدوداً؛ فالإنسان _مثلاً_ إذا استوى على البعير صار محدوداً بمنطقة معينة، محصوراً بها، وعلى محدود _أيضاً_ زهز ظهر البعير.
وبناءاً على ذلك فهم ينفون استواء الله على عرشه ويرون أنهم ينزهون الله _عز وجل_ عن الحد، أو الحدود.
د_ جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن لفظ الحد لم يرد في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام سلف الأمة؛ فهو _ إذاً _ لفظ مبتدع حادث.
وليس لنا أن نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله "لا نفياً، ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون.
هذا بالنسبة للفظ.
أما بالنسبة للمعنى فإننا نستفصل _كالعادة_ ونقول ماذا تريدون بالحد؟
стр. 59
إن أردتم بالحد أن الله _ _ محدود، أي متميز عن خلقه، منفصل عنهم، مباين لهم _ فهذا حق ليس فيه شيء من النقص، وهو ثابت لله بهذا المعنى.
وإن أردتم بكونه محدوداً أن العرش محيط به وأنتم تريدون نفي ذلك عنه بنفي استوائه عليه _ فهذا باطل، وليس بلازم صحيح؛ فإن الله _تعالى_ مستوٍ على عرشه، وإن كان _ _ أكبر من العرش ومن غير العرش.
ولا يلزم من كونه مستوياً على العرش أن يكون العرش محيطاً به؛ لأن الله _ _ أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه١.
ثالثاً: الأعراض: هذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل الكلام ومن أقوالهم في ذلك: "نحن نُنَزِّه الله _تعالى_ من الأعراض والأغراض، والأبعاض، والحدود، والجهات".
ويقولون: "سبحان من تنزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض".
والحديث في الأسطر التالية سيكون حول لفظ الأعراض أما بقية الألفاظ فسيأتي ذكرها فيما بعد.
أ_ تعريف الأعراض في اللغة: الأعراض جمع عَرَض، والعَرض هو ما لا ثبات.
أو هو: ما ليس بلازم للشيء.
стр. 60
أو هو: ما لا يمتنع انفكاكه عن الشيء١.
ومن الأمثلة على ذلك: الفرح بالنسبة للإنسان فهو عَرَض؛ لأنه لا ثبات، بل هو عارض يعرض ويزول.
وكذلك الغضب، والرضا.
ب_ العَرَض في اصطلاح المتكلمين: قال الفيومي: "العَرَض عند المتكلمين ما لا يقوم بنفسه، ولا يوجد إلا في محل يقوم به"٢.
وقال الراغب الأصفهاني: "والعرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العَرَض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والمطعم"٣.
ج_ ما مراد المتكلمين من قولهم: "إن الله منزه عن الأعراض؟ ": مرادهم من ذلك نفي الصفات عن الله _ تعالى _ لأن الأعراض عندهم هي الصفات.
د_ ما شبهتهم؟ يقولون: لأن الأعراض لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام متماثلة؛ فإثبات الصفات يعني أن الله جسم، والله منزه عن ذلك، وبناءاً عليه نقول بنفي الصفات؛ لأنه يترتب على إثباتها التجسيم، وهو وصف الله بأنه جسم، والتجسيم تمثيل، وهذا كفر وضلال؛ فهذه هي شبهة المتكلمين.
هـ _ الرد على أهل الكلام في هذه المسألة: الرد عليهم من وجوه:
١_ أن لفظة "الأعراض" لم ترد في الكتاب ولا في السنة في حق الله لا نفياً ولا إثباتاً، ولم ترد كذلك عن سلف الأمة.
стр. 61
وطريقة أهل السنة المعهودة في مثل هذه الألفاظ التوقف في اللفظ، فلا نثبت الأعراض، ولا ننفيها.
أما معناها فيُستَفْصَل عن مرادهم في ذلك، ويقال لهم: إن أردتم بالأعراض التي تقولون بنفيها عن الله ما يقتضي نقصاً في حق الله _تعالى_ كالحزن، والندم، والمرض، والخوف _ فإن المعنى صحيح، والله منزه عن ذلك؛ لأنه نقص، لا لأنها أعراض.
وإن أردتم نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات كالغضب، والفرح، والرضا، ونحوها؛ بحجة أنها أعراض _ فإن ذلك باطل مردود، ولا يلزم من إثباتها أي لازم.
٢_ أن الصفات الربانية ليست كلها أعراض، بل إن بعضها أعراض كالفرح، والغضب، وبعضها ليست أعراضاً، كبعض الصفات الذاتية كاليد، والوجه، والقدم، والساق؛ فهذه ليست أعراضاً، بل لازمة للذات لا تنفك عنها.
