← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12072

معاجم مفردات القرآن (موازنات ومقترحات)

أحمد حسن فرحات

Полный текст (86 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأوضح أن السمين اعتمد كتاب " المفردات " للراغب اعتماداً يكاد يكون كلياً فقد ابتلعه وهضمه وصبّ نسفه بين ثنايا كتابه وما ترك لفظة تقريباً إلا نقلها أوعلّق عليها، ممايدل على أن كتاب " المفردات كان في متناول يده مباشرة حين ألف عمدة الحفاظ" ثم تحدث عن النسخ الخطية للكتاب. وبعد ذلك تحدث عن منهجه في التحقيق والمقابلة بين النسخ والرجوع إلى مؤلفاته الأُخر والمصادر التي تفيد في التحقيق من كتب اللغة والنحو، كما أضاف من التعليقات ما يخدم النص ويوضحه، وضبط النص ضبطاً سليماً وخصص نصف المجلد الرابع للفهارس العلمية التي رآها ضرورية كفهارس الأعلام والأشعار، ولم ير حاجة إلى فهرس للآيات أو الحديث لأنها كثيرة جداً كما يقول. وعلى الرغم مما قاله المحقق من خدمة للكتاب، وجهده في محاولة إخراجه على الصورة المرضية، فإن هناك ملاحظات حقيقية على هذا العمل، واكتفي في هذه العجالة بملاحظتين هامتين: - الملاحظة الأولى: ضبطه للنص ضبطاً سليماً – كما أشار إلى ذلك فيما سبق – والحقيقة أن النص يفتقر إلى هذا الضبط السليم، فقد كثرت الأخطاء العلمية في قراءة النص، وكثيراً ما شوّهته وحرّفت معانيه وسأكتفي من ذلك ببعض النماذج التي لا تغتقر. صفحة /٥١/ من الجزء الأول/ مادة " اب ل " – المقطع الثاني: " وحكى الرّؤاسي، وكان ثقة، أنه سمع "إبّالة" مثّقلاً، وحكى الفراء: " إبالة " مخففاً – قال: وسمعت بعض العرب يقول: ضغث على إبَّالة " أي: حطب على

стр. 37

حطب وهو مشكل من حيث ظهور الياءين في الجمع، ولو كان مخففاً لم ترد في الجمع ياءين.." والملاحظ على هذا النص أن ما حكاه الفراء من سماعه لبعض العرب إنما جاء به حجة على التخفيف، ولكن المحقق يضبطه بالتشديد. ثم قوله بعد ذلك " وهو مشكل من حيث ظهور الياءين في الجمع" خطأ واضح والصواب: من حيث ظهور الباءين في الجمع – وليس الياءين – لأنه إذا كان مخففاً لا يمكن أن يكون في الجمع بباءين يريد بذلك كلمة " أبابيل" التي ظهر فيها الباءان. ثم يؤكد هذا المعنى بقوله: و"لو كان مخففاً لم ترد في الجمع باءين "ولكن المحقق أخطأ أيضاً في الجملة الثانية حين قرأها: " لم ترد في الجمع ياءين " بدلاً من باءين – ومثل هذا التكرار ينفي الخطأ المطبعي –. صفحة/٥٤/مادة "اب و " المقطع الثالث – يقول في كلمة " أب " وقد تشدد باؤه كما تقدم، ويكسر على آباء ويصحح على" أبون " و " أبين " قال: وأشبه فعله فعل الأنبياء. وقرئ "وإله أبيك إبراهيم" ويبدو أن المحقق لم يحسن قراءة النص ولا فهمه، فقد وضع رقم (٥) على كلمة "الأنبياء" وفي الحاشية قال: يبدو أن الجملة متقدمة ومحلها بعد آية. كما وضع رقم (٦) على كلمة " الآية" وقال في حاشية رقم (٦) : علق مختار في الهامش فقال: " يريد جمع أب أي أبينك فحذف النون للإضافة " ويبدو أيضاً أنه لم يفهم هذا التعليق. أما صواب القراءة فهو كما يلي: وأشبه فعله فعل الأبينا" وليس

стр. 38

الأنبياء والمعنى وأشبه فعل هذا الفاعل فعل آبائه. فالأبين جمع " أب" وليست الكلمة " الأنبياء " كما جاءت في أصل النص. وكذلك قوله في الآية: "وإله أبيك إبراهيم" فـ "أبيك" في الآية – على هذه القراءة – أصلها: " أبينك " جمع أب فحذفت النون من " أبينك" للإضافة فصارت " أبيك" وقوله فيما سبق: "يبدو أن الجملة متقدمة ومحلها بعد آية" يريد بعد آية " وإله أبيك إبراهيم" لأنه قرأ الكلمة الأولى " الأنبياء" ولم يذكر في الآية إلا إبراهيم النبي، فظن أن هناك ارتباطاً بين الأنبياء وإبراهيم – وهو خطأ فاضح في أمر واضح. ومثل هذه الأخطاء ولاشك، لاتخدم الكتاب، وإنما تحط من قيمته، وهي ليست بالقليلة، والأمر لايحتمل التوسع – ففي ما ذكر دلالة على ما لم يذكر. - وأما الملاحظة الثانية: فهي إغفاله لفهرس الآيات والأحاديث بحجة أن النصوص كثيرة وهذا أدعى لعمل الفهارس وليس عذراً مقبولاً. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزأبادي – طبعة المكتبة العلمية – بيروت لبنان – بتحقيق الأستاذ محمد علي النجار – وبدون تاريخ – خمس مجلدات. والحديث عن المفردات القرآنية جاء ابتداء من المجلد الثاني وانتهى بنهاية المجلد الخامس، أما الجلد الأول فكان تعريفاً عاماً بالسور القرآنية وما يتصل بما فيها من مقاصد وناسخ ومنسوخ وأشباه ذلك.

стр. 39

وأما المجلد السادس فقد خصصه للحديث عن الأنبياء والفهارس الفنية التي شملت فهرساً للمواد اللغوية، وفهرساً للألفاظ النحوية، وآخر للأحاديث، وفهرساً للأمثال، وللحكم وبديع الكلام، وللشعر وأنصاف الأبيات والرجز. وأتبع ذلك بفهرس للأعلام، والفرق والمذاهب والطوائف والقبائل والعشائر والأمم والبلاد والأمكنة ونحوها والكتب الواردة في متن الكتاب ومراجع التحقيق. وقد قدم المحقق ترجمة للمؤلف تحدث فيها عن حياته وآثاره ورحلاته، ومذهبه الفقهي وتصوفه، كما تكلم عن منهجه في كتابه، والأصول الخطية التي اعتمد عليها كما ذكر عمله في التحقيق وأن النسخ التي اعتمد عليها فيها كثير من التحريف، فقدم النص ورد المحرف إلى أصله بقدر استطاعته. مفردات القرآن للفراهي الهندي – طبع بمطبعة إصلاح في الهند عام ١٣٥٨ باعتناء عبد الأحد الإصلاحي. وهي الطبعة الوحيدة من الكتاب وهي طبعة حجرية كتبت بالخط الفارسي وقد تحدث المؤلف في بدايته عن " روابط الكتب الخمسة" وهي " كتاب المفردات" وكتاب " أصول التأويل" و" تاريخ القرآن" و" دلائل النظام" وكتاب" أساليب القرآن" والكتاب لم يذكر فيه المؤلف من الألفاظ إلا ما يقتضي بياناً وإيضاحاً: إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه.. وأما عامة الكلمات فلم يتعرض لها، وكتب اللغة والأدب كفيلة بها ومع ذلك تجد هذا الكتاب إن شاء الله محتوياً جُلَّ ما يقتضي الشرح من ألفاظ القرآن".

стр. 40

معجم ألفاظ القرآن لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: الطبعة الرابعة – ج١/١٤٠٩هـ – ١٩٨٩م –ج/٢/١٤١٠هـ – ١٩٩٠م. وقد وصفت الطبعة بأنها منقحة، وجاء في أولها تصدير الطبعة الثانية بقلم رئيس المجمع إبراهيم مدكور ثم أتبع التصدير بورقة عمل مقترحة في عرض المادة، وفي منهج العرض والتنسيق، ثم مقدمة أخرى عن معجم ألفاظ القرآن الكريم بين المعاجم وكتب التفسير واللغة، وقد تحدث فيها عن كتب الغريب وفكرة هذا المعجم والمراحل التي مرت بها، واللجان التي شكلت من أجله، والمراجعات والتدقيقات، التي قام بها أساتذة معجميون كبار وعلماء أفذاذ كما عرض مقارنة لخمسة من الكتب المطبوعة في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ وانتهى إلى تفضيل ما جاء في هذا المعجم. والملاحظة الأولى على هذا المعجم الذي أحيط بهالة كبيرة أنه ربما يلبي حاجة العوام، وحاجة عوام العلماء نظراً لاختصاره الشديد في شرح المادة، وعدم العناية بالأصل الاشتقاقي للكلمة، ومن ثم لايتساوى ما انتهى إليه مع ذلك الجهد الذي بذل في إعداده بل إنني أرى أن أي معجم من المعاجم القديمة يفضل هذا المعجم من نواحٍ كثيرة باستثناء ترتيب مواده على طريقة المعاجم الحديثة التي تيسر الرجوع إلى الكتاب – ولعلها الميزة الوحيدة.

стр. 41

موازنات بين مقدمات الكتب الخمسة: أشار الراغب في مقدمة مفرداته إلى أن تحقيق الألفاظ المفردة للقرآن من أوائل المعاوِن لمن يريد أن يدرك معانيه وأنه نافع في كل علم من علوم الشرع ذلك أن ألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها

стр. 42

اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم. ثم يقول: وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوف فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي معتبراً فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد والإشارة فيه إلى المناسبات بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على" الرسالة " التي عملتها مختصة بهذا الباب ثم يقول: وأتبع هذا الكتاب – إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل – بكتاب يبنئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة. أما السمين الحلبي فقد ذكر في مقدمة كتابه ان علوم القرآن جمة، ومن جملتها مدلولات ألفاظه الشريفة، ومعرفة معانيه اللطيفة ثم أشار إلى بعض كتب المتقدمين وأنهم لم يتموا المقصود لاختصار عباراتهم، وإيجاز إشاراتهم على أن الراغب – ﵀ – قد وسّع مجاله، وبسط مقاله بالنسبة إلى من تقدمه.. غير أن رحمه الله تعالى قد أغفل في كتابه ألفاظاً كثيرة مع شدة الحاجة إلى معرفتها مع ذكره مواد لم ترد في القرآن أو وردت في قراءة شاذة.. ثم يقول: فلما رأيت الأمر على ما وصف، والحال كما عرف، ورأيت بعض المفسرين قد يفسر اللفظة بما جعلت كناية عنه. استخرت الله القوي في أن أحذو حذو القوم فاذكر المادة كما ستعرف ترتيبه – مفسراً معناها، وإن عثرت على شاهد من نظم ونثر أتيت به تكميلا للفائدة ورتبت هذا الموضوع على حروف المعجم..

стр. 43

- وأما الفيروز أبادي فقد قال في مقدمة كتابه " المقصد الأول في لطائف تفسير القرآن العظيم": "اعلم أنا رتبنا هذا المقصد الشريف على أعزب أسلوب، وقدمنا أمامه مقدمات ومواقف. أما المقدمات ففي ذكر فضل القرآن ووجه إعجازه وعدّ أسمائه... ثم أذكر موقفاً يشتمل على تسعة وعشرين باباً على عدد حروف الهجاء، ثم أذكر من كلمات القرآن ما أوله حرف ذلك الباب.. وأما الفراهي الهندي فقد قال في مقدمة كتابه: " فهذا كتاب في مفردات القرآن جعلته مما تخول إليه في كتاب "نظام القرآن " لكيلا نحتاج إلى تكرار بحث المفردات إلا في مواضع يسيرة يكون الصحيح غير المشهور، فنذكر بقدر ما تطمئن به القلوب السليمة فإن الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة فيبعد عن التأويل الصحيح، أو في بعض وجوهها فيغلق باب معرفة النظم. ثم ذكر مقدمات أخرى تكلم فيها عن مقصد الكتاب وحاجتنا إليه، وأن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة وخفي عنه نظم الآيات والسورة.. وربما كان الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها مثل لفظ القسم وأدواته وكتب اللغة والغريب لاتعطيك حدود الكلمات حداً تاماً.

стр. 44

والمقدمة الثانية جعلها للأصول اللسانية تحدث فيها عن تقسيم مواضع الوهم من الكلمة والكلام... والمقدمة الثالثة في كون القرآن خالياً عن الغريب ذلك أن التسمية بالغريب إنما تصح بالنسبة إلى المعجم ومن قل علمه بالعربية ثم تحدث في مقدمته عن ألفاظ القرآن، والعام والخاص، والحروف المقطعات.

стр. 45

ومن خلال النظر في المقدمات السابقة نخرج بالنتائج التالية: -أكدت كل المقدمات أهمية معرفة ألفاظ القرآن ومفرداته باعتبارها الخطوة الأولى لفهم القرآن وتفسيره. - أكدت مقدمة الراغب الإشارة إلى المناسبات بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات، كما أشارت إلى أهمية ما بين المترادفات من فروق. - أكدت مقدمة السمين قيمة مفردات الراغب وتميزها عن كل ما سبقها، وإن كان أخذ على الراغب إغفاله لعدد من المفردات القرآنية مع شدة الحاجة إليها، كما أكدت على حرص السمين على ذكر الشواهد من النظم والنثر. - لم يذكر الفيروز أبادي في مقدمة حديثه عن المفردات القرآنية أية ملاحظات. أما الفراهي الهندي فقد جاءت مقدماته طويلة – على الرغم من قلة المفردات التي درسها – وذلك لأنه أراد أن يضع أصولاً لفهم المفردات،

стр. 46

- وبخاصة تلك التي أحاط بها الغموض، ولقد قدم بالفعل تصوراً واضحاً من خلال الأصول التي وضعها والمفردات التي عالجها، بحيث يمكن النسج على المنوال الذي سار عليه فيما لم يذكره من الكلمات التي تحتاج إلى مزيد من الدرس والفهم، ويمكننا تلخيص تلك الأصول في النقاط التالية وذلك لأهميتها: - لم يورد في كتابه إلا ما يقتضي بياناً وإيضاحاً: إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه فإن الخطأ ربما يقع في معنى الكلمة نفسه، فيبعد عن التأويل الصحيح، أو في بعض وجوهها فيغلق باب معرفة النظم. - معرفة الألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام، وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع. - من لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة وخفي عنه نظم الآيات والسورة. - سوء فهم معنى الكلمة يؤدي إلى إساءة فهم الكلام وما يدل عليه من العلوم والحكم. وربما يؤدي الخطأ في معنى كلمة واحدة إلى الخطأ في تأويل السورة بأسرها. - كتب اللغة والغريب لا تعطيك حدود الكلمات حداً تاماً، وكتب السير والتفسير لا تبين لك بالتمام والصحة أموراً جاء ذكرها في القرآن، وكتب العلوم الأُخر من العقليات والأخلاق لا تعطيك ما تضمن عليه القرآن من الحكم والأسرار... ومن أراد التأمل الصحيح والتدبر التام وجب عليه أن لا يغفل عن النقد فيما يأخذه من هذه العلوم. ومن يتمسك بالقرآن وينوِّر الله عقله يطلع على أغلاط كثيرة في كتب القوم.

стр. 47

مواضع الوهم من الكلمة والكلام: - الكلمة المشكلة على غير العرب والعارف بلغتهم وهي نوعان: الأول: ما لم يتبين لهم معناه، فأخطأوا أصل الأمر. والثاني: ما لم تتبين لهم الأمور المتعلقة بها من الأحوال الصحيحة، فصارت الكلمة غير دالة على ما أريد منها. - أمر الكلمة المشتركة بين معنيين أو أكثر لا يهتدي إلى المعنى المراد في موضع خاص إلا بسياق الكلام. - اللفظ المشترك نوعان: نوع لا جامع بين معانيه. او جامع ذُهل عنه: - فإن لم يُذهَل عنه فالكلمة جامعة المعاني: فربما يكون المراد بها معناها الوسيع الجامع. وربما يراد بها طرف خاص من غير نظر إلى المعنى الجامع فحينئذ تكون حاله حال الكلمة المشتركة والدليل ليس إلا مراعاة موقع الكلمة وجهة رباطها – مثل كلمة "آية". ثم الكلمة المرادفة لغيرها وهي قسمان: المطابق لمرادفه من جميع الوجوه – وهذا قليل جداً – والثاني: ما يوافقها من بعض الوجوه وهذا كثير جداً – وفيه معظم الوهم – وكثيراً ما يكون بين المترادفين فروق لطيفة لا يفطن لها إلا الممارس باللسان، فيؤدي ذلك إلى الالتباس في بعض معاني الكلام. من الألفاظ ما غيروا معناه لخطأ في الرأي مثل كلمة " الذكر" و" الحكمة" حيث قال بعض المحدثين: إن الذكر هو الحديث كما قال بعض الشيعة:

стр. 48

- إن الذكر هو: النبي وأرادو بذلك تأويل آية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر ٩) . حسب – رأيهم. - إذا اشتبه المعنى،فطريق التوضيح استعمال اللفظ، كما فعلنا بلفظ " عصر" و "آلاء" والنظر في أصله واستعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسيريانية. - ربما يراد من اللفظ معنى أعم مما يستعمل فيه عادة ويسمونه " التجريد وربما يراد منه معنى أخص مما تستعمل فيه عادة أما الأول فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (الأعراف: ١٥٤) أي: هدأ وسكن. - وأما معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أصدره مجمع اللغة العربية، فلم يعتمد أصولاً معينة متفقاً عليها، وذلك ظاهر من مقدمة الكتاب حيث كانت تعرض خطط وتقدم اقتراحات، ثم لا يوافق عليها، ويتم تجاوزها، ومن ثم فلا نستطيع أن نقول إن هناك خطة محكمة قامت عليها دراسة المفردات في هذا المعجم. ومن كل ما سبق نستطيع أن نقرر بأن ما جاء في مقدمة الراغب وما جاء عند الفراهي في مقدماته هو الأغنى من كل تلك الكتب التي تحدثنا عنها.

стр. 49

موازنة بين المعاجم الخمسة في دراسة بعض المفردات: كلمة آلاء: - قال الراغب: "فاذكروا آلاء الله " أي: نعمه – الواحد، ألا و " إلى " نحو " أنىً " و " إنىً" لواحد الآناء.وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢-٢٣) إن معناه: إلى نعمة ربها منتظرة. وفي هذا تعسف من حيث البلاغة. - وقال السمين: والآلاء: النعم. واحدها: إلى"كمعى "و" ألىً " كـ " رحىً" و " إلى" كهجر و " إليْ" كفِلْس قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه الظاهرة والباطنة وإليه الإشارة بقوله: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" – قرئ بالإفراد والجمع – وقوله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ معناه: أن كل نعمة من نعمه وإن قلت بالنسبة إلى فضله العميم فلا ينبغي أن تكفر بل تشكر. ثم نقل ما أورده الراغب في ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ . - وأما الفيروز آبادي فلم يذكر الكلمة أصلاً. وأما الفراهي فقد قال: أجمعوا أن معناه: النِّعم. ولكن القرآن وأشعار العرب يأباه والظاهر أن معناه: الفعال العجيبة – فارسيته: كرشمة – ولما كان غلب فعاله تعالى " الرحمة" طنّوا أن الآلاء هي النعم. والرواية عن ابن عباس – ﵁ – حملتهم على هذا، ولكن السلف إذا سئلوا أجابوا حسب السؤال، والمراد المخصوص في الموضع المسؤول عنه. وهذا

стр. 50

- الظن فتح لهم نفذاً إلى تبديل معنى " إلى " في قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقالوا: إن " إلى " واحد " الآلاء" وليس في كلام العرب له مثال ولكنهم زعموا أن الأعمش (١) أراد هذا في قوله: أبيضُ لايرهَبُ الهُزالَ ... ولا يَقْطَعُ رُحْماً ولا يخون إلا قال ابن دريد: وقد خففت العرب " الألّ ". أما القرآن: فقوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (النجم ٥٥-٥٦) بعد ذكر هلاك الأقوام – وهكذا في سورة الرحمن. وأما كلام العرب: فقال طرفة (٢) : كاملٍ يحملُ آلاءَ الفتى ... نَبِهٍ سيِّدِ ساداتٍ خِضَمْ وقالت مية (٣) بنت ضرار ترثي أخاها: كريمٍ ثناهُ وآلاؤه ... وكافي العشيرةِ ما غالها وقال المهلهل أخو كليب يرثي أخاه كليباً: الحزم والعزم كانا من طبائعه ... ما كل آلائه يا قوم أحصيها وقال ربيعة (٤) بن مقروم أحد بني غيظ بن السيد: ولولا فوارسنا ما دَعَت ... بذات السُّلَيم تميم تميماً

стр. 51

وما إن لأوئبها أن أعدَّ ... مآثر قومي ولا أن ألوما ولكن أذكر آلاءنا ... حديثاً وما كان منا قديما - معنى " لأوئبها: لأخزيها والضمير يعود على تميم. وقال الأجدع الهمداني: ورضيت آلاء الكُمَيْتِ فمن ... يُبِعْ (١) فرَساً فليسَ جوادُنا بمباعِ قال الجوهري في هذا الشعر: آلاؤه: خصاله الجميلة ولكنه لم يثبت على هذا المعنى الذي هو أصله فقال في مادة " الآلاء": والآلاء: النعم، واحدها: ألى " بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء، مثل مِعىً وأمعاء. فاتبع ما فهم المفسرون عن ابن عباس ﵁. وقال فضالة بن زيد العدواني – وهو من المعمرين: وفي الفقر ذلّ للرقاب وقلّ ما ... رأيت فقيراً غير نكس مذمّم يلام وإن كان الصوابُ بكفِّه ... ويحمد آلاء البخيل المدرهم أي: يحمدون صفات البخيل وفعاله، وهذا البيت أوضح دلالة مما ذكرنا قبله على معنى الآلاء وقال الحماسي (٢) في المراثي- ولم يسمه أبو تمام: إذا ما امرؤ أثنى بآلاء ميتٍ ... فلا يُبْعِدِ اللهُ الوليدَ بن أدهما فما كان مفراحاً إذا الخيرُ مسَّه ... ولا كان مناناً إذا هو أنعما

стр. 52

ففسّر ما أراد من الآلاء، بذكر أنه لم يكن مفراحاً إذا مسه الخير، ولا مناناً إذا أنعم. وقالت الخنساء: فنبكي أخاك لآلائه ... إذا المجدُ ضيَّعه السائسونا أما معجم المجمع فقد قال: آلاء: نعم. وبالموازنة بين الأقوال السابقة يتبين ما يلي: - الاختصار في قول الراغب ورده على المعتزلة بقوله: وهذا تعسف من حيث البلاغة. - الزيادة التي أضافها السمين لم تكن إلا في ذكر بعض الآيات التي لم يذكرها الراغب. - وأما الفيروزأبادي فلم يذكر الكلمة أصلاً. - وكذلك معجم المجمع لم يذكر إلا كلمة واحدة وهي" نِعَم ". أما التحقيق والتأصيل والتدقيق فهو ما لجأ إليه الفراهي ولابد أن الذي دفع الفراهي إلى هذه الدراسة شعوره بأن المعنى المعروف ليس دقيقاً، وبخاصة حينما ينظر إليه في تفسير الآية القرآنية كما في قوله تعالى في سورة " الرحمن": ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: ٣٥-٣٦) فأين النعمة في إرسال الشواظ من النار؟ وهذا ما اضطر كثيراً من المفسرين إلى التعسف في التأويل،

стр. 53

- ومن ثم كان التحقيق بالرجوع إلى الشعر الجاهلي لاستنقاذ أصل المعنى بعد أن كاد ينسى.

стр. 54

كلمة درس: -قال الراغب: درس الدارُ: معناه: بقي أثرها وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه، فلذلك فُسِّر الدروس بالانمحاء، وكذا درسَ الكتابُ ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبّر عن إدامة القراءة بالدرس، قال تعالى ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ وقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ و ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وقرئ " دارست" أي: جاريت أهل الكتاب وقيل ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ تركوا العمل به، من قولهم: درس القومُ المكان، أي: أبلوا أثره" ودرست المرأة كناية عن حاضت. ودرس البعير: صار فيه أثر جرب. - أما السمين، فلم يذكر الكلمة أصلاً. - وأما الفيروز أبادي فيقول: درس الشيء: معناه بقي أثره، ومنه درس الكتاب، ودرست العلم أي: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القرآن عبر عن إقامة القرآن بالدرس، وقوله تعالى ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي: جاريت أهل الكتاب في القراءة وقيل: درسوا ما فيه أي: تركوا العمل به، من قولهم: درس القوم المكان أي: أبلوا أثره ودرست المرأة: كناية عن حاضت، ودرس البعير: صار فيه أثر الجرب.

стр. 55

- أما معجم المجمع فقد جاء فيه: درستَ: كررت القراءة لتحفظ "وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست". درسوا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ (الأعراف: ١٦٩) تدرسون: ﴿ِبمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩) . تدرسون: تقرؤون: ﴿أم لكم كتاب فيه تدرسون﴾ (ن: ٣٧) . يدرسونها: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها﴾ (سبأ: ٤٤) . دراستهم: ﴿وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ (الأنعام: ١٥٦) . وأما الفراهي الهندي فيقول: درس: هذا اللفظ يوجد كثيراً في كلام العرب في معنى "البلى" وأمافي معنى القراءة " كما يفهمون من استعمال القرآن حيث جاء ﴿أم لكم كتاب فيه تدرسون﴾ فلا يوجد له مثال.وزعم بعض من غير المسلمين أن هذا اللفظ أخذه النبي ﷺ من اليهود، وزاده في لغة العرب. وهذا بعيد، فإن النبي كيف يكلم قوماً بلغتهم، ثم يزيد فيه ما ليس منه؟ والقرآن يصرح بأنه عربي مبين، فلا يكون فيه إلا ما عرفته العرب. فاعلم أن الدرس في معنى "البلى "مجاز. وأصله الحكُّ والمَشْقُ، ومنه للخط. قال أبو داود: ونوء أضر به السافياء ... كدرس من النون حين امحى

стр. 56

أي: كخط النون. وشكل النون في الخط العربي القديم هكذا ن فشبه أمواج الرمل بهذا الشكل وقد شبه عنترة (١) الحاجب بالنون في قوله: لَهُ حاجبٌ كالنون فوق جفونه ... وثغرٌ كزهرِ الأقحوانِ مفلَّجُ ومنه: كثرة الاشتغال بالقراءة. وهذا يتضح من استعمال هذه الكلمة في كلتا اللغتين: العربية والعبرانية. ومن أصل المعنى: الدرس: للْجَرَبِ والحِكَّة، والمدروس: الفراشُ الموطّأ والدرس: للأكل الشديد. ومنه: درس الطعام: درس: قال ابن ميادة: هلا اشتريت حنطة بالرستاق ... سمراء مما درس ابن مخراق ودرس الصعب حتى راضه ودرست الكتاب بكثرة القراءة حتى خفَّ حفظه فالدرس: كثرة القراءة. ومعنى الكلمة في العبرية: اختص بالقراءة. وأما في العربية فبقيت الكلمة على السعة وأقرب إلى الأصل إذ جاءت لكثرة القراءة لا للقراءة، كمال قال تعالى ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي: بالغت في قراءتك عليهم. وأما أنها لا توجد في هذا المعنى في أشعار العرب، فذلك لأن للشعر مجاري محدودة ومعاني خاصة فقلما يذكرون القراءة فضلاً عن إكثارها. وبعد النظر في هذه النصوص نرى أن الراغب اضطر لشيء من التكلف في محاولة التعبير عن مناسبات تصريف الكلمة وتعليلها كما نرى أن الفيروز أبادي كرر كلام الراغب بعينه باستثناء بعض الكلمات وأما معجم المجمع فلم يزد على قوله " درستَ" كررت القراءة لتحفظ، واستعراض الآيات القرآنية.

стр. 57

أما الفراهي فقد رجع إلى الشعر الجاهلي يستنطقه، كما رجع إلى العبرية أخت العربية ليتبين له الأصل الذي ترجع إليه الكلمة، ومن ثم وصل إلى حقيقة المعنى، على حين وقف السابقون عند المجاز ولم يجاوزوه. وأما عمدة الحفاظ فلم يعرض للكلمة أصلاً، علماً أن يأخذ على الراغب عدم ذكره بعض الكلمات.

стр. 58

كلمة صغو قال الراغب: الصغو: الميل، يقال: صغت النجوم والشمس صغواً: مالت للغروب. وصغيت الإناء، وأصغيته، وأصغيت إلى فلان: ملت بسمعي نحوه، قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (الأنعام: ١١٣) وحكي: صغوت إليه أصغو، وأصغى صَغْياً وصُغياً. وقيل: صَغَيْتُ أصغى، وأَصْغَيتُ أُصْغِي. وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه وفلان مُصْغىً إناؤه: أي: منقوص حظه وقد يكنى به عن الهلاك. وعينه صغواء إلى كذا والصغى: مَيْل في الحنك والعين. وقال السمين: قوله تعالى ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾ أي: ولتميل إليه قلوب والصغو: الميل، يقال: صغت الشمس والنجوم صغواً: مالت للغروب وصغيت الإناء وأصغيته: أملته وقد أصغيت إلى فلان بسمعي نحوه، وحكي صغواً وصغيت أيضاً وأصغيت أصغي وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه، ويكنى بذلك عن قلة الحظ، فيقال: فلان مصغي إناؤه. وقد يكنى به عن الهلاك أيضاً. وفي الحديث " يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة " أي: خاصته والمائلون إليه. وعين صغواء إلى كذا أي: مائلة

стр. 59

والصغي: ميل في الحنك والعين. وفيه أيضاً " وكان يصغي لها الإناء" أي: يميله ويقال: صغى يصغي، وصغى يصغي. فالمادة يجوز أن تكون من الواو ومن الياء، لأنه قد سمع فيها الحرفان وقد ذكر الراغب اللغتين. ولم يذكرهما الهروي إلا في مادة الياء. وقال الفيروزأبادي: صغوت إلى فلان. وصغا فؤادي إليه: مال. وصغوي معه. وصغت النجوم للغروب، وهنّ صواغٍ. وأصغى الإناء للهرة. وأصغى إلى حديثه: مال بسمعه إليه. ورجل أصغى، وقد صغي. وهو ميل في الحنك وإحدى الشفتين. وأقام صغاه: ميله. ويقال: من عرض له فلّ صغاه وأقام صغاه. ويقال: الصغا في الأديان أقبح من الشفا في الأسنان وصاغية الرجل: قومه لما يميلون إليه. وقال في معجم المجمع: صغت القلوب أو الأفئدة: مالت ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤) لتصغى ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ . وقال الفراهي: " الصغو" في جميع الألسنة ولا سيما في لغة العرب ألفاظ خاصة لأفراد خاصة تحت معنى كلِّي. والذهول عن هذه الخصوصيات مبعد عن فهم اللسان. مثلاً: الميل: معنى كلي. ثم تحته: الزيغ، والجور، والارعواء، والحيادة، والتنحي، والانحراف. كلها للميل عن الشيء والفيء والتوبة، والالتفات والصغو كلها للميل إلى الشيء؛ فمن خبط بينهما ضل وأضل.

стр. 60

فلا يخفى على العالم بلسان العرب أن " الصغو " هو الميل إلى الشيء لا عن الشيء. ومنه صاغية الرجل: لأتباعه وصغوه معك: أي: ميله وأصغيت إلى فلان: أي: ملت بسمعك نحوه. ومنه الحديث: ينفح في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، أي: أمال صفحة عنقه إليه، وقالوا: الصبي: أعلم بمصغى خده، أي: هو أعلم إلى من يلجأ أو حيث ينفعه. ومنه صغت الشمس والنجوم، أي: مالت إلى الأرض وفي حديث الهرة: " كان يصغي لها الإناء" أي: يميله ليسهل عليها الشرب. ومن ذلك لجوف الإناء لما يجتمع فيه المشروب أنشد ابن بري شاهداً على الإصغاء بالسمع لشاعر: ترى السفيه به عن كل مكرمة ... زيغ فيه إلى التسفيه إصغاء وقال ذو الرمة يصف الناقة: تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب وقال الأعشى في صغو العين يصف كلباً: ترى عينها صغواء في جنب مؤقها ... تراقب كفي والقطيع المحرما وقال النمر بن تولب في إصغاء الإناء بمعنى الإفراغ: وإن ابن أخت القوم مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله باب جلد

стр. 61

كلمة الطوفان: - قال الراغب: " والطوفان ": كل حادثة تحيط بالإنسان. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ وصار متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ .

стр. 62

- وقال السمين: قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ : قيل: هو السَّيل المفرق. وعن عائشة عن النبي ﷺ "أنه فسّره بالموت". قال بعضهم: "الطوفان من كل شيء: ما كان مطبقاً بالجماعة كالموت الجارف والغرق الشامل والقتل الذريع. وقال آخرون: الطوفان: كل حادثة تحيط بالإنسان وصار متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح ﵊ كانت ماء". - وقال الفيروز أبادي: " الطوفان: المطر الغالب، والماء الغالب يغلب كل شيء قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ وقيل: هو الموت الذريع الجارف. وقيل: السيل. وقيل: القتل الذريع وقيل: الطوفان من كل شيء: ما كان كثيراً مطيفاً بالجماعة. وقيل: كل حادثة تحيط بالإنسان. ثم صار متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة. وقال الأخفش الواحد – في القياس – طوفانة. وأنشد: غيّر الجدة من آياتها ... خُرُق الريح وطوفان المطر وجاء في معجم المجمع الطوفان: السيل العظيم" وقال الفراهي: " الطوفان: إعصار مستدير يصحبه المطر وفوران الماء. ويسمى في الرومية " سايكلون " أي: الريح الدوّارة. وفي الفارسية: كردباء (الريح المدورة) وفي الهندية (بكولا) : دائرة الريح. وكان المصريون يزعمون بإله للريح الشديد يسمونه: " طائفون" وهكذا كان طوفان نوح ﵇ كما وصف في القرآن: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ

стр. 63

السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قال الراعي يصف الناقة: تمسي إذا العيس أدركنا نكاثتها ... خرقاء يعتادها الطوفان والزود هذا ما ذكره الفراهي في كتابه " مفردات القرآن " وفي تفسيره لسورة الذاريات قدم شرحاً أوفى حين قال: " ومن خاصة هذه الريح شدة المطر وفوران الماء من البحر، وقد شاهدنا ذلك من طوفان جاء من مشرق بحر الهند إلى مغربه – وحينئذ كنت في مدينة كراجي – فأنزل مطراً شديداً وقذف السفن على الجبال، وفعل ما فعل. ويطابق ذلك ما جاء في تصوير طوفان نوح في القرآن والتوراة: قال تعالى في سورة القمر: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ . وفي سفر التكوين: ص: ٢ ف: ١١." في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء " وفي سورة هود: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ ومن ركب البحر علم أن الأمواج كالجبال لا تنشأ إلا بريح شديدة وفي ذكر الأثر دلالة على المؤثر" ومن خلال النظر في النقول المنقولة عن المعاجم الخمسة نخرج بالنتائج التالية: يحاول الراغب تفسير " الطوفان" بما يتفق مع أصل الاشتقاق الذي هو " الطواف" وهو بمعنى الدوران. ومن ثم يعرف " الطوفان " بأنه: كل حادثة تحيط بالإنسان. فالإحاطة فيها معنى الدوران. ويستشهد على ذلك بالآية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ غير أن تعريف الراغب للطوفان

стр. 64

- بأنه كل حادثة تحيط بالإنسان تعريف عام يشمل أنواعاً كثيرة من الحوادث، ومن ثم اضطر الراغب لبيان كيفية انتقال المعنى من العموم الذي ذكره إلى الخصوص الذي وقع على قوم نوح، فقال: " وصار – أي الطوفان – متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء" - أما السمين، فقد عدد أنواعاً مختلفة من العذاب شملت: " السيل المغرق، والموت الجارف، والقتل الذريع. كما نقل قول الراغب السابق، وذكر حديثاً يفسر الطوفان بالموت. وهو لا يعدو أن يكون قد شرح قول الراغب بشيء من التفصيل، ولكنه – على العموم- لم يرجح واحداً من الأنواع التي ذكرها، إلا إذا اعتبرنا مراعاة الترتيب تبعاً لقوة الأقوال. فيكون القول الأول الراجح عنده هو: السيل المغرق. - كذلك الفيروز أبادي ذكر عدة أقوال في معنى الطوفان. فإذا اعتبرنا قوله الأول هو الراجح كان الطوفان: هو المطر الغالب، والماء الغالب يقلب كل شيء، ولاشك بأن التفسير بالغلبة من مستلزمات الإحاطة ولكنه ليس دقيقاً في معنى" الطوفان" المشتق أصلاً من"الطواف"بمعنى"الدوران ". - واستشهاده بالشعر المتضمن لـ " طوفان المطر " لا يعني بالضرورة، المطر الغالب، ويمكن أن يقرب مما قاله الفراهي – كما سبق بيانه -. - أما ما جاء في معجم المجمع من أن " الطوفان ": السيل العظيم، فلا يحتاج إلى تعليق؛ لأنه لم يعتمد على تأصيل لغوي.

стр. 65

- وأما ما ذكره الفراهي من أن الطوفان: إعصار مستدير يصحبه المطر وفوران الماء، فقد أكده بما ورد في عدة لغات من أن " الريح المدورة" أو " الريح الدوارة " أو " دائرة الريح" أو " طائفون " وكذلك من خلال وصف طوفان نوح ﵇ في القرآن والتوراة وبذلك يكون قد وضع أيدينا على جذر المعنى وأصل الاشتقاق، الذي يفسر لنا هذا النوع الخاص من العذاب الذي عذب الله به قوم نوح، والذي لم يرد في القرآن إلا لقوم نوح ﵇ بخلاف ما ذكره غير الفراهي من أنواع العذاب الأخرى فقد عذب بها أقوام عديدون، ومن ثم وصف عذاب قوم نوح بـ " الطوفان دون غيره لابد أن يكون خاصاً بنوع من العذاب اقتضى التعبير عنه بلفظ " الطوفان " كما أكد هذا المعنى بما رآه واقعاً من الطوفان الذي قدم لنا وصفه حينما كان في مدينة كراجي والذي جاء من مشرق بحر الهند إلى مغربه. - وبهذا يكون الفراهي أكثر تحقيقاً في هذه الكلمة كل الذين عرضوا لها قبله. - ويكون ما قاله الراغب: " وصار الطوفان – متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماءً. انتقال من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة العرفية ولايمكن أن يحمَّل هذا المعنى إلى الحقيقة اللغوية بحيث تصبح جزءاً منه تفهم بمجرد التلفظ بـ " الطوفان "

стр. 66

أصل كلمة صلى: قال الراغب: أصل " الصلي " إلايقاد بالنار، ويقال: صَلِيَ بالنار وبكذا، أي: بُلِيَ بها، واصطلى بها وصَلَيْتُ الشاة: شويتها، وهي مصليّة.قال تعالى:

стр. 67

﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ وقال: ﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ .قال الخليل: صَلِي الكافر النار: قاسى حرَّها وقيل: صَلِي النار: دخل فيها. وأصلاها غيره، قال: فسوف نصليه ناراً والصلاة.قال كثير من أهل اللغة هي: الدعاء والتبريك والتمجيد. يقال: صليت عليه: أي: دعوت له وزكيت. وقال ﵇: " إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائماً فليصلِّ"، أي: ليدعُ لأهله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ وصلوات الرسول". وصلاة الله للمسلمين – هو في التحقيق -: تزكيته إياهم.وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ومن الملائكة: هي الدعاء والاستغفار، كما هي من الناس والصلاة التي هي العبادة المخصوصة: أصلها الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه وقال بعضهم: أصل " الصلاة" من " الصَّلَى " قال: ومعنى " صَلَّى الرجل ": أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة " الصَّلَى " – الذي هو نار الله الموقدة – وبناء " صَلَّى " كبناء مرَّضَ لإزالة المرض..". وقال السمين: (ص ل و) : قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ . الصلاة لغوية وشرعية: فاللغوية: الدعاء. قال الأعشى: تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلاً ... يا ربّ جنِّب أبي الأوصاب والوجعا

стр. 68

عليك مثل الذي صلّيتِ فاغتمضي ... نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا وقال آخر: لها حارس لا يبرح الدهر ينهها ... وإن ذبحت صلّى عليها وزمزما وأما الشرعية: فذات الأركان المعلومة. وهي مشتقة من ذلك لأنها مشتملة على الدعاء.. وقيل: هي مشتقة من الصَّلَوين – عرقين – لأن المصلّي يحركهما عند حركته فيها. ومنه المصلِّي في حلبة السباق، لأنه يضع رأسه عند صَلَوي السابق... وقيل: هي مشتقة من الصِّلاء. وهو النار، لأنه إذا فعل هذه العبادة فقد درأ عن نفسه الصِّلاء وهذا مردود بأن تلك مادة أخرى كما سيأتي.. وقال السمين أيضاً: (صَلِيَ) : قوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا﴾ : أي: لا يدخلها ويلاقي صلاها" أما الفيروز أبادي: فقد أورد معظم كلام الراغب. وزاد في الاستشهاد بالآيات وبيان معنى الصلاة في كل آية. وأما معجم المجمع فقال: "صلّى" أدى الصلاة " تُصَلِّ" تؤد صلاة الجنازة، وقيل: تدعو. وأما الفراهي. فيقول: " الصلاة" – في الأصل -: الإقبال على شيء، ومنه الركوع، ومن التعظيم والتضرع والدعاء. وهي كلمة قديمة بمعنى الصلاة والعبادة: جاءت في الكلدانية بمعنى الدعاء والتضرع وفي العبرانية بمعنى الصلاة والركوع. ومن هذا الأصل: صَلِيَ النار: أقبل عليها ثم بمعنى: دخل

стр. 69

النار، كما قال تعالى: " ﴿سَيَصْلَى نَاراً﴾ وأيضاً: " ﴿سَيَصْلَى نَاراً﴾ ومنه التصلية، كما قال تعالى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ واستعملت العرب كل ذلك" ومن كل ما تقدم يبدو لنا أن معظم كلام الراغب قد ورد عند كل من السمين والفيروزأبادي، وأن الإضافات التي أضافها السمين تتصل ببعض الشواهد الشعرية التي أغفلها الراغب، كما أغفل بعض الأصول الاشتقاقية التي ذكرها كل من السمين والفيروزأبادي كالصَّلَوين وغيره. وكذلك يلاحظ أن السمين ذكر " الصلاة" تحت مادة " ص ل و " وذكر " صَلِيَ النار" و " التَّصْلِيَة" تحت مادة " ص. ل. ي" فقد فرق بين المادتين فجعل الأولى من الواو، والثانية من الياء، وقد انفرد السمين بهذا. جعل الراغب أصل الكلمة من " الصِّلى " بمعنى: الإيقاد بالنار ن ثم ذهب إلى معنى الدعاء والتبريك والتمجيد، ولكنه لم يبين لنا كيف تم الانتقال من معنى " الإيقاد بالنار" إلى معنى " الدعاء" علماً بأنه بعد أسطر أورد قول بعضهم من أن أصل " الصلاة " من " الصَّلَى" قال: ومعنى صلَّى الرجل: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة " الصَّلَى " الذي هو نار الله الموقدة. وبناء "صلّى" كبناء " مَرَّضَ" لإزالة المرض، ولايبدو هذا التعليل على درجة من القوة تجعله يحظى بالقبول. وأما ما ذهب إليه الفراهي من أن " الصلاة " – في الأصل -: الإقبال على شيء وأنها كلمة قديمة جاءت في الكلدانية بمعنى الدعاء والتضرع، وفي العبرانية بمعنى الصلاة والركوع، فإن هذا الأصل الاشتقاقي يدخل تحته كل

стр. 70

المعاني التي ذكرت للصلاة دون تكلف، وبهذا يكون هذا المعنى هو الجذر الحقيقي لبقية المعاني الأخر ومن ثم فهو الأصل الراجح.

стр. 71

كلمة العصر قال الراغب: " العَصْرُ والعِصْر": الدهر. والجمع: العصور. قال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ والعصر: العشي. وإذا قيل العصران " فقيل: الغداة والعشي وقيل: الليل والنهار، وذلك كالقمرين للشمس والقمر". وقال السمين: قوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي: ورب العصر والعصر: الزمان. قال الشاعر: وقد مر للدارين من بعد عصرنا والجمع: أعصر، وعصور. قال الشاعر: حَيُوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا والعصر أيضاً: وقت هذه الصلاة المعروفة بخصوصها لأنها فُعلت في وقت. واللغة ليست بقياس وتسمى كل صلاة عصراً. والعصران قيل: الليل والنهار. وقيل: الغداة والعشي" وقال الفيروز أبادي: ((العصر: الدهر والجمع: عصور وأعصار وقد ورد بمعنى الدهر أو صلاة العصر ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ والعصران: صلاة الغداة والعشي. وقيل: الليل والنهار كالقمرين للشمس والقمر.

стр. 72

وقال معجم المجمع: العصر: الدهر ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وقال الفراهي: " العصر " الزمان الماضي. و" العصر" آخر النهار – كما قال الحارث بن حلزة (١) في معلقته: آنَسَتْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَها ... القُنَّاصُ عَصْراً وقَدْدَنا الإمسَاءُ والسند على المعنى الأول – الزمان الماضي – كثير: قال عبيد بن الأبرص: فذاك عصر وقد أراني ... يحملني بازل شبوب (٢) وقال امرؤ القيس: أَلا عِمْ صباحاً أيُّها الطَّللُ البالي ... وهل يَعمنْ من كان في العصر الخالي (٣) وقال رُبَيع بن ضُبُع بن وهب بن بغيض بن مالك: أصبح مني الشباب قد حسرا ... إن ينأ عنِّي فقد ثوى عُصُرا وقال المتلمس: عرفت لأصحاب النجائب جدة ... إذا عرفوا لي في العصور الأوائل وقال دريد بن الصمة: فإن لا تتركي عذلي سفاهاً ... تلُمْكِ عليه نفسُكِ غيرَ عصر

стр. 73

أي: من غير أن يمر بك كثير زمان. وقال شريح بن هاني بن يزيد بن يهبل بن وريد بن سفيان: قد عشت بين المشركين أعصرا ... ثمت أدركت النبي المنذرا وقال مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم: قد كنت في عصر لاشيء يعدله ... فبان مني وهذا بعده عصرا أي: هذا الزمان بعد ذلك ايضاً ماض ومار. وقال أبو خرابة الوليد بن ضيفة: وكنا حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصُرا أي: بعد أن كانوا ميتين حقباً. وقال ابن هرمة (١) : أذكرْتَ عَصْرَك أم شَجَتْك ربوع ... أم أنت مُتَبّل الفؤاد مضوع أي: ذكرت زمانك الماضي. وهكذا نرى أن السابقين فسروا " العصر " بالدهر والزمان عموماً، وأن الفراهي رأى أن ذلك التفسير غير دقيق، فانطلق يرتاد رياض الشعر الجاهلي باحثاً عن حقيقة المعنى فانتهى إلى أنه ليس مطلق الزمان وإنما هو الزمان الماضي، وأكد ذلك بالشواهد الشعرية الكثيرة. وهذا يعني أن المعاني الدقيقة يمكن الوصول إليها من خلال استعمال العرب الأقحاح لها في شعرهم.

стр. 74

ملاحظات على المعاجم السابقة: بعد تلك المقارنات التي قمنا بها ومن خلال النماذج التي عرضناها، يمكننا أن نبدي بعض الملاحظات على المعاجم السابقة. وهي كما يلي: - على الرغم من كل الجهود التي بذلها علماؤنا خلال العصور في بيان معاني المفردات القرآنية، فإنهم لم يقولوا الكلمة الأخيرة ويبقى الأمر مفتوحاً للدراسة والتحقيق والتدقيق. - على الرغم من أن الراغب الأصفهاني يعتبر إمام الدارسين في مناسبات الألفاظ بعضها لبعض، وفي بيان جذور المعاني الأصلية وانتقالها خطوة خطوة إلى المعاني المستعارة، إلا أنه لم يصب دائماً كبد الحقيقة. - يعتبر الراغب الأصفهاني العمدة لكل من جاء بعده، ولم يؤخذ عليه ملاحظات ذات قيمة من الذين اعتمدوا كتابه ضمن كتبهم، وذلك كالسمين الحلبي، والفيروز أبادي. - معظم الإضافات التي أضافها السمين كانت في التوسع في إيراد الشواهد الشعرية، أو ذكر بعض الأقوال التي أغفلها الراغب لضعفها عنده، أو في ذكر الكلمات التي فاته أن يذكرها أو في التوسع في شرح بعض الألفاظ من خلال ورودها في الأحاديث النبوية. - لم يلتزم السمين دائماً ترتيب المادة العلمية – كما هي عند الراغب- فقد يقدم فيها ويؤخر، ولكنه في الجملة يأتي بكل ما ذكره الراغب. - ينسب السمين أقوال الراغب إليه في بعض الأحيان، ويغفل ذلك بعض الأحيان. وقد يقول: قال بعضهم: أو قال بعض أهل اللغة – وأمثال هذه العبارات – وعند المقارنة يتبين أنها أقوال الراغب نفسها.

стр. 75

- أما الفيروز أبادي فقد استوعب أيضاً معظم ما جاء في مفردات الراغب. ولم تكن له ملاحظات تذكر على الراغب. - يمتاز الفيروزأبادي بأنه بعد أن يورد معنى المفردة القرآنية في أصل اشتقاقها مستفيداً في ذلك من الراغب، يعمد إلى ذكر وجوهها في القرآن كأن يقول: " وقد ورد في القرآن على ثلاثة عشر وجهاً. ثم يبدأ بذكر هذه الوجوه واحداً واحداً مستشهداً في ذلك بآية أو أكثر عند كل وجه من هذه الوجوه حتى يستوعب معظم هذه الآيات وهو في ذلك مستفيد من كتب الوجوه والنظائر غالباً. - يتوسع الفيروز أبادي عند شرحه للمفردات القرآنية بذكر بعض المعاني التي لم يذكرها الراغب، وكثير منها قد يؤخذ من الأحاديث النبوية، وبعضها قد يكون من المعاني اللغوية. - عند الفيروز أبادي استطرادات عجيبة، فعند كلامه على مادة " برق" ذكر واحداً وثلاثين فعلاً يمكن أن يضاف إلى البرق: يشري، ويومض، ويعنّ، ويعترض، ويوبص وبعد أن ينتهي من سرد هذه الأفعال المسندة إلى البرق، يقول: ومما يستحسن في وصف البرق وخفائه والرعد في حدائه، والثلج ولألائه، قول بعضهم: ينبض نبض العرق في استخفاء ... شرارة تطرف من قصباء ويذكر تسعة أبيات من هذه القصيدة، ثم يذكر سبعة أبيات لعدي بن الرِّقاع، من أحسن ما قيل في البرق والغيث ثم يتبعها بأربعة عشر بيتاً للعتابي.
следующие страницы →