بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن السلوك الصحيح وتزكية النفوس من أعظم أمور الدين، وأجل خصاله، حيث اهتم سلفنا الصالح بالسلوك الشرعي علماً وعملاً، فالسلوك الظاهر ملازم للإيمان الباطن، وصلاح الظاهر ناشئ عن صلاح الباطن، وكذا العكس.
ومع شدة الحاجة إلى فقه السلوك علماً وعملاً، فإننا قد لا نجد كتابات معاصرة تعالج الجانب السلوكي من خلال منهج أهل السنة، إضافة إلى كثرة المخالفات والانحرافات للسلوك السوي من قبل أعداد كبيرة من أهل السنة، فضلاً عن غيرهم.
ولأجل ذلك رغبت أن أسهم في خدمة هذا الجانب، فيسر الله تعالى بمنه وتوفيقه جمع هذا الكتاب وإعداده.
ويتضمن هذا الكتاب قسمين، أحدهما: معالم في السلوك وتزكية النفوس، وهو عبارة عن لمحات في منهج السلف في تقرير السلوك.
ولما كان السلوك – عند السلف – يعد إيماناً وديناً، فإننا نراهم يفردونه بكتب مستقلة، بل ويوردون الجوانب السلوكية ضمن كتب العقيدة، لأن السلوك وما يتعلق بالصفات الأخلاقية من شعب الإيمان وخصاله، فلا نتفك عنه.
стр. 2
لقد كان للنزعة الإرجائية الكلامية أثر ظاهر في إهمال موضوعات السلوك والأخلاق، فلما كان الإيمان – عندهم – تصديقاً فحسب، أهملوا أعمال القلوب والجوارح. ولما كان توحيدهم – فقط – هو توحيد اعتقاد الربوبية لله تعالى، أعرضوا عن توحيد العبادة والإرادة والطلب، ما يتبعه من الجوانب السلوكية والأخلاقية.
وأما القسم الآخر فهو نماذج مختارة لموضوعات سلوكية، وقد اقتصرت على خمسة موضوعات، وهي: أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، وتزكية النفوس، وأعمال القلوب، ومكايد الشيطان، والإخلاص والعجب.
وقد حرصت على الاختصار، مع التفصيل – أحياناً – لبعض المسائل التي قد تخفى على الكثير وأوردت في تلك الموضوعات أمثلة عملية وأقوالاً مأثورة من حياة السلف الصالح، وما كان عليه من سلوك صحيح، وإخلاص لله تعالى، وتحقيق العبودية التامة لله وحده لا شريك له
١ وعندما نورد تلك الأمثلة الواقعية من حياة السلف الصالح، فإننا ((نستغفر الله ن الكلام فيما لسنا بأهل له)) . (١)
وإذا كان الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ – يسئل عن أخلاق الورعين، فيقول: ((أسأل الله أن لا يمقتنا)) . (٢)
فكيف بحالنا نحن الضعفاء المذنبين؟
لا تعرضن َّ لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيحُ إذا مشى كالمقعدِ
إن الكاتب في مثل تلك الموضوعات السلوكية قد يجد شيئاً من التردد والإحجام، ويخشى أن يُلبّس عليه الشيطان من خلال هذا الباب، فإن من كيد إبليس على المشتغلين والمتكلمين في الزهد والسلوك أن يلبِّس عليهم أنكم من جملة
стр. 3
الموصوفين بذلك، لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفتَ ما تصف وسلكت الطريق (١) .
ومع ذلك فلا يلزم - ضرورة – أن من وضح السلوك الصحيح أن يكون عاملاً به، لكن قد يكون وصفه وبيانه للسلوك الصحيح – وإن كان مقصراً في العمل – سبباً في الاستقامة على هذا السلوك، والاستحياء من الله
فإن المتعين على الدعاة أن يبينوا الحق، ويدلوا الناس على السلوك الشرعي، وإن لم يحققوه عملاً، وكما قال سعيد بن جبير – ﵀: ((لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شئ، ما أمر أحد بالمعروف، ولا نهى عن منكر)) (٢) .
أسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يجعل عملنا خالصاً صواباً، وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
стр. 4
أهمية الموضوع:
تتجلى أهمية هذا الموضوع من خلال الأمور التالية:
١- اهتم السلف الصالح بتزكية النفوس، واعتنوا بالجانب السلوكي والأخلاقي علماً وفقهاً، كما حققوه عملاً وهدياً، فأفردوا كتباً مستقلة في الزهد والرقائق ونحوهما بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة.
كما قال الإسماعيلي (ت ٢٧١هـ) في اعتقاد أهل السنة:
((ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر ن والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والاغتيال، والسعاية.