٣_ أن قولكم: "إن الأعراض لا تقوم إلا بجسم" قول باطل؛ فالأعراض قد تقوم بغير الجسم كما يقال: ليل طويل، فقولنا: طويل، وصف لـ: ليل، والليل ليس بجسم، ومثل ذلك: حر شديد، ومرض مؤلم، وبرد قارس.
٤_ أن القول بتماثل الأجسام قول باطل؛ فالأجسام غير متماثلة لا بالذوات ولا بالصفات، ولا بالحدوث؛ ففي الحجم تختلف الذرَّة عن الجمل، وفي الوزن يختلف جسم القيراط عن جسم القنطار، وفي الملمس يختلف الخشن عن الناعم، واللين عن القاسي، وهكذا.
стр. 62
٥_ أن لفظ الجسم من إحداث المتكلمين، وهذا اللفظ كقاعدة الألفاظ المجملة؛ فإن كان إثبات الصفات يلزم منه أن يكون جسماً في مفهومك فليس ذلك يضيرنا.
لكن إن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به فهذا حق؛ لأننا نؤمن بأن لله ذاتاً موصوفة بالصفات اللائقة بها.
فإن أردت بالجسم هذا المعنى فصحيح.
وإن أردت بالجسم الشيء المكوَّن من أعضاء، ولحم ودم المفتقر بعضه إلى بعض وما أشبه ذلك _ فباطل غير صحيح؛ لأنه يلزم أن يكون الله حادثاً أو مُحْدَثاً، وهذا أمر مستحيل، على أننا لا نوافق على إثبات الجسم، ولا نفيه؛ لأنه يحتمل حقاً وباطلاً.
رابعاً: الأبعاض: أو الأعضاء، أو الأركان، أو الجوارح: وهذه _ أيضاً _ من الكلمات المجملة التي تطلق وتحتمل حقاً وباطلاً؛ فإليك نبذة في معانيها، ومقصود أهل التعطيل من إطلاقها وجواب أهل السنة على تلك الدعوى.
أ_ معاني هذه الكلمات: معاني هذه الكلمات متقاربة من بعض.
-فالأبعاض: جمع لكلمة بعض، يقال: بعض الشيء أي جزؤه، وبعّضْتُ كذا أي جعلته أبعاضاً١.
-والأركان: جمع ركن، وركن الشيء قوامه، وجانبه القوي الذي يتم به، ويسكن إليه.
-والأجزاء: جمع جزء، والجزء ما يتركب الشيء عنه وعن غيره، وجزء
стр. 63
الشيء ما تقوم به جملتُه كأجزاء السفينة، وأجزاء البيت.
-والجوارح: مفردها الجارحة، وتسمى الصائدة من الكلاب والفهود والطيور جارحة؛ إما لأنها تجرح، وإما لأنها تكسب.
وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح؛ تشبيهاً بها لأحد هذين١.
-ويشبه هذه الألفاظ لفظ: الأعضاء، والأدوات، ونحوها.
ب_ مقصود أهل التعطيل من إطلاقها: مقصودهم نفي بعض الصفات الذاتية الثابتة لله بالأدلة القطعية، كاليد، والوجه، والساق، والقدم، والعين٢.
ج_ ما الذي دعاهم إلى نفيها؟ الذي دعاهم إلى نفي تلك الصفات هو اعتقادهم أنها بالنسبة للمخلوق أبعاض، وأعضاء، وأركان، وأجزاء، وجوارح، وأدوات، ونحو ذلك؛ فيرون _بزعمهم_ أن إثبات تلك الصفات لله يقتضي التمثيل، والتجسيم؛ فوجب عندهم نفيها فراراً من ذلك.
وقد لجؤوا إلى تلك الألفاظ المجملة؛ لأجل أن يروج كلامهم، ويلقى القبول.
د_ جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذه الصفات _ وإن كانت تعد في حق المخلوق أبعاضاً، أو أعضاءاً، وجوارح ونحو ذلك _ لكنها تعدُّ في حق الله صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ "فلا نخوض فيها بآرائنا وأهوائنا، بل نؤمن بها ونُمرُّها كما جاءت، ونفوض كنهها وحقيقتها إلى الله _عز وجل_ لعدم معرفتنا لحقيقة الذات؛ لأن حقيقة معرفة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، وهذه الصفات _أعني اليد، والساق ونحوها وكثير من
стр. 64
صفات الله_ قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ، وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف.
وبمجرد إضافتها تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق؛ فصفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، وربوبيته، وقيوميته.
وصفات المخلوق تليق بحدوثه، وضعفه، ومخلوقيته١.
وبناءاً على ذلك يقال لمن يطلق تلك الألفاظ المجملة السالفة: إن أردت أن تنفي عن الله _ _ أن يكون جسماً، وجثة، وأعضاءاً، ونحو ذلك فكلامك صحيح، ونفيك في محله.
وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له والتي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة _ فإن قولك باطل، ونفيك في غير محله.
هذا بالنسبة للمعنى.
أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعْدِل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة.
يقول شارح الطحاوية ﵀: "ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله _ تعالى _ هو الأحد، الصمد، لا يتجزأ _ _ والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية٢، تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله _ تعالى _: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] .
стр. 65
والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع؛ وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة.
وكل هذه المعاني منتفية عن الله _ تعالى _ ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله _تعالى_ فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة؛ فكذلك يجب أن لا يُعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً؛ لئلا يُثبت معنىً فاسدٌ، وأن ينفى معنى صحيح.
وكل هذه الألفاظ المجملة عُرضةٌ للمحق والمبطل"١.
خامساً: الأغراض: وهذا _أيضاً_ من إطلاقات المتكلمين، وإليك بعض التفصيل في هذا اللفظ.
أ_ الأغراض في اللغة: جمع غرض، والغرض هو الهدف الذي يرمى فيه، أو هو الهدف الذي ينصب فيرمى فيه.
والغرض يطلق في اللغة _ أيضاً _ على الحاجة، والبغية، والقصد٢.
ب_ الغرض في اصطلاح علماء الكلام: قيل: هو ما لأجله يصدر الفعل من الفاعل٣.
وقال الجلال الدواني: "الغرض هو الأمر الباعث للفاعل على الفعل، وهو المحرك الأول، وبه يصير الفاعل فاعلاً"٤.
стр. 66
وبذلك نرى توافق المعنى اللغوي والاصطلاحي للغرض، وأنه غاية الفاعل من فعله، وهو الباعث له على فعله١.
ج_ ماذا يريد أهل الكلام بهذه اللفظة؟ يريدون إبطال الحكمة في أفعال الله _عز وجل_ وشرعه.
د_ حجتهم في ذلك: يقول المتكلمون _وعلى وجه الخصوص الأشاعرة_: إننا ننزه الله عن الأغراض، فلا يكون له غرض فيما شرعه أو خلقه؛ فأبطلوا الحكمة من ذلك، وقرروا أن الله لم يشرع إلا لمجرد مشيئته فحسب؛ فإذا شاء تحريم شيء حرَّمه، أو شاء إيجابه أوجبه.
وقالوا: لو قررنا أن له حكمة فيما شرعه لوقعنا في محذورين:
الأول: أنه إذا كان لله غرض فإنه محتاج إلى ذلك الغرض؛ ليعود عليه من ذلك منفعة، والله منزه عن ذلك.
والثاني: أننا إذا عللنا الأحكام أي أثبتنا الحكمة والعلة لزم أن نوجب على الله ما تقتضيه الحكمة؛ لأن الحكم يدور مع علته؛ فنقع فيما وقع فيه المعتزلة من إيجاب الصلاح والأصلح على الله؛ لأن الغرض عند المعتزلة بمعنى الغاية التي فَعَل لها، وهم يوجبون أن يكون فعله معللاً بالأغراض.
هـ _ الرد عليهم:
١_ أن هذا اللفظ _الأغراض أو الغرض_ بِدْعِي لم يرد في حق الله لا في الكتاب ولا في السنة، ولا أطلقه أحد من أئمة الإسلام وأتباعهم؛ لأن هذه
стр. 67
الكلمة قد توهم النقص، ونفيها قد يفهم منه نفي الحكمة؛ فلا بد _ إذاً _ من التفصيل، والأولى أن يعبر بلفظ: الحكمة، والرحمة، والإرادة، ونحو ذلك مما ورد به النص١.
٢_ أن الغرض الذي ينزه الله عنه ما كان لدفع ضرر، أو جلب مصلحة له؛ فالله _ سبحانه _ لم يَخْلُقْ، ولم يَشْرَعْ لأن مصلحة الخلق والأمر تعود إليه، وإنما ذلك لمصلحة الخلق.
ولا ريب أن ذلك كمال محض، قال _ تعالى _: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٧٦] .
وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] .
وفي الحديث القدسي يقول الله _ _: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي، فتنفعوني ولن تبلغوا ضري، فتضروني".
وهذا أمر مستقر في الفطر.
٣_ أن إيجاب حصول الأشياء على الله متى وجدت الحكمة حق صحيح.
لكنه مخالف لما يراه المعتزلة من جهة أن الله _عز وجل_ هو الذي أوجب هذا على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، كما قال _تبارك وتعالى_: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] .
وكما قال: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] .
وكما في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال ﷺ : "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم.
стр. 68
قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً".
"أتدري ما حقهم عليه؟ ".
قال: الله ورسوله أعلم.
قال: "ألا يعذبهم" الحديث١.
فهذا حق أوجبه الله على نفسه، ولله أن يوجب على نفسه ما يشاء.
ثم إن مقياس الصلاح والأصلح ليس راجعاً إلى عقول البشر، ومقاييسهم، بل إن ذلك راجع إلى ما تقتضيه حكمة الله _ تعالى _ فقد تكون على خلاف ما يراه الخلق بادئ الرأي في عقولهم القاصرة؛ فانقطاع المطر قد يبدو لكثير من الناس أنه ليس الأصلح بينما قد يكون هو الأصلح لكنه مراد لغيره؛ لقوله _تعالى_: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] .
وكذلك استدراج الكفار بالنعم، وابتلاء المسلمين بالمصائب كل ذلك يحمل في طياته ضروباً من الحكم التي لا تحيط عقول البشر إلا بأقل القليل منها.
بل إن خلق إبليس، وتقدير المعاصي، وتقدير الآلام يتضمن حكماً تبهر العقول وتُبين عن عظيم حكمة أحكم الحاكمين.
وليس هذا مجال البسط لتلك الحكم٢.
سادساً: حلول الحوادث بالله _ تعالى _: هذا اللفظ من إطلاقات أهل الكلام، وإليك بعض التفصيل في معناه، ومقصود أهل الكلام منه، والرد
стр. 69
عليهم في ذلك.
أ_ معنى كلمة حلول: الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر، كحلول الماء في الكوز١.
ب_معنى كلمة الحوادث: الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثاً زمانياً.
وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثاً ذاتياً.
والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقراً في وجوده إلى الغير.
والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً ٢.
ج_ معنى حلول الحوادث بالله _ تعالى _: أي قيامها بالله، ووجودها فيه _عز وجل_.
د_ ما مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق؟ مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.
هـ _ ما حجتهم في ذلك: حجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.
وإذا قامت به أصبح هو حادثاً بعد أن لم يكن، كما أنه يلزم أن تكون المخلوقات حالَّة فيه، وهذا ممتنع.
стр. 70
و_ جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يَردْ في كتاب ولا سنة، لا نفياً ولا إثباتاً، كما أنه ليس معروفاً عند سلف الأمة.
أما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يَحُلَّ بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل _ فهذا النفي صحيح؛ فالله _عز وجل_ ليس مَحَلاً لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.
وإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.
بل يقال له: إننا نثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه.
ومن ذلك تلك الصفات المذكورة وغيرها.
سابعاً: التسلسل: وهو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون.
ولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة، ومدلولها، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها إليك هذا العرض الموجز.
أ_ تعريف التسلسل: قال الجرجاني: "التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية"١.
ب_ سبب تسميته بذلك: سمي بذلك أخذاً من السلسلة؛ فهي قابلة لزيادة الحِلَق إلى ما لا نهاية؛ فالمناسبة بينهما عدم التناهي بين طرفيهما؛ ففي السلسلة
стр. 71
مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل.
ج_ مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين؛ فقد يكون مرادهم نفي قِدَمِ اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك.
د_ هل وردت هذه اللفظة في الكتاب أو السنة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف؟ الجواب: لا.
هـ _ ما طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ؟
طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة؛ حيث إنهم يتوقفون في لفظ التسلسل فلا يثبتونه، ولا ينفونه؛ لأنه لفظ مبتدع، مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، وصواباً وخطأ.
هذا بالنسبة للفظ.
أما بالنسبة للمعنى فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق قبلوه، وإن أريد به باطل ردوه.
و_ وبناءاً على ذلك فإنه يُنْظَرُ في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ:
١_ إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب _أزلاً ١وأبداً ٢_ فذلك معنى
стр. 72
صحيح دل عليه العقل والشرع؛ فإثباته واجب، ونفيه ممتنع، قال الله _ تعالى _: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] .
والفعال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالاً؛ فوجب دوام الفعل أزلاً وأبداً.
ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع.
ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله _ تعالى _ حي؛ فهو فعال، وحياته لا تنفك عنه أبداً وأزلاً.
ولأن الفرق بين الحيِّ والميتِ الفعلُ، والله حيٌّ فلا بد أن يكون فاعلاً، وخُلُوُّه من الفعل في أحد الزمانين: الماضي والمستقبل ممتنع، فوجب دوام فعله أزلاً وأبداً.
فخلاصة هذه المسألة: أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب فذلك معنى صحيح واجب في حق الله، ونفيه ممتنع.
٢_ وإذا أريد بالتسلسل: أنه _ تعالى _ كان معطلاً عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفاً بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن _ فذلك معنى باطل لا يجوز.
فالله _ _ لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يُعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها؛ لأن صفاته _ سبحانه _ صفات كمال، وفَقْدُها صفة نقص؛ فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده.
стр. 73
قال الإمام الطحاوي ﵀: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته.
وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً"١.
مثال ذلك صفة الكلام؛ فالله _عز وجل_ لم يزل متكلماً إذا شاء.
ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطلاً عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلاً وأبداً.
وكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطلاً عنها.
٣_ وإذا كان المقصود بالتسلسل: التسلسل في مفعولات الله _ _ وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلْقاً بعد خلق إلى ما لا نهاية _ فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل.
قال الله _ تعالى _: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥] .
ثم إنه _ _ ما زال يخلق خلقاً، ويرتب الثاني على الأول وهكذا؛ فما زال الإنسان والحيوان منذ خلَقَهُ الله يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه.
٤_ وإن أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثِّرين، أي بأن يؤثِّر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية، وأن يكون مؤثرون كلُّ واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية_ فذلك تسلسل ممتنع شرعاً وعقلاً؛ لاستحالة وقوعه؛ فالله _ _ خالق كل شيء، وإليه المنتهى؛ فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء،
стр. 74
وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.
والقول بالتسلسل في المؤثرين يؤدي إلى خُلُوِّ المُحدَث والمخلوق من مُحْدِثٍ وخالقٍ، وينتهي بإنكار الخالق _ جل وعلا _.
خلاصة القول في مسألة التسلسل عموماً:
* أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية، وأنه سمي بذلك أخذاً من السلسلة.
* وأن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لا بد فيها من الاستفصال _ كما مر _.
* وأنه إن أريد بالتسلسل: دوام أفعال الرب ومفعولاته، وأنه متصف بصفات الكمال أزلاً وأبداً _ فذلك حق صحيح، يدل عليه الشرع والعقل.
* وأنه إن أريد بالتسلسل: أنه _ _ كان معطلاً عن أفعاله وصفاته، ثم فعل، واتصف فحصل له الكمال بعد أن لم يكن متصفاً به، أو أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثرين _ فذلك معنى باطل مردود بالشرع والعقل١.
стр. 75
اللفظ والملفوظ
هذه المسألة ترد في كتب العقائد، وهي من المسائل الحادثة، وتعرف بمسألة: اللفظ.
وإليك شيئاً من البسط في هذه المسألة:
أولاً: ما المراد بمسألة اللفظ، والملفوظ: المراد بها: هل اللفظ بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق؟
ثانياً: من أول من تكلم بها: أول من تكلم بها حسين الكرابيسي، وتلميذه داود الأصبهاني زمن الإمام أحمد؛ فهذان هما اللذان قالا: لفظنا بالقرآن مخلوق، وقد عرفوا باللفظية.
ثم عارضهم طائفة من أهل السنة والحديث؛ فقالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق.
ثالثاً: هل يصح أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق؟ أو غير مخلوق؟
الجواب أن يقال: إن إطلاق هذا القول نفياً أو إثباتاً غير صحيح؛ ولهذا فإن الإمام أحمد، وجمهور أهل السنة منعوا هذين الإطلاقين، وقالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع.
والسبب في تخطئة الإمام أحمد وجمهور أهل السنة لهذين الإطلاقين هو ما فيهما من الإيهام، والإجمال، والاحتمال.
رابعاً: ما القول الحق في هذه المسألة؟ : القول الحق أن يستفصل عن المراد بها؛ فيقال: إن أريد باللفظِ: التلفظُ الذي هو فعل العبد فهو مخلوق؛ لأن العبد وفعله مخلوقان، قال الله _عز وجل_: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .