← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12073

معالم في السلوك وتزكية النفوس

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.

стр. 36

إشارات صوفية، أو مسالك كلامية. فعن عائشة ﵂ قالت: " كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه " (١) . " دخل الحسن البصري – ﵀ – المسجد فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون، فأنصت لحديثهم، ثم قال: هؤلاء قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا " (٢". " وقال الأوزاعي – ﵀:عن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً " (٣) . " وكان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه.. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل , لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل " (٤) " ولما سئل الإمام مالك عن طلب العلم، قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه " (٥) . " وتحقيقاً للاشتغال بما هو أنفع كره الإمام احمد بن حنبل – ﵀ – توسعة الكلام في دقائق أعمال القلوب والتي تنقل عن الصحابة والتابعين (٦) إضافة إلى أن الاشتغال بتلك الدقائق والآفات الخفية ربما أوقع فيما هو أشك منها كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم – ﵀ – فقال:

стр. 37

"فلا إله إلا الله. كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه؟ فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب.... ثم بين القلب وبين الرب مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب، ورؤية العمل، ونسيان المنة، وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأي العجب، ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها، من اليأس والقنوط والاستسحار، وترك العمل، وخمود العزم، وفتور الهمة، ولهذا لما ظهرت " رعاية " (١) ١ أبي عبد الله بن الحارث بن أسد المحاسبي، واشتغل بها العباد، عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها، بالعبادة، والطبيب الحاذق يعلم كيف يطبّ النفوس، فلا يعمر قصراً ويهدم مصراً (٢") (٣) ويقول في موضع آخر: " وسألت يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عن هذه المسألة (تهذيب) الأخلاق وترويضها " وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها؟ فقال لي جملة كلام: النفس مثل الباطوس – وهو جبّ القذر – كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه، وتعبره وتجوزه، فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإن لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئاً ظهر غيره. فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها،

стр. 38

والاشتغال بقتلها انقطع، ول يمنه السفر قط، ولتكن همتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جداً، وأثنى على قائله " (١) . كما أن الاشتغال بتلك الدقائق ينبغي أن يكون مسبوقاً بما هو آكد فرضاً من فعل الواجبات الظاهرة وترك المحرمات الظاهرة. ولذا يقول ابن رجب – ﵀:- " وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شئ من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألوني عن دم العوض، وقد قتلوا الحسين " (٢)

стр. 39

مراعات قدرات الناس في فعل الطاعات ... ٥- ومن معالم السلوك الشرعي: مراعاة تفاوت قدرات الناس في فعل الطالعات، وذلك بسبب اختلاف استعداداتهم، وتنوع مواهبهم وميولهم. وقد قرر الإمام مالك بن انس – ﵀ – هذا المعْلَم وذلك لما كتب عبد الله العُمري العابد إلى مالك يحضّه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشْر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٣) .

стр. 40

ولما سئل ابن تيمية – ﵀ – عن الأسباب التي يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل.. هل يبدأ بالزهد؟ أو بالعلم؟ أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته؟ أجاب بقوله: " الناس يتفاضلون في هذا الباب، فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد، ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه ن ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما، فالمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير، كما قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن، آية ١٦) . وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له، وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقاً، إذا كان متعذراً في حقه أو متعسراً يفوته ما هو أفضل له وأنفع كمن يقرأ القرآن فيتدبره وينتفع بتلاوته، والصلاة تثقل عليه، ولا ينتفع منها بعمل أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة، فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على وجهه، بل على وجه ناقص، يفوته ما هو أنفع له " (١) . وقال – في موضع آخر:- "وأما ما سألت عنه أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد....." (٢) . وتحدث ابن القيم عن هذا المعلم فكان مما قاله: " والمقصود أن الطريق إلى الله واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه على واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق

стр. 41

إلى الباطل فهو باطل. فالباطل متعدد، وطرقه متعددة، وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق على الله متعددة متنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلاً , فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من حدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه متعدد متنوع، فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، كلها طرق مرضاته، فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جداً لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم. وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، وقد وفر عليه زمانه مبتغياً به وجه الله، فلا يزال كذلك عاكفاً على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك إلى الله، ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته ... ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى انه قد غبن وخسر. ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر في ورده منها ومضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره. ومن الناس من يكون كريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان وأنواع الصدقات. ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه. ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة.

стр. 42

ومنهم جامع المنفذ السالك إلى الله تعالى في كل واد، الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قبلة ونصب عينه يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين..يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربُها، لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت " (١) .١ وهذا الصنف الأخير- الذي ذكره ابن القيم آنفاً. هم الصد يقون. سلكوا كل أبواب الخير، وحققوا جميع خصال البر وأعماله (٢) ، كما قال تعالى: ﴿ليس البر أن تولّوا وجوهكم قِبلَ المشرقِ والمغربِ ولكنّ البرَّ من آمن بالله واليوم الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيين وآتى المالَ على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين وفي الرقابِ وأقام الصلاة َ وآتى الزكاةَ والموفونَ بعهدِهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسِ والضراءِ وحين البأسِ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة، آية ١٧٧) . وخير مثال على الصديقين: أبو بكر الصديق ﵁ والذي كان له السبق في جميع القربات والصالحات. فعن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : " من أصبح منكم اليوم صائماً: قال أبو بكر رضي اله عنه: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟. قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟

стр. 43

قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة " (١) . ١ كما أن هذا الصنف الكريم هم أصحاب التعبد المطلق ن فليس لهم غرض في تعبد بعينه يؤثر على غيره، بل غرضهم تتبع مرضاة الرب تعالى في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته (٢) . هذا ما تيسر جمعه والإطلاع عليه من تلك المعالم والله المستعان.

стр. 44

موضوعات سلوكية أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق ... وضوعات سلوكية يتضمن هذا القسم نماذج مختصرة لموضوعات سلوكية صفات أخلاقية لأهل السنة، وإذا كان القسم الأول يعدّ تنظيراً وعلماً، فإن هذا القسم يعدّ تطبيقاً وعملاً، ولذا سنورد في هذا القسم أمثلة واقعية وأحداثاً عملية من حياة السلف الصالح، كما نذكر ما أثر عنهم من مقولات جامعة ونافعة في بعض جوانب السلوك، لعل الله تعالى أن يجعل ذلك حافزاً على التأسي بهم والسير على نهجهم، وكما قال حمدون القصار: ((من نظر سيرة السلف عرف تقصيره وتخلُّفه عن درجات الرجال)) (١) ١. ((وذكر عند مخلد بن الحسين أخلاق الصالحين)) فقال: لا تعرضنَّ لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد (٢)

стр. 45

أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق من الصفات السلوكية المهمة لأهل السنة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدي وأتباع، وأرباب عمل وإقتداء، ومن ثم كانوا أعلم الناس بالحق – حيث يقبلون الحق حيث كان ومع من كان – وأحرص الناس على تبليغ الدين والدعوة إليه، ومنابذة أهل الأهواء والبدع،وفي نفس الوقت فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً. يقول ابن تيمية في هذا المقام: " وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق" (١١) . ويقول ابن رجب في هذا الصدد: "كان خلفاء الرسل وأتباعهم من أمراء العدل وأتباعهم وقضاتهم لا يدعون

стр. 46

إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية والإلهية ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده. وكانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى الله ويتحملون في تنفيذ أوامر الله من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك، كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول لأبيه في خلافته: إذا حرص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت ُ أني غلت بي وبك القدور في الله ، وقال بعض الصالحين (١) .: وددت أن جسمي قُرِض بالمقاريض وأن هذا الخلق كلهم أطاعوا الله " ومعنى هذا أن صاحب هذا القول قد يكون لحظ نصح الخلق والشفقة عليهم من عذاب الله بأذى نفسه، وقد يكون لحظ جلال الله وعظمته وما يستحقه من الإجلال والإكرام والطاعة والمحبة، فود أن الخلق كلهم قاموا بذلك وإن حصل له في نفسه غاية الضرر " (٢) . إن التزام أهل السنة بالعلم والعدل أورثهم هذه الخصلة الرفيعة، فمسلك أهل السنة قائم على العلم والعدل لا الجهل والظلم، حتى كان أهل السنة لكل طائفة من المبتدعة خير من بعضهم لبعض " بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض. وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون أنتم تنصفونا ما لا ينصف بعضنا بعضاً" (٣) . لقد تلقي أهل السنة هذه الصفة الحميدة من صاحب الخلق العظيم نبينا محمد ﷺ أعلم الناس بالحق وأعظم الناس رحمةً ورأفة، فمن أجل إظهار الحق بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق

стр. 47

جهاده، ومن أجل نصرة الحق نجده ﷺ يغضب أشد الغضب فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، وكذلك حين رأى بعض أصحابه – ﵃ – يتخاصمون قي القدر، ثم قال: " مهلاً يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضاً، وإنما نزل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه " (١) ١. ومع ذلك كله فقد كان ﷺ هو الرحمة المهداة، قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ . وعن عائشة ﵂ قالت: ما خير رسول الله صلى اله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثماً، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها (٢) . وتأمل – أخي القارئ – ما لقيه ﷺ من أنواع الأذى في سبيل دعوته ونصحه للخلق، ولما سألته عائشة ﵂ قائلة: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد، فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذا عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق

стр. 48

عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " (١) . بل إن الرحمة بالخلق والتمسك بالحق خصلة من خصال الأنبياء كما هو ظاهر في قصصهم ﵈، ومثال ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ حيث قال: كأني انظر إلى النبي ﷺ يحكى نبياً من أنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (٢) . ولقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق ويرحم الخلق ن فإنه لما رأى سبعين رأساً من الخوارج وقد جزت تلك الرؤوس ونُصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلاماً بالحق: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء. ثم بكى قائلاً: بكيت ُ رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام (٣) . ١ وكان أويس القرني – ﵀ – إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضْل من الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات جوعاً فلا تؤخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به (٤) . وكان عمر بن عبد العزيز – ﵀ – يقول: يا ليتني عملتُ فيكم بكتاب الله وعملتم به ن فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شئ منها خروج نفسي (٥) .

стр. 49

وقال الفضيل بن عياض – ﵀: إني لأستحي من الله أن أشبع حتى أرى العدل قد بسط، وأرى الحق قد قام (١) . وهذا الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل – ﵀ – يثبت على كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فيقول بكل يقين: القرآن كلا الله غير مخلوق، ويصبر الإمام على ما أصابه من أنواع الإيذاء والفتنة من قبل رؤوس المعتزلة – آنذاك – ومن تبعهم من خلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق. " ولما جاءه أحدهم وهو في السجن فقال: الإمام أحمد: عن كان هذا عقلك فقد استرحت " (١) . ومما قاله الإمام الذهبي – ﵀ – في شأن محنة الإمام احمد: " الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به ن والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن بهما كاملاً، فهو صديق، ومن ضَعُف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، وليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله " (٢) . وبقد كان الإمام أحمد بن حنبل رجلاً ليناً، لكن رأى الناس يجيبون ويعرضون عن الحق، عندئذ ذهب اللين، وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه (٣) . ومع ذلك البطش والجلد والسجن ففي حل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق – يعني المعتصم – في حل، ورأيت لله يقول: ﴿وليعفو اويصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله

стр. 50

لكم﴾ وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، - ثم قال – وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك؟ " (١) . وهناك مثالاً لآخر لأئمة أهل السنة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر عقيدة السلف الصالح، ويجاهد بلسانه وسنانه طوائف الزيغ والانحراف، فيرد على أهل الكتاب، ويقمع أكاذيب الباطنية، ويناظر الصوفية وأهل الكلام.... وكل ذلك من أجل بيان الحق وتبليغه. وفي نفس الوقت فقد كان ﵀ من أعظم الناس شفقة وإحساناً، وإليك المشاهد الدالة على ذلك: يقول تلميذه البار ابن القيم: " جئت يوماً مبشراً له (أي لابن تيمية) بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له " (١٢) . ولما مرض ابن تيمية – مرض الوفاة – دخل عليه أحدهم فاعتذر له، والتمس منه أن يحلله فأجابه الشيخ: ((إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق. وإني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي، كونه فعل ذلك مقلداً غيره.." (٣) . وقال أحد خصومه – ابن مخلوف -:" ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا " (٤) . أخيراً أدعو إخواني إلى ضرورة معرفة الحق ورحمة الخلق، وأن نهتم بتحقيق العلم والعدل في هذا الشأن، وأن نسعى جادين صادقين إلى تحقيق منهج أهل السنة عقيدة وسلوكاً والله المستعان.

стр. 51

٢- تزكية النفوس في خضم شؤون الحياة المعاصرة، وكثرة مشاغلها وتعدد متطلباتها، قد ننسى أن نتعاهد أنفسنا بالتربية والتزكية، ومن ثم تقسو القلوب، ونتثاقل عن الباقيات الصالحات، ونركن إلى متاع الدنيا وزخرفها. ولأجل ذلك نتحدث عن تزكية النفوس من خلال ما يلي: أ - أهمية الموضوع: مما يوضح أهمية هذا الموضوع أن الله تعالى أقسم أقساما كثيرة ومتوالية على أن صلاح العبد وفلاحه منوط بتزكية نفسه، فقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس، آية ٧-١.) . وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى، آية ١٤ -١٥) . وكان الأنبياء ﵈ يدعون إلى تزكية النفوس، فهذا موسى ﵇ يقول لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات، آية ١٨، ١٩) . وقال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة، آية ٢) وتزكية النفس سبب الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، كما قال :

стр. 52

﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه، آية ٧٥، ٧٦) . أي طهّر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب (١١) . وكان من دعائه ﷺ : " اللهم آت نفسي تقواها. وزكِّها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها " (٢) . أ - معنى التزكية: التزكية لغة: الطهارة والنماء والزيادة. والمراد بها ها هنا: إصلاح النفوس وتطهيرها، عن طريق العلم النافع. والعمل الصالح، وفعل المأمورات وترك المحظورات. وقد بين النبي ﷺ معنى تزكية النفس بقوله:" أن يعلم أن الله معه حيث كان ". ونسوق الحديث بتمامه، حيث قال ﷺ : " ثلاث من فعلهن فقد ذاق طعم الإيمان. من عبد الله وحده بأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيرها، ولم يأمركم بشرها،وزكى نفسه، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: أن يعلم أن الله معه حيث كان " (٣) ٢. فجعل النبي ﷺ تزكية النفس إحدى الخصال الموجبة لذوق طعم الإيمان،