ويرون كف الأذى، وترك الغيبة، إلا لمن أظهر بدعة وهوى يدعو إليهما، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم)) (١)
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني (ت ٤٤٩هـ) في عقيدة السلف:
((ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتويات، وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات
ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه ويتقون الجدال في الله، والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات)) (٢) .
стр. 5
وقال قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصفهاني (ت ٥٣٥هـ) :
((ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرر من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحابّ في الله ، واتقاء الجدال والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم، والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وترك الزور، وقذف المحصنات، وإمساك اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم الغيظ والصفح عن زلل الإخوان، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله والشفقة على خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة لقرآن، والبدار إلى أداء الصلوات)) (١) .
وذكر ابن تيمية – ﵀ – جملة من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة، ومن ذلك قوله:
((يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (٢) ، ويندبون أن ١تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن لجوار والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفا سفها)) (٣) .
стр. 6
٢-هناك تلازم بين السلوك والاعتقاد، فالسلوك الظاهر مرتبط بالاعتقاد الباطن، ومن ثم فإن الانحراف الواقع في سلوكنا وأخلاقنا الظاهرة إنما هو ناشئ عن نقص في إيماننا الباطن.
يقول ابن تيمية موضحا ً هذا التلازم:
((إذا انقضت الأعمال الظاهرة الواجبة، كان ذلك نقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملاً وجود هذا كاملاً، كما لزم من نقص هذا نقص هذا، إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع)) (١) .
ويقول أيضاً: ((وإذا قام بالقلب التصديق به ن والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، فما يظهر على البدن من الأقوال والعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه))
(٢) .
ويقول الشاطبي في هذه المسألة:
((الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرماً، حكم على الباطن بذلك، أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك أيضاً، وهو أصل عام في الفقه، وسائر الأحكام العاديات، والتجريبيات، بل الالتفات إليهما من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جداً)) . (٣) .
стр. 7
إضافة إلى ذلك، فإن الإيمان إذا جاء مطلقاً مجرداً ن فإنه يندرج فيه السلوك والأخلاق وسائر الأعمال الصالحة، كما في حديث الإيمان – مثلا – حيث قال ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (١) .
وكما يقول ابن تيمية:
((اسم الإيمان يستعمل مطلقاً، ويستعمل مقيداً، وإذا استعمل مطلقاً فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال لعبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين يجعلون الإيمان قولاً وعملاً ... ودخل في ذلك ما قد يسمى مقاماً وحالاً، مثل الصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرضا، والخشية، والإنابة، والإخلاص، والتوحيد وغير ذلك)) (٢) ١.
٣ - يترتب على تحقيق الجانب الخلقي السلوكي الأجر الكثير والثواب الجزيل، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.
فقد عد الله تعالى في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران، آية ١٣٣، ١٣٤) .
وقد جعل رسول الله ﷺ حسن الخلق أكمل خصال الإيمان فقال: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (٣) .
стр. 8
كما أخبر النبي ﷺ أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم فقال: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم القائم)) (١) .
وجاء في أحاديث أخرى أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان ن وأن صاحبه أحب الناس إلى الله وأقربهم من النبيين مجلساً.
فقال ﷺ : ((ما من شئ يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق)) (٢) .
وقال ﷺ : ((ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالو ا: بلى: قال: أحسنكم خلقاً (٣)) ) (٤) .
قال ابن القيم ﵀: ((الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين)) (٥) .
١ وقال ابن رجب ﵀ عند شرحه لقوله ﷺ : ((وخالق الناس بخلق حسن) (٦) .
((هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما إفراده بالذكر الحاجة إلى بيانه، فإن كثيراً من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده ن فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس، فكثيراً ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكلية او التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً
стр. 9
لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين)) (١) .
٤- وإذا كان سلفنا الصالح قد اعتنوا كثيراً بالسلوك علماً وعملاً، لأهميته وقيام التلازم بين السلوك الظاهر والإيمان الباطن، إضافة إلى الوعد الكريم والأجر الكبير لأصحاب السلوك الشرعي.
مع ذلك كله فإن الناظر إلى واقع الكثير منا – معشر المنتسبين لأهل السنة – يرى تقصيراً وتهاوناً في هذا المجال، فأنت تشاهد تفرقاً وخصومة ن وجدلاً ومراءً، وأهواء وشهوات ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 10
معالم في منهج السلوك
مصدر تلقي السلوك هو الكتاب والسنة
...
من خلال استقراء جملة من كتب السلف الصالح في السلوك والرقائق يمكن أن تستخلص المعالم التالي:
١- إن مصدر تلقي السلوك (١) والأخلاق عند السلف الصالح هو الكتاب والسنة، فإنهم أهل أتباع، وأرباب طريقة أثرية ٠
قال تعالى: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ (النحل، آية ٩٩)
وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (النساء، آية ٥٩)
وعن أبي ذر ﵁ قال: ((لقد تركنا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً)) (٢)
стр. 11
يقول ابن تيمية: ((إن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق وهذا كله مبين في الكتاب والسنة، فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه.
ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة.
وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، ((فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة)) (١) . ١
ويقول أيضاً: ((المعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب النبي ﷺ ن فمن بنى الكلام في العلم – الأصول والفروع – على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البد نية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد ﷺ وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريقة أئمة الهدى)) (٢) .
وعندما ذكر الإمام الذهبي السلوك الصحيح، نجده لا يورد إلا ما دل عليه الدليل، كما هو ظاهر مقالته الآتية
((السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في النطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر والإنفاق
стр. 12
مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالمعروف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم)) (١) .
ويقرر ابن القيم أن السلوك وتزكية النفوس لا يكون إلا عن طريق الرسل ﵈ فيقول: ((وتزكية النفوس مسلم إلى الرسل)) ، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة، وتعليماً، وبياناً، فهم المبعثون لعلاج نفوس الأمم. قال الله تعالى﴾ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياتهِ ويزكيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمةَ وإن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين ﴿ (الجمعة آية ٢) .
وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد، والتسليم لهم، والله المستعان)) (٢) . ١
وهذا السلوك الشرعي على مرتبتين كما قرره ابن تيمية بقوله: ((والسلوك سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمن، وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنًا وظاهراً)) .
والثاني: سلوك المقربين السابقين وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان، وترك المكروه والمحرم، كما قال النبي ﷺ : ((إذا نهيتكم عن شئ
стр. 13
فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (١)(٢)
وإذا كان عامة من ضل في باب الاعتقاد بسبب الإعراض عن ما جاء به الرسول. (٣) ، فكذلك الضلال في باب السلوك، إنما كان ناشئاً – في الجملة – بسبب الإعراض عن نصوص الوحيين، كما هو ظاهر في متأخري الصوفية، وأرباب الطرق المحدثة (٤) .
قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى * ومن اعرض َ عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ (طه: آية ١٢٣ – ١٢٦) .
قال ابن عباس ﵄: ((تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل به، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية)) . (٥)
بل إن البدع في باب السلوك أكثر من البدع الاعتقادية، كما بين ذلك ابن تيمية بقوله: ((ولا ريب أن البدع كثرت في باب العبادة والإرادة أعظم مما كثرت في باب الاعتقاد والقول، لأن الإرادة يشترك الناس فيها أكثر مما يشتركون في القول، فإن القول لا يكون إلا بعقل، والنطق من خصائص الإنسان، وأما جنس الإرادة
стр. 14
فهو مما يتصف به كل الحيوان فما من حيوان إلا وله إرادة)) (١) .
لقد صنف متأخرو الصوفية كتبًا كثيرة في السلوك، وغلب على تلك الكتب قلة العلم بالسنن والآثار، وكثرة الموضوعات، والتعويل على أخبار متأخري الزهاد، ومع ذلك فلا تخلو تلك الكتب من حق وصواب ١ (٢) .
وسمى أرباب الطرق الصوفية ما أحدثوه من البدع ((حقيقة)) ، فطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه (٣) ، بل قدموا أذواقهم ومواجيدهم وكشوفاتهم الباطلة على نصوص الوحيين (٤) .
يقول ابن تيمية في هذا الصدد:
((من عارض كتاب الله وجادل فيه بما يسميه معقولات وبراهين وأقيسة، أو ما يسميه مكاشفات ومواجيد وأذواق، من غير أن يأتي على ما يقوله بكتاب منزل فقد جادل في آيات الله بغير سلطان، هذا حال الكفار الذين قال فيهم:﴾ ايجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴿ (غافر آية ٤) فهذه حال من يجادل في آيات الله مطلقاً (٥) .
وقال ابن القيم – مبيناً خطورة الابتداع في السلوك:
((وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم، وسيره على جادة الذوق والوجد، ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذه فتنته ن والفتنة به شديدة)) (٦) .
стр. 15
وليس هذا فحسب، بل أغلوا في الانحراف والإعراض عن هدي الله تعالى، حتى قال قائلهم: حدثني قلبي عن ربي وقال بعضهم: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت وأنتم تأخذونه من حي يموت، وقال الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله ، وقال رابعهم: إذا رأيت الصوفي يشتغل بـ ((أخبرنا)) و ((حدثنا)) فأغسل يدك منه!! .
قال أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣هـ) في نقد تلك الأقاويل:
(. فإذا قالوا (أي الصوفية) عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، فقد طعنوا في النبوات، وعولوا على الواقع، ومتى أزري على طريق، سقط الأخذ به ومن قال: حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري أن يكون من إلقاء الشياطين ن فقد قال الله : ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ (الأنعام آية ١٢١) .
وهذا هو الظاهر، لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقى في قلبه الذي لم تثبت حراسته من الوساوس)) (١) ١.
وقال ابن القيم معلقاً على تلك العبارات:
((ومن أحالك على غير ((اخبرنا)) و ((حدثنا)) فقد أحالك إما على خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد القرآن و ((ـخبرنا)) و ((حدثنا)) إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل ضل عن سواء السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة، وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي طريق الجحيم والشيطان الرجيم)) (٢) .
стр. 16
فلما أعرض أهل التصوف عن الطريقة النبوية السلفية، تلاعب بهم الشيطان، فأوقعهم في الإفراط والتفريط، فتراهم أصحاب تشدد وتنطع ورهبانية محدثة، وحديث عن الدقائق من ((الوساوس)) و ((الخطرات)) (١) .
ثم في المقابل تجدهم أهل سماع بدعي، وأرباب رقص وغناء، ومصاحبة للأحداث، وعشق للصور المحرمة (٢)
قال ابن رجب - في بيان حال القوم:-
((ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك، بمجرد الرأي والذوق أو الكشف، وفيه خطر عظيم وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره.
стр. 17
وقد اتسع الخرق في هذا الباب، ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء، أو أنهم مستغنون عنهم ...
وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة ليست من الدين في شئ، فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة والغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً) (١) ١.
إذا تقرر ما سبق، وعرفنا اعتماد السلف الصالح على الكتاب والسنة، وأن طريقهتم في السلوك في غاية الإتباع، وأما أرباب الطرق الصوفية ففي منتهى الإحداث والابتداع. فها هنا سؤال يفرض نفسه وهو إذا لم يتيسر المسلك الشرعي الخالص إلا بنوع من الابتداع فما العمل؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – مجيبًا عن هذا السؤال: ((وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطرق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية..)) (٢) .
стр. 18
١- الوسطية:
من المعلوم أن أهل السنة والجماعة هو الوسط في فرق الأمة، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ ، وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، كما أنهم وسط في أصحاب النبي ﷺ بين الرافضة والخوارج (١) .
فإذا كان أهل السنة وسطاً في باب الاعتقاد، فكذلك هم وسط في باب السلوك بين طرفي الإفراط والتفريط، فدين اله بين الغالي فيه والجافي عنه.
إن إيمان أهل السنة بجميع النصوص الثابتة في مسألة ما قد أورثهم الخيرية والوسطية بين الفرق، وكما قال ابن تيمية:
((وكذلك (أهل السنة) في سائر أبواب السنة هم وسط، لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما اتفق عليه السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)) (٢)
ويقرر الشاطبي مفهوم الوسطية في هذا الدين فيقول:
((الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة
стр. 19
عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جارٍ على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال.. فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى احد الطرفين، كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعدال فيه..
إلى أن قال:-
فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر.
فطرف التشديد – وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف – وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه.
وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المتبرعين في الدين من مال عن التوسط، فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى، وعليه يجري النظر في الورع والزهد، وأشباههما، وما قابلهما)) (١) . ١
والآن نورد أمثلة على وسطية أهل السنة في السلوك على النحو التالي:-
أ- أهل السنة والجماعة وسط في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الوعيدية والمرجئة، فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة قد ينكرون المنكر، لكن بنوع من التعدي والإفراط، فجوزوا الخروج على أئمة الجور وقتالهم، مما ترتب عليه أنواع من الفساد والمنكرات أكثر مما أزالوه..
стр. 20
وأما المرجئة فقد تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طناً أن ذلك من باب ترك الفتنة (١) . فأهل السنة يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، مع مراعاة مقاصد الشريعة، والحرص على لزوم الجماعة والائتلاف، والبعد عن الفرقةوالاختلاف.
يقول ابن تيمية:
((أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتال أئمة الجور، والخروج عليهم إذا فعلوا ماهو ظلم، أو ماظنوه هم ظلماً، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظناً أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك، ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي (٢) .١ المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان)) (٣) .
ويقول في موضع آخر:
((الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق
стр. 21
الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم ((التتار)) ، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي تغزو معها على كل شئ من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طرفي الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً)) (١) .
ب- أهل السنة والجماعة وسط في باب الإخلاص بين المرائين والملامية.
فالمراؤن يعملون الصالحات بقصد رؤية الناس وطلب مدحهم وثنائهم، وأما الملامية فعلى النقيض من ذلك، فهم يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون نحن متبعون في الباطن (٢) .
فأهل السنة يعملون الطاعات ابتغاء وجه الله تعالى، فإذا ألقى الله لهم الثناء الحسن في قلوب الناس بذلك، فتلك عاجل بشرى المؤمن، فعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال ((تلك عاجل بشرى للمؤمن)) (٣)
لقد جمع أهل السنة بين صحة اقصد والإرادة، وصلاح العمل وموافقته للشرع، تحقيقاً لقوله تعالى:
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً
стр. 22
صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ (الكهف، آية ١١.) .
ج – أهل السنة والجماعة وسط بين المشتغلين بالعبادات القلبية فقط – كالصوفية -، والمشتغلين بالعبادات الظاهرة فحسب – مثل بعض الفقهاء – فقام أهل السنة بالعبادات الظاهرة والباطنة معاً (١) . ١
يقول ابن تيمية: ((كثر في المتفقهة من ينحرف عن طاعات القلب وعباداته، من الإخلاص لله، والتوكل عليه، والمحبة له، والخشية منه، ونحو ذلك.
وكثر في المتفقرة والمتصوفة من ينحرف عن الطاعات الشرعية، فلا يسألوا إذا حصل لهم توحيد القلب وتأهله أن يكون ما أوجبه الله من الصلوات، وشرعه من أواع القراءة والذكر والدعوات أن يتناولوا ما حرم اله من المطاعم، وأن يتعبدوا بالعبادات البدعية من الرهبانية ونحوها، ويعتاضوا بسماع المكاء والتصدية عن سماع القرآن)) (٢) .
ويقول ابن القيم: ((إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه، ولا يوجد له الثواب وقبول عمله.
ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء (الفقهاء) ، انحرف عنها هو إلى أن صرف همه إلى عبودية القلب، وعطل عبودية الجوارح، وقال المقصود
(١) ففي العبادات الباطنة – مثلاً – نراهم قد قاموا بها جميعاً خلافاً للمبتدعة. وكما قال مكحول الدمشقي – ﵀: - ((من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد.
(٢) مجموع الفتاوى ٢./٧٢،٧٣.
стр. 23
قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع.
والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل، هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم، ففسدت عبودية جوارحهم ن والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهراً وباطناً، وقدموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعاً لها، فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود، وهذا هو حقيقة العبودية) (١) .
د- أهل السنة وسط بين من يريد من الله ولا يريد الله، وبين من يريد الله ولا يريد منه، فأهل السنة يريدون الله تعالى، ويريدون من الله خلقه، قال تعالى: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعدّ للمحسنات منكن أجراً عظيماً﴾ (الأحزاب آية ٣٣) وأما الذين يريدون من الله ولا يريدون الله، فهؤلاء ليس في قلوبهم غير إرادة نعيم الجنة المخلوق، كحال أكثر المتكلمين، المنكرين رؤية الله تعالى، والتلذذ بالنظر على وجهه في الآخرة، وهم عبيد الأجرة المحضة ن فهؤلاء لا يريدون الله تعالى وتقدس، زمنهم من يصرح بأن إرادة الله تعالى محال (٢) .
وأما الذين يريدون الله ولا يريدون منه، فكحال الصوفية..
ومنشأ اشتباه واضطراب كلا الفريقين أنهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس ... ثم صاروا فريقين، أحدهما: أنكروا رؤية المؤمنين لربهم كالمتكلمين من المعتزلة والجهمية ونحوهم، والفريق الآخر أثبتوا الرؤية، لكن اخطؤا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجاً عن الجنة، فاسقطوا حرمة اسم الجنة (٣)
стр. 24
هـ- أهل السنة وسط بين أهل الفجور والفواحش، وأصحاب الرهبانية والتشدد. فأهل الفجور هم المترفون المنعمون، ممن أسرفوا على أنفسهم، فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأما المترهبون فأوقعهم في البدع غلوهم وتشديدهم، فحرموا ما أحل الله من الطيبات.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المتعدين﴾
(المائدة، آية ٨٧) .
فنهى سبحانه عن تحريم ما أحل الله من الطيبات، وعن الاعتداء في تناولها وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة، بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا، وقيل: لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس (١) .
стр. 25
٣- من معالم أهل السنة في السلوك: موافقة النصوص الشرعية لفظاً ومعنى (٢) .
فيتأدبون مع المصطلحات الشرعية الدينية، ويستمسكون بألفاظها ومعانيها، ويحققون حدودها وتعريفاتها علماً وعملاً.
وسنتحدث عن هذه المسألة من خلال ما يلي:
أ- أثنى الله على من عرف حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله، وذم من جهلها فقال سبحانه:
﴿الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً وأجدَرُ أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (التوبة، آية ٩٧) .
стр. 26
يقول ابن القيم:
"معرفة منازل العبودية ومراتبها من تمام معرفة حدود ما انزل الله على رسوله، وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق، فقال تعالى: ﴿الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً وأجدَرُ أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (التوبة، آية ٩٧) . فبمعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية، يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (١) .
ويقول أيضاً:
" فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها ... واعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلاً" (٢) ١.
ب – يقرر ابن تيمية الواجب نحو الألفاظ الشرعية فيقول:
" الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه، مثل لفظ الإيمان، والبر، والتقوى والصدق، والعدل، والإحسان والصبر، والشكر، والتوكل، والخوف، والرجاء، والحب لله، والطاعة لله وللرسول، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن، فهذه الأمور التي يحبها الله ورسوله هي الطريق الموصل إلى الله، مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب، والإثم والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك، فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله، وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه، هذا هو طريق الله وسبيله
стр. 27
ودينه الصراط المستقيم) (١) .
ويقول أيضاَ: " الألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته، ونفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما اخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر.. " (٢) .
ج- عن تحقيق معنى الأمور السلوكية، والعلم بحدودها وضوابطها الشرعية هو السبب في تمييز تلك الأمور المشروعة من غيرها.
فكثيراً ما يشتبه الزهد الشرعي – مثلاً –بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية ن وكثيراً ما تشتبه الرغبة الشرعية بالحرص والطمع والعمل الذي ضلّ سعي صاحبه (٣) .وكثيراً ما يشتبه التوكل بالإضاعة، فيضيع العبد حظه، طنَّا منه أن ذلك تفويض وتوكل، وإنما هو تضيع (٤) .
د- إن كان ثمت ألفاظ مجملة (٥) في باب الاعتقاد، كالحيز والجوهر والجسم.. الخ، فذلك في باب السلوك توجد ألفاظ مجملة كالتصوف والفناء والفقر ونحوه.
وقد تقرر أن موقف السلف الصالح من الألفاظ المجملة في الاعتقاد هو التفصيل، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها، فهو ثابت، وما نُفي بها، فهو منفي، فهم ينظرون في مقصود قائلها فإن كان معنى صحيحاً قُبِل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص الشرعية دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة ن مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم
стр. 28
المقصود معه إن لم يخاطب بها (١) .
يقول ابن تيمية – موضحاً الموقف الصحيح من هذه الألفاظ:
" وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول اقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره.
ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" (٢) ١.
وإذا كان أهل الكلام أحدثوا ألفاظاً مجملة في السلوك، هذه الألفاظ عموماً لا تخلو من مخالفات للكتاب والسنة، إضافة إلى ما فيها من التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني، فوعروا – أي المتكلمون والمتصوفة – الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ، فإذا وصلت لم تجد معك حاصلاً طائلاً، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا (٣) .
ومع ذلك كله فإن الموقف الصحيح من تلك الألفاظ المجملة في السلوك هو التفصيل، فلا تنفى بإطلاق، كما تثبت بإطلاق، وإنما يستفسر عن مقصود
стр. 29
قائلها، فإن قصد معنى صحيحاً قُبل مع مراعاة التعبير عنه بألفاظ النصوص الشرعية، وإن قصد معنى فاسداً ردَّ. وإليك أقوال بعض الأئمة في هذه المسألة:
يقول ابن تيمية: " لفظ الفقر (١) والتصوف قد أُدخل فيها أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها وإن سميت فقراً أو تصوفاً، لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر، كما يدخل في ذلك أعمال القلوب كالتوبة والصبر والشكر والرضا..، وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله ن كما يدخل فيه بعضهم نوعاً من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعاً من الرهبانية المبتدعة في الإسلام..
فهذا وأمثاله من البدع والضلالات يوجد في المنتسبين إلى طريق الفقر كما يوجد في المنتسبين إلى العلم أنواع من البدع في الاعتقاد والكلام المخالف للكتاب والسنة والتقيد بألفاظ واصطلاحات لا أصل لها في الشريعة
والمؤمن الكيس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة وأطاعوا فيه الله ورسوله، ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة ن أو عصوا فيه الله ورسوله.. " (٢) .
ويقول ابن القيم: " أعلم أن في لسان القوم (٣١) من الاستعارات، وإطلاق العام وإرادة الخاص، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم، ولهذا يقولون نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة، وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد، ويريدون بها معنى لا فساد فيه،
стр. 30
وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدعوهم وضللوهم، وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم، فصوبوا تلك العبارات، وصححوا تلك الإشارات، فطالب الحق يقبله ممن كان، ويرد ما خلفه على من كان " (١) .
ويقول الشاطبي: " وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم.
ولفظ التصوف لابد من شرحه أولاً، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم، لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين " (٢) .
ثم ذكر – ﵀ المعاني الصحيحة والفاسدة للتصوف (٣)(٤) .
стр. 31
مراعات أحوال المكلفين، وتحقيق الجانب الواقعي العملي
...
٤- من المعالم المهمة في باب السلوك: مراعاة أحوال المكلفين، وتحقيق الجانب الواقعي الإيجابي،
والابتعاد عن المثالية والسلبية، والاعتناء بالجوانب العملية بعيداً عن الاشتغال فيما لا تحته عمل (٥) .
стр. 32
وإليك بيان هذا المعلم من خلال ما يأتي:
أ - من سمات السلوك الشرعي: مراعاة أحوال المكلفين وقدراتهم وطبائعهم، والاهتمام بالجانب الواقعي الإيجابي
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا " (١) .
يقول الحافظ ابن حجر: " قوله: -سددوا) معناه: اقصدوا السداد أي الصواب، وقوله "وقاربوا " أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا " (٢) . ١
إن من مزايا هذا الدين وخصائصه: مراعاة أحوال المكلفين، وملائمة طبيعة الإنسان ن بقوته وضعفه، ونوازعه ومشاعره.
وقد أشار ابن القيم إلى هذه (الواقعية) بقوله:
" لما كان العبد لا ينفك عن الهوى مادام حياً، فإن هواه لازم له، كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، لكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، مثاله أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة، بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة على أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل على محل، وكانت الريح دبوراً فاستحالت صباً، وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأمر بالخروج عنه، بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره مما يمرنه ويعده للظفر " (٣) .
стр. 33
ولقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز – ﵀ – مدركًا لهذا الأمر، فلما قال له ابنه عبد الملك: يا أبة ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل فوالله ما كنت أبالي ولو غلت بي وبك القدور في ذلك. فقال عمر: يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب. إني لأريد أن احيي الأمر من العدل فأوخره حتى اخرج معه طمعاً من الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) (١) .
وللحسن البصري مقالة نفسية في هذا المقام، نوردها بتمامها حيث يقول ﵀:
"إن هذا الدين دين واصب، وأنه من لا يصبر عليه يدعه، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف، وكان يقال: ليأخذ أحدكم من العمل ما يطيق، فإنه لا يدري ما قدر أجله، وإن العبد ركب بنفسه العنف، وكلف نفسه ما لا يطيق أوشك أن يسيِّب ذلك كله، حتى لعله لا يقيم الفريضة، وإذا ركب نفسه التيسير والتخفيف وكلف نفسه ما تطيق كان أكيس وأمنعها من هذا العدو، وكان يقال شر السير الحقحقة (٢) " (٣) .
وهذا أبو حازم سلمة بن دينار – ﵀ – يقر هذه "الواقعية" فيجمع بين موافقة الفطرة وملائمة نوازع الإنسان، مع الاعتناء بترويض النفس وتهذيبها على طاعة الله تعالى " فلما جاء رجل لأبي حازم وقال: إني لأجد شيئاً يحزنني. قال أبو حازم: وما هو يا ابن أخي؟ قال: حبي الدنيا. فقال لي: اعلم يا ابن أخي إن هذا الشئ ما أعاتب نفسي على حب شئ حببه الله تعالى إلي، لأن الله قد حبب هذه الدنيا إلينا ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا،
стр. 34
أن لا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئاً من شئ يكرهه الله، ولا أن نمنع شيئاً من شئ أحبه الله، فإذا نحن فعلنا ذلك لا يضرنا حبنا إياها " (١) . ١
وقد أعرض طائفة من الصوفية عن تلك الواقعية في الإنسان، فلم يلتفوا إلى نوازع الإنسان وغرائزه، وخالفوا الفطرة السوية، ولذا تعذر عليهم قمع تلك الغرائز، ثم انتكسوا إلى الإغراق في الشهوات والإباحة.
ولقد تحدث ابن الجوزي عن هذا الصنف مبيناً سبب انحرافهم فقال: " إن قوماً منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من اكدارها المردية، فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء، قالوا: مالنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل. وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خُلقت الشهوات لفائدة، إذ لولا شهوة الطعام هلك الناس، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل، ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وإنما المراد من الرياضة كف النفس ما يؤذيه، وإنما المراد الرياضة كف النفس عن الهوى، وإنما تنتهي عما تطلبه، ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله : ﴿والكاظمين الغيظ﴾ (آل عمران، آية ١٣٤) . وما قال: والفاقدين الغيظ، والكظم رد الغيظ.. " (٢) .
إضافة إلى ذلك فإن بعض أرباب الزهد والسلوك قد أهملوا هذا الجانب لواقعي، وحملوا أنفسهم ما لاقبل لهم به، حيث قالوا كلمات لم يفكروا في عواقبها وآثارها.
стр. 35
كما يُذكر عن سمنون المحب أنه كان يقول:
وليس لي في سواك حظ ...
فكيف ما شئت فاختبرني
فأخذ الأسْر من ساعته، أي حُصِر بوله، فكان يدور على المكاتب ويفرِّق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّّاب.
وفي رواية أنه قال: يارب قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتُبس بوله أربعة عشر يوماً، فكان يتلوى
كما تتلوى الحية على الرمل، يتلوى يميناً شمالاً، فلما أطلق بوله قال: يا رب تبت إليك (١) .
يقول ابن تيمية معلقاً على هذه الحكاية وأمثالها:
"وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلاً، ولكن قد يُستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك، وما معه من لتقصير في معرفة حقوق الطريق..
والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح، فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصاً مخطئاً محروماً.
ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي ﷺ وهو مريض كالفرخ فقال: هل كنت دعوت الله بشئ؟ فقال: سبحان الله لا تستطيعه – أو لا تطيقه – هلاّ قَلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢") (٣) ١ ".
حرص السلف الصالح على ما ينفع، فاشتغلوا فيما تحته عمل، واجتهدوا في طاعة الله تعالى والإتباع، وانقادوا لشرع الله وحكمه، دون الخوض في
стр. 36
إشارات صوفية، أو مسالك كلامية.
فعن عائشة ﵂ قالت: " كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه " (١) .
" دخل الحسن البصري – ﵀ – المسجد فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون، فأنصت لحديثهم، ثم قال: هؤلاء قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا " (٢".
" وقال الأوزاعي – ﵀:عن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً " (٣) .
" وكان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه.. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل , لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل " (٤)
" ولما سئل الإمام مالك عن طلب العلم، قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه " (٥) .
" وتحقيقاً للاشتغال بما هو أنفع كره الإمام احمد بن حنبل – ﵀ – توسعة الكلام في دقائق أعمال القلوب والتي تنقل عن الصحابة والتابعين (٦)
إضافة إلى أن الاشتغال بتلك الدقائق والآفات الخفية ربما أوقع فيما هو أشك منها كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم – ﵀ – فقال:
стр. 37
"فلا إله إلا الله. كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه؟
فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب.... ثم بين القلب وبين الرب مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب، ورؤية العمل، ونسيان المنة، وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأي العجب، ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها، من اليأس والقنوط والاستسحار، وترك العمل، وخمود العزم، وفتور الهمة، ولهذا لما ظهرت " رعاية " (١) ١ أبي عبد الله بن الحارث بن أسد المحاسبي، واشتغل بها العباد، عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها، بالعبادة، والطبيب الحاذق يعلم كيف يطبّ النفوس، فلا يعمر قصراً ويهدم مصراً (٢") (٣)
ويقول في موضع آخر:
" وسألت يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عن هذه المسألة (تهذيب) الأخلاق وترويضها " وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها؟
فقال لي جملة كلام: النفس مثل الباطوس – وهو جبّ القذر – كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه، وتعبره وتجوزه، فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإن لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئاً ظهر غيره.
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها،
стр. 38
والاشتغال بقتلها انقطع، ول يمنه السفر قط، ولتكن همتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جداً، وأثنى على قائله " (١) .
كما أن الاشتغال بتلك الدقائق ينبغي أن يكون مسبوقاً بما هو آكد فرضاً من فعل الواجبات الظاهرة وترك المحرمات الظاهرة.
ولذا يقول ابن رجب – ﵀:-
" وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شئ من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألوني عن دم العوض، وقد قتلوا الحسين " (٢)
стр. 39
مراعات قدرات الناس في فعل الطاعات
...
٥- ومن معالم السلوك الشرعي: مراعاة تفاوت قدرات الناس في فعل الطالعات، وذلك بسبب اختلاف استعداداتهم، وتنوع مواهبهم وميولهم.
وقد قرر الإمام مالك بن انس – ﵀ – هذا المعْلَم وذلك لما كتب عبد الله العُمري العابد إلى مالك يحضّه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشْر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٣) .
стр. 40
ولما سئل ابن تيمية – ﵀ – عن الأسباب التي يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل.. هل يبدأ بالزهد؟ أو بالعلم؟ أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته؟
أجاب بقوله: " الناس يتفاضلون في هذا الباب، فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد، ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه ن ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما، فالمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير، كما قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن، آية ١٦) .
وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له، وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقاً، إذا كان متعذراً في حقه أو متعسراً يفوته ما هو أفضل له وأنفع كمن يقرأ القرآن فيتدبره وينتفع بتلاوته، والصلاة تثقل عليه، ولا ينتفع منها بعمل أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة، فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على وجهه، بل على وجه ناقص، يفوته ما هو أنفع له " (١) .
وقال – في موضع آخر:-
"وأما ما سألت عنه أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد....." (٢) .
وتحدث ابن القيم عن هذا المعلم فكان مما قاله:
" والمقصود أن الطريق إلى الله واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه على واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